Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة طه كَيْدُ سَحِرِّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى ، فَأُلْفِى السَّحَرَةُ مُعَّدًا قَالُوَاْءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى ٧٠ فقوله - تعالى -: ﴿ قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم . بعذاب ... ﴾ حكاية لما وجهه موسى - عليه السلام - من نصح وإنذار . قيل : كان عددهم اثنين وسبعين ، وقيل : أكثر من ذلك . قال الجمل : قوله ﴿ فيسحتكم ﴾ قرأ الأخوان وحفص عن عاصم فيسحتكم - بضم الياء وكسر الحاء - . وقرأ الباقون بفتحهما . فقراءة الأخوين من أسحت الرباعى ، وهى لغة نجد وتميم ، وقراءة الباقين من سحت الثلاثى - وبابه قطع - وهى لغة الحجازيين . وأصل هذه المادة . الدلالة على الاستقصاء ، والنفاد ، ومنه سحت الحالق الشعر ، أى : استقصاء فلم يترك منه شيئا ، ويستعمل فى الإِهلاك والإِذهاب ، ونصبه بإضار أن فى جواب (١) النهى(١) . أى : قال موسى - عليه السلام - للسحرة الذين التقى بهم وجها لوجه بعد أن حشدهم فرعون أمامه ، فقال لهم: الويل والهلاك لكم ، لا تفتروا على الله - تعالى - كذبا ، بأن تقفوا فى وجهى ، وتزعموا أن معجزاتى هى نوع من السحر . فإنكم لو فعلتم ذلك أهلككم الله - تعالى - وأبادكم بعذاب عظيم من عنده . وجملة ﴿ وقد خاب من افترى﴾ معترضة لتقرير وتأكيد ما قبلها. أى : وقد خاب وخسر كل من قال على الله - تعالى - قولا باطلا لا حقيقة له ، وفرعون أول المبطلين المفترين الخاسرين ، فاحذروا أن تسيروا فى ركابه ، أو أن تطيعوا له أمرا . ويبدو أن هذه النصيحة الصادقة المخلصة كان لها أثرها الطيب فى نفوس بعض السحرة ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ﴾ والنجوى: المسارة فى الحديث . أى : وبعد أن سمع السحرة من موسى نصيحته لهم وتهديده إياهم بالاستئصال والهلاك . إذا ما استمروا فى ضلالهم ، اختلفوا فيما بينهم ، ﴿وأسروا النجوى ﴾ أى: وبالغوا فى إخفاء ما يسارون به عن موسى وأخيه - عليهما السلام - . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٩٨ . ١٢٢ المجلد التاسع فمنهم من قال - كما روى عن قتادة - : إن كان ماجاءنا به موسى سحرا فسنغلبه ، وإن كان من عند اللّه فسيكون له أمر . ومنهم من قال بعد أن سمع كلام موسى : ما هذا بقول ساحر . ومنهم من أخذ فى حض زملائه المترددين على منازلة موسى - عليه السلام - ، لأنه جاء هو وأخوه لتغيير عقائد الناس ولاكتساب الجاه والسلطان ، ولسلب المنافع التى تأتى لهم أى للسحرة عن طريق السحر .. ويبدو أن هذا الفريق الأخير هو الذى استطاع أن ينتصر على غيره من السحرة فى النهاية ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ، ويذهبا بطريقتكم المثلى * فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ . فهاتان الآيتان تشيران إلى خوف السحرة من موسى وهارون ، وإلى أنهم بذلوا أقصى جهدهم فى تجميع صفوفهم ، وفى تشجيع بعضهم لبعض ، حتى لا يستلب موسى - عليه السلام - منهم جاههم وسلطانهم ومنافعهم ... أى : قال السحرة بعضهم لبعض بطريق التناجى والإِسرار ، ما استقر عليه رأيهم ، من أن موسى وهارون ساحران ﴿ يريدان ﴾ عن طريق سحرهما أن يخرجا السحرة من أرضهم مصر : ليستوليا هما وأتباعهما عليها . ويريدان كذلك أن يذهبا بطريقتكم المثلى . أى بمذهبكم ودينكم الذى هو أمثل المذاهب وأفضلها ، ويملككم الذى أنتم فيه ، وبعيشكم الذى تنعمون به . فالمثلى : مؤنث أمثل بمعنى أشرف وأفضل . وإنما أنث باعتبار التعبير بالطريقة . هذا ، وهناك قراءات فى قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران ﴾ ذكرها الإمام القرطبى. فقال ما ملخصه : قوله - تعالى -: ﴿ إن هذان لساحران ﴾ قرأ أبو عمرو: ﴿إن هذين لساحران ﴾ وروبت - هذه القراءة - عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة ... وقرأ الزهرى والخليل ابن أحمد وعاصم فى رواية حفص عنه ﴿ إن هذان لساحران ﴾ بتخفيف ﴿ إن﴾ ... وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإِعراب ، ويكون معناها : ما هذان إلا ساحران . ١٢٣ سورة طه وقرأ المدنيون والكوفيون: ﴿إن هذان﴾ بتشديد إن ﴿ لساحران﴾ فوافقوا المصحف وخالفوا الإِعراب . فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة من الأئمة .. والعلماء فى قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال : الأول أنها لغة بنى الحارث بن كعب وزبيد وخثعم .. ، يجعلون رفع المثنى ونصبه وخفضه بالألف .. وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية(١). والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿فأجمعوا كيدكم ... ﴾ فصيحة، أى: إذا كان الأمر كذلك من أن موسى وهارون قد حضرا ليخرجاكم من أرضكم بسحرهما .. ﴿ فأجمعوا كيدكم ﴾ أى : فأحكموا سحركم واعزموا عليه ولا تجعلوه متفرقا . يقال : أنجمع فلان رأيه وأزمعه ، إذا عزم عليه وأحكمه واستعد لتنفيذه وقوله ﴿ ثم ائتوا صفا ﴾ أى: ثم ائتوا جميعا مصطفين، حتى يكون أمركم أكثر هيبة فى النفوس ، وأعظم وقعا على القلوب ، وأدعى إلى الترابط والثبات وقوله ﴿ وقد أفلح اليوم من استعلى ﴾ تذييل مؤكد لما قبله . أى : وقد أفلح وفاز بالمطلوب فى يوم النزال من طلب العلو ، وسعى من أجله ، واستطاع أن يتغلب على خصمه ، لأننا إذا تغلبنا على موسى كانت لنا الجوائز العظمى ، وإذا تغلب علينا خسرنا خسارة ليس هناك ما هو أشد منها . وحانت ساعة المبارزة والمنازلة . فتقدم السحرة نحو موسى - عليه السلام - وقالوا له - كما حكى القرآن عنهم -: ﴿ .. يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى ﴾. والإلقاء فى الأصل: طرح الشىء، ومفعول ((تلقى)) محذوف للعلم به ، والمراد به العصا . أى ؛ قال السحرة لموسى على سبيل التخيير الذى يبدو فيه التحدى والتلويح بالقوة : يا موسى إما أن تلقى أنت عصاك قبلنا ، وإما أن تتركنا لنلقى حبالنا وعصينا قبلك . قال الآلوسى : خيروه - عليه السلام - وقدموه على أنفسهم إظهارا للثقة بأمرهم . وقيل. مراعاة للأدب معه - عليه السلام -. و((أن)) مع ما فى حيزها منصوب بفعل مضمر . أى ، إما تختار إلقاءك أو تختار كوننا أول من ألقى . أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . أى: ((الأمر إما إلقاؤك أو كوننا أول من ألقى .. )(٢). (٢) تفسر الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٢٦. (١) راجع تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٢١٦ . ١٢٤ المجلد التاسع ثم حكى القرآن بعد ذلك أن موسى - عليه السلام - ترك فرصة البدء لهم ، واستبقى لنفسه الجولة الأخيرة ، فقال - تعالى - : ﴿ قال بل ألقوا ، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ﴾. والتخيل: هو إبداء أمر لا حقيقة له . ومنه الخيال ، وهو الطيف . الطارق فى النوم أى : قال موسى - عليه السلام - للسحرة فى الرد على تخييرهم له ، ابدأوا أنتم بإلقاء ما معكم من حبال وعصى . والفاء فى قوله : ﴿ فإذا حبالهم وعصيهم ... ﴾ فصيحة وهى معطوفة على كلام محذوف ، وإذا هى الفجائية . أى : قال لهم موسى بل ألقوا أنتم أولا ، فامتثلوا أمره وألقوا ما معهم ، فإذا حبالهم وعصيهم التى طرحوها ، جعلت موسى - لشدة اهتزازها واضطرابها - يخيل إليه من شدة سحرهم ، أن هذه الحبال والعصى حيات تسعى على بطونها . قال ابن كثير : وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد ، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها ، وإنما كانت حيلة ، وكانوا جماً غفيرا ، وجمعا کبیرا - أى السحرة - فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادى ملآن حيات ، يركب بعضها بعضا .. (١) . ويبدو أن فعل السحرة هذا، قد أثر فى موسى - عليه السلام - بدليل قوله - تعالى - : فأوجس فى نفسه خيفة موسى ﴾ . والإِيجاس : الإِخفاء والإِضمار، والخيفة: الخوف . أى ؛ فأخفى موسى - عليه السلام - فى نفسه شيئا من الخوف ، حين رأى حبال السحرة وعصيهم كأنها حيات تسعى على بطونها ، وخوفه هذا حدث له بمقتضى الطبيعة البشرية عندما رأى هذا الأمر الهائل من السحر ، وبمقتضى أن يؤثر هذا السحر فى نفوس الناس فيصرفهم عما سيفعله . وهنا ثبته الله - تعالى - وقواه ، وأوحى إليه - سبحانه - بقوله: ﴿ قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ﴾ . أى : قلنا له عندما أوجس فى نفسه خيفة من فعل السحرة : لا تخف يا موسى مما فعلوه ، إنك أنت الأعلى عليهم بالغلبة والظفر . أنت الأعلى لأن معك الحق ومعهم الباطل . وقد أكد الله - تعالى - هذه البشارة لموسى بجملة من المؤكدات أحدها : إن المؤكدة ، (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٩٤ - طبعة دار الشعب - . ١٢٥ سورة طه وثانيها : تكرير الضمير وثالثها : التعبير بالعلو المفيد للاستعلاء عليهم . وقوله - سبحانه - : ﴿وألق ما فى يمينك تلقف ماصنعوا .. ﴾ زيادة فى تشجيعه وتثبيته. وتلقف من اللقف بمعنى الأخذ للشىء بسرعة وخفة . يقال : لقف فلان يلقَفهُ لقْفا ولقَفَاناً، إذا تناوله بسرعة وحذق باليد أو الفم . وفى هذه الكلمات ثلاث قراءات سبعية، أحدها: ((تَلَقِّفْ)) بتاء مفتوحة مخففة، بعدها لام مفتوحة ، ثم قاف مشددة وفاء ساكنة ، وأصل الفعل تتلقف ، فحذفت إحداهما تخفيفا ، وهو مجزوم فى جواب الأمر وهو ﴿ألق ﴾. وثانيها: ﴿ تَلَقَّفُ﴾ كالقراءة السابقة مع ضم الفاء ، على أن الفعل خبر لمبتدأ محذوف. أى : وألق ما فى يمينك فهى تلقف ما صنعوا . وثالثها: ﴿ تلقَفْ﴾ بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف المخففة وجزم الفعل كالقراءة الأولى . والمراد بما فى يمينه عصاه ، كما جاء ذلك صريحا فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - : ﴿فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون وعبر عنها بقوله: ﴿ ما فى يمينك ﴾ على سبيل التهويل من شأنها ، أو لتذكيره بما شاهده منها بعد أن قال الله - تعالى - له قبل ذلك ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى .. قال ألقها يا موسى، فألقاها فإذا هى حية تسعى ... ﴾ . والمعنى : وألق يا موسى ما فى يمينك تبتلع كل ما صنعه السحرة من تمويه وتزوير وتخييل ، جعل الناس يتوهمون أن حبالهم وعصيهم تسعى . قال ابن كثير : وذلك أنها صارت تنينا هائلا - أى حية عظيمة - ذا عيون وقوائم وعنق ورأس وأضراس ، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصى حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته وابتلعته ، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهارا نهارا .. فقامت المعجزة ، واتضح البرهان ، وبطل ما كانوا يعملون(١) . وقوله : ﴿إنما صنعوا كيد ساحر ﴾ تعليل لقوله ﴿تلقف ما صنعوا﴾ و﴿ما﴾ موصولة وهى اسم إن ، وؤكيد ﴾ خبرها ، والعائد محذوف. والتقدير : وألق يا موسى عصاك تلقف ما صنعوه ، فإن الذى صنعوه إنما هو كيد من جنس كيد السحرة وصنعهم وتمويههم . ( ١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٩٦ . ١٢٦ المجلد التاسع ﴿ولا يفلح الساحر﴾ أى ولا يفوز هذا الجنس من الناس ﴿حيث أتى ﴾ أى: حيث كان فحيث ظرف مكان أريد به التعميم . أى: أن الساحر لا يفلح ولا يفوز أينما كان، وحيثما أقبل ، وأنّى اتجه ، لأنه يصنع للناس التخييل والتمويه والتزوير والتزييف للحقائق . قال صاحب الكشاف : ((فإن قلت : لم وحد ساحر ولم يجمع ؟ قلت : لأن القصد فى هذا الكلام إلى معنى الجنسية ، لا إلى معنى العدد . فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد (١). ثم كانت بعد ذلك المفاجأة الكبرى فقد آمن السحرة حين رأوا مارأوا بعد أن ألقى موسى ما فى يمينه ، قال - تعالى -: ﴿ فألقى السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى ﴾. قال الآلوسى: ((والفاء فى قوله ﴿فألقى ... ﴾ فصيحة معربة عن جمل غنية عن التصريح)). أى : فزال الخوف ، وألقى موسى ما فى يمينه ، وصارت حية ، وتلقفت حبالهم وعصيهم ، وعلم السحرة أن ذلك معجزة ، فخروا سجدا لله على وجوههم قائلين آمنا برب هارون وموسى .. (٢). والحق أن التعبير بقوله - تعالى - : ﴿فألقى السحرة سجدا .. ﴾ يدل على قوة البرهان الذى عاينوه ، حتى لكأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التى عاينوها ، وأطلق - سبحانة - عليهم اسم السحرة فى حال سجودهم له - تعالى - وإيمانهم به ، نظرا إلى حالهم الماضية . وهكذا النفوس النقية عندما يتبين لها الحق ، لا تلبث أن تفىء إليه ، وتستجيب لأهله . قال الكرخى : خروا ساجدين لله لأنهم كانوا فى أعلى طبقات السحر ، فلما رأوا ما فعله موسى خارجا عن صناعتهم ، عرفوا أنه ليس من السحر ألبتة (٣). وقال صاحب الكشاف: (( ما أعجب أمرهم ، قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود . ثم ألقوا رءوسهم بعد ساعة للشكر والسجود. فما أعظم الفرق بين الإِلقاءين))(٤). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما توعد فرعون به السحرة ، وموقفهم من هذا الوعيد فقال - تعالى - : (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٧٥ . (٢) تفسير الآلوسي جـ ١٦ ص ٢٣٠. (٣) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٠١ . (٤) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٧٥ . ١٢٧ سورة طه قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْإِنَّهُ لَكَبِيُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّخْرٌ فَلَأُ قَطْعَنَ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَفٍ وَلَّأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ) قَالُوْلَنْ تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ اَلْبِنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ اَلْحَيَوَةَ الدُّنْيَاَ ﴿ إِنَّاءَامَنَّابِرَبِنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ ﴿٨) إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّلَهُ جَهَمَلَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى ) وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنَاقَدْ عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الذَّرَحَتُّ الْعُلَى جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَجِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَأَ وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَّكَى ٧٦ أى : قال فرعون للسحرة بعد أن شاهدهم وقد خروا لله - تعالى - ساجدين: ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم ﴾ أى : هل آمنتم لموسى وصدقتموه فى دعوته وانقدتم له ، قبل أن أعطيكم الإِذن بذلك . فالاستفهام للتقريع والتهديد . ﴿إنه لكبيركم الذى علمكم السحر ﴾ أى: أن موسى الذى انقدتم له لهو كبيركم وشيخكم الذى علمكم فنون السحر ، فأنتم تواطأتم معه . وآمنتم به لأنكم من أتباعه . وغرضه من هذا القول صرف الناس عن التأسى بهم ، وعن الإِيمان بالحق الذى آمن به السحرة والظهور أمام قومه بمظهر الثبات والتماسك بعد أن استبد به وبهم الخوف والهلع ، من هول ما رأوه . ثم أضاف إلى قوله هذا تهديدا أشد فقال : ﴿ فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ولأصلبنكم فى جذوع النخل ﴾ . أى: فوالله لأقطعن أيديكم اليمنى - مثلا - مع أرجلكم اليسرى ، ولأصلبنكم على ١٢٨ المجلد التاسع جذوع النخل ، لتكونوا عبرة لغيركم ممن تسول له نفسه أن يفعل فعلكم . فالمراد من قوله ((من خلاف)) أى : من الجهة المخالفة أو من الجانب بأن يقطع اليد اليمنى ومعها الرجل اليسرى ، لأن ذلك أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة إذ قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شىء كامل صحيح ، بخلاف قطعهما من جهتين مختلفتين فإنه إفساد للجانبين . واختار أن يصلبهم فى جذوع النخل ، لأن هذه الجذوع أخشن من غيرها والتصليب عليها أشق من التصليب على غيرها ، وأظهر للرائى لعلوها عن سواها . فهو لطغيانه وفجوره اختار أقسى ألوان العذاب ليصبها على هؤلاء المؤمنين . قال الجمل: قوله: ﴿ولأصلينكم فى جذوع النخل﴾ يحتمل أن يكون حقيقة. وفى التفسير أنه نقر جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا . ويحتمل أن يكون مجازا وله وجهان: أحدهما : أنه وضع حرفا مكان آخر ، والأصل على جذوع النخل ، والثانى : أنه شبه تمكنهم بتمكن من حواه الجذع واشتمل عليه . وقال الكرخى ((فى)) بمعنى ((على)) مجازا، من حيث إنه شبه تمكن المصلوب بالجذع ، بتمكن المظروف فى الظرف وهذا هو المشهور(١) . وقوله: ﴿ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى﴾ تهديد فوق تهديد، ووعيد إثر وعيد. أى : والله لتعلمن أيها السحرة أينا أشد تعذيبا لكم ، وأبقى فى إنزال الهلاك بكم ، أنا أم موسى وربه . وكأنه بهذا التهديد يريد أن يهون من كل عذاب سوى عذابه لهم ، ومن كل عقاب غير عقابه إياهم . وهذا التهديد التى حكاه الله - تعالى - هنا ، قد جاء ما يشبهه فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -: ﴿ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم، إن هذا لمكر مكرتموه فى المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلينكم أجمعين﴾(٢). ثم حكى - سبحانه - أن السحرة بعد أن استقر الإِيمان فى قلوبهم ، قد قابلوا تهديد فرعون لهم بالاستخفاف وعدم الاكتراث فقال: ﴿قالوا لن تؤثرك على ما جاءنا من البينات ، (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٠١ . (٢) سورة الأعراف الآيتان ١٢٣، ١٢٤ . ١٢٩ سورة طه والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض .. ﴾ . أى : قال السحرة فى ردهم على تهديد فرعون لهم : لن نختارك يا فرعون ولن نرضى بأن تكون من حزبك ، ولن نقدم سلامتنا من عذابك .. على ما ظهر لنا من المعجزات التى جاءنا بها موسى ، والتى على رأسها عصاه التى ألقاها فإذا هى تبتلع حبالنا وعصينا . وجملة ((والذى فطرنا)» الواو فيها للعطف على ((ما)) فى قوله ﴿ ما جاءنا﴾. أى : لن نختارك يا فرعون على الذى جاءنا من البينات على يد موسى ، ولا على الذى فطرنا أى ؛ خلقنا وأوجدنا فى هذه الحياة . ويصح أن تكون هذه الواو للقسم ، والموصول مقسم به ، وجواب القسم محذوف دل عليه ما قبله ، والمعنى : وحق الذى فطرنا لن تؤثرك يا فرعون على ما جاءنا من البينات . وقوله : ﴿فاقض ما أنت قاض ﴾ تصریح منهم بأن تهديده لهم لا وزن له عندهم ، ورد منهم على قوله : ﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾. أى: لن نقدم طاعتك على طاعة خالقنا بعد أن ظهر لنا الحق ، فافعل ما أنت فاعله ، ونفذ ما تريد تنفيذه فى جوارحنا ، فهى وحدها التى تملكها ، أما قلوبنا فقد استقر الإِيمان فيها ، ولا تملك شيئا من صرفها عما آمنت به . قال بعض العلماء : واعلم أن العلماء اختلفوا : هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به ، أو لم يفعله بهم ؟ . فقال قوم : قتلهم وصليهم ، وقوم أنكروا ذلك ، وأظهرهما عندى : أنه لم يقتلهم ، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله - تعالى - لأن الله قال لموسى وهارون: ﴿أنتما ومن ﴾ (١) . اتبعكما الغالبون وقوله : ﴿إنما تقضى هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ﴾ تعليل لعدم مبالاتهم بتهديده لهم . أى : افعل يافرعون ما أنت فاعله بأجسامنا ، فإن فعلك هذا إنما يتعلق بحياتنا فى هذه الحياة الدنيا ، وهى سريعة الزوال ، وعذابها أهون من عذاب الآخرة . إنا آمنا بربنا﴾ وخالقنا ومالك أمرنا ﴿ ليغفر لنا خطايانا﴾ السالفة، التى اقترفناها بسبب الكفر والإِشراك به - سبحانه - . · ليغفر لنا ﴿ ما أكرهتنا عليه من السحر ﴾ لكى نعارض به موسى - عليه (١) تفسير أضواء البيان جـ ٥ ص ٤٧٤. للشيخ الشنقيطى. ١٣٠ المجلد التاسع السلام - معارضة من هو على الباطل لمن هو على الحق ، وقد كنا لا نملك أن نعصيك . وخصوا السحر بالذكر مع دخوله فى خطاياهم ، للإشعار بشدة نفورهم منه ، وبكثرة كراهيتهم له بعد أن هداهم الله إلى الإِيمان . وقوله: ﴿والله خير وأبقى﴾ تذييل قصدوا به الرد على قول فرعون لهم: ﴿ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ﴾ . أى : والله - تعالى - خير ثوابا منك يا فرعون، وأبقى جزاء وعطاء ، فإن ثوابه - سبحانه - لا نقص معه ، وعطاءه أبقى من كل عطاء . وقوله - عز وجل -: ﴿ إنه من يأت ربه مجرما ... ﴾ يصح أن يكون كلاما مستأنفا ساقه الله - تعالى - لبيان سوء عاقبة المجرمين ، وحسن عاقبة المؤمنين . ويصح أن يكون من بقية كلام السحرة فى ردهم على فرعون . والمعنى: ﴿إنه ﴾ أى الحال والشأن ﴿ من يأت ربه) يوم القيامة فى حال كونه بجرما ﴾ . أى : مرتكبا لجريمة الكفر والشرك بالله - تعالى - ﴿ فإن له ﴾ أى : لهذا المجرم جهنم﴾ يعذب فيها عذابا شديدا من مظاهره أنه ﴿ لا يموت فيها﴾ فيستريح ﴿ولا يحيى﴾ حياة فيها راحة . كما قال - تعالى -: ﴿ والذين كفروا لهم نارجهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ، ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزى كل كفور ﴾(١). ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين فقال: ﴿ومن يأته مؤمنا) به إيمانا حقا ، و ﴿ قد عمل﴾ الأعمال ﴿الصالحات﴾ بجانب إيمانه. ﴿فأولئك﴾ الموصوفون بتلك الصفات ﴿لهم﴾ بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ﴿الدرجات العلى ﴾ أى: المنازل الرفيعة ، والمكانة السامية . وقوله : ﴿جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار ) يدل على الدرجات العلى. أى : لهم جنات باقية دائمة تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار ﴿ خالدين فيها ﴾ خلودا أبديا . وذلك ﴾ العطاء الجزيل الباقى جزاء من تزكى، أى من تطهر وتجرد من دنس الكفر والمعاصى . (١) سورة فاطر الآية ٣٦ . ١٣١ سورة طه وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت لنا بأسلوبها البليغ المؤثر ، تلك المحاورات الطويلة التى دارت بين موسى وفرعون والسحرة .. والتى انتهت بانتصار الحق واندحار الباطل . ثم ساق - سبحانه - جانبا من النعم التى أنعم بها على بنى إسرائيل ، وحذرهم من جحودها ، فقال - تعالى -: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِ الْبَحْرِبَسَا لََّتَخَفُ دَرَّكَاوَلَا تَخْشَى ﴿ فَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ, وَمَا هَدَى ◌َّ يَبَنِيِّ إِسْرَِّ يِلَ قَدْ أَنْتَّتَكُم مِّنْ عَدُوَّكُمْ وَوَعَدْنَكُمْ جَانِبَ الُورِ آلْأَثْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَ وَالسَّلْوَى كُواْ مِن طَيِبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْفِيهِ فَيَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبِىِّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىْ ﴿، وَإِنِّ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَائِحًا ثُمَ آَهْتَدَى ٨٢ قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله - سبحانه - : ﴿ولقد أوحينا الى موسى أن أسر بعبادى ... ﴾ حكاية إجمالية لما انتهى اليه أمر فرعون وقومه ، وقد طوى - سبحانه - ذكر ما جرى عليهم بعد أن تغلب موسى على السحرة .. وبعد أن مكث موسى يبلغهم دعوة الله - تعالى - مدة طويلة ويطلب منهم إرسال بنى اسرائيل معه))(١) . وصدرت الآية الكريمة باللام الموطنة للقسم وبقد تأكيدا لهذا الإيحاء ، وتقريرا له ... أى: والله لقد أوحينا إلى عبدنا موسى - عليه السلام - وفلنا له : سر بعبادی من بنى إسرائيل فى أول الليل متجها بهم من مصر إلى البحر الأحمر فإذا ما وصلت إليه ، ﴿فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا﴾ . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٣٥ . ١٣٢ المجلد التاسع أى : فاجعل لهم طريقا فى البحر يابسا ، فالضرب هنا بمعنى الجعل كما فى قولهم : ضرب له فى ماله سها . إذا جعل له سها . والمراد بالطريق جنسه فإن الطرق التى حدثت بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر . كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بنى اسرائيل . وعبر - سبحانه - عن بنى إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية لله - تعالى - للإِشعار بعطفه - عز وجل - عليهم ورحمته بهم ، وللتنبيه على طغيان فرعون حيث استعبد واستذل عبادا للخالق - سبحانه - وجعلهم عبيدا له . . قال الجمل: ((وقوله ﴿ يبسا﴾ صفة لقوله ﴿طريقا﴾ وصف به لما يؤول إليه، لأنه لم يكن يبسا بعد . وإنما مرت عليه الصبا فجففته . وقيل : هو فى الأصل مصدر وصف به للمبالغة ، أو على حذف مضاف، أو جمع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة))(١) . وقوله - سبحانه - : ﴿ لا تخاف درکا ولا تخشى ﴾ تذییل قصد به تثبيت فؤاد موسى - عليه السلام - وإدخال الطمأنينة على قلبه . والدرك : اسم مصدر بمعنى الإِدراك . والجملة فى محل نصب على الحال من فاعل (( اضرب». أى : اضرب لهم طريقا فى البحر يابسا ، حالة كونك غير خائف من أن يدركك فرعون وجنوده من الخلف ، وغير وجل من أن يغرقكم البحر من أمامكم . فالآية الكريمة قد اشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس الأمان والاطمئنان فى قلب موسى ومن معه . ثم بين - سبحانه - موقف فرعون بعد أن علم بأن موسى قد خرج بقومه من مصر فقال - تعالى -: ﴿ فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ﴾ . . أى : وبعد أن علم فرعون بخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر ، جمع جنوده وأسرع فى طلب موسى ومن معه ، فكانت نتيجة ذلك ، أن أغرق الله - تعالى - فرعون وجنوده فى البحر . وأهلكهم عن آخرهم ... والتعبير بالاسم المبهم الذى هو الموصول فى قوله ﴿ فغشيهم من اليم ما غشيهم ﴾ يدل على تعظيم ما غشيهم وتهويله ، أى: فعلاهم وغمرهم من ماء البحر ما لا يعلم كنهه إلا الله - تعالى - بحيث صاروا جميعا فى طيات أمواجه . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٠٣. ١٣٣ سورة طه ونظيره قوله - تعالى -: ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ) وقوله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : ﴿ما غشيهم ﴾ من باب الاختصار ومن جوامع الكلم التى تستقل مع قلتها بالمعانى الكثيرة . أى : غشيهم مالا يعلم كنهه إلا الله - تعالى - وقرىء فغشاهم من اليم ما غشاهم ، والتغشية: التغطية ... (١) . وقوله - سبحانه - : ﴿وأضل فرعون قومه وما هدى ﴾ بيان لحال فرعون قبل أن يهلكه الله - تعالى - بالغرق . أى : وأضل فرعون فى حياته قومه عن طريق الحق ، وما هداهم إليها وإنما هداهم الى طريق الغى والباطل ، فكانت عاقبتهم جميعا الاستئصال والدمار . وما اشتملت عليه الآيتان من إجمال بالنسبة لتلك الأحداث ، قد جاء مفصلا فى آيات أخرى ومن ذلك قوله - تعالى - فى سورة الشعراء : ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادی إنكم متبعون . فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين . إن هؤلاء لشرذمة قليلون . وإنهم لنا الغائظون . وإنا لجميع حاذرون . فأخرجناهم من جنات وعيون . وكنوز ومقام كريم . كذلك وأورثناها بنى إسرائيل . فأتبعوهم مشرقين . فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون . قال كلا إن معى ربى سيهدين . فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق . فكان كل فرق كالطود العظيم . وأزلفنا ثم الآخرين . وأنجينا موسى ومن معه أجمعين . ثم أغرقنا الآخرين ﴾(٢). ثم ذكر - سبحانه - بنى إسرائيل بنعمه عليهم فقال : ﴿يابنى إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ﴾ فرعون وجنده ، بأن أغرقناهم أمام أعينكم وأنتم تنظرون إليهم ، بعد أن كانوا يسومونكم سوء العذاب . ﴿وواعدناكم جانب الطور الأيمن ﴾ أى: وواعدنا نبيكم موسى فى هذا المكان لإعطائه التوراة لهدايتكم وإصلاح شأنكم ، وهذا الوعد هو المشار إليه بقوله - تعالى - : ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾. قال صاحب الكشاف : ذكرهم النعمة فى نجاتهم وهلاك عدوهم ، وفيما واعد موسى من المناجاة بجانب الطور ، وكتب التوراة فى الألواح . وإنما عدى المواعدة إليهم لأنها لا بستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم ، وإليهم رجعت منافعها التى قام بها دينهم وشرعهم (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٧٨ . ( ٢ ) الآيات ٥٢ - ٦٦ ١٣٤ المجلد التاسع وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه .. (١). وقال القرطبى ما ملخصه : وقوله: ﴿جانب﴾ نصب على المفعول الثانى لقوله واعدنا .. و ﴿ الأيمن) نصب لأنه نعت للجانب، إذ ليس للجبل يمين ولا شمال. وتقدير الآية : وواعدناكم إتيان جانب الطور ثم حذف المضاف . أى : أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام وقيل : وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتى جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة ، فالوعد كان لموسى ، ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم .. (٢) . وقوله : ﴿ونزلنا عليكم المن والسلوى﴾ نعمة ثالثة من نعمه - سبحانه - عليهم. والمن : مادة حلوة لزجة تشبه العسل كانت تسقط على الشجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . والسلوى : طائر لذيذ الطعم ، يشبه الطائر الذى يسمى السمانى ، كانوا يأخذونه ويتلذذون بأكله . وقيل: هما كناية عما أنعم الله به عليهم، وهما شىء واحد، سمى أحدهما ((منا)) لامتنان الله - تعالى - عليهم، وسمى الثانى ((سلوى)) لتسليتهم به . أى: ونزلنا عليكم بفضلنا ورحمتنا وأنتم فى التيه تلك المنافع والخيرات التى تأخذونها من غير كد أو تعب . والأمر فى قوله - سبحانه - ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ للإِباحة، والجملة مقول لقول محذوف . أى: وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم من المن والسلوى ، ومن غيرهما من اللذائذ التى أحلها الله لكم . وقوله - تعالى -: ﴿ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى ﴾ تحذير لهم من تجاوز الحدود التى شرعها الله - تعالى - لهم، إذ الطغيان مجاوزة الحد فى كل شىء . والضمير فى قوله ﴿ فيه﴾ يعود إلى الموصول الذى هو ﴿ما﴾ فى قوله: ﴿ ما رزقناكم﴾ ويحل - بكسر الحاء - بمعنى يجب. يقال: حل أمر الله على فلان يحل حلالا بمعنى وجب . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٧٩ . (٢) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٢٣٠ . ١٣٥ سورة طه وقرأ الكسائى ﴿ فيحل﴾ بضم الحاء بمعنى ينزل يقال: حل فلان بالمكان يحل - بالضم حلولا ، إذا نزل به . والمعنى : كلوا يابنى اسرائيلى من الطيبات التى رزقكم الله إياها واشكروه عليها، ولا تتجاوزوا فيما رزقناكم الحدود التى شرعناها لكم ، فإنكم إذا فعلتم ذلك حق عليكم غضبى ، ونزل بكم عقابى ، ومن حق عليه غضبى ونزل به عقابى ﴿ فقد هوى﴾ أى: إلى النار . وأصله السقوط من مكان مرتفع کجبل و نحوه . يقال : هوی فلان - بفتح الواو - یهوی - بكسرها - إذا سقط إلى أسفل ، ثم استعمل فى الهلاك للزومه له . ثم فتح - سبحانه - باب الأمل لعباده فقال: ﴿وإنى لغفار﴾ أى: لكثير المغفرة ﴿لمن تاب﴾ من الشرك والمعاصى ﴿وآمن﴾ بكل ما يجب الإِيمان به ﴿وعمل صالحا﴾ أى: وعمل عملا مستقيما يرضى الله - تعالى -. ﴿ ثم اهتدى﴾ أى: ثم واظب على ذلك، وداوم على استقامته وصلاحه إلى أن لقى الله - تعالى - . وثم فى قوله ﴿ ثم اهتدى﴾ للتراخى النسبى، إذ أن هناك فرقا كبيرا بين من يتوب إلى الله - تعالى - ويقدم العمل الصالح ، ويستمر على ذلك إلى أن يلقى الله - تعالى - وبين من لا يداوم على ذلك . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فتنة قوم موسى - عليه السلام - بعد أن ذهب لمناجاة ربه ، وكيف انقادوا لخديعة السامرى لهم .. فقال - تعالى -: وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى ﴾ قَالَ هُمْ أُوْلَاء عَلَى أَثَرِى وَعَِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَّضَى ﴾ قَالَ فَإِنَاقَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ ◌َ فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأَقَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ اُلْعَهْدُ أَمْ أَرَدِّتُمْ أَنْ يَحِلّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمُ مَّوْعِدِى ﴿ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنّا جُمِلْنَآ ١٣٦ المجلد التاسع أَوْزَارًاً مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَ فْنَهَا فَكَذَلِكَ أَلَّقَى السَّامُِ « فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلَا جَسَدً ا لَّهُ، خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَّهُ مُوسَى فَنَسِىَ ﴿٨) أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِرْقَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ® ١ وهذه الآيات الكريمة تحكى قصة ملخصها : أن موسى عليه السلام بعد أن أهلك الله - تعالى - فرعون وجنوده ، سار ببنى إسرائيل متجها ناحية جبل الطور ، ثم تركهم مستخلفا عليهم أخاه هارون ، وذهب لمناجاة ربه ومعه سبعون من وجهائهم ، ثم عجل من بينهم شوقا للقاء ربه ، فأخبره - سبحانه - بما أحدثه قومه فى غيبته عنهم . وجملة ﴿وما أعجلك عن قومك ياموسى ﴾ مقول القول محذوف . والمعنى : وقلنا لموسى : أى شىء جعلك تتعجل المجىء إلى هذا المكان قبل قومك وتخلفهم وراءك ، مع أنه ينبغى لرئيس القوم أن يتأخر عنهم فى حالة السفر ، ليكون نظره محيطا بهم ونافذا عليهم ؟ . فأجاب موسى معتذرا لربه - تعالى - بقوله : ﴿هم أولاء على أثرى﴾ أى: على مقربة منى ، وسيلحقون بى بعد زمن قليل ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ أى: وقد حملنى على أن أحضر قبلهم ، شوقى إلى مكالمتك - يا إلهى - وطمعى فى زيادة رضاك عنى . فموسى - عليه السلام - قد علل تقدمه على قومه فى الحضور بعلتين : الأولى : أنهم كانوا على مقربة منه . والثانية : حرصه على استدامة رضى ربه عنه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: ﴿ ما أعجلك ﴾ سؤال عن سبب العجلة ، فكان الذى ينطبق عليه من الجواب أن يقال : طلب زيادة رضاك أو الشوق فى كلامك . وقوله : ﴿هم أولاء على أثرى ﴾ كما ترى غير منطبق عليه ؟. قلت : قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين : أحدهما : إنكار العجلة فى نفسها ، والثانى : السؤال عن سببها الحامل عليها ، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر ، وتمهيد العلة فى نفس ما أنكر عليه ، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدم يسير ، مثله لا يعتد به فى العادة ، ولا يحتفل به ، وليس بينى وبين من سبقته إلا مسافة قريبة ، يتقدم بمثلها الوفد رئيسُهم ١٣٧ سورة طه (١) ومقدمُهم . ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: ﴿وعجلت إليك رب لترضى وقوله - تعالى -: ﴿قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى ﴾ إخبار منه - سبحانه - بما فعله قومه بعد مفارقته لهم . وكلمة ﴿ فتنا﴾ من الفتن ومعناه لغة: وضع الذهب فى النار ليتبين أهو خالص أم زائف. والفتنة تطلق فى القرآن بإطلاقات متعددة منها : الدخول فى النار كما فى قوله - تعالى - : يوم هم على النار يفتنون﴾. ومنها الحجة كما فى قوله - تعالى -: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾. ومنها: الاختبار والامتحان ، كما فى قوله - سبحانه -: ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾. ومنها الاضلال والاشراك، كما فى قوله - تعالى -: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ وقوله - سبحانه -: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا .. ﴾. ويبدو أن المراد بالفتنة هذا المعنى الأخير وهو الإِضلال والشرك ، لأن فتنتهم كانت بسبب عبادتهم للعجل فى غيبة موسى - عليه السلام - . ويدل على هذا قوله - تعالى - : ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار .. ﴾ . والسامرى : اسم للشخص الذى كان سببا فى ضلال بنى إسرائيل ، قيل : كان من زعماء بنى اسرائيل وينسب إلى قبيلة تعرف بالسامرة . وقيل : إنه كان من قوم يعبدون البقر ، وقيل غير ذلك من أقوال مظنونة غير محققه . أى : قال الله - تعالى - لموسى: فإنا قد أضللنا قومك من بعد مفارقتك لهم ، وكان السبب فى ضلالهم السامرى ، حيث دعاهم إلى عبادة العجل فانقادوا له وأطاعوه . وقوله - تعالى -: ﴿ فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ﴾ بيان لما كان منه - عليه السلام - بعد أن علم بضلال قومه . وكان رجوع موسى إليهم بعد أن ناجى ربه ، وتلقى منه التوراة . قال الآلوسى ما ملخصه : ﴿فرجع موسى إلى قومه﴾ عند رجوعه المعهود أى: بعد ما استوفى الأربعين (( ذا القعدة وعشر ذى الحجة)) وأخذ التوراة لاعقيب الإِخبار المذكور ، فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هى باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله ﴿ غضبان أسفا﴾ لا باعتبار نفسه، وإن كانت داخلة عليه حقيقة ، فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب الوهم إلى كونه عند الإِخبار المذكور ... )) (٢). (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٨١ . ( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٤٤ . ٠٠ ١٣٨ المجلد التاسع والمعنى فرجع موسى إلى قومه - بعد مناجاته لربه وبعد تلقيه التوراة حالة كونه ﴿ غضبان أسفا ﴾ أى : غضبان شديد الغضب . فالمراد بالأسف شدة الغضب ، وقيل المراد به الحزن والجزع . ثم بين - سبحانه - ما قاله موسى لقومه بعد رجوعه إليهم فقال : ﴿ قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا .. ﴾ . أى: قال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا لا سبيل لكم إلى إنكاره ، ومن هذا الوعد الحسن : إنزال التوراة لهدايتكم وسعادتكم، وإهلاك عدوكم أمام أعينكم . فلماذا أعرضتهم عن عبادته وطاعته مع أنكم تعيشون فى خيره ورزقه .. ؟ . ثم زاد فى تأنيبهم وفى الإِنكار عليهم فقال: ﴿ أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدى ﴾ . فالاستفهام فى قوله ﴿ أفطال .. ﴾ للنفى والإنكار و﴿ أم﴾ منقطعة بمعنى بل. والمعنى : أفطال عليكم الزمان الذى فارقتكم فيه ؟ لا إنه لم يطل حتى تنسوا ما أمرتكم به ، بل إنكم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ، فأخلفتم موعدى الذى وعدتمونى إياه وهو أن تثبتوا على إخلاص العبادة لله - تعالى - . ومعنى إرادتهم حلول الغضب عليهم ، أنهم فعلوا ما يستوجب ذلك وهو طاعتهم للسامرى فى عبادتهم للعجل . قال ابن جرير : كان إخلافهم موعده: عكوفهم على عبادة العجل ، وتركهم السير على أثر موسى للموعد الذى كان الله وعدهم ، وقولهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجل ودعاهم إلى السير معه فى أثر موسى: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾(١). ثم حكى - سبحانه - معاذيرهم الواهية التى تدل على بلادة عقولهم ، وانتكاس أفكارهم ، وتفاهة شخصيتهم فقال - تعالى - : ﴿ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا .. ﴾ . وقوله ﴿ يملكنا﴾ قرأه نافع وعاصم - بفتح الميم وسكون اللام - أى: بأمرنا. وقرأه حمزة والكسائى ﴿ بملكنا﴾ بكسر الميم وسكون اللام - أى: بطاقتنا: وقرأه الباقون - بضم الميم وسكون اللام - أى : بسلطاننا ، وهو مصدر مضاف لفاعله ومفعوله محذوف ، أى : بملكنا أمرنا . أى : قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى على سبيل الاعتذار الذى هو أقبح من ذنب : (١ ) تفسير ابن جرير جـ ١٦ ص ١٤٦. ١٣٩ سورة طه ماأخلفنا موعدك فعبدنا العجل بأمرنا وطاقتنا واختيارنا ، فقد كان الحال أكبر من أن يدخل تحت سلطاننا ، ولو خلينا بيننا وبين أنفسنا ولم يسول لنا السامرى ماسول لبقينا على العهد الذى عاهدناك عليه ، وهو أن نعبد الله - تعالى - وحده . وقوله : ﴿ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامرى ﴾ حكاية لبقية ما قالوه من أعذار قبيحة . ولفظ: (( حملنا )) قرأه ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم - بضم الحاء وتشديد الميم - على أنه فعل ونائب فاعل ، وقرأه الباقون - بفتح الحاء والميم - على أنه فعل وفاعل . قال الآلوسى ما ملخصه : والمراد بالقوم : القبط ، وبالأوزار : الأحمال وتسمى بها الآثام ، وقصدوا بذلك ما استعاروه من القبط من الحلى فى عيد لهم قبل الخروج من مصر ، وقيل : استعاروه باسم العرس . وقيل : هى ما ألقاه البحر على الساحل مما كان على الذين غرقوا وهم فرعون وجنوده فأخذ بنو إسرائيل ذلك على أنه غنيمة مع أنها لم تكن حلالا لهم(١) . أى : قال بنو إسرائيل لموسى : ما أخلفنا عهدك بأمرنا ولكنا حملنا أثقالا وأحمالا من زينة القبط التى أخدناها منهم بدون حق ﴿ فقذفناها ﴾ فى النار بتوجيه من السامرى ، فكذلك﴾ أى: فكما ألقينا ما معنا ﴿ألقى السامرى﴾ ما معه من تلك الزينة. قال ابن كثير : وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط ، فألقوها عنهم ، فعبدوا العجل ، فتورعوا عن الحقير ، وفعلوا الأمر الكبير.(٢) . ثم بين - سبحانه - ما صنعه لهم السامرى من تلك الحلى فقال : ﴿ فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلّكم وإلّه موسى فنسى ﴾ . والخوار : الصوت المسموع . أى : فكانت نتيجة ما قذفوه من الحلى فى النار ، أن أخرج السامرى لهم من ذلك ﴿ عجلا جسدا له خوار ﴾ أى : صوت كصوت البقر . قيل : إن الله - تعالى - خلق الحياة فى ذلك العجل على سبيل الاختبار والامتحان لهم . وقيل : لم تكن به حياة ، ولكن السامرى صنعه لهم بدقة ، وجعل فيه منافذ إذا دخلت فيها الريح أخرجت منه صوتا كصوت خوار البقر . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ٢٤٦ . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٣٠٤ . ١٤٠ المجلد التاسع فقال بنو إسرائيل عندما رأوا العجل الذى صنعه لهم السامرى : هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه ، لأن موسى نسى إلهه هنا ، وذهب ليبحث عنه فى مكان آخر ، فالضمير فى قوله فنسى ﴾ يعود لموسى . وقولهم هذا يدل على بلادتهم وسوء أدبهم مع نبيهم ، فهم لم يكتفوا بعبادة العجل ، بل زعموا أن نبيهم الداعى لهم إلى توحيد الله ، قد كان يعبد العجل وأنه قد نسى مكانه فذهب يبحث عنه . وقيل : إن الذى حدث منه النسيان هو السامرى ، وأن النسيان بمعنى الترك ، أى : فترك السامرى ما كان عليه من الإِيمان الظاهرى ، ونبذ الدين الذى بعث الله - تعالى - به موسى ، وحض الناس على عبادة العجل الذى صنعه لهم . والقول الأول أرجح ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأنه هو المأثور عن السلف . قال ابن جرير: ((وأولى الأقوال بالصواب عندنا أن يكون ﴿فنسى﴾ خبرا من الله - تعالى - عن السامرى ، وأنه وصف موسى بأنه نسى ربه ، وأن ربه الذى ذهب يريده هو العجل الذى أخرجه السامرى ، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه ، ولأنه عقيب ذكر موسى ، وهو أن يكون خبرا من السامرى عنه بذلك أشبه من غيره))(١) . وقوله - تعالى -: ﴿ أفلا يرون ألّ يرجع إليهم قولا ، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ﴾ تقريع لهم على جهلهم وغبائهم وسوء أدبهم . والفاء للعطف على مقدر بقتضيه المقام ، أى : أبلغ عمى البصيرة عند هؤلاء السفهاء أنهم لم يفطنوا إلى أن هذا العجل الذى اتخذوه إلها ، لا يستطيع أن يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه ، ولا يرد عليهم قولا يقولونه له ، ولا يملك لهم شيئا لا من الضر ولا من النفع . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ﴿ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا ﴾ (٢) . له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ، اتخذوه وكانوا ظالمين ثم بين - سبحانه - موقف هارون - عليه السلام - من هؤلاء الجاهلين الذين عبدوا العجل ، فقال - تعالى - : (١) تفسير ابن جرير جـ ١٦ ص ١٤٨ . (٢) سورة الأعراف الآية ١٤٨ .