Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة الإسراء
وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال - تعالى -: ﴿إن الإِنسان خلق
هلوعًا. إذا مسه الشر جزوعًا. وإذا مسه الخير منوعًا. إلا المصلين﴾.
ولهذا نظائر كثيرة فى القرآن الكريم ، وهذا يدل على كرمه - تعالى - وإحسانه . وقد جاء
فى الصحيحين : يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق
السموات والأرض ، فإنه لم يغض ما فى يمينه (١) .
وقال الألوسى : وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التى لا يبلغها
الوهم ، حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله - تعالى - التى لا تتناهى ، وانفردوا
يملكها من غير مزاحم ، لأمسكوا عن النفقة من غير مقتض إلا خشية الفقر، وإن شئت
فوازن بقول الشاعر :
إبرًا يضيق بها فناء المنزل
ولو أن دارك أنبتت لك أرضها
ليخيط قد قميصه لم تفعل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة
مع أن فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة ، ترى التفاوت الذى لا يحصر ... )) (٢).
ثم بين - سبحانه - ما يدل على أن العبرة فى الإِيمان ، ليست بعظم الخوارق ووضوحها ،
وإنما العبرة بتفتح القلوب للحق ، واستعدادها لقبوله ، وساق - سبحانه - مثلًا لذلك من
قصة موسى - عليه السلام - فقد أعطاه من المعجزات البينة ما يشهد بصدقه ، ولكن فرعون
وجنده لم تزدهم تلك المعجزات إلا كفرًا وعنادًا ، فقال - تعالى - :
وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ
ءَايَتٍ بَيْنَتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَّهِ يلَ إِذْ جَآءَ هُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ
إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَمُوسَى مَسْخُورًا (٢) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ
هَؤُلاءِلََّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِّ لَأَظُنُكَ
يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴿ فَأَرَادَأَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِّنَ اْلْأَرْضِ
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٢٢ .
( ٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٨١ .

٤٤٢
المجلد الثامن
فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا ﴾ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِي إِسْرِّهِيلَ
اسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَاجَءَ وَعْدُالْآَخِرَةِ ◌ِثْنَابِكُمْلَفِيفًا
١٠٤
والمراد بالآيات التسع فى قوله - تعالى -: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... }
العصا، واليد، والسنون ، والبحر ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ؛ والدم . قال
ذلك ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم .
:
وقد جاء الحديث عن هذه الآيات فى مواضع أخرى من القرآن الكريم ، منها قوله
- تعالى -: ﴿ فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هى بيضاء للناظرين﴾(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ... ﴾(٢).
وقوله - سبحانه -: ﴿فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل
(٣)
فرق كالطود العظيم
وقوله - عز وجل -: ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ،
آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين﴾(٤).
والمعنى : لا تظن - أيها الرسول الكريم - أن إيمان هؤلاء المشركين من قومك ، متوقف
على إجابة ما طلبوه منك. وما اقترحوه عليك من أن تفجر لهم من الأرض ينبوعاً ، أو تكون
لك جنة من نخيل وعنب .. إلخ . لا تظن ذلك :
فإن الخوارق مهما عظمت لا تنشئ. الإِيمان فى القلوب الجاحدة الحاقدة ، بدليل أننا قد
أعطينا أخاك موسى تسع معجزات ، واضحات الدلالة على صدقه فى نبوته ، ولكن هذه
المعجزات لم تزد المعاندين من قومه إلا كفرًا على كفرهم ورجسًا على رجسهم . فاصبر - أيها
الرسول - على تعنت قومك وأذاهم، كما صبر أولو العزم من الرسل قبلك .
وتحديد الآيات بالتسع ، لا ينفى أن هناك معجزات أخرى أعطاها الله - تعالى -
(١) سورة الشعراء الآيتان: ٣٣،٣٢.
(٢) سورة الأعراف الآية ١٣٠.
(٣) سورة الشعراء الآية ٦٣ .
(٤ ) سورة الأعراف الآية ١٣٢ .

٤٤٣
سورة الإسراء
لموسى - عليه السلام - إذ من المعروف عند علماء الأصول ، أن تحديد العدد بالذكر ، لا يدل
على نفى الزائد عنه .
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : وهذا القول - المروى عن ابن عباس
وغيره - ظاهر جلى حسن قوى .. فهذه الآيات التسع ، التى ذكرها هؤلاء الأئمة ، هى
المرادة هنا ...
وقد أوتى موسى - عليه السلام - آيات أخرى كثيرة منها : ضربه الحجر بالعصا ،
وخروج الماء منه .. وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر ، ولكن ذكر هنا
هذه الآيات التسع التى شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر وكانت حجة عليهم فخالفوها
وعاندوها كفرا وجحودا .
ثم قال : وقال الإِمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت
عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادى قال : قال يهودى لصاحبه : اذهب بنا
إلى هذا النبى حتى نسأله عن هذه الآية: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... ﴾
فسألاه: فقال النبى - * -: ((لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا
النفس التى حرم الله إلا بالحق ، ولا تسخروا ، ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ببرىء إلی ذی
سلطان ليقتله ، ولا تقذفوا محصنة ، ولا تفروا من الزحف)) .. فقبَّلا يديه ورجليه ...
ثم قال: ((أما هذا الحديث فهو حديث مشكل . وعبد الله بن سلمة فى حفظه شىء،
وتكلموا فيه ، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات ، بالعشر الكلمات ، فإنها وصايا فى التوراة ،
لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون ... ))(١).
والحق أن ما رجحه الإِمام ابن كثير من أن المراد بالآيات التسع هنا: ما آتاه الله
- تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - من العصا ، واليد ... هو الذى تسكن إليه
النفس ، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات
والأرض بصائر ... ﴾ يؤيد أن المراد بها ما تقدم من العصا، واليد، والسنين .. ولأنها هى
التى فيها الحجج ، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق موسى - عليه السلام - . أما تلك
الوصايا التى وردت فى الحديث فلا علاقة لها بقيام الحجة على فرعون - كما قال الإِمام ابن
كثير - .
هذا، والخطاب فى قوله - تعالى -: ﴿فاسأل بنى إسرائيل إذ جاءهم﴾ يرى بعضهم أنه
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٢٣ .

٤٤٤
سورة الإسراء
للنبى - رَلجزر - والمسئولون هم المؤمنون من بنى إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.
وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ إذ جاءهم ﴾ ظرف لقوله ﴿ آتينا) وجملة ﴿فاسأل بنى
إسرائيل ﴾ معترضة بين العامل والمعمول .
والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، وقت أن أرسله الله - تعالى - إلى فرعون
وقومه ، فاسأل - أيها الرسول الكريم - المؤمنين من بنى إسرائيل عن ذلك ، فستجد منهم
الجواب عما جرى بين موسى وأعدائه عن طريق ما طالعوه فى التوراة .
والمقصود بسؤالهم : الاستشهاد بهم حتى يزداد المؤمنون إيمانًا على إيمانهم ، لأن من شأن
الأدلة إذا تضافرت وتعددت ، أن تكون أقوى وأثبت فى تأييد المدعى .
قال الآلوسى : والمعنى : فاسأل يا محمد مؤمنى أهل الكتاب عن ذلك ، إما لأن تظاهر
الأدلة أقوى - فى التثبيت - ، وإما من باب التهييج والإِلهاب ، وإما للدلالة على أنه أمر
محقق عندهم ثابت فى كتابهم . وليس المقصود حقيقة السؤال . بل كونهم - أعنى المسئولين -
من أهل علمه، ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم))(١) .
ويرى آخرون أن الخطاب لموسى - عليه السلام - ، وعليه يكون السؤال إما بمعناه
المشهور أو بمعنى الطلب ، ويكون قوله ﴿إذ جاءهم﴾ ظرفًا لفعل مقدر.
والمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، فقلنا له حين مجيئه إلى بنى إسرائيل : اسألهم
عن أحوالهم مع فرعون ، أو اطلب منهم أن يؤمنوا بك ويصدقوك ، ويخرجوا معك حين تطلب
من فرعون ذلك .
والفاء فى قوله: ﴿ فقال له فرعون إنى لأظنك يا موسى مسحورًا﴾ هى الفصيحة . إذ
المعنى : فامتثل موسى أمرنا ، وسأل بنى إسرائيل عن أحوالهم ، وطلب من فرعون أن يرسلهم
معه ، بعد أن أظهر له من المعجزات ما يدل على صدقه ، فقال فرعون لموسى على سبيل
التعالى والتهوين من شأنه - عليه السلام - : يا موسى إنى لأظنك مسحورًا.
أى : سُحرت فخولط عقلك واختل ، وصرت تتصرف تصرفًا يتنافى مع العقل السليم ،
وتدعى دعاوى لا تدل على تفكير قويم .
فقوله ﴿ مسحورا﴾ اسم مفعول. يقال: سحر فلان فلانًا يسحره سحرًا فهو مسحور ،
إذا اختلط عقله .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٨٤ .

٤٤٥
سورة الإِسراء
ويجوز أن يكون قوله ﴿مسحورًا﴾ بمعنى ساحر ، فيكون المعنى: إنى لأطنك يا موسى
ساحرًا ، عليًا بفنون السحر فقد أتيت بأشياء عجيبة يشير بذلك إلى انقلاب العصا حية بعد
أن ألقاها - عليه السلام - .
وهذا شأن الطغاة فى كل زمان ومكان ، عندما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم ، ويكشف عن
ضلالهم وكذبهم ... يرمون أهله - زورا وبهتانا - بكل نقيصة .
وعندما يحكى القرآن الكريم ما رد به موسى على فرعون فيقول : ﴿ قال لقد علمت
ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر ﴾ .
أى : قال موسى لفرعون ردًا على كذبه وافترائه : لقد علمت يا فرعون أنه ما أوجد هذه
الآيات التسع إلا الله - تعالى - خالق السموات والأرض ، وقد أوجدها - سبحانه -
بصورة واضحة جلية ، حتى لكأتها البصائر فى كشفها للحقائق وتجليتها .
فقوله ﴿بصائر) حال من ﴿هؤلاء﴾ أى: أنزل هذه الآيات حال كونها بينات
واضحات تدلك على صدقى .
وفى هذا الرد توبيخ لفرعون على تجاهله الحقائق ، حيث كان يعلم علم اليقين أن موسى -
عليه السلام - ليس مسحورًا ولا ساحرًا ، وأن الآيات التى جاء بها إنما هى من عند الله
- تعالى - ، كما قال - سبحانه - : مخاطبًا موسى: ﴿وأدخل يدك فى جيبك تخرج بيضاء
من غير سوء ، فى تسع آيات إلى فرعون وقومه ، إنهم كانوا قومًا فاسقين . فلما جاءتهم آياتنا
مبصرة ، قالوا هذا سحر مبين . وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ، فانظر كيف كان
٠
عاقبة المفسدين
وقوله : ﴿ وإنى لأظنك يافرعون مثبورا ﴾ توبيخ آخر لفرعون ، وتهديد له لأنه وصف
نبيًا من أنبياء الله - تعالى - بأنه مسحور.
ومثيورًا بمعنى مهلك مدمر . يقال : ثبر الله - تعالى - الظالم يثبره ثبورًا، إذا أهلكه .
أو بمعنى مصروفًا عن الخير . مطبوعًا على الشر من قولهم: ما ثبرك يا فلان عن هذا
الأمر ؟ أى : ما الذى صرفك ومنعك عنه .
والظن هنا بمعنى اليقين ، والمعنى : وإنى لأعتقد يا فرعون أن مصيرك إلى الهلاك والتدمير ،
(١) سورة النمل الآيات ١٢ - ١٤ .

٤٤٦
سـ
المجلد الثامن
بسبب إصرارك على الكفر والطغيان ، من بعد إتيانى بالمعجزات الدالة على صدقى فيما أبلغه
عن ربى الذى خلقنى وخلقك وخلق كل شىء .
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما هم به فرعون ، بعد أن أخرسه موسى - عليه السلام - بقوة
حجته ، وثبات جنانه فقال: ﴿ فأراد أن يستفزهم من الأرض ﴾ ..
والاستفزاز: الإزعاج والاستخفاف ، والمراد - به هنا : الطرد والقتل .
والضمير المنصوب فى ﴿ يستفزهم﴾ يعود إلى موسى وقومه بنى إسرائيل .
أى: فأراد فرعون بعد أن وبخه موسى وهدده ، أن يطرده وقومه من أرض مصر التى
يسكنون معه فيها . وأن يقطع دابرهم ، كما أشار إلى ذلك - سبحانه - فى قوله: ﴿ وقال
الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم
ونستحيى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ﴾(١) .
ثم حكى - سبحانه - ما ترتب على ما أراده فرعون من استفزاز لموسى وقومه فقال :
فأغرقناه ومن معه جميعًا ، وقلنا من بعده لبنى إسرائيل اسكنوا الأرض ... ﴾.
أى : أراد فرعون أن يطرد موسى وقومه من أرض مصر ، وأن يهلكهم .. فكانت النتيجة
أن عكسنا عليه مكره وبغيه ، حيث أهلكناه هو وجنده بالغرق ، دون أن نستثنى منهم أحدًا .
وقلنا من بعد هلاكه لبنى إسرائيل على لسان نبينا موسى - عليه السلام - : اسكنوا
الأرض التى أراد أن يستفزكم منها فرعون وهى أرض مصر .
قال الآلوسى : وهذا ظاهر إن ثبت أنهم دخلوها بعد أن خرجوا منها ، وبعد أن أغرق الله
فرعون وجنده . وإن لم يثبت فالمراد من بنى إسرائيل ذرية أولئك الذين أراد فرعون
استفزازهم ، واختار غير واحد أن المراد من الأرض . الأرض المقدسة ، وهى أرض الشام (٢).
وعلى أية حال فالآية الكريمة تحكى سنة من سنن الله - تعالى - فى إهلاك الظالمين ، وفى
توريث المستضعفين الصابرين أرضهم وديارهم .
ورحم الله الإِمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية . وفى هذا بشارة لمحمد
- وَل﴿ - بفتح مكة. مع أن هذه السورة نزلت قبل الهجرة ، وكذلك وقع ، فإن أهل مكة هموا
(١) سورة الأعراف الآية ١٢٧ .
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٨٦ .

٤٤٧
سورة الإسراء
بإخراج الرسول - 13 - منها ، كما قال - تعالى -: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض
ليخرجوك منها ... ﴾ ولهذا أورث الله - تعالى - رسوله مكة، فدخلها، وقهر أهلها، ثم
أطلقهم حلمًا وكرمًا، كما أورث الله القوم الذين كانوا مستضعفين من بنى إسرائيل ، مشارق
الأرض ومغاربها . وأورثهم بلاد فرعون ... ))(١) .
ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بقوله: ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم
لفيفا ﴾ .
أى: فإذا جاء وعد الدار الآخرة ، أى: الموعد الذى حدده الله - تعالى - لقيام
الساعة ، أحبيناكم من قبوركم ، وجئنا بكم جميعًا أنتم وفرعون وقومه مختلطين أنتم وهم ، ثم
نحكم بينكم وبينهم بحكمنا العادل .
واللفيف : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ومعناه الجماعة التى اجتمعت من قبائل شتى .
يقال : هذا طعام لفيف ، إذا كان مخلوطًا من جنسين فصاعدا .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكت لنا جانبًا مما دار بين موسى - عليه السلام - وبين
فرعون من محاورات ومجادلات ، وبينت لنا سنة من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف فى
نصرة المؤمنين ، ودحر الكافرين .
ثم عادت السورة الكريمة إلى التنويه بشأن القرآن الكريم ، وأثنت على المؤمنين من أهل
الكتاب الذين تأثروا تأثرا بليغًا عند سماعه ، فقال - تعالى - :
وَ بِالْحَقِّ أَنْتَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلْ وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّ مُبَشِرًا وَنَذِيرً
١٠٥
وَقُرْءَانَا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَأَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْنٍ وَنَزَّلْتَهُ نَِّيلًا !
١٠٦
قُلْ ءَامِنُواْبِّ أَوْلَا تُؤْمِنُوَإِنَّالَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى
عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَا إِنَ كَانَ
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٢٤.

٤٤٨
سورة الإسراء
وَعْدُرَيِّنَا لَمَفْعُولًا ﴿٢)، وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ
رے
خُشُوعًا
قال الآلوسى: قوله - تعالى - : ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل .. ﴾ عود إلى شرح حال
القرآن الكريم ، فهو مرتبط بقوله: ﴿لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا
القرآن لا يأتون بمثله .. ﴾ وهكذا طريقة العرب فى كلامها، تأخذ فى شىء وتسعطرد منه إلى
آخر ، ثم إلى آخر، ثم إلى آخر، ثم تعود إلى ما ذكرته أولاً، والحديث شجون ... ))(١).
والمراد بالحق الأول : الحكمة الإلهية التى اقتضت إنزاله ، والمراد بالحق الثانى : ما اشتمل
عليه هذا القرآن من عقائد وعبادات وآداب وأحكام ومعاملات ...
والباء فى الموضعين للملابسة ، والجار والمجرور فى موضع الحال من ضمير القرآن الذى دل
الكلام على أن الحديث عنه .
والمعنى : وإن هذا القرآن ما أنزلناه إلا ملتبسًا بالحق الذى تقتضيه حكمتنا ، وما أنزلناه
إلا وهو مشتمل على كل ما هو حق من العقائد والعبادات وغيرهما . فالحق سداه ولحمته ،
والحق مادته وغايته .
قال بعض العلماء : بين - جل وعلا - فى هذه الآية الكريمة ، أنه أنزل هذا القرآن بالحق ،
أى: ملتبسًا به متضمنًا له ، فكل ما فيه حق، فأخباره صدق . وأحكامه عدل ، كما قال
- تعالى -: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلاً لا مبدل لكلماته ... ﴾ وكيف لا، وقد أنزله
- سبحانه - بعلمه ، كما قال - تعالى - ﴿ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ،
والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا ﴾ .
وقوله ﴿ وبالحق نزل﴾ يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل فى طريق إنزاله، لأن
الرسول المؤتمن على إنزاله قوى لا يغلب عليه ، حتى يغير فيه ، أمين لا يغير ولا يبدل ، كما
أشار إلى هذا - سبحانه - بقوله: ﴿ إنه لقول رسول كريم . ذى قوة عند ذى العرش
مكين . مطاع ثم أمين ﴾(٢).
(١) تفسير الآلوسى جــ ١٠ ص ١٨٧ .
(٢) أضواء البيان جـ ص ٥٧٥ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى رحمه اله.

٤٤٩
سورة الإسراء
وقوله - سبحانه -: ﴿وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرًا﴾ ثناء على الرسول - وَليزر -
الذى نزل عليه القرآن ، بعد الثناء على القرآن فى ذاته .
أى: وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلا مبشرًا لمن أطاعنا بالثواب، وإلا منذرًا
لمن عصانا بالعقاب . ولم نرسلك لتخلق الهداية فى القلوب ، فإن ذلك من شأن اللّه تعالى .
ثم بين - سبحانه - الحكم التى من أجلها أنزل القرآن مفصلاً ومنجمًا، فقال: ﴿وقرآنا
فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلًا ﴾ .
ولفظ: ﴿قرآنا) منصوب بفعل مضمر أى: وآتيناك قرآنا.
وقوله: ﴿ فرقناه ﴾ أى: فصلناه. أو فرقنا فيه بين الحق والباطل. أو أنزلناه منجًا
مفرقًا .
قال الجمل : وقراءة العامة ﴿ فرقناه) بالتخفيف. أى: بينا حلاله وحرامه ...
وقرأ على وجماعة من الصحابة وغيرهم بالتشديد وفيه وجهان : أحدهما : أن التضعيف
للتكثير . أى : فرقنا آياته بين أمر ونهى وحكم وأحكام . ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار .
والثانى : أنه دال على التفريق والتنجيم))(١) .
وقوله ﴿ على مكت﴾ أى: على تؤدة وتمهل وحسن ترتيل، إذ المكث التلبث فى المكان،
والإقامة فيه انتظارًا لأمر من الأمور.
والمعنى: (( ولقد أنزلنا إليك - أيها الرسول - هذا القرآن ، مفصلاً فى أوامره ونواهيه ،
وفى أحكامه وأمثاله ... ومنجما فى نزوله لكى تقرأه على الناس على تؤدة وتأن وحسن ترتيل ،
حتي يتيسر لهم حفظه بسهولة ، وحتى يتمكنوا من تطبيق تشريعاته وتوجيهاته تطبيقًا عمليًا
دقيقًا .
وهكذا فعل الصحابة - رضى الله عنهم - : فإنهم لم يكن القرآن بالنسبة لهم متعة عقلية
ونفسية فحسب ، وإنما كان القرآن بجانب حبهم الصادق لقراءته وللاستماع إليه منهجًا
لحياتهم ، يطبقون أحكامه وأوامره ونواهيه وآدابه ... فى جميع أحوالهم الدينية والدنيوية .
قال أبو عبد الرحمن السلمى : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ، أنهم كانوا يستقرئون
عن النبى - 9 -، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يتركوها حتى يعملوا بما فيها ((فتعلمنا
القرآن والعمل جميعًا)).
(١) حاشية الجمل جـ ٢ ص ٦٥١ .

٤٥٠
المجلد الثامن
وقوله - سبحانه -: ﴿ونزلناه تنزيلاً﴾ أى: ونزلناه تنزيلاً مفرقًا منجمًا عليك يا محمد
فى مدة تصل إلى ثلاث وعشرين سنة ، على حسب ما تقتضيه حكمتنا ، وعلى حسب الحوادث
والمصالح ، وليس من أجل تيسير حفظه فحسب .
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - * - أن يخاطب المشركين بما يدل على هوان شأنهم. وعلى
عدم المبالاة بهم ، فقال - تعالى -: ﴿ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ، إن الذين أوتوا العلم من
قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا ... ﴾ .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين . الذين طلبوا منك ما هو خارج عن
رسالتك ، والذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين: قل لهم: آمنوا بهذا القرآن
أو لا تؤمنوا به ، لأن إيمانكم به ، لا يزيده كمالاً، وعدم إيمانكم به لا ينقص من شأنه شيئًا ،
فإن علماء أهل الكتاب الذين آتاهم الله العلم قبل نزول هذا القرآن ، وميزوا بين الحق
والباطل ، كانوا إذا تلى عليهم هذا القرآن، - كأمثال عبد الله بن سلام وأصحابه (( يخرون
للأذقان سجدًا)) أى: يسقطون على وجوههم ساجدين لله - تعالى - شكرًا له على إنجاز
وعده ، بإرسالك - أيها الرسول الكريم - وبإنزال القرآن عليك ، كما وعد بذلك
- سبحانه - فى كتبه السابقة .
فالجملة الكريمة : ﴿إن الذين أوتوا العلم .. ﴾ تعليل لعدم المبالاة بهؤلاء المشركين
الجاهلين ، والضمير فى قوله: ﴿ من قبله﴾ يعود إلى القرآن الكريم.
وقوله: ﴿يخرون للأذقان سجدًا﴾ يدل على قوة إيمانهم ، وعلى سرعة تأثرهم بهذا
القرآن ، فهم بمجرد تلاوته عليهم ، يسقطون على وجوههم ساجدين لله - تعالى - .
وخصت الأذقان بالذكر ، لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب من الأرض عند السجود ،
ولأن ذلك يدل على نهاية خضوعهم لله - تعالى - وتأثرهم بسماع القرآن الكريم :
ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه فى سجودهم فقال: ﴿ويقولون سبحان ربنا إن كان
وعد ربنا لمفعولا
أى : ويقولون فى سجودهم ، ننزه ربنا - عز وجل - عن كل ما يقوله الجاهلون بشأنه ،
إنه - تعالى - كان وعده منجزًّا ومحققا لا شك فى ذلك .
ثم كرر - سبحانه - مدحه لهم فقال : ﴿ ويخرون للأذقان يبكون ، ويزيدهم ﴾ أى سماع
القرآن ﴿ خشوعًا﴾ وخضوعًا لله - عز وجل.

٤٥١
سورة الإسراء
وكرر - سبحانه - خرورهم على وجوههم ساجدين لله - تعالى - لاختلاف السبب ،
فهم أولا أسرعوا بالسجود لله تعظيما له - سبحانه - وشكرًا له على إنجازه لوعده.
وهم ثانيًا أسرعوا بالسجود ، لفرط تأثرهم بمواعظ القرآن الكريم .
فأنت ترى هاتين الآيتين قد أمرتا النبى - * - بالإعراض عن المشركين ، وباحتقارهم
وبازدراء شأنهم ، فإن الذين هم خير منهم وأفضل وأعلم قد آمنوا .
وفى ذلك ما فيه من التسلية لرسول الله - عليه - فكأن الله - تعالى - يقول له: يا محمد
تَسلَّ عن إيمان هؤلاء الجهلاء ، بإيمان العلماء .
هذا ، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين أن البكاء من خشية الله ، يدل على صدق الإِيمان ،
وعلى نقاء النفس ، ومن الأحاديث التى وردت فى فضل ذلك ، ما أخرجه الترمذى عن ابن
عباس قال: سمعت رسول الله - م - يقول: ((عينان لا تمسهما النار : عين بكت من
خشية الله، وعين باتت تحرس فى سبيل الله)).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بآيتين دالتين على تفرده - سبحانه - بالتقديس
والتعظيم والتمجيد والعبادة ، فقال - تعالى - :
قُلِ اَدْعُوْلَهُأَوِ اَدْ عُوا الرَّحْمَنْ أَيََّمَّا تَدْعُواْ فَلَهُ
اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تَُّافِتِْهَا وَاُبْتَغْ
بَيِّنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلِّالَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَاوَكُنْ
لَّهُ شَرِيِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُوَلٌِ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِ مُتَكْبِرًا
أو
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًّا مَّا
تدعوا فله الأسماء الحسنى .. ﴾ ذكروا روايات منها : ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن
ابن عباس قال: وصلَّى رسول الله - * - بمكة ذات يوم فدعا الله - تعالى - فقال :
يا الله، يا رحمن ، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابى ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو
٠

٤٥٢
سورة الإِسراء
إلهين فنزلت(١) .
ومعنى : ادعوا ، سموا ، و﴿ أو ﴾ للتخيير. و﴿ أيا﴾ اسم شرط جازم منصوب على
المفعولية بقوله: ﴿ادعوا﴾ والمضاف إليه محذوف، أى: أى الاسمين. ﴿وتدعو ﴾ مجزوم
على أنه فعل الشرط لأيًّا، وجملة ﴿فله الأسماء الحسنى﴾ واقعة موقع جواب الشرط ،
و﴿ ما﴾ مزيدة للتأكيد . والحسنى: مؤنث الأحسن الذى هو أفعل تفضيل.
والمعنى : قل يا محمد للناس : سموا المعبود بحق بلفظ الله أو بلفظ الرحمن بأى واحد منهما
سميتموه فقد أصبتم ، فإنه - تعالى - له الأسماء الأحسن من كل ما سواه ، وقال
- سبحانه -: ﴿ فله الأسماء الحسنى﴾ للمبالغة فى كمال أسمائه - تعالى - وللدلالة على أنه
ما دامت أسماؤه كلها حسنة ، فلفظ الله ولفظ الرحمن كذلك ، كل واحد منها حسن .
وقد ذكر الجلالان عند تفسيرهما لهذه الآية ، أسماء الله الحسنى ، فارجع إليها إن شئت(٢).
وقوله - سبحانه - : ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ﴾ تعليم
من الله - تعالى - لنبيه كيفية أفضل طرق القراءة فى الصلاة .
فالمراد بالصلاة هنا : القراءة فيها . والجهر بها : رفع الصوت أثناءها ، والمخافتة بها :
خفضه بحيث لا يسمع . يقال : خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه ، والكلام على حذف
مضاف .
والمعنى : ولا تجهر يا محمد فى قراءتك خلال الصلاة ، حتى لا يسمعها المشركون فيسبوا
القرآن ، ولا تخافت بها ، حتى لا يسمعها من يكون خلفك ، بل أسلك فى ذلك طريقا وسطا
بين الجهر والمخافتة .
ومما يدل على أن المراد بالصلاة هنا: القراءة فيها ، ما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن
عباس .
قال: نزلت ورسول الله - * - مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته
بالقرآن ، فإذا سمع ذلك المشركون ، سبوا القرآن ، ومن أنزله ، ومن جاء به ، فأمره الله
بالتوسط .
وقيل : المراد بالصلاة هنا: الدعاء . أى: لا ترفع صوتك وأنت تدعو الله ، ولا تخافت
به . وقد روى ذلك عن عائشة ، فقد أخرج الشيخان عنها أنها نزلت فى الدعاء .
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٩١.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٦٥٦.

٤٥٣
سورة الإسراء
ويبدو لنا أن التوجيهات التى بالآية الكريمة تتسع للقولين ، أى : أن على المسلم أن يكون
متوسطًا فى رفع صوته بالقراءة فى الصلاة ، وفى رفع صوته حال دعائه .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية : ﴿وقل الحمد لله الذى لم يتخذ
ولدًا ... ﴾.
أى : وقل - أيها الرسول الكريم -: الحمد الكامل ، والثناء الجميل، لله - تعالى -
وحده ، الذى لم يتخذ ولدًا؛ لأنه هو الغنى، كما قال - تعالى -: ﴿قالوا اتخذ الله ولداً،
سبحانه هو الغنى ، له ما فى السموات وما فى الأرض .. ﴾(١) .
ولم يكن له ، - سبحانه - ﴿ شريك فى الملك ﴾ بل هو المالك لكل شىء ، ليس له فى
هذا الكون من يزاحمه أو يشاركه فى ملكه أو فى عبادته . كما قال - تعالى -: ﴿قل لو كان
معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا . سبحانه وتعالى عما يقولون علوا
كبيرا ﴾ (٢) .
وكما قال - عز وجل -: ﴿ ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، إذًّا لذهب كل
إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون﴾(٣).
﴿ ولم يكن له ولى من الذل ﴾ أى: ولم يكن له - سبحانه - ناصر ينصره من ذل أصابه
أو نزل به ، لأنه - عز وجل - هو أقوى الأقوياء ، وقاهر الجبابرة ، ومذل الطغاة ،
ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ﴾.
: وكبره تكبيرا ﴾ أى: وعظمه تعظيمًا تامًا كاملاً، يليق بجلاله عز وجل .
قال الإِمام ابن كثير: عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبى - وله - كان يعلم أهله
كبيرهم وصغيرهم هذه الآية. ﴿ الحمد لله الذى لم يتخذ ولدًا ... ﴾.
ثم قال ابن كثير: وقد جاء فى حديث أن رسول الله - ﴿ - سماها آية العز(٤).
(١) سورة يونس الآية ٦٨ .
(٢) سورة الإسراء الآية ٤٢، ٤٣ .
(٣) سورة المؤمنون الآية ٩١ .
(٤) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٢٩ .

٤٥٤
المجلد الثامن
وبعد : فهذا تفسير لسورة الإسراء نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصًا لوجهه ، ونافعًا
لعباده، وشافعًا لنا يوم نلقاه ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ له ﴾.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتبه الراجي عفو ربه
د . محمد سيد طنطاوى
المدينة المنورة - مساء الخميس ١٥ من جمادى الأولى سنة ١٤٠٤ هـ
الموافق ١٦ من فبراير سنة ١٩٨٤ م
٠٠

تفسير
شُورَةُ الْكِفِ

٤٥٧
مقدمة
:
بِسْمِ اللهُ الرَّحَنِّ الرَّحِيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه
ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد : فقد كان من فضل الله - عز وجل - على ، أن أعارتنى جامعة الأزهر إلى قسم
الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .
وقد امتدت هذه الإعارة لمدة أربع سنوات ، من سنة ١٤٠٠ إلى ١٤٠٤ هـ ١٩٨٠ -
١٩٨٤ م .
وقد وفقني الله - تعالى - خلال هذه المدة ، أن أكتب - وأنا فى الجوار الطيب - تفسيراً
محرراً ونافعاً - إن شاء الله - لسور: يونس ، وهود، ويوسف ، والرعد ، وإبراهيم ،
والحجر ، والنحل ، والإِسراء .
وهأنذا - وأنا فى الأشهر الأخيرة من الإعارة - انتهى من كتابة تفسير سورة الكهف .
أسأل الله - تعالى - أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده، وأن يعيننى على
خدمة كتابه الكريم ، وعلى السير فى تفسيره حتى النهاية ، وأن يزيل من طريقى كل عقبة
تمنعنى من ذلك .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المدينة المنورة - مساء الخميس ١٨ من رجب سنة ١٤٠٤ هـ .
: ١٩٠ من إبريل سنة ١٩٨٤ .
د / محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية

..

٤٥٩
مقدمة
تمهيد
١ - سورة الكهف هى السورة الثامنة عشرة فى ترتيب سور المصحف ، فقد سبقتها فى
الترتيب سور: الفاتحة ، والبقرة ، وآل عمران .. إلخ .
أما ترتيبها فى النزول ، فهى السورة الثامنة والستون ، فقد ذكر قبلها صاحب الاتقان سبعا
وستين سورة ، كما ذكر أن نزولها كان بعد سورة الغاشية(١).
ومما ذكره صاحب الاتقان يترجح لدينا ، أن سورة الكهف من أواخر السور المكية التى
نزلت على النبى - * - قبل الهجرة ، إذ من المعروف عند العلماء أن السور المكية زهاء
اثنتين وثمانين سورة .
قال الألوسى : سورة الكهف ، ويقال لها سورة أصحاب الكهف .. وهى مكية كلها فى
المشهور، واختاره الدانى .. وعدها بعضهم من السور التى نزلت جملة واحدة .
وقيل: مكية إلا قوله - تعالى - ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة
والعشى .. ﴾ الآية .
وقيل هى مكية إلا أولها إلى قوله - تعالى - ﴿ جرزا﴾ وقيل: مكية إلا قوله - تعالى -
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا .. ﴾ إلى آخر السورة .
وهى مائة وإحدى عشرة آية عند البصريين ، ومائة وعشر آيات عند الكوفيين ... (٢).
والذين تطمئن إليه النفس أن سورة الكهف كلها مکیة ، وقد ذكر ذلك دون أن يستثنى منها
شيئا الإِمام ابن كثير ، والزمخشرى ،وأبو حيان ، وغيرهم ، وفضلا عن ذلك فالذين قالوا بأن
فيها آيات مدنية ، لم يأتوا بما يدل على صحة قولهم ، كما سيتبين لنا عند تفسير الآيات التى قيل
بأنها مدنية .
٢ - وقد صدر الامام ابن كثير تفسيره لهذه السورة ، بذكر الأحاديث التى وردت فى فضلها
فقال ما ملخصه : ذكر ما ورد فى فضلها ، والعشر الآيات من أولها وآخرها ، وأنها عصمة من
الدجال .
(١) الاتقان فى علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ السيوطى.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ١٩٩.

٤٦٠
المجلد الثامن
قال الامام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن سالم بن أبى
الجعد، عن معدان بن أبى طلحة، عن أبى الدرداء عن النبى - صل18 - قال: ((من حفظ
عشر آيات من أول سورة الكهف ، عُصِم من الدجال)).
وفى رواية عن أبى الدرداء، عن النبى - -: ((من قرأ العشر الأواخر من سورة
الكهف عصم من فتنة الدجال )).
وأخرج الحاكم عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى - ﴿ - أنه قال: (( من قرأ سورة
الكهف فى يوم الجمعة ، أضاء له من النور مابينه وبين الجمعتين(١))).
٣ - عرض إجمالى لسورة الكهف :
( أ ) عندما نقرأ سورة الكهف، نراها فى مطلعها تفتتح بالثناء على الله - تعالى -
وبالتنويه بشأن النبى - ﴿ه - وبالقرآن الذى نزل عليه ثم تنذر الذين نسبوا إلى الله - عز
وجل - مالا يليق به، وتصمهم بأقبح ألوان الكذب، ثم تنهى النبى - ليزر - عن التأسف
عليهم ، بسبب إصرارهم على كفرهم .
قال - تعالى -: ﴿ الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما لينذر
بأسا شديداً من لدنه ، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسنا . ماكثين فيه
أبدا. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا . مالهم به من علم ولا لآبائهم ، كبرت كلمة تخرج من
أفواههم إن يقولون إلا كذبا ﴾ .
(ب) ثم ساقت السورة بعد ذلك فيما يقرب من عشرين آية قصة أصحاب الكهف ،
فحكت أقوالهم عندما التجأوا إلى الكهف ، وعندما استقروا فيه واتخذوه مأوى لهم ، كما حكت
جانبا من رعاية الله ، تعالى، لهم ، ورحمته بهم .. ثم صورت أحوالهم وهم رقود ، وذكرت
تساؤلهم فيما بينهم بعد أن بعثهم الله - تعالى - من رقادهم الطويل ، وإرسالهم أحدهم إلى
المدينة لإِحضار بعض الأطعمة ، وإطلاع الناس عليهم . وتنازعهم فى أمرهم ، ونهى الله -
تعالى - عن الجدال فى شأنهم، كما ذكرت المدة التى لبئوها فى كهفهم .
قال - تعالى - ﴿ولبثوا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، قل الله أعلم بما لبثوا له
غيب السموات والأرض . أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولى ، ولا يشرك فى حكمه
أحداً :
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٣٠ طبعة دار الشعب.
۔