Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة التوبة لذلك. والرأفة عبارة عن السعى فى إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعى فى إيصال النفع ، (١) . وقال القرطبى: قوله ((ثم تاب عليهم)) قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ؛ وتلك سنة الحق - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ووطنوا أنفسهم على الهلاك ، أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم . قال الشاعر : يرتجى منه بعض ما منك أرجو منك أرجو ولست أعرف ربا ض على الخلق فاستغاثوا وعجوا وإذا اشتدت الشدائد فى الأر ع، وصروا على الذنوب ولجوا وابتليت العباد بالخوف والجو فتيقنت أننى بك أنجو لم يكن لى سواك ربى ملاذ وكما تقبل الله - تعالى - توبة المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا رسولهم - 11 - فى ساعة العسرة .. فقد تقبل توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن الاشتراك فى غزوة تبوك ، فقال - تعالى - : وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُواْأَنْ لََّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّاللَّهَ هُوَالنَّوَابُ ١١٨ الرَّحِيمُ هذه الآية الكريمة معطوفة على الآية السابقة لها . والمعنى : لقد تقبل الله - تعالى - بفضله وإحسانه توبة النبى والمهاجرين والأنصار ، وتقبل كذلك توبة الثلاثة الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كسلا وحبا للراحة ، والذين سبق أن أرجأ اللّه حكمه فيهم بقوله ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم .. ﴾ (٢). وقوله: ﴿ حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٢٥. ( ٢) راجع تفسير الآية رقم ١٠٦ من هذه السورة ص ٣٩٩ . ٤٢٢ المجلد السادس لا ملجأ من اللّه إلا إليه ) كناية عن شدة تحيرهم، وكثرة حزنهم، واستسلامهم لحكم الله فیھم . أى : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض على سعتها ، بسبب إعراض الناس عنهم ، ومقاطعتهم لهم ، وضاقت عليهم أنفسهم ، بسبب الهم والغم الذى ملأها واعتقدوا أنهم لا ملجأ ولا مهرب لهم من حكم الله وقضائه إلا إليه . حتى إذا كان أمرهم كذلك ، جاءهم فرج الله ، حيث قبل توبتهم ، وغفر خطأهم وعفا عنهم . وقوله : ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا إن اللّه هو التواب الرحيم﴾ أى: بعد هذا التأديب الشديد لهم ، تقبل - سبحانه - توبتهم ، ليتوبوا إليه توبة صادقة نصوحا ، لا تكاسل معها بعد ذلك عن طاعة الله وطاعة رسوله ، إن الله - تعالى - هو الكثير القبول لتوبة التائبين ، وهو الواسع الرحمة بعباده المحسنين . هذا ، والمقصود بهؤلاء الثلاثة الذين خلفوا : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ؛ وكلهم من الأنصار . وقد ذكرت قصتهم فى الصحيحين وفى غيرهما من كتب السنة والسيرة ، وهاك خلاصة لها : قال الإِمام ابن كثير: روى الإِمام أحمد أن كعب بن مالك قال ، لم أتخلف عن رسول الله - ﴿ - فى غزة غزاها قط إلا فى تبوك. وكان من خبرى حين تخلفت عن رسول الله - * - فى غزوة تبوك. أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة . وغزا رسول الله - * - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، وتجهز لها المؤمنون معه ، فطفقت أغدو لكى أتجهز معهم . فأرجع ولم أقض من جهازى شيئاً .. فأقول لنفسى أنا قادر على ذلك إذا أردت .. ولم يزل ذلك شأنى حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، فهممت أن أرتحل فألحقهم - وليتنى فعلت - ولكن لم يقدر لى ذلك . ولم يذكرنى رسول الله - ﴿ - حتى بلغ تبوك فقال: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة : حبسه برداه والنظر فى عطفيه . فقال معاذ بن جبل : بئسما قلت . والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله - ﴿ - . قال كعب: فلما بلغنى أن رسول اللّه قد توجه قافلا من تبوك، حضرنى بثى ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا ؟ . ٤٢٣ سورة التوبة وعندما عاد الرسول -* - إلى المدينة جاءه المتخلفون ، فطفقوا يعتذرون إليه .. وجئت إليه فقال : تعال .. ما خلفك ؟ ! ألم تكن قد اشتريت ظهرا ؟ فقلت يا رسول اللّه ؛ إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر . والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كاذب ترضى به عنى ، ليوشكن الله أن يسخطك على . ولئن حدثتك بصدق تغضب على فيه، إنى لأرجو عقبى ذلك من الله - تعالى - والله ما كان لى من عذر . قال - ٣ - أما هذا فقد صدق . فقم حتى يقضى الله فيك . وكان هناك رجلان قد قالا مثل ما قلت هما مرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية . قال: ونهى رسول الله -﴿ - كلامنا ، فاعتزلنا الناس وتغيروا لنا .. ولبثنا على ذلك خمسين ليلة .. ثم أمرنا أن نعتزل نساءنا ففعلنا . قال : ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتها فبينا أنا على الحال التى ذكرها الله عنا ، قد ضاقت على نفسى .. سمعت صارخا يقول بأعلى صوته : أبشر يا كعب بن مالك . وذهبت إلى رسول الله - * - فقال: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قال : وأنزل الله - تعالى - ﴿ وعلى الثلاثة الذين خلفوا .. ) الآية. قال الإِمام ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث بتمامه : هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته ، وقد تضمن تفسير الآية بأحسن الوجوه وأبسطها)) (١) . وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد ذكرتا جانبا من فضل الله على عباده ، حيث قبل تو بتهم ، وغسل حو بتهم . إنه بهم رءوف رحيم . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتقوا الله حق تقاته وأن يكونوا مع الصادقين، وأوجب عليهم الغزو مع رسول الله - صلير - ووعدهم عليه بجزيل الثواب، وتوعد المتخلفين عنه بشديد العقاب فقال - تعالى - : يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم (١) راجع الحديث بتمامه فى تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٩٧ . ٤٢٤ المجلد السادس مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْبِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْنًا يَغِيظُ أَلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّ نَّيْلًا إِلََّ كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ١٢٠ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَّعُونَ " وَادِيًا إِلَّككُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ والمعنى : يا من آمنتم بالله واليوم الآخر .. اتقوا الله حق تقاته ، بأن تفعلوا ما كلفكم به. وتتركوا ما نهاكم عنه، ((وكونوا مع الصادقين)» فى دين الله نية وقولا وعملا وإخلاصا ؛ فإن الصدق ما وجد فى شىء إلا زانه ، وما وجد الكذب فى شىء إلا شانه . قال القرطبى : حق من فهم عن اللّه وعقل عنه؛ أن يلازم الصدق فى الأقوال والإِخلاص فى الأعمال ، والصفاء فى الأحوال ، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى ربنا الغفار . قال - - ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا)). والكذب على الضد من ذلك. قال - - ((إياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور یهدى إلى النار . وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتی یکتب عند الله كذابا)). فالكذب عار ، وأهله مسلوبو الشهادة، وقد رد -# - شهادة رجل فى كذبة كذبها . وسئل شريك بن عبد الله فقيل له : يا أبا عبد الله ، رجل سمعته يكذب متعمدا ، أصلى خلفه ؟ قال : لا (١). (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٩٢٨ . ٤٢٥ سورة التوبة ثم أوجب - سبحانه - على المؤمنين مصاحبة رسولهم - ◌َلهز - فى غزواته فقال : ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ... ﴾. والمراد بالنفى هنا النهى . أى : ليس لأهل المدينة أو لغيرهم من الأعراب سكان البادية الذين يسكنون فى ضواحى المدينة ، كقبائل مزينة وجهينة وأشجع وغفار . ليس لهؤلاء جميعا أن يتخلفوا عن رسول الله - * - إذا ما خرج للجهاد ، كما فعل بعضهم فى غزوة تبوك ، لأن هذا التخلف يتنافى مع الإِيمان بالله ورسوله . وليس لهم كذلك (( أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه)) أى ليس لهم أن يؤثروا أنفسهم بالراحة على نفسه ، بأن يتركوه يتعرض للآلام والأخطار . دون أن يشاركوه فى ذلك ، بل من الواجب عليهم أن يكونوا من حوله فى البأساء والضراء ، والعسر واليسر ؛ والمنشط والمكره . ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة الكريمة : أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء ، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط ، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه ، علما بأنها أعز نفس على اللّه وأكرمها ، فإذا تعرضت - مع كرامتها وعزتها - للخوض فى شدة وهول ، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت - أى تتساقط - فيما تعرضت له ، ولا يكترث لها أصحابها ، ولا يقيمون لها وزنا ، وتكون أخف شىء عليهم وأهونه ، فضلا عن أن يربأوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه . وهذا نهى بليغ ، مع تقبيح لأمرهم ، وتوبيخ لهم عليه ، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية)) (٢) . واسم الإشارة فى قوله: ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله .. ﴾ يعود على مادل عليه الكلام من وجوب مصاحبته وعدم التخلف عنه . أى: ذلك الذى كلفناهم به من وجوب مصاحبته - رول ز - والنهى عن التخلف عنه ، سببه أنهم ﴿ لا يصيبهم ظمأ﴾ أى عطش ﴿ولا نصب﴾ أى: تعب ومشقة ﴿ولا مخمصة﴾ أى : مجاعة شديدة تجعل البطون خامصة ضامرة ﴿فى سبيل الله﴾ أى: فى جهاد أعدائه وإعلاء كلمة الحق ﴿ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار) أى: ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بأرجلهم أو بحوافر خيولهم من أجل إغاظتهم وإزعاجهم .. ﴿ولا ينالون من عدونيلا﴾ أى: ولا يصيبون من عدو من أعدائهم إصابة كقتل أو أسر أو غنيمة. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٣٢١. ٤٢٦ المجلد السادس إنهم لا يفعلون شيئا ﴿ إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ أى: إلا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح ، ينالون بسببه الثواب الجزيل من الله ، لأنه - سبحانه - ﴿ لا يضيع أجر المحسنين ﴾ وإنما يكافئهم على إحسانهم بالأجر العظيم . وقوله : ﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة .. ﴾ معطوف على ما قبله. أى : وكذلك لا يتصدقون بصدقة صغيرة ، كالتمرة ونحوها ، ولا كبيرة كما فعل عثمان - رضى الله عنه - فى هذه الغزوة ، فقد تصدق بالكثير . ﴿ ولا يقطعون واديا﴾ من الوديان فى مسيرهم إلى عدوهم، أو فى رجوعهم عنه. لا يفعلون شيئا من ذلك أيضا ﴿ إلا كتب لهم﴾ أى: إلا كتب لهم ثوابه فى سجل حسناتهم . ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ أى: أمرهم بمصاحبة نبيهم فى كل غزواته، وكلفهم بتحمل مشاق الجهاد ومتاعبه . ليجزيهم على ذلك أحسن الجزاء وأعظمه ، فأنت ترى أن الله - تعالى - قد حرض المؤمنين على الجهاد فى هاتين الآيتين ، وبين لهم أن كل ما يلاقونه فى جهادهم من متاعب له ثوابه العظيم ، وما دام الأمر كذلك فعليهم أن يصاحبوا رسولهم - ◌َل - فى جميع غزواته ، لأن التخلف عنه لا يليق بالمؤمنين الصادقين ، فضلا عن أن هذا التخلف - بدون عذر شرعى - سيؤدى إلى الخسران فى الدنيا والآخرة . وبعد أن حرض الله - تعالى - المؤمنين على الجهاد فى سبيله ، وحذرهم من التخلف عن الخروج مع رسوله - وير - أتبع ذلك بالحديث عما يجب عليهم إذا لم تكن المصلحة تقتضى النفير العام ، فقال - تعالى - : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُ واْكَافَّةٌ. فَوْلَانَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَبِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ اُلِدِينِ وَلِيُنْذِرُ واْقَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ ١٢٢٣ قال الجمل: وسبب نزول هذه الآية أن النبى - صلير - لما بالغ فى الكشف عن عيوب المنافقين، وفضحهم فى تخلفهم عن غزوة تبوك . قال المسلمون: والله لا نتخلف عن رسول ٤٢٧ سورة التوبة الله - ◌َ﴾ -، ولا عن سرية بعثها، فلما قدم - 3 - المدينة من تبوك، وبعث السرايا، أراد المسلمون أن ينفروا جميعا للغزو وأن يتركوا النبى - وَ ل*ه - وحده فنزلت هذه الآية (١). والمعنى ، وما كان من شأن المؤمنين ، أن ينفروا جميعا فى كل سرية تخرج للجهاد ، ويتركوا الرسول - ﴿ - وحده بالمدينة، وإنما يجب عليهم النفير العام إذا ما دعاهم - وَطار - إلى ذلك . وقوله : ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ... ﴾ معطوف على كلام محذوف ، ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا . أى : فحين لم يكن هناك موجب لنفير الكافة ، فهلا نفر من كل فرقة من المؤمنين طائفة للجهاد، وتبقى طائفة أخرى منهم ((ليتفقهوا فى الدين)) أى : ليتعلموا أحكامه من رسولهم - ◌َّ - ((ولينذروا قومهم)) أى: وليعلموهم ويخبروهم بما أمروا به أو نهوا عنه ((إذا رجعوا إليهم)) من الغزو ((لعلهم يحذرون)) أى: لعل هؤلاء الراجعين إليهم من الغزو يحذرون ما نهوا عنه . أى : أن على المسلمين فى حالة عدم النفير العام ، أن يقسموا أنفسهم إلى قسمين . قسم يبقى مع الرسول - ◌َلي - ليتفقه فى دينه، وقسم آخر يخرج للجهاد فى سبيل الله، فإذا ما عاد المجاهدون، فعلى الباقين مع الرسول - عليه - أن يبلغوا العائدين ما حفظوه عن الرسول - وَل - من أحكام . وبذلك يجمع المسلمون بين المصلحتين : مصلحة الدفاع عن الدين بالحجة والبرهان ، ومصلحة الدفاع عنه بالسيف والسنان . وعلى هذا التفسير الذى سار عليه جمهور العلماء يكون الضمير فى قوله « ليتفقهوا ولينذروا)) يعود إلى الطائفة الباقية مع الرسول - زَالفيوم - أما الضمير فى قوله ((لعلهم يحذرون)) فيعود على الطائفة التى خرجت للجهاد ثم عادت . ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله ((ليتفقهوا، ولينذروا)» يعود على الطائفة التى خرجت للجهاد . وقد رجح هذا الاتجاه الإِمام ابن جرير فقال: وأما قوله (( ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)» فإن أولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : لتتفقه الطائفة (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٣٢٩ - بتصرف يسير. 1 ٤٢٨ المجلد السادس النافرة بما تعاين من نصر الله لأهل دينه ولأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به ، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإِسلام ، وظهوره على الأديان ، من لم يكن فقهه ، (( ولينذروا قومهم)) فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس اللّه، مثل الذى نزل بمن شاهدوا ، ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك، إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم ((لعلهم يحذرون )) أى : لعل قومهم إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك ، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله ، حذرا من أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم ... )) (١). وقد علق صاحب المنار على رأى ابن جرير هذا بقوله : وهذا تأويل متكلف ينبو عنه النظم الكريم ، فإن اعتبار طائفة السرية بما قد يحصل لها من النصر - وهو غير مضمون ولا مطرد - لا يسمى تفقها فى الدين ، وإن كان يدخل فى عموم معنى الفقه ، فإن التفقه هو التعلم الذى يكون بالتكلف والتدرج ، والمتبادر من الدين علمه ، ولا يصح هذا المعنى فى ذلك العهد إلا فى الذين يبقون مع النبى - صل38 - فيزدادون فى كل يوم علما وفقها بنزول القرآن ... )) (٢). هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية : وجوب طلب العلم ، والتفقه فى دين اللّه وتعليم الناس إياه . قال القرطبى : هذه الآية أصل فى وجوب طلب العلم ؛ لأن المعنى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة والنبى - ولي - مقيم لا ينفر فيتركوه وحده ((فلولا نفر)) بعدما علموا أن النفير لا يسع جميعهم ((من كل فرقة منهم طائفة)) وتبقى بقيتها مع النبى - وَلي - ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا ، فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوه وعلموه ، وفى هذا إيجاب التفقه، فى الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان .. )) (٣). ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن الجهاد فى سبيل الله، بدعوة المؤمنين إلى قتال أعدائهم بشدة وغلظة فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَارِ وَلَيَجِدُواْفِيكُمْ غِظَةٌ وَأَعْلَمُوا أَنَّاللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ ١٢٣ (١) تفسير ابن جرير جـ ١٤ ص ٥٧٣ - طبعة دار المعارف . (٢) تفسير المنار جـ ١١ ص ٨٠ . (٣) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٢٩٣ . ٤٢٩ سورة التوبة وقوله: ﴿ يلونكم﴾ من الولى بمعنى القرب ، تقول جلست مما يلى فلان أى : يقاربه. قال ابن كثير : أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا ، الأقرب فالأقرب ، إلى حوزة الإِسلام، ولهذا بدأ الرسول - ﴿ه - بقتال المشركين فى جزيرة العرب ، فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة واليمن .. وغير ذلك من أقاليم العرب ، دخل الناس من سائر أحياء العرب فى دين الله أفواجا ، شرع فى قتال أهل الكتاب ، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب ، وأولى الناس بالدعوة إلى الاسلام لأنهم أهل كتاب ، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس ، وجدب البلاد ، وضيق الحال ، ذلك سنة تسع من الهجرة ، ثم اشتغل فى السنة العاشرة بحجة الوداع ، ثم عاجلته المنية - صلوات الله وسلامه عليه - بعد حجة الوداع بأحد وثمانين يوما وسار خلفاؤه الراشدون من بعده على نهجه . وقوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ أى: وليجد الكفار منكم غلظة عليهم فى قتالكم ، فإن المؤمن الكامل هو الذى يكون رفيقا بأخيه المؤمن ، غليظا على عدوه الكافر . قال - تعالى -: ﴿ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾. وفى الحديث أن رسول الله - وَليه - قال: ((أنا الضحوك القتال)) يعنى: أنه ضحوك فى وجه وليه المؤمن ، قتال لهامة عدوه الكافر)) (١) . وقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين) تذييل قصد به حض المؤمنين على التسلح بسلاح الإِيمان والتقوى حتى ينالوا نصر الله وعونه . أى: واعلموا أن الله - تعالى - مع المتقين بنصره ومعونته، فاحرصوا على هذه الصفة ليستمر معكم نصره - سبحانه - وعونه . وإنما أمر الله - تعالى - المؤمنين أن يبدأوا قتالهم مع الأقرب فالأقرب من ديارهم ، لأن القتال شرع لتأمين الدعوة الإسلامية ، وقد كانت دعوة الإسلام موجهة إلى الأقرب فالأقرب ، فكان من الحكمة أن يبدأوا قتالهم مع المجاورين لهم حتى يأمنوا شرهم ، ولأنه من المعلوم أنه ليس فى طاقة المسلمين قتال جميع الكفار ، وغزو جميع البلاد فى زمان واحد ، فكان من قرب أولى ممن بعد . ثم ختمت السورة - أيضاً - حديثها الطويل المتنوع عن المنافقين ببيان موقفهم من نزول الآيات القرآنية على الرسول - * - (١ ) تفسير ابن كثير - بتصرف وتلخيص - جـ ٢ ص ٤٠١ . ٤٣٠ المجلد السادس فقال - تعالى - : وَإِذَامَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ. إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَ تْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضُ فَزَادَتُهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَا تُواْوَهُمْ كَفِرُونَ ﴿١) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِ كُلّ عَامٍ قَرَّةً أَوْمَرَّتَيْنِ أُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَاهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿)، وَإِذَامَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ هَلْ يَرَدَكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ أَنْصَرَ فُوْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧ والمعنى : وإذا ما أنزلت سورة من سور القرآن عليك يا محمد : تساءل المنافقون عنها فى حذر وريبة (( فمنهم من يقول)) لأشباهه فى الكفر والنفاق على سبيل الاستهزاء والتهوين من شأن القرآن الكريم ((أيكم زادته هذه إيمانا)) أى: أى واحد منكم زادته هذه السورة النازلة إيمانا ؟ وهنا يجىء الرد الحاسم الذى يخرس ألسنتهم ، من جهته - تعالى - فيقول: ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ﴾. أى: فأما الذين آمنوا فزادهم نزول السورة القرآنية ، إيمانا على إيمانهم ، وثباتا على ثباتهم، ويقينا على يقينهم، ((وهم)) فوق ذلك ((يستبشرون)) ويفرحون بنزولها لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية . هذا شأن المؤمنين بالنسبة لنزول السورة القرآنية ، وأما المنافقون ، فقد صور القرآن حالهم بقوله ﴿وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾. أى : وأما الذين فى قلوبهم شك ونفاق وارتياب ، فزادهم نزول السورة كفرا على كفرهم السابق . ٤٣١ سورة التوبة وسمى - سبحانه - الكفر رجسا ، لأنه أقبح الأشياء وأسوؤها . وقوله: ﴿ وماتوا وهم كافرون﴾ تذييل قصد به بيان سوء عاقبتهم فى الآخرة بعد بيان سوء أعمالهم فى الدنيا . أى : لقد قضى هؤلاء المنافقون حياتهم فى الكفر والفسوق والعصيان ، ثم لم يتوبوا عن ذلك ولم يرجعوا عنه ، بل ماتوا على الكفر والنفاق . وقوله : ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين .. ﴾ توبيخ لهم على قسوة قلوبهم ، وانطماس بصيرتهم ، وغفلتهم عما يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ . أى : أبلغ الجهل والسفه وعمى البصيرة بهؤلاء ، أنهم صاروا لا يعتبرون ولا يتعظون بما حاق من فتن واختبارات وابتلاءات ، تنزل بهم فى كل عام مرة أو مرتين ؟ ومن هذه الفتن والامتحانات: كشف مكرهم عن طريق إطلاع رسول الله - رَليزر - على ما يضمرونه من سوء ، وما يقولونه من منكر ، وما يفعلونه من أفعال خبيثة ، وحلول المصائب والأمراض بهم ، ومشاهدتهم لانتصار المؤمنين وخذلان الكافرين . قال الآلوسى : والمراد من المرة والمرتين - على ما صرح به بعضهم - مجرد التكثير ، لا بيان الوقوع على حسب العدد المذكور . وقوله: ﴿ ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون﴾ بيان لرسوخهم فى الجهل والجحود . أى: ثم بعد كل هذه الفتن النازلة بهم، لا يتوبون من نفاقهم ((ولا هم يذكرون)) ويتعظون ، بل يصرون على مسالكهم الخبيثة ، وأعمالهم القبيحة ، مع أن من شأن الفتن والمصائب والمحن ، أنها تحمل على الاعتبار والاتعاظ ، والرجوع عن طريق الشر إلى طريق الخير . ثم تصور السورة الكريمة تصويرا معجزا ، مشهدهم عندما تنزل السورة القرآنية على الرسول - وَل﴿ه - وهم حاضرون فى مجلسه فتقول: ﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ أو آيات منها ، على الرسول - وَّليه- وهم موجودون فى مجلسه ﴿نظر بعضهم إلى بعض﴾ فى ريبة ومكر ، وتغامزوا بعيونهم وجوارحهم فى لؤم وخسة ثم تساءلوا: ﴿هل يراكم من أحد﴾ أى: هل يراكم من أحد من المسلمين إذا ما قمتم من هذا المجلس ، قبل أن يتلو الرسول -* - هذه السورة أو الآيات التى قد تفضحكم وتكشف عما أسررتموه فيما بينكم . ﴿ ثم انصرفوا﴾ من مجلس الرسول - صل﴿ - متسللين فى حذر حتى لا يراهم أحد من المسلمين . ٤٣٢ المجلد السادس وقوله: ﴿ صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ذم لهم لإِيثارهم الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية . أى : صرف الله قلوبهم عن الهداية والرشاد ، بسبب أنهم قوم لا يفقهون مافيه خيرهم ونفعهم . وإنما يفقهون ما فيه شقاؤهم وتعاستهم . هذا ، وإن الناظر فى هذه الآيات الكريمة بتدبر وإمعان ، ليراها قد صورت أحوال المنافقين وأخلاقهم وحركاتهم تصويرا دقيقا معجزا ، حتى إنه ليخيل إلى القارىء لهذه الآيات الكريمة أو السامع لها ، أنه يشاهد المنافقين مشاهدة حسية وهم على تلك الحالة من التحرك المريب والنظرات الخبيثة، والخروج من مجلس النبى - 18 - فى حذر وريبة .. وهذا كله مما يشهد بأن هذا القرآن إنما هو من عند الله العليم بخفايا الصدور ، وبطوايا النفوس . ثم ختم - سبحانه سورة التوبة ، بآيتين كريمتين ، اشتملتا على أسمى النعوت ، وأكرم الصفات للرسول -* - فقال - تعالى - : لَقَدْ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿٦) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِى اللَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٢٩ وجمهور المفسرين على أن الخطاب فى قوله - سبحانه -: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ للعرب: فهو كقوله: ﴿ هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم﴾. أى: لقد جاءكم - يامعشر العرب - رسول كريم ((من أنفسكم)» أى : جنسكم ، ومن نسبكم ، فهو عربى مثلكم، فمن الواجب عليكم أن تؤمنوا به وتطيعوه . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ترغيب العرب فى الإِيمان بالنبى - 19 - وفى طاعته وتأييده ، فإن شرفهم قد تم بشرفه ، وعزهم بعزه ، وفخرهم بفخره ، وهم فى الوقت نفسه قد شهدوا له فى صباه بالصدق والأمانة والعفاف وطهارة النسب ، والأخلاق الحميدة . : ٤٣٣ سورة التوبة قال القرطبى: قوله (( من أنفسكم)) يقتضى مدحا لنسب النبى - ولي - وأنه من صميم العرب وخالصها، وفى صحيح مسلم عن وائلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله - اَلر - يقول: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قرش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم)) وعنه - وَلي - أنه قال: ((إنى من نكاح ولست من سفاح)) (١) . وقال الزجاج إن الخطاب فى الآية الكريمة لجميع البشر، لعموم بعثته - وَ لخير - ، ومعنى كونه - * - ((من أنفسكم)» أنه من جنس البشر. ويبدو لنا أن الرأى الأول ارجح؛ لأن الآية الكريمة ليست مسوقة لإِثبات رسالته - * - وعمومها ، وإنما هى مسوقة لبيان منته وفضله - سبحانه - على العرب ، حيث أرسل خاتم أنبيائه منهم ، فمن الواجب عليهم أن يؤمنوا به ، لأنه ليس غريبا عنهم ، وإذا لم يؤمنوا به تكون الحجة عليهم ألزم ، والعقوبة لهم أعظم . وقوله : ﴿ عزيز عليه ما عنتم ﴾ أى: شديد وشاق عليه عنتكم ومشقتكم، لكونه بعضا منكم ؛ فهو يخاف عليكم سوء العاقبة ، والوقوع فى العذاب . يقال: عزَّ عليه الأمر أى صعب وشق عليه ، والعنت المشقة والتعب ومنه قولهم : أكمة عنوت ، إذا كانت شاقة مهلكة ، والفعل عنت بوزن فرح . وقوله: ﴿ حريص عليكم﴾ أى: حريص على إيمانكم وهدايتكم وعزتكم وسعادتكم فى الدنيا والآخرة . والحرص على الشىء معناه : شدة الرغبة فى الحصول عليه وحفظه . وقوله: ((بالمؤمنين رءوف رحيم)) أى: شديد الرأفة والرحمة بكم - أيها المؤمنون - والرأفة عبارة عن السعى فى إزالة الضرر ، والرحمة عبارة عن السعى فى إيصال النفع، فهو - ﴿ - يسعى بشدة فى إيصال الخير والنفع للمؤمنين، وفى إزالة كل مكروه عنهم. قال بعضهم: لم يجمع الله - تعالى - لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبى - ﴿ - فإنه قال ((بالمؤمنين رءوف رحيم)) وقال عن ذاته - سبحانه - ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم ﴾ (٢). ثم انتقل - سبحانه - من خطاب المؤمنين إلى خطابه - * - فقال: ﴿فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو .. ﴾. (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٠١. ( ٢) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٠٢. ٤٣٤ المجلد السادس أى : فإن أعرضوا عن الإِيمان بك ، وتركوا طاعتك ، فلا تبتئس ولا تيأس ، بل قل ((حسبى الله)) أى: هو كافينى ونصيرى ((لا إله إلا هو)) - سبحانه - ((رب العرش العظيم)» الذى لا يعلم مقدار عظمته إلا الله - عز وجل - . ففى هاتين الآيتين الكريمتين بيان للصفات التى منحها - سبحانه - لرسوله محمد - صفر -، ودعوة له - ليزر - إلى أن يفوض أمره إلى خالقه فهو - سبحانه - كافيه وناصره . وبعد فهذه سورة التوبة . السورة التى احتوت على بيان الأحكام النهائية فى العلاقات الدائمة بين المجتمع الإِسلامى ، والمجتمعات الأخرى . السورة التى حرضت المؤمنين على الجهاد فى سبيل الله ، وساقت لهم من وسائل الترغيب فى ذلك ، ما يجعلهم يقدمون على قتال أعدائهم بصبر وثبات واستبشار . السورة التى أوجبت على المؤمنين أن تكون محبتهم لله ولرسوله، ولإعلاء كلمة الحق ، فوق محبة الآباء والأبناء والإِخوان والأزواج والعشيرة والأموال . السورة التى ذكرت المؤمنين بنصر الله لهم فى مواطن كثيرة ، وحذرتهم من الغرور بأنفسهم . والعجب بقوتهم ، وأمرتهم بنصرة رسوله فى السراء والضراء والعسر واليسر ، والمنشط والمكره . السورة التى أمرت المؤمنين بأن يخلصوا فى دفاعهم عن دين الله وعن حرماته وعن مقدساته . وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك ، فسوف يغنيهم الله من فضله . السورة التى فضحت المنافقين ، وكشفت عن أساليبهم الخبيثة ، ومسالكهم القبيحة ، وأقوالهم المنكرة ، وأفعالهم الأثيمة ، وسجلت عليهم الخزى والعار وحذرت المؤمنين من شرورهم ... السورة التى رسمت أسس التكافل الاجتماعى بين أفراد الأمة الإسلامية ، عن طريق مشروعية الزكاة ، ووجوب أدائها لمستحقيها . السورة التى ساقت ألوانا من فضل الله على عباده المؤمنين ، حيث تقبل سبحانه توبتهم ، وغسل حوبتهم ، وتجاوز عن خطئهم . ..- السورة التى صنفت المجتمع الإسلامى فى أواخر العهد النبوى تصنيفا دقيقا . -------- ٤٣٥ سورة التوبة فهناك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهناك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئاً . وهناك المرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم . وهناك الأعراب المنافقون ، وهناك الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة . وقد بينت السورة الكريمة ما يستحقه كل قسم من الأقسام من ثواب أو عقاب . السورة التى أوجبت على المؤمنين أن يقيموا علاقاتهم على أساس العقيدة الدينية لا على أساس القرابة الجسدية ، فنهتهم أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى . هذا جانب من المقاصد الإجمالية التى اشتملت عليها هذه السورة الكريمة ونسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ، وأنس نفوسنا ؛ وأن يرزقنا الإِخلاص والتوفيق فى القول والعمل . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د . محمد السيد طنطاوى مفتى جمهورية مصر العربية ٠ ٠٠ ٤٣٧ فهرس إجمالى لتفسير سورة الأنفال الآية المفسرة رقم الآية رقم الصفحة المقدمة. ٥ ٧ تمهيد بين يدى السورة ٢٣ ٢ الذين يقيمون الصلاة ٣ أولئك هم المؤمنون حقا ٣٧ کما أخرجك ربك ٥ ٣٩ ٧ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ٤٢ ليحق الحق ويبطل الباطل ٨ ٤٣ إذ تستغیتون ربکم ٩ ٤٨ وما جعله اله إلا بشرى ١٠ ٤٨ إذ یغشیکم النعاس ١١ ٥٢ إذ يوحى ربك إلى الملائكة ١٢ ٥٣ ١٣ ذلك بأنهم شاقوا الله ٥٤ ١٤ ذلكم فذوقوه ٦١ ومن یوهم يومئذ دیره ١٦ ٦٤ فلم تقتلوهم ولکن الآه قتلهم ١٧ ٦٦ ذلكم وأن الله موهن کید الكافرين ١٨ ١٩ ٦٩ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ٢٠ ٢١ ٧٠ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ٧٠ ٢٢ إن شر الدواب ٢٣ ولو علم الله فيهم خيرا ٧١ يأيها الذين آمنوا استجيبوا قه ٢٤ ٧٢ واتقوا فتنة ٢٥ ٧٥ واذکر وا إذ أنتم قليل ٢٦ ٧٨ يسألونك عن الأنفال ١ ٢٩ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ٣١ ٣٢ ٤ ٦ يجادلونك فى الحق ٤٠ ١٥ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ٦٠ ٦٧ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ٤٣٨ رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ٢٧ ٨٢ واعلموا أنما أموالكم ٢٨ ٢٩ يأيها الذين آمنوا إن تتقوا ٨٣ ٣٠ ٨٥ وإذ يمكر بك الذين كفروا ٣١ وإذا تتلى عليهم آياتنا ٨٨ ٣٢ وإذ قالوا اللهم ٨٩ ٣٣ ٣٤ وما كان الله ليعذبهم ٩١ ٣٥ وما كان صلاتهم عند البيت ٩٣ إن الذين كفروا ينفقون ٩٤ ليميز الله الخبيث من الطيب ٩٦ ٣٨ ٩٦ ٣٩ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ٩٧ وإن تولوا فاعلموا ٤٠ ٩٨ واعلموا أنما غنمتم ٤١ ١٠٥ ٤٣ إذ يريكهم الله فى منامك ١٠٨ ٤٤ وإذ یریکموهم إذ التقيتم ١١٠ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ٤٥ ١١٢ ٤٦ وأطيعوا الله ورسوله ١١٢ ٤٧ ولا تكونوا كالذين خرجوا ١١٤ ١١٦ ٤٨ وإذ زين لهم الشيطان ١٢٢ ٥٠ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ١٢٤ ٥١ ذلك بما قدمت أیدیکم ١٢٥ ٥٢ ١٢٧ ٥٣ ذلك بأن اللّه لم يك مغيرا کدأب آل فرعون ١٣٠ ١٣١ ١٣٢ ٥٦ الذین عاهدت منهم ١٣٤ فإما تثقفنهم فى الحرب ٥٧ ١٣٥ ٨٠ ومالهم ألا يعذبهم الله ٩٢ ٣٦ ٣٧ قل للذين كفروا إن ٩٩ إذ أنتم بالعدوة الدنيا ٤٢ ٤٩٠ إذ يقول المنافقون کداب آل فرعون ٥٤ إن شر الدواب عند الله ٥٥ ٤٣٩ رقم الصفحة وإما تخافن من قوم خيانة ٥٨ ١٣٧ ولا يحسبن الذين كفروا ٥٩ ١٣٨ وأعدوا لهم ما استطعتم ٦٠ ١٤٤ وإن جنحوا للسلم ٦١ وإن يريدوا أن يخدعوك ٦٢ ١٤٧ وألف بين قلوبهم ٦٣ ١٤٩ ٦٤ يأيها النبى حسبك الله ١٥١ يأيها النبى حرض المؤمنين ٦٥ ١٥٢ الآن خفف الله عنكم ١٥٤ ما كان لنبى أن يكون ١٥٨ لولا كتاب من الله سبق ٦٨ ١٦٠ ٦٩ ١٦١ يأيها النبي قل لمن ٧٠ ٧١ وإن يريدوا خيانتك ١٦٥ إن الذين آمنوا وهاجروا ٧٢ ١٦٨ ٧٣ والذين آمنوا وهاجروا ٧٤ ١٦٩ ١٦٩ والذين آمنوا من بعد ٧٥ الآية المفسرة رقم الآية ١٣٦ ١٤٨ ٦٦ ٦٧ فكلوا مما غنمتم ١٦٢ والذين كفروا بعضهم = ٤٤٠ فهرس إجمالى لتفسير آيات سورة التوبة الآية المفسرة رقم الآية رقم الصفحة مقدمة ١٧٦ تمهيد بين يدى السورة ١٧٧ ١ ١٩٤ ٢ فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر ١٩٧ ٣ وأذان من الله ورسوله ٢٠١ ٤ إلا الذين عاهدتم من المشركين ٢٠٣ ٥ فإذا انسلخ الأشهر الحرم ٢٠٥١ ٦ وإن أحد من المشركين استجارك ٢٠٨ ٧ كيف يكون للمشركين عهد ٢١٢ ٨ ٢١٤ کیف وإن یظهر وا علیکم ٩ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ٢١٧ لا یر قبون فی مؤمن ١٠ ٢١٧ فإن تابوا وأقاموا الصلاة ١١ ٢١٨ ألا تقاتلون قومًا نکٹوا ٢٢١ قاتلوهم یعذبهم الله بأیدیکم ٢٢٣ ٢٢٤ ويذهب غيظ قلوبهم ١٥ ١٦ أم حسبتم أن تتركوا ١٧ ١٨ إنما يعمر مساجد الله ١٩ أجعلتم سقاية الحاج ٢٣١ ٢٠ ٢٣٣ ٢١ يبشرهم ربهم برحمة منه ٢٣٤ ٢٢ خالدين فيها أبدا ٢٣٤ ٢٣ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم ٢٣٥ ٢٣٦ ٢٤ قل إن كان آباؤكم لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ٢٥ ٢٣٩ ثم أنزل الله سكينته على رسوله ٢٦ ٢٤٢ ثم يتوب الله من بعد ذلك ٢٧ ٢٤٢ ٢٢٥ ٢٢٦ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ٢٢٨ الذين آمنوا وهاجروا ١٣ ١٤ براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم