Indexed OCR Text
Pages 1-20
التفسيرُ الوَسِطِ
لِلِقُرآزُ الْكَرِيمِ
تفسير سورتى
الأنعام والأعراف
الدكتور محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية
المجلد الخامس
دار المعارف
مراجعة
د. عبد الرحمن العَدَوى
الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية
الناشر : دار المعارف - ١١١٩ كورنيش النيل - القاهرة ج.م.ع.
٣
مقدمة
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه
وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة الأنعام، حاولت فيه أن أكشف عما اشتملت عليه هذه
السورة الكريمة من توجيهات سامية، وآداب عالية، وهدايات محكمة، ووصايا جليلة، وحجج
باهرة تقذف حقها على باطل الملحدين فتدمغه فإذا هو زاهق، وتقيم الأدلة الساطعة على
وحدانية الله وعلى صدق رسوله محمد ﴿ وعلى صحة البعث والحساب، والثواب والعقاب.
وقد رأيت من الخير قبل أن أبدأ فى تفسير هذه السورة الكريمة، أن أقدم بين يديها تعريفًا
لها، أتحدث فيه عن زمان ومكان نزولها، وعن طبيعة الفترة التى نزلت فيها، وعن سبب
تسميتها بهذا الاسم، وعن مناسبتها لما قبلها وعن المقاصد والأهداف التى اشتملت عليها،
وعن فضائل هذه السورة الكريمة ومزاياها ..
والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، ونافعًا لعباده، إنه أكرم مسئول وأعظم
مأمول.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. محمد سيد طنطاوى
: {
٥
مقدمة
تمهيد بين يدى السورة
١ - متى نزلت سورة الأنعام؟
سورة الأنعام عدد آياتها خمس وستون ومائة آية وهى أول سورة مكية من طوال المفصل
بالنسبة لترتيب المصحف، وتعتبر بالنسبة لهذا الترتيب السورة السادسة، فقد سبقتها سور :
الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وهى سور مدنية باستثناء سورة الفاتحة.
أما ترتيبها فى النزول فقد قال العلماء : إنها السورة السادسة والخمسون، وإن نزولها كان بعد
نزول سورة ((الحجر)).
ويغلب على الظن أن نزول سورة الأنعام كان فى السنة الرابعة من البعثة النبوية الشريفة،
وذلك لأن سورة الحجر التى نزلت قبيلها فيها آية تأمر النبى وَ لّر بأن يجهر بدعوته وهى قوله -
تعالى - ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾(١).
ومن المعروف تاريخيا أن النبى ور مكث يدعو الناس سرا إلى عبادة الله زهاء ثلاث سنين،
ثم بدأت مرحلة الجهر بالدعوة فى السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمره الله بأن يصدع بما يؤمر
به، أى: يجهر بما يكلف بتبليغه للناس، مأخوذ من صدع بالحجة إذا جهر بها.
قال ابن إسحاق عند حديثه عن مرحلة الجهر بالدعوة الإِسلامية: ((ثم دخل الناس فى
الإِسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإِسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله -
تعالى - أمر رسوله ولتر أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادى الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان .
بين ما أخفى رسول الله وَّ ر أمره واستتربه إلى أن أمره الله - تعالى - بإظهار دينه ثلاث سنين -
فيما بلغنى - من مبعثه، ثم قال الله - تعالى - له: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن
المشركين﴾(٢).
٢ - طبيعة الفترة التى نزلت فيها سورة الأنعام:
قلنا إن سورة الأنعام نزلت - غالبا فى السنة الرابعة من البعثة النبوية، وهذه الفترة من
تاريخ الدعوة الإسلامية كانت فترة نضال فكرى عنيف بين الإِسلام والشرك، ففيها بدأ
النبى ◌َّ يجهر بدعوته ويصارح قريشا برسالته، ويدعوهم بأعلى صوته إلى الإِيمان بالله وملائكته
(١) سورة الحجر الآية ٩٤.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام، جـ ١ ص ٢٧٤ طبعة المكتبة التجارية.
٦
المجلد الخامس
وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبين لهم بجرأة ووضوح بطلان عقائدهم، وسخافة تفكيرهم
واعوجاجهم عن الطريق المستقيم.
وأخذ المشركون يدافعون عن معتقداتهم بكل وسيلة بعد أن رأوا الدعوة الإسلامية يزداد
نورها يوما بعد يوم، ورأوا أتباع النبی پے یزیدون ولا ينقصون، ويجهرون بتعاليم دينهم بعد
أن كانوا يخفونها ويتحملون فى سبيل نشرها الكثير من ألوان التعذيب والترهيب.
وقد صور بعض العلماء طبيعة هذه الفترة التى كانت تجتازها الدعوة الإسلامية عند نزول
سورة الأنعام فقال :
((وهذه الفترة من فترات الدعوة الإسلامية كانت فترة عنيفة أشد العنف، مملوءة بالمقاومة من
الجانبين كأعظم ما تكون المقاومة، فالمشركون مأخوذون بهذا النجاح الذى صارت إليه الدعوة
حتى استطاعت أن تستعلن بعد الخفاء، وأن تتحدى فى صوت عال، ونداء جهير، بعد ما كان
المؤمنون بها يلجأون إلى الشعاب والأماكن البعيدة ليؤدوا صلاتهم، والرسول ◌َله ماض فيما أمره
به ربه من الصدع بدعوة الحق، يتلو عليهم ما أنزله الله عليه من كتابه، وفيه إنذار لهم وتفنيد
لمعتقداتهم، وتسفيه لآرائهم، وإنكار لآلهتهم، وتهكم بأوثانهم وتقاليدهم البالية.
يومئذ واجهت دعوة الحق أعداءها مسفرة واضحة متحدية، ووقف هؤلاء الأعداء مشدوهين
مضطربين يشعرون فى أعماق نفوسهم بصدقها وكذبهم، ويترقبون يوما قريبا لانتصارها
وانهزامهم، ولا يجدون لهم حيلة إلا المكابرة والمعارضة المستميتة بما درجوا عليه من العقائد
الباطلة، بادعائهم كذب الرسول ◌َ * وبزعمهم أن إرسال الرسل من البشر أمر لم يقع من قبل،
وأن الله لوشاء إبلاغ عباده شيئا لأنزل إليهم ملائكة، وإنكارهم البعث والدار الآخرة،
واستماتوا فى الدفاع عن عقائدهم وآلهتهم، ونسوا أن محمدا ◌َّ عاش فيهم عمرا طويلا لم يقل
فيه يوما قولة كاذبة، ولم يخن فيه يوما أمانة أؤتمن عليها، وأنهم لذلك كانوا يلقبونه بالصادق
الأمين.
لم يذكروا شيئا من ذلك ولم يفكروا فيه، ولكنهم فكروا فقط فى أن الدعوة الجديدة التى
استعلنت بعد استخفاء، وتحدت بعدما ظنوه بها من الاستخذاء، يجب أن تموت فى مهدها "
ويجب أن تكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس إلى البلاد والقبائل والشعوب.
ورحبت الدعوة الإسلامية بهذا النضال، وتحملت أعباءه وأثقاله، وكان ذلك أول النصر،
لأن النور لا يظهر إلا بعد الاحتكاك.
وأخذت سور القرآن فى هذه المرحلة تتلاحق، وأخذت آياتها تتعاون وتتآزر، وكانت
أغراضها متشابهة إلى حد بعيد، وكان أولها وأحفلها بما نزلت له من أغراض بعد أمر الرسول
٧
مقدمة
وَّة بإعلان الدعوة والصدع بها، هو سورة ((الأنعام))؛ فقد جمعت كل العقائد الصحيحة،
وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين، وتفنيد شبه الملحدين، وإبطال العقائد الفاسدة، وتركيز
مبادىء الأخلاق الفاصلة(١).
وبذلك يتبين لنا أن ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد وأهداف وأحكام ومعتقدات
يوافق كل الموافقة طبيعة المرحلة التى كانت تجتازها الدعوة الإسلامية فى ذلك الوقت.
٣ - أين نزلت سورة الأنعام :
يرى جمهور العلماء أن سورة الأنعام كلها مكية، ويرى فريق منهم أنها كلها نزلت بمكة
ما عدا الآيات ٢٠، ٢٣، ٩١، ٩٣، ١٠٤، ١٤١، ١٥١، ١٥٢، ١٥٣.
ولعل الذى حمل أصحاب هذا الرأى على القول بأن هذه الآيات التسع مدنية ورود بعض
الروايات بذلك، وأنها آيات نزلت فى بيان أحكام تتعلق بالحلال والحرام من التكاليف
العملية، وهى لهذا كانت أنسب بالمدينة.
والذى تطمئن إليه النفس وعليه المحققون من المفسرين أن سورة الأنعام قد نزلت كلها بمكة
جملة واحدة، ويشهد لما ذهبنا إليه ما يأتى :
(أ) كثرة الآثار التى صرحت بنزولها بمكة دفعة واحدة، ومن هذه الآثار ما ورد عن ابن
عباس أنه قال : لقد نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون.
بالتسبيح .
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَالر: نزلت على سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها
سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد(٢) ..
(ب) المحققون من المفسرين عندما بدأوا فى تفسير سورة الأنعام صرحوا بأنها جميعها مكية،
وأنها قد نزلت جملة واحدة، وتجاهلوا قول القائل إن فيها آيات مدنية.
فهذا - مثلا - الإِمام ابن كثير ساق فى مطلع تفسيره لهذه السورة الروايات التى تثبت أنها
مكية، ولم يذكر رواية واحدة تثبت أن فيها آية أو آيات قد نزلت بالمدينة.
وابن كثير - كما نعرف - من الحفاظ النقاد الذین یعرفون کیف یتخیرون الروايات، وكيف
يميزون بين صحيحها وضعيفها.
(جـ) الروايات التى اعتمد عليها القائلون بأن تلك الآيات التسع مدنية روايات فيها
(١) سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام ص ١٦ لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد المدنى - رحمه الله -
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٢٢
٨
المجلد الخامس
1
مقال، ولم يعتمدها المحققون من العلماء، فقد نقل السيوطى عن ابن الحصار قوله :
استثنى من سورة الأنعام تسع آيات - مدنية - ولا يصح به نقل، خصوصا وأنه قد ورد أنها
نزلت جملة(١).
(د) الذى يقرأ سورة الأنعام بتدبر يجد فيها سمات القرآن المكى واضحة جلية، فهى
تتحدث باستفاضة عن وحدانية الله، وعن مظاهر قدرته، وعن صدق النبى والر فى دعوته،
وعن الأدلة الدامغة التى تؤيد صحة البعث والثواب والعقاب يوم القيامة، إلى غير ذلك من
المقاصد التى كثر الحديث عنها فى القرآن المكى.
ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن كبير فى تركيز الدعوة الإسلامية،
تقرر حقائقها، وتفند شبه المعارضين لها، واقتضت لذلك الحكمة الإلهية أن تنزل - مع طولها
وتنوع آياتها - جملة واحدة، وأن تكون ذات امتياز خاص لا يعرف لسواها كما قرره جمهور
العلماء .
ومن ذلك يتبين أنه لا مجال للقول بأن بعضها من قبيل المدنى، ولا بأن آية كذا نزلت فى
حادثة كذا، فكلها جملة واحدة نزلت بمكة لغاية واحدة، هو تركيز الدعوة بتقرير أصولها والدفاع
عنها(٢).
هذه بعض الأدلة التى تجعلنا نرجح أن سورة الأنعام كلها مكية، وأنها نزلت على النبى وَله
جملة واحدة.
٤ - لماذا سميت بسورة الأنعام؟
الأنعام لغه تطلق على ذوات الخف والحافر من الحيوان، وهى - الإِبل والبقر والغنم - وقد
سميت سورة الأنعام بهذا الإسم، لأنها فصلت الحديث عن هذه الأنواع بطريقة متعددة
الجوانب، متنوعة الأهداف.
وقد تكرر لفظ الأنعام فى تلك السورة ست مرات فى أربع آيات.
أما الآية الأولى فقد حكى القرآن فيها ما كانوا يفعلونه من قسمتهم الحرث والأنعام إلى
١
قسمين : قسم جعلوه لله يتقربون به إليه عن طريق إكرام الضيف ومساعدة المحتاج.
وقسم جعلوه لآلهتهم فذبحوه على الأنصاب، وأنفقوا منها على سدنتها وخدمها، ثم هم بعد
ذلك العمل الباطل لا يعدلون فى القسمة، يجورون أحيانا على القسم الذى جعلوه لله؛ بينما .
(١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى، جـ١ ص ٢٨ طبعة مكتبة المشهد الحسينى سنة ١٣٨٧ هـ.
(٢) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ص ٤٠١ طبعة دار القلم.
٩
مقدمة
يتحرزون عن الجور على القسم الذى جعلوه لشركائهم.
قال تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا
لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان الله فهو يصل إلى شركائهم ساء
ما يحكمون﴾(١).
وأما الآية الثانية فقد ورد فيها لفظ ((الأنعام)) ثلاث مرات، وقد كشف القرآن فيها عن
بعض أعمال المشركين المنكرة، وهى أنهم جعلوا الأنعام ثلاثة أقسام :
قسما لا يأكل منه عند ذبحه إلا سدنة الأوثان والرجال دون النساء. وقسما يحرم ركوبه
كالبحيرة والسائبة والحامى، وقسما لا يذكرون اسم الله عليه عند الذبح وإنما يذكرون أسماء
آلهتهم .
قال تعالى: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام
حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم بما كانوا
يفترون﴾(٢).
وفى الآية الثالثة تحدث القرآن عن لون من ألوان ظلمهم وجهلهم، فقد كانوا يجعلون بعض
ما فى بطون أنعامهم إذا نزل حيًّا كان خاصًا بالرجال دون النساء، وإذا نزل ميتًا فالرجال
والنساء فيه شركاء.
قال تعالى: ﴿وقالوا ما فى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن
ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم﴾(٣).
أما الآية الرابعة، فقد بين القرآن فيها جانبًا من نعم الله على عباده، إذ جعل لهم من الأنعام
أنواعا تذبح لينتفعوا بلحومها وشحومها وجلودها وأنواعا تحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه
إلا بشق الأنفس.
قال تعالى: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشًا، كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه
لكم عدو مبين﴾(٤).
وهناك آيات أخرى سوى هذه الآيات السابقة تناول الحديث فيها أحكامًا أخرى تتعلق
بالأنعام، وسنفصل القول فيها عند تفسيرنا لها - بعون الله - تعالى -.
(١) الآية ١٣١
(٢) الآية ١٣٨
(٣) الآية ١٣٩
(٤) الآية ١٤٣
٠٠
١
١٠
المجلد الخامس
٥ - مناسبتها لما قبلها :
وقد جرت عادة بعض المفسرين أن يعقدوا مناسبة بين السورة وبين سابقتها، ولعل أكثرهم
توسعًا فى ذلك الإِمام الألوسى فقد قال: ((ووجه مناسبتها لآخر المائدة أنها افتتحت بالحمد
والمائدة اختتمت بفصل القضاء وهما متلازمان، كما قال - سبحانه - ﴿وقضى بينهم بالحق وقيل
الحمد لله رب العالمين﴾(١).
وقال الجلال السيوطى فى وجه المناسبة: ((إنه - تعالى - لما ذكر فى آخر المائدة ﴿لله ملك
السموات والأرض وما فيهن﴾ على سبيل الإِجمال، افتتح - جل شأنه - هذه السورة بشرح
ذلك وتفصيله، فبدأ - سبحانه - بذكر خلق السموات والأرض، وضم - تعالى - إليه أنه
جعل الظلمات والنور، وهو بعض ما تضمنه ما فيهن، ثم ذكر أنه خلق النوع الإِنسانى وقضى
له أجلا وجعل له أجلا آخر للبعث، وأنه - جل جلاله - منشىء القرون قرنا بعد قرن، ثم
قال - تعالى - ﴿قل لمن ما فى السموات والأرض﴾ الخ. فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف
المكان. ثم قال ﴿وله ما سكن فى الليل والنهار﴾ فأثبت أنه ملك جميع المظروفات لظرف
الزمان، ثم ذكر - سبحانه - خلق سائر الحيوان من الدواب والطير، ثم خلق النوم واليقظة
والموت، ثم أكثر فى أثناء السورة من ذكر الإِنشاء والخلق لما فيهن من النيرين والنجوم وفلق
الإِصباح وفلق الحب والنوى، وإنزال الماء وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات
معروشات وغير معروشات إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن)).
هذا، وقد عقد فضيلة الشيخ محمود شلتوت - رحمه الله - مقارنة ضافية بين سورة الأنعام
وبين ما سبقها من سور مدنية فقال ما ملخصه :
وأما السور الأربع المدنية التالية لسورة الفاتحة - والسابقة لسورة الأنعام - وهى سور:
البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، فهى بحكم مدنيتها تشترك كلها فى هدف واحد وهو
تنظيم شئون المسلمين بالتشريع لهم باعتبارهم أمة مستقلة، وبإرشادهم إلى مناقشة أهل
جوارهم فيما يتصل بالعقيدة والأحكام، وإلى الأساس الذى يرجعون إليه ويحكمونه فى التعامل
معهم فى حالتى السلم والحرب، وقلما تعرض هذه السور المدنية إلى شىء من شئون الشرك
ومناقشة المشركين.
وهذه السور مع اشتراكها فى أصل الهدف العام، تختلف قلة وكثرة فيما تتناوله من التشريع
الداخلى الخاص بالمسلمين، والتشريع الخارجى الذى يرتبط بهم مع من يخالفهم فى الدين.
(١) تفسير الألوسى جـ ٨ ص ٧٦ طبعة منير الدمشقى.
١١
مقدمة
إن سورة البقرة قد نزلت فى أوائل الهجرة، وقد صار للمسلمين بالهجرة کیان خاص وجوار
خاص، وبذلك كان أمامها هدفان :
الأول : نظم يأخذ بها المسلمون أنفسهم فى عباداتهم ومعاملاتهم : شخصية ومدنية
وجنائية .
والهدف الآخر : إرشاد إلى طريق المناقشة فيما كان مجاوروهم يثيرونه حول الدين والدعوة
من شبه وتشكيكات، وقد تجلى هذان الهدفان بصورة واضحة فى سورة البقرة، برز أحد الهدفين
فى نصفها الأول، وبرز الهدف الثانى فى نصفها الأخير، واقرأ فى الأول على وجه عام من قوله -
تعالى - ﴿يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم وإياى
فارهبون﴾ (الآية ٤٠) إلى قوله -تعالى -: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق. وإن الذين
اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد﴾ (الآية ١٧٦).
واقرأ فى الهدف الثانى قوله - تعالى -: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾
(الآية ١٧٧) إلى نهاية الآية ٢٨٣: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾.
وقد عرضت فى هذا السبح الطويل بعد أن أجملت أوصاف الصادقين فى إيمانهم المتقين فى
أعمالهم لجملة من الأحكام التى تسوس الأمة فيما بينها.
عرضت القصاص، والوصية، والصيام، والقتال، وبعض أحكام الحج. إلخ.
ثم تجىء سورة آل عمران، فتصرف عناية خاصة إلى مناقشة النصارى فى قضية الألوهية،
وإلى كشف بعض صور التزييف التى كان يصطنعها أهل الكتاب إخفاء لحق الإِسلام ودعوته .
ثم ترشد المسلمين إلى ما يحفظ عليهم شخصيتهم، ويقيهم شر الوقوع فى مخالب الأعداء
وترسم لهم فى ذلك الطرق الحكيمة التى تجعل منهم قوة الجهاد فى تأييد الحق وهزيمة الباطل .
وعلى أساس من مشاركة سورة النساء لزميلاتها المدنيات فى أصل الهدف تناولت الأمرين :
تنظيم جماعة المسلمين، ومناقشة أهل الكتاب فى موضوع الألوهية والرسالة، غير أن عنايتها
بجانب التنظيم كانت أشد من عنايتها بجانب المناقشة.
ثم تجىء سورة المائدة فتأخذ سبيل أخواتها أيضًا، فتشرع للمسلمين فى خاصة أنفسهم، وفى
معاملة من يخالطون من أهل الكتاب، مع الإِرشاد إلى طرق محاجتهم والتنبيه على أخطائهم
وتحريفهم للكلم عن مواضعه. وتذكيرهم بسيئاتهم مع أنبيائهم. وقد استغرق ذلك معظم
السورة .
،س
١٢
المجلد الخامس
أما سورة الأنعام فإنها لم تعرض لهدف من الأهداف الأصلية التى تميزت بها السور الأربع
المدنية قبلها.
فهى أولا: لم تعرض لشىء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين، كالصوم والحج فى
العبادات، والعقوبات فى الجنايات، والمداينة والربا فى الأموال، وأحكام الأسرة فى الأحوال
الشخصية .
وهى ثانيًا: لم تذكر فى قليل ولا كثير شيئًا يتعلق بالقتال ومحاربة الخارجين عن دعوة
الإسلام .
وهى ثالثًا: لم تتحدث فى شىء ما عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى وكذلك لم تتحدث
عن طوائف المنافقين ولا عن أخلاقهم السيئة ومسالكهم المظلمة.
وهى رابعًا : لا نجد فيها مع ذلك كله نداء واحدا للمؤمنين باعتبارهم جماعة تنتظمها وحدة
الإِيمان، لا نجد فيها شيئًا من هذا كله كما وجدناه جميعًا فى السور الأربع السابقة، وإنما نجد
الحديث فيها يدور بشدة وقوة حول العناصر الأولى للدعوة، ونجد سلاحها فى ذلك، الحجة
المتكررة، والآيات المصرفة، والتنويع العجيب فى طرق الإِلزام والإِقناع : تذكر توحيد الله فى
الخلق وفى الإِيجاد، وفى العبادة والتشريع، وتذكر موقف المكذبين وتقص عليهم ما حاق
بأمثالهم السابقين، وتذكر شبههم فى الرسالة، وتذكر يوم البعث والجزاء.
ولعلنا بعد هذا نلمس الفرق الجلى الواضح بين منهج سورة الأنعام، ومنهج السور الأربع
المدنية قبلها))(١).
٦ - عرض عام لسورة الأنعام :
عندما نفتح كتاب الله لنتدبر ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد حكيمة، وتوجيهات
نافعة، نراها فى مطلعها قد ابتدأت بحمد الله والثناء عليه وبيان استحقاقه لذلك، لأنه -
سبحانه - هو الخالق السموات والأرض وما بينهما، وهو العليم الذى لا يخفى عليه شيء فى
الأرض ولا في السماء.
قال تعالى: ﴿الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين
كفروا بربهم يعدلون* هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا، وأجل مسمى عنده، ثم أنتم
تمترون* وهو الله فى السموات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون﴾.
(١) تفسير القرآن الكريم ص ٣٦٢ وما بعدها. لفضيلة الشيخ محمود شلتوت طبعه دار القلم.
١٣
مقدمة
ثم تحدثت السورة الكريمة عن طبائع المعاندين، وأنذرتهم جسوء المصير إذا ما استمروا فى
عتوهم وجحودهم، وساقت لهم - ليعتبروا، ما حل بالمكذبين الذين سبقوهم والذين كانوا
أشد منهم قوة وأكثر جمعًا، فعليهم أن يفيئوا إلى رشدهم حتى لا يصيبهم ما أصاب المكذبين من
قبلهم .
استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البليغ المؤثر، فيقول تعالى: ﴿وما تأييهم
من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين* فقد كذبوا بالحق لما جاءهم، فسوف يأتيهم أنباء
ما كانوا به يستهزئون* ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الأرض، ما لم نمكن
لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا
من بعدهم قرنًا آخرين﴾ .
ثم تأخذ السورة بعد ذلك فى تسلية الرسول * فترسم صورة عجيبة لمكابرة المشركين وأنهم
قد غدوا -لانطماس بصيرتهم واستيلاء الجحود على قلوبهم-لایجدی معهم توجیه أودلیل،
حتى أنهم لو نزل عليهم کتاب من السماء فلمسوه بأيديهم، وقرأوه بأعينهم، وعرفوا منه صدق ..
نبوتك يا محمد، لقالوا بعد كل ذلك ﴿إن هذا إلا سحر مبين﴾.
قال تعالى: ﴿ولو نزلنا عليك كتابًا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا
إلا سحر مبين* وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون*
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون* ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق
بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾.
فإذا ما وصلنا إلى الربع الثانى من سورة الأنعام، ألفيناها تسوق حشودا من البراهين الدالة
على وحدانية الله وقدرته بطريقة تحمل الترغيب تارة والترهيب أخرى، وبأسلوب يسكب فى
القلوب السكينة والطمأنينة، ويقنع العقول السليمة بأن المستحق للعبادة والخضوع إنما هو الله
وحده .
﴿قل لمن ما فى السموات والأرض، قل لله، كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم
القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون* وله ما سكن فى الليل والنهار وهو
السميع العليم* قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض وهو يُطعِمِ ولا يُطعَم قل إنى
أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشرکین» قل إنى أخاف إن عصيت ربی عذاب
يوم عظيم* من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين* وإن يمسسك الله بضر
فلا كاشف له إلا هو*وإن يمسسك بخير فهو على كل شىء قدير* وهو القاهر فوق عباده وهو
· الحكيم الخبير» قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هذا القرآن
١٤
المجلد الخامس
لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى. قل لا أشهد. قل إنما هو إله واحد
وإننى برىء مما تشركون﴾.
ثم ذكرت السورة بعد ذلك حال المكذبين بيوم القيامة. فوضحت أنهم فى هذا اليوم الهائل
الشديد ينكرون أنهم كانوا مشركين ولكن هذا الإنكار لن ينفعهم شيئا لأن الذى يخاطبهم هو
العليم الخبير.
﴿ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون* ثم لم
تكن فتنتهم إلا أن قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين* أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم
ما كانوا يفترون﴾.
ثم تمضى الآيات فى الحديث عن مشاهد يوم القيامة، فتصور حسرتهم وندمهم عندما يقفون
على النار التى كانوا يكذبون بها فى الدنيا، وعندما يقفون أمام ربهم الذى كانوا يشركون معه آلهة
أخرى فتقول :
﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين* بل
بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولوردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون* وقالوا إن هى
إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين* ولو ترى إذ وقفوا على ربهم، قال : أليس هذا بالحق ؟ قالوا
بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾.
ثم بعد هذا التصوير المؤثر لأحوال المشركين يوم القيامة، يتركهم القرآن مؤقتًا ليوجه خطابه
إلى النبى وَل﴿ مسليا له، ومثبتا لقلبه، وداعيا إياه إلى الصبر على تحمل الرسالة بدون كلل أو
ملل، وإلى التأسى بمن سبقوه من أولى العزم من الرسل.
قال تعالى: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون، فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات
الله يجحدون* ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما کذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا
ولامبدل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبإى المرسلين. وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن .
.- استطعت أن تبتغى نفقًا فى الأرض أوسلمًا فى السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على
الهدى فلا تكونن من الجاهلين﴾.
أما الربع الثالث من السورة الكريمة فقد افتتح ببيان أن الذين يستجيبون لدعوة الحق إنما هم
الذين يسمعون ويتعظون وهم الأحياء حقا، أما من ماتت قلوبهم فصارت لا تتفتح للحق،
ولا تتقبل الهداية فإن مصيرهم إلى الله، فهو - سبحانه وتعالى - سيجازيهم بسبب جحودهم
وعنادهم ومطالبتهم لنبيهم بالمطالب المتعنتة التى لا فائدة من ورائها.
قال تعالى : ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله، ثم إليه يرجعون* وقالوا :
١٥
مقدمة
لولا نزل عليه آية من ربه. قل: إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾.
ثم تدعوهم السورة بعد ذلك بأسلوب تلقينى إنذارى إلى التفكر والتدبر فى مظاهر قدرة الله
وتبين لهم بطريقة منطقية مقنعة أن الله وحده هو القادر على سلب أسماعهم وأبصارهم، وهو
القادر على إنزال العذاب بهم أو رفعه عنهم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى
بأسلوبه الفريد فيقول :
﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة، أغير الله تدعون إن كنتم صادقين» بل
إياه تدعون، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون﴾.
ثم يقول: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله
يأتيكم به. انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون* قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ..
أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون﴾.
ثم وضحت السورة أن وظيفة الرسل إنما هى التبشير للمتقين والإِنذار للمكذبين وأن النبى
وَّيه لم يقل لهم إنى أملك خزائن الأرض، أو إنى أعلم الغيب، أو إنى ملك من الملائكة. وإنما
قال لهم: إنى بشر مثلكم أتبع ما يوحى إلى من ربى، والناس مختلفون بعد ذلك فى تلقى نور
الوحى، وجزاؤهم على حسب حالهم وعملهم، فلا يستوى المحسن والمسىء كما لا يستوى
الأعمى والبصير :
قال تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك،
إن أتبع إلا ما يوحى إلى، قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾.
ثم تمضى السورة فى سرد توجيهاتها وحكمها فتسوق البشارة للمؤمنين الذين اقترفوا بعض
السيئات ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا، كما تسوق الإِنذار الحاسم للمشركين الذين لم يتبعوا
الطريق القويم فتقول :
﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة، أنه من
عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم* وكذلك نفصل الآيات
ولتستبين سبيل المجرمين﴾.
ثم يمضى السياق مع المكذبين المستعجلين بالعذاب فيطلعهم ويطلع غيرهم فى الربع الرابع
من السورة على صورة شاملة لعلم الله الواسع، وقدرته النافذة، وحكمته الحكيمة، ويطوف
بهم فى مجاهل الغيب الذى لا يعلمه إلا هو، وفى عالم البر والبحر الذى لا يخرج منه شىء عن
إرادته، وفى ظلمات الأرض المخبوءة التى لا يحيط بها إلا علمه، ثم يريهم كيف أنهم محكومون
١٦
المجلد الخامس
بإرادته. وأن حركاتهم وسكناتهم مردها إليه، وأنهم فى ساعة الشدة والكرب لا يلوذون
إلا بحماه .
تدبر كتاب الله وهو يحكى كل ذلك بطريقته المقنعة للعقل والعاطفة فيقول :
﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما فى البر والبحر، وما تسقط من ورقة
إلا يعلمها، ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين» وهو الذى
يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى، ثم إليه مرجعكم
ثم ينبئكم بما كنتم تعملون* وهو القاهر فوق عباده، ويرسل عليكم حفظة، حتى إذا جاء
أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون* ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو
أسرع الحاسبين* قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعًا وخفية، لئن أنجانا من
هذه لنكونن من الشاكرين* قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون* قل هو القادر
على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذبق بعضكم
بأس بعض، انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾.
وبعد هذا البيان الذى تعددت مظاهر عظاته وعبره، وتنوعت ألوان هداياته وإرشاداته اتجه
القرآن بالخطاب إلى النبى ◌َّيه ليقول له مسليًا ومثبتًا: إن قومك قد كذبوك مع أن ما معك هو
الحق المبين قل لهم :
﴿لست عليكم بوكيل* لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون﴾.
ثم يأمره ويأمر كل من يتأتى له الخطاب بالإِعراض عن الجاهلين الذين يخوضون فى آيات الله
بغير علم فيقول :
﴿وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره، وإما
ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين* وما على الذين يتقون من حسابهم
من شىء ولكن ذكرى لعلهم يتقون﴾.
ثم تبدأ السورة فى الربع الخامس منها جولة جديدة لتثبيت العقيدة السليمة فتسلك طريق
القصة، وتتخذ من إبراهيم أبى الأنبياء نموذجا لاستقامة الفطرة، وسلامة التفكير وحسن
الإِدراك ويقظة العقل، فقد رأى إبراهيم - عليه السلام - بفطرته النقية أن الأصنام لا يعقل
أن تكون آلهة. وخاطب أباه وقومه بذلك، واعتبرهم بهذا الإِشراك فى ضلال مبين، ثم اتجه إلى
التعرف على الإِله الحق فتخيله فى كوكب، ولكنه حين أفل وزال قال: ﴿لا أحب الآفلين) لأن
الإِله الحق لا يغيب ولا يزول. ثم ظن الألوهية فى ذلك القمر الذى ينسكب نوره فى الوجود
١٧
مقدمة
فيضىء الليل البهيم، ولكنه رأى القمر - أيضًا - يأفل ويغيب فأعرض عن اتخاذه إلها والتمس
من الإِله الحق أن يهديه إلى الصراط المستقيم.
فلما أصبح الصباح ورأى الشمس وقد أشرقت وعم ضوؤها الآفاق قال : ﴿هذا ربى﴾ لأنها
أكبر مصادر الضوء، فلما غابت الشمس أدرك بفطرته السليمة أن الإِله لا یغیب ولا یکون شيئا
محسوسا، فقرر البراءة من الشرك، واتجه إلى الخالق الحق الذى تدل آثاره على وجوده وعلى
مخالفته لمخلوقاته فقال: ﴿إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من
المشركين﴾. ثم أخذ بعد ذلك يجادل قومه ويرشدهم إلى الصراط المستقيم، ويقيم لهم الأدلة
على بطلان معتقداتهم.
تأمل معى - أيها القارىء الكريم - تلك الآيات الكريمة التى تحكى كل هذه المعانى بأسلوبها
البديع فتقول :
﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة، إنى أراك وقومك فى ضلال مبين* وكذلك
نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين* فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا
قال هذا ربى، فلما أفل قال لا أحب الآفلين* فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربى، فلما أفل قال
لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين* فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر،
فلما أفلت قال يا قوم إنى برىء مما تشركون* إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض
حنيفًا وما أنا من المشركين﴾.
ثم مضت السورة الكريمة فى الحديث عن رسل الله الذين آتاهم الله الحجة على أقوامهم،
وختمت الحديث عنهم بالثناء عليهم ووجوب الاقتداء بهم فى هديهم وسلوكهم.
﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا
بها بكافرين* أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى
للعالمین﴾ .
وبعد هذا القصص المذكر، والتوجيه المنبه، والتدليل الواضح على وحدانية الله وقدرته
ساقت لنا السورة فى الربع السادس منها حشودًا متنوعة من مظاهر قدرة الله ومن نعمه التى
لا تحصى على عباده. إنها هنا توقفنا أمام هذا الكون الرائع البديع لتقول لنا : انظروا ماذا فى
السموات والأرض، ثم اتجهوا بالعبادة والخضوع إلى الله رب العالمين، فهو الذى فلق الحب
فكان منه النبات، وفلق النوى فكان منه الشجر، وهو الذى يخرج الحى من الميت ويخرج الميت
من الحى، وهو الذى يأتيكم بالضياء بعد الليل المظلم لكى تبتغوا من فضله، ويأتيكم بالليل
بعد النهار لكى تسكنوا فيه بعد طول الكدح والعناء، وهو الذى يسير الشمس والقمر بتقدير
١٨
المجلد الخامس
دقيق وحساب لا يتخلف، وهو الذى زين السماء بالنجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر،
وهو الذى أوجدكم جميعا من نفس واحدة لها مستقر فى أصلاب الرجال ومستودع فى أرحام
النساء، وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شىء. لأن الماء قوام الحياة.
استمع إلى القرآن وهو يحكى كل هذه النعم الدالة على قدرة الله وفضله فيقول :
﴿إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحى من الميت، ومخرج الميت من الحى، ذلكم الله فأنى
تؤفكون* فالق الإصباح وجعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، ذلك تقدير العزيز
العليم* وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم
يعلمون* وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون*
وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضرًا نخرج منه حبًا
متراكبًا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير
متشابه، انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه، إن فى ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾.
وبعد أن ساق القرآن كل هذه النعم التى أسبغها الله على الناس، والتى من شأنها أن تجعلهم
يخصونه بالعبادة والاستعانة، بعد كل ذلك صرح بأنه - مع كل هذه النعم - أضحى الكثيرون
من خلقه يشركون معه آلهة أخرى، ويزعمون أن له بنين وبنات.
ولقد رد القرآن على هؤلاء الجاحدين بالحجة البالغة التى تدمغ باطلهم وتخرس ألسنتهم،
وتنزه الخالق - عز وجل - عما قالوه وافتروه بغير علم فقال :
﴿وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، سبحانه وتعالى عما
يصفون* بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شىء وهو
بكل شىء عليم. ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه وهو على كل شىء
وكيل. لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾.
ثم تتابع فى الربع السادس منها حديثها عن المكابرين الذين لم يكتفوا بالقرآن معجزة للنبى
وَّر، بل طلبوا منه - على سبيل التعنت - معجزات أخرى حسية، فتحكى السورة أقوالهم
وترد عليهم بما يفضح أكاذيبهم، لأنهم لعنادهم وجحودهم لو أن الله - تعالى - أجاب لهم
مطالبهم ما كانوا ليؤمنوا، إذ هم لا تنقصهم الآيات الدالة على صدق النبى وَّر وإنما الذى
ينقصهم هو القلب المنفتح للحق، والنفس المتقبلة للهداية.
قال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند
الله، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون* ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة
١٩
مقدمة
ونذرهم فى طغيانهم يعمهون. ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل
شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون﴾.
ثم تستطرد السورة الكريمة فتحكى بعض رذائل المشركين فى مآكلهم وذبائحهم، وتنهى
المؤمنين عن الأكل من الذبائح التى لم يذكر اسم الله عليها إلا فى حالة الاضطرار، ثم تغرس ...
فيهم خلق الحياء من الله فتأمرهم أن يتركوا الفواحش ما ظهر وما بطن، ثم تبين لهم أن
المشركين سيثيرون الشكوك والشبهات حول عقيدتهم فعليهم أن يهملوا مجادلاتهم وأن يتركوهم
فى طغيانهم يعمهون :
قال تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين* وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر
اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه، وإن كثيرًا ليضلون
بأهوائهم بغير علم، إن ربك هو أعلم بالمعتدين* وذروا ظاهر الإِثم وباطنه، إن الذين يكسبون
الإِثم سيجزون بما كانوا يقترفون* ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق، وإن
الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾.
يبـ
ثم تضرب السورة الأمثال للكفر والإِيمان، فتشبه الكفر بالموت وتشبه الإِيمان بالحياة،
فكما أنه لا يتساوى الميت مع الحى، فكذلك لا يتساوى الضال الذى هو كالميت مع المؤمن الذى
يحيا حياة طيبة وله نور يمشى به فى الناس، ثم تبين أنه من دأب الجاحدين والحاقدين محاربة
الحق، وأنه ليس بغريب أن يحارب زعماء قريش الدعوة الإِسلامية لأنهم يحسدون صاحبها على
ما آتاه الله من فضله، ويطلبون أن تكون النبوة فيهم مع أن النبوة هبة من الله يهبها لمن يشاء من
عباده، وأنهم بسبب هذا الحقد سيصيبهم عذاب شديد من الله - عز وجل -.
قال تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشى به فى الناس كمن مثله فى
الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون* وكذلك جعلنا فى كل قرية
أكابر مجرميها ليمكروا فيها، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون* وإذا جاءتهم آية قالوا لن
نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوق رسل الله* الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا
صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون* فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإِسلام
ومن برد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد فى السماء، كذلك يجعل الله الرجس
على الذين لا يؤمنون* وهذا صراط ربك مستقيمًا قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون﴾.
فإذا ما وصلنا إلى الربع الثامن من سورة الأنعام، رأيناها تعرض مشهدا من مشاهد يوم
القيامة، تعرض مشهد الحشر للجن والإِنس وهم يتناقشون ويتلاومون ويتحسرون، ولكن
ذلك لن يفيدهم لأنهم قد وسوس بعضهم إلى بعض زخارف من الأباطيل والأكاذيب. تعرض
٢٠
المجلد الخامس
مشهدهم عندما يقفون أمام ربهم فيسألهم: ﴿ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى
وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾؟ وهنا لا يملكون، إلا الشهادة على أنفسهم بأن الرسل الكرام قد
بشروهم وأنذروهم، ولكن الشيطان هو الذى استحوذ عليهم فجعلهم يستحبون العمى على
الهدى.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور هذا المشهد بأسلوبه الرائع فيقول :
﴿ويوم يحشرهم جميعًا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإِنس، وقال أولياؤهم من الإِنس ربنا
.. استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ماشاء
الله، إن ربك حكيم عليم* وكذلك نولی بعض الظالمین بعضًا بماكانوا يكسبون* يامعشر الجن
والإِنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على
أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾.
ومع أن السورة الكريمة قد تعرضت - فيما سبق منها - بصورة موجزة للأباطيل التى كان
يتبعها المشركون فى ذبائحهم ومآكلهم ومشاربهم، إلا أنها هنا - فى أواخر الربع الثامن وفى ...
معظم الربع التاسع - قد أفاضت القول فى استعراض رذائل المشركين التى تتعلق بنذورهم
ومطاعمهم وذبائحهم وما أحلوه وما حرموه، وذلك لأن السورة الكريمة تريد أن تنقى العقيدة
الإِسلامية من كل ما كان سائدا فى الجاهلية من معتقدات باطلة، وأفعال قبيحة، وتقاليد وثنية
موروثة، وعادات جاهلية مرذولة، فتحدثت عن أوهامهم التى منها أنهم جعلوا لله مما خلق
نصيبًا وجعلوا لآلهتهم نصيبًا آخر، ثم هم بعد ذلك لا يعدلون فى قسمتهم مع بطلانها، بل تارة
يأخذون من نصيب الله الذى هو للفقراء فيجعلونه لسدنة أصنامهم وخدامها. ومنها أن يعضهم
كانوا يقتلون أولادهم سفها بغير علم لأن الشياطين زينت لهم ذلك. ومنها أنهم شرعوا
لأنفسهم أحكاما ما أنزل الله بها من سلطان.
ولقد حكى القرآن بعض هذه الرذائل التى كانت متفشية فيهم، ووبخهم عليها ونهى
المؤمنين عن سلوك مسلكهم فقال :
﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا،
فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان الله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون»
وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم،
ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾.
ثم قال: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على
الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين﴾.