Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ٠ سورة يونس وقوله : ﴿ نحشرهم﴾ أى نجمعهم يوم القيامة للحساب، يقال: حشر القائد جنده ، إذا جمعهم للحرب أو لأمر من الأمور . ويوم ظرف زمان منصوب بفعل مقدر . والمعنى: واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل ، يوم نجمع الناس كافة ، لنحاسبهم على أعمالهم فى الدنيا . ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ﴾ أى: ثم نقول للمشركين منهم فى هذا اليوم العصيب ، الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم فلا تبرحوه حتى يقضى الله قضاءه فيكم ، فقوله: ﴿ مكانكم ﴾ ظرف مكان منصوب بفعل مقدر، وقوله ﴿وشركاؤكم﴾ معطوف على ضمير الفعل المقدر، وقوله ﴿ أنتم ﴾ تأكيد له . أى قفوا مكانكم أنتم وشر كاؤكم . وجاء العطف بثم ، للإشارة إلى أن بين حشرهم وبين ما يقال لهم ، مواقف أخرى فيها من الأحوال ما فيها ، فثم هنا للتراخى النسبى . وقال - سبحانه - ﴿ مكانكم أنتم وشركاؤكم ﴾ مع أن المشركين كانوا يعتبرون معبوداتهم شركاء الله - من باب التهكم بهم . وللإشارة إلى أن ما عبدوهم لم يكونوا فى يوم من الأيام شركاء لله، وإنما المشركون هم الذين وصفوهم بذلك افتراء وكذبا . وجاء وصفهم بالشرك فى حيز الصلة ، للإيذان بأنه أكبر جناياتهم ؛ وأن شركهم بالله - تعالى - هو الذى أدى بهم إلى هذا المصير المؤلم . وقوله: ﴿ فزيلنا بينهم﴾ أى: ففرقنا بينهم ، وقطعنا ما بينهم من صلات ، وميزنا بعضهم عن بعض كما يميز بين الخصوم عند التقاضى والمساءلة . وزيلنا : من التزييل بمعنى التمييز والتفريق ، يقال : زيلت الشىء أزيله إذا نحيته وأبعدته ، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليا﴾(١) أى: لو تميزوا وتفرقوا . وعبر بإلقاء للدلالة على أن هذا التفريق والتمييز ؛ قد حدث عقب الخطاب من غير مهلة وجاء الأسلوب بصيغة الماضى مع أن هذا التذييل سيكون فى الآخرة ، للإِيذان بتحقيق الوقوع ، وإلى زيادة التوبيخ والتحسير لهم . وقوله : ﴿ وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ معطوف على ما قبله. (١) سورة الفتح الآية ٢٥ . ٦٢ المجلد السابع والمراد بالشركاء ؛ كل ما عبد من دون الله من إنس وجن وأوثان وغير ذلك . أى : وقال شركاؤهم الذين أشركوهم فى العبادة مع الله - تعالى - : إنكم أيها المشركون لم تكونوا لنا عابدين فى الدنيا ، وإنما كنتم تعبدون أشياء أخرى زينها الشيطان لكم ؛ فانقدتم له بدون تدبر أو تعقل . والمقصود بقولهم هذا - التبرى من المشركين ، وتوبيخهم على أفكارهم الفاسدة . وقوله : ﴿ فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ تأكيد لهذا التبرى والإِنكار، ورجوع إلى الشهادة الحق فى ذلك . و ﴿ إن﴾ فى قوله ﴿ إن كنا﴾ مخففة من الثقيلة .. أى: فكفى أن يكون الله - تعالى - شهيدا وحكما بيننا وبينكم ، فهو - سبحانه - يعلم حالنا وحالكم ، ويعلم أننا كنا فى غفلة عن عبادتكم لنا ، بحيث إننا ما فكرنا فيها ولا رضينا بها . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ببيان أحوال الناس فى هذا اليوم العظيم فقال : هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ، وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا یفترون أى : هنالك فى ذلك الموقف الهائل الشديد ، تختبر كل نفس مؤمنة أو كافرة : ما سلف منها من أعمال ، فترى ما كان نافعاً أو ضاراً من هذه الأعمال ، وترى الجزاء المناسب عن كل عمل بعد أن عاد الجميع إلى الله مولاهم الحق ، ليقضى بينهم بقضائه العادل ، وقد غاب عن المشركين فى هذا الموقف ما كانوا يفترونه من أن هناك آلهة أخرى ستشفع لهم يوم القيامة . وهكذا ترى الآيات الكريمة تصور أحوال الناس يوم الدين تصويرا بليغا مؤثرا ، يتجلى فيه موقف الشركاء من عابديهم ، وموقف كل إنسان من عمله الذى أسلفه فى الدنيا . وبعد هذا الحديث المعجز عن يوم الحشر وأهواله ، ساقت السورة الكريمة بضع آيات فيها الأدلة المقنعة على وحدانية الله وقدرته ، ولكن بأسلوب السؤال والجواب ، فقال - تعالى : قُلْ مَن يَرْزُقُّكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَ مَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَنْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِرُالْأَمْنَّ ٦٣ سورة يونس فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَنَّقُونَ ﴿ فَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُالْحَقُ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُّ فَنَّى تُصْرِفُونَ ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين : من الذى يرزقكم من السماء بالأمطار وما يتولد عنها ، ومن الأرض وما يخرج منها من نباتات وأشجار ، وغير ذلك مما تخرجه الأرض . وقوله: ﴿أم من يملك السمع والأبصار﴾ أى: بل قل لهم - أيضا - من الذى يملك ما تتمتعون به من سمع وبصر ، ومن الذى يستطيع خلقهما وتسويتها بالطريقة التى أوجدها - سبحانه . وخص هاتين الحاستين بالذكر ، لأن لهما أعظم الأثر فى حياة الإنسان ، ولأنها قد اشتملتا فى تركيبهما على ما بهر العقول ، ويشهد بقدرته - تعالى - وعجيب صنعه فى خلقه . ﴿ أم ﴾ هنا منقطعة بمعنى بل، وهى هنا للإضراب الانتقالى لا الإيطالى ، وفيه تنبيه على كفاية هذا الاستفهام فى الدلالة على المقصود ، وهو إثبات قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له . وقوله : ﴿ ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ﴾ دليل ثالث على قدرة الله ووحدانيته . أى : وقل لهم كذلك من سوى الله - تعالى - يملك إخراج النبات وهو كائن حى من الأرض الميتة ، وإخراج الإِنسان وهو كائن حى من النطفة وبالعكس ، وإخراج الطير من البيضة وبالعكس . وقوله: ﴿ومن يدبر الأمر﴾ دليل رابع على قدرة الله ووحدانيته أى: وقل لهم - أيضاً - من الذى يتولى تدبير أمر هذا الكون من إحياء وأمانة ، وصحة ومرض ، وغنى وفقر ، وليل ونهار ، وشمس وقمر ونجوم ... هذه الجملة الكريمة من باب التعميم بعد التخصيص ، لأن كل ما سبق من نعم يندرج فيها . وقوله : ﴿ فسيقولون الله﴾ حكاية للجواب الذى لا يستطيعون إنكاره، لأنهم مقرون معترفون بأن الله - تعالى - هو الذى خلقهم ، وهو الذى يدبر أمرهم ، وإنما كانوا يتخذون ٦٤ المجلد السابع الشركاء للزلفى ، كما حكى القرآن عنهم فى قوله: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن اللّه .. ﴾ وفى قوله - سبحانه - حكاية عنهم ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى .. ﴾. ولفظ الجلالة مبتدأ ، والخبر محذوف والتقدير : فسيقولون اللّه وحده هو الذى فعل كل ذلك . وقوله: ﴿ فقل أفلا تتقون ) أمر من الله - تعالى - لرسوله - صغير - بأن يرد عليهم بهذا الرد . والهمزة لإِنكار واقعهم الذميم ، وهى داخلة على كلام مقدر ، ومفعول تتقون محذوف . أى : أتعلمون وتعترفون بأن الله - تعالى - هو الخالق لكل ما سبق ، ومع ذلك تشركون معه آلهة فى العبادة ، دون أن تتقوا عذابه يوم القيامة ؟ . إن مسلكك هذا إنما يدل على ضعف فى التفكير ، وانطماس فى العقول ، وجهالة ليس بعدها جهالة . ثم أرشدهم - سبحانه - إلى الطريق القويم لو كانوا يعقلون فقال: ﴿ فذلكم الله ربكم الحق ... ﴾ . أى : فذلكم الذى فعل ما فعل من رزقكم ومن تدبير أمركم ، هو الله المربى لكم بنعمه ، وهو الذى لا تحق العبودية والألوهية إلا له وحده . إذا كان الأمر كذلك ﴿ فإذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ أى لا يوجد غير الحق شىء يتبع سوى الضلال ، فمن ترك الحق وهو عبادة الله وحده ، فقد وقع فى الباطل والضلال وهو عبادة غيره من الآلهة الأخرى . قال القرطبى: ((ثبت عن عائشة - رضى الله عنها - أن النبى - * - كان إذا قام إلى. الصلاة من جوف الليل قال: ((اللهم لك الحمد)) الحديث، وفيه: أنت الحق، ووعدك الحق ، وقولك الحق ، ولقاؤك الحق ، والجنة حق والنار حق ، والنبيون حق ، ومحمد حق ... )) . فقوله : أنت الحق ، أى الواجب الوجود ، وأصله من حق الشىء إذا ثبت ووجب - وهذا الوصف لله - تعالى - بالحقيقة ، إذ وجوده بنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم ، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ، ويجوز عليه لحاق العدم ، ووجوده من موجده لا من نفسه . ومقابلة الحق بالضلال عرف لغة وشرعاً كما فى هذه الآية .. والضلال حقيقته الذهاب عن ٦٥ سورة يونس الحق مأخوذ من ضلال الطريق ، وهو العدول عن سمته ، يقال : ضل الطريق وأضل الشىء إذا أضاعه .. ))(١). وقوله : ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أى: فكيف تصرفون وتتحولون عن الحق إلى الضلال ، بعد اعترافكم وإقراركم بأن خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم هو الله - تعالى - وحده . فأنى هنا بمعنى كيف ، والاستفهام لإنكار واقعهم المخزى واستبعاده والتعجب منه . ومن الأحكام التى تؤخذ من هذه الآية الكريمة : أن الحق والباطل ، والهدى والضلال ، نقيضان لا يجتمعان ، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين فى وقت واحد بل متى ثبت أن أحدهما هو الحق ، وجب أن يكون الآخر هو الباطل . ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف ولا تتبدل ، فقال - تعالى - : كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ﴾ . والكاف للتشبيه بمعنى مثل . وحقت بمعنى وجبت وثبتت . والمراد بالكلمة هنا : حكمه وقضاؤه - سبحانه - . والمعنى: مثل ما ثبت أن الله - تعالى - هو الرب الحق ، وأنه ليس بعد الحق إلا الضلال ، ثبت - أيضا - الحكم والقضاء منه - سبحانه - على الذين فسقوا عن أمره ، وعموا وصموا عن الحق ، أنهم لا يؤمنون به ، لأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا . فالمراد بالفسق هنا : التمرد فى الكفر ، والسير فيه إلى أقصى حدوده . ثم ساق - سبحانه - أنواعا أخرى من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته . فقال : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَابِكُ مَّن يَبْدَؤُ أْخَلْقَ ثُمَّيُعِدُ مُعُلِ اللَّهُ بْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُ مُؤَى تُؤْفَّكُونَ ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَبِكُ مَّنِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ قُلِ اَللَّهُ يُهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٣٦. ٦٦ المجلد السابع يُتَبَعَ أَمَنْ لََّيَهِدِّىَ إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَا لَكُمْكَيْفَ نَحْكُمُونَ ٣٥ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّ ◌َّا إِنَّالََّ لَأَ يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ ٣٦ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ أى : قل يا محمد لهؤلاء الغافلين عن الحق : هل من شركائكم الذين عبدتموهم من دون اللّه، أو أشركتموهم مع الله، من له القدرة على أن يبدأ خلق الإنسان من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة ... ثم ينشئه خلقا آخر ، ثم يعيده إلى الحياة مرة أخرى بعد موته ؟ قل لهم يا محمد : اللّه وحده هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده ، أما شركاؤكم فهم أعجز من أن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ... وإذا كان الأمر كذلك من الوضوح والظهور ﴿فأنى تؤفكون﴾ والإِفك الصرف والقلب عن الشىء . يقال : أفكه عن الشىء يأفكه أفكا ، إذا قلبه عنه وصرفه . أى فكيف ساغ لكم أن تصرفوا عقولكم عن عبادة الإله الحق ، إلى عبادة أصنام لا تنفع ولا تضر ؟ ! . وجاءت جملة ﴿ قل هل من شركائكم .. ﴾ بدون حرف العطف على ما قبلها للإِيذان باستقلالها فى حصول المطلوب ، وإثبات المقصود . وساق - سبحانه - الأدلة بأسلوب السؤال والاستفهام ، لأن الكلام إذا كان واضحا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام ، وتفويض الجواب إلى المسئول كان ذلك أبلغ وأوقع فى القلب . وجعل - سبحانه - إعادة المخلوقات بعد موتها حجة عليهم فى التدليل على قدرته مع عدم اعترافهم بها ، للإِيذان بسطوع أدلتها ، لأن القادر على البدء يكون أقدر على الإِعادة كما قال - تعالى - ﴿وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه .. ﴾(١) . فلما كان إنكارهم لهذه الحقيقة الواضحة من باب العناد أو المكابرة ، نزل إنكارهم لها منزلة العدم . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((فإن قلت : كيف قيل لهم هل من (١) سورة الروم الآية ٢٧ . ٠ ٦٧ سورة يونس شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهم غير معترفين بالإِعادة ؟ . قلت : قد وضعت إعادة الخلق لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع كان مكابرا رادا الظاهر البين الذى لا مدخل للشبهة فيه ، ودلالة على أنهم فى إنكارهم لها منكرون أمرا مسلما معترفا بصحته عند العقلاء. وقال لنبيه - اَلر -: ﴿ قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده) فأمره بأن ينوب عنهم فى الجواب . يعنى أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فتكلم أنت عنهم .. ))(١) . وقوله : ﴿ قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق). حجة أخرى تدمغ جهلهم ، جىء بها لتكون دليلا على قدرة الله على الهداية والإضلال ، عقب إقامة الأدلة على قدرته - سبحانه - على بدء الخلق وإعادتهم . أى : قل لهم يا محمد - أيضا - على سبيل التهكم من أفكارهم : هل من شركائكم من يستطيع أن يهدى غيره إلى الدين الحق ، فينزل كتاباً ، أو يرسل رسولا ، أو يشرع شريعة ، أو يضع نظاما دقيقا لهذا الكون . أو يحث العقول على التدبر والتفكر فى ملكوت السموات والأرض ... ؟ قل لهم يا محمد : اللّه وحده هو الذى يفعل كل ذلك ، أما شركاؤكم فلا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً من ذلك أو من غيره . وقوله: ﴿ أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدى إلا أن يهدى .. ﴾ توبيخ آخر لهم على جهالاتهم وغفلتهم عن إدراك الأمور الواضحة . أى : قل لهم يا محمد : أفمن يهدى غيره إلى الحق وهو الله - تعالى - . أحق أن يتبع فيما يأمر به وينهى عنه ، أم من لا يستطيع أت يهتدى بنفسه إلا أن يهديه غيره أحق بالاتباع ؟ لاشك أن الذى يهدى غيره إلى الحق أحق بالاتباع من الذى هو فى حاجة إلى أن يهديه غيره . وقوله : ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ استفهام قصد به التعجيب من أحوالهم التى تدعو إلى الدهشة والغرابة . أى : ما الذى وقع لكم ، وما الذى أصابكم فى عقولكم حتى صرتم تشركون فى العبادة مع الله الخالق الهادى، مخلوقات لا تهدى بنفسها وإنما هى فى حاجة إلى من يخلقها ويهديها. قال الإِمام الرازى: ((واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ثم بالهداية (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٣٦. ٦٨ المجلد السابع ثانيا ، عادة مطردة فى القرآن ، فقد حكى - سبحانه - عن إبراهيم أنه ذكر ذلك فقال : الذى خلقنى فهو يهدين﴾ وعن موسى أنه قال: ﴿ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى﴾ وأمر محمدا- وسط- بذلك فقال: ﴿سبح اسم ربك الأعلى. الذى خلق فسوى، والذى قدر فهدى ﴾ . وهو فى الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية ، فها هنا أيضا لما ذكر دليل الخلق فى الآية الأولى وهو قوله : ﴿ أم من يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أتبعه بدليل الهداية فى هذه الآية(١). وقوله: ﴿ أم من لا يهدى﴾ ورد فيه ست قراءات ، منها قراءة يعقوب وحفص بكسر الهاء وتشديد الدال ، ومنها قراءة حمزة والكسائى بالتخفيف كيرمى ، ومنها قراءة ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع ((يهدى)) فتح الياء والهاء وتشديد الدال .. (٢). والاستثناء فى قوله: ﴿ أم من لا يهدى إلا أن يهدى﴾ مفرغ من أعم الأحوال. والتقدير : أفمن يهدى إلى الحق أحق بالاتباع ، أم من لا يستطيع الهداية إلا أن يهديه إليها غيره أحق بالاتباع ؟ وجاء قوله - سبحانه - ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ باستفهامين متواليين ، زيادة فى توبيخهم وتقريعهم ، ولفت أنظارهم إلى الحق الواضح الذى لا يخفى على كل ذى عقل سليم . وقوله : ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ... ﴾ توبيخ آخر لهم على انقيادهم للأوهام والظنون ، وتسلية للرسول - * - عما أصابه منهم من إساءات . أى : إن هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوتك يا محمد ، لا يتبعون فى عقائدهم وعبادتهم لغير خالقهم سوى الظنون والأوهام التى ورثها الأبناء عن الآباء . وخص أكثرهم بالذكر ، لأن هناك قلة منهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولكنهم لا يتبعونه عنادا وجحودا وحسدا، كما قال - تعالى - ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين (٣) بآيات الله يجحدون ويجوز أن يكون - سبحانه - خص أكثرهم بالذكر ، للإشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق ، وستتبعه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى. ( ١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٩٠ . (٢) راجع تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٤١. (٣) سورة الأنعام الآية ٣٣. ٦٩ سورة يونس والتنكير فى قوله ﴿ ظنا﴾ للتنويع. أى لا يتبع أكثرهم إلا نوعا من الظن الواهى الذى لا يستند إلى دليل أو برهان . وقوله : ﴿ إن الظن لا يغنى من الحق شيئا ﴾ استئناف مسوق لبيان شأن الظن وبطلانه. والمراد بالظن هنا : ما يخالف العلم واليقين ، والمراد بالحق : العلم والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع. أى : إن الظن الفاسد المبنى على الأوهام لا يغنى صاحبه شيئا من الإِغناء ، عن الحق الثابت الذى لا ريب فى ثبوته وصحته . وقوله ﴿ شيئا﴾ مفعول مطلق أى: لا يغنى شيئا من الإِغناء، ويجوز أن يكون مفعولا به على جعل يغنى بمعنى يدفع . وقوله : ﴿ إن الله عليم بما يفعلون) تذييل قصد به التهديد والوعيد. أى: إن الله - تعالى - عليم بأقوالهم وأفعالهم ، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة ، وسينالون ما يستحقونه من عقاب بسبب أقوالهم الباطلة . وأفعالهم الفاسدة . قال صاحب المنار ما ملخصه: ((استدل العلماء بهذه الآية على أن العلم اليقينى واجب فى الاعتقاديات ، ويدخل فى الاعتقاديات الإِيمان بأركان الإِسلام وغيرها من الفرائض والواجبات القطعية ، والإِيمان بتحريم المحظورات القطعية كذلك ... : أما مادون العلم اليقينى مما لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به فى الاعتقاد وهو متروك للاجتهاد فى الأعمال، كاجتهاد الأفراد فى الأعمال الشخصية ، واجتهاد أولى الأمر فى الإِدارة والسياسة ، مع التقيد بالشورى وتحرى العدل .. ))(١) . وبعد أن ساقت السورة الكريمة ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى صدق الرسول - وَله - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله تعالى، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن القرآن الكريم ، فتحدت أعداءه أن يأتوا بسورة مثله ، ووصفتهم بالجهالة وسفاهة الرأى ، وصورت أحوالهم ومواقفهم من دعوة الحق تصويرا بليغا . استمع إلى السورة الكريمة وهى تتحدث عن كل ذلك فتقول : (١٠) تفسير المنار جـ ١١ ص ٣٦٤ .. > ٧٠ المجلد السابع وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَىمِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿®) أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنْ أَسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُمُ صَدِقِينَ (٣٨ بَ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْبِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّلِينَ ٣٩ وَمِنْهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَّنَ لَّا يُؤْمِرُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمّ ٤٠ أَنْتُمْ بَرِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْبَرِىٌّمِمَّاتَعْمَلُونَ (٦ )، وَمِنْهُم ◌َّن (٤٢ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَنْتَ تُسْمِعُ الْقُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَّن يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَانْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٤ قال الإِمام ابن كثير ((هذا بيان لإعجاز القرآن ، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله ؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعانى الغزيرة النافعة فى الدنيا والآخرة ، لا يكون إلا من عند الله - تعالى - الذى لا يشبهه شىء فى ذاته ولا فى صفاته ، ولا فى أفعاله ولا فى أقواله ، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ، ولهذا قال - تعالى -: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله﴾(١). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤١٧ . ٠ ٧١ سورة يونس :. والنفى هنا للشأن الذى هو أبلغ فى النفى ، وأعمق فى الدلالة على أن هذا القرآن من عند الله ، من نفى الشىء فى ذاته مباشرة . أى: وليس من شأن هذا القرآن المعجز ، أن يخترعه أو يختلقه أحد من الإِنس أو الجن أو غيرهما ؛ لأن ما اشتمل عليه من إعجاز وبلاغة وتشريعات حكيمة ، وآداب قويمة ، وهدايات جامعة ... يشهد بأنه من كلام خالق القوى والقدر . وقوله : ﴿ ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب ﴾ بيان لكمال هداية القرآن الكريم ، وهيمنته على الكتب السماوية السابقة . والمراد بالذى بين يديه : الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإنجيل والزبور . وقوله ﴿ بين يديه﴾ فيه نوع مجاز؛ لأن ما بين يدى الشىء يكون أمامه ، فوصف - سبحانه - ما مضى من الكتب بأنها بين يدى القرآن لشدة ظهورها واشتهارها ، ومعنى تصديق القرآن للكتب السابقة : تأييده لما اشتملت عليه من دعوة إلى وحدانية الله - تعالى - ، ومن أمر باتباع الرسول - * - عند ظهوره . وأل فى ﴿ الكتاب ﴾ للجنس ، فالمراد به جنس الكتب السماوية التى أنزلها - سبحانه - على بعض أنبيائه . والمعنى : ليس من شأن هذا الكتاب فى إعجازه وهدايته أن يكون من عند غير الله ، لأن غيره - سبحانه - لا يقدر على ذلك ، ولكن من شأنه أن يكون مؤيداً للكتب السماوية السابقة فيما دعت إليه من إخلاص العبودية لله - تعالى - ومن اتباع لرسله ، وأن يكون مفصلا وموضحا لما اشتملت عليه هذه الكتب من تشريعات وآداب وأحكام . وقوله ﴿ تصديق ﴾ منصوب على أنه معطوف على خبر كان ، أو على أنه خبر لكان المقدرة أى : ولكن كان تصديق . وقوله ﴿ لا ريب فيه من رب العالمين ) بيان لمصدره . أى: هذا الكتاب لا ريب ولاشك فى كونه منزلا على رسوله محمد - * - من الله - تعالى - رب العالمين . وفصلت جملة ﴿ لا ريب فيه﴾ عما قبلها لأنها مؤكدة له ، ومقررة لمضمونه . ونفى - سبحانه - عن القرآن الريب على سبيل الاستغراق : مع وقوع الريب فيه من المشركين ، حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين ، لأنه لروعة بيانه ، وسطوع حجته ، ووضوح دلائله ، لا يرتاب ذو عقل متدبر فى كونه وحياً سماوياً ، ومصدر هداية وإصلاح . ٧٢ المجلد السابع فجملة ﴿ لا ريب فيه ﴾ تنفى الريب فى القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه، ويقبلوا على النظر فيه بروية ومن ارتاب فيه فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية ، أو بصيرة نافذة أو قلب سليم . وقوله - سبحانه ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ انتقال من بيان كون القرآن من عند الله، إلى بيان مزاعمهم فيه . وأم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة للاستفهام، أى: بل أيقولون إن محمداً - وَليزر - هو الذى أتى بهذا القرآن من عند نفسه لا من عند الله . وقوله ﴿ قل فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله ﴾. أمر من الله - تعالى - لنبيه - * - بأن يرد عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم . أى : قل لهم : يا محمد على سبيل التبكيت والتحدى : إن كان الأمر كما زعمتم من أنى أنا الذى اختلقت هذا القرآن ، فأتوا أنتم يا فصحاء العرب بسورة مثل سوره فى البلاغة والهداية وقوة التأثير ، وقد أبحت لكم مع ذلك أن تدعوا لمعاونتكم ومساعدتكم فى بلوغ غايتكم كل من تستطيعون دعوته سوى الله - تعالى - وجاءت كلمة ((سورة)) منكرة ، للإشارة إلى أنه لا يطالبهم بسورة معينة، وإنما أباح لهم أن يأتوا بأية سورة من مثل سور القرآن ، حتى ولو كانت كأصغر سورة منه . والضمير فى ﴿ مثله ﴾ يعود إلى القرآن الكريم، والمراد بمثله هنا : ما يشابهه فى حسن النظم ، وجمال الأسلوب ، وسداد المعنى ، وقوة التأثير . وقوله : ﴿وادعوا﴾ من الدعاء، والمراد به هنا: طلب حضور المدعو أى نادوهم. وكلمة ﴿ من﴾ فى قوله: ﴿ من استطعتم) تشمل آلهتهم وبلغاءهم وشعراءهم وكل من يتوسمون فيه العون والمساعدة . وكلمة ﴿دون ﴾ هنا بمعنى غير أى: ادعوا لمساعدتكم كل من تستطيعون دعوته غير الله - تعالى - فإنه وحده القادر على أن يأتى بمثله . وقوله : ﴿ إن كنتم صادقين ) جملة شرطية، وجوابها محذوف لدلالة الكلام السابق عليه ، أى : إن كنتم صادقين فى دعواكم أنى افتريت هذا القرآن ، فهاتوا سورة مثله مفتراة ، فإنكم مثلى فى العربية والفصاحة . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تحدتهم وأثارت حماستهم ، وأرخت لهم الحبل ، وعرضت بعدم صدقهم ، حتى تتوافر دواعيهم على المعارضة التى زعموا أنهم أهل لها . ٧٣ سورة يونس قال الآلوسي: ((هذه الآية دلالة على إعجاز القرآن، لأنه - * - تحدى مصاقع العرب بسورة ما منه ، فلم يأتوا بذلك ، وإلا فلو أتوا بذلك لنقل إلينا ، لتوفر الدواعى على نقله))(١) . هذا وقد عقد صاحب الظلال فصلا طويلا للحديث عن إعجاز القرآن فقال: (( وقد ثبت هذا التحدى ، وثبت العجز عنه ، ومايزال ثابتاً ولن يزال ، والذين يدركون بلاغة هذه اللغة ، ويتذوقون الجمال الفنى والتناسق فيها ، يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان ، وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية ، والأصول التشريعية ، ويدرسون النظام الذى جاء به هذا القرآن ، يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الحاجة الإِنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها ، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات فى يسر ومرونة كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشرى واحد ، أو مجموعة من العقول فى جيل واحد أو فى جميع الأجيال ، ومثلهم الذين يدرسون النفس الإِنسانية ووسائل الوصول إلى التأثير فيها وتوجيهها ، ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه . فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده ، ولكنه الإعجاز المطلق الذى يلمسه الخبراء فى هذا وفى النظم والتشريعات والتقسيمات وما إليها ... )) (٢). ثم انتقلت السورة الكريمة من توبيخهم على كذبهم وجحودهم ، إلى توبيخھم علی جهلهم وغباوتهم فقال - تعالى -: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ... ﴾. أى : أن هؤلاء الأشقياء لم يكتفوا بما قالوه فى شأن القرآن الكريم من أقاويل فاسدة ، بل هرولوا إلى تكذيب ما فيه من هدايات سامية ، وآداب عالية ، وأخبار صادقة ، بدون فهم أو تدبر ، وبدون انتظار لتفسير معانيه وأخباره التى لم يهتدوا إلى معرفتها بعد . قال صاحب الكشاف قوله ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ﴾ أى: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره ، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه ، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم ، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم كالناشئّ على التقليد من الحشوية ، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه ، وإن كانت أضوأ من الشمس فى ظهور الصحة وبيان الاستقامة أنكرها فى أول وهلة ، واشمأز منها قبل أن يحسن إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر فى صحة أو فساد ، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه ، وفساد ما عداه من المذاهب .. (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١١٩. (٢) راجع تفسير فى ظلال القرآن جـ ١١ ص ١٧٨٥ وما بعدها طبعة دار الشروق. ٧٤ المجلد السابع فإن قلت : فما معنى التوقع فى قوله: ﴿ ولما يأتهم تأويله﴾؟ قلت : معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل ، تقليدا للآباء ، وكذبوه بعد التدبر تمردا ، وعنادا فذمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم . ويجوز أن يكون معنى ﴿ولما يأتهم تأويله) ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب ، يعنى أنه كتاب معجز من جهتين : من جهة إعجاز نظمه ، ومن جهة ما فيه من الإِخبار بالغيوب ، فتسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا فى نظمه وبلوغه حد الإعجاز ، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه ))(١) . وقال الآلوسي : وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ دون أن يقال . بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحوه للإِيذان بكمال جهلهم به ، وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به ، وبأن تكذييهم به إنما هو بسبب عدم إحاطتهم بعلمه ، لما أن تعليق الحكم بالموصول مشعر بعلية ما فى حيز الصلة له ، وأصل الكلام بما لم يحيطوا به علما ، إلا أنه عدل منه إلى ما فى النظم الكريم لأنه أبلغ . ونفى إتيان التأويل بكلمة ﴿ لما ﴾ الدالة على توقع منفيها بعد نفى الإحاطة بعلمه بكلمة ((لم )) ؛ لتأكيد الذم ، وتشديد التشنيع ، فإن الشناعة فى تكذيب الشىء ، قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها فى تكذيبه قبل علمه مطلقا))(٢). وقوله ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) تهديد لهم ووعيد على التمادى فى العناد . أى: كما كذب المشركون نبيهم محمدا - ليزر - عن جهل وجحود: كذب الذين من قبلهم أنبياءهم ، كقوم نوح وعاد وثمود ، فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر . قال - تعالى -: ﴿ فكلا أخذنا بذنبه ، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ، ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا (٣) أنفسهم يظلمون ثم فصل - سبحانه - أحوالهم ومواقفهم من القرآن الكريم فقال : ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ، وربك أعلم بالمفسدين (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٣٨ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ١٢٠ . (٣) سورة العنكبوت الآية ٤٠ . ٧٥ سورة يونس أى : ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ، ويتبعك وينتفع بما أرسلت به ، ومنهم من لا يؤمن به أبدا لاستحبابه العمى على الهدى . وعليه يكون المراد بمن يؤمن به ، أولئك الذين وفقهم الله لا تباع الحق عن يقين وإذعان . وقيل إن المعنى : ومن قومك يا محمد أناس يؤمنون فى قرارة نفوسهم بأن هذا القرآن من عند اللّه ، ولكنهم يكذبونك جحودا وعنادا ومنهم من لا يؤمن به أصلا لا نطماس بصيرته ، وإيثاره الغى على الرشد . وعلى هذا التفسير يكون المراد بمن يؤمن به : أولئك الذين يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولكن الغرور والجهل والحسد حال بينهم وبين اتباعه . وقوله : ﴿وربك أعلم بالمفسدين ﴾ أى: وربك أعلم بالمفسدين فى الأرض بالشرك والظلم والفجور ، وسيحاسبهم على ذلك يوم الدين حسابا عسيرا ، ويذيقهم العذاب الذى يستحقونه ، فالمراد بالعلم هنا لازمه وهو الحساب والعقاب . وقوله : ﴿وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم ، أنتم بريئون مما أعمل وأنا برىء مما تعملون﴾ إرشاد من الله - تعالى - لنبيه - صل) - - إذا ما لج أعداؤه فى طغيانهم . أى : وإن تمادى هؤلاء الأشرار فى طغيانهم وفى تكذيبهم لك يا محمد ، فقل لهم : أنا مسئول عن عملى أمام اللّه ، وأنتم مسئولون عن أعمالكم أمامه - سبحانه - وأنتم بريئون مما أعمله فلا تؤاخذونى عليه ، وأنا برئ كذلك من أعمالكم فلا يؤاخذنى الله عليها . فالآية الكريمة تسلية للرسول - 19 - عما أصابه من قومه . وإعلام له بأن وظيفته البلاغ ، أما حسابهم على أعمالهم فعلى الله - تعالى - . ثم صور - سبحانه - ما عليه أولئك الجاحدون من جهالات مطبقة ، وغباء مستحكم فقال - تعالى -: ﴿ ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ، ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون ﴾ . أى : ومن هؤلاء المشركين - يا محمد - من يستمعون إليك وأنت تقرأ عليهم القرآن وترشدهم إلى ما ينفعهم ، ولكنهم يستمعون بلا تدبر أوفهم ، فهل أنت - يا محمد - فى إمكانك أن تسمع الصم ، ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم ، لأن الأصم العاقل - كما يقول صاحب الكشاف - ربما تفرس واستدل إذا وقع فى صراخه دوى الصوت ، فإذا اجتمع سلب. السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر . ومنهم - أيضاً - من ينظر إليك ، ويشاهد البراهين الدالة على صدقك ، فإن وجهك ليس بوجه كذاب ، ولكنه لا يتبع دعوتك جحودا وعنادا ، فهل أنت فى إمكانك أن تهدى العمى ولو ٧٦ المجلد السابع انضم إلى فقدان بصرهم فقدان بصيرتهم فأنت ترى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد نعتا على المشركين جهالاتهم ، وانطاس بصيرتهم ، بحيث صاروا لا ينتفعون بنعم اللّه التى أنعم بها عليهم . فقد وصمهم - سبحانه - يفقدان السمع والبصر والعقل ، مع أنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون ، لأنهم لما لم يستعملوا نعم الله فيما خلقت له ، صارت هى والعدم سواء . والاستفهام فى الآيتين للإنكار والاستبعاد . وجواب ﴿لو﴾ فى الآيتين محذوف لدلالة ما قبله عليه ، والجملة معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها . أى : أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون ، على معنى أفأنت تستطيع إسماعهم فى الحالتين ؟ كلا لا تستطيع ذلك وإنما القادر على ذلك هو الله وحده . ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا ﴾ . ولكن الناس أنفسهم يظلمون أى: إن الله - تعالى - قد اقتضت سننه فى خلقه ، أن لا يظلمهم شيئاً ، كأن يعذبهم - مثلا - مع إيمانهم وطاعتهم له ، أو كأن ينقصهم شيئا من الأسباب التى يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم .. ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ، بإيرادها موارد المهالك عن طريق اجتراح السيئات ، واقتراف الموبقات ، الموجبة للعقوبات فى الدنيا والآخرة . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد نفت تصور أن يكون هذا القرآن من عند غير اللّه، وتحدت المشركين أن يأتوا بسورة مثله، ووصمتهم بالتسرع فى الحكم على شىء لم يحيطوا بعلمه ، وأمرت النبى - وَ ل ◌ّ - أن يثبت على دعوة الحق، سواء استجاب له الناس أم لم يستجيبوا ، وأن الله - تعالى - قد اقتضت حكمته ألا يعذب الناس إلا إذا فعلوا ما يوجب العقوبة ، وصدق الله إذ يقول: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليها ﴾ . وبعد أن بينت السورة الكريمة أحوال أولئك المشركين فى الدنيا ، ومواقفهم من الدعوة الإسلامية ، أتبعت ذلك بالحديث عن أحوالهم يوم الحشر ، ومن استعجالهم للعذاب ، وعن رد الرسول - * - عليهم، فقال - تعالى - : ١ وَيَوْمَ يَحْشُرُ هُمْ كَأَن لَمْ يَلْبَثُواْإِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآِ اللَّهِ ٧٧ سورة يونس وَمَا كَانُوْمُهْتَدِينَ ﴿٨)، وَإِمَّانُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُ هُمْ أَوْنَوَقََّنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرِجِعُهُمْ ثُمَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ﴾ وَلِكُلِّ أُمَِّرَسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ ﴾ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنَ كُنْتُمُ صَدِقِينَ ٤٧ لَا يُظْلَمُونَ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرًّا وَلَ نَفْعَا إِلََّ مَا شَآءَ الَّهُ لِكُلّ أُمَّةٍ (٤٨ ج أَجَلُّ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَيَسْتَْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ وقوله - سبحانه -: ﴿ ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ﴾ بيان لأحوالهم السيئة عند جمعهم لحساب يوم القيامة . إذ المحشر - كما يقول الراغب - إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها )»(١) . والمراد به هنا : إخراج الناس من قبورهم وجمعهم فى الموقف لحسابهم على أعمالهم الدنيوية . دالمقصود بالساعة هنا : المدة القليلة من الزمان ، فقد جرت العادة أن يضرب بها المثل فى الوقت القصير . والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم ، وذكر هؤلاء المشركين الذين عموا وصموا عن الحق ، يوم يجمعهم الله - فى الآخرة للحساب والعقاب ، فيشتد كريهم ، وينسون تلك الملذات والشهوات .. التى استمتعوا بها فى الدنيا ، حتى لكأنهم لم يلبثوا فيها وفى قبورهم ، إلا ساعة من النهار أى : إلا مدة قصيرة من النهار، يتعارفون بينهم ، أى : لا تتسع تلك المدة إلا للتعارف فيما بينهم . وقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا﴾ جملة حالية من ضمير الجمع فى يحشرهم. وخصت الساعة بكونها من النهار ، لأنها أعرف لهم من ساعات الليل . (١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ١١٩ . ٧٨ المجلد السابع والمقصود بالتشبيه : بيان أن هذه السنوات الطويلة التى قضاها هؤلاء المشركون فى الدنيا يتمتعون بلهوها ولعبها، ويستبعدون معها أن هناك بعثا وحسابا .. قد زالت عن ذاكرتهم فى يوم القيامة ، حتى لكأنهم لم يمكنوا فيها سوى وقت قصير لا يتسع لأكثر من التعارف القليل مع الأقارب والجيران والأصدقاء ، حتى لكأن ذلك النعيم الذى تقلبوا فيه دهراً طويلا لم يروه من قبل ... وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف : ﴿ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ﴾(١) وقوله - سبحانه، فى سورة الروم ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة ﴾(٢). فإن قيل : إن هناك بعض الآيات ذكرت أنهم عندما يسألون يحسبون بأنهم لبثوا فى الدنيا يوما أو بعض يوم، أو عشية أو ضحاها كما فى قوله - تعالى -: ﴿ قال كم لبثتم فى الأرض عدد سنين ، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ﴾(٣) . وكما فى قوله - تعالى - ﴿ کأنهم یوم ير ونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾(٤) فكيف نجمع بين هذه الآيات التى اختلفت إجابتهم فيها ؟. فالجواب : أن أهل الموقف يختلفون فى تقدير الزمن الذى لبثوه فى الدنيا على حسب اختلاف أحوالهم ، وعلى حسب أهوال كل موقف ، فإن فى يوم القيامة مواقف متعددة بعضها أشد من بعض . وقوله ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ جملة حالية أيضا من ضمير الجمع فى يحشرهم. قال القرطبى: ((وهذا التعارف توبيخ وافتضاح ، يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتنى وأغويتنى وحملتنى على الكفر ، وليس تعارف شفقة ورحمة وعطف ... والصحيح أنه لا ينقطع هذا التعارف التوبيخى عند مشاهدة أهوال القيامة ، لقوله - تعالى - ﴿ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول ﴾ ... فأما قوله : ﴿ولا يسأل حميم حميا﴾ وأشباهه فمعناه: لا يسأله سؤال رحمة وشفقة .. ))(٥) . وقوله : ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين﴾ جملة مستأنفة مسوقة لبيان (١ ) الآية ٣٥. (٢ ) الآية ٥٥ . (٣) سورة المؤمنون الآية ١١٢، ١١٣ . (٤ ) سورة المنازعات الآية الأخيرة. (٥ ) تفسير القرطبى - يتصرف وتلخيص - جـ ٨ ص ٣٤٨. ٧٩ سورة يونس حكم الله عليهم فى آخرتهم بعد أن ضيعوا دنياهم . والمراد بلقاء الله : مطلق الحساب والجزاء الكائن فى يوم القيامة . أى : أن هؤلاء الأشقياء الذين أعرضوا عن الحق وأنكروا الحشر ، قد خسروا سعادتهم الأبدية ، وحق عليهم العذاب المهين ، بسبب كفرهم وطغيانهم ، وعدم اهتدائهم إلى طريق النجاة . وقوله : ﴿وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ﴾ تأكيد لخسرانهم، ولوقوع العذاب بهم، وتسلية للرسول - وله - عما أصابه منهم و((إن)) شرطية. و((ما)) مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، وجملة ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب الشرط وما عطف عليه. والمعنى : إن هؤلاء المشركين الذين ناصبوك العداوة أيها الرسول الكريم لا يخفى علينا أمرهم ونحن إما نرينك ببصرك بعض الذى نعدهم به من العذاب الدنيوى ، وإما نتوفينك ، قبل ذلك ، وفى كلتا الحالتين فإن مرجعهم إلينا وحدنا فى الآخرة ، فنعاقبهم العقوبة التى يستحقونها . وقال - سبحانه - ﴿ بعض الذى نعدهم ﴾ للإشارة إلى أن ما سينزل بهم من عذاب دنيوى ، هو جزء من العذاب المدخر لهم فى الآخرة . وقد أنجز الله - تعالى - وعده لنبيه - باز - فسلط عليهم القحط والمجاعة ، حتى كانوا لشدة جوعهم يرون كأن بينهم وبين السماء دخانا . ونصر المسلمين عليهم فى غزوتى بدر والفتح، وكل ذلك حدث فى حياة النبى - صل*م . وقال - سبحانه - ﴿ بعض الذى نعدهم﴾ ولم يقل بعض الذى وعدناهم ، لاستحضار صورة العذاب ، والدلالة على تجدده واستمراره . أى : نعدهم وعدا متجددا على حسب ما تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا ، من إنذار عقب إنذار ، ومن وعيد بعد وعيد . والمراد من الشهادة فى قول ﴿ ثم اللّه شهيد على ما يفعلون﴾ لازمها وهو المعاقبة والمجازاة ، فكأنه - سبحانه - يقول: ثم الله - تعالى - بعد ذلك معاقب لهم على ما فعلوه من سيئات ، وما يرتكبونه من منكرات . قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت : اللّه شهيد على ما يفعلون فى الدارين فما معنى ثم ؟ قلت : ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب ، فكأنه قال : ثم الله معاقبهم على ما يفعلون . ويجوز أن يراد أن الله مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة حين ينطق ٨٠ المجلد السابع جلودهم وألسنتهم وأيديهم فتكون شاهدة عليهم))(١) . هذا ، وفى معنى هذه الآية وردت آيات أخرى منها قوله - تعالى -: ﴿وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴾(٢) وقوله - تعالى - فاصبر إن وعد الله حق ، فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون(٣) ﴾ ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر رحمته بعباده ، أن جعل لكل أمة رسولا يهديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فقال - تعالى - : ﴿ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ﴾ . أى : أنه - سبحانه - اقتضت حكمته ورحمته أن يجعل لكل جماعة من الناس ، رسولا يبلغهم ما أمره الله بتبليغه ، ويشهد عليهم بذلك يوم القيامة ، فإذا جاء رسولهم وشهد بأنه قد بلغهم ما أمره الله به ، قضى - سبحانه - بينه وبينهم بالعدل ، فحكم بنجاة المؤمن وبعقوبة الكافر ، ولا يظلم ربك أحدا . قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ((فكل أمة تعرض على الله - تعالى - بحضرة رسولها ، وكتاب أعمالها من خير أو شر شاهد عليهم ، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة ، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم فى الخلق ، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة ، يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء فى الصحيحين عن رسول الله - وسلم - أنه قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، المقضى لهم قبل الخلائق ، فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها - صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين))(٤) . وقوله : ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) حكاية لأقوالهم الدالة على طغيانهم وفجورهم . أى: أن هؤلاء لم يكتفوا بالإعراض عن دعوة الحق، بل قالوا لرسولهم - مط هر - الذى حذرهم من عذاب الله إذا ما استمروا فى كفرهم : متى يقع علينا هذا العذاب الأليم الذى تهددنا ؟ إننا نتعجله فأت به إن كنت أنت وأصحابك من الصادقين فى دعواكم أن هناك عذابا ينتظرنا . وهذا القول منهم يدل على توغلهم فى الكفر والجحود ، وعدم اكتراثهم بما يخبرهم به الرسول - 3 195 - . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٣٩ . ( ٢) سورة الرعد الآية ٤٠ . ( ٣) سورة غافر الآية ٧٧ . (٤) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤١٩.