Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة الأنفال أى: ﴿وما تنفقوا﴾- أيها المؤمنون- ﴿من شىء) قل أو كثر هذا المنفق ﴿ فى سبيل الله﴾ أى فى وجوه الخيرات التى من أجَلَّها الجهاد لإعلاء كلمة الدين ﴿يوف إليكم﴾ أى: يصل إليكم عوضه فى الدنيا وأجره فى الآخرة ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ أى: لا تنقصون شيئاً من العوض أو الأجر . قالوا : والتعبير بالظلم - مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما - لبيان كمال نزاهته - سبحانه - عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه - تعالى - من القبائح، وإبراز الإثابة فى معرض الأمور الواجبة عليه - تعالى -)»(١). هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى : ١ - وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه ، لأن أعداء الإسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم ، وخافوا بأسهم ، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم . قال القرطبى : وقوله - تعالى - ﴿وأعدوا لهم). أمر الله المؤمنين بإعداد القوة للأعداء ، بعد أن أكد تقدمة التقوى . فإن الله - تعالى - لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل فى وجوههم، وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله - * - ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ ... )) (٢). وقال بعض العلماء : دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، اتقاء بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضارة الإسلام، كان الإِسلام عزيزًا ، عظيًا ، أبى الضيم ، قوى القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار . أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى النعيم والترف ، فأهملوا فرضًا من فروض الكفاية ، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض ، ولذا تعانى اليوم من غصته ما تعانى . وكيف لا يطمع العدو فى بلاد الإسلام ، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة ، وذخائر الحرب ، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو ؟ أما آن لها أن تتنبه من غفلتها ، فتعد العدة التى أمر الله بها لأعدائها ، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقى منها بخيله ورجله .. ؟ (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٢٥٤. (٢) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٥ . ١٤٢ المجلد السادس إن القوة التى طلب اللّه من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء ، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء . كإعداد الجيوش المدربة ، والأسلحة المتنوعة التى تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة . وما روى من تفسير القوة - التى وردت فى الآية - بالرمى ، فإنما هو على سبيل المثال ، ولأن الرمى كان فى ذلك الوقت أقوى ما يتقوى به (١) . قال الفخر الرازى عند تفسيره للآية ، والمراد بالقوة هنا ما يكون سببًّا لحصول القوة ، وذكروا فيه وجوها : الأول : المراد من القوة أنواع الأسلحة . الثانى: روى أنه - ﴿ - قرأ هذه الآية على المنبر وقال: ((ألا إن القوة الرمى)) قالها ثلاثًا . الثالث : قال بعضهم : القوة هى الحصون . الرابع : قال أصحاب المعانى : الأولى أن يقال : هذا عام فى كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة، وقوله - ◌َطير -: ((القوة هى الرمى)) لا ينفى كون غير الرمى معتبرًا. كما أن قوله - عطر - ((الحج عرفه)) ((والندم توبة)) لا ينفى اعتبار غيره . بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا هنا . وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل ، والسلاح ، وتعليم الفروسية ، والرمى فريضة إلا أنه من فروض الكفايات(٢). إن رباط الخيل للجهاد فى سبيل اللّه فضله عظيم ، وثوابه كبير ، فقد كانت الخيل هى خير ما عرف العرب من وسائل الانتقال فى الحرب وأسرعها ، وما زالت الخيل لها قيمتها فى بعض أنواع الحروب . قال القرطبى ، فإن قيل: إن قوله ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ﴾ كان يكفى، فلماذا خص الخيل بالذكر ؟. قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحرب وأوزارها (٣) التى عقد الخير فى نواصيها ، وهى (١) تفسير القاسمى جـ ٨ ص ٣٠٢٥. ( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٥ ص ١٨٥ المطبعة البهية . (٣) أوزار الحرب: أثقالها من آلة حرب وسلاح وغيره . ۔ ١٤٣ سورة الأنفال أقوى القوة ، وأشد العدة ، وحصون الفرسان ، وبها يجال فى الميدان ، لما كانت كذلك خصها بالذكر تشريفًا، وأقسم بغبارها تكريمًا، فقال: ((والعاديات ضبحا))(١). وقال الإِمام ابن العربى : وأما رباط الخيل فهو فضل عظيم ومنزلة شريفة . روى الأئمة عن أبى هريرة أن رسول الله - * - قال: ((الخيل ثلاثة ، لرجل ستر، ولرجل أجر ، وعلى رجل وزر. فأما الذى هى عليه وزر فرجل ربطها رياء وفخرًا ونواء لأهل الإِسلام - أى : مناوأة ومعاداة - فهى عليه وزر . وأما الذى هى عليه ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله فى ظهورها فهى عليه ستر . وأما الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل اللّه ، فأطال لها فى مرج أو روضة ، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شىء إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات .. )). وروى البخارى ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله - صل * - يلوى ناصية فرس بأصبعيه وهو يقول: ((الخير معقود فى نواصى الخيل إلى يوم القيامة))(٢). ٤ - أن المقصود من إعداد العدة فى الإِسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا فى الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين مطمئنين فى ديارهم ، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة اللّه إلى خلقه من الناس دون أن يخشوا أحدًا سواه - عز وجل .. وليس المقصود بإعداد العدة إرهاب المسالمين ، أو العدوان على الآمنين ، أو القهر والإذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله - تعالى - .. ولذلك وجدنا الآية صريحة فى بيان المقصود من هذا الإِعداد ، وهو - كما عبرت عنه ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ... ﴾. وهناك آيات أخرى صريحة فى بيان سبب مشروعية القتال فى الإِسلام ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ وقاتلوا فى سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾(٢). وقوله - تعالى -: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين اللّه ، فإن انتهوا (٤) فلا عدوان إلا على الظالمين (١) تفسير القرطبى جـ ٨ ص ٣٧ . (٢) أحكام القرآن - القسم الثانى ص ٨٦٢ لابن العربى. طبعة عيسى الحلبى . الطبعة الأولى سنة ١٩٥٧. (٣) سورة البقرة الآية ١٩٠ . ( ٤ ) سورة البقرة : الآية ١٩٣ . ١٤٤ المجلد السادس والخلاصة : أن من تتبع آيات القرآن الواردة فى القتال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال فى الإسلام ينحصر فى رد العدوان ، وحماية الدعوة الإسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة ، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان . ٥ - وجوب الإِنفاق فى سبيل الله، ومن أشرف وجوه الإنفاق فى سبيل الله أن يبذل المسلم ما يستطيع بذله فى الجهاد الذى هو ذروة سنام الإِسلام، والذى ما تركه قوم إلا ذلوا ... وألقوا بأنفسهم فى التهلكة . ولقد بشرت الآية الكريمة المنفقين فى سبيل الله ، بأنه - سبحانه - سيجازيهم على إنفاقهم جزاء وافيا لا نقص معه ولا ظلم . قال - تعالى - ﴿ وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ وفى الحديث الشريف الذى رواه الترمذى عن أبى يحيى قال: قال رسول الله - وَل -: ((من أنفق نفقة فى سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف))(١) . ثم أمر - تعالى - رسوله - ◌َ﴿ - بقبول السلم والمصالحة ، إذا ما رغب أعداؤه فى ذلك ، وكانت ظواهرهم وأفعالهم تدل على صدق نواياهم فقال - تعالى - : وَإِن جَنَحُواْ ٦١ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الّهِإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَ إِن يُرِيدُ وَ أْأَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِى أَيَدََ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٦)، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهُأَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزٌِ حَكِيمٌ ٦٣ وقوله ﴿ جنحوا﴾ من الجنوح بمعنى الميل، يقال: جنح فلان للشىء وإليه - يجنح - مثلث النون - جنوحًا . أى : مال إليه . (١) رياض الصالحين للإمام النووى ص ٤٨٩ طبعة عيسى الحلبى. ١٤٥ سورة الأنفال قال القرطبى: والجنوح : الميل . وجنح الرجل إلى الآخر: مال إليه . ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشوة - بضم الحاء وكسرها - أى : الأمعاه . وجنحت الإِبل : إذا مالت أعناقها فى السير قال ذو الرمة : إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنح (١) وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيص ((للسلم)) - بكسر السين - وقرأ الباقون بالفتح . وإنما قال ﴿ لها) لأن السلم مؤنثة - تأنيث نقيضها وهى الحرب .. ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة(٢). والمعنى : عليك - أيها الرسول الكريم - أن تنكل فى الحرب بأولئك الكافرين الناقضين لعهودهم فى كل مرة ، وأن تهيئ ما استطعت من قوة لإرهابهم فإن مالوا بعد ذلك إلى السلم﴾ أى : المسالمة والمصالحة فوافقهم ومل إليها ما دامت المصلحة فى هذه المسالمة. وقوله ﴿وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) معطوف على ﴿ فاجنح لها ﴾ لقصد التثبيت وبعث الطمأنينة فى قلبه . أى : اقبل المسالمة ما دام فيها مصلحتك ، وفوض أمرك إلى الله - تعالى - ولا تخش مكرهم وكيدهم وغدرهم، إنه - سبحانه - ﴿ هو السميع﴾ لأقوالهم ﴿ العليم ) بأحوالهم ، فيجازيهم بما يستحقون ، ويرد كيدهم فى نحورهم . وعبر - سبحانه - عن جنوحهم إلى السلم بحرف ﴿ إن ﴾ الذى يعبر به عن الشىء المشكوك فى وقوعه ، للإشارة إلى أنهم ليسوا أهلا لاختيار المسالمة أو المصالحة لذاتها ، وإنما هم جنحوا إليها لحاجة فى نفوسهم ، فعلى المؤمنين أن يكونوا دائمًا على حذر منهم ، وألا يأمنوا مكرهم . هذا وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذه الآية . فمنهم من يرى أن المعنى بها أهل الكتاب ، ومنهم من يرى أن الآية عامة ، أى تشمل أهل الكتاب والمشركين . ثم اختلفوا بعد ذلك فى كونها منسوخة أولاً ؟ وقد حكى ابن جرير معظم هذه الخلافات ورجح أن المقصود بهذه الآية جماعة من أهل الكتاب ، وأن الآية ليست منسوخة فقال ما ملخصه : عن قتادة أن قوله ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها .. ﴾ منسوخة بقوله فى سورة براءة (١) العيس: الإِبل البيض. والمراسيل: سهلة السير وجنح: مائلة صدورها إلى الأرض. ( ٢) تفسير القرطبى بتصرف يسير جـ ٨ ص ٣٩. ١٤٦ المجلد السادس فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾(١). وبقوله ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾(٢) فقد كانت هذه - أى الآية التى معنا وهى قوله - تعالى - ﴿وإن جنحوا للسلم ... ) - قبل براءة. كان النبى - * - يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم ، ثم نسخ ذلك بعد فى براءة فقال: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾. وعن عكرمة والحسن البصرى قالا: ﴿وإن جنحوا للسلم ... ﴾ نسختها الآية التى فى براءة وهى قوله - تعالى - ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... ﴾ (٣) الآية. ثم قال ابن جرير : فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل . لأن قوله ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها .. ﴾ إنما عنى به بنو قريظة - كما قال مجاهد - وكانوا يهودا أهل كتاب وقد أذن الله - جل ثناؤه - للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ، ومتاركتهم الحرب ، على أخذ الجزية منهم ، وأما قوله: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم .. ﴾ فإنما عنى به مشركو العرب من عبدة الأوثان ، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم ، فليس فى إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه .. (٤) . هذا ما يراه ابن جرير . أما ابن كثير فقد وافقه على أن الآية ليست منسوخة ، وخالفه فى أن المقصود بها بنو قريظة، فهو يرى أن الآية عامة فقد قال - رحمه الله - : قوله: ﴿وإن جنحوا﴾ أى: مالوا ﴿للسلم﴾ أى المسالمة والمصالحة والمهادنة فاجنح لها ﴾ أى : فمل إليها واقبل منهم ذلك . ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - * - تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر ... وقال مجاهد : نزلت فى بنى قريظة ، وهذا فيه نظر ، لأن السياق كله فى موقعة بدر ، وذكرها مکتنف لها كله . وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراسانى وعكرمة والحسن وقتادة : إن الآية منسوخة بآية السيف فى براءة ، وهى قوله - تعالى - ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من االذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ . (١) سورة براءة ((التوبة)) الآية ٥. (٢) سورة براءة ((التوبة)) الآية ٣٦. (٣) سورة براءة ((التوبة)) الآية ٢٩. (٤) تفسير ابن جرير جـ ١٠ ص ٣٤ . ١٤٧ سورة الأنفال وفيه نظر أيضًا ، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إذا كان العدو كثيفًا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة ﴿وإن جنحوا ... ﴾ وكما فعل النبى -* - يوم الحديبية. فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص .. ))(١). ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن كثير أرجح ، لأن الآية الكريمة تقرر مبدأ عامًا فى معاملة الأعداء ، وهو أنه من الجائز مهادنتهم ومسالمتهم ما دام ذلك فى مصلحة المسلمين . ولعل هذا هو ما قصده صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية -: ((والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإِمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم . وليس يحتم أن يقاتلوا أبدًا. أو يجابوا إلى الهدنة أبدًا))(٢). ثم أمن الله - تعالى - رسوله - وَ لجر - من خداع أعدائه، إن هم أرادوا خيانته، وبيتوا له الغدر من وراء الجنوح إلى السلم فقال - تعالى -: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك ، فإن حسبك الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾. أى: وإن يرد هؤلاء الأعداء الذين جنحوا إلى السلم فى الظاهر أن يخدعوك - يا محمد - لتكف عنهم حتى يستعدوا لمقاتلتك فلا تبال بخداعهم ، بل صالحهم مع ذلك إذا كان فى الصلح مصلحة للإسلام وأهله ، ولا تخف منهم ، فإن اللّه كافيك بنصره ومعونته ، فهو - سبحانه - الذى أمدك بما أمدك به من وسائل النصر الظاهرة والخافية ، وهو - سبحانه - الذى أيدك بالمؤمنين الذين هانت عليهم أنفسهم وأموالهم فى سبيل إعزاز هذا الدين ، وإعلاء كلمته .. فالآية الكريمة تشجيع للنبى - ﴿ - على السير فى طريق الصلح ما دام فيه مصلحة للإسلام وأهله ، وتبشير له بأن النصر سيكون له حتى ولو أراد الأعداء بإظهار الميل إلى السلم المخادعة والمراوغة . وقوله : ﴿ حسبك﴾ صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل . أى. بحسبك وكافيك . قال الفخر الرازى : فإن قيل : أليس قد قال - تعالى - ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم ... ﴾ أى: أظهر نقض ذلك العهد، وهذا يناقض ما ذكره فى هذه الآية ؟ قلنا : قوله : ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة ﴾ محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل فى قلوبهم نوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسالمة وترك المنازعة .. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٢. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٣٣ . ١٤٨ المجلد السادس فإن قيل : لما قال: ﴿هو الذى أيدك بنصره﴾ فأى حاجة مع نصره إلى المؤمنين حتى قال ؟ وبالمؤمنین قلنا : التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين : أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة والثانى ما يحصل بواسطة أسباب معلومة . فالأول هو المراد من قوله ﴿ أيدك بنصره ﴾ والثانى هو المراد من قوله: وبالمؤمنين ﴾(١) . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله فى كيفية تأييده لرسوله بالمؤمنين فقال - تعالى -: ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ﴾ . أى : أن من مظاهر فضل الله عليك يا محمد أن أيدك - سبحانه - بنصره وأن أيدك بالمؤمنين ، بأن حبب إليهم الإِيمان وزينه فى قلوبهم ، وجعل منهم قوة موحدة ، فصاروا بفضله - تعالى - كالنفس الواحدة ، بعد أن كانوا متنازعين متفرقين وأنت يا محمد ﴿ لو أنفقت ما فى الأرض جميعًا﴾ من الذهب والفضة وغيرهما ما استطعت أن تؤلف بين قلوبهم المتنافرة المتنازعة ﴿ولكن الله﴾ بفضله وقدرته هو وحده الذى ﴿ألف بينهم﴾ فصاروا إخوانًا متحابين متصافين ﴿ إنه﴾ - سبحانه - ﴿عزيز) أى: غالب فى ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن ﴿ حكيم ﴾ فى كل أفعاله وأحكامه .. وهذه الآية الكريمة يؤيدها التاريخ ، ويشهد بصدقها أحداثه ، فنحن نعلم أن العرب - وخصوصًا الأوس والخزرج - كانوا قبل الإِسلام فى حالة شديدة من التفرق والتخاصم والتنازع والتحارب .. فلما دخلوا فى الإِسلام تحول بغضهم إلى حب ، وتخاصمهم إلى مودة ، وتفرقهم إلى اتحاد ... وصاروا فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل ... ولقد أجاد صاحب الكشاف - رحمه الله - فى تصويره لهذه المعانى حيث قال: ((التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله - وي طير - من الآيات الباهرة ، لأن العرب - لما فيهم من الحمية والعصبية ، والانطواء على الضغينة .. - لا يكاد يأتلف منهم قلبان ، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله - ﴿ - واتحدوا، وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم ، وجمع من كلمتهم ، وأحدث بينهم من التحاب والتواد ، وأماط عنهم من التباغض ( ١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٥ ص ١٨٨ . ۔ ١٤٩ سورة الأنفال والتماقت ، وكلفهم من الحب ، فى الله والبغض فى اللّه، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب ، فهو يقلبها كيف يشاء ، ويصنع فيها ما يريد . قيل : هم الأوس والخزرج ، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم ، ودق جماجمهم . ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى . وبينهما التجاور الذى يهيج الضغائن ، ويديم التحاسد والتنافس . وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها ، وتكرهه وتنفر منه . فأنساهم الله - تعالى - ذلك كله ، حتى اتفقوا على الطاعة ، وتصافوا وصاروا أنصارًا، وعادوا أعوانًا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه، وبليغ قدرته))(١). هذا ، وفى الصحيحين أن رسول الله - * - لما خطب الأنصار فى شأن غنائم ((حنين)) قال لهم: يامعشر الأنصار !! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى ؛ وعالة فأغناكم الله بى ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ فكانوا يقولون كلما قال شيئًا: الله ورسوله أمن))(٣). وروى الحاكم أن ابن عباس كان يقول: إن الرحم لتقطع ، وإن النعمة لتنكر ، وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شىء . ثم يقرأ قوله - تعالى -: ﴿ لو أنفقت ما فى الأرض جميعًا، ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ... ﴾(٢). ثم مضت السورة الكريمة فى تثبيت الطمأنينة فى قلب النبى - 9 - وفى قلوب أصحابه ، فبينت لهم أن الله كافيهم وناصرهم ، وأن القلة منهم تغلب الكثرة من أعداء الله وأعدائهم فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَسْبُكَ ـاالنَّبِىُّ حَرِّضٍ د ٦٤ اَللَّهُ وَمَنْ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِنكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُواْأَلْفَّا مِنَ (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٣٣ . (٢) صحيح البخارى جـ ٥ ص ٢٠٠ من ((كتاب المغازى)) طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٩٤٥ وصحيح مسلم جـ ٣ ص ١٠٨ من ((كتاب الزكاة)). (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٣. ١٥ المجلد السادس الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴿ اَلْفَنَ خَفَفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفَا فَإِنِ يَكُن مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِيُواْ مِْتَنَيِّنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَِّينَ ﴾ قال الفخر الرازى : اعلم أنه - تعالى - لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء ، وعده بالنصر والظفر فى هذه الآية مطلقًا على جميع التقديرات ، وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار ؛ لأن المعنى فى الآية الأولى : إن أرادوا خداعك كفاك اللّه أمرهم . والمعنى فى هذه الآية عام فى كل ما يحتاج إليه فى الدين والدنيا . وهذه الآية نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل القتال ... )) (١). وقوله : ﴿ حسبك﴾ صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل، والكاف فى محل جر. والوار فى قوله ﴿ومن اتبعك) بمعنى مع، و﴿ من﴾ فى محل نصب عطفًا على الموضع، فإن قوله ﴿ حسبك ﴾ بمعنى كافيك فى جميع أمورك. والمعنى : يأيها النبى كافيك اللّه وكانفى متبعيك من المؤمنين فهو - سبحانه - ناصر كم ومؤيدكم على أعدائكم وإن كثر عددهم وقل عددكم ، وما دام الأمر كذلك ، فاعتمدوا عليه وحده ، وأطيعوه فى السر والعلن ؛ لكى يديم عليكم عونه وتأييده ونصره . قال بعض العلماء : قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية : أى: اللّه وحده كافيك وكافى أتباعك فلا يحتاجون معه إلى أحد . ثم قال : وههنا تقديران : أحدهما: أن تكون الواو عاطفة للفظ ((من)) على الكاف المجرورة .. والثانى: أن تكون الواو بمعنى ((مع)) وتكون ((من)) فى محل نصب عطفًا على الموضع ، فإن ((حسبك)) فى معنى كافيك أى: الله يكفيك ويكفى من اتبعك ، كما يقول العرب : حسبك وزيدا درهم ، قال الشاعر : وإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٥ ص ١٩١. طبعة عبد الرحمن محمد. ١٥١ سورة الأنفال وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث؛ أن تكون ((من)) فى موضع رفع بالابتداء: أى ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله . وفيها تقدير رابع وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون ((من)» فى موضع رفع عطفا على اسم الله . ويكون المعنى: حسبك اللّه وأتباعك . هذا وإن قال به بعض الناس فهو خطأ محض ، لا يجوز حمل الآية عليه ، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة ... )) (١). ثم أمر الله - تعالى - نبيه - * - بتحريض المؤمنين على القتال من أجل إعلاء كلمة الحق ، فقال - تعالى -: ﴿ يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال ... ﴾ وقوله : ﴿ حرض﴾ من التحريض بمعنى الحث على الشىء بكثرة التزيين له ، وتسهيل الأمر فيه حتى تقدم عليه النفس برغبة وحماس . قال الراغب : الحرض ما لا يعتد به ولا خير فيه ، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك حرض . قال - تعالى - ﴿ حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ﴾ .. والتحريض : الحث على الشىء .. فكأنه فى الأصل إزالة الحرض نحو حرضته وقذيته أى : أزلت عنه الحرض والقذى .. ))(٢). والمعنى : يأيها النبى بالغ فى حث المؤمنين وإحمائهم على القتال بصبر وجلد ، من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل . ولهذا كان رسول الله - ﴿ - يحرض أصحابه على القتال عند صفهم ومواجهة الأعداء كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون فى عددهم وعددهم: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)). فقال عمير بن الحمام : عرضها السموات والأرض ؟ فقال رسول اللّه: نعم. فقال عمير: بخ بخ، فقال - لي -: ((ما يحملك على قولك بخ بخ))؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال - - ((فإنك من أهلها)) فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن)) ثم ألقى بقيتهن من يده وقال : لئن أنا حبيت حتى آكلهن، إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل - رضى الله عنه -(٣). وقوله : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا ( ١) تفسير القاسمى جـ ٨ ص ٣٠٣٠. (٢) المفردات فى غريب القرآن ص ١١٣. (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٤. ١٥٢ المجلد السادس من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ بشارة من اللّه - تعالى - للمؤمنين ووعد لهم بالظفر على أعدائهم . أى : قابلوا - أيها المؤمنون أعداءكم بقوة وإقدام ، فإنكم إن يوجد منكم عشرون رجلاً صابرون يغلبوا - بسبب إيمانهم وصبرهم - مائتين من الكافرين ، وإن يوجد منكم مائة يغلبوا ألفًا منهم ، وذلك بسبب أن هؤلاء الكافرين قوم جهلة بحقوق الله - تعالى - وبما يجب عليهم نحوه . فهم - كما يقول صاحب الكشاف -: (( يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم)) فيقل ثباتهم . ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ، ويستحقون الخذلان . بخلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله - تعالى -)» (١) . وقال صاحب المنار : والآية تدل على أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين وأفقه منهم بكل علم وفن يتعلق بحياة البشر وإرتقاء الأمم . وأن حرمان الكفار من هذا العلم هو السبب فى كون المائة منهم دون العشرة من المؤمنين الصابرين ... وهكذا كان المؤمنون فى قرونهم الأولى .. أما الآن فقد أصبح المسلمون غافلين عن هذه المعانى الجليلة ، فزال مجدهم .. (٢) . ثم حكى - سبحانه - بعض مظاهر فضله على المؤمنين ورحمته بهم فقال: ﴿ الآن خفف اللّه عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله .. . وقوله ﴿ ضعفًا﴾ قرأه بعضهم بفتح الضاد ، وقرأه آخرون بضمها ، وهما بمعنى واحد عند الجمهور ، والمراد به الضعف فى البدن . وقيل الضعف - بالفتح - يكون فى الرأى والعقل ، وبالضم يكون فى البدن . والمعنى : لقد فرضنا عليكم - أيها المؤمنون - أول الأمر أن يثبت الواحد منكم أمام عشرة من الكافرين .. والآن وبعد أن شق عليكم الاستمرار على ذلك ، ولم تبق هناك ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عددكم .. شرعنا لكم التخفيف رحمة بكم ، ورعاية لأحوالكم ، فأوجبنا عليكم أن يثبت الواحد منكم أمام اثنين من أعدائكم بدلاً من عشرة ، وبشرناكم بأنه إن يوجد منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من أعدائكم ، وإن يوجد منكم ألف يغلبوا ألفين منهم بإذن الله وتيسيره وتأييده . (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٣٥ . (٢) تفسير المنار جـ ١٠ ص ٨٩ بتصريف وتلخيص. ١٥٣ سورة الأنفال وقوله : ﴿والله مع الصابرين) تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى: والله - تعالى - مع الصابرين بتأييده ورعايته ونصره ، فاحرصوا على أن تكونوا من المؤمنين الصادقين لتنالوا منه - سبحانه - ما يسعدكم فى دنياكم وآخرتكم . هذا ، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية قد نسخت الآية السابقة عليها ، ومنهم من يرى غير ذلك . قال الآلوسى : قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون .. ﴾ شرط فى معنى الأمر بمصابرة الواحد العشرة ، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا - بعون الله وتأييده - فالجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى . والمعنى : ليصبرن الواحد لعشرة ؛ وليست بخبر محض ... وقوله : ﴿ الآن خفف الله عنكم .. ) أخرج البخارى وغيره عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون .. ﴾ شق ذلك على المسلمين إذا فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف وهل يعد ذلك نسخا أوْلا؟ قولان: اختار بعضهم الثانى منها وقال : إن الآية مخففة ، ونظير ذلك التخفيف على المسافر بالفطر . وذهب الجمهور إلى الأول ، وقالوا : إن الآية الثانية ناسخة للأولى (١). وقال بعض العلماء: فرض الله على المؤمنين أول الأمر ألا يفر الواحد من المؤمنين من العشرة من الكفار ، وكان ذلك فى وسعهم ، فأعز الله بهم الدين على قلتهم ، وخذل بأيديهم المشركين على كثرتهم ، وكانت السرايا تهزم من المشركين أكثر من عشر أمثالها تأييدًا من الله لدينه . ولما شق على المؤمنين الاستمرار على ذلك ، وضعفوا عن تحمله ، ولم تبق ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عدد المسلمين ممن دخلوا فى دين الله أفواجًا نزل التخفيف ، ففرض على الواحد الثبات للاثنين من الكفار، ورخص له فى الفرار إذا كان العدو أكثر من اثنين . وهو رخصة كالفطر للمسافر ، وذهب الجمهور إلى أنه نسخ))(٣). وقال الشيخ القاسمى : إن قيل : إن كفاية عشرين لمائتين تغنى عن كفاية مائة لألف ، وكفاية مائة لمائتين تغنى عن كفاية ألف لألفين ، لما تقرر من وجوب ثبات الواحد للعشرة فى الأولى ، وثبات الواحد للاثنين فى الثانية فما سر هذا التكرير ؟ أجيب : بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على الكثير لزيادة التقرير المفيد لزيادة (١) تفسير الآلوسى جـ ١٠ ص ٣١ بتصريف وتلخيص. (٢) صفوة البيان لمعانى القرآن ص ٣٠٧ لفضيلة الأستاذ الشيخ حسنين مخلوف . ٠ ١٥٤ المجلد السادس الاطمئنان ، والدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت ، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين ، وتغلب المائة الألف، وأما الترتيب فى المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر على الترتيب الطبيعى . وقيل فى سر ذلك : إنه بشارة للمسلمين بأن جنود الإِسلام سيجاوز عددهم العشرات والمئات إلى الألوف . ثم قال : وقال فى البحر : انظر إلى فصاحة هذا الكلام ، حيث أثبت فى الشرطية الأولى قيد الصبر ، وحذف نظيره من الثانية ، وأثبت فى الثانية قيد كونهم من الكفرة ، وحذفه من الأولى ، ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت فى أولى جملتى التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه ، ثم ختمت بقوله: ﴿والله مع الصابرين) مبالغة فى شدة المطلوبية، وإشارة إلى تأييدهم، وأنهم منصورون حتماً، لأن من كان الله معه لا يغلب ... ))(١). وبعد هذا الحديث المستفيض عن القتال فى سبيل الله .. عقب - سبحانه - ذلك بالحديث عن بعض الأحكام التى تتعلق بالأسرى بمناسبة ما فعله الرسول - * - مع أسرى غزوة بدر من الكافرين ، فقال - تعالى - : مَا كَانَ لِنَبِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَأَسْرِىَ حَقَّ يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ لَوْلَا كِتَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْ ثُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ () فَكُلُواْمِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبًا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ، ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن ابن عباس قال: حدثنى عمر بن الخطاب: أنه لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلهو - إلى المشركين وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً ، فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لى ما وعدتنى . (١) تفسير القاسمى جـ ٨ ص ٣٠٣٩. ١٥٥ سورة الأنفال فقتل المسلمون من المشركين يومئذ سبعين وأسروا سبعين . قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - مَليزر - لأبى بكر وعمر : ما ترون فى هؤلاء الأسارى ؟ فقال أبو بكر : يارسول الله هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار فعسى أن يهديهم اللّه إلى الإِسلام . فقال رسول الله - * - ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت لا والله يا رسول الله، ما أرى الذى رأى أبو بكر ، ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه ، وتمكننى من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه، - حتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا هوادة للمشركين : فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده. فهوى رسول الله -* - ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت : فلما كان من الغد جئت ، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان ، فقلت : يارسول الله . أخبرنى من أى شىء تبكى أنت وصاحبك . فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبکائكما . فقال رسول الله - -: أبكى على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة ، لشجرة قريبة منه - - وأنزل الله - عز وجل - : ﴿ ما كان النبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض ... ﴾ إلخ الآيات(١). وروى الإمام أحمد والترمذى عن عبد الله بن مسعود قال : لما كان يوم بدر قال رسول الله - ٤ - «ما تقولون فى هؤلاء الأسارى)»؟ فقال أبو بكر: يارسول الله! قومك وأهلك استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم . وقال عمر : يارسول الله ! كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم . وقال عبد الله بن رواحة : يارسول الله ، أنت بواد كثير الحطب فأضرم الوادى عليهم نارًا ثم ألقهم فيه . قال: فسكت رسول الله - ول﴾ - فلم يرد شيئًا. ثم قال فدخل فقال ناس: يأخذ بقول . أبى بكر . وقال ناس : يأخذ بقول عمر . وقال ناس : يأخذ بقول ابن رواحة . ثم خرج عليهم رسول الله فقال: ((إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين ؛ ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر كمثل (١) صحيح مسلم جـ ٥ ص ١٥٦ من كتاب الجهاد والسير طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٩٦٠. ١٥٦ المجلد السادس إبراهيم إذ قال ﴿ فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم﴾(١) وكمثل عيسى إذ قال: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾(٢). وإن مثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾(٢)، وكمثل موسى إذ قال: ﴿ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ﴾(٤). ثم قال - ﴿ -: ((أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق)). قال ابن مسعود: فقلت يارسول ، إلا سهيل بن بيضاء ، فإنه يذكر الإِسلام ، فسكت رسول الله ثم قال: ((إلا سهيل بن بيضاء)). وأنزل الله - عز وجل - ﴿ ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض ... ﴾ إلى آخر الآية (٥) . وقال ابن إسحاق - وهو يحكى أخبار غزوة بدر - : فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله - صل﴿ - فى العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله - وَل - متوشحًا السيف، فى نفر من الأنصار يحرسون رسول اللّه، يخافون عليه الكرة . ورأى رسول الله - فيما ذكر لى - فى وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس ، فقال رسول الله - * - ((والله لكأنك ياسعد تكره ما يصنع القوم))؟ فقال: أجل والله يارسول الله : كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك ، فكان الإِثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال(٦). قوله: ﴿ أسرى): جمع أسير كقتلى جمع قتيل. وهو مأخوذ من الأسر بمعنى الشد بالإِسار أى : القيد الذى يقيد به حتى لا يهرب ، ثم صار لفظ الأسير يطلق على كل من يؤخذ من فئته فى الحرب ولو لم يشد بالإِسار . وقوله ﴿يثخن) من الثخانة وهى فى الأصل الغلظ والصلابة. يقال: ثخن الشىء يثخن ثخونة وثخانة وثخنًا ، أى : غلظ وصلب فهو ثخين ، ثم استعمل فى النكاية والمبالغة فى قتل العدو فقيل : أثخن فلان فى عدوه . أى : بالغ فى قتله وإنزال الجراحة الشديدة به ، لأنه بذلك يمنعه من الحركة فيصير كالثخين الذى لا يسيل ولا يتحرك . (١) سورة إبراهيم الآية ٣٦ . (٢) سورة المائدة الآية ١١٨. (٣) سورة نوح الآية ٢٦ . (٤) سورة يونس الآية ٨٨ . (٥) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٣٢٥ . ( ٦ ) الروض الأنف فى شرح السيرة النبوية لابن هشام جـ ٥ ص ١٠٦ . ١٥٧ سورة الأنفال والمراد بالنبى فى قوله ﴿ ما كان لنبى﴾: نبينا محمد - * - وإنما جىء باللفظ منكرًا تلطفًا به - ﴿ - حتى لا يواجه بالعتاب . والمعنى : ما صح وما استقام لنبى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿ أن يكون له أسرى﴾ من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شرًّا ﴿ حتى يثخن فى الأرض ﴾ أى: حتى يبالغ فى قتلهم ، وإنزاله الضربات الشديدة عليهم إذلالاً للكفر وإعزازا لدين الله . وقوله : ﴿ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) استئناف مسوق للعتاب. والعرض ؛ ما لا ثبات له ولا دوام من الأشياء ، فكأنها تعرض ثم تزول ، والمراد بعرض الدنيا هنا : الفداء الذى أخذوه من أسرى غزوة بدر حتى يطلقوا سراحهم . تريدون - أيها المؤمنون - بأخذكم الفداء من أعدائكم الأسرى عرض الدنيا ومتاعها الزائل ، وحطامها الذى لا ثبات له ، والله - تعالى - يريد لكم ثواب الآخرة . فالكلام فى قوله: ﴿ والله يريد الآخرة) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والإِرادة هنا بمعنى الرضا أى: والله - تعالى - يرضى لكم العمل الذى يجعلكم تظفرون بثوابه فى الآخرة ، وهو تفضيل إذلال الشرك على أخذ الفداء من أهله . وقوله: ﴿والله عزيز حكيم) أى: والله - تعالى - ﴿ عزيز) لا يغالب بل هو الغالب على أمره ﴿ حكيم﴾ فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه . فالآية الكريمة تعتب على المؤمنين ، لأنهم آثروا الفداء على القتل والإِثخان فى الأرض ، وذلك لأن غزوة بدر كانت أول معركة حاسمة بين الشرك والإِيمان ، وكان المسلمون فيها قلة والمشركون كثرة ، فلو أن المسلمين آثروا المبالغة فى إذلال أعدائهم عن طريق القتل لكان ذلك أدعى لكسر شوكة الشرك وأهله ، وأظهر فى إذلال قريش وحلفائها ، وأصرح فى بيان أن العمل على إعلاء كلمة الله كان عند المؤمنين فوق متع الدنيا وأعراضها ، وأنهم لا يوادون من حارب الله ورسوله مهما بلغت درجة قرابته ، وهذا ما عبر عنه عمر - رضى الله عنه - بقوله: ((وحتى يعلم الله أن ليس فى قلوبنا هوادة للمشركين)). والخلاصة أن غزوة بدر - بظروفها وملابساتها التى سبق أن أشرنا إليها - كان الأولى بالمسلمين فيها أن يبالغوا فى قتل أعدائهم لا أن يقبلوا منهم فداء حتى يذلوهم ويعجزوهم عن معاودة الكرة . ورضى الله - تعالى - عن «سعد بن معاذ)) فقد ظهرت الكراهية على وجهه بسبب أخذ الفداء من الأسرى، وقال - كما سبق أن بينا -: (( .. كانت غزوة بدر - أول وقعة أوقعها اللّه بأهل الشرك، فكان الإِثخان فى القتل أحب إلىّ من استبقاء الرجال)). ١٥٨ المجلد السادس قال الفخر الرازى : قال ابن عباس : هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوى سلطانهم أنزل الله بعد ذلك فى الأسارى ﴿ حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ﴾(١). ثم قال الرازى : وأقول : إن هذا الكلام يوهم أن قوله ﴿ فإما مَنّا بعد وإما فداء ﴾ يزيد على حكم الآية التى نحن فى تفسيرها : وليس الأمر كذلك ، لأن الآيتين متوافقتان ، فإن كلتيهما تدل على أنه لابد من تقديم الإِثخان ثم بعده أخذ الفداء)) (٢). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر رحمته بالمؤمنين : ﴿ لولا كتاب من اللّه سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ . والمراد بالكتاب هنا : الحكم ، وأطلق عليه كتاب لأن هذا الحكم مكتوب فى اللوح المحفوظ . والمفسرين أقوال فى تفسير هذا الحكم السابق فى علم الله - تعالى - : فمنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب المخطئِّ فى اجتهاده . وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال قوله : ﴿ لولا كتاب من اللّه سبق). أى: لولا حكم منه سبق إثباته فى اللوح المحفوظ، وهو أنه - سبحانه - لا يعاقب أحدًا بخطأ ، وكان هذا خطأ فى الاجتهاد ، لأنهم نظروا فى أن استبقاءهم ربما كان سببًا فى إسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد فى سبيل الله ، وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم، وأقل لشوكتهم .. )) (٣). ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب قومًا إلا بعد تقديم النهى عن الفعل ولم يتقدم نهى عن أخذ الفداء . ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذبهم ما دام رسول الله - صل * - بينهم . أو أنه - سبحانه - لا يعذب أحدًا ممن شهد بدرًا . وقد ساق الإِمام الرازى هذه الأقوال وناقشها ثم اختار أن المراد بالكتاب الذى سبق : هو حكمه - سبحانه - فى الأزل بالعفو عن هذه الواقعة ، لأنه كتب على نفسه الرحمة ، وسبقت رحمته غضبه . (١) سورة محمد - عليه السلام - الآية ٥ . ( ٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٣ ص ٢٠٢ . (٣) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٢٧ . ١٥٩ سورة الأنفال أما الإِمام ابن جرير فهو يرى : أن الآية خبر عام غير محصور على معنى دون معنى ، وأنه لا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى .. فقال : يقول الله - تعالى - لأهل بدر الذين أخذوا من الأسرى الفداء ﴿ لولا كتاب من اللّه سبق .. ﴾. أى : لولا قضاء من اللّه سبق لكم أهل بدر فى اللوح المحفوظ بأن الله يحل لكم الغنيمة، وأن الله قضى أنه لا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ، وأنه لا يعذب أحدًا شهد هذا المشهد الذى شهدتموه ببدر .. لولا كل ذلك لنالكم من اللّه بأخذكم الفداء عذاب عظيم ))(١) . ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - من أن الآية خبر عام يشمل كل هذه المعانى - أولى بالقبول ، لأنه لم يوجد نص صحيح عن النبى - طيور - يحدد تفسير المراد من هذا الكتاب السابق فى علمه - تعالى - . ٠٠ ولعل الحكمة فى هذا الإِبهام لتذهب الأفهام فيه إلى كل ما يحتمله اللفظ ، ويدل عليه المقام ، ولكى يعرفوا أن أخذهم الفداء كان ذنبًا يستحقون العقوبة عليه لولا أن الله - تعالى - قدر فى الأزل العفو عنهم بسبب وجود النبى - ◌َ ﴿ - فيهم ، ولأنهم قد أخطأوا فى اجتهادهم ، ولأنهم لم يتقدم لهم نهى عن ذلك ، ولأنهم قد شهدوا هذه الغزوة التى قال الرسول فى شأن من حضرها على لسان ربه - عز وجل -: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). فقد روى الشيخان وغيرهما أن رسول الله - * - قال لعمر فى قصة حاطب بن أبى بلتعة عند ما أخبر المشركين بأن الرسول سيغزوهم قبل فتح مكة وكان حاطب قد شهد بدرًا : ((وما يدريك لعل الله - تعالى - اطلع على أهل بدر وقال: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )) (٢) . والمعنى الإجمالى للآية الكريمة: ﴿ لولا كتاب من اللّه سبق﴾ أى: لولا حكم من الله - تعالى - سبق منه فى الأزل ألا يعذب المخطئ على اجتهاده أو ألا يعذب قومًا قبل تقديم البيان إليهم .. ولولا كل ذلك ﴿ لمسكم﴾ أى لأصابكم ﴿ فيما أخذتم﴾ أى بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به ﴿ عذاب عظيم﴾ لا يقادر قدره فى شدته وألمه . قال ابن جرير : قال ابن زيد : لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب ، جعل لا يلقى أسيرًا إلا ضرب عنقه وقال : يارسول الله مالنا ( ١ ) تفسير ابن جرير جـ ١٠ ص ٤٤ . (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٠ ص ٣٥ . ـط ٠ ١٦٠ المجلد السادس والغنائم ؟ نحن قوم نجاهد فى دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله - والخير -: ((لو عذبنا فى هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك)» .. وقال ابن اسحاق: لما نزلت ﴿ لولا كتاب من اللّه سبق ... ) الآية. قال رسول الله - * - «لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله: يانبى الله، كان الإِثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال))(١). وقال بعض العلماء : قال القاضى ، وفى الآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون ، وأنه قد يكون خطأ، ولكن لا يقرون عليه (٢). ثم زاد - سبحانه - المؤمنين فضلا ومنة فقال: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبًا، واتقوا الله إن الله غفور رحيم ﴾. قال الآلوسى روى أنه لما نزلت الآية الأولى ﴿ ما كان لنبى أن يكون له أسرى .. ﴾ كف الصحابة أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزلت هذه الآية . فالمراد بقوله ﴿ مما غنمتم﴾ إما الفدية وإما مطلق الغنائم، والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية ، وإلا فحل الغنيمة مما عداها علم سابقًا من قوله : ﴿ واعلموا أنما غنمتم ﴾ .. وقيل المراد بقوله: ﴿ مما غنمتم﴾ الغنائم من غير اندراج الفدية فيها، لأن القوم لما نزلت الآية الأولى امتنعوا عن الأكل والتصرف فيها تزهدًا منهم ، لا ظنًّا لحرمتها .. والفاء للعطف على سبب مقدر، أى قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم (٣) . والمعنى : لقد عفوت عنكم - أيها المؤمنون - فيما وقعتم فيه من تفضيلكم أخذ الفداء من الأسرى على قتلهم، وأبحث لكم الانتفاع بالغنائم فكلوا مما غنمتم من أعدائكم حلالا طيبًا ، أى لذيذًا هنيئًا لا شبهة فى أكله ولا ضرر (واتقوا الله﴾ فى كل أحوالكم بأن تخشوه وتراقبوه ﴿ إن الله غفور رحيم﴾ ولذا غفر لكم ما فرط منكم وأباح لكم ما أخذتموه من فداء . فسبحانه من إله واسع الرحمة والمغفرة ، لمن اتقاه وتاب إليه توبة صادقة . وقوله ﴿ حلالا﴾ حال من ((ما)) الموصولة فى قوله: ﴿ مما غنمتم﴾ أو صفة لمصدر محذوف ، أى : أكلاً حلالا . ووصف هذا المأمور بأكله بأنه حلال طيب ، تأكيدًا للإِباحة حتى يقبلوا على الأكل منه بدون (١) تفسير ابن جرير جـ ١٠ ص ٤٨ . ( ٢) تفسير القاسمى جـ ٨ ص ٣٩٣٩. (٣) تفسير الآلوسى جـ ١٠ ص ٣٦ .