Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
مقدمة
قال - تعالى - ﴿ألر. تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم
تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله
لمن الغافلين * إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم
لى ساجدين * قال يابنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإِنسان
عدو مبين ﴾ .
(ب) وفى القسم الثانى(١) منها نراها تحدثنا عن مكر إخوة يوسف به ، وحسدهم له ،
وتآمرهم على الانتقام منه وإجماعهم على أن يلقوا به فى الجب ، وتنفيذهم لذلك بعد خداعهم
لأبيهم ، وزعمهم له بأنهم سيحافظون على أخيهم يوسف ...
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البديع المعجز فيقول: ﴿لقد كان
فى يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ،
إن أبانا لفى ضلال مبين * اقتلوا يوسف أواطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من
بعده قوما صالحين * قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه فى غيابة الجب . يلتقطه بعض
السيارة إن كنتم فاعلين ﴾ .
إلى أن يقول - سبحانه - : ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب ، قال بل سولت لكم
أنفسكم أمراً فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ﴾.
( جـ ) ثم نراها فى القسم الثالث(٢) منها تحدثنا عن انتشال السيارة ليوسف من الجب،
وعن بيعهم له بثمن بخس دراهم معدودة ، وعن وصية من اشتراه لامرأته بإكرام مثواه ، وعن
محنته مع تلك المرأة التى راودته عن نفسه ﴿وغلقت الأبواب وقالت هيت لك ﴾ وعن خروجه
من هذه المحنة بريئا ، نقى العرض ، طاهر الذيل .. بعد أن شهد ببراءته شاهد من أهلها .
قال - تعالى -: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ، قال يابشرى هذا غلام ،
وأسروه بضاعة ، والله عليم بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من
الزاهدين * وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه
ولدا ... ﴾ .
إلى أن يقول - سبحانه -: ﴿وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت
هيت لك ، قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون ...
( ١ ) الآيات من ٧ - ١٨ .
( ٢ ) الآيات من ١٩ - ٢٩ .
٣٠٢
المجلد السابع
ثم يختم - سبحانه - هذا القسم من السورة بحكاية ما قاله الزوج لامرأته وليوسف ، بعد
أن تبين له صدق يوسف وكذب امرأته فيقول: ﴿ فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من
كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك إنك كنت من
الخاطئين﴾.
( د ) ثم تحدثنا السورة بعد ذلك فى القسم الرابع(١) منها عن شيوع خبر امرأة العزيز مع
فتاها ، وعما فعلته تلك المرأة مع من أشاع هذا الخبر ، وعن لجوء يوسف - عليه السلام - الى
ربه يستجير به من كيد هؤلاء النسوة ..
قال - تعالى - حاكيا هذا المشهد بأسلوب معجز: ﴿وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز
تراود فتاها عن نفسه ، قد شغفها حبا ، إنا لنراها فى ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن
أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن . فلما
رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم * قالت
فذلكن الذى لمتننى فيه ، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن
وليكونا من الصاغرين * قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه ، وإلا تصرف عنى
كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع
العليم * ثم بدا لهم من بعد مارأوا الآيات ليسجننه حتى حين ﴾ .
( هـ) ثم تحدثنا السورة الكريمة بعد ذلك فى القسم(٢) الخامس منها ، عن يوسف السجين
المظلوم ، وكيف أنه لم يمنعه السجن من دعوة رفاقه فيه إلى وحدانية الله ، وإلى إخلاص العبادة
له - سبحانه - ..
يا صاحبى السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه
إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا
إلا إياه ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .
( و) ثم تحدثنا السورة الكريمة فى القسم(٣) السادس منها عن الرؤيا المفزعة التى رآها ملك
مصر فى ذلك الوقت ، وكيف أن حاشيته عجزت عن تفسيرها ، ولكن يوسف الصديق فسرها
تفسيرا صحيحا أعجب الملك ، وحمله على دعوته للالتقاء به ، إلا أن يوسف - عليه السلام -
(١) الآيات من ٣٠ - ٣٥ .
( ٢ ) الآيات من ٣٩ - ٤٢ .
( ٣ ) الآيات من ٤٣ - ٥٧ .
٣٠٣
مقدمة
أبى الالتقاء به إلا بعد أن يحقق الملك فى قضيته بنفسه ، ويعلن براءته على رءوس الأشهاد ..
وبعد أن استجاب الملك لطلب يوسف ، وثبتت براءته - عليه السلام - حضر معززا مكرما
وقال للملك بعزة وإباء : ﴿ اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم ﴾.
استمع الى السورة الكريمة وهى تحكى هذا المشهد بأسلوبها الزاخر بالمحاورات
والمفاجآت ، فتقول : ﴿وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع
سنبلات خضر وأخر يابسات ، يأيها الملأ أفتونى فى رؤياى إن كنتم للرؤيا تعبرون * قالوا .
أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين * وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا
أنبئكم بتأويله فأرسلون * يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف
وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون * قال تزرعون سبع
سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى سنبله إلا قليلا مما تأكلون ... ﴾.
وينتهى هذا المشهد ببيان سنة من سنن الله - تعالى - التى لا تتخلف ، والتى تتمثل فى
حسن عاقبة المؤمنين حيث يقول - سبحانه - : ﴿ وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض يتبوأ منها
حيث يشاء ، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين * ولأجر الآخرة خير للذين
آمنوا وكانوا يتقون ﴾ .
( ز) ثم تنتقل السورة الكريمة فى القسم السابع(١) منها إلى الحديث عن اللقاء الأول الذى
تم بين يوسف وإخوته ، بعد أن حضروا من بلادهم بفلسطين إلى مصر يلتمسون الزاد
والطعام ... وكيف أنه عرفهم دون أن يعرفوه .. وكيف أنه - عليه السلام - طلب منهم بعد أن
أكرمهم أن يحضروا إليه من بلادهم ومعهم أخوهم من أبيهم - وهو شقيقه ((بنيامين)).
وكيف أن أباهم وافق على إرسال ((بنيامين)) معهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق
لكى يحافظوا عليه ..
استمع الى السورة الكريمة وهى تحكى كل ذلك فتقول : ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا
عليه فعرفهم وهم له منكرون * ولما جهزهم بجهازهم قال انتونى بأخ لكم من أبيكم،
ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين * فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا
تقربون * قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون * وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم
( ١ ) الآيات من ٥٨ - ٦٨ .
٣٠٤
المجلد السابع
العلم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون * فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع
منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون * قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على
أخيه من قبل ، فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ... ﴾.
( ح ) ثم حدثتنا السورة الكريمة فى القسم الثامن(١) منها عن اللقاء الثانى الذى تم بين
يوسف وإخوته ، بعد أن حضروا إليه فى هذه المرة ومعهم ((بنيامين )) شقيق يوسف ، وكيف
قام يوسف بالتعرف عليه ، ثم كيف احتجزه عنده بحيلة دبرها بإلهام من اللّه - تعالى - وكيف
رد على إخوته الذين طلبوا منه أن يأخذ أحدهم مكان (« بنيامين)» ...
وماذا قال ((يعقوب)) - عليه السلام - بعد أن عاد إليه أبناؤه، وليس معهم («بنيامين)).
استمع الى السورة الكريمة وهى تحكى كل هذه المشاهد والأحداث فتقول :
﴿ ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون *
فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه ، ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون *
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به
زعيم * قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض وما كنا سارقين * قالوا فما جزاؤه إن
كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى الظالمين * فبدأ
بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ، كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ
أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله ، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ... ﴾.
وبنتهى هذا القسم بقول يعقوب - عليه السلام - لأبنائه بعد أن عادوا إليه وليس معهم
· أخوهم بنيامين : ﴿ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعا
إنه هو العليم الحكيم * وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو
كظيم * قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين . قال إنما أشكو
بتى وحزنى إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون . يابنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا
تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾.
(ط ) ثم حدثتنا السورة الكريمة بعد ذلك فى القسم التاسع(٢) منها عن اللقاء الثالث والأخير
بين يوسف وإخوته ، فحكت لنا أن يوسف - عليه السلام - كشف لإِخوته عن نفسه فى هذا
اللقاء . وأمرهم بأن يذهبوا بقميصه ليلقوا به على وجه أبيه ... كما أمرهم أن يعودوا إليه ومعهم
جميع أهلهم .
(١) الآيات من ٦٩ - ٨٧ .
( ٢ ) الآيات من ٨٨ - ١٠١ .
٣٠٥
مقدمة
كما حكت لنا لقاء يوسف بأبويه ، وإكرامه لهما ، وشكره لله - تعالى - على ما وهبه من
نعم ..
قال - تعالى - حاكيا ما دار بين يوسف وإخوته ، وبين يوسف وأبيه فى هذا اللقاء :
فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا
الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين * قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم
جاهلون * قالوا أننك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخى قد منَّ الله علينا إنه من يتق
ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين )
اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا . وأتونى بأهلكم أجمعين .. ﴾.
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ﴾.
ثم ختم - سبحانه - قصة يوسف بهذا الدعاء الذى حكاه - سبحانه - عنه فى قوله :
{ رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث ، فاطر السموات والأرض ، أنت
وليى فى الدنيا والآخرة ، توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين
(ى ) أما القسم العاشر(١) والأخير من السورة الكريمة ، فقد كان تعقيبا على ما جاء فى
تلك القصة من حكم وأحكام ، ومن عبر وعظات ، ومن آداب وهدايات ..
وقد بين - سبحانه - فى هذا القسم ما يدل على أن القرآن من عند الله ، وما يشهد بصدق
النبى - 04 - فيما يبلغه عن ربه ..
كما بين - سبحانه - وظيفة الرسول - 08 - وموقف المشركين من دعوته وأنه - والفر -
ليس بدعا من الرسل وأن العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين .
قال تعالى : ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم
يمكرون * وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين * وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر
للعالمين * وكأين من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون * وما يؤمن
أكثرهم باللّه إلا وهم مشركون .. ﴾.
ثم يختتم - سبحانه - هذه السورة الكريمة بقوله : ﴿ لقد كان فى قصصهم عبرة الأولى
الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء ، وهدى ورحمة
لقوم يؤمنون﴾ .
( ١) الآيات من ١٠٢ - ١١١ .
٣٠٦٠
المجلد السابع
٦ - هذا عرض مجمل لأهم الموضوعات التى اشتملت عليها سورة يوسف - عليه
السلام - ومن هذا العرض نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتى :
(أ) إبراز الحقائق والهدايات ، بأسلوب المحاورات والمجادلات والمناقشات ... ومن
مظاهر ذلك :
المحاورات التى دارت حول إخوة يوسف فى شأن الانتقام منه ، والتى منها قوله
- تعالى -: ﴿لقد كان فى يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذا قالوا ليوسف وأخوه أحب
إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين * اقتلوا يوسف أو أطرحوه أرضا يخل لكم
وجه أبيكم ، وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه فى غيابة
الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ﴾.
والمحاورات التى دارت بينهم وبين أبيهم فى شأن اصطحابهم ليوسف ، والتى منها قوله
- تعالى -: ﴿ قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله معنا غدا
يرتع ويلعب وإنا له لحافظون * قال إنى ليحزننى أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم
عنه غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ﴾ .
والمحاورات التى دارت بين يوسف وإخوته ، بعد أن عرفهم وهم له منكرون ، وبعد أن
ترددوا عليه ثلاث مرات للحصول على حاجتهم من الزاد .. والتى منها قوله - تعالى - :
فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا
الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين . قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم
جاهلون * قالوا أننك لأنت يوسف ، قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا ، إنه من يتق
ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا الخاطئين *
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين
وهكذا نجد السورة الكريمة زاخرة بأسلوب المحاورات والمناقشات والمجادلات . تارة بين
يوسف وإخوته ، وتارة بين إخوته فيما بينهم ، وتارة بينهم وبين أبيهم ، وتارة بين يوسف وامرأة
العزيز ، وتارة بينه وبين ملك مصر فى ذلك الوقت .
وهذه المحاورات التى حفلت بها السورة الكريمة ، قد أكسبتها لونا من العرض المشوق ،
الذى يجعل القارىء لها يتعجل حفظ كل موضوع من موضوعاتها ، ليصل الى الموضوع الذى
يليه .
وهذا الأسلوب فى عرض الحقائق من أسمى الأساليب التى تعين القارئ على حفظ
القرآن الكريم ، وعلى تدبر معانيه ، وعلى الانتفاع بهداياته ..
٣٠٧
مقدمة
( ب ) إبرازها لجوهر الأحداث ولبابها .. أما تفاصيل هذه الأحداث . فتركت معرفتها
لفهم القارىء وفطنته ، وسلامة تفكيره ، وحسن تدبره لكلام الله - تعالى - ..
وهذا اللون من العرض للأحداث ، يسمى فى عرف البلغاء ، بأسلوب الإيجاز بالحذف
والقارىء لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها على رأس السور القرآنية التى كثر فيها
هذا الأسلوب البليغ .
فمثلا قوله - تعالى -: ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب ، قال بل سولت لكم أنفسكم
أمرا فصبر جميل ... ﴾ معطوف على كلام محذوف يفهم من السياق .
والتقدير: وبعد أن ألقى إخوة يوسف به فى الجب وانصرفوا لشئونهم ((جاءوا على قميصه
بدم كذب)) لكى يخدعوا أباهم ، فلما أخبروه بأن الذئب قد أكله قال : ﴿ بل سولت لكم
أنفسكم أمرا فصبر جميل .. ﴾ .
وكذلك قوله - تعالى -: ﴿ قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه ... ﴾ مترتب
على كلام محذوف يفهم من سياق الآيات .
والتقدير : وبعد أن سمع ما قالته النسوة بشأنه عندما دخل عليهن بأمر من امرأة العزيز ،
وسمع تهديد هذه المرأة له بقولها: ﴿ قالت فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه
فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ﴾ .
بعد أن سمع یوسف کل ذلك ، وتيقن من مکرهن به ، لجأ إلى ربه مستجیرا به من كيدهن
فقال: ﴿رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه .. ﴾.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله
فأرسلون * يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرات سمان ... ﴾ . يعتبر من بديع أسلوب
الإِيجاز بالحذف ، إذ تقدير الكلام :
وبعد أن عجز الملأ عن تفسير رؤيا الملك ، وقالوا له : إن رؤياك أضغاث أحلام وما نحن
بتأويل الأحلام بعالمين ، قال الذى نجا منهما ، أى : من صاحبى يوسف فى السجن وهو
الساقى ﴿ وادكر بعد أمة﴾ أى وتذكر بعد نسيان طويل ﴿ أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ﴾
إلى من عنده تفسير هذه الرؤيا تفسيرا صحيحا - وهو يوسف - فاستجابوا له وأرسلوه إلى
يوسف ، فذهب إليه فى السجن ، فلما دخل عليه قال له : يا يوسف يأيها الصديق، أفتنا فى
سبع بقرات سمان ... إلخ .
وهذا الأسلوب الذى زخرت به السورة الكريمة ، وهو أسلوب الإِيجاز بالحذف ، من شأنه
٣٠٨
المجلد السابع
أنه ينشط العقول ، ويبعثها على التأمل والتدبر فيما تقرؤه ، ويعينها على الاتعاظ والاعتبار ..
وهو أسلوب أيضا تقتضيه هذه السورة الكريمة، لأنها تتحدث عن قصة نبى من أنبياء الله
- تعالى - . والحديث عن ذلك يستلزم إبراز جوهر الأحداث ولبابها ، لا إبراز تفاصيلها وما
لا فائدة من ذكره .
فاشتمال السورة الكريمة على هذا الأسلوب البليغ ، هو من باب رعاية الكلام لمقتضى
الحال ، وهو أصل البلاغة وركنها الركين .
( جـ ) السورة الكريمة اهتمت اهتماما واضحا بشرح أحوال النفس البشرية وتحليل ما
يصدر عنها فى حال رضاها وغضبها ، وفى حال صلاحها وانحرافها ، وفى حال غناها وفقرها ،
وفى حال عسرها ويسرها ، وفى حال صفائها وحقدها ..
وقد حدثتنا عن الشخصيات التى وردت فيها حديثا صادقا أمينا ، كشفت لنا فيه عن
جوانب متعددة من أخلاقهم ، وسلوكهم ، وميولهم ، وأفكارهم .. وأعطت كل واحد منهم حقه
فى الحديث عنه .
(١ ) فيوسف - عليه السلام - وهو الشخصية الرئيسية فى القصة - حدثتنا عنه حديثا
مستفيضا نستطيع من خلاله ، أن نرى له - عليه السلام - مناقب ومزايا متنوعة من أهمها ما
يأتى :
امتلاكه لنفسه ولشهوته مهما كانت المغريات ، بسبب خوفه لمقام ربه ، ونهيه لنفسه عن
الهوى ..
ولا أدل على ذلك من قوله - تعالى -: ﴿وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت
الأبواب وقالت هيت لك ، قال معاذ الله ، إنه ربى أحسن مثواى ، إنه لا يفلح الظالمون .. ﴾.
قال الشيخ القاسمى: قال الإِمام ابن القيم ماملخصه: (( لقد كانت دواعى متعددة تدعو
يوسف إلى الاستجابة لطلب امرأة العزيز منها : ماركبه الله فى طبع الرجل من ميله إلى المرأة ..
ومنها : أنه كان شابا غير متزوج .. ومنها : أنها كانت ذات منصب وجمال .. وأنها كانت
غير آبية ولا ممتنعة .. بل هى التى طلبت وأرادت وبذلت الجهد ..
ومنها : أنه كان فى دارها وتحت سلطانها .. فلا يخشى أن تنم عليه ..
ومنها : أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال فأرته إياهن ، وشكت حالها إليهن ..
ومنها : أنها توعدته بالسجن والصغار إن لم يفعل ما تأمره به ..
ومنها : أن الزوج لم يظهر من الغيرة والقوة ما يجعله يفرق بينه وبينها ..
٣٠٩
مقدمة
ومع كل هذه الدواعى ، فقد آثر يوسف مرضاة الله ومراقبته ، وحمله خوفه من خالقه على
أن يختار السجن على ارتكاب ما يغضبه .. ))(١).
٢ - صبره الجميل على المحن والبلايا ، ولجوؤه إلى ربه ليستجير به من كيد امرأة العزيز
وصواحبها : ﴿ قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب
إليهن وأكن من الجاهلين .. ﴾ .
٣ - نشره للدين الحق ، ودعوته لعبادة الله وحده ، حتى وهو بين جدران السجن ، فهو
القائل لمن معه فى السجن: ﴿ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير ، أم الله الواحد
القهار * ماتعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من
سلطان ... ﴾.
٤ - حسن تدبيره للأمور ، وتوصله إلى ما يريده بأحكم الأساليب ، وحرصه الشديد على
إنقاذ الأمة مما يضرها ويعرضها للهلاك ، ﴿ قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى
سنبله إلا قليلا مما تأكلون .. ﴾.
٥ - عزة نفسه ، وسمو خلقه ، فقد أبى أن يذهب لمقابلة الملك إلا بعد إعلان براءته
وقال الملك ائتونى به ، فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى
قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم .. ﴾ .
٦ - تحدثه بنعمة اللّه، ومعرفته لنفسه قدرها ، وطلبه المنصب الذى يناسبه ، ويثق بقدرته
على القيام بحقوقه ﴿ قال اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم ﴾ .
٧ - ذكاؤه وفطنته ، فقد تعرف على إخوته مع طول فراقه لهم : ﴿وجاء إخوة يوسف
فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ... ﴾ .
٨ - عفوه وصفحه عمن أساء إليه ﴿ قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم
الراحمين .. ﴾ .
٩ - وفاؤه لأسرته ولعشيرته ﴿ اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا
وأتونى بأهلكم أجمعين
١٠ - شكر الله - تعالى - على نعمه ومننه ﴿رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل
الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولبى فى الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقنى
بالصالحين
(١) تفسير القاسمى جـ ٩ ص ٣٥٥٥.
٣١٠
المجلد السابع
هذا جانب من حديث السورة الكريمة عن يوسف - عليه السلام - ، وهو حديث يدل
على أنه كان فى الذروة العليا من مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ..
( د) وتحدثت السورة الكريمة عن يعقوب - عليه السلام - فذكرت من بين ما ذكرت
عنه ، صفات الصبر الجميل ، والأمل فى رحمة الله مهما اشتدت الخطوب ، والحرص على سلامة
أبنائه من كل ما يؤذيهم حتى ولو أساءوا إليه ، والنظر إلى الأمور بعين تختلف عن عيون
أبنائه ، والحكم عليها بحكم يختلف عن أحكامهم ..
يدل على ذلك قوله - تعالى - ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم
أنفسكم أمرا فصبر جميل ﴾ .
وقوله - تعالى -: ﴿ قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى
بهم جميعا ... ﴾.
وقوله : - تعالى -: ﴿ وقال يابنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب
متفرقة ... ﴾ .
وقوله - تعالى -: ﴿ولما فصلت العير قال أبوهم إنى لأجد ريح يوسف لولا أن
تفندون . قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم . فلما أن جاء البشير ألقاه على وجه فارتد
بصيرا قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون ﴾.
( هـ ) وتحدثت عن إخوة يوسف حديثا مستفيضا، تبدو فيه غيرتهم من يوسف ،
وحسدهم له ، وتآمرهم على حياته ، وحقدهم عليه حتى وهو بعيد عنهم .. ثم ندمهم فى النهاية
على ما فرط منهم فى حقه بعد أن مكن اللّه له فى الأرض ..
نرى ذلك فى مثل قوله - تعالى - : ﴿ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه
أبيكم .. ﴾ .
وفى قوله : ﴿ قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين
وفى قوله - سبحانه -: ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ... ﴾
وفى قوله - تعالى -: ﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين
( و) وتحدثت عن امرأة العزيز حديثا يكشف عن حال المرأة عندما تحب .. وكيف أنها فى
سبيل الحصول على رغبتها تحطم كل الموانع النفسية والاجتماعية .. وتستخدم كل الوسائل
التى تظن أنها ستوصلها إلى مرادها . حتى ولو كانت هذه الوسائل تخالف ما عرف عن المرأة
من أنها حريصة على أن تكون مطلوبة من الرجل لا طالبة له ..
٣١١
مقدمة
( ز) وتحدثت عن العزيز حديثا قصيرا يناسب حجمه وسلوكه وتبلد شعوره ، فهو مع
إيقانه بخطأ امرأته لم يزد عن أن قال ليوسف ولها ﴿يوسف أعرض عن هذا واستغفرى
لذنبك إنك كنت من الخاطئين ﴾.
( ح ) وتحدثت عن ملك مصر فى ذلك الوقت ... وعن البيئة التى وصل الحال بها أن تزج
بيوسف البرىء فى السجن ، إرضاء لشهوات النفوس الجامحة ..
قال - تعالى -: ﴿ ثم بدا لهم من بعدما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ﴾.
وهكذا نجد السورة الكريمة تحدثنا عن نماذج من البشر ، فتصف كل نموذج بما يناسبه من
صفات ، بصدق وأمانة ، وتحكم عليه بالحكم الذى يناسبه .
قال صاحب الظلال ما ملخصه : والسورة كلها لحمة واحدة عليها الطابع المكى واضحا
فى موضوعها وفى جوها وفى ظلالها وإيحاءاتها ، بل إن عليها طابع هذه الفترة الحرجة الموحشة
بصفة خاصة ..
ففى الوقت الذى كان الرسول - * - يعانى من الوحشة والغربة والانقطاع فى جاهلية
قريش - منذ عام الحزن - كان الله - تعالى - يقص عليه قصة أخ له كريم هو يوسف بن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وهو يعانى صنوفا من المحن والابتلاءات ..
محنة كيد الإِخوة ، ومحنة الجب ، ومحنة الرق ، ومحنة كيد امرأة العزيز ، ومحنة السجن ، ثم
محنة الرخاء والجاه والسلطان ..
فلا عجب أن تكون هذه السورة بما احتوته من قصة ذلك النبى الكريم ، ومن التعقيبات
عليها بعد ذلك .. تسلية للرسول - وَ ل﴿ - ولأصحابه عما أصابهم من أعدائهم ، وتسرية
لقلوبهم وتطمينا لنفوسهم .
ولكأن الله - تعالى - يقول لنبيه - وَ ليه - : كما أخرج يوسف من حضن أبيه ليواجه هذه
الابتلاءات كلها ، ثم لينتهى بعد ذلك إلى النصر والتمكين ..
كذلك أنت يا محمد ستخرج من بلدك مكة مهاجرا ... ثم تعود إليها فى الوقت الذى يشاؤه
الله ظافرا منتصرا(١).
(١) تفسير ((فى ظلال القرآن)) جـ ١٢ ص ١٩٥٠.
٣١٢
المجلد السابع
وبعد : فهذا تعريف لسورة يوسف ، رأينا أن نسوقه قبل البدء فى تفسيرها ، لعله يعين على
فهم ما اشتملت عليه من حكم وأحكام . ومن عبر وعظات ..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
المدينة المنورة :
مساء الخميس ٩ من شعبان سنة ١٤٠١ هـ
الموافق ٦/١١/ ١٩٨١ م
د . محمد سيد طنطاوى
٣١٣
سورة يوسف
((التفسير ))
قال الله تعالى :
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
3.1
الرِتِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ) إِنَّا أَنْزَ لْنَهُ قُرْءَ نَا عَرَبِيًّا
◌َّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )، نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ
بِمَا أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ،
لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴿ إِذْقَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ
أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَئِنُهُمْ لِى سَنِجِدِينَ
٤
قَالَ يَبُنَّلَا نَقْصُصْ رُءْ يَكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُ والَكَ كَيْدًا
إِنَّالشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّمُبِينٌ ﴾ وَكَذَلِكَ يَحْنَبِيكَ
رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَيُنُِّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
وَعَّءَالٍ يَعْقُوبَ كُمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيَكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَهِيمَ وَ إِسْمَقْ
إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥)
افتتحت سورة يوسف - عليه السلام - ببعض الحروف المقطعة . وقد سبق أن تكلمنا عن
آراء العلماء فى هذه الحروف فى سورة البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس ، وهود .
وقلنا ما ملخصه : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت
فى افتتاح بعض السور على سبيل الايقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن الكريم .
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم
٣١٤
المجلد السابع
القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من
جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .. فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند
اللّه فهاتوا مثله ، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك .
ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة تراها تتحدث
- صراحة أو ضمنا - عن القرآن الكريم وعن كونه من عند الله - تعالى - وعن كونه
معجزة للرسول - قر - ففى مطلع سورة البقرة: ﴿ألم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى
للمتقين ... ﴾ .
وفى مطلع سورة آل عمران: ﴿ ألم، الله لا إله إلا هو الحى القيوم، نزل عليك الكتاب
بالحق مصدقا لما بين يديه ، وأنزل التوراة والإنجيل .. ﴾ .
وفى أول سورة الأعراف: ﴿ ألمص . كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج
منه .. ﴾.
وفى أول سورة يونس: ﴿ألر. تلك آيات الكتاب الحكيم . أكان للناس عجبا أن أوحينا
إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ... ﴾ .
وفى أول سورة هود: ﴿ ألر. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم
خبير ... ﴾ .
وهكذا نجد أن معظم الآيات التى تلى الحروف المقطعة ، منها ما يتحدث عن أن هذا الكتاب
من عند الله - سبحانه - ومنها ما يتحدث عن وحدانية الله - تعالى - ، ومنها ما يتحدث عن
صدق الرسول - 18 - فى دعوته ..
وهذا كله لتنبيه الغافلين إلى أن هذا القرآن من عند الله ، وأنه المعجزة الخالدة للرسول
. - 醬 -
ثم قال - تعالى -: ﴿تلك آيات الكتاب المبين
و((تلك)) اسم إشارة، المشار إليه الآيات ، والمراد بها آيات القرآن الكريم ويندرج فيها
آيات السورة التى معنا .
والكتاب : مصدر كتب كالكتب . وأصل الكتب ضم أديم الى آخر بالخياطة . واستعمل
عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، والمراد به القرآن الكريم .
والمبين : أى الواضح الظاهر من أبان بمعنى بان أى ظهر .
٣١٥
سورة يوسف
والمعنى : تلك الآيات التى نتلوها عليك - أيها الرسول الكريم - فى هذه السورة وفى
غيرها ، هى آيات الكتاب الظاهر أمره ، الواضح إعجازه ، بحيث لا تشتبه على العقلاء
حقائقه ، ولا تلتبس عليهم هداياته .
وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب الكريم ، مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن الإِشارة
إلى بعضها كالإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد
رسوله -﴿ - بنزول القرآن عليه، كما فى قوله ﴿إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا﴾ ووعد
الله - تعالى - لا يتخلف .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إنزاله بلسان عربى مبين فقال: ﴿ إنا أنزلناه قرآنا عربيا
لعلكم تعقلون
أى: إنا أنزلنا هذا الكتاب الكريم على نبينا محمد - صل﴿ - بلسان عربى مبين ، لعلكم
أيها المكلفون بالإِيمان به ، تعقلون معانيه ، وتفهمون ألفاظه ، وتنتفعون بهداياته ، وتدركون أنه
ليس من كلام البشر، وإنما هو كلام خالق القوى والقدر وهو الله - عز وجل - .
فالضمير فى ((أنزلناه )) يعود إلى الكتاب ، وقرآنا حال من هذا الضمير أو بدلا منه .
والتأكيد بحرف إن متوجه إلى خبرها وهو أنزلناه ، للرد على أولئك المشركين الذين أنكروا
أن يكون هذا القرآن من عند الله .
وجملة ( لعلكم تعقلون﴾ بيان لحكمة إنزاله بلغة العرب وحذف مفعول ((تعقلون)) للإشارة
إلى أن نزوله بهذه الطريقة ، يترتب عليه حصول تعقل أشياء كثيرة لا يحصيها العد .
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: قوله: ﴿ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ﴾ وذلك
لأن لغة العرب أفصح اللغات ، وأبينها وأوسعها ، وأكثرها تأدية للمعانى التى تقوم بالنفوس ،
فلهذا أنزل أشرف الكتب ، بأشرف اللغات ، على أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة ،
وكان ذلك فى أشرف بقاع الأرض ، وفى أشرف شهور السنة ، فكمل له الشرف من كل
الوجوه)»(١) .
وقال الجمل: ((واختلف العلماء هل يمكن أن يقال: فى القرآن شىء غير عربى .
قال أبو عبيدة : من قال بأن فى القرآن شىء غير عربى فقد أعظم على الله القول. واحتج
بهذه الآية .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٩٣ . طبعة دار الشعب.
٣١٦
المجلد السابع
وروى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة بأن فيه من غير العربى مثل : سجيل ، والمشكاة ،
واليم ، وإستبرق ونحو ذلك .
وهذا هو الصحيح المختار ، لأن هؤلاء أعلم من أبى عبيدة بلسان العرب . وكلا القولين
صواب - إن شاء الله - .
ووجه الجمع بينهما أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب ، ودارت على ألسنتهم صارت
عربية فصيحة ، وإن كانت غير عربية فى الأصل ، لكنهم لما تكلموا بها نسبت إليهم ، وصارت
لهم لغة ، فظهر بهذا البيان صحة القولين ، وأمكن الجمع بينهما))(١).
ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن مشتمل على أحسن القصص وأحكمها وأصدقها فقال
- تعالى -: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص، بما أوحينا إليك هذا القرآن ، وإن كنت
من قبله لمن الغافلين
قال الفخر الرازى ما ملخصه: ((القصص: إتباع الخبر بعضه بعضا ، وأصله فى اللغة
المتابعة قال - تعالى - ﴿وقالت لأخته قصيه .. ﴾ أى اتبعى أثره. وقال - تعالى - :
فارتدا على آثارهما قصصا﴾ أى: اتباعًا. وإنما سميت الحكاية قصصا، لأن الذى يقص
الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا، كما يقال: ((تلا فلان القرآن، أى قرأه آية
فآية)) (٢).
والمعنى: نحن نقص عليك - أيها الرسول الكريم ((أحسن القصص)) أى : أحسن
أنواع البيان ، وأوفاه بالغرض الذى سيق من أجله .
وإنما كان قصص القرآن أحسن القصص ، لا شتماله على أصدق الأخبار ، وأبلغ
الأساليب ، وأجمعها للحكم والعبر والعظات .
والباء فى قوله ﴿ بما أوحينا إليك هذا القرآن ) للسبيبة متعلقة بنقص، و﴿ ما﴾
مصدرية .
أى : نقص عليك أحسن القصص ، بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن الذى لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه ، والذى هو فى الذروة العليا فى بلاغته وتأثيره فى النفوس .
وجملة ﴿ وإن كنت من قبله لمن الغافلين ﴾ فى موضع الحال من كاف الخطاب فى
إليك) و((وإن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٤٣٢ .
( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٨ ص ٨٥ .
٣١٧
سورة يوسف
والضمير فى قوله ﴿ من قبله ﴾ يعود إلى الإيحاء المفهوم من قوله ﴿أوحينا
والمعنى : نحن نقص عليك أحسن القصص بسبب ما أوحيناه إليك من هذا القرآن .
والحال أنك كنت قبل إيحائنا إليك بهذا القرآن ، من الغافلين عن تفاصيل هذا القصص ، وعن
دقائق أخباره وأحداثه ، شأنك فى ذلك شأن قومك الأميين .
قال تعالى: ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل
هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ﴾ .
ثم حكى - سبحانه - قصة يوسف - عليه السلام - كمثال لأحسن القصص فقال -
تعالى - ﴿ إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا ، والشمس والقمر رأيتهم
لی ساجدين
و ﴿ إذ﴾ ظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر .
ويوسف : اسم أعجمى ، مشتق - كما يقول الآلوسى - من الأسف ، وسمى به لأسف
أبيه عليه. وأبوه : هو يعقب بن إسحاق بن إبراهيم . وفى الحديث الصحيح عن ابن عمر -
رضى الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الكريم ابن الكريم ابن
الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم .
وقوله : ﴿ يا أبت ﴾ أصله يا أبى، فحذفت الياء وعوض عنها تاء التأنيث ، ونقلت إليها
كسرة الباء ، ثم فتحت الباء لمناسبة تاء التأنيث .
والمعنى : اذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - وقت أن قال يوسف لأبيه ،
يا أبت إنى رأيت فى منامى ﴿أحد عشر كوكبا﴾ تسجد لى، ورأيت كذلك ﴿ الشمس
والقمر﴾ لى ﴿ ساجدين ﴾.
ولم يدرج الشمس والقمر فى الكواكب مع أنهما منها ، لإظهار مزيتهما ورفعا لشأنهما ، وجملة
رأيتهم لى ساجدين ﴾ مستأنفة لبيان الحالة التى رآهم عليها .
وأجريت هذه الكواكب مجرى العقلاء فى الضمير المختص بها ، لوصفها بوصفهم حيث إن
السجود من صفات العقلاء ، والعرب تجمع مالا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته .
قال ابن كثير: ((وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام : أن الأحد عشر كوكبا عبارة
عن إخوته ، وكانوا أحد عشر رجلا ، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه .
روى هذا عن ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة وسفيان الثورى ، وعبد الرحن بن زيد ،
وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة ، وقيل بعد ثمانين سنة ، وذلك حين رفع أبويه على العرش ،
٣١٨
المجلد السابع
وهو سريره . وإخوته بين يديه .. وخروا له سجدا وقال : يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل ،
قد جعلها ربى حقا ... )) (١) .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله يعقوب لابنه يوسف بعد أن قص عليه رؤياه
فقال: ﴿ قال يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ، إن الشيطان للإِنسان
عدو مبين ﴾ .
وقوله ﴿ يا بنى﴾ تصغير ابن. والتصغير هنا سببه صغر سنه مع الشفقة عليه، والتلطيف
:معه .
وقوله ﴿ رؤياك ﴾ من الرؤيا التى هى مصدر رأى العلمية الدالة على ما وقع للإنسان فى ..
نومه ، أما رأى البصرية فيقال فى مصدرها الرؤية .
وقوله ((فيكيدوا لك .. )) من الكيد وهو الاحتيال الخفى بقصد الإضرار والفعل كاد يتعدى
بنفسه ، فيقال : كاده يكيده كيدا ، إذا احتال لإهلاكه . ولتضمنه معنى احتال عدى باللام .
والمعنى : قال يعقوب لابنه يوسف - عليهما السلام - بشفقة ورحمة ، بعد أن سمع منه
ما رآه فى منامه: (( يا بنى)) لا تخبر إخوتك بما رأيته فى منامك فإنك إن أخبرتهم بذلك احتالوا
لإهلاكك احتيالا خفيا ، لا قدرة لك على مقاومته أو دفعه ..
وإنما قال له ذلك ، لأن هذه الرؤيا تدل على أن الله - تعالى - سيعطى يوسف من
فضله عطاء عظيما . وبهبه منصبا جليلا ، ومن شأن صاحب النعمة أن يكون محسودا من كثير
من الناس ، فخاف يعقوب من حسد إخوة يوسف له ، إذا ما قص عليهم رؤياه ، ومن
عدوانهم عليه .
والتنوين فى قوله ((كيدا)) للتعظيم والتهويل ، زيادة فى تحذيره من قص الرؤيا عليهم .
وجملة ((إن الشيطان للإِنسان عدو مبين)» واقعة موقع التعليل للنهى عن قص الرؤيا على
إخوته ، وفيها إشارة إلى أن الشيطان هو الذى يغريهم بالكيد له إذا ما قص عليهم ما رآه ،
وهو بذلك لا يثير فى نفسه الكراهة لإِخوته .
أى : لا تخبر إخوتك بما رأيته فى منامك ، فيحتالوا للإضرار بك حسدا منهم لك ، وهذا
الحسد يغرسه الشيطان فى نفوس الناس ، لتتولد بينهم العداوة والبغضاء ، فيفرح هو بذلك ،
إذ كل قبيح يقوله أو يفعله الناس يفرح له الشيطان .
هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها :
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٢٩٨ .
٣١٩
سورة يوسف
أنه يجوز للانسان فى بعض الأوقات أن يخفى بعض النعم التى أنعم الله بها عليه ، خشية
حسد الحاسدين ، أو عدوان المعتدين .
وأن الرؤيا الصادقة حالة يكرم الله بها بعض عباده الذين زكت نفوسهم فيكشف لهم عما
يريد أن يطلعهم عليه قبل وقوعه . ومن الأحاديث التى وردت فى فضل الرؤيا الصالحة ما رواه
البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت: (( أول ما بدىء به رسول
الله - * - من الوحى الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق
الصبح .. )).
وفى حديث آخر: ((الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح ، جزء من ستة وأربعين جزءًا من
النبوة)).
وفى حديث ثالث: (( لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، وهى الرؤيا الصالحة للرجل
الصالح، يراها أو ترى له)) (١) .
كذلك أخذ جمهور العلماء من هذه الآية أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء .
قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: (( والظاهر أن القوم - أى إخوة
يوسف - كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل ، ويؤيد هذا أنهم لم يكونوا
أنبياء(٢) .
وهذا ما عليه الأكثرون سلفا وخلفا . أما السلف فإنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أو
التابعين أنه قال بنبوتهم .
وأما الخلف فكثير منهم نفى عنهم أن يكونوا أنبياء ، وعلى رأى من قال بذلك الإِمام ابن
تيمية ، فى مؤلف له خاص بهذه المسألة ، وقد قال فيه :
الذى يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار ، أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء ، وليس فى القرآن
ولا فى السنة ما يشير إلى أنهم كانوا أنبياء ... )) " .
ثم حكى - سبحانه - ما توقعه يعقوب لابنه يوسف من خير وبركة فقال :
﴿. وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ، ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ،
كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم حكيم)).
والكاف فى قوله ﴿وكذلك ﴾ حرف تشبيه بمعنى مثل، وهى داخلة على كلام محذوف.
(١) لمعرفة المزيد عن الرؤيا المنامية راجع تفسير القاسمى ج ٩ ص ٣٥٠٨.
(٢) تفسير الآلوسى ج ١٢ ص ١٦٤ .
٣٢٠
المجلد السابع
وقوله ﴿ يجتبيك ﴾ من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار، مأخوذ من جبيت الشىء إذا
اخترته لما فيه من النفع والخير .
و﴿ تأويل الأحاديث﴾ معناه تفسيرها تفسيرا صحيحا، إذ التأويل مأخوذ من الأول
بمعنى الرجوع ، وهو رد الشىء إلى الغاية المرادة منه .
والأحاديث جمع تكسير مفرده حديث ، وسميت الرؤى أحاديث باعتبار حكايتها والتحدث
بها .
والمعنى : وكما اجتباك ربك واختارك لهذه الرؤيا الحسنة ، فإنه - سبحانه - يجتبيك
ويختارك الأمور عظام فى مستقبل الأيام ، حيث يهبك من صدق الحسَّ ، ونفاذ البصيرة ،
ما يجعلك تدرك الأحاديث إدراكا سليما ، وتعبر الرؤى تعبيرا صحيحا صادقاً .
((ويتم نعمته عليك)) بالنبوة والرسالة والملك والرياسة ((وعلى آل يعقوب)) وهم إخوته
وذريتهم ، بأن يسبغ عليهم الكثير من نعمه .
﴿ كما أتمها على أبويك من قبل ﴾ أى: من قبل هذه الرؤيا أو من قبل هذا الوقت .
وقوله ((إبراهيم وإسحاق )) بيان لأبويه .
أى : يتم نعمته عليك إتماما كائنا كإتمام نعمته على أبويك من قبل ، وهما إبراهيم وإسحاق
بأن وهبها - سبحانه - النبوة والرسالة .
وعبر عنهما بأنهما أبوان ليوسف ، مع أن إبراهيم جد أبيه ، وإسحاق جده ، للإِشعار بكمال
ارتباطه بالأنبياء عليهم السلام - ، وللمبالغة فى إدخال السرور على قلبه ، ولأن هذا الاستعمال
مألوف فى لغة العرب، فقد كان أهل مكة يقولون للنبى - وَ ل98 - يا ابن عبد المطلب ، وأثر
عنه - رَ﴿ - أنه قال: أنا النبى لا كذب - أنا ابن عبد المطلب. وجملة ((إن ربك عليم
حكيم )) مستأنفة لتأكيد ما سبقها من كلام .
أى : إن ربك عليم بمن يصطفيه لحمل رسالته ، وبمن هو أهل لنعمه وكرامته ، حكيم فى
صنعه وتصرفاته .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد نوهت بشأن القرآن الكريم ، وساقت بأسلوب حكيم
ما قاله يعقوب لابنه يوسف - عليهما السلام - بعد أن قص ما رآه فى المنام .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك حالة إخوة يوسف وهم يتآمرون عليه ، وحالتهم وهم
يجادلون أباهم فى شأنه . وحالتهم وهم ينفذون مؤامراتهم المنكرة وحالتهم بعد أن نفذوها وعادوا