Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة يوسف فإن قيل: فإن ذلك يعارضه ما جاء عن رسول الله - ﴿ ﴿ - فى الأحاديث الصحيحة من نهيه عن طلب الإِمارة ... فالجواب : أولاً: أن يوسف - عليه السلام - إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه فى العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم ، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه ، فإنه لم يكن هناك غيره ... الثانى : أنه لم يقل اجعلنى على خزائن الأرض لأنى حسيب كريم ، وإن كان كذلك ، ولم يقل إنى جميل مليح ... وإنما قال ﴿ إنى حفيظ عليم ﴾ فسألها بالحفظ والعلم لا بالنسب والجمال . الثالث : إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك مستثنى من قوله - تعالى - ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ... ﴾(١). والخلاصة أن يوسف - عليه السلام - إنما قال ما قال للملك ، وطلب ما طلب منه ، لأنه علم أن هذا المنصب لا يصلح له أحد سواه فى ذلك الوقت وفى تلك الظروف ، فهو يريد من ورائه خدمة الأمة لاجر منفعة شخصية لنفسه ... وما قاله إنما هو من باب التحدث بنعمة الله - تعالى - الذى أعطاه هذه الصفات الكريمة ، والمناقب العالية ، وليس من باب تزكية النفس المحظورة . هذا، وقوله - سبحانه - ﴿ وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض ... ﴾ بيان لسنة الله - تعالى - فى خلقه ، من كونه - سبحانه - لا يضيع أجر الصابرين المحسنين أى : ومثل هذا التمكين العظيم . مكنا ليوسف فى أرض مصر ، بعد أن مكث فى سجنها بضع سنين ، لا لذنب اقترفه، وإنما لاستعصامه بأمر الله . وقوله ﴿ يتبوأ منها حيث يشاء ﴾ تفصيل للتمكين الذى منحه الله - تعالى - ليوسف فى أرض مصر ، والتبوأ اتخاذ المكان للنزول به . يقال: بوأ فلان فلانا منزلاً . أى مكنه منه وأنزله به أى : ومثل هذا التمكين العظيم ، مكنا ليوسف فى أرض مصر ، حيث هيأنا له أن يتنقل فى أماكنها ومنازلها حيث يشاء له التنقل ، دون أن يمنعه مانع من الحلول فى أى مكان فيها . فالجملة الكريمة كناية عن قدرته على التصرف والتنقل فى جميع أرض مصر ، كما يتصرف ويتنقل الرجل فى منزله الخاص . وقوله : ﴿ نصيب برحمتنا من نشاء ... ﴾ بيان لكمال قدرته ونفاذ إرادته - سبحانه - (١) راجع تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٢١٦. ٣٨٢ المجلد السابع أى : نصيب برحمتنا وفضلنا وعطائنا من نشاء عطاءه من عبادنا بمقتضى حكمتنا ومشيئتنا . ﴿ ولا نضيع أجر المحسنين﴾ الذين يتقنون أداء ما كلفهم الله بأدائه، بل نوفيهم أجورهم على إحسانهم فى الدنيا قبل الآخرة إذا شئنا ذلك . ﴿ ولأجر الآخرة خير﴾ وأبقى ﴿للذين آمنوا) يالله - تعالى - إيمانًا حقًا ﴿ وكانوا يتقون﴾ خالقهم - عز وجل - فى كل ما يأتون وما يذرون ، بأن يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه . وهكذا كافأ الله - تعالى - يوسف على صبره وتقواه وإحسانه ، بما يستحقه من خير وسعادة فى الدنيا والآخرة . ثم تطوى السورة بعد ذلك أحداثًا تكل معرفتها إلى فهم القارىء وفطنته ، فهى لم تحدثنا - مثلاً - عن الطريقة التى اتبعها يوسف فى إدارته لخزائن أرض مصر ، اكتفاء بقوله ﴿ إنى حفيظ عليم ﴾ للدلالة على كفايته وأمانته . كذلك لم تحدثنا عن أحوال الناس فى السنوات السبع العجاف ، وفى السنوات الخضر لأن هذا مقرر ومعروف فى دنيا الناس . كذلك لم تحدثنا عن صلة الملك وحاشيته بيوسف ، بعد أن صار أمينًا على خزائن الأرض ، بل أفسحت المجال كله للحديث عن يوسف ، إنزالاً للناس منازلهم ، إذ هو صاحب التفسير الصحيح لرؤيا الملك ، وصاحب الأفكار الحكيمة التى أنقذت الأمة من فقر سبع سنوات شداد ، وصاحب الدعوة إلى وحدانية الله - تعالى - وإخلاص العبادة له ، بين قوم يشركون مع الله فى العبادة آلهة أخرى . لم تحدثنا السورة الكريمة عن كل ذلك ، فى أعقاب حديثها عن تمكين الله - تعالى - ليوسف فى الأرض ، وإنما انتقلت بنا بعد ذلك مباشرة إلى الحديث عن لقاء يوسف بإخوته ، وعما دار بينه وبينهم من محاورات ، وعن إكرامه لهم ... قال تعالى : وَجَآءَ إِخْوَةٌ يُوسُفَ فَدَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُمُنْكِرُونَ (٥) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ يَجَهَازِهِمْ قَالَ أْتُونِ بِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ أَلَتَّرَوْنَ ٣٨٣ سورة يوسف أَنِّ أُوْ فِ الْكَيْلَ وَأَنْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴿ فَإِ لَّمْ تَأْتُونِهِ،فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا نَقْرَبُونِ ﴿، قَالُواسَنُمَوِّدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ ﴿٦، وَقَالَ لِفِنِّيَنِهِ أَجْعَلُواْبِضَعَهُمْ فِ رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَىَ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٦٢ قال الفخر الرازى - رحمه الله - اعلم أنه لما عم القحط فى البلاد، ووصل أيضًا إلى البلدة التى كان يسكنها يعقوب - عليه السلام - وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه : إن بمصر صالحًا يمير الناس - أى يعطيهم الطعام وما هم فى حاجة إليه فى معاشهم - فاذهبوا إليه بدراهمكم، وخذوا منه الطعام، فخرجوا إليه وهم عشرة وبقى ((بنيامين)) مع أبيه ، ودخلوا على يوسف - عليه السلام - وصارت هذه الواقعة كالسبب فى اجتماع يوسف مع إخوته ، وظهور صدق ما أخبره الله - تعالى - عنه فى قوله ليوسف حال ما ألقوه فى الجب ﴿ لتنبتنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ﴾(١) . وقد جاءوا إليه جميعًا - ما عدا ((بنيامين)) وهو الشقيق الأصغر ليوسف ليحصلوا منه على أكبر كمية من الطعام على حسب عددهم ، وليكون عندهم القدرة على صد العدوان إذا ما تعرض لهم قطاع الطرق الذين يكثرون فى أوقات الجدب والجوع . وعبر عن معرفة يوسف لهم بالجملة الفعلية ، وعن جهلهم له بالجملة الإسمية للإشعار بأن معرفته لهم حصلت بمجرد رؤيته لهم ، أما هم فعدم معرفتهم له كان أمرا ثابتًا متمكنًا منهم . قال صاحب الكشاف: (( لم يعرفوه لطول العهد ، ومفارقته إياهم فى سن الحداثة ولاعتقادهم أنه قد هلك ، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه ، واهتمامهم بشأنه ، ولبعد حاله التى بلغها من الملك والسلطان عن حاله التى فارقوه عليها طريحًا فى البئر ، حتى لو تخيلوا أنه هو لكذبوا أنفسهم وظنونهم ، ولأن الملك مما يبدل الزى ، ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف ... ))(٢). - (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ١٦٥. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٢٩. ٣٨٤ المجلد السابع ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المجاعة التى حدثت فى السبع السنين الشداد شملت مصر وما جاورها من البلاد - كما سبق أن أشرنا - . كما يؤخذ منها أن مصر كانت محط أنظار المعسرين من مختلف البلاد بفضل حسن تدبير يوسف - عليه السلام - وأخذه الأمور بالعدالة والرحمة وسهره على مصالح الناس ، ومراقبته لشئون بيع الطعام ، وعدم الاعتماد على غيره حتى إن إخوته قد دخلوا عليه وحده ، دون غيره من المسئولين فى مصر . وقوله - سبحانه - ﴿ ولما جهزهم بجهازهم قال انتونی بأخ لكم من أبیکم .. ﴾ بیان لما فعله يوسف معهم بعد أن عرفهم دون أن يعرفوه . وأصل الجهاز - بفتح الجيم وكسرها قليل -: ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع ، يقال: جهزت المسافر ، أى هيأت له جهازه الذى يحتاج إليه فى سفره ، ومنه جهاز العروس وهو ما تزف به إلى زوجها ، وجهاز الميت وهو ما يحتاج إليه فى دفنه ... والمراد : أن يوسف بعد أن دخل عليه إخوته وعرفهم ، أكرم وفادتهم . وعاملهم معاملة طيبة جعلتهم يأنسون إليه ، وهيأ لهم ما هم فى حاجة إليه من الطعام وغيره ، ثم استدرجهم بعد ذلك فى الكلام حتى عرف منهم على وجه التفصيل أحوالهم . وذلك لأن قوله لهم ﴿ انتونى بأخ لكم من أبيكم﴾ يستلزم أن حديثًا متنوعًا نشأ بينه وبينهم ، عرف منه يوسف ، أن لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم وإلا فلو كان هذا الطلب منه لهم بعد معرفته لهم مباشرة ، لشعروا بأنه يعرفهم وهو لا يريد ذلك . ومن هنا قال المفسرون: إن قوله ﴿انتونى بأخ لكم من أبيكم ﴾ يقتضى كلامًا دار بينه وبينهم نشأ عنه هذا الطلب ، ومما قالوه فى توضيح هذا الكلام : ما روى من أنهم بعد أن دخلوا عليه قال لهم : من أنتم وما شأنكم ؟ فقالوا : نحن قوم من أهل الشام ، جئنا متار ، ولنا أب شيخ صديق نبى من الأنبياء اسمه يعقوب ، فقال لهم : كم عددكم قالوا عشرة ، وقد كنا اثنى عشر ، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك ، وكان أحبنا إلى أبينا ، وقد سكن بعده إلى أخ له أصغر منه، هو باق لديه يتسلى به ، فقال لهم حينئذ؛ انتونى بأخ لكم من أبيكم))(١). ويروى أنه قال لهم ذلك بعد أن طلبوا منه شيئًا زائدًا عن عددهم ، لأن لهم أخًا لم يحضر معهم ، فأعطاهم ما طلبوه ، واشترط عليهم إحضار أخيهم هذا معهم ، ليتأكد من صدقهم ))(٢) . (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٢ ص ٣٧ . ( ٢) راجع تفسير القرطبى جـ ٩ ص ٢٣١ .. ٣٨٥ سورة يوسف والمعنى: وبعد أن أعطى يوسف إخوته ما هم فى حاجة إليه ، وعرف منهم أن لهم أخًا من أبيهم قد تركوه فى منازلهم ولم يحضر معهم ، قال لهم : أنا أريدكم فى الزيارة القادمة لى ، أن تحضروه معكم لأراه ... وقوله ((من أبيكم)) حال من قوله ((أخ لكم)) أى: أخ لكم حالة كونه من أبيكم ، وليس شقيقًا لكم، فإن هذا هو الذى أريده ولا أريد غيره . وهذا من باب المبالغة فى عدم الكشف لهم عن نفسه ، حتى لكأنه لا معرفة له بهم ولا به إلا من ذکرهم إياه له . ١ وقوله: ﴿ ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين﴾ تحريض لهم على الإتيان به ، وترغيب لهم فى ذلك حتى ينشطوا فى إحضاره معهم . أى : ألا ترون أنى أكرمت وفادتكم ، وأعطيتكم فوق ما تريدون من الطعام، وأنزلتكم بيلدى منزلًا كريمًا ... وما دام أمرى معكم كذلك ، فلابد من أن تأتونى معكم بأخيكم من أبيكم فى المرة القادمة ، لكى أزيد فى إكرامكم وعطائكم . والمراد بإيفاء الكيل : إتمامه بدون تطفيف أو تنقيص . وعبر بصيغة الاستقبال ((ألا ترون ... )) مع كونه قد قال هذا القول بعد تجهيزه لهم . للدلالة على أن إيفاءه هذا عادة مستمرة له معهم كلما أتوه . وجملة ﴿وأنا خير المنزلين﴾ حالية، والمنزل: المضيف لغيره. أى: والحال أنى خير المضيفين لمن نزل فى ضيافتى ، وقد شاهدتم ذلك بأنفسكم . ثم أتبع هذا الترغيب بالترهيب فقال: ﴿ فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون ﴾ أى : لقد رأيتم منى كل خير فى لقائكم معى هذا ، وقد طلبت منكم أن تصحبوا معكم أخاكم من أبيكم فى لقائكم القادم معى ، فإن لم تأتونى به معكم عند عودتكم إلى ، فإنى لن أبيعكم شيئًا مما تريدونه من الأطعمة وغيرها ، وفضلاً عن ذلك فإنى أحذركم من أن تقربوا بلادى فضلاً عن دخولها . هذا التحذير منه - عليه السلام - لهم ، يشعر بأن إخوته قد ذكروا له بأنهم سيعودون إليه مرة أخرى ، لأن ما معهم من طعام لا يكفيهم إلا لوقت محدود من الزمان . وقوله - سبحانه -: ﴿ قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون ﴾ حكاية لما رد به إخوة يوسف عليه . ٣٨٦ المجلد السابع أى قال إخوة يوسف له بعد أن أكد لهم وجوب إحضار أخيهم لأبيهم معهم: ﴿سنراود عنه أباه﴾ أى: سنطلب حضوره معنا من أبيه برفق ولين ومخادعة ومحايلة ((وإنا لفاعلون)) هذه المراودة باجتهاد لا كلل ولا ملل معه وفاء لحقك علينا . وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على أنهم كانوا يشعرون بأن إحضار أخيهم لأبيهم معهم - وهو ((بنيامين)) الشقيق الأصغر ليوسف - ، ليس أمرًا سهلاً أو ميسورًا، وإنما يحتاج إلى جهد كبير مع أبيهم حتى يقنعوه بإرساله معهم . ثم بين - سبحانه - ما فعله يوسف مع إخوته وهم على وشك الرحيل فقال: ﴿وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم ، لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ﴾ . والفتيان : جمع فتى والمراد بهم هنا من يقومون بخدمته ومساعدته فى عمله . والبضاعة فى الأصل : القطعة الوفيرة من الأموال التى تقتنى للتجارة ، مأخوذة من البضع بمعنى القطع والمراد بها هنا : أثمان الطعام الذى أعطاه لهم يوسف - عليه السلام - . والرحال : جمع رحل ، وهو ما يوضع على البعير من متاع الراكب . والمعنى : وقال يوسف - عليه السلام - لفتيانه الذين يقومون بتلبية مطالبه : أعيدوا إلى رحال هؤلاء القوم - وهم إخوته - الأثمان التى دفعوها لنا فى مقابل ما أخذوه منا من طعام ، وافعلوا ذلك دون أن يشعروا بكم ، لعل هؤلاء القوم عندما يعودون إلى بلادهم ، ويفتحون أمتعتهم ، فيجدون فيها الأثمان التى دفعوها لنا فى مقابل ما أخذوه من طعام وغيره . لعلهم حينئذ يرجعون إلينا مرة أخرى ، ليدفعوها لنا فى مقابل ما أخذوه . وكأن يوسف - عليه السلام - أراد بفعله هذا حملهم على الرجوع إليه ومعهم ((بنيامين )) لأن من شأن النفوس الكبيرة أن تقابل الإِحسان بالإِحسان وأن تأنف من أخذ المبيع دون أن تدفع لصاحبه ثمنه . وقوله ﴿لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم﴾ تعليل لأمره فتيانه بجعل البضاعة فى رحال إخوته . إذ أن معرفتهم بأن بضاعتهم قد ردت إليهم لا يتم إلا بعد انقلابهم - أى رجوعهم - إلى أهلهم ، وبعد تفريغها عندهم . وقوله (( لعلهم يرجعون )) جواب للأمر . أى : اجعلوها كذلك ، لعلهم بعد اكتشافهم أنهم ما دفعوا لنا ثمن ما أخذوه ، يرجعون إلينا ليدفعوا لنا حقنا . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثتنا عما دار بين يوسف وإخوته بعد أن دخلوا عليه ٣٨٧ سورة يوسف فعرفهم وهم له منكرون ، وبعد أن طلب منهم بقوة أن يعودوا إليه ومعهم أخوهم لأبيهم ... فماذا كان بعد ذلك ؟ لقد حكت لنا السورة الكريمة ما دار بين إخوة يوسف وبين أبيهم من محاورات طلبوا خلالها منه أن يأذن لهم فى اصطحاب ((بنيامين)) معهم فى رحلتهم القادمة إلى مصر ، كما حكت ما رد به أبوهم عليهم . قال - تعالى - : فَمَّا رَجَمُوْاْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَّأَبَانَا مُنِعَ مِنَّالْكَبْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ. ٦٣ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاَللَّهُ خَيْرٌ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَِّحِينَ ﴿ وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُ واْبِضَعَتَهُمْ رُدَّنْ إِلَيْهِمَّ قَالُوايَتَأَبَنَا مَانَبَّغِىِّ هَذِهِ، بِضَعَنْنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِلَتَأْنُنَّنِ بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَمَّاَ ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ٦ وَقَالَ يَبَنِىَّلَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْ خُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَئِّءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوُهُم ◌َّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّ حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنِهَا وَإِنَّهُ .. ٣٨٨ المجلد السابع لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨ وقوله - سبحانه - : ﴿ فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل ... ﴾ حكاية لما قاله إخوة يوسف لأبيهم فور التقائهم به . والمراد بالكيل : الطعام المكيل الذى هم فى حاجة إليه . والمراد بمنعه : الحيلولة بينهم وبينه فى المستقبل ، لأن رجوعهم بالطعام قرينة على ذلك . والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف ، يدرك من السياق والتقدير : ترك إخوة يوسف مصر ، وعادوا إلى بلادهم ، بعد أن وعدوه بتنفيذ ما طلبه منهم ، فلما وصلوا إلى بلادهم ، ودخلوا على أبيهم قالوا له بدون تمهل . يا أبانا ﴾ لقد حكم عزيز مصر بعدم بيع أى طعام لنا بعد هذه المرة إذا لم نأخذ معنا أخانا ((بنيامين)) ليراه عند عودتنا إليه؛ فقد قال لنا مهددًا عند مغادرتنا له: ﴿ فإن لم تأتونى به فلا کیل لكم عندى ولا تقربون ﴾ . وأنت تعلم أننا لابد من عودتنا إليه ، لجلب احتياجاتنا من الطعام وغيره ، فنرجوك أن توافقنا على اصطحاب ((بنيامين)) معنا ((وإنا له لحافظون)) حفظًا تامًا من أن يصيبه مكروه. والآية الكريمة واضحة الدلالة على أن قولهم هذا لأبيهم ، كان بمجرد رجوعهم إليه ، وكان قبل أن يفتحوا متاعهم ليعرفوا ما بداخله ... وكأنهم فعلوا ذلك ليشعروه بأن إرسال بنيامين معهم عند سفرهم إلى مصر ، أمر على أكبر جانب من الأهمية ، وأن عدم إرساله سيترتب عليه منع الطعام عنهم . وقرأ حمزة والكسائى ((فأرسل معنا أخانا يكتل))- بالياء - أى : فأرسله معنا ليأخذ نصيبه من الطعام المكال ، لأن عزيز مصر لا يعطى طعامًا لمن كان غائبًا . وعلى كلا القراءتين فالفعل مجزوم فى جواب الطلب . وقالوا له ﴿وإنا له لحافظون) بالجملة الإسمية، لتأكيد حفظهم له: وأن ذلك أمر ثابت عندهم ثبوتًا لا مناص منه . ولكن يبدو أن قولهم هذا قد حرك كوامن الأحزان والآلام فى نفس يعقوب ، فهم الذين سبق أن قالوا له فى شأن يوسف - أيضًا - ﴿أرسله معنا غدًّا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون ٣٨٩ سورة يوسف لذا نجده يرد عليهم فى استنكار وألم بقوله: ﴿ قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ... ﴾ . أى : قال يعقوب لأولاده بعد أن طلبوا منه بإلحاح إرسال أخيهم معهم ، وبعد أن تعهدوا بحفظه: أتريدون أن أآتمنكم على ابنى («بنيامين))، كما أنتمنتكم على شقيقه يوسف من قبل هذا الوقت ، فكانت النتيجة التى تعرفونها جمعًا ، وهى فراق يوسف لى فراقًا لا يعلم مداه إلا الله - تعالى - ؟ !! لا ، إننى لا أثق بوعودكم بعد الذى حدث منكم معى فى شأن يوسف. فالاستفهام فى قوله ((هل آمنكم .. )) للإنكار والنفى. وقوله ﴿ فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين﴾ تفريع على استنكاره لطلبهم إرسال ((بنيامين)) معهم، وتصريح منه لهم بأن حفظ الله - تعالى - خير من حفظهم . أى : إننى لا أثق بوعودكم لى بعد الذى حدث منكم بالنسبة ليوسف ، وإنما أثق بحفظ الله ورعايته ((فالله)) - تعالى - (( خير حافظًا)) لمن يشاء حفظه، فمن حفظه سلم ، ومن لم يحفظه لم يسلم ، كما لم يسلم أخوه يوسف من قبل حين ائتمنتكم عليه ((وهو)) - سبحانه - ﴿ أرحم الراحمين﴾ لخلقه، فأرجو أن يشملنى برحمته، ولا يفجعنى فى ((بنيامين))، كما فجعت فى شقيقه يوسف من قبل . ويبدو أن الأبناء قد اقتنعوا برد أبيهم عليهم ، واشتموا من هذا الرد إمكان إرساله معهم ، لذا لم يراجعوه مرة أخرى . قال الآلوسى ما ملخصه: (( وهذا - أى رد يعقوب عليهم - ميل منه - عليه السلام - إلى الإذن والإِرسال لما رأى فيه من المصلحة ، وفيه أيضًا من التوكل على الله - تعالى - ما لا يخفى، ولذا روى أن الله - تعالى - قال: ((وعزتى وجلالى لأردهما عليك إذ توكلت على ... )) وقرأ أكثر السبعة ﴿فالله خير حفظا ... ) وقرأ حمزة والكسائى وحفص («حافظا ... )) وعلى القراءتين فهو منصوب على أنه تمييز ... ))(١). ثم اتجه الأبناء بعد هذه المحاورة مع أبيهم إلى أمتعتهم ليفتحوها ويخرجوا ما بها من زاد حضروا به من مصر ، فكانت المفاجأة التى حكاها القرآن فى قوله : ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ... ﴾ . أى : وحين فتحوا أوعيتهم التى بداخلها الطعام الذى اشتروه من عزيز مصر . فوجئوا بوجود أثمان هذا الطعام قد رد إليهم معه ، ولم يأخذها عزيز مصر ، بل دسها داخل أوعيتهم (١) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ١١. ٣٩٠ المجلد السابع دون أن يشعروا ، فدهشوا وقالوا لأبيهم متعجبين : يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ أى: يا أبانا ماذا نطلب من الإِحسان والكرم أكثر من هذا الذى فعله معنا عزيز مصر ؟ لقد أعطانا الطعام الذى نريده ، ثم رد إلينا ثمنه الذى دفعناه له دون أن يخبرنا بذلك . فما فى قوله ﴿ ما نبغى﴾ استفهامية، والاستفهام للتعجب من كرم عزيز مصر، وهى مفعول نبغى ، ونبغى من البُغَاء - بضم الباء - وهو الطلب . والمراد ببضاعتهم : الثمن الذى دفعوه للعزيز فى مقابل ما أخذوه منه من زاد . وجملة ﴿ هذه بضاعتنا ردت إلينا ﴾ مستأنفة لتوضيح ما دل عليه الاستفهام من التعجب، بسبب ما فعله معهم عزيز مصر من مروءة وسخاء . فكأنهم قالوا لأبيهم : كيف لا نعجب وندهش ، وهذه بضاعتنا ردت إلينا من حيث لا ندرى ومعها الأحمال التى اشتريناها من عزيز مصر لم ينقص منها شىء ؟ وقوله ﴿وغير أهلنا﴾ معطوف على مقدر يفهم من الكلام، أى: ((هذه بضاعتنا ردت إلينا)) فننتفع بها فى معاشنا ، وغير أهلنا ، أى : نجلب لهم الميرة - بكسر الميم وسكون الياء - وهى الزاد الذى يؤتى به من مكان إلى آخر . ونحفظ أخانا ﴾ عند سفره معنا من أى مكروه . ونزداد﴾ بوجوده معنا عند الدخول على عزيز مصر . كيل بعير ﴾ أى: ويعطينا العزيز حمل بعير من الزاد ، زيادة على هذه المرة نظرًا لوجود أخينا معنا . ولعل قولهم هذا كان سببه أن يوسف - عليه السلام - كان يعطى من الطعام على عدد الرءوس ، حتى يستطيع أن يوفر القوت للجميع فى تلك السنوات الشداد . واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - ﴿ ذلك كيل يسير ﴾ يعود إلى الزاد الذى أحضروه من مصر أى : ذلك الطعام الذى أعطانا إياه عزيز مصر طعام يسير ، لا يكفينا إلا لمدة قليلة من الزمان ، ويجب أن نعود إلى مصر لنأتى بطعام آخر . وفى هذه الجمل المتعددة التى حكاها القرآن عنهم ، تحريض واضح منهم لأبيهم على أن يسمح لهم باصطحاب ((بنيامين)) معهم فى رحلتهم القادمة إلى مصر . ٣٩١ سورة يوسف ومن مظاهر هذا التحريض : مدحهم لعزيز مصر الذى رد لهم أثمان مشترياتهم ، وحاجتهم الملحة إلى استجلاب طعام جديد ، وتعهدهم بحفظ أخيهم وازدياد الأطعمة بسبب وجوده معهم . ولكن يعقوب - عليه السلام - مع كل هذا التحريض والإلحاح ، لم يستجب لهم إلا على كره منه ، واشترط لهذه الاستجابة ما حكاه القرآن فى قوله : قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من اللّه لتأتنى به إلا أن يحاط بكم ﴾ . والموثق : العهد الموثق باليمين ، وجمعه مواثيق . أى: قال يعقوب - عليه السلام - لهم: والله لن أرسل معكم ((بنيامين )) إلى مصر ، حتى تحلفوا لى بالله، بأن تقولوا: والله لنأتينك به عند عودتنا، ولن نتخلى عن ذلك، ((إلا أن يحاط بنا )» أى: إلا أن نهلك جميعًا، أو أن نغلب عليه بما هو فوق طاقتنا . يقولون : أحيط بفلان إذا هلك أو قارب الهلاك ، وأصله من إحاطة العدو بالشخص ، واستعمل فى الهلاك ، لأن من أحاط به العدو يهلك غالبًا . وسمى الحلف بالله - تعالى - موثقًا، لأنه مما تؤكد به العهود وتقوى وقد أذن الله - تعالى - بذلك عند وجود ما يقتضى الحلف به - سبحانه - . وقوله: ((لتأتنى به)) جواب لقسم محذوف والاستثناء فى قوله ((إلا أن يحاط بكم)) مفرغ من أعم الأحوال ، والتقدير : لن أرسله معكم حتى تحلفوا بالله وتقولوا : والله لنأتينك به معنا عند عودتنا ، فى جميع الأحوال والظروف إلا فى حال هلاككم أو فى حال عجزكم التام عن مدافعة أمر حال بينكم وبين الإِتيان به معكم . وقوله ﴿ فلما آتوه موثقهم﴾ أى: فلما أعطى الأبناء أباهم العهد الموثق باليمين بأن أقسموا له بأن يأتوا بأخيهم معهم عند عودتهم من مصر . ((قال)) لهم على سبيل التأكيد والحض على وجوب الوفاء: الله - تعالى - على ما نقول أنا وأنتم وكيل ، أى: مطلع ورقيب ، وسيجازى الأوفياء خيرًا ، وسيجازى الناقضين لعهودهم بما يستحقون من عقاب . قال ابن كثير: ((وإنما فعل ذلك، لأنه لم يجد بدًا من بعثهم لأجل الميرة التى لا غنى لهم عنها فبعثه معهم)). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما وصى به يعقوب أبناءه عند سفرهم فقال ﴿وقال يابنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ... ﴾. ٣٩٢ المجلد السابع أى: وقال يعقوب - الأب العطوف - لأبنائه وهو يودعهم: يابنى إذا وصلتم إلى مصر ، فلا تدخلوا كلكم من باب واحد ، وأنتم أحد عشر رجلاً بل ادخلوا من أبوابها المتفرقة ، بحيث يدخل كل اثنين أو ثلاثة من باب . قالوا : وكانت أبواب مصر فى ذلك الوقت أربعة أبواب . وقد ذكر المفسرون أسبابًا متعددة لوصية يعقوب هذه لأبنائه ، وأحسن هذه الأسباب ما ذكره الآلوسى فى قوله: نهاهم عن الدخول من باب واحد ، حذرًا من إصابة العين ، أى من الحسد ، فإنهم كانوا ذوى جمال وشارة حسنة .. فكانوا مظنة لأن يعانوا - أى لأن يحسدوا - إذا ما دخلوا كوكبة واحدة ... ثم قال: والعين حق، كما صح عن رسول الله - ليزر - وصح أيضًا بزيادة ((ولو كان شىء يسبق القدر سبقته العين )) ... وقد ورد أيضًا: ((إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر))(١). وقيل : إن السبب فى وصية يعقوب لأبنائه بهذه الوصية ، خوفه عليهم من أن يسترعى عددهم حراس مدينة مصر إذا ما دخلوا من باب واحد ، فيترامى فى أذهانهم أنهم جواسيس أو ما شابه ذلك ، فربما سجنوهم، أو حالوا بينهم وبين الوصول إلى يوسف - عليه السلام - ... وقوله ﴿وما أغنى عنكم من اللّه من شىء﴾ اعتراف منه - عليه السلام - بأن دخولهم من الأبواب المتفرقة ، لن يحول بينهم وبين ما قدره - تعالى - وأراده لهم ، وإنما هو أمرهم بذلك من باب الأخذ بالأسباب المشروعة . أى: وإنى بقولى هذا لكم ، لا أدفع عنكم شيئًا قدره الله عليكم ، ولو كان هذا الشىء قليلاً . ﴿ إن الحكم إلا لله﴾ أى: ما الحكم فى كل شىء إلا لله - تعالى - وحده لا ينازعه فى ذلك منازع . ولا يدافعه مدافع . ((وعليه)) وحده ((توكلت)» فى كل أمورى . ((وعليه)) وحده ((فليتوكل المتوكلون)) أى المريدون للتوكل الحق، والاعتماد الصدق الذى لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب التى شرعها الله وأمر بها . (١) تفسير الآلوسى - بتصرف وتلخيص - جـ ١٣ ص ١٥. ٣٩٣ سورة يوسف إذ أن كلا من التوكل والأخذ بالأسباب مطلوب من العبد ، إلا أن العاقل عندما يأخذ فى الأسباب يجزم بأن الحكم لله وحده فى كل الأمور، وأن الأسباب ما هى إلا أمور عادية ، يوجد الله - تعالى - معها ما يريد إيجاده ، ويمنع ما يريد منعه ، فهو الفعال لما يريد . ويعقوب - عليه السلام - عندما أوصى أبناءه بهذه الوصية ، أراد بها تعليمهم الاعتماد على توفيق اللّه ولطفه، مع الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة تأدبًا مع الله - تعالى - واضع الأسباب ومشرعها ... ثم بين - سبحانه - أن الأبناء قد امتثلوا أمر أبيهم لهم فقال : ﴿ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ، ما كان يغنى عنهم من اللّه من شىء إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها ﴾. والمراد بالحاجة هنا : نصيحته لأبنائه بأن يدخلوا من أبواب متفرقة ، خوفًا عليهم من الحسد. ومعنى ((قضاها)) أظهرها ولم يستطع كتمانها يقال : قضى فلان حاجة لنفسه إذا أظهر ما أضمره فيها . أى : وحين دخل أبناء يعقوب من الأبواب المتفرقة التى أمرهم أبوهم بالدخول منها ، ((ما كان)) هذا الدخول ((يغنى عنهم)) أى يدفع عنهم من قدر («اللّه من شىء)) قدره عليهم ، ولكن الذى حمل يعقوب على أمرهم بذلك ، حاجة أى رغبة خطرت فى نفسه ((قضاها)) أى : أظهرها ووصاهم بها ولم يستطع إخفاءها لشدة حبه لهم مع اعتقاده بأن كل شىء بقضاء الله وقدره . وقوله - سبحانه - ﴿وإنه لذو علم لما علمناه ﴾ ثناء من الله - تعالى - على يعقوب بالعلم وحسن التدبير . أى : وإن يعقوب - عليه السلام - لذو علم عظيم ، للشىء الذى علمناه إياه عن طريق وحينا ، فهو لا ينسى منه شيئًا إلا ما شاء الله. وقوله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أى: لا يعلمون ما يعلمه يعقوب - عليه السلام - من أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى مع التوكل على الله - تعالى - أو : ولكن أكثر الناس لا يعلمون ما أعطاه الله - تعالى - لأنبيائه وأصفيائه من العلم والمعرفة وحسن التأتى للأمور . وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد فصلت الحديث عما دار بين إخوة يوسف وبين أبيهم فى شأن سفر أخيهم معهم .. فماذا كان بعد ذلك ؟ لقد كان بعد ذلك أن سافر إخوة يوسف إلى مصر، ومعهم ((بنيامين )) الشقيق الأصغر ليوسف ، والتقوا هناك بيوسف ، وتكشف هذا اللقاء عن أحداث مثيرة ، زاخرة بالانفعالات ٣٩٤ المجلد السابع والمفاجآت والمحاورات ... التى حكاها القرآن فى قوله - تعالى - : وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنّ أَنَأْ أَخُولَكَ فَلَا تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٦٩ فَلَمَّا جَهَزَهُمْ بِحَهَازِهِمْ جَعَلَ السّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ ) قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ﴿®) قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَآءَ بِهِ، حِملُ بَعِيرٍ وَأَنَأْبِهِ، زَعِيمٌ ﴿) قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِتُفْسِدَ فِ الْأَرْضِ وَمَا كُنَا سَرِقِينَ ◌ٌ﴾ قَالُواْفَمَا جَزَّؤُهُ ، إِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ ﴾ قَالُو ◌ْجَزَّؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْرِى الظَّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعَيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّأُسْتَخْرَجَهَا مِن ٧٥ وِعَآءٍ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفٌَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قَالُوَاْإِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) قَالُوْيَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّلَهُ أَبَا شَيْخَا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّا تَرَتِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٧٨ ٣٩٥ سورة يوسف قَالَ مَعَاذَ اُللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّ مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُوَإِنَّا إِذَا أَظَِمُونَ ﴿ فَلَمَّا أَسْتَيَْسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ فَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمّ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْأَ خَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطِتُمْ فِى يُوسُفَ فَنْ أَبْرَعَ اُلْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِّ أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُلِى وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ١) أَرْجِعُواْ إِلَىَ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَتَأَبَانًا إِنَّ أَبْنَكَ سَرَّقَ ٨٠ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ ◌ٌ، وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّافِهَا وَالْعِيرَ الَّتِى أَقْلْنَا فِيهَا ٨١ ٨٢ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ وقوله - سبحانه - ﴿ ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ... ﴾ شروع فى بيان ما دار بين يوسف - عليه السلام - وبين شقيقه ((بنيامين)) بعد أن حضر مع إخوته . وقوله ﴿ آوى﴾ من الإيواء بمعنى الضم. يقال: آوى فلان فلانًا إذا ضمه إلى نفسه، ويقال : تأوت الطير وتآوت ، إذا تضامت وتجمعت . وقوله ﴿ فلا تبتئس﴾: افتعال من البؤس وهو الشدة والضر. يقال بَيْس - كسَمِع - فلان بؤسًا وبئوسًا ، إذا اشتد حزنه وهمه . والمعنى : وحين دخل إخوة يوسف عليه ، ما كان منه إلا أن ضم إليه شقيقه وقال له مطمئنًا ومواسيًا : إنى أنا أخوك الشقيق . فلا تحزن بسبب ما فعله إخوتنا معنا من الحسد والأذى ، فإن الله - تعالى - قد عوض صبرنا خيرًا، وأعطانا الكثير من خيره وإحسانه . قال الإِمام ابن كثير : يخبر الله - تعالى - عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه («بنيامين)) وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته وأفاض عليهم الصلة والإِحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له وقال: (( لا تبتئس)) أى : لا تأسف على ما صنعوا ٣٩٦ المجلد السابع بى ، وأمره بكتمان هذا عنهم ، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززا مكرمًا معظًا (١). ثم بين - سبحانه - ما فعله يوسف - عليه السلام - مع إخوته ، لكى يبقى أخاه معه فلا يسافر معهم عند رحيلهم فقال : ﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه ... ﴾ والجهاز كما سبق أن بينا : ما يحتاح إليه المسافر من زاد ومتاع .. والسقاية : إناء كان الملك يشرب فيه ، وعادة ما يكون من معدن نفيس ولقد كان يوسف - عليه السلام - يكتال به فى ذلك الوقت نظرًا لقلة الطعام وندرته . وهذه السقاية هى التى أطلق عليها القرآن بعد ذلك لفظ الصواع أى : وحين أعطى يوسف إخوته ما هم فى حاجة إليه من زاد وطعام ، أوعز إلى بعض فتيانه أن يدسوا الصواع فى متاع أخيه («بنيامين )) دون أن يشعر بهم أحد .. وقوله ﴿ ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ) بيان لما قاله بعض أعوان يوسف لإِخوته عندما تهيئوا للسفر ، وأوشكوا على الرحيل . والمراد بالمؤذن هنا : المنادى بصوت مرتفع ليعلم الناس ما يريد إعلامهم به . والمراد بالعير هنا : أصحابها . والأصل فيها أنها اسم للإِبل التى تحمل الطعام وقيل العير تطلق فى الأصل على قافلة الحمير ، ثم تجوز فيها فأطلقت على كل قافلة تحمل الزاد وألوان التجارة . أى: ثم نادى مناد على إخوة يوسف - عليه السلام - وهم يتجهزون للسفر ، أو وهم منطلقون إلى بلادهم بقوله : يا أصحاب هذه القافلة توقفوا حتى يفصل فى شأنكم فأنتم متهمون بالسرقة . قال الآلوسى ما ملخصه: (( والذى يظهر أن ما فعله يوسف ، من جعله السقاية فى رحل أخيه . ومن اتهامه لإخوته بالسرقة .. إنما كان بوحى من الله - تعالى - لما علم - سبحانه - فى ذلك من الصلاح ، ولما أراد من امتحانهم بذلك. ويؤيده قوله - تعالى - : ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾(٢) . ثم بين - سبحانه - ما قاله إخوة يوسف بعد أن سمعوا المؤذن يستوقفهم ويتهمهم بالسرقة فقال - تعالى - ﴿ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ﴾. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٨٥ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٢ . ٣٩٧ سورة يوسف وتفقدون : من الفقد ، وهو غيبة الشىء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه . أى : قال إخوة يوسف بدهشة وفزع لمن ناداهم وأخبرهم بأنهم سارقون ، قالوا لهم : ماذا تفقدون - أيها الناس - من أشياء حتى اتهمتمونا بأننا سارقون ؟ !!! وهنا رد عليهم المؤذن ومن معه من حراس: ﴿ قالوا نفقد صواع الملك ﴾ أى: صاعه الذى يشرب فيه ، ويكتال به للممتارين . ولمن جاء به ﴾ أى بهذا الصاع، أو دل على سارقه . حمل بعير ﴾ من الطعام زيادة على حقه كمكافأة له . وأنا به زعيم ﴾ أى : وأنا بهذا الحمل كفيل بأن أدفعه لمن جاءنا بصواع الملك. ويبدو أن القائل لهذا القول هو المؤذن السابق ، ولعله قد قال ذلك بتوجيه من يوسف - عليه السلام - . وهنا نجد إخوة يوسف يردون عليهم ردًا يدل على استنكارهم لهذه التهمة وعلى تأكدهم من براءتهم فيقولون: ﴿ قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض وما كنا سارقين ﴾ . أى : قال إخوة يوسف للمنادى ومن معه الذين اتهموهم بالسرقة : تالله ياقوم ، لقد علمتم من حالنا وسلوكنا وأخلاقنا ، أننا ما جئنا إلى بلادكم، لكى نفسد فيها أو نرتكب ما لا يليق ، وما كنا فى يوم من الأيام ونحن فى أرضكم لنرتكب هذه الجريمة ، لأنها تضرنا ولا تنفعنا ، حيث إننا فى حاجة إلى التردد على بلادكم لجلب الطعام ، والسرقة تحول بيننا وبين ذلك ، لأنكم بسببها ستمنعوننا من دخول أرضكم ، وهذه خسارة عظيمة بالنسبة لنا . وهنا يرد عليهم المنادى وأعوانه بقولهم : ﴿ قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ﴾. أى : قال المنادى وأعوانه لإخوة يوسف الذين نفوا عن أنفسهم تهمة السرقة نفيًا تامًا . إذًا فما جزاء وعقاب هذا السارق لصواع الملك فى شريعتكم ، إن وجدنا هذا الصواع فى حوزتكم ، وكنتم كاذبين فى دعواكم أنكم ما كنتم سارقين . فرد عليهم إخوة يوسف ببيان حكم هذا السارق فى شريعتهم بقولهم: ﴿قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه ، كذلك نجزى الظالمين ﴾ . والمراد بالجزاء : العقاب الذى يعاقب به السارق فى شريعتهم ، والضمير فى قوله ((جزاؤه)» يعود إلى السارق . أى : قال إخوة يوسف : جزاء هذا السارق الذى يوجد صواع الملك فى رحله ومتاعه أن يسترق لمدة سنة ، هذا هو جزاؤه فى شريعتنا . ٣٩٨ المجلد السابع : قال الشوكانى ما ملخصه: وقوله ((جزاؤه)) مبتدأ، وقوله ((من وجد فى رحله )) خبر المبتدأ . والتقدير : جزاء السرقة للصواع أخذ من وجد فى رحله - أى استرقاقه لمدة سنة - ، وتكون جملة ((فهو جزاؤه)) لتأكيد الجملة الأولى وتقريرها. قال الزجاج وقوله («فهو جزاؤه)) زيادة فى البيان. أى: جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير))(١) . وقالوا ((جزاؤه من وجد فى رحله)) ولم يقولوا جزاء السارق أو جزاء سرقته ، للإشارة إلى كمال نزاهتهم ، وبراءة ساحتهم من السرقة ، حتى لكأن ألسنتهم لا تطاوعهم بأن ينطقوا بها فى هذا المقام . وقوله : ﴿كذلك نجزى الظالمين) مؤكد لما قبله، أى مثل هذا الجزاء العادل ، وهو الاسترقاق لمدة سنة ، نجازى الظالمين الذين يعتدون على أموال غيرهم . وقوله - سبحانه - ﴿ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ﴾ معطوف على كلام محذوف يفهم من المقام . والتقدير : وبعد هذه المحاورة التى دارت بين إخوة يوسف وبين الذين اتهموهم بالسرقة أخبر الإِخوة بتفتيش أمتعتهم للبحث عن الصواع بداخلها . ((فبدأ)) المؤذن بتفتيش أوعيتهم، قبل أن يفتش وعاء ((بنيامين)) فلم يجد شيئًا بداخل أوعيتهم . فلما وصل إلى وعاء ((بنيامين)) وقام بتفتيشه وجد السقاية بداخله ، فاستخرجها منه على مشهد منهم جميعًا . ٠ ٠۶٠ ويبدو أن هذا الحوار من أوله كان بمشهد ومرأى من يوسف - عليه السلام - وكان أيضًا بتدبير وتوجيه منه للمؤذن ومن معه ، فهو الذى أمر المؤذن بأن ينادى (( أيتها العير إنكم لسارقون))، وهو الذى أشار عليه بأن يسألهم عن حكم السارق فى شريعتهم ، وهو الذى أمره بأن يبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل أن يفتش وعاء شقيقه («بنيامين )» دفعا للتهمة ، ونفيا للشبهة ... روى أنه لما بلغت النوبة إلى وعاء ((بنيامين)) لتفتيشه قال يوسف - عليه السلام - : ما أظن هذا أخذ شيئًا ؟ فقالوا : والله لا تتركه حتى تنظر فى رحله ، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا))(٢). (١) تفسير فتح القدير للامام الشوكانى جـ ٣ ص ٤٣ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٢٨ . : ٣٩٩ سورة يوسف ويطوى القرآن ما اعترى إخوة يوسف من دهشة وخزى ، بعد أن وجدت السقاية فى رحل ((بنيامين)) وبعد أن أقسموا بالله على براءتهم من تهمة السرقة .. يطوى القرآن كل ذلك ، ليترك للعقول أن تتصوره ... ثم يعقب على ما حدث ببيان الحكمة التى من أجلها ألهم الله - تعالى - يوسف أن يفعل ما فعل من دس السقاية فى رحل أخيه ، ومن سؤال إخوته عن جزاء السارق فى شريعتهم فيقول ﴿ كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله ... ﴾. و ((كدنا)» من الكيد وأصله الاحتيال والمكر ، وهو صرف غيرك عما يريده بحيلة ، وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح ، ومحمود إن تحرى به الفاعل الخير والجميل . والمراد به هنا: النوع المحمود، واللام فى ((ليوسف)) للتعليل . والمراد بدين الملك : شريعته التى يسير عليها فى الحكم بين الناس . والمعنى : مثل هذا التدبير الحكيم دبرنا من أجل يوسف ما يوصله إلى غرضه ومقصده ، وهو احتجاز أخيه بنيامين معه ، بأن ألهمناه بأن يضع السقاية فى رحل أخيه ، وبأن يسأل إخوته عن حكم السارق فى شريعتهم .. وما كان يوسف ليستطيع أن يحتجز أخاه معه ، لو نفذ شريعة ملك مصر ، لأن شريعته لا تجيز استرقاق السارق سنة كما هو الحال فى شريعة يعقوب ، وإنما تعاقب السارق بضربه وتغريمه قيمة ما سرقه . وما كان يوسف ليفعل كل ذلك التدبير الحكيم فى حال من الأحوال ، إلا فى حال مشيئة اللّه ومعونته وإذنه بذلك، فهو - سبحانه - الذى ألهمه أن يدس السقاية فى رحل أخيه ، وهو - سبحانه - الذى ألهمه أن يسأل إخوته عن عقوبة السارق فى شريعتهم حتى يطبقها على من يوجد صواع الملك فى رحله منهم . والجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله - تعالى - على يوسف حيث ألهمه ما يوصله إلى مقصوده بأحكم أسلوب . قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: ((كذلك كدنا ليوسف)) أى : مثل ذلك الكيد العجيب وهو إرشاد الإِخوة إلى الإِفتاء المذكور ... دبرنا وصنفنا من أجل يوسف ما يحصل به غرضه ... وقوله (( ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك)) أى فى حكمه وقضائه والكلام استئناف وتعليل لذلك الكيد ، كأنه قيل : لماذا فعل ؟ فقيل : لأنه لم يكن ليأخذ أخاه جزاء وجود الصواع عنده فى دين الملك فى أمر السارق إلا بذلك الكيد ، لأن جزاء السارق فى دينه أن يضاعف ٤٠٠ المجلد السابع عليه الغرم ... دون أن يسترق كما هو الحال فى شريعة يعقوب . وقوله (( إلا أن يشاء الله)) أى : لم يكن يوسف ليتمكن من أخذ أخيه فى حال من الأحوال ، إلا فى حال مشيئته - تعالى - التى هى عبارة عن ذلك الكيد المذكور .. )) (١). قالوا : وفى الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعًا ثابتًا))(٢). وقوله - سبحانه - ﴿ نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ استئناف لبيان قدرة الله - تعالى - وسعة رحمته وعطائه . : أى: نرفع من نشاء رفعه من عبادنا إلى درجات عالية من العلوم والمعارف والعطايا والمواهب .. كما رفعنا درجات يوسف - عليه السلام - . وفوق كل ذى علم﴾ من أولئك المرفوعين ((عليم)) يزيد عنهم فى علمهم وفى مكانتهم عند الله - تعالى - فهو - سبحانه - العليم بأحوال عباده ، وبمنازلهم عنده ، وبأعلاهم درجة ومكانة . وقال - سبحانه - ((نرفع)) بصيغة الاستقبال وللأشعار بأن ذلك سنة من سننه الإلهية التى لا تتخلف ولا تتبدل ، وأن عطاءه - سبحانه - لا يناله إلا الذين تشملهم إرادته ومشيئته كما تقتضيه حكمته . وجاءت كلمة ((درجات)) بالتنكير ، للإِشارة إلى عظمها وكثرتها . ثم حكى - سبحانه - ما قاله إخوة يوسف فى أعقاب ثبوت تهمة السرقة على أخيه ((بنيامين)) فقال - تعالى - ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل .... ﴾. أى : قال إخوة يوسف - عليه السلام - بعد هذا الموقف المحرج لهم . إن يسرق بنيامين هذا الصواع الخاص بالملك فقد سرق أخ له من قبل - وهو يوسف - ما يشبه ذلك . وقولهم هذا يدل على أن صنيعهم بيوسف وأخيه ما زال متمكنًا من نفوسهم . وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة فى مرادهم بقولهم هذا ، ومن بين هذه الروايات ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس عن النبى - * - أنه قال فى الآية : سرق يوسف - عليه السلام - صنًّا لجده وكان هذا الصنم من ذهب وفضة ، فكسره وألقاه على الطريق ، فعير إخوته بذلك))(٣). (١) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٢٩ . ( ٢) تفسير فتح القدير جـ ٣ ص ٤٣. (٣) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٣٢ .