Indexed OCR Text
Pages 1-20
البَقَسْبُ الوَسِطِ لِلِقُرآزُ الْكْرِيمِ تفسير سورة هود سورة يونس سورة الرعد سورة يوسف سورة إبراهيم الدكتور محمد سيد طنطاوى مفتى جمهورية مصر العربية المجلد الاج دار المعارف مراجعة د. عبد الرحمن العَدَوى الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية الناشر : دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع. بِسْمِاللهِ الرَّحْنِ الرَّحِم رَبَّنَا فَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صدق الله العظيم ١٢٧ بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنّ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته الى يوم الدين . وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة (( يونس )) - عليه السلام - حاولت فيه أن أكشف عن بعض ما اشتملت عليه السورة الكريمة من توجيهات سامية وآداب عالية ، وهدايات جامعة ، وإرشادات حكيمة ، وحجج باهرة ، تقذف حقها على باطل الضالين فتدمغه فإذا هو زاهق .. وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ فى تفسيرها أن أسوق كلمة بين يديها ، تكون بمثابة التعريف بها ، وبمقاصدها الإجمالية . وأحمد الله - تعالى - أجزل الحمد وأوفاه ، أن وفقنى قبل ذلك لتفسير سور : الفاتحة ، البقرة ، آل عمران ، النساء، المائدة ، الأنعام، الأعراف ، الأنفال ، التوبة)) ... والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ، إنه أكرم مسئول ، وأعظم مأمول . وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تحريرا فى ١٧ من المحرم سنة ١٤٠٠ هـ الموافق ٧ من ديسمبر سنة ١٩٧٩ م المؤلف د. محمد سيد طنطاوى ٧ مقدمة تمهيد بين يدى السورة ١ - سورة يونس - عليه السلام - هى السورة العاشرة فى ترتيب المصحف ، فقد سبقتها سور: ((الفاتحة ، البقرة ، آل عمران، النساء ، المائدة ، الأنعام ، الأعراف، الأنفال ، التوبة )) . ٢ - وكان نزولها بعد سورة («الإسراء)). ٣ - وعدد آياتها: تسع ومائة آية عند الجمهور . وفى المصحف الشامى مائة وعشر آيات . ٤- وسميت بهذا الاسم تكريما ليونس - عليه السلام - ولقومه الذين آمنوا به واتبعوه قبل أن ينزل بهم العذاب ، وفى ذلك تقول السورة الكريمة : ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾(١) . ٥ - وسورة يونس من السور المكية ، وعلى هذا سار المحققون من العلماء . وقيل إنها مكية سوى الآية الأربعين منها وهى قوله - تعالى - ﴿ ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ) والآيتين الرابعة والتسعين ، والخامسة والتسعين وهما قوله - تعالى -: ﴿ فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك ، فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ، لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ، ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين قال صاحب المنار: وقال السيوطى فى الإتقان : استثنى منها الآيات ٤٠، ٩٤، ٩٥، فقيل إنها مدنية نزلت فى اليهود . وقيل : من أولها إلى رأس أربعين آية مكى ، والباقى مدنى ، حكاه ابن الفرس والسخاوى فى جمال القراء. ثم قال صاحب المنار: وأقول إن موضوع السورة لا يقبل هذا من جهة الدراية ، وهو مما لم تثبت به رواية ، وكون المراد بالذين يقرأون الكتاب فى الآية (٩٤) اليهود لا يقتضى أن تكون نزلت بالمدينة ، وبيان ذلك من وجهين : أحدهما : أن المراد بالشرطية فيها الفرض لا وقوع الشك حقيقة ، ولذلك قال الرسول : (١) الآية ٩٨. ٨ المجلد السابع - وَرَ - : ((لا أشك ولا أسأل))، وهو مرسل يؤيده قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن البصرى . وثانيهما : أن هذا المعنى نزل فى سورة مكية أخرى، كقوله - تعالى - فى سورة الإسراء : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بنى إسرائيل إذ جاءهم ﴾(١). وقوله - سبحانه - فى سورة الأنبياء: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾(٢). والذى تطمئن إليه النفس ، أن سورة يونس جميعها مكية ، كما قال المحققون من العلماء ، لأن الذين قالوا بوجود آية أو آيات مدنية فيها لم يأتوا برواية صحيحة تصلح مستندا لهم، ولأن السورة الكريمة من مطلعها إلى نهايتها تشاهد فيها سمات القرآن المكى واضحة جلية ، فهى تهتم بإثبات وحدانية الله، وبإثبات صدق النبى - 1 - وبإثبات أن هذا القرآن من عند اللّه ، وأن البعث حق ، وأن ما أورده المشركون من شبهات حول الدعوة الإسلامية ، قد تولت السورة الكريمة دحضه بأسلوب منطقى رصين .. والذى يطالع هذه السورة الكريمة يتدبر وخشوع ، يراها فى مطلعها تتحدث عن سمو القرآن الكريم فى هدايته وإحكامه، وعن موقف المشركين من النبى - ®ما18 - ودعوته ، وعن الأدلة على وحدانية الله وقدرته . قال - تعالى -: ﴿ الر. تلك آيات الكتاب الحكيم. أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ، أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ، قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ﴾ . ثم نراها فى الربع الثانى منها تصور بأسلوب حكيم طبيعة الإنسان فتقول ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسّه، كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ الآية ١٢ . ثم تحكى مصارع الظالمين، وأقوالهم الفاسدة ، ورد القرآن عليهم فتقول: ﴿ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ، وجاءتهم رسلهم بالبينات ، وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون وبعد أن تمضى السورة الكريمة فى دحض أقوال المشركين ، وفى بيان الطبائع البشرية ، نراها فى مطلع الربع الثالث . تصور لنا حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة الضالين ، فتقول : ( ١ ) الآية ١٠١ . ( ٢) الآية ٧ تفسير المنار جـ ١١ ص ١٤١ الطبعة الرابعة - مكتبة القاهرة . ٩ مقدمة ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم. للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من اللّه من عاصم ، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظله أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ثم تأمر السورة الكريمة النبى - 9 - أن يسأل المشركين بأسلوب توبيخى عمن يرزقهم فى السموات والأرض ، وعمن يبدأ الخلق ثم يعيده ، وعمن يهدى إلى الحق ، فتقول : ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ، ومن يخرج الحى من الميت ، ويخرج الميت من الحى ، ومن يدبر الأمر ، فسيقولون الله ، فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون وبعد أن تتحدى السورة الكريمة المشركين أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم . وتعلن عن عجزهم على رءوس الأشهاد ، تأخذ فى تسلية الرسول -* - وفى تصوير جانب من أحوالهم فى حياتهم وبعد مماتهم فتقول : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ، كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين . ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين . وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برىء مما تعملون .. ﴾ . ثم نراها فى الربع الرابع توجه نداء إلى الناس كافة تدعوهم فيه إلى الإقبال على ما جاء به الرسول - ﴿ه - من مواعظ فيها الشفاء لما فى الصدور، وفيها الهداية لما فى النفوس فتقول : يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ﴾ . ثم تسوق جانبا من مظاهر قدرة الله النافذة ، وعلمه المحيط بكل شىء ، فتقول: ﴿ وما تكون فى شأن وماتتلو منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة فى الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين ﴾ . وفى مطلع الربع الخامس منها تحكى لنا جانبا من قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ، وكيف أنه نصحهم ، وذكرهم بآيات الله، ولكنهم لم يستمعوا إليه ، فكانت عاقبتهم الإغراق بالطوفان قال - تعالى - : ١٠ المجلد السابع فكذبوه فنجيناه ومن معه فى الفلك وجعلناهم خلائف ، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ثم تحكى لنا جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ، ومن المحاورات، والمجادلات التى دارت بينهما، ومن الدعوات المستجابة التى توجه بها موسى إلى خالقه، فتقول : ﴿ وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك ، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم . قال قد أجيبت دعوتكا فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ﴾ . ثم نراها فى الربع السادس والأخير منها ، تحكى لنا ما قاله فرعون عندما أدركه الغرق ، كما تخبرنا عن النهاية الطيبة التى لقوم يونس - عليه السلام - بسبب إيمانهم ، ثم تسوق ألوانا من مظاهر قدرة الله ، ومن حكمه العادل بين عباده ، ومن رعايته لأوليائه ورسله فتقول : ﴿ ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا نتج المؤمنين ثم تختم السورة الكريمة بتوجيه نداء إلى الناس تبين لهم فيه أن من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ، وأن من ضل فإنما يضل عليها فتقول: ﴿ قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ، فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، وما أنا عليكم بوكيل. واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ﴾. تلك أهم المقاصد الإجمالية التى اشتملت عليها السورة الكريمة ، ومنها نرى بوضوح أن السورة الكريمة قد عنيت عناية بارزة بإثبات وحدانية الله وقدرته النافذة ، وعلمه المحيط بكل شىء ، تارة عن طريق مخلوقاته التى يشاهدونها كما فى قوله - تعالى - : ﴿ هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ... ﴾ . وتارة عن طريق اعترافهم بأن الله وحده هو خالقهم ورازقهم ومدير أمرهم كما فى قوله - تعالى -: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض ، أم من يملك السمع والأبصار ، ومن يخرج الحى من الميت ، ويخرج الميت من الحى ، ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ﴾ . وتارة عن طريق لجوئهم إليه وحده لاسيما عند الشدائد والمحن ، كما حدث من فرعون عندما أدركه الغرق . كذلك نرى السورة الكريمة قد عنيت بدعوة الناس إلى التدبر والتفكر وإلى الاعتبار بمصارع الظالمين ، وإلى عدم التعلق بزخرف الحياة الدنيا .. ١١ مقدمة إن فى اختلاف الليل والنهار وما خلق الله فى السموات والأرض لآيات لقوم يتقون . إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، والذين هم عن آياتنا غافلون ، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون كذلك نرى السورة الكريمة قد اهتمت بالرد على الشبهات التى أثارها المشركون حول القرآن الكريم ، وحول البعث وما فيه من ثواب وعقاب ... فأثبتت أن هذا القرآن من عند الله ، وتحدتهم أن يأتوا بسورة من مثله فقالت : ﴿ أم يقولون افتراه ، قل فأتوا بسورة مثله ، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقین كما اثبتت أن يوم القيامة حق ، وأنهم لن ينجيهم من عذاب الله فى ذلك اليوم ندمهم أو ما يقدمونه من فداء فقالت: ﴿ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الأرض لافتدت به ، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ، وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ﴾ . هذا ، والسورة الكريمة بعد كل ذلك تمتاز بأنها قد عرضت ما عرضت من هدايات وتوجيهات بأسلوب بليغ مؤثر ، تقشعر منه الجلود ، وتلين منه القلوب ، وتخشع له النفوس .. مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم د . محمد سيد طنطاوى ١٠٠ ١٢ المجلد السابع التفسير قال الله - تعالى - : ◌ِاللَّهِ الرَّحْمَنِالرَّحِيَةِ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا الّرْتِلْكَءَايَتُ الْكِتَبِ الحَكِيمِ أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِ النَّاسَ وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَرَبِهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌمُبِينٌ سورة يونس من السور التى افتتحت ببعض حروف التهجى . وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين ، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة . فالسور التى افتتحت بحرف واحد ثلاثة ، وهى سورة : ص ، ق ، ن . والسور التى افتتحت بحرفين تسعة ، وهى : طه ، طس ، يس ، وحم فى ست سور ، هى : غافر ، فصلت ، الزخرف . الدخان ، الجاثية ، الأحقاف . والسور التى بدئت بثلاثة أحرف ، ثلاث عشرة سورة ، وهى : ألم فى ست سور هى : البقرة ، آل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة ، والر فى خمس سور هى : يونس ، هود ، يوسف ، إبراهيم ، الحجر ، وطسم فى سورتين هما : الشعراء ، القصص . وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الأعراف ، الرعد . وسورتان بدئتا بخمسة أحرف وهما : مريم ، والشورى . ١٣ سورة يونس فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة . هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين رئيسين : الرأى الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهى من المتشابه الذى استأثر اللّه بعلمه . وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى ، وسفيان الثورى ، وغيرهم من العلماء . فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال: إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور . ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها . وعن على - رضى الله عنه - قال: ((إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى)» وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه قال: ((سر اللّه فلا تطلبوه)). ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى ، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها . وقد أجيب عن ذلك ، بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإِفهام عنها عند كل الناس ، فالرسول. -* - كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل السور . أما الرأى الثانى فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه . وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى : ١ - أن هذه الحروف أسماء للسور، بدليل قول النبى - جملة - ((من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح)). وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة (( ص)) وسورة (( يس)). ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه . ١٤ المجلد السابع ٢ - وقيل: إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة ، وابتداء أخرى . ٣ - وقيل: إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته فمثلا ((ألم)) أصلها أنا الله أعلم. ٤ - وقيل: إنها اسم الله الأعظم ، إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال. والتى أوصلها السيوطى فى كتابه ((الإتقان)) إلى أكثر من عشرين قولا . ٥ - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها . فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة . وفضلا عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم ، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيترتب على ذلك أن يسمعوا حكما ، وهدايات قد تكون سببا فى إيمانهم . ولعل مما يشهد بصحة هذا الرأى : أن الآيات التى تلى هذه الحروف المقطعة ، تتحدث عن القرآن وعن كونه معجزة للرسول - * - فى أغلب المواضع . ومن ذلك قوله - تعالى - : فی أول سورة البقرة ﴿ ألم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين). وقوله سبحانه فى أول سورة هود: ﴿الر. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) وقوله - سبحانه - فى أول سورة إبراهيم: ﴿الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ﴾. وهكذا نرى أن كثيرا من السور التى افتتحت بالحروف المقطعة ، قد أعقبت هذا الافتتاح بالحديث الصريح أو الضمنى عن القرآن الكريم ، وأن هذه السور إذا تأملتها من أولها إلى آخرها ترى من أهدافها الاساسية إثبات وحدانية الله ، وإثبات صحة الرسالة المحمدية ، وإثبات أن هذا القرآن الذى هو معجزة الرسول الخالدة - منزل من عند الله - تعالى - . هذه خلاصة لآراء العلماء فى المراد بالحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب ((الإتقان)) للسيوطى ، وإلى كتاب ((البرهان)). للزركشى ، وإلى تفسير الآلوسى. ١٥ سورة يونس ثم قال - تعالى -: ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾. تلك ﴾ اسم إشارة والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن الكريم . ويندرج فيها آيات السورة التى معنا . والكتاب : مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب: ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط والمراد به القرآن الكريم على الصحيح . قال الآلوسى: ((وأما حمل الكتاب على الكتب التى خلت قبل القرآن من التوراة والانجيل وغيرهما ، كما أخرجه ابن أبى حاتم عن قتادة فهو فى غاية البعد(١))). والحكيم - بزنة فعيل - مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع . تقول حكمت الفرس أى وضعت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والنفور . والمقصود أن هذا الكتاب ممتنع عن الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف . قال الإمام الرازى ما ملخصه: ((وفى وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى اشتماله على الحكمة - فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر - ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله - تعالى - : ﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم والإحكام معناه المنع من الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا تغيره الدهور أو المراد منه براءته من الكذب والتناقض(٣))). والمعنى : تلك الآيات السامية ، والمنزلة عليك يا محمد ، هى آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية . وصحت الإشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها ، لأن الإشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - ◌َطي - بنزول القرآن عليه ، كما فى قوله : - تعالى -: ﴿إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا﴾ ووعد الله - تعالى - لا يتخلف . ثم بين - سبحانه - موقف المشركين من دعوته فقال: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ .. روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما بعث الله - تعالى - رسوله محمدا - ◌َليزر - (١) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٥٨ الطبعة المنيرية . (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٥ طبعة عبد الرحمن محمد سنة ١٣٥٧ هـ سنة ١٩٣٧ م. ١٦ المجلد السابع أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم ، وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد، فأنزل الله - تعالى -: ﴿ أكان للناس عجبا ... الآية﴾(١) والهمزة فى قوله (( أكان)) لإنكار تعجبهم ، ولتعجب السامعين منه لوقوعه فى غير موضعه . وقوله ﴿ للناس﴾ جار ومجرور حالا من قوله ﴿عجبا﴾ والمراد بهم مشركو مكة ومن لف لفهم فى إنكار ما جاء به النبي - * - . وقوله: ﴿عجباً﴾ خبر كان ، والعجب والتعجيب - استعظام أمر خفى سببه. وقوله: ﴿ أن أوحينا﴾ فى تأويل مصدر أى: إيجاؤنا، وهو اسم كان. والوحى: الإعلام فى خفاء، والمقصود به ما أوحاه الله - تعالى - إلى نبيه - * - من قرآن وغيره. وقوله : ﴿إلى رجل منهم﴾ أى إلى بشر من جنسهم يعرفهم ويعرفونه . وقوله : ﴿ أن أنذر الناس﴾ الإنذار إخبار معه تخويف فى مدة تتسع التحفظ من المخوف منه ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى - : والمراد بالناس هنا: جميع الذين يمكنه - * - أن يبلغهم دعوته . وقوله : ﴿وبشر الذين آمنوا﴾ البشارة: إخبار معه ما يسر فهو أخص من الخبر، سمى بذلك لأن أثره يظهر على البشرة التى هى ظاهر الجلد . وقوله : ﴿ أن لهم قدم صدق عند ربهم ﴾ أى أن لهم سابقة ومنزلة رفيعة عند ربهم. وأصل القدم العضو المخصوص . وأطلقت على السبق ، لكونها سببه وآلته ، فسمى المسبب باسم السبب من باب المجاز المرسل ، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد . وأصل الصدق أن يكون فى الأقوال ، ويستعمل أحيانا فى الأفعال فيقال : فلان صدق فى القتال ، إذا وفاه حقه ، فيعبر بصفة الصدق عن كل فعل فاضل . وإضافة القدم إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم : مسجد الجامع ، والأصل قدم صدق . أى محققة مقررة . وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق . ثم جعل الصدق كأنه صاحبها . ويجوز أن تكون إضافة القدم إلى الصدق من باب إضافة المسبب إلى السبب ، وفى ذلك (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٠٦ طبعة عيسى الحلبى. ١٧ سورة يونس تنبيه إلى أن ما نالوه من منازل رفيعة عند ربهم . إنما هو بسبب صدقهم فى أقوالهم وأفعالهم ونياتهم . قال الإِمام ابن جرير ما ملخصه : واختلف أهل التأويل فى معنى قوله : ﴿ قدم صدق ﴾ فقال بعضهم معناه : أن لهم أجرا حسنا بسبب ما قدموه من عمل صالح .. وقال آخرون معناه : أن لهم سابق صدق فى اللوح المحفوظ من السعادة . وقال آخرون : معنى ذلك أن محمدا - ◌َز - شفيع لهم. ثم قال : وأولى هذه الاقوال عندى بالصواب قول من قال معناه : أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستحقون بها منه الثواب ، وذلك أنه محكى عن العرب قولهم: هؤلاء أهل القدم فى الإِسلام . أى هؤلاء الذين قدموا فيه خيرا ، فكان لهم فيه تقديم . ويقال : لفلان عندی قدم صدق وقدم سوء ، وذلك بسبب ما قدم إليه من خير أو شر ، ومنه قول حسان بن ثابت - رضى الله عنه - : لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا فى طاعة الله تابع (١) ومعنى الآية الكريمة : أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركى مكة ومن على شاكلتهم ، أن كان إيجاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكى يبلغهم الدين الحق ، أمرا عجبا ، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه - * - حتى لكأن النبوة فى زعمهم تتنافى مع البشرية . إن الذى يدعو الى العجب حقا هو ما تعجبوا منه ، لأن الله - تعالى - اقتضت حكمته أن يجعل رسله الى الناس من البشر ، لأن كل جنس يأنس لجنسه ، وينفر من غيره ، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته . قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: فما معنى اللام فى قوله ﴿ أكان للناس عجبا ﴾ وما الفرق بينه وبين قولك : كان عند الناس عجبا ؟ قلت : معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها . ونصبوه علم لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم. وليس فى (( عند الناس )) هذ المعنى . والذى تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر . وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم ، فقد كانوا يقولون: العجب أن اللّه لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبى طالب . وأن يذكر لهم البعث. وينذر بالنار ويبشر بالجنة . وكل واحد من هذه الأمور ليس (١) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ٥٨ . طبعة دار المعرفة ببيروت . ١٨ المجلد السابع بعجب ، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشرا مثلهم . وقال الله - تعالى -: ﴿ قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من . السماء ملكا رسولا ﴾(١) . وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب - أيضا - لأن الله - تعالى - إنما يختار من استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما اختير له من النبوة . والغنى والتقدم فى الدنيا ليس من تلك الأسباب فى شىء قال - تعالى -: ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا (٢) زلفی والبعث للجزاء على الخير والشر . هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجبا إنما العجب والمنكر فى العقول، تعطيل الجزاء(٣). وقدم - سبحانه - خبر كان وهو ﴿ عجبا﴾ على اسمها وهو ﴿ أن أوحينا﴾. لأن المقصود بالإِنكار فى الآية إنما هو تعجبهم ودهشتهم من أن يكون الرسول بشراً . وقدم - سبحانه - الإنذار على التبشير ، لأن التخلية مقدمة على التحلية، وإزالة مالا ينبغى مقدم فى الرتبة على فعل ما ينبغى . ولم يذكر المنذر به ، لتهويله وتعميمه حتى يزداد خوفهم وإقبالهم على الدين الحق ، الذى يؤدى اتباعه إلى النجاة من العذاب . وخص التبشير بالمؤمنين لأنهم وحدهم المستحقون له، بخلاف الإنذار فإنه يشمل المؤمن والكافر . ولذا قال - سبحانه - ﴿ أن أنذر الناس ﴾ أى جميع الناس. وذكر - سبحانه - فى جانب التبشير المبشر به - وهو حصولهم على المنزلة الرفيعة عند ربهم - لكى تقوى رغبتهم فى طاعته . ومحبتهم لعبادته ، وبذلك ينالون ما بشرهم به . ثم وضح - سبحانه - ما قاله الكافرون عند مجىء الرسول - * - بدعوته فقال : قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ﴾ . أى: قال الكافرون المتعجبون من أن يكون - * - رسولا إليهم، إن هذا الإنسان الذى يدعى النبوة لساحر بيِّن السحر واضحه . حيث إنه استطاع بقوة تأثيره فى النفوس أن يفرق بين الابن وأبيه ، والأخ وأخيه . (١) سورة الإسراء الآية ٩٥ . (٢) سورة ((سبأ)» الآية ٣٧ . (٣) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٢٤. طبعة مصطفى الحلبى. ١٩ سورة يونس وعلى هذه القراءة التى وردت عن ابن كثير والكوفيين تكون الإِشارة إلى الرسول .- - وقرأ الباقون: ﴿إن هذا لسحر مبين﴾ أى: إن هذا القرآن لسحر واضح، لأنه خارق للعادة فى جذبه النفوس إلى الإيمان بما جاء به محمد - زا را * - . قال أبو حيان ما ملخصه: (( ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحرا ظاهر الفساد ، لم يحتج إلى جواب ، لأنهم يعلمون نشأته معهم بمكة ، وخلطتهم له ، - وأنه لا علم له بالسحر - وقد أتاهم بعد بعثته بكتاب إلّى مشتمل على مصالح الدنيا والآخرة مع الفصاحة والبلاغة التى أعجزتهم .. وقولهم هذا؛ هو دين الكفرة مع أنبيائهم . فقد قال فرعون وقومه فى موسى - عليه السلام - ﴿ إن هذا لساحر عليم﴾ وقال قوم عيسى فيه عندما جاءهم بالبينات ﴿ هذا سحر مبين ﴾ ودعوى السحر إنما هى على سبيل العناد والجحد))(١). وقال الآلوسى ((وفى قولهم هذا اعتراف منهم بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر ، نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ، ولكنهم يسمونه سحرا تماديا فى العناد ، كما هو شنشنة المكابر اللجوج، وشنشنة المفحم المحجوج)) (٣). وجاءت الجملة الكريمة بدون حرف عطف ، لكونها استئنافا مبنيا على سؤال مقدر ، فكأنه قيل : فماذا قالوا بعد هذا التعجب ؟ فكان الجواب : ﴿قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ﴾ . ويرى الامام ابن جرير أن الآية فيها كلام محذوف ، فقد قال : - رحمه الله -: «وفى الكلام حذف استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره ، وتأويل الكلام : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ، فلما أتاهم بوحى الله وتلاه عليهم وبشرهم وأنذرهم قال المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله إن هذا الذى جاءنا به محمد - وَ طير - لسحر مبين))(٣). وقد اشتملت جملة ﴿إن هذا لساحر مبين﴾ على جملة من المؤكدات، للإشارة إلى رسوخهم فى الكفر، وإلى أنهم مع وضوح الأدلة على صدق الرسول - وَله - لم يزدادوا إلا جحودا وعنادا ، وصدق الله إذ يقول: ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (١) تفسير البحر المحيط لأبى حيان جـ ٥ ص ١٢٣ - طبعة مطبعة السعادة سنة ١٣٣٨ هـ. (٢) تفسير الآلوسى جـ ١١ ص ٦٣. (٣) تفسير ابن جرير جـ ١١ ص ٦٠ طبعة بولاق سنة ١٣٢٧ هـ. ٢٠ المجلد السابع : ثم ساق - سبحانه - من مظاهر قدرته ، ما يبطل تعجبهم فقال - تعالى - : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُاْأَمْرَّمَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنَّهِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ حَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ. يَبْدَؤُ أ ◌ْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوْيَكْفُرُونَ﴾ ٤ قال الإمام الرازى ما ملخصه: (( اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحى والبعثة والرسالة ثم إنه - تعالى - أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد ألبتة فى أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم وينذرهم .. كان هذا الجواب إنما يتم بإثبات أمرين : أحدهما : إثبات أن لهذا العالم إلها قاهرا قادرا ، نافذ الحكم بالأمر والنهى . والثانى : إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما . فلا جرم أنه - سبحانه - ذكر فى هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين . أما الأول : وهو إثبات الألوهية فيقوله - تعالى: ﴿إن ربكم اللّه الذى خلق السموات والأرض ... ﴾ . وأما الثانى: فهو إثبات المعاد والحشر والنشر بقوله: ﴿إليه مرجعكم جميعا ... ﴾. فثبت أن هذا الترتيب فى غاية الحسن، ونهاية الكمال)) (١). والمعنى : إن ربكم ومالك أمركم - الذى عجبتم من أن يرسل إليكم رسولا منكم هو الله الذى خلق السموات والأرض فى مقدار ستة أيام أى أوقات . ( ١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٧ ص ٨.