Indexed OCR Text

Pages 1-20

البَقَسْبُ الوَسِطِ
لِلِقُرآن الكَرِيمِ
تفسير سورتى
الأنقال والتوبة
الدكور محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية
المجلد السادس
دار المعارف

مراجعة
د.عبد الرحمن العَدَوى
الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية
٠٠٠
الناشر : دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع.

١٢٧
بِسْمِاللّهِ الرّحمنِ الرَّحِم
رَبَّنَا فَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
صدق الله العظيم

.

٥
مقدمة
بِسْم اللهُ الرَّحْمَنّ الرَّحِيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن والاه
وبعد فهذا تفسير لسورة الأنفال أسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصًا لوجهه
ونافعًا لعباده إنه سميع مجيب .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
المؤلف
د . محمد سيد طنطاوى

..

٧
مقدمة
تمهيد بين يدى تفسير السورة '
١ - سورة الأنفال هى السورة الثامنة فى ترتيب المصحف ، فقد تقدمتها سورة الفاتحة
وهى مكية ، ثم جاءت بعد سورة الفاتحة أربع سور مدنية ، هن أطول السور المدنية فى القرآن
الكريم ، وهن سور: البقرة ، آل عمران ، النساء ، المائدة . ثم جاءت بعد هذه السور
الأربع سورتان مكيتان ، وهما أطول السور المكية فى القرآن ، سورتا : الأنعام والأعراف .
ثم جاءت سورة الأنفال بعد ذلك ، فكانت الثامنة فى ترتيب سور المصحف .
٢ - وعدد آياتها خمس وسبعون آية فى المصحف الكوفى، وست وسبعون فى الحجازى،
وسبع وسبعون فى الشامى .
٣ - وقد سميت سورة الأنفال بهذا الاسم ، لحديثها عن الأنفال أى الغنائم فى أكثر من
موضع .
وقد أطلق عليها بعض الصحابة سورة بدر ، فقد أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير أن
ابن عباس سئل عنها فقال : تلك سورة بدر (١).
. ٤ - وسورة الأنفال كلها مدنية ، وممن قال بذلك: زيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ،
. وعطاء بن أبى رياح والحسن ، وعكرمة .
قال صاحب المنار: وقيل إنها مدنية إلا آية ((٦٤)) وهى قوله - تعالى - : ﴿ يا أيها
النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) فقد روى البزار عن ابن عباس أنها نزلت لما أسلم
عمر بن الخطاب ، فعلى هذا وضعت فى سورة الأنفال وقرئت مع آياتها التى نزلت فى التحريض
على القتال فى غزوة بدر لمناسبتها للمقام ، وروى عن مقاتل استثناء قوله - تعالى - ﴿وإذ
يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك﴾ ... ((الآية ((٣٠))؛ لأن موضوعها ائتمار قريش
بالنبى - * - قبيل الهجرة، بل فى الليلة التى خرج فيها رسول الله - ويطلقو - مع صاحبه
أبى بكر بقصد الهجرة وباتا فى الغار ، وهذا استنباط من المعنى ، وهو استنباط يرده ما صح
عن ابن عباس من أن الآية نفسها نزلت فى المدينة .
وزاد بعضهم استثناء خمس آيات أخرى بعد هذه الآية ، وهى قوله - تعالى - : ﴿ وإذا
تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا﴾ .. إلى قوله: ﴿ بما كنتم تكفرون﴾ ((الآيات من
(١) تفسير الآلوسى جـ ٩ ص ١٥٧ .

٨
المجلد السادس
٣١ - ٣٥))؛ لأن موضوعها حال كفار قريش فى مكة ، وهذا لا يقتضى نزولها فى مكة ، بل
ذكَّر الله بها رسوله بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدنى)) (١) .
والذى ترتاح إليه النفس أن سورة الأنفال جميعها مدنية ، وأن ما فى بعض آياتها من
أوصافٍ لأحوال المشركين فى مكة قبل الهجرة لا يعنى كون هذه الآيات مكية ؛ لأن هذه
الآيات إنما هى من باب تذكير الرسول وأصحابه بما كان عليه أولئك القوم من عناد ومكابرة
وانحراف عن الطريق القويم ، أدى بهم إلى الهزيمة فى بدر وفى غيرها من المعارك التى كان
النصر فيها للمؤمنين .
٥ - وقد ذكر بعض المفسرين - ومنهم الزمخشرى - أن سورة الأنفال نزلت بعد سورة
البقرة ، ولعل مرادهم بذلك أن نزولها كان بعد نزول بعض الآيات من سورة البقرة ، لأنه من
المعروف أن سورة البقرة لم تنزل دفعة واحدة ، وإنما ابتدأ نزولها بعد الهجرة ، ثم امتد هذا
النزول لآياتها إلى قبيل وفاة الرسول - وَل - بمدة قصيرة .
٦ - قال الآلوسي : ووجه مناسبتها لسورة الأعراف أن سورة الأعراف فيها ﴿ خذ
العفو وأمر بالعرف ... ) وفى هذه - أى الأنفال - كثير من أفراد المأمور به ، وفى الأعراف
ذكر قصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مع أقوامهم، وفى هذه ذكره - اصل 9 - وذكر
ما جرى بينه وبين قومه .
وقد فصل - سبحانه - فى تلك - قصص آل فرعون وأضرابهم وما حل بهم وأجمل فى هذه
ذلك فقال: ﴿ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله
بذنوبهم ..
٠
وأشار هناك إلى سوء زعم الكفرة فى القرآن بقوله - تعالى -: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا
لولا اجتبيتها ... ﴾ وصرح بذلك هنا إذ يقول .. ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا
لو نشاء لقلنا ... ﴾ إلى غير ذلك من المناسبات .
ثم قال الآلوسى: ((والظاهر أن وضعها هنا توقيفى، وكذا وضع براءة بعدها، وإلى ذلك
ذهب غير واحد ... ))(٢) .
والحق أنه بمطالعتنا لما يقوله الآلوسى وغيره من المفسرين فى بيان وجه مناسبة السورة للتى
قبلها ، نرى أن هذه الأقوال لا تخلو من تكلف ، وأن كثيرًا مما ذكروه من مناسبات بين
سورتين معينتين لا يختص بها ، بل هو موجود فيهما وفى غيرهما .
( ١) تفسير المنار جـ ٩ ص ٥٣٧ - بتصرف يسير.
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٩ ص ١٥٨ بتصرف يسير.

٩
مقدمة
فالآلوسي - مثلاً - يجعل من وجوه مناسبة الأنفال للأعراف أن الأعراف فيها ﴿ وأمر
بالعرف ﴾. وأن الأنفال فيها كثير من أفراد المأمور به ..
وهذا المعنى نراه فى كثير من السور المتتالية ، فسورة آل عمران - مثلاً - من بين آياتها
قوله - تعالى -: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر .. ﴾(١).
وسورة النساء - التى بعدها - فيها - أيضًا - كثير من أفراد المأمور به ؛ لأن الأمر
بالمعروف من الدعائم التى يقوم عليها المجتمع الإِسلامى .
والذى تميل إليه النفس أن ترتيب السور توقيفى ، وأن كل سورة لها موضوعاتها التى نراها
بارزة بصورة تميزها عن غيرها .
٧ - وسورة الأنفال عندما نتأمل ما اشتملت عليه من آيات ، نراها تحدثنا - فى
مجموعها - عن غزوة بدر ، فتعرض أحداثها الظاهرة ، كما تعرض بشارات النصر فيها ،
وتكشف عن قدرة الله وتدبيره فى وقائع هذه الغزوة الحاسمة ، وتبين كثيرًا من الإِرشادات
والتشريعات الحربية التى يجب على المؤمنين اتباعها حتى ينالوا النجاح والفلاح .
أخرج البخارى عن ابن عباس أن سورة الأنفال نزلت فى بدر(٢):
( أ ) لقد افتتحت السورة الكريمة ببيان أن قسمة الأنفال ، أى الغنائم - مردها إلى الله
ورسوله ، وأن على المؤمنين أن يذعنوا لما يفعله فيها رسولهم - بَير - ثم وصفت المؤمنين
الصادقين أكمل وصف ، وبشرتهم بأسمى المنازل ، وأرفع الدرجات .
قال - تعالى -: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا
ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ، إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم
وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم
ينفقون . أولئك هم المؤمنون حقًا ، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ﴾.
( ب ) وبعد هذا الحديث الطيب عن أوصاف المؤمنين الصادقين ، تبدأ السورة فى الحديث
عن حال بعض الذين اشتركوا فى غزوة بدر ، وكيف أنهم كرهوا القتال فى أول الأمر ، لأنهم لم
يخرجوا من أجله وإنما خرجوا من أجل الحصول على التجارة التى قدم بها مشركوا قريش من
بلاد الشام لكن الله - تعالى - أراد أن يعلمهم وغيرهم أن الخير فيما قدره ، لا فيما يقدرون
ویر یدون .
( ١ ) الآية ١٠٤ .
(٢) صحيح البخارى. كتاب التفسير جـ ٦ ص ٧٧ طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٣٤٥ هـ .

١٠
المجلد السادس
استمع إلى السورة الكريمة بتأمل وتدبر وهى تصور هذه المعانى بأسلوبها البليغ المؤثر
فتقول .
كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون . يجادلونك فى الحق
بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ،
وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر
الكافرين . ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ﴾ .
(جـ) ثم تسوق السورة بعد ذلك ألوانًا من البشارات التى تُشعِر المؤمنين بأن الله -
تعالى - قد أجاب لهم دعاءهم ، وأنه - سبحانه - سيجعل النصر فى هذه المعركة حليفاً لهم .
ومن مظاهر هذه البشارات أن الله - تعالى - أمدهم بألف من الملائكة مردفين ، وأمدهم
بالنعاس ليكون مصدر طمأنينة لقلوبهم ، وأمدهم بمياه الأمطار ليتطهروا بها ، ولتثبت الأرض
من تحتهم ، وأمدهم قبل ذلك وبعده بعونه الذى جعلهم يقبلون على قتال أعدائهم بقلوب ملؤها
الإِقدام والشجاعة .
قال - تعالى -: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين
وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم.
إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ، ويذهب عنكم رجز
الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ﴾ .
(د) ثم وجهت السورة الكريمة خمس نداءات إلى المؤمنين ، أرشدتهم فى كل واحد منها إلى
ما فيه خيرهم وفلاحهم .
فقد أمرتهم فى النداء الأول بالثبات فى وجوه أعدائهم ، ونهتهم عن الفرار منهم ، وهددت
من يوليهم دبره بسوء المصير ، وأخبرتهم بأن الله معهم ما داموا معتمدين عليه ، ومستجیبین لما
يدعوهم إليه .
وأمرتهم فى النداء الثانى بطاعة الله ورسوله ، وحذرتهم من المعصية ، ومن التشبه بالكافرين
الذين ((قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)).
وأمرتهم فى النداء الثالث بالمسارعة إلى أداء ما كلفوا به من تكاليف فيها سعادتهم
وفلاحهم ، وخوفتهم من ارتكاب ذنوب لا يحيق شرها بالذين ارتكبوها وحدهم ، وإنما يعمهم
وغيرهم ممن رأوا المنكر فلم يعملوا على تغييره .
ونهتهم فى النداء الرابع عن خيانة الله ورسوله ، أى: عن ترك فرائض الله، وعن هجر
،

١١
مقدمة
سنة رسوله .. وحذرتهم من أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن طاعة الله وعن أداء واجباته .
ثم بشرتهم فى النداء الخامس بأنهم إذا ما اتقوا الله حق تقاته ، فإنه - سبحانه - سيرزقهم
الهداية والنصر والنجاة من كل مكروه .
تدبر معى - أخى القارىء - هذه النداءات ، وما اشتملت عليه من توجهيات سامية
وإرشادات عالية ، حيث يقول - سبحانه - :
يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ﴾ ..
يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ﴾ ..
يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ ..
يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ ..
يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا ويكفر عنكم سيئاتكم ﴾ ..
( هـ) ثم أخذت السورة بعد ذلك فى تذكير المؤمنين بنعم الله عليهم ليزدادوا له شكرًا،
وفى تصوير ما عليه الكافرون من جهل وعناد وخسران .
فحكت ما قالوه فى شأن القرآن من كذب ومكابرة .
وحكت استهزاءهم بالدين ، وإمعانهم فى الجحود ، وتعجلهم للعذاب ..
وحكت ما كانوا يقومون به من تصفيق ولغو عند قراءة القرآن ، حتى يشغلوا الناس عن
سماعه ..
وحكت مسارعتهم إلى إنفاق أموالهم ، لا فى وجوه الخير ، ولكن فى وجوه الشر التى
ستكون عاقبتها الخسران وسوء المصير .
وبعد أن حكت كل هذه الرذائل عن الكافرين ، أمرت الرسول - * - أن يبلغهم أنهم .
إذا ما انتهوا عن كفرهم وعنادهم ، فإن الله - تعالى - سيغفر لهم ما سلف من ذنوبهم .
أما إذا استمروا فى طغيانهم وجحودهم ، فستدور الدائرة عليهم .
قال - تعالى -: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ، ويمكرون
ويمكر الله، والله خير الماكرين. وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل
هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين . وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر
علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله
معذبهم وهم يستغفرون ﴾

١٢
المجلد السادس
(و) وبعد أن افتتحت السورة الكريمة بالحديث المجمل عن الغنائم وساقت فى أعقابه
ما ساقت من توجيه وإرشاد وترغيب وترهيب .
بعد كل ذلك عادت السورة إلى الحديث عن الغنائم ، ففصلت ما أجملته فى مطلعها ،
وذكّرت المؤمنين بنعم أخرى منحهم اللّه إياها فى بدر .
ومن ذلك : أنه - سبحانه - هيأ لهم المكان المناسب لقتال أعدائهم ، وجعل اللقاء الحاسم
بين الفريقين بدون موعد سابق .. وقلل كل فريق فى عين الآخر ليقضى - سبحانه - قضاءه
النافذ ..
قال - تعالى -: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل ، إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم
التقى الجمعان والله على كل شىء قدير . إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ،
والركب أسفل منكم ، ولو تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد ولكن ليقضى اللّه أمرًا كان مفعولاً
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن اللّه لسميع عليم ﴾ .
(ز) ثم يأتى بعد ذلك النداء السادس والأخير للمؤمنين، فيأمرهم - سبحانه - فيه
بالثبات عند لقائهم لأعدائهم ، وبالإكثار من ذكره ، وبالطاعة التامة له ولرسوله ، وبالابتعاد
عن التنازع والاختلاف .
ثم ينهاهم عن التشبه بالمرائين ، والمتكبرين ، والمغرورين ، الذين زين لهم الشيطان سوء
أعمالهم - ولكنه عندما تراءى الجمعان نكص على عقبيه - والذين سيكون مصيرهم الهزيمة فى
الدنيا ، والعذاب المهين فى الآخرة بسبب كفرهم بآيات الله ، وإيثارهم الضلالة على الهداية .
قال - تعالى -: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرًا لعلكم
تفلحون . وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع
الصابرين . ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل
الله، والله بما يعملون محيط. وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس
وإنى جار لكم ، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برىء منكم إنى أرى
ما لا ترون ، إنى أخاف الله ، والله شديد العقاب ﴾.
( ح ) ثم تمضى السورة الكريمة فى تصوير رذائل الكافرين ، وفى تشجيع المؤمنين على
قتالهم ، وإعداد العدة لدحرهم وتشريدهم ما داموا مستمرين على كفرهم وخيانتهم .. ، فإن
جنحوا للسلم . ومالوا إلى المصالحة والمهادنة فاقبل منهم ذلك - أيها الرسول الكريم ،

١٣
مقدمة
واحترس من خداعهم وغدرهم ، وحرض أتباعك على قتالهم بصبر وجلد .
قال - تعالى -: ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون . الذين
عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة وهم لا يتقون . فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد بهم
من خلفهم لعلهم يذكرون . وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب
الخائنين . ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون . وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ،
وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون . وإن جنحوا للسلم فاجنح لها
وتوكل على الله إنه هو السميع العليم(٦١))).
( ط ) ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن أسرى غزوة بدر من المشركين فبينت ما كان
يجب على الرسول - وَليزر - والمؤمنين فى شأنهم ، وعاتبتهم لإِيثارهم أخذ الفداء على ما عند
اللّه من ثواب عظيم ، وأباحت لهم أن يأكلوا مما غنموه ، فإنه حلال طيب ، وأمرت النبى -
وَ ل - أن يدعو الأسرى إلى الدين الحق ، وأن يخبرهم بأنهم متى آمنوا ظفروا بخير الدنيا
والآخرة ..
تأمل معى - أخى القارئ - هذه الآيات الكريمة التى ساقتها السورة فى هذا المعنى .
ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض ، تريدون عرض الدنيا والله
يريد الآخرة والله عزيز حكيم . لولا كتاب من اللّه سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
فكلوا مما غنمتم حلالا طيبًّا واتقوا الله إن الله غفور رحيم . يأيها النبي قل لمن فى أيديكم من
الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم.
وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا اللّه من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم)).
(ى) وإذا كانت السورة قد تحدثت فى أوائلها عن صفات المؤمنين .. الصادقين ، وعن
حال الذين كرهوا الخروج إلى القتال فى بدر .. فإنها قد تحدثت فى ختامها - أيضًا - عن
أصناف المؤمنين .. فمدحت المهاجرين السابقين ، ومدحت الأنصار الذين آووا ونصروا ، لأنهم
قد اشتركوا جميعًا فى بذل أموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله .. ثم بينت ما يجب عليهم
نحو غيرهم من المؤمنين الذين لم يهاجروا ، بل ظلوا فى أرض الشرك . ثم مدحت المؤمنين
الذين تأخرت هجرتهم عن صلح الحديبية - وإن كانوا أقل فى الدرجات من المهاجرين
السابقين .
قال - تعالى -: ﴿ إن الذين امنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله
والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا ولم يهاجر ما لكم من ولايتهم

١٤
المجلد السادس
من شىء حتى يهاجروا ، وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم
ميثاق والله بما تعلمون بصير . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى
الأرض وفساد كبير . والذين آمنوا وهاجروا فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم
المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم . والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك
منكم، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله، إن اللّه بكل شىء عليم ﴾.
٨ - هذا عرض مجمل لما اشتملت عليه سورة الأنفال من توجيهات سامية ، وآداب
عالية ، وتشريعات حكيمة ...
ومن هذا العرض نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أبرزها ما يلى :
(١) تربية المؤمنين على العقيدة السليمة، وعلى الطاعة لله ولرسوله . وإصلاح ذات
بينهم ، والثبات فى وجه أعدائهم ، والإكثار من التقرب إلى خالقهم ، والمداومة على مراقبته
وخشيته وشكره ، فهو الذى هداهم للإِيمان ، وهو الذى آواهم وأيدهم بنصره ورزقهم من
الطيبات .. بعد أن كانوا ضالين ومستضعفين فى الأرض .
ولقد أفاضت السورة فى غرس هذه المعانى فى نفوس المؤمنين لأنها نزلت كما سبق أن بينا -
فى أعقاب اللقاء الأول بينهم وبين أعدائهم - فكان من المناسب أن تكرر غرس هذه المعانى فى
القلوب حتى تستمر على طاعة الله ورسوله ، تلك الطاعة التى من ثمارها الظفر الدائم والخير
الباقى ..
( ب ) تذكير المؤمنين بما عليه أعداؤهم من جحود وعناد ، وبما كان منهم من مكر
برسولهم - 13 - ومن استهزائهم بدينهم وقرآنهم ومن عداوة شديدة للحق وأهله ، ومن
صفات ذميمة جعلتهم أهلاً لاستحواذ الشيطان عليهم ...
وهذا التذكير قد تكرر كثيرًا فى سورتنا هذه، لكى يستمر المؤمنون على حسن
استعدادهم ، ولكى لا تنسيهم نشوة النصر فى بدر ما يضمره لهم أعداؤهم من كراهية
وبغضاء ، وما يبيتونه لهم من سوء وشر .
( جـ ) إرشاد المؤمنين إلى المنهاج الذى يجب أن يسيروا عليه فى حالتى حربهم وسلمهم ،
لأنه متى ساروا عليه حالفهم النصر ، وصاحبهم التوفيق .
ففى حالة الحرب : أمرتهم السورة الكريمة بأن يعدوا لأعدائهم كل ما يستطيعون من قوة .
وأن يبذلوا أموالهم بسخاء من أجل نصرة الحق .. وأن يقاتلوا خصومهم بشجاعة وإقدام ، وأن
يكثروا من التقرب إلى الله بصالح الأقوال والأعمال - خصوصًا فى مواطن القتال - .. وأن

١٥
مقدمة
يجعلوا غايتهم فى قتالهم إحقاق الحق وإبطال الباطل ﴿ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله
لله ... ﴾.
وأن يؤثروا السلم على الحرب متى وجد السبيل إليه ، فإن السلم هو الأصل أما الحرب
فهى أمر لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة التى تقتضيها .. أما فى حالة سلمهم : فقد أمرتهم
السورة الكريمة بالتآخى والتناصر والتواد والتراحم والتصالح .. ونبذ التنازع والتخاصم
والاختلاف والبطر .
كما أمرتهم بتقوى الله وبإيثار ما عنده من ثواب وأجر على الأموال والأولاد .
قال - تعالى -: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ﴾.
وهناك موضوعات أخرى تعرضت لها السورة :
كحديثها عن الغنائم ، وعن الأسرى ، وعن المعاهدات ، وعن أحداث غزوة بدر ، وعن
المشاعر التى تحركت فى نفوس بعض المشتركين فيها قبل أن تبدأ المعركة وخلالها وبعدها .
وقد ساقت السورة الكريمة كل ذلك بأسلوب يهدى القلوب ، ويشرح الصدور ، ويرشد
الناس إلى مواطن عزهم وسعادتهم .
هذا ، ونرى من المناسب - أخى القارئ - أن نختم هذا العرض المجمل لسورة بدر -
كما سماها ابن عباس - بتلخيص لقصة هذه الغزوة لنتنسم الجو الذى نزلت فيه هذه
السورة ، ولندرك مرامى النصوص فيها .. لأننا نعتقد أن ما يعين على فهم الآيات القرآنية
فهماً قويمًا مستنيرًا، أن يكون القارئ أو المفسر لها ملًا بأسباب نزولها وبالجو التاريخى الذى
نزلت فيه ، وبالأحداث التى لابست نزولها .. يجانب إلمامه بمدلولاتها اللغوية والبيانية ..
قال الإِمام ابن هشام عند حديثه عن ((غزوة بدر الكبرى))(١).
قال ابن إسحاق: لما سمع رسول الله - صل﴿ - بأبى سفيان مقبلاً من الشام فى عير
لقريش عظيمة .. ندب المسلمين إليها وقال: ((هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها
لعل الله ينفلكموها)) فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول
الله - ) - يلقى حربًا .
وكان أبو سفيان - حين دنا من الحجاز - يتجسس الأخبار ، ويسأل من لقى من
الركبان : تخوفًا على أمر الناس - أى : على أموالهم التى معه فى القافلة حتى أصاب خبرًا من
بعض الركبان أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولغيرك فحذر عند ذلك . فاستأجر ضمضم بن
(١) السيرة النبوية لابن هشام ومعها شرحها للإمام السهيلى جـ ٥ ص ٩١ طبعة دار الكتب الحديثة بالقاهرة.
٠٫٠٠
-

١٦
المجلد السادس
عمرو الغفارى فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتى قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن
محمدًا قد عرض لها فى أصحابه . فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة .
فلما وصلها أخذ يصرخ ببطن الوادى .. ويقول يامعشر قريش : اللطيمة اللطيمة - أى :
الغير التى تحمل الطيب والمسك والثياب .. - أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى
أصحابه ، لا أرى أن تدركوها . الغوث الغوث .
فتجهز الناس سراعًا وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمى ؟ كلا
والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين ، إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً ، وأوعبت قريش
فلم يتخلف من أشرافها أحد .
- خرجوا بالقيان والدفوف يغنين فى كل منهل ، وينحرون الجزر، وهم تسعمائة وخمسون
مقاتلاً ، وقادوا مائة فرس ، عليها مائة درع سوى درع المشاة ، وكانت إبلهم سبعمائة بعير.
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله - ◌َّلي - فى ليال مضت من شهر رمضان فى
أصحابه : واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس ، واستعمل على المدينة أبا لبابة .. ودفع
اللواء إلى مصعب بن عمير .
وكان إبل المسلمين يومئذ سبعين بعيرًا ، فاعتقبوها - أى كانوا يركبونها بالتعاقب -
وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ .
وسلك رسول الله - 18 - طريقه من المدينة إلى مكة على نقب المدينة، ثم على العقيق،
ثم على ذى الحليفة .. ثم نزل قريبًا من بدر .. وأتى إلى رسول الله - رَ له - الخبر عن قريش
بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر فقال وأحسن .
ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن . ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يارسول الله ، امض لما
أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذهب أنت وربك
فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون .
ثم قال رسول الله - وَل﴿ - أشيروا على أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، وذلك لأنهم
عدد الناس ، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يارسول الله: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى
ديارنا ، فإذا وصلت إلى ديارنا فأنت فى ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا .
فلما قال رسول الله - * - ذلك ، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يارسول
الله؛ لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا
ومواثيقنا ، فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا
البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا ، وإنما

١٧
مقدمة
لصُبُرُ فى الحرب صُدُق عند اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة.
الله.
ففرح - رسول الله - * - بقول سعد ..
ثم قال : سيروا وأبشروا، فإن الله - تعالى - قد وعدنى إحدى الطائفتين والله لكأنى أنظر
إلى مصارع القوم .
قال ابن إسحاق: ثم ركب رسول الله - رَسليه - ومعه أبو بكر فسارا حتى وقفا على شيخ
من العرب. فسأله الرسول - وَلجه - عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم ، فقال
الشيخ لا أخبركما حتى تخبرانى ممن أنتما ؟ فقال رسول الله - ول ز - إذا أخبرتنا أخبرناك.
قال : أذاك بذاك ؟ قال : نعم ، قال الشيخ : فإنه بلغنى أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا
وكذا ، فإن كان صدق الذى أخبرنى ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به المسلمون .
وبلغنى أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذى أخبرنى صدقنى ، فهم اليوم بمكان
كذا وكذا ، للمكان الذى فيه قريش .
فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما ؟ فقال رسول الله - وَ ل - نحن من ماء، ثم انصرف
عنه .
ثم رجع رسول الله - وَ ل - إلى أصحابه فلما أمسى أرسل بعضهم إلى ماء بدر يلتمسون
الخبر له .. فأصابوا ساقيين لقريش فأتوا بها .. فقال لهما النبى - بَير - أخبرانى عن
قريش .
قالا : هم والله وراء الكئيب الذى ترى بالعدوة القصوى .
فقال لهما : كم القوم ؟ قالا كثير قال : ما عددهم ؟ قالا لا ندرى قال : كم ينحرون كل
يوم؟ قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. فقال: القوم فيما بين التسعمائة والألف ثم قال لهما .
فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قالا : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والنضر بن الحارث ، وزمعة بن
الأسود، وأمية بن خلف .. فأقبل رسول الله - وَ لتر - على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت
إليكم أفلاذ كبدها ..
قال ابن إسحاق : ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره ، أرسل إلى قريش : إنكم إنما
خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجاها اللّه فارجعوا . فقال أبو جهل: والله
لا نرجع حتى نرد ماء بدر ، فتقيم عليه ثلاثة ، ننحر الجزر ، ونطعم الطعام ، ونسقى الخمر ،
وتعزف عليناالقيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها .

١٨
المجلد السادس
وقال الأخنس بن شريق لبنى زهرة ، يابنى زهرة قد نجى الله لكم أموالكم فارجعوا
فرجعوا فلم يشهد غزوة بدر زهرى واحد .
ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادى : وبعث الله السماء بالماء فأصاب
المسلمون منه مالبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير ، وأصاب قريشًا منه ما لم يقدروا على أن
يرتحلوا معه فخرج رسول الله - يوليو - يبادرهم إلى الماء ، حتى إذا جاء ماء نزل به ..
فقال الحباب بن المنذر يارسول الله ؟ أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر
عنه ، أم هو الرأى والمكيدة والحرب ؟.
فقال رسول الله - حوله : - بل هو الرأى والمكيدة والحرب.
فقال الحباب يارسول الله ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من
القوم فننزله ، ثم نغور ما وراءه من القُلبُ - أى : ثم نغطى ما خلفه من الآبار - ثم نبنى
عليه حوضاً فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون .
فقال رسول الله - * - ((لقد أشرت بالرأى)) ثم نهض ومعه الناس فسار حتى إذا أتى
أدنى ماء من القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضًا على القليب الذى نزل عليه
فملىء ماء . ثم قال سعد بن معاذ يارسول الله ، ألا نبنى لك عريشًا تكون فيه ، ونعد عندك
ركائبك ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا . كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت
الأخرى ، جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا . فقد تخلف عنك أقوام - يانبى الله
ما نحن بأشد لك حبا منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك .
فأثنى عليه رسول الله - رولز - ودعا له بخير، ثم بنى لرسول اللّه عريش فكان فيه .
ثم ارتحلت قريش حين أصبحت، فلما رآها رسول الله - وقوله - قادمة من الكثيب إلى
الوادى قال: ((اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تحادك وتكذب رسولك اللهم
فنصرك الذى وعدتنى . اللهم احثهم الغداة )).
ثم أرسلت قريش عمير بن وهب الجمحى فقالوا له : احزر لنا أصحاب محمد ، فاستجال
بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال : هم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً ..
ولقد رأيت - يامعشر قريش - البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقعٍ.
قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم . والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا
منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ، فرَوْا رأيكم .
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد

١٩
مقدمة
إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها ، فهل لك إلى أن تفعل شيئًا تذكر به بخير إلى آخر
الدهر ؟ فقال عتبة : وما ذاك ياحكيم ؟
قال : ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمى ...
قال عتبة : قد فعلت .. ثم قام عتبة خطيبًا فى الناس فقال :
يامعشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه
لا يزال الرجل ينظر فى وجه رجل يكره النظر إليه . قتل ابن عمه أو ابن خاله .. فارجعوا
وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ؛ فإن أصابوه فذاك الذى أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم
ولم تعرضوا منه ما تريدون ..
وبلغ كلام عتبة أبا جهل فسبه .. ثم بعث أبو جهل إلى ابن الحضرمى فقال له : هذا
حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت تأرك بعينك ، فقم فأنشد خفرتك ومقتل
أخيك - أى : فقم فاطلب من الناس الوفاء بالعهد والأخذ بثأر أخيك ..
فقام ابن الحضرمى فاكتشف ثم صرخ : واعمراه ، واعمراه ، فحميت الحرب ، واشتد أمر
الناس ، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر ، وأفسد أبو جهل الرأى الذى دعا عتبة الناس
إليه ..
قال ابن إسحاق : ثم خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى - وكان شرسًا سىء
الخلق - فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه فلما دنا منه
خرج إليه حمزة بن عبد المطلب . فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه - أى .
أطارها - وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه . ثم حبا إلى
الحوض حتى اقتحم فيه ، فضربه حمزة حتى قتله فى الحوض ..
ثم خرج عتبة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة .. فنادى يا محمد : أخرج إلينا أكفاءنا
من قومنا . فقال رسول الله - رَلي - قم ياعبيدة وقم ياحمزة وقم ياعلى .. أما حمزة فلم يمهل
شيبة أن قتله ، وأما على فلم يمهل الوليد أن قتله ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما
أثبت صاحبه - أى: جرحه جرحًا شديدًا لا يملك معه الحركة - وكر حمزة وعلى بأسيافهما
على عتبة فأجهزا عليه ، واحتملا عبيدة فحازاه إلى أصحابه .
قال ابن إسحاق : ثم تزاحف الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، وقد أمر رسول اللّه الناس
أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: ((إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل )» ...
ثم عدل رسول الله - ولي - الصفوف، ورجع إلى العريش فدخله - ومعه أبو بكر
الصديق .. وأخذ الرسول - * - يناشد ربه ويقول فيما يقول: ((اللهم إن تهلك هذه

٢٠
المجلد السادس
العصابة اليوم لا تعبد ، وأبو بكر يقول : يارسول الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز
لك ما وعدك» .
ثم خفق رسول الله - رولز - خفقة وهو فى العريش، ثم انتبه فقال: ((أبشر يا أبا بكر ،
أتاك نصر الله . هذا جبريل آخذ بعنان فرس .. يقوده على ثناياه النقع)) - أى الغبار.
وكان قد رمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل ، فكان أول قتيل .. من المسلمين .
ثم رمى حارثة بن سراقة وهو يشرب من الحوض بسهم فقتل .
ثم خرج رسول الله - ويلي - إلى الناس فحرضهم وقال: ((والذى نفس محمد بيده.
لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة)) ...
ثم إن رسول الله - * - أخذ حفنة من الحصياء فاستقبل قريشًا بها ، ثم نفخهم بها وأمر
أصحابه فقال: ((شدوا)) فكانت الهزيمة فقتل الله - تعالى - من قتل من صناديد قريش،
وأسر من أسر من أشرافهم ..
فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله - * - فى العريش ، وسعد بن معاذ قائم
على باب العريش الذى فيه رسول الله - وَليل - متوشحًا السيف فى نفر من الأنصار يحرسون
رسول الله يخافون عليه كرة العدو، ورأى رسول الله - صلفز - فى وجه سعد الكراهية لما
يصنع الناس، فقال له رسول الله - بفضلالله -: ((والله لكأنك ياسعد تكره ما يصنع
القوم!)).
فقال سعد : أجل والله يارسول الله ؟ كانت هذه أول موقعة أوقعها الله بأهل الشرك ،
فكان الإِثخان فى القتل أحب إلى من استبقاء الرجال ..
ثم قال رسول الله - ٤ - لأصحابه يومئذ: ((إنى قد عرفت أن رجالاً من بنى هاشم
وغيرهم قد أخرجوا كرهًا ، ولا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقى منكم أحدًا من بنى هاشم
فلا يقتله ومن لقى أبا البحترى فلا يقتله ..
قال ابن إسحاق : - وبعد انتهاء المعركة - أمر رسول الله - صل * - بالقتلى من المشركين
أن يطرحوا فى القليب فلما طرحوا وقف عليهم فقال: (( بئس العشيرة كنتم لنبيكم - يا أهل
القليب - لقد كذبتمونى وصدقنى الناس ، وأخرجتمونى وآوانى الناس ، وقاتلتمونى ونصر نى
الناس )) ..
ثم قال: ((هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟ فإنى قد وجدت ما وعدنى ربى حقًّا)) فقال
المسلمون : يارسول الله! أتنادى قومًا قد جَيَّفوا؟