Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة الأنعام هو التفتح للحق، والإنقياد للهداية، فإننا لو نزلنا عليك كتابا من السماء فى قرطاس - كما اقترحوا - فشاهدوه بأعينهم وهو نازل عليك ولمسوه بأيديهم منذ وصوله إلى الأرض وباشروه بعد ذلك بجميع حواسهم بحيث يرتفع عنهم كل ارتياب، ويزول كل إشكال. لو أننا فعلنا ذلك. استجابة لمقترحاتهم المتعنتة، لقالوا بلغة العناد والجحود ما هذا الذى أبصرناه ولمسناه إلا سحر مبين. فالآية الكريمة تصور مكابرتهم المتبجحة، وعنادهم الصفيق، وإدبارهم عن الحق مهما تكن قوة أدلته، ونصاعة حجته. قال الإِمام الرازى ((بين الله - تعالى - فى هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به بل حملوه على أنه سحر. والمراد من قوله ﴿فى قرطاس﴾ أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة فى صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه عيانا لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر))(١). و﴿لو﴾ فى الآية الكريمة حرف امتناع، أى: أنه - سبحانه - قد امتنع عن إجابة مقترحاتهم لأنه يعلم أن إجابتها لا ثمرة لها، ولا فائدة من ورائها، لأن هؤلاء الجاحدين لا ينقصهم الدليل على صدق النبى ﴿ فى دعوته، وإنما الذى ينقصهم هو الاستجابة للحق والاتجاه السليم لطلبه، والاستماع إليه بعناية وتفكير. وعبر - سبحانه - بقوله: ﴿فلمسوه بأيديهم﴾. مع أن اللمس هو باليد غالبا- للتأكيد وزيادة التعيين، ودفع احتمال المجاز. فالجملة الكريمة المقصود بها تصوير فرط جحودهم ومكابرتهم، وإعراضهم عن الحق مهما تكن قوة الدليل وحسيته. وفى قوله - تعالى - ﴿لقال الذين كفروا﴾ إشارة إلى أن الكافرين وحدهم هم الذين بسبب كفرهم - ينتحلون الأعذار لضلالهم، ويصفون الحق الواضح بأنه سحر مبين. أما المؤمنون فإنهم يقابلون الحق بالتصديق والإِذعان. وقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : ﴿إن هذا إلا سحر مبين﴾، فأكدوا حكمهم الباطل بطريق النفى والإِثبات - أى : أنه مقصور على أنه سحر - وبالإِشارة إليه، وبأنه بین واضح ثى كونه سحرًا، وذلك يدل على أن تبجحهم قد بلغ النهاية، وأن مكابرتهم قد كذبت ما شهدت بصدقه حواسهم، وإن قومًا بهذه الدرجة من العناد لا تجدى فيهم معجزة، ولا ينفع معهم دلیل. وفى معنى هذه الآية قد وردت آيات أخرى فى القرآن الكريم منها قوله - تعالى - ﴿ولو أننا (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ١٢. ٤٢ المجلد الخامس نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم يجهلون﴾(١). ومنها قوله - تعالى - ﴿ولو فتحنا عليهم بابًا من السماء فظلوا فيه يعرجون* لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾(٢). ثم حكى القرآن بعض مقترحاتهم المتعنتة ورد عليها بما يدحضها فقال : ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون* ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا، وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾. أى: قال الكافرون للنبى ◌َ ◌ّ هلا كان معك ملك يا محمد لكى يشهد بصدقك ونسمع كلامه، ونرى هيئته، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك. قال محمد بن إسحاق ((دعا رسول الله وَليزر - قومه إلى الإِسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحارث بن كلده، وعبد بن يغوث وأبى بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام : لو جعل معك یا محمد ملك يحدث عنك الناس ویروی معك )). فهم لا يريدون ملكا لا يرونه، وإنما يريدون ملكا يمشى معه ويشاهدونه بأعينهم. وأسند - سبحانه - القول إليهم مع أن القائل بعضهم، لأنهم جميعا متعنتون جاحدون، وما يصدر عن بعضهم إنما هو صادر فى المعنى عن جميعهم لأن الباعث واحد، ولولا هنا للتحضيض فلا تحتاج إلى جواب. أى: وقال الكافرون للنبى وس هلا كان معك ملك يا محمد لكى يشهد بصدقك ونسمع كلامه، ونرى هيئته، وحينئذ نؤمن بك ونصدقك. وقد رد الله تعالى - على قولهم هذا بردين حكيمين : أما الرد الأول: فقال فيه: ﴿ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون﴾. أى: لو أنزلنا ملكا كما اقترح هؤلاء الكافرون وهم على ما هم عليه من الكفر والجحود، لقضى الأمر بإهلاكهم، ثم لا ينظرون، أى: لا يؤخرون ولا يمهلون ليؤمنوا، بل يأخذهم العذاب عاجلا، فقد مضت سنة الله فيمن قبلهم، أنهم كانوا إذا اقترحوا آية وأعطوها ولم (١) سورة الأنعام الآية: ١١١. (٢) سورة الحجر الآيتان ١٤، ١٥. ٤٣ سورة الأنعام يؤمنوا يعذبهم الله بالهلاك، والله - تعالى - لا يريد أن يهلك هذه الأمة التى بعث فيها خاتم رسله نبى الرحمة ولي بسبب إجابة مقترحات أولئك المعاندين المستكبرين. وأما الرد الثانى فقال فيه: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾. أى: لو جعلنا الرسول من الملائكة - كما اقترحوا - لكانت الحكمة تقتضى أن نجعله فى صورة بشر ليتمكنوا من رؤيته ومن سماع كلامه الذى يبلغه عن الله - تعالى - وفى هذه الحالة سيقولون لهذا الملك المرسل إليهم فى صورة بشر -: لست ملكا، لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية التى تمثل بها، وحينئذ يقعون فى نفس اللبس والاشتباه الذى يلبسونه على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرًا. ومعنى ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ لخلطنا عليهم مثل ما يخلطون على أنفسهم بسبب استبعادهم أن يكون الرسول بشرًا مثلهم. قال الإِمام القرطبى : قوله تعالى ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ لأن كل جنس یأنس بجنسه وينفر من غير جنسه، فلو جعل الله تعالى - الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ولما أنسوا به، ولداخلهم من الرعب من كلامه والاتقاء له، ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله فلا تعم المصلحة، ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا: لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك، وعادوا إلى مثل حالهم))(١). وبهذين الجوابين الحكيمين يكون القرآن الكريم قد دحض شبهات أولئك الجاحدين، وبين أن الحكمة تقتضى أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم، قال تعالى : - ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى﴾. ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى وير عما أصابه من قومه فقال : ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾. والمعنى : لا تحزن يا محمد لما أصابك من قومك، فإن من شأن الدعاة إلى الحق المجاهدين فى سبيله أن ينالهم الأذى من أعدائهم، ولقد أوذى من سبقك من الرسل الكرام، وسخر الساخرون منهم، فصبروا على ذلك، وجاءهم فى النهاية نصرنا الذى وعدناهم به. أما أعداؤهم الذين استهزأوا بهم، فقد أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ﴿فكلا أخذنا بذنبه، فمنم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾(٢). (١) تفسير القرطبى جـ٦ ص ٣٩٤. (٢) سورة العنكبوت الآية : ٤٠. ٤٤ المجلد الخامس فالآية الكريمة تهدف إلى تسلية الرسول خلي﴿ والترويح عن نفسه، وتبشيره بحسن العاقبة وتثبيت قلبه حتى لا يتأثر أو يضعف أمام سفه المشركين وتطاولهم عليه. والاستهزاء بالشىء: الاستهانة به، والاستهزاء بالشخص احتقاره وعدم الاهتمام بأمره. وتنكير الرسل للتكثير والتعظيم، والفاء فى قوله ﴿فحاق﴾ للسببية، أى: بسبب هذا الاستهزاء برسل الله الكرام، أحاط العذاب بأولئك المستهزئين فأهلكهم. وقال - سبحانه - ﴿فحاق بالذين سخروا﴾ ولم يقل بالساخرين، للإشارة إلى أن ما أصابهم من عذاب لم يكن تجنيًّا عليهم، وإنما كان بسبب سخريتهم برسل الله والاستخفاف بهم؛ لأن التعبير بالموصول يفيد أن الصلة هى علة الحكم. وفى قوله - تعالى - : ﴿فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾ مجاز علاقته السببية، لأن الذى حاق بهم هو العذاب المسبب عن الاستهزاء، ففيه إطلاق السبب وإرادة المسبب، وذلك يفيد أن العذاب ملازم لهذه السخرية لا ينفك عنها، فحيثما وجد التطاول على أولياء الله والدعاة إلى دينه، وجد معه عذاب الله وسخطه على المتطاولين والمستهزئين. ثم أمر القرآن النبى # أن يذكرهم بحال من سبقوهم عن طريق التطلع إلى آثارهم، والتدبر فيما أصابهم. والاتعاظ بما حل بهم فقال - تعالى - : ﴿قل سيروا فى الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾. أى: قل - يا محمد - لأولئك المكذبين لك، المستهزئين بدعوتك، لا تغتروا بما أنتم فيه من قوة وجاه، فإن ذلك لا دوام له، وسيروا فى فجاج الأرض متدبرین متأملين، فسترون بأعينكم آثار أقوام كانوا أشد منكم قوة وأكثر جمعا، ولكن ذلك لم يمنع وقوع العذاب بهم حين بدلوا نعمة الله كفرا، وحاربوا رسل الله والدعاة إلى دينه. وقد ذكر القرآن الكريم فى سور متعددة أن آثار أولئك الأقوام المهلكين، ما زال بعضها باقيا، وإنها لتدعو العقلاء إلى الاتعاظ والاعتبار فقال - تعالى -: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد﴾(١). وقال - تعالى - فى شأن قوم لوط: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصجين» وبالليل، أفلا تعقلون﴾(٢). (١) سورة هود الآية: ١٠٠ . (٢) سورة الصافات الآيتان ١٣٧، ١٣٨. ٤٥ سورة الأنعام وقد أمر الله - تعالى - رسوله * أن يطلب منهم السير فى الأرض للتفكر والتدبر، لأنهم كانوا يستهزئون به * فكانت المخاطبة منه لهم من قبيل النصيحة والتحذير. وليس المراد مجرد النظر فى قوله ﴿ثم انظروا﴾، بل المراد منه التفكر والتدبر والاعتبار الذى يهدى إلى الإِيمان، ويعين على اتباع الصراط المستقيم. قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين قوله ﴿فانظروا﴾ وبين قوله ﴿ثم انظروا﴾؟ قلت: جعل النظر مسببا عن السير فى قوله ﴿فانظروا﴾ فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله ﴿سيروا فى الأرض ثم انظروا﴾ فمعناه إباحة السير فى الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر فى آثار الهالكين، ونبه على ذلك بثم لتباعد ما بين الواجب والمباح(١). وقد علق الشيخ ابن المنير على عبارة صاحب الكشاف فقال: ((وأظهر من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير فى المكانين واحدًا، ليكون ذلك سببا فى النظر، فحيث دخلت الفاء فلإظهار السببية، وحيث دخلت ثم فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير وأن السير وسيلة إليه لا غير وشتان بين المقصود والوسيلة)». والذى نرجحه أن التعبير بثم هنا المفيدة للتراخى للإشارة إلى أن السير الذى هو وسيلة للتفكر مطلوب فى ذاته كما أن النظر الذى يصحبه التفكر والاعتبار مطلوب أيضًا، وكأنه أمر بدهى نتيجة للسير، أما التعبير بالفاء فى قوله ((فانظروا)) فلإبراز كون النظر مسببا عن السير، ومترتبا عليه، وكلا الأسلوبين مناسب للمقام الذى سيق من أجله، ومتناسق مع البلاغة القرآنية . ثم ساق القرآن الكريم ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية الله وقدرته وعلى أنه هو المهيمن على هذا الكون، فقال - تعالى - : قُل لِّمَن مَّا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَاَرَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُ واْأَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٢ (١) تفسير الكشاف جـ٢ ص٨. ٤٦ المجلد الخامس وَلَهُوَمَاسَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قُلْ أَغْرِ اللَّهِأَتَّخِذُ وَلِنَّا فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ ١٣ وَلَا يُعْعَمُّ قُلْ إِنْ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلِّوَلَا ، قُلِّ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ ١٤ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( مَّنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَبِذٍفَقَدْ ١٥ رَبِى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٦ رَحِمَهُ، وَ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين - على سبيل التوبيخ والتنبيه - من الذى يملك السموات والأرض وما فيهما من إنس وجن وحيوان ونبات وغير ذلك من المخلوقات، إن الإجابة الصحيحة التى يعترفون بها ولا يستطيعون إنكارها أن جميع المخلوقات لله رب العالمين. قال - تعالى - ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم على عنادهم، وتنبيههم إلى ضلالهم لعلهم يثوبون إلى رشدهم. قال الإمام الرازى: وقوله: ﴿قل لمن ما فى السموات والأرض﴾ سؤال، وقوله ﴿قل لله﴾ جواب. فقد أمره الله - تعالى - بالسؤال أولا ثم بالجواب ثانيا، وهذا إنما يحسن فى الموضع الذى يكون الجواب قد بلغ فى الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا يقدر على دفعه دافع، وهنا كذلك لأن القوم كانوا معترفين بأن العالم كله لله وتحت تصرفه وقهره وقدرته))(١). ثم قال - تعالى - ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ أى: أوجب - سبحانه - على نفسه رحمته التى وسعت كل شىء والتى من مظاهرها أنه منح خيره ونعمه فى الدنيا للطائعين والعصاة، وأنه سيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم فيجازى الذين أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. وفى الصحيحين عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله خلفه: ((إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش، إن رحمتی تغلب غضبى)). وجملة، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، يرى بعض العلماء أنها جواب لقسم محذوف (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص ١٤. ٤٧ i سورة الأنعام أى: والله ليجمعنكم، وجملة القسم والجواب لا محل لها من الإعراب، وإن تعلقت بما قبلها من حيث المعنى وعلى هذا الرأى يكون الكلام قد تم عند قوله - تعالى - ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ . ويرى الزجاج ومن شايعه أن جملة (ليجمعنكم) فى محل نصب بدل من الرحمة، وفسر (ليجمعنكم) بمعنى أمهلكم وأمدلكم فى العمر والرزق مع كفركم، فهو تفسير الرحمة، كما قال - تعالى - فى السورة نفسها (كتب على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم)(١). والمقصود بهذه الجملة الكريمة (ليجمعنكم) بيان عدل الله بين عباده. فهو لم يجمعهم يوم . القيامة لتعذيبهم جميعا، وإنما يجمعهم لإِثابة المحسن ومعاقبة المسىء. ولما كان الكافرون ينكرون حصول البعث والحساب فقد أكد الله - تعالى - حصولهما باللام وبنون التوكيد الثقيلة، وبتعدية الفعل بإلى دون فى للإشارة إلى أن هذا الجمع نهايته يوم القيامة - وبأنه يوم لا ينبغى لأحد أن يرتاب فيه لوضوح أدلته. ثم ختمت الآية الكريمة ببيان عاقبتهم السيئة فقال - تعالى - ﴿الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون﴾. أى: الذين خسروا أنفسهم بانطماس فطرتهم، وإصرارهم على العناد والجمود، لا يتسرب الإِيمان إلى قلوبهم لأنها قست وأظلمت. قال الآلوسي : (الفاء) فى قوله (فهم لا يؤمنون) - للدلالة على أن عدم إيمانهم وإصرارهم على الكفر مسبب عن خسرانهم، فإن إبطال العقل والانهماك فى التقليد أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإِيمان)(٢). ثم ساق - سبحانه - ما یشهد بشمول علمه وقدرته فقال : ﴿وله ما سكن فی الليل والنهار وهو السميع العليم﴾. قال القرطبى : (سكن معناه هدأ واستقر، والمراد ما سكن وما تحرك، فحذف لعلم السامع، وقيل: خص الساكن بالذكر لأن ما يعمه السكون أكثر مما تعمه الحركة، وقيل : المعنى، ما خلق، فهو عام فى جميع المخلوقات متحركها وساكنها، فإنه یجری علیه الليل والنهار، وعلى هذا فليس المراد بالسكون ضد الحركة بل المراد الخلق وهذا أحسن ما قيل لأنه يجمع شتات الأقوال)(٣). (١) حاشية الجمل جـ ٣ ص ٩ . . (٢) تفسير روح المعانى للألوسى جـ٧ ص ١٢٢. (٣) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ١٩١. ٤٨ المجلد الخامس والمعنى : ولله - سبحانه - جميع ما استقر وتحرك ووجد فى كل زمان ومكان من إنسان وحيوان ونبات وغير ذلك من المخلوقات، وهو - سبحانه - السميع لكل دقيق وجليل، العليم بكل الظواهر والبواطن، والتعبير بما فى قوله: ﴿وله ما سكن﴾ للدلالة على العموم والشمول. ثم أمر - سبحانه - نبيه* أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد، وأن ينفى عن نفسه بشدة ما تردوا فيه من جهالة وضلالة فقال : ﴿قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم﴾. أى: قل لهم - يا محمد - موبخا وزاجرا، بأى عقل أبحتم لأنفسكم الإشراك بالله، واتخذتم من دونه معبودا سواه، مع أنه - سبحانه - باعترافكم هو الخالق لكم وللسمنوات والأرض ولكل شىء؟ وقد سلطت الهمزة على المفعول الأول لا على الفعل، للإيذان بأن المستنكر إنما هو اتخاذ غير الله وليا لا اتخاذ الولى مطلقا، ونظير هذه الآية قوله - تعالى - ﴿قل أفغیر الله تأمرونی أعبد أيها الجاهلون﴾. ثم دلل - سبحانه - على أنه هو وحده المستحق للعبادة بأمرين. أولهما: قوله - تعالى - ﴿فاطر السموات والأرض﴾. أى خالقهما ومنشئهما على غير مثال سبق، فالفطر - كما قال اللغويون - الإبداع والإيجاد من غير سبق مثال يحتذى. وثانيهما : قوله - تعالى - ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾. أى: أنه - سبحانه - هو الذى لا يحتاج إلى أحد وكل ما سواه محتاج إليه وهو الرازق لغيره، والمنافع كلها من عنده. وقرأ أبو عمرو (وهو يطعم ولا يطعم) بفتح الياء فى الثانى. أى: وهو يرزق غيره ويطعمه أما هو - سبحانه - فلا يتناول طعاما ولا شرابا. وهذه الجملة حالية مؤيدة لإنكار اتخاذ ولى سوى الله، وفيها تعريض بمن اتخذوا أولياء من دونه من البشر بأنهم محتاجون إلى الطعام، وأنه - سبحانه - هو الذى خلق لهم هذا الطعام فهم عاجزون عن البقاء بدونه. ثم أمره - سبحانه - بأن يصرح أمامهم بأنه برىء من شركهم ومن أفعالهم القبيحة فقال - تعالى - ﴿قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين﴾. أى: قل أيها الرسول الكريم بعد إيراد هذه الآيات والحج الدالة على وحدانية الله: إنى ٤٩ سورة الأنعام أمرت من خالقى أن أكون أول من يسلم له وجهه ويخصه بالعبادة، كما أنى نهيت عن أن أكون من المشركين الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى. وصح عطف الجملة الثانية الإنشائية على الأولى الخبرية لأن الأولى خبرية فى اللفظ ولكنها إنشائية فى المعنى فكانت فى قوة الجملة الطلبية والتقدير: كن أول من أسلم ولا تكونن من المشركين، ويجوز عطفها على جملة ﴿قل إنى أمرت﴾ وهى إنشائية فى اللفظ والمعنى. ثم أمره - سبحانه - بأن يعلن أمامهم بأن خوفه من خالقه يحتم عليه أن يبتعد عن كل معصية فقال : ﴿قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم﴾. أى: قل لهم - يا محمد - على سبيل الإِنذار والتحذير من الاستمرار فى الكفر إنى أخاف إن عصيت خالقى عذاب يوم عظيم الأهوال تذهل فيه ﴿كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾. وفى هذا التحذير أسمى الوان التعبير والتصوير لأنه إذا كان النبى ◌َظفر وهو أحب الخلق إلى الله سينا له العذاب إن كان - على سبيل الفرض والتقدير - قد عصى ربه فى الدنيا. فكيف بأولئك الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى؟ فمن الواجب عليهم أن يقتدوا بالنبى وَله فى عبادته وإخلاصه لربه. وكلمة ﴿عذاب﴾ مفعول لأخاف، وجواب الشرط محذوف والتقدير: إن عصيت ربى استحققت العذاب العظيم. ثم بين - سبحانه - أن النجاة من هول هذا اليوم غنيمة ليس بعدها غنيمة فقال: ﴿من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز العظيم). أى: من يصرف عنه عذاب هذا اليوم، فإنه يكون ممن شملتهم رحمة الله ورعايته، وذلك هو الفوز الذى ليس بعده فوز. والضمير الذى يعتبر نائب فاعل ليصرف، يعود على العذاب العظيم الذى سيحل بالمجرمين يوم القيامة. وفى قراءة لحمزة والكسائى وأبى بكر عن عاصم (من يصرف) بفتح الياء فيكون الضمير عائدا على الله - ويكون المفعول محذوفًا. والتقدير من يصرف الله عنه هذا العذاب العظيم فى ذلك اليوم فقد شملته رحمة الله، وعلى كلتا القراءتين فالضمير فى قوله (فقد رحمه) يعود على الله - تعالى - : ٥٠ المجلد الخامس هذا، وفى هذه الآيات الخمس نجد القرآن قد أمر النبي في بقوله ﴿قل) خمس مرات وهو أسلوب إنذارى تلقينى كثر استعماله فى هذه السورة - كما سبق أن قلنا فى التمهيد لها - لأنه يلقن النبى ﴿ الحجج التى تزلزل كيان المشركين وتأتى على بنيانهم من القواعد. وفضلا عن ذلك فهو لون من التفنن فى أسلوب الدعوة إلى أن يحتاج إليه المرشدون والدعاة. لأن التزام أسلوب واحد فى إقامة الحجة على الخصم يفضى إلى السآمة والملل، ومن هنا فقد لون القرآن أساليبه حتى تناسب العقول على اختلاف مداركها، وصدق الله إذ يقول ﴿انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾. ثم بين - سبحانه - أن نواصى العباد بيديه، وأنه هو المتصرف فى خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فقال - تعالى - : وَ إِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّهُوٌ وَ إِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍفَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿﴿ وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ١٨ قُلْ أَبُّ شَىْءٍأَكْبُ شَهَدَةً قُلِ أََّ شَهِيٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ مَلَغَ أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَ قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَ إِنَِّ بَرِئٌَّ عِمَا تُشْرِكُونَ (٦) الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢ ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ آَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَوَكَذَّبَ بَِايَتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اْلَّلِمُونَ لَ ٢١ المس: أعم من اللمس فى الاستعمال. يقال: مسه السوء والكبر والعذاب والتعب. أى: أصابه ذلك ونزل به. : ((والضر: اسم للألم والحزن والخوف وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما كما أن النفع اسم اللذة ٥١ سورة الأنعام والسرور وما يفضى إليهما أو إلى أحدهما))(١). والخير: اسم لكل ما كان فيه منفعة أو مصلحة حاضرة أو مستقبله. والمعنى : إن الناس جميعًا تحت سلطان الله وقدرته، فما يصيبهم من ضر كمرض وتعب وحزن اقتضته سنة الله فى هذه الحياة، فلا كاشف له إلا هو، وما يصيبهم من خير كصحة وغنى وقوة وجاه فهو - سبحانه - قادر على حفظه عليهم، وإبقائه لهم، لأنه على كل شىء قدير. والخطاب فى الآية يصح أن يكون موجها إلى النبى 1 لتقويته فى دعوته، وتثبيته أمام كيد الأعداء وأذاهم، كما يصح أن يكون لكل من هو أهل للخطاب. قال صاحب المنار: ((ومن دقائق بلاغة القرآن المعجزة، تجرى الحقائق بأوجز العبارات، وأجمعها لمحاسن الكلام مع مخالفته بعضها فى بادىء الرأى لما هو الأصل فى التعبير، كالمقابلة هنا بين الضر والخير، وإنما مقابل الضر النفع ومقابل الخير الشر، فنكتة المقابلة أن الضر من الله ليس شرا فى الحقيقة بل هو تربية واختبار للعبد يستفيد به من هو أهل للاستفادة أخلاقا وأدبًا وعلمًا وخبرة. وقد بدأ بذكر الضر لأن كشفه مقدم على نيل مقابله، كما أن صرف العذاب فى الآخرة مقدم على النعيم))(٢): وقوله : ﴿وإن يمسسك بخير﴾ جوابه محذوف تقديره: فلا راد له غيره. وقوله : ﴿فهو على كل شىء قدير﴾ تعليل لكل من الجوابين المذكورين فى الشرطية الأولى والمحذوف فى الثانية. وفى معنى هذه الآية جاءت آيات أخرى منها قوله - تعالى -: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم﴾(٣). وفى الحديث الشريف أن رسول الله و # كان يقول: ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)». ثم بين - سبحانه - كمال قدرته، وعظيم سلطانه فقال : ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾. أى أنه - كما قال ابن كثير - («هو الذى خضعت له الرقاب، وذلت له الجباه. وعنت له الوجوه، وقهر كل شىء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه الأشياء، وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه)). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٤ ص١٨. (٢) تفسير المنار جـ ٧ ص ٣٣٥. (٣) سورة فاطر: آية ٢. ٥٢ المجلد الخامس ثم أمر الله: نبيه صل9: فى بيان رائع حكيم، أن يسأل المشركين عن أى شىء فى هذا الكون أعظم وأزكى شهادة بحيث تقبل شهادته ولا ترد فقال - تعالى -: ﴿قل أى شىء أكبر شهادة؟ قل الله شهيد بينى وبينكم﴾. روى بعض المفسرين أن أهل مكة قالوا: يا محمد، أرنا من يشهد أنك رسول الله، فإنا لا نرى أحدا نصدقه، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذکر، فأنزل الله - تعالى -: ﴿قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم﴾. أى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يخاصمونك فيما تدعو إليه : أى شىء فى هذا الوجود شهادته أكبر شهادة وأعظمها بحيث تقبلونها عن تسليم وإذعان؟ ثم أمره أن يجيبهم على هذا السؤال بالحقيقة التى لا يمارى فيها عاقل وهى أن شهادة الله هى أكبر شهادة وأقواها وأزكاها، لأنها شهادة من يستحيل عليه الكذب أو الخطأ، وقد شهد - سبحانه - : بصدقى فيما أبلغه عنه فلماذا تعرضون عن دعوتى، وتتنكبون الطريق المستقيم؟ وصدرت الآية الكريمة بقل وبصيغة الاستفهام تنبيهًا إلى جلال الشاهد، وإلى سلامة دعوى النبى 1 لكى يدركوا ما فيها من حق وماهم فيه من ضلال. وأوثرت كلمة ((شىء)) فى قوله - تعالى -: ﴿قل أى شىء أكبر شهادة﴾ لأنها تفيد الشمول والإِحاطة والاستقصاء. قال صاحب الكشاف: ما ملخصه قوله - تعالى -: ﴿قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم) أراد: أى شهيد أكبر شهادة، فوضع شيئًا مقام شهيد ليبالغ فى التعميم، ويحتمل أن يكون تمام الجواب عنه قوله: ﴿قل الله﴾ بمعنى: الله أكبر شهادة، ثم ابتدأ. ﴿شهید بینی وبینکم﴾ أى: هو شهید بینی وبینکم. وأن یکون ﴿الله شهيد بينى وبينكم﴾ هو الجواب، لدلالته على أن الله - تعالى -: (إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شىء شهادة من هو شهید له)(١). والمراد بشهادة الله ما جاء فى آياته القرآنية من أنه - سبحانه - : قد أرسل رسوله محمدا ﴿بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾. ثم بين - سبحانه -: أن القرآن هو المعجزة الخالدة للنبى عليه فقال: ﴿وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾. أى : أن الله - تعالى - : قد أنزل هذا القرآن عن طريق وحیه الصادق، لأنذركم به يا أهل (١) تفسير الكشاف جـ٢ ص١١. ٥٣ سورة الأنعام مكة، ولأنذر به - أيضًا - جميع من بلغه هذا الكتاب الكريم ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم فى كل زمان ومكان إلى يوم القيامة. فهذه الجملة تدل على عموم بعثة النبى في كما تدل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله، وتعم - أيضًا - الذين وجدوا بعد نزوله وبلغتهم دعوته. ولم يروا النبى وَّرِ ففى الحديث الشريف: ((بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله))(١). وعن محمد بن كعب قال: ((من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى ◌َ ر وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه، كان من بلغه بعد وفاة النبى وَلاير: كأنما سمعه منه وإن كثرت الوسائط، لأنه هو الذى بلغه بلا زيادة ولا نقصان، أما من لم تبلغه دعوة القرآن فلا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة، وحينئذ لا يكون مخاطبا بتعاليم هذا الدين، وإثمه يكون فى أعناق الذين قصروا فى تبليغ دعوة الإِسلام إليه. ثم أمره - سبحانه - أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد، وأن يعلن براءته منهم ومن معبوداتهم فقال - تعالى -: ﴿أثنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، قل: لا أشهد، قل إنما هو إله واحد وإننى برىء بما تشركون﴾. أى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم. وترديتم فى مهاوى الشرك والضلال، وشهدتم بأن مع الله آلهة أخرى، فإنى برىء منكم ومن أعمالكم القبيحة، ومحال أن أشهد بما شهدتم به، وإنما الذى أشهد به وأعتقده، أن الله - تعالى - واحد لا شريك له، وإننى بعيد كل البعد عن ضلالكم وجحودكم. والاستفهام فى قوله ﴿أئنكم﴾ إنكارى، جىء به لاستقباح ما وقع منهم من شرك، وأكد قوله ﴿لتشهدون﴾ للإشارة إلى تغلغل الضلال فى نفوسهم، واستيلاء الجحود على قلوبهم. وعبر عن أوثانهم بأنها ﴿آلهة أخرى﴾ مجاراة لهم فى زعمهم الباطل ومبالغة فى توبيخهم والتهکم بهم. وفى أمره - سبحانه - لنبيه يقر بأن يصارحهم بأنه لا يشهد بشهادتهم ((قل: لا أشهد)) توبيخ لهم على جهالتهم، وتوجيه لأتباعه إلى الاقتداء به فى شجاعته أمام الباطل، وفى ثباته على مبدئه . وقد تضمن قوله - تعالى: ﴿قل إنما هو إله واحد﴾ اعتراف كامل بوحدانية الله، وقصرها عليه - سبحانه -، وتصريح بالبراءة التامة من الأوثان وعابديها، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل . (١) تفسير ابن كثير جـ٢ ص ١٢٦. ٥٤ المجلد الخامس وبذلك تكون الآية الكريمة قد تضمنت شهادة من الله - تعالى - بأن رسوله محمدا والتي صادق فى رسالته، وشهادة من هذا الرسول الكريم بأن الله واحد لا شريك له، وأنه برىء من إلحاد الملحدين وكفر الكافرين. ثم ساق القرآن شهادة ثالثة بصدق النبى # وهى شهادة أهل الكتاب فقال ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون﴾ : قال الجمل فى حاشيته على الجلالين: ((روى أن النبى وَلي لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال له عمر: إن الله أنزل على نبيه بمكة: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر، لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابنى، ولأنا أشد معرفة بمحمد منى بابنى !! فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله حقًّا ولا أدرى ما تصنع النساء))(١). والمعنى: إن علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يعرفون صدق ما جاء به محمد وليد معرفة تماثل معرفتهم لأبنائهم الذين هم من أصلابهم، فهى معرفة بلغت حد اليقين وذلك بسبب ما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد رَّ ومبعثه وصفته وبلده ومهاجره وصفة أمته. والضمير فى ﴿يعرفونه﴾ يرى أكثر المفسرين أنه يعود على النبى لر ويؤيد ذلك سبب نزول الآية، ويرى بعضهم أنه يعود على القرآن لتقدمه فى قوله ﴿وأوحى إلى هذا القرآن﴾ أو على التوحيد لدلالة قوله ﴿قل إنما هو إله واحد﴾. والأولى عودة الضمير على جميع ما ذكر، لأن معرفتهم بما فى كتابهم يتناول كل ذلك. ثم بين - سبحانه - علة إنكار المكابرين منهم لما يعرفونه من أمر نبوته # فقال: ﴿الذين خسروا أنفسهم لا يؤمنون﴾. قال صاحب الكشاف: ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين ﴿فهم لا يؤمنون) به(٢) جمعوا بين أمرين متناقضين فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح حيث قالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ وقالوا ﴿والله أمرنا بها﴾ وقالوا: ((الملائكة بنات الله)) ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات وسموها سحرًا ولم يؤمنوا بالرسول وَلهو. (١) حاشية الجمل: جـ٢ ص ١٥. (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٢. سورة الأنعام وهذه الآية الكريمة من الآيات التى قيل أنها مدنية، والصحيح أنها مكية، ويشهد لذلك سبب النزول الذى سقناه عن عمر - رضى الله عنه - فقد قال لعبد الله بن سلام: ((إن الله أنزل على نبيه بمكة)) إلخ. ويؤكد كونها مكية - أيضا - سياق الآيات قبلها، فالآية التى قبلها وهى قوله - تعالى - : ﴿قل أى شىء أکبر شهادة﴾. إلخ. فيها شهادة من الله لنبيه ټپے بأنه صادق فيما يبلغه عن ربه، والآية التى معنا فيها شهادة من أهل الكتاب بأنهم يعرفون صدق محمد وسم# كما يعرفون أبناءهم، ومن المعروف أن أهل مكة كانوا يسألون أهل الكتاب عن النبى وَّر وفضلا عن ذلك لم يرد نص صحيح يثبت أن هذه الآية الكريمة قد نزلت بالمدينة. قال بعض العلماء : ويظهر أنهم - أى القائلون بأن الآية مدنية - لما وجدوا الحديث فى هذه الآية عن أهل الكتاب، ووجدوا أن هذه الآية نظيرة لآية أخرى مدنية تبدأ بما بدأت به، وهى قوله - تعالى -: فى سورة البقرة ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ الآية ١٤٦، ومن المعروف أن صلة الإِسلام بأهل الكتاب. إنما كانت بعد الهجرة وفى المدينة دون مكة، لما وجدوا هذا قرروا أن الآية مدنية، فالمسألة ليست إلا اجتهادًا حسب رواية مسندة، وهو اجتهاد غير صحيح(١). ولما كان هذا الخسران أكبر ظلم ظلم به هؤلاء الكفار أنفسهم فقد قال - تعالى - فى شأنهم: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته، إنه لا يفلح الظالمون﴾. أى : لا أحد أشد ظلمًا من أولئك المشرکین الذین کذبوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإن هؤلاء الذين سقطوا فى أقصى دركات الكذب لن يفوزوا ولن يفلحوا، والاستفهام فى الآية الكريمة إنكارى للنفى، وفيه توبيخ للمشركين. ثم بين - سبحانه - بعض أحوالهم عندما يحشرون يوم القيامة، فقال - تعالى - : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْأَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ / ◌ْ، ثُمَّلَمْتَكُنْ فِتْنَّئُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْوَاللَّهِ اٌلَّذِينَ كَنْتَمْ تَرْعَمُونَ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٣) أَنْظُرَّكَيْفَ كَذَّبُواْعَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَ ﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (١) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص ٥ لفضيلة الأستاذ محمد المدنى. ٥٦ المجلد الخامس قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َا ذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْأُحِكُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْبِهِ حَتَّى إِذَا جَاءُ وَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنَّةٌ وَإِن ٢٦ يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ الحشر: الجمع، والمراد به جمعهم يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم الدنيوية. والمعنى : واذكر لهم أيها الرسول الكريم - ليعتبروا ويتعظوا - حالهم يوم نجمعهم جميعًا فى الآخرة لنحاسبهم على أقوالهم وأفعالهم، ثم نسألهم سؤال إفضاح لا إيضاح - كما يقول القرطبى - : أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء لكى يدافعوا عنكم فى هذا اليوم العصيب. ٠٠ * و﴿يوم﴾ منصوب على الظرفية بفعل مضمر بعده أى: ويوم نحشرهم كان كذا وكذا، وحذف هذا الفعل من الكلام ليبقى على الإبهام الذى هو أدخل فى التخويف والتهويل، وقيل إنه منصوب على أنه مفعول به بفعل محذوف قبله والتقدير، واذكر يوم نحشرهم، أى : اذكر هذا اليوم من حيث ما يقع فيه، والضمير فى ﴿نحشرهم﴾ للذين افتروا على الله كذبا، أو كذبوا بآياته . وفائدة كلمة ﴿جميعًا﴾ رفع احتمال التخصيص، أى: أن جميع المشركين ومعبوداتهم سيحشرون أمام الله للحساب. وكان العطف بثم لتعدد الوقائع قبل هذا الخطاب الموجه للمشركين، إذ قبل ذلك سيكون قيامهم من قبورهم، ويكون هول الموقف، ويكون إحصاء الأعمال وقراءة كل امرىء لكتابه ... الخ، ثم يقول الله - تعالى - ﴿للذين أشركوا: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون﴾ ؟ ووبخهم - سبحانه - بقوله : ﴿أين شركاؤكم﴾ مع أنهم محشورون معهم، لأنهم لا نفع يرجى من وجودهم معهم، فلما كانوا كذلك نزلوا منزلة الغائب كما تقول لمن جعل أحدًا ظهيرًا يعينه فى الشدائد إذا لم يعنه وقد وقع فى ورطة بحضرته أين فلان؟ فتجعله لعدم نفعه - وإن كان حاضرًا- كالغائب(١). (١) تفسير الألوسى جـ ٣ ص ١٢١. ٥٧ سورة الأنعام ثم أخبر - سبحانه - عما يكون منهم من تخبط وحسرة فقال : ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا: والله ربنا ماكنا مشركين﴾. الفتنة مأخوذة من الفتن، وهو إدخال الذهب فى النار لتعرف جودته من رداءته، ثم استعمل فى معان أخرى كالاختبار، والعذاب، والبلاء، والكفر. والمعنى : ثم لم تكن عاقبة كفرهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق، وارتفعت الدعاوى إلا أن قالوا مؤكدين ما قالوا بالقسم الكاذب والله يا ربنا ما كنا مشركين. ظنا منهم أن تبرأهم من الشرك فى الآخرة سينجيهم من عذاب الله كما نجا المؤمنين بفضله ورضوانه. قال ابن عباس : يغفر الله - تعالى - لأهل الإِخلاص ذنوبهم. ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، فتعالوا نقول : إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال الله - تعالى -: أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعندئذ يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثًا، فذلك قوله : ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لوتسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا﴾(١). ٦٠ ثم قال - تعالى - ﴿انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾. والمراد بالنظر هنا : التدبر والتفكير. والمعنى : انظر - أيها العاقل - وتأمل كيف كذب هؤلاء المشركون على أنفسهم فى قولهم والله ربنا ما كنا مشركين، وغاب عن عملهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من الأقوال الباطلة، وما كانوا يفعلونه من جعلهم لله شركاء. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور مع أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشًا: ألا تراهم يقولون ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم))(٢). وبعد أن بين - سبحانه - أحوال الكفار فى الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس من إيمان بعضهم فقال: ﴿ومنهم من يستمع إليك، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرًا﴾. قال ابن عباس: إن أبا سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة ٠٠ (١) تفسير القرطبى ج ٦ ص ٤٠١. (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ١٣. ٥٨ المجلد الخامس وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف. استمعوا إلى رسول الله ## وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ فقال: والذى جعلها بيته ما أدرى ما يقول، إلا أنى أرى تحرك شفتيه يتكلم بشىء فما يقول إلا أساطير، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه فأنزل الله هذه الآية))(١). والأكنة: جمع كنان كغطاء وأغطية لفظا ومعنى والوقر - بالفتح - الثقل فى السمع. والمعنى: ومن هؤلاء المشركين يا محمد من يستمع إليك حين تقرأ القرآن وقد جعلنا - بسبب عنادهم وجحودهم - على قلوبهم أغطية تحول بينهم وبين فقهه، كما جعلنا فى أسماعهم صمما يمنع من سماعه بتدبر وتعقل. قال صاحب المنار: ((وجعل الأكنة على القلوب والوقر فى الآذان فى الآية من تشبيه الحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية؛ فإن القلب الذى لا يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذى وضع عليه الكن أو الكنان وهو الغطاء حتى لا يدخل فيه شىء. والآذان التى لا تسمع الكلام سماع فهم وتدبر كالآذان المصابة بالثقل أو الصمم، لأن سمعها وعدمه سواء(٢). وقال بعض العلماء: ((وهنا يسأل سائل: إذا كان منع الهداية من الله - تعالى - بالغشاوة على قلوبهم والختم عليها وبالوقر فى آذانهم فلا يسمعون سماع تبصر فماذا يكون عليهم من تبعة يحاسبون عليها حسابا عسيرا بالعذاب الأليم؟ والجواب عن ذلك أن الله - سبحانه - يسير الأمور وفق حكمته العليا فمن يسلك سبيل الهداية يرشده وينير طريقه ويثيبه، ومن يقصد إلى الغواية ويسير فى طريقها تجيئه النذر تباعًا إنذارا بعد إنذار، فإن أيقظت النذر ضميره وتكشفت العماية عن قلبه فقد اهتدى وآمن بعد كفر. ومن لم تجد فيه النذر المتتابعة ولم توقظ له ضميرا ولم تبصره من عمى فقد وضع الله - تعالى - على قلبه غشاوة وفى آذانه وقرا))(٣). ثم صور - سبحانه - عنادهم وإعراضهم عن الحق مهما وضحت براهينه فقال: ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها﴾. أى: وإن يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك وصدق دعوتك فلن يؤمنوا بها لاستحواذ الغرور والعناد على قلوبهم. (١) تفسير الألوسى جـ ٧ ص ١٢٥. (٢) تفسير المنار جـ٧ ص ٣٤٧. (٣) مجلة لواء الإسلام لسنة ٢٣ العدد ٩ تفسير الآيات الكريمة لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة. ٥٩ سورة الأنعام والمراد من الرؤية هنا البصرية، ومن الآيات المعجزات الحسية كانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة. وهذه الجملة الكريمة المقصود بها ذمهم لعدم انتفاعهم بحاسة البصر بعد ذمهم لعدم انتفاعهم بعقولهم وأسماعهم. وجىء بكلمة ﴿كل﴾ لعموم النفى، أى: أنهم لا يؤمنون بأية معجزة يرونها مهما وضحت براهينها، ومهما كانت دلالتها ظاهرة على صدق النبى مَليفر. ثم بين - سبحانه - ما كان يجرى منهم مع رسول الله وَّه فقال: ﴿حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾. الأساطير جمع إسطارة أو أسطورة ومعناها الخرافات والترهات. أى: حتى إذا ما صاروا إليك أيها الرسول ليخاصموك وينازعوك فى دعوتك فإنهم يقولون لك بسبب كفرهم وجحودهم، ما هذا القرآن الذى نسمعه منك إلا أقاصيص الأولين المشتملة على خرافاتهم وأوهامهم. وفى قوله - تعالى - ﴿حتى إذا جاءوك يجادلونك) إشارة إلى أن مجيئهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق، وإنما كان من أجل المجادلة المتعنتة مع الرسول الكريم ◌َلّ. ثم بين - سبحانه - أنهم لا يكتفون بمحاربة الدعوة الإسلامية، بل هم لفجورهم - يحرضون غيرهم على محاربتها معهم فقال - تعالى - : ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه، وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾. النهى: الزجر، والنأى: البعد، والضمير ((هم)) يعود على المشركين. والمعنى : إن هؤلاء المشركين لا يكتفون بمحاربة الحق، بل يزجرون الناس عن اتباعه، ويبعدونهم عن الاستماع إليه. فهم قد جمعوا بين فعلين قبيحين : محاربتهم للحق وحمل غيرهم معهم على محاربته والبعد عنه. وهم بهذا العمل الباطل القبيح ما يهلكون إلا أنفسهم ولكنهم لا يشعرون بذلك لانطماس بصيرتهم، وقسوة قلوبهم. وعملهم هذا يدل على أنهم كانوا معترفين فى قرارة أنفسهم بأن القرآن حق، لأنهم لو كانوا يعتقدون أنه أساطير الأولين - كما زعموا - لتركوا الناس يسمعونها ليتأكدوا من أنها خرافات وأوهام، ولكنهم لما كانوا مؤمنين ببلاغة القرآن وصدقه، فإنهم نهوا غيرهم عن سماعه حتى ٦٠ المجلد الخامس لا يؤمن به وابتعدوا هم عنه حتى لا يتأثروا به فيدخلوا فى دين الإِسلام، ولقد حكى الله عنهم هذا المعنى فى قوله - تعالى - ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾(١). والضمير فى قوله - تعالى - ﴿عنه) يرجع إلى النبى وَ ل﴿ وما جاء به من آيات. ويرى بعض المفسرين أن الضمير ((هم)) يرجع إلى عشيرة النبى وم طر فيكون المعنى: وهم - أى أعمام النبى وَّر وعشيرته ينهون الناس عن إيذائه والتعرض له بسوء، ولكنهم فى الوقت نفسه ينأون عنه أى يبتعدون عن دعوته فلا يؤمنون بها، ولعل أوضح مثل لذلك أبو طالب، فقد كان يدافع عن النبى ◌َّه إلا أنه لم يدخل فى الإِسلام مع تصريحه بأنه هو الدين الحق. ومما روى عنه فى هذا المعنى قوله : حتى أوسد فى التراب دفينًا والله لن يصلوا إليك بجمعهم وابشر بذاك وقر منك عيونًا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة فلقد صدقت وكنت قبل أمينًا ودعوتنى وزعمت أنك ناصحی من خير أديان البرية دينًا وعرضت دينًا قد عرفت بأنه لوجدتنى سمحًا بذاك يقينًا لولا الملامة أو حذار مسبة والذى تطمئن إليه النفس أن الرأى الأول هو الأرجح. لأن الكلام مسوق فى بيان موقف المشركين من النبى وَلّر، وأنهم قد بلغ بهم السفه والعناد أنهم لا يكتفون بالإِعراض عن الحق الذى جاء به محمد لي بل تعدى شرهم إلى غيرهم، وأنهم كانوا يحرضون الناس على إيذائه وعلى الابتعاد عنه. ثم يصور - سبحانه - حالهم عند ما يعرضون على النار، وعندما يقفون أمام ربهم، وحكى ما يقولونه فى تلك المواقف الشديدة فقال تعالى : وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُ قِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْيَلَيْتَنَا نُرَدُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَّكُونَ مِنَالْمُؤْمِنِينَ ٢٧ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْيُخْفُونَ مِن قَبْلٌ وَلَوَّرُوْلَعَادُواْ لِمَا تُهُواْعَنْهُ (١) سورة فصلت آية ٢٦.