Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ سورة الكهف لكن الظاهر أن المراد به العموم - كما أشرنا - ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا . ثم حكى - سبحانه - الأسباب التى منعت بعض الناس من الإِيمان فقال : ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم . إلا أن تأتيهم سنة الأولين ، أو يأتيهم العذاب قبلا والمراد بالناس : كفار مكة ومن حذا حذوهم فى الشرك والضلال والمراد بسنة الأولين : ما أنزله - سبحانه - بالأمم السابقة من عذاب بسبب إصرارها على الكفر والجحود . والمعنى: وما منع الكفار من الإِيمان وقت أن جاءهم الهدى عن طريق نبيهم - * - ، ومن أن يستغفروا ربهم من ذنوبهم ، إلا ماسبق فى علمنا ، من أنهم لا يؤمنون ، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين ، أى : سنتنافى إهلاكهم بعذاب الاستئصال بسبب إصرارهم على كفرهم . ويجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف، و((أن)) وما بعدها فى قوله ﴿ إلا أن تأتيهم﴾ فى تأويل فاعل الفعل ((منع)). والمعنى : وما منع الناس من الايمان والاستغفار وقت مجىء الهدى إليهم ، إلا طلب إتيان سنة الأولين ، كأن يقولوا - كما حكى الله - تعالى - عن بعضهم: ﴿ فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ﴾ . فسنة الأولين أنهم طلبوا من أنبيائهم تعجيل العذاب ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر . وقوله : ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلا﴾ بيان لعذاب آخر ينتظرونه . وكلمة ﴿ قُبُلًا ﴾ قرأها عاصم والكسائى وحمزة - بضم القاف والباء - على أنها جمع قبيل وهو النوع فيكون المعنى : أو يأتيهم العذاب على صنوف وأنواع مختلفة ، ومن جهات متعددة يتلو بعضها بعضا . وقرأها الباقون : ﴿قِبَلا﴾ - بكسر القاف وفتح الباء - بمعنى عيانا ومواجهة. والمعنى : أو يأتيهم العذاب عيانا وجهارا ، وأصله من المقابلة ، لأن المتقابلين يعاين ويشاهد كل منها الاخر . وهى على القراءتين منصوبة على الحالية من العذاب . فحاصل معنى الآية الكريمة أن هؤلاء الجاحدين لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا حين نزول العذاب الدنيوى بهم وهو ما اقتضته سنة الله - تعالى - فى أمثالهم، أو حين نزول أصناف العذاب بهم فى الآخرة . ٥٤٢ المجلد الثامن ثم بين - تعالى - وظيفة الرسل فقال: ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين أى : تلك هى وظيفة الرسل الكرام الذين ترسلهم لهداية الناس وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان . فهم يبشرون المؤمنين بحسن العاقبة وجزيل الثواب ، وينذرون الفاسقين والكافرين بسوء العاقبة ، وشديد العقاب . وقوله - تعالى -: ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ بيان لموقف الكافرين من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - . ويجادل من المجادلة بمعنى المخاصمة والمنازعة . ومفعوله محذوف . والباطل : هو الشىء الزائل المضمحل الذى هو ضد الحق والعدل . والحق هو الشىء الثابت القويم الذى تؤيده شريعة الله - عز وجل - . والدحض : الطين الذى لا تستقر عليه الأقدام . فمعنى يدحضوا : يزيلوا ويبطلوا تقول العرب : دحضت رجل فلان ، إذا زلت وزلقت .. ومنه قوله - تعالى -: ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم والمعنى : ويجادل الذين كفروا رسلهم بالجدال الباطل ، ليزيلوا به الحق الذى جاء به هؤلاء الرسل ويدحضوه ويبطلوه ، والله - تعالى - متم نوره ولو كره الكافرون ، فإن الباطل مهما طال فإن مصيره إلى الاضمحلال والزوال . وقوله - تعالى - ﴿واتخذوا آياتی وما أنذروا هزوا﴾ معطوف على ما قبله لبيان رذيلة أخرى من رذائل هؤلاء الكافرين . والمراد بآيات الله : تلك المعجزات التى أيد الله - تعالى - بها رسله سواء أكانت قولا أم فعلا ، ويدخل فيها القرآن دخولا أوليا . أى : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بجدال رسلهم بالباطل ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم اتخذوا الآيات التى جاء بها الرسل كدليل على صدقهم ، واتخذوا ما أنذروهم به من قوارع إذا ما استمروا على كفرهم. اتخذوا كل ذلك ((هزوا)) أى : اتخذوها محل سخريتهم ولعبهم ولهوهم واستخفافهم ، كما قال - سبحانه -: ﴿ وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا ﴾ . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المعرضين عن التذكير وعن آيات الله فقال: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه ﴾ . ٥٤٣ سورة الكهف والاستفهام هنا للنفى والإِنكار والمراد بالآيات آيات القرآن الكريم . لقوله - تعالى - بعد ذلك : ﴿ أن يفقهوه ﴾ . والمراد بالنسيان : الترك والإِهمال وعدم التفكر والتدبر فى العواقب . أى: ولا أحد أشد ظلما وبغيا . من إنسان ذكره مذكر ووعظه بآيات الله التى أنزلها على رسوله - * - فأعرض عنها دون أن يقبلها أو يتأملها . بل نبذها وراء ظهره ، ونسى ما قدمت يداه من السيئات والمعاصى ، نسيان ترك وإهمال واستخفاف . ثم بين - سبحانه - علة هذا الإِعراض والنسيان فقال: ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا ، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ﴾ . والأكنة : جمع كنان بمعنى غطاء والوقر الثقل والصمم . يقال فلان وقرت أذنه ، أى : ثقل سمعها وأصيبت بالصمم . أى : إنا جعلنا على قلوب هؤلاء الظالمين المعرضين عن الحق ، أغطية تمنع قلوبهم عن وصول النور إليها ، وتحجبها عن فقه آياته - سبحانه - وجعلنا - أيضا - فى آذانهم صمما وثقلا عن سماع ما ينفعهم وذلك يسبب استحبابهم العمى على الهدى ، وإيثارهم الكفر على الإِيمان . وإن تدعهم﴾ أيها الرسول الكريم ﴿ إلى الهدى) والرشد فلن، يستجيبوا لك، ولن ﴿ يهتدوا إذا أبدا﴾ إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، بسبب زيغ قلوبهم، واستيلاء الكفر والجحود والعناد عليها . والضمير فى قوله ﴿ أن يفقهوه ﴾ يعود إلى الآيات ، وتذكيره وإفراده باعتبار المعنى ، إذ المراد منها القرآن الكريم . وجات الضمائر فى أول الآية بالإِفراد ، كما فى قوله ، ﴿ ذُكر ﴾ و ﴿ فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه ﴾ باعتبار لفظ ((من)) فى قوله ((ومن أظلم)» وجاءت بعد ذلك بالجمع كما فى قوله سبحانه -: ﴿إنّا جعلنا على قلوبهم أكنة .. ﴾ باعتبار المعنى . وهذا الأسلوب كثير فى القرآن الكريم ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ، قد أحسن الله له رزقا ﴾ . فالضمير فى قوله: ((يؤمن ويعمل ويدخله)) جاء بصيغة الإفراد باعتبار لفظ ((من))، وفى قوله: ﴿ خالدين فيها﴾ جاء بصيغة الجمع باعتبار معنى ((من)). ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة رحمته ، وعظيم فضله فقال: ﴿وربك ٥٤٤ المجلد الثامن الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا أى : وربك - أيها الرسول الكريم - هو صاحب المغفرة الكثيرة ، وصاحب الرحمة التى وسعت كل شىء . لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب والمعاصى . لعجل لهم العذاب بسبب ما يرتكبونه من كفر وآثام ، ولكنه - سبحانه - لم يعجل لهم العذاب رحمة منه وحلما . وجملة (( بل لهم موعد .. )) معطوفة على مقدر، فكأنه - سبحانه - قال : لكنه - سبحانه - لم يؤاخذهم ، بل جعل وقتا معينا لعذابهم ، لن يجدوا من دون هذا العذاب موئلا . أى ملجأ يلتجئون إليه ، أو مكانا يعتصمون به . فالموئل : اسم مكان . يقال: وَأَلَ فلان إلى مكان كذا يَتِل وَأَلَّ .. إذا لجأ إليه ليعتصم به من ضر متوقع . فالآية الكريمة تبين أن الله - تعالى - بفضله وكرمه لا يعاجل الناس . بالعقاب ، ولكنه - عز وجل - ليس غافلا عن أعمالهم ، بل يؤخرهم إلى الوقت الذى تقتضيه حكمته ، لكى يعاقبهم على ما ارتكبوه من ذنوب وآثام . وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى . فإذا جاء أجلهم فإن اللّه كان بعباده بصيرا﴾(١). وقوله - تعالى -: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب﴾(٢) ثم بين - سبحانه - سننه فى الأمم الماضية فقال: ﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكم موعدا ﴾ . واسم الإشارة (( تلك)) تعود إلى القرى المهلكة بسبب كفرها وفسوقها عن أمر ربها ، كقرى قوم نوح وهود وصالح - عليهم السلام - . والقرى : جمع قرية والمراد بها أهلها الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والجحود . أى : وتلك القرى الماضية التى أصر أهلها على الكفر والفسوق والعصيان أهلكناهم بعذاب الاستئصال فى الدنيا ، بسبب هذا الكفر والظلم ، وجعلنا لوقت هلاكهم موعدا لا يتأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون . (١) سورة فاطر الآية ٤٥ . (٢) سورة الرعد الآية ٦. ٥٤٥ سورة الكهف ولفظ (( تلك)) مبتدأ ، والقرى صفة له أو عطف بيان، وجملة ﴿ أهلكناهم ﴾ هى الخبر. وقوله ﴿ لما ظلموا﴾ بيان الأسباب التى أدت بهم إلى الهلاك والدمار، أى: أهلكناهم بسبب وقوع الظلم منهم واستمرارهم عليه . وجىء باسم الإشارة ((تلك)) للإِشعار بإن أهل مكة يمرون على تلك القرى الظالمة المهلكة ، ويعرفون أماكنهم معرفة واضحة عند أسفارهم من مكة إلى بلاد الشام . قال - تعالى - ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون﴾(١). وقوله : ﴿ وجعلنا لمهلكهم موعدا ﴾ قرأ الجمهور، لمهلكهم ، - بضم الميم وفتح اللام - على صيغة اسم المفعول ، وهو محتمل أن يكون مصدرا ميميا . أى : وجعلنا لإِهلاكهم موعدا. ويحتمل أن يكون اسم زمان ، أى : وجعلنا لزمان إهلاكهم موعدا . وقرأ حفص عن عاصم ((لمهلكهم)) بفتح الميم وكسر اللام - فيكون اسم زمان ، وقرأ شعبة عن عاصم . لمهلكهم )) - بفتح الميم واللام - فيكون مصدرا ميميا . وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد وضحت أن القرآن الكريم قد نوع الله - تعالى - فيه الأمثال لقوم يعقلون ، كما بينت أن الإِنسان مجبول على المجادلة والمخاصمة . وأن المشركين قد أصروا على شركهم بسبب انطماس بصائرهم . وزيغهم عن الحق ، وأن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وظيفتهم البلاغ والتبشير والإنذار ، وأن عاقبة الجاحدين الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم هى النار وبئس القرار ، وأن الله - تعالى - يمهل الظالمين ولا يهملهم ، فهو كما قال - سبحانه - ﴿ نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم ، وأن عذابى هو العذاب الأليم ﴾ (٢). ثم ساق - سبحانه - قصة فيها ما فيها من الأحكام والعظات ، ألا وهى قصة موسى - عليه السلام - مع عبد من عباد الله الصالحين ، فقال - تعالى - : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْأَمْضِىَ حُقُبًا ﴾ فَلَمَّا بَلَغَا (١) سورة الصافات الآيتان ١٣٧، ١٣٨. ( ٢) سورة الحجر الآيتان ٤٩، ٥٠ . ٥٤٦ المجلد الثامن مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِسَرَبَّا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴾ قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكْرَهُ، وَأَنَّخَذَ سَبِيلَهُ. فِ الْبَحْرِ عَبَا ﴾ قَالَ ذَلِكَ مَا كُتَّانَبْغَ فَارْتَذَا عَلَىَّءَاثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿) فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ ٦٥ عِندِنَاوَ عَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا ! قال الإِمام الرازى ما ملخصه : اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله - تعالى - فى هذه السورة ، وهى أن موسى - عليه السلام - ذهب إلى الخضر ليتعلم منه ، وهذا وإن كان كلاما مستقلا فى نفسه إلا أنه يعين على ماهو المقصود فى القصتين السابقتين : أما نفع هذه القصة فى الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء المسلمين ، فهو أن موسى مع كثرة علمه وعمله .. ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له . وأما نفع هذه القصة فى قصة أصحاب الكهف ، فهو أن اليهود قالوا لكفار مكة: ((إن أخبركم محمد - * - عن هذه القصة فهو نبى وإلا فلا ؛ وهذا ليس بشىء . لأنه لا يلزم من كونه نبيا أن يكون عالما بجميع القصص كما أن كون موسى نبيا لم يمنعه من الذهاب ليتعلم منه»(١) . وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران ، وهو أحد أولى العزم من الرسل ، وينتهى نسبه إلى يعقوب - عليه السلام - . وفتاه : هو يوشع بن نون ، وسمى بذلك لأنه كان ملازما لموسى - عليه السلام - ويأخذ عنه العلم . (١) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ٢١ ص ١٤٣ . ٥٤٧ سورة الكهف وقوله: ﴿لا أبرح﴾ أى: لا أزال سائرا. ومنه قوله - تعالى - ﴿ لن نبرح عليه عاكفين ﴾ . من برح الناقص . قال الجمل : واسمها مستتر وجوبا ، وخبرها محذوف ، تقديره : لا أبرح سائرا ، وقوله حتى أبلغ ﴾ .. غاية لهذا المقدر. ويحتمل أنها تامة فلا تستدعى خبرا، بمعنى : لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه حتى أبلغ .. ))(١). ومجمع البحرين ﴾: المكان الذى فيه يلتقى البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط . قال الآلوسى: والمجمع: الملتقى، وهو اسم مكان .. والبحران : بحر فارس والروم ، كما روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما وملتقاهما : مما يلى المشرق ولعل المراد مكان يقرب فيه التقاؤهما .. وقيل البحران : بحر الأردن وبحر القلزم .. ))(٢) . وقال بعض العلماء : والأرجح - والله أعلم - أن مجمع البحرين : بحر الروم وبحر القلزم . أى : البحر الأبيض والبحر الأحمر . ومجمعهما مكان التقائها فى منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح . أو أنه مجمع خليجى العقبة والسويس فى البحر الأحمر . فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بنى إسرائيل بعد خروجهم من مصر ، وعلى أية حال فقد تركها القرآن مجملة فنكتفى بهذه الإِشارة )»(٣) . والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك لكى يعتبروا ويتعظوا وقت أن قال أخوك موسى - عليه السلام - لفتاه يوشع بن نون ، اصحبنى فى رحلتى هذه فإنى لا أزال سائرا حتى أصل إلى مكان التقاء البحرين ، فأجد فيه بغيتى ومقصدى، (( أو أمضى )) فى سيرى ((حقبا)) أى : زمنا طويلا، إن لم أجد ما أبتغيه هناك. والحقب - بضم الحاء والقاف - جمعه أحقاب ، وفى معناه : الحقبة - بكسر الحاء - وجمعها حقب - كسدرة وسدر - والحقبة - بضم الحاء - وجمعها : حقب كغرفة وغرف - قيل : مدتها ثمانون عاما . وقيل سبعون. وقيل : زمان من الدهر مبهم غير محدد. والآية الكريمة تدل بأسلوبها البليغ ، على أن موسى - عليه السلام - كان مصمما على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة فى سبيل ذلك ، ومهما يكن الزمن الذى يقطعه فى سبيل (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٣٢ . (٢) تفسير الألوسى جـ ١٥ ص ٣١٢. (٣) فى ظلال القرآن جـ ١٥ ص ٢٢٨٧ الأستاذ سيد قطب . ٥٤٨ المجلد الثامن الوصول إلى غايته ، وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه عنه القرآن بقوله: (( أو أمضى حقبا )). وقد أشار الآلوسى - رحمه الله - إلى سبب تصميم موسى على هذه الرحلة فقال : وكأن منشأ عزيمة موسى - عليه السلام - على ما ذكره مارواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس عن أبى بن كعب، أنه سمع رسول الله - وَله - يقول: ((إن موسى - عليه السلام - قام خطيبا فى بنى إسرائيل فسئل : أى الناس أعلم ؟ فقال: أنا . فعاتبه الله - تعالى - عليه ، إذ لم يرد العلم إليه - سبحانه - فأوحى الله - تعالى - إليه : إن لى عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك . وفى رواية أخرى عنه عن أبى - أيضا - عن رسول الله - وَ الر - أن موسى - عليه السلام - سأل ربه فقال: أى رب إن كان فى عبادك أحد هو أعلم منى فدلنى عليه فقال له : (( نعم فى عبادى من هو أعلم منك، ثم نعت له مكانه وأذن له فى لقائه))(١). ثم تقص علينا السورة الكريمة ما حدث بعد ذلك فتقول : ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما . فاتخذ سبيله فى البحر سربا ﴾ . والفاء فى قوله: ﴿ فلما بلغا﴾ وفى قوله ﴿فاتخذ سبيله .. ﴾ هى الفصيحة. والسرب : النفق الذى يكون تحت الأرض . أو القناة التى يدخل منها الماء إلى البستان لسقى الزرع . والمعنى : وبعد أن قال موسى لفتاه ما قال ، أخذا فى السير إلى مجمع البحرين ، فلما بلغا هذا المكان ((نسيا حوتهما)) أى : نسيا خبر حوتهما ونسيا تفقد أمره ، فحيى الحوت ، وسقط فى البحر، واتخذ ((سبيله)) أى طريقه ((فى البحر سربا)). أى : واتخذ الحوت طريقه فى البحر ، فكان هذا الطريق مثل السرب أى النفق فى الأرض بحيث يسير الحوت فيه ، وأثره واضح . قال الإِمام ابن كثير: قوله ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما﴾ وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح - أى مشوى - معه وقيل له : متى فقدت الحوت ، فهو ثمة - أى الرجل الصالح الذى هو أعلم منك يا موسى فى هذا المكان - فسارا حتى بلغا مجمع البحرين . وهناك عين يقال لها عين الحياة ، فناما هناك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٣١٣ . ٥٤٩ سورة الكهف فاضطرب ، وكان فى مكتل مع يوشع ، وطفر من المكتل إلى البحر ، فاستيقظ يوشع ، وسقط الحوت فى البحر ، وجعل يسير فيه ، والماء له مثل الطاق - أى مثل البناء المقوس كالقنطرة - لا يلتئم بعده ، ولهذا قال: ﴿ فاتخذ سبيله فى البحر سربا﴾ أى: مثل السرب فى الأرض(١). وقال الإِمام البيضاوى: قوله ((نسيا حوتهما )) أى : نسى موسى أن يطلبه ويتعرف حاله ، ونسى يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه فى البحر (٢). ثم بين - سبحانه - ما كان منهما بعد ذلك فقال: ﴿ فلما جاوزا ﴾ أى : المكان الذى فيه مجمع البحرين . ((قال)) موسى - عليه السلام - لفتاه يوشع بن نون ((آتنا غداءنا)) أى: أحضر لنا ما نأكله من هذا الحوت المشوى الذى معنا : ثم علل موسى - عليه السلام - هذا الطلب بقوله : ﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾ أى: تعبا وإعياء. واسم الإشارة ((هذا)) مشار به إلى سفرهما المتلبسان به . قالوا: ولكن باعتبار بعض أجزائه، فقد صح أنه - روض الفر - قال: (( لم يجد موسى شيئا من التعب حتى جاوز المكان الذى أمر به ))(٣) . · وقوله - سبحانه -: ﴿ قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت ﴾ حكاية لما رد به يوشع على موسى - عليه السلام - عندما طلب منه الغداء . والاستفهام فى قوله ﴿ أرأيت ﴾ للتعجب مما حدث أمامه من شأن الحوت حيث عادت إليه الحياة ، وقفز فى البحر ، ومع ذلك نسى يوشع أن يخبر موسى عن هذا الأمر العجيب . أى : قال يوشع لموسى - عليه السلام - : تذكر وانتبه واستمع إلى ما سألقيه عليك من خبر هذا الحوت ، أرأيت مادهانى فى وقت أن أوينا ولجأنا إلى الصخرة التى عند مجمع البحرين ، فإنى هناك نسيت أن أذكر لك ما شاهدته منه من أمور عجيبة ، فقد عادت إليه الحياة ، ثم قفز فى البحر . وقال ﴿ إذ أوينا إلى الصخرة﴾ دون أن يذكر مجمع البحرين، زيادة فى تحديد المكان (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٧١ . ( ٢) تفسير البيضاوى جـ ٢ ص ١٨. (٣) تفسير الآلوسى، جـ ١٥ ص ٣١٧ . ٥٥٠ المجلد الثامن وتعيينه . وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذى طلبه منه موسى ، للإشعار بأن الغداء الذى طلبه موسى منه ، هو ذلك الحوت الذى فقداه . وقوله ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ جملة معترضة جىء بها لبيان ما يجرى مجرى السبب فى وقوع النسيان منه . وقوله ﴿ أن أذكره﴾ بدل اشتمال من الهاء فى ((أنسانيه)). أى : وما أنسانى تذكيرك بما حدث من الحوت إلا الشيطان الذى يوسوس للانسان ، بوساوس متعددة ، تجعله يذهل وينسى بعض الأمور الهامة . وقوله ﴿ واتخذ سبيله فى البحر عجبا ﴾ معطوف على قوله ﴿فإنى نسيت الحوت ﴾ أى : نسيت أن أخبرك بأن الحوت عندما أوينا إلى الصخرة عادت إليه الحياة ، واتخذ . طريقه فى البحر اتخاذا عجيبا ، حيث صار يسير فيه وله أثر ظاهر فى الماء والماء من حوله كالقنطرة التى تنفذ منها :الأشياء . وعلى هذا تكون جملة، ((واتخذ سبيله فى البحر عجبا))، من بقية كلام يوشع للتعجب مما حدث من الحوت ، حيث عادت إليه الحياة بقدرة الله - تعالى - ، واتخذ طريقه فى البحر بتلك الصورة العجيبة . وقيل : إن هذه الجملة من كلام الله - تعالى - لبيان طرف آخر من أمر هذا الحوت العجيب ، بعد بيان أمره قبل ذلك بأنه اتخذ سبيله فى البحر سربا . ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأن سياق الآية يدل عليه ، لذا اكتفى به بعض المفسرين دون أن يشير إلى غيره . قال الامام الرازى : قوله ﴿واتخذ سبيله فى البحر عجبا﴾ فيه وجوه: الأول: أن قوله ﴿ عجبا﴾ صفة لمصدر محذوف، كأنه قيل: واتخذ سبيله فى البحر اتخاذا عجبا ، ووجه كونه عجبا ، انقلابه من المكتل وصيرورته حيا وإلقاء نفسه فى البحر . الثانى : أن يكون المراد منه ما ذكرنا من أنه - تعالى - جعل الماء عليه كالطاق وكالسراب . الثالث : قيل إنه تم الكلام عند قوله ﴿ واتخذ سبيله فى البحر﴾ ثم قال بعده : عجبا﴾ والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة العجيبة التى رآها، ثم من نسيانه لها .. (١). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢١ ص ١٤٧ . ٥٥١ سورة الكهف وهنا يحكى القرآن ما يدل على أن موسى - عليه السلام - قد أدرك أنه تجاوز المكان الذى حدده له ربه - تعالى - للقاء العبد الصالح فقال: ﴿ قال ذلك ما كنا نبغ ، فارتدا على آثارهما قصصا ﴾ . أى قال موسى لفتاه : ذلك الذى ذكرته لى من أمر نسيانك لخبر الحوت هو الذى كنا نبغيه ونطلبه ، فإن العبد الصالح الذى نريد لقاءه موجود فى ذلك المكان الذى فقدنا فيه الحوت . فارتدا على آثارهما قصصا ﴾ أى: فرجعا من طريقهما الذى أتيا منه ، يتتبعان آثارهما لئلا يضلاعنه ، حتى انتهيا عائدين مرة أخرى إلى موضع الصخرة التى فقد الحوت عندها . وقصصا : من القص بمعنى اتباع الأثر . يقال : قص فلان أثر فلان قصا وقصصا إذا تتبعه . ثم حكى القرآن ما تم لهما بعد أن عادا إلى مكانهما الأول فقال : ﴿ فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ﴾ . أى: وبعد أن عادا إلى مكان الصخرة عند مجمع البحرين مرة أخرى وجدا ((عبدا من عبادنا)) الصالحين. والتنكير فى ((عبدا)) للتفخيم، والإِضافة فى ((عبادنا)) للتشريف والتكريم . آتيناه رحمة من عندنا﴾ أى : هذا العبد الصالح منحناه وأعطيناه رحمة عظيمة من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا : واختصصناه بها دون غيره . وهذه الرحمة تشمل النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه - كنعمة الهداية والطاعة وغيرهما . ﴿ وعلمناه من لدنا علما﴾ أى: وعلمناه من عندنا لا من عند غيرنا علماً خاصاً، لا يتيسر إلا لمن نريد تيسيره ومنحه له . والمراد بهذا العبد : الخضر - عليه السلام - كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة . ومن العلماء من يرى أنه كان نبيا ، ومنهم من يرى أنه كان عبدا صالحاً اختصه اللّه بلون معين من العلم اللدنى . أخرج البخارى وغيره عن أبى هريرة عن النبى - * - قال: ((إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هى تهتز من خلفه خضراء))(١). ويرى المحققون من العلماء أنه قد مات كما يموت سائر الناس . وإلى ذلك ذهب الإِمام : (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٣١٩. ٥٥٢ المجلد الثامن البخارى وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم وغيرهم . ويرى آخرون أنه حى وسيموت فى آخر الزمان . قال ابن القيم : إن الأحاديث التى يذكر فيها أنه حى كلها كذب ، ولا يصح فى ذلك حديث واحد . وهذه المسألة من المسائل التى فصل العلماء الحديث عنها . فارجع إلى أقوالهم فيها إن شئت (١) . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ، ما دار بين موسى والخضر - عليهما السلام - بعد أن التقيا فقال - تعالى - : ١٠ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا (١) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ . مَعِىَ صَبْرً ﴿١) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَالَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرً (3) قَالَ سَتَجِدُ نِ إِن شَآءَ اللّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْضِى لَكَ أَمْرَا ﴾ قَالَ فَإِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَّلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًاً (٧٠ أى: قال موسى للخضر - عليهما السلام - بعد أن التقيا ((هل أتبعك)) أى : هل تأذن لى فى مصاحبتك واتباعك . بشرط أن تعلمنى من العلم الذى علمك الله إياه : شيئا أسترشد به فى حياتى ، وأصيب به الخير فى دينى . فأنت ترى أن موسى - عليه السلام - قد راعى فى مخاطبته للخضر أسمى ألوان الأدب اللائق بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - حيث خاطبه بصيغة الاستفهام الدالة على التلطف ، وحيث أنزل نفسه منه منزلة المتعلم من المعلم ، وحيث استأذنه فى أن يكون تابعا له ، ليتعلم منه الرشد والخير . قال بعض العلماء : فى هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم ، وإن تفاوتت المراتب ، (١) راجع ابن كثير جـ ٥ ص ١٧١. والآلوسى جـ ١٥ ص ٣١٩ وأضواء البيان جـ ٤ ص ١٥٧ . ٥٥٣ سورة الكهف ولا يظن أن فى تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل من موسى ، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل ، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول ، إذا اختص الله - تعالى - . أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر ، فقد كان علم موسى يتعلق بالأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها ، وكان علم الخضر يتعلق ببعض الغيب ومعرفة البواطن .. (١) . ثم حكى - سبحانه - ما رد به الخضر على موسى فقال: ﴿ قال إنك لن تستطيع معى صبرا ﴾ . أى : قال الخضر لموسى إنك يا موسى إذا اتبعتنى ورافقتنى ، فلن تستطيع معى صبرا ، بأى وجه من الوجوه . قال ابن كثير : أى : أنك لا تقدر يا موسى أن تصاحبنى ، لما ترى من الأفعال التى تخالف شريعتك، لأنى على علم من علم الله - تعالى - ما علمك إياه ، وأنت على علم من علم الله - تعالى - ما علمنى إياه ، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه ، وأنت لا تقدر على صحبتى ))(٢) . وقوله : ﴿ وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا ﴾ تعليل لعدم استطاعة الصبر معه . أى : وكيف تصبر يا موسى على أمور ستراها منى . هذه الأمور ظاهرها أنها منكرات لا يصح السكوت عليها ، وباطنها لا تعلمه لأن الله لم يطلعك عليه ؟ فالخبر بمعنى العلم . يقال : خبر فلان الأمر يخبره: أى: علمه . والاسم الخبر ، وهو العلم بالشىء ، ومنه الخبير ، أى : العالم . وكأن الخضر يريد بهذه الجملة الكريمة أن يقول لموسى : إنى واثق من أنك لن تستطيع معى صبرا ، لأن ما سأفعله سيصطدم بالأحكام الظاهرة ، وبالمنطق العقلى ، وبغيرتك المعهودة فيك ، وأنا مكلف أن أفعل ما أفعل ، لأن المصلحة الباطنة فى ذلك ، وهى تخفى عليك . ولكن موسى - عليه السلام - الحريص على تعلم العلم النافع ، يصر على مصاحبة الرجل الصالح ، فيقول له فى لطف وأدب ، مع تقديم مشيئة الله - تعالى -: ﴿ستجدنى - إن شاء الله - صابرا ، ولا أعصى لك أمرا ﴾ . أى : قال موسى للخضر ﴿ ستجدنى إن شاء الله صابرا﴾ معك ، غير معترض عليك ، ولا أعصى لك أمرا من الأمور التى تكلفنى بها . (١ ) تفسير فتح البيان جـ ٥ ص ٤٧٧ . ( ٢) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٧٨ . ٠ ٥٥٤ المجلد الثامن وقدم موسى - عليه السلام - المشيئة ، أدبا مع خالقه - عز وجل - واستعانة به - سبحانه - على الصبر وعدم المخالفة . وهنا يحكى القرآن الكريم أن الخضر ، قد أكد ما سبق أن قاله لموسى ، وبين له شروطه إذا أراد مصاحبته ، فقال: ﴿ قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا ﴾ . أى : قال الخضر لموسى على سبيل التأكيد والتوثيق : يا موسى إن رافقتنى وصاحبتنى ، ورأيت منى أفعالا لا تعجبك ، لأن ظاهرها يتنافى مع الحق . فلا تعترض عليها ، ولا تناقشنى فيها ، بل اتركنى وشأنى ، حتى أبين لك فى الوقت المناسب السبب فى قيامى بتلك الأفعال ، وحتى أكون أنا الذى أفسره لك . قالوا : ((وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضى دوام الصحبة ، فلو صبر - موسى - ودأب لرأى العجب(١). ثم تحكى السورة بعد ذلك ثلاثة أحداث فعلها الخضر ولكن موسى لم يصبر عليها ، بل اعترض وناقش ، أما الحادث الأول فقد بينه - سبحانه - بقوله : فَأَنْطَلَقَا حَتَّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِنْتَ شَيْئًا إِمْرَّا (٦) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ◌َ﴾ قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقِ مِنْ أَمْرِى عُشْرًا ) وقوله: ﴿ فانطلقا﴾ بيان لما حدث منها بعد أن استمع كل واحد منها إلى ما قاله صاحبه . أى ؛ فانطلق موسى والخضر - عليهما السلام - على ساحل البحر ، ومعهما يوشع بن نون ، ولم يذكر فى الآية لأنه تابع لموسى . (١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ١٨. ٥٥٥ سورة الكهف ويرى بعضهم أن موسى - عليه السلام - صرف فتاه بعد أن التقى بالخضر . أخرج الشيخان عن ابن عباس : أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نَوْلٍ : أى أجر ، (١) . وقوله : ﴿ حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها﴾ بيان لما فعله الخضر بالسفينة. أى : فانطلقا يبحثان عن سفينة ، فلما وجداها واستقرا فيها ، ما كان من الخضر إلا أن خرقها . قيل : بأن قلع لوحا من ألواحها . وهنا ما كان من موسى إلا أن قال له على سبيل الاستنكار والتعجب مما فعله : ﴿أخرقتها لتغرق أهلها .. ﴾ . أى : أفعلت ما فعلت لتكون عاقبة الراكبين فيها الغرق والموت بهذه الصورة المؤلمة ؟ لقد جئت شيئاً إِمْرا﴾، والإِمر: الداهية. وأصله كل شىء شديد كبير ، ومنه قولهم: إن القوم قد أَمِرُوا . أى: كثُروا واشتد شأنهم، ويقال: هذا أَمْرُ إِمْرُ ، أى : منكر غريب . أى : قال موسى للخضر بعد خرقه للسفينة : لقد جئت شيئا عظيما ، وارتكبت أمرا بالغا فى الشناعة . حيث عرضت ركاب السفينة لخطر الغرق . وهنا أجابه الخضر بقوله: ﴿ ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا﴾ أى: ألم أقل لك سابقا إنك لن تسطيع مصاحبتى ، ولا قدرة لك على السكوت على تصرفاتى التى لا تعرف الحكمة من ورائها ؟ ولكن موسى - عليه السلام - رد معتذرا لما فرط منه وقال: ﴿ لا تؤاخذنى ﴾ أيها العبد الصالح ، بما نسيت ، أى : بسبب نسيانى لوصيتك فى ترك السؤال والاعتراض حتى يكون لى منك البيان . ﴿ولا ترهقنى من أمرى عسرا﴾. أى: ولا تكلفنى من أمرى مشقة فى صحبتى إياك . يقال : أرهق فلان فلانا . إذا أتعبه وأثقل عليه وحمله مالا يطيقه . والمراد : التمس لى عذرا بسبب النسيان ، ولا تضيق على الأمر ، فإن فى هذا التضييق ما يحول بينى وبين الانتفاع بعلمك . وكأن موسى - عليه السلام - الذى اعتزم الصبر وقدم المشيئة ، ورضى بشروط الخضر فى (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٣٣٥ . ٥٥٦ المجلد الثامن المصاحبة .. كأنه قد نسى كل ذلك أمام المشاهدة العملية ، وأمام التصرف الغريب الذى صدر من الخضر دون أن يعرف له سببا . وهكذا الطبيعة البشرية تلتقى فى أنها تجد للتجربة العملية وقعا وطعمها ، يختلف عن الوقع والطعم الذى تجده عند التصور النظرى . فموسى - عليه السلام - وعد الخضر بأنه سيصبر ... إلا أنه بعد أن شاهد مالا يرضيه اندفع مستنكرا . أما الحادث الثانى الذى لم يستطع موسى أن يقف أمامه صامتا ، فقد حكاه القرآن فى قوله: فَأَنْطَلَقَا حَتَّ إِذَا لَفِيَا غُلَمًا فَقَتَلَهُ. ٧٤ قَالَ أَقَثَلْتَ نَفْسَا زَكِيَّةُ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَ قُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (١٥) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرَاهِ ٧٦ أى : فانطلق موسى والخضر للمرة الثانية بعد خروجهما من السفينة ، وبعد أن قبل الخضر · اعتذار موسى . حتى إذا لقيا غلاما ﴾ فى طريقهما ، ما كان من الخضر إلا أن أخذه ﴿فقتله﴾. وهنا لم يستطع موسى - عليه السلام - أن يصبر على ما رأى ، أو أن يكظم غيظه ، فقال باستنكار وغضب: ﴿ أقتلت نفسا زكية﴾ أى: طاهرة بريئة من الذنوب ﴿بغير نفس﴾. أى : بغير أن ترتكب ما يوجب قتلها ، لأنها لم تقتل غيرها حتى تقتص منها . أى : أن قتلك لهذا الغلام كان بغير حق . لقد جئت﴾ أيها الرجل ((شيئا نكرا)) أى: منكرا عظيما. يقال. نكر الأمر، أى: صعب واشتد . والمقصود : لقد جئت شيئا أشد من الأول فى فظاعته واستنكار العقول له . ومرة أخرى يذكره الخضر بالشرط الذى اشترطه عليه . وبالوعد الذي قطعه على نفسه ، فيقول له : ﴿ ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا﴾. ٥٥٧ سورة الكهف وفى هذه المرة لا يكتفى الخضر بقوله: ﴿ ألم أقل إنك .. ﴾ بل يضيف لفظ لك، زيادة فى التحديد والتعيين والتذكير . أى: ألم أقل لك أنت يا موسى لا لغيرك على سبيل التأكيد والتوثيق: إنك لن تستطيع معى صبرا ، لأنك لم تحط علما بما أفعله . ويراجع موسى نفسه . فيجد أنه قد خالف ما اتفق عليه مع الرجل الصالح مرتين ، فيبادر بإخبار صاحبه أن يترك له فرصة أخيرة فيقول: ﴿إن سألتك ﴾ أيها الصديق ﴿عن شىء بعدها ﴾ أى: بعد هذه المرة الثانية ﴿ فلا تصاحبنى﴾ أى: فلا تجعلنى صاحبا أو رفيقا لك، فإنك ﴿ قد بلغت من لدنى عذرا﴾ أى: فإنك قد بلغت الغاية التى تكون معذورا بعدها فى فراقى، لأنى أكون قد خالفتك مراراً . وهذا الكلام من موسى - عليه السلام - يدلك على اعتذاره الشديد للخضر ، وعلى شدة ندمه على ما فرط منه ، وعلى الاعتراف له بخطئه . قال القرطبى: كان رسول الله - ﴿ ﴿ - إذا دعا لأحد بدأ بنفسه فقال يوما: ((رحمة الله علينا وعلى موسى ، لو صبر على صاحبه لرأى العجب ، ولكنه قال: ﴿إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى .. ﴾(١) . ثم تسوق لنا السورة الكريمة الحادث الثالث والأخير فى تلك القصة الزاخرة بالمفاجآت والعجائب فنقول : فَأَنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًايُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ. قَالَ لَوْشِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿﴾ قَالَ هَذَافِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبِقُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع ◌َلَيْهِ صَبْرًا. ٧٨ أى : فانطلق موسى والخضر - عليهما السلام - يتابعان سيرهما . حتى إذا أتيا أهل قرية قيل هى ((أنطاكيه))، وقيل : هى قرية بأرض الروم. (١) تفسير القرطبى جـ ١١ ص ٢٣ . ١٥٨ المجلد الثامن استطعما أهلها ﴾ والاستطعام : سؤال الطعام . والمراد به هنا سؤال الضيافة لأنه هو المناسب لمقام موسى والخضر - عليهما السلام - ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ يشهد له . أى : فأبى وامتنع أهل تلك القرية عن قبول ضيافتهما بخلا منهم وشحا . قوله - تعالى - ﴿ فوجدا فيها جداراً بريد أن ينقض فأقامه ﴾ معطوف على ﴿ أتيا ﴾ آى وبعد أن امتنع أهل القرية عن استضافتهما، تجولا فيها ﴿ فوجدا فيها جدارا ﴾ أى : بناء مرتفعا ﴿يريد أن ينقض﴾ أى: ينهدم ويسقط ﴿فأقامه﴾ أى الخضر بأن سواه وأعاد إليه اعتداله ، أو بأن نقضه وأخذ فى بنائه من جديد . وهنا لم يتمالك موسى - عليه السلام - مشاعره ، لأنه وجد نفسه أمام حالة متناقضة ، قوم بخلاء أشحاء لا يستحقون العون .. ورجل يتعب نفسه فى إقامة حائط مائل لهم .. هلا طلب منهم أجرا على هذا العمل الشاق ، خصوصا وهما جائعان لا يجدان مأوى لهما فى تلك القرية ! لذا بادر موسى - عليه السلام - ليقول للخضر: ﴿ لو شئت لا تخذت عليه أجراً﴾. أى: هلا طلبت أجرا من هؤلاء البخلاء على هذا العمل ، حتى تنتفع به . وأنت تعلم أننا جائعان وهم لم يقدموا لنا حق الضيافة . فالجملة الكريمة تحريض من موسى للخضر على أخذ الأجر على عمله ، ولوم له على ترك هذا الأجر مع أنهما فى أشد الحاجة إليه . وكان هذا التحريض من موسى للخضر - عليهما السلام - هو نهاية المرافقة والمصاحبة بينهما ، ولذا قال الخضر لموسى: ﴿ هذا فراق بينى وبينك﴾ أى: هذا الذى قلته لى. يجعلنا نفترق، لأنك قد قلت لى قبل ذلك: ﴿ إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى﴾ وها أنت تسألنى وتحرضنى على أخذ الأجر . ومع ذلك فانتظر : سأنبتك ، قبل مفارقتى لك ﴿ بتأويل﴾ أى: بتفسير وبيان ما خفى عليك من الأمور الثلاثة التى لم تستطع عليها صبرا ، لأنك لم يكن عندك ما عندى من العلم بأسرارها الباطنة التى أطلعنى الله - تعالى - عليها . ثم حكى القرآن الكريم ما قاله الخضر لموسى عليهما السلام - فى هذا الشأن فقال - تعالى - ٥٥٩ سورة الكهف أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا (٧٩ وَكَانَ وَرَآءَ هُ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ! .۔ أى قال الخضر لموسى: ﴿ أما السفينة﴾ التى خرقتها ولم ترض عنه، ﴿فكانت لمساكين يعملون فى البحر ﴾ أى: لضعفاء من الناس لا يستطيعون دفع الظلم عنهم، ولم يكن لهم مال يتعيشون منه سواها ، فكان الناس يركبون فيها ويدفعون لهؤلاء المساكين الأجر الذين ينتفعون به . فأردت أن أعيبها ﴾ أى : أن أجعلها ذات عيب بالخرق الذى خرقتها فيه ، ولم أرد أن أغرق أهلها كما ظننت يا موسى ، والسبب فى ذلك: أنه ﴿ كان وراءهم ملك﴾، ظالم، من دأبه أن يتعقب السفن الصالحة الصحيحة ، ويستولى عليها ، ويأخذها اغتصابا وقسرا من أصحابها . فهذا العيب الذى أحدثته فى السفينة . كان سببا فى نجاتها من يد الملك الظالم ، وكان سببا فى بقائها فى أيدى أصحابها المساكين . فالضرر الكبير الذى أحدثته بها ، كان دفعا لضرر أكبر كان ينتظر أصحابها المساكين لو بقيت سليمة . ويرى بعضهم أن المراد بالوراء الأمام . ويرى آخرون أن المراد به الخلف . وقال الزجاج : وراء : يكون للخلف والأمام . ومعناه : ما توارى عنك واستقر . وظاهر قوله - تعالى - : ﴿ يأخذ كل سفينة غصبا ﴾ ، يفيد أن هذا الملك كان يأخذ كل سفينة سواء أكانت صحيحة أم معيبة ، ولكن هذا الظاهر غير مراد . وإنما المراد : يأخذ كل سفينة سليمة . بدليل : فأردت أن أعيبها ، أى : لكى لا يأخذها ، ومن هنا قالوا : إن لفظ ((سفينة)) هنا موصوف لصفة محذوفة. أى : يأخذ كل سفينة صحيحة . و ((غصبا))، منصوب على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ. والغصب - من باب ضرب - : أخذ الشىء ظلما وقهرا . ثم بين - سبحانه - ما رد به الخضر على موسى فى اعتراضه على الحادثة الثانية فقال - تعالى - : ٥٦٠ المجلد الثامن وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا ٨١ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِ لَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا أى: ﴿وأما الغلام) الذى سبق لى أن قتلته، واعترضت على فى قتله يا موسى فكان أبواه مؤمنين ) ولم يكن هو كذلك فقد أعلمنى الله - تعالى - أنه طبع كافرا . فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا﴾، والخشية: الخوف الذى يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه . و ((يرهقها)» من الإرهاق وهو أن يُحُمَّل الإِنسان ما لا يطيقه. أى : فخشينا لو بقى حيا هذا الغلام أن يوقع أبويه فى الطغيان والكفر ، لشدة محبتها له ، وحرصهما على إرضائه . ﴿ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه﴾ والإِبدال : رفع شىء. وإحلال آخر محله . أى: ((فأردنا)) بقتله ((أن يبدلهما ربهما)) بدل هذا الغلام الكافر الطاغى، ولدا آخر ((خيرا منه)) أى من هذا الغلام، زكاة ((أى)) طهارة وصلاحا ((وأقرب رحما)) أى: وأقرب فى الرحمة بها . والعطف عليهما، والطاعة لهما . ثم ختم - سبحانه - القصة ، ببيان ما قاله الخضر لموسى فى تأويل الحادثة الثالثة فقال - تعالى - : وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَّهُ كَنَزُ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآَ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِكَ وَمَا فَعَلْنُهُ. عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا (١)