Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
سورة المائدة
وَلَا تَكْتُمُ شَهِدَةَ الَّهِ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ اْلْأَثِمِينَ {(٢) فَإِنْ عُثِرَ عَّ
أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمَا فَا خَرَانِ يَقُومَانٍ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ
اُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ فَيُفْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنُنَا أَحَقٌّ
مِن شَهَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (٧) ذَلِكَ
أَدْنَ أَنْ يَأْتُواْبِالشَّهَدَةٍ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّأَعْمَنُ بَعْدَ
١١٠٨
أَيْمَنِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْمَعُوْاْ وَاللَّهُلَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة فى تفاصيلها إلا أنها متقاربة فى
مغزاها .
ومن ذلك ما ذكره ابن كثير بقوله : روى ابن أبى حاتم عن أبن عباس عن تميم الدارى فى
هذه الآية ﴿يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ قال: برىء الناس منها غيرى وغير عدى بن بداء،
وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإِسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبنى
سهم يقال له ((بديل بن أبى مريم)) بتجارة، معه جام من فضة أى إناء من فضة - يريد به
الملك، وهو أعظم تجارته؛ فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك إلى أهله - أى :
يوصلا ما تركه من متاع لورثته.
قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمنا الثمن أنا وعدی، فلما
قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا : ما ترك غير هذا،
وما دفع إلينا غيره.
قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبى و ﴿ المدينة تأثمت من ذلك، فأتبت أهله فأخبرتهم
الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبى مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم
النبى وَيّ أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه، فحلف فنزلت: ﴿يأيها الذين آمنوا شهادة﴾
الآيات فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفاه فنزعت الخمسمائة من عدى بن
بداء(١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٩٥
مجـ
٣٢٢
المجلد الرابع
وقال القرطبى : ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الدارى وعدى بن بداء،
روى البخارى والدارقطنى وغيرهما عن ابن عباس قال : كان تميم الدارى وعدى بن بداء
يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من بنى سهم فتوفى بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما
فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب - أى عليه صفائح الذهب مثل
خوص النخل - فاستحلفهما رسول الله وَّر ((ماكتمتما ولا اطلعتما)) ثم وجد الجام بمكة فقالوا :
اشتريناه من عدى وتميم، فجاء رجلان من ورثة السهمى فحلفا أن الجام للسهمى، ولشهادتنا
أحق من شهادتهما وما اعتدينا، قال: فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآيات(١).
هذا، والمعنى الإِجمالى لهذه الآيات : أن الله - تعالى - شرع لكم - أيها المؤمنون - الوصية
فى السفر فعلى من يحس منكم بدنو أجله وهو فى السفر أن يحضر رجلا مسلما يوصيه بإيصال ماله
لورثته فإذا لم يجد رجلا مسلما فليحضر كافرا، والاثنان أحوط، فإذا أوصلا ما عندهما إلى ورثة
الميت. وارتاب الورثة فى أمانة هذين الرجلين، فعليهم فى هذه الحالة أن يرفعوا الأمر للحاكم،
وعلى الحاكم أن يستحلف الرجلين بالله بعد الصلاة بأنهما ماكتما شيئًا من وصية وما خانا.
فإذا ظهر بعد ذلك للحاكم أو لورثة الميت أن هذين الرجلين لم يكونا أمينين فى أداء ما كلفهما
الميت بأدائه، فعندئذ يقوم رجلان من أقرب ورثة الميت، ليحلفا بالله أن شهادتهما أحق وأولى
من شهادة الرجلين الأولين، وأن هذين الرجلين لم يؤديا الوصية على وجهها.
ثم بين - سبحانه - فى الآية الثالثة أن ما شرعه الله لهم هو أضمن طريق لأداء الشهادة على
وجهها الصحيح وعليهم أن يراقبوه ويتقوه لكى يكونوا من المؤمنين الصادقين :
هذا هو المعنى الإِجمالى للآيات الكريمة سقناه قبل تفصيل الفول فى تفسيرها حتى يتهيأ الذهن
لفهمها بوضوح.
قال الألوسى: وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين
الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ .. إلخ استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم، إثر
بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم وفيه من إظهار العناية بمضمونه مالا يخفى.
وللشهادة معان منها، الإِحضار والقضاء، والحكم، والحلف، والعلم والإِيصاء، والمراد بها
هنا الأخير، كما نص عليه جماعة من المفسرين))(٢).
وقوله : ﴿شهادة﴾ يصح أن يكون مبتدأ وخبره قوله: ﴿اثنان﴾ على حذف مضاف. أى:
شهادة اثنين.
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٤٦
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٧ ص ٤٦
٣٢٣
سورة المائدة
ويصح أن يكون مبتدأ والخبر محذوف. أى: فيما أمرتم به أن يشهد اثنان : ويكون قوله
﴿اثنان﴾ فاعلا لقوله ﴿شهادة﴾ وعليه تكون إضافة قوله ﴿شهادة﴾ إلى الظرف وهو ﴿بينكم﴾
على التوسع .
قال القرطبى: قوله ﴿شهادة بينكم﴾ قيل: معناه شهادة ما بينكم فحذفت ((ما)) وأضيفت
الشهادة إلى الظرف،، واستعمل اسما على الحقيقة، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على
السعة. ومنه قوله - تعالى - ﴿هذا فراق بينى وبينك﴾ أى: ما بينى وبينك))
والمراد بقوله : ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ ظهور أماراته وعلاماته وهو ظرف متعلق بقوله :
((شهادة)».
وقوله : ﴿حين الوصية﴾ بدل من الظرف. وفى هذا الابدال تنبيه على أن الوصية لا ينبغى
أن یتهاون فيها .
وقوله : ﴿ذوا عدل منكم﴾ صفة لقوله ﴿اثنان﴾
وقوله : ﴿أو آخران من غيركم﴾ معطوف على قوله ﴿اثنان﴾.
والمراد من غير المسلمين، ويرى بعضهم أن المراد بقوله (منكم﴾ أى: من قبيلتكم،
وبقوله: ﴿من غيركم﴾ أى: من غير قبيلتكم.
وقوله : ﴿إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ بيان لمكان الوصية وزمانها.
والمراد بالضرب فى الأرض السفر فيها وقيل للمسافر ضارب فى الأرض لأنه يضربها برجليه
أو بعصاه.
والمراد بقوله: ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ أى: فقاربتم نهاية أجلكم بأن احسستم بدنو
الموت منكم. فليس المراد الموت بالفعل وإنما المراد مشارفته ومقاربته.
وسمى - سبحانه - الموت مصيبة، لأنه بطبيعته يؤلم، أو يصحبه أو يقاربه أو يسبقه آلام
نفسية .
قال القرطبى : وفى الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة
الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين فى ظنكم ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى
ورثتكم بالتركة فارتابوا فى أمرهما، وادعو عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة،
أى تستوثقوا منهما))(١).
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٥٢
٣٢٤
المجلد الرابع
فقوله : ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله﴾ كلام مستأنف لبيان ما يجب على الحاكم
أن يفعله عند الشك فى أمانة الرجلين اللذين دفع إليهما الميت ما له ليوصلاه إلى أهله.
ومعنى ﴿تحبسونهما﴾ توقفونهما وتمسكونهما لأداء اليمين اللازمة عليهما والمراد بالصلاة: صلاة
العصر. وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة من التابعين.
قال الفخر الرازى: إنما عرف هذا التعيين بوجوه :
أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعده، فالتقييد بالمعروف المشهور
أغنى عن التقييد باللفظ.
وثانيها: ما روى أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبى ◌ّل﴿ العصر، ودعا بعدى وتميم
فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل الرسول دليلا على التقييد.
وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه، ويحترزون عن
الحلف الكاذب(١).
وقال الزهرى: المراد بالصلاة، الصلاة مطلقًا: وإنما كان الحلف بعد الصلاة، لأنها داعية
إلى النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور.
أى : توقفون - أيها المسلمون - هذين الرجلين بعد الصلاة لأداء اليمين ﴿فيقسمان بالله﴾.
أی : فيحلفان بالله ﴿إِن آرتبتم﴾ فی صدقهما، بأن یقولا : ﴿لانشتری به ثمنا ولو کان ذا
قربى﴾ أى: لا نحصل بيمين الله عرضًا من أعراض الدنيا، ولو كان من نقسم له ونشهد عليه
قريبا لنا.
﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ أى: ولا نكتم الشهادة التى أمرنا الله بإظهارها وأدائها ﴿إنا إذا لمن
الآثمين﴾ أى: إنا إذا لتكونن معدودين من المستقرين فى الذنوب والآثام إن كتمناها وبدلناها
عن وجهها الصحيح.
وقوله ﴿إِن ارتبتم﴾ شرط لا يتوجه تحلیف الشاهدین إلا به، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف
فلا يمين.
وجواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله. أى: إن ارتبتم فحلفوهما.
والضمير فى قوله: ﴿به﴾ يعود إلى القسم المفهوم من قوله: ﴿فيقسمان﴾ أى: فيقسمان
بالله لا نشترى بصحة القسم ثمنا مهما كان هذا الثمن.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ١١٧
٣٢٥
سورة المائدة
وقوله: ﴿ولو كان ذا قربى﴾ تأكيد لتنزههما عن الحلف الكاذب.
قال صاحب الكشاف: والضمير فى ﴿به ؛ للقسم وفى ﴿كان﴾ للمقسم له. يعنى :
لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا. أى: لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان
من يقسم له قريبًّا منا، على معنى: أن هذه عادتهم فى صدقهم وأمانتهم أبدًا، وأنهم داخلون
تحت قوله - تعالى - ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين
والأقربيين﴾(١).
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أكد هذا القسم بجملة من المؤكدات منها : أن الحالفين
يحلفان بأنهما لا يحصلان بيمين الله ثمتا مهما كانت قيمته، وبأنهما لن يحابيا إنسانا مهما بلغت
درجة قرابته وبأنهما لن يكتما الشهادة التى أمرهما الله بأدائها على وجهها الصحيح، وبأنهما يقرأن
على أنفسهما باستحقاق عقوبة الآثم المذنب إن كتما أو خانا أو حادا عن الحق، وهذا كله لأجل
أن تصل وصية الميت إلى أهله كاملة غير منقوصة.
ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا تبين أن الرجلين اللذين دفع إليهما الموصى ما له لم يكونا
أمينين فقال: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم
الأوليان﴾ .
وقوله: ﴿عثر﴾ أى: اطلع. يقال عثر الرجل على الشىء عثورا إذا اطلع عليه. ويقال:
عثرت منه على خيانة أى: اطلعت.
وقوله: ﴿الأوليان﴾ تثنية أولى بمعنى أقرب. فالمراد بقوله ﴿الأوليان﴾ أى: الأحقان
بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما بأحوال الميت.
والمعنى : فان اطلع بعد تحليف الشاهدين الوصيين من جهة الميت على أنهما ﴿استحقا إثما﴾
أى: فعلا ما يوجب الإِثم من خيانة أو كتمان أو ما يشبههما ﴿فآخران يقومان مقامهما﴾ أى:
فرجلان آخران يقومان مقام اللذين اطلع على خيانتهما : أى يقفان موقفهما فى الحبس بعد
الصلاة والحلف ويكون هذان الرجلان الآخران ﴿من الذين استحق عليهم الأوليان﴾.
قال القرطبى : قال ابن السرى: أى من الذين استحق عليهم الإِيصاء واختاره ابن
العربى؛ وأيضًا فإن التفسير عليه، لأن المعنى عند أهل التفسير: من الذين استحقت عليهم
الوصية(٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٨٨
(٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٥٨
٣٢٦
المجلد الرابع
وقال بعض العلماء : قوله ﴿من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ أى: من ورثة الميت الذين
استحق من بينهم الأوليان أى: الأقربان إلى الميت، الوارثان له. الأحقان بالشهادة، أى :
اليمين. فقوله ﴿الأوليان﴾ فاعل ﴿استحق﴾.
ومفعول ﴿استحق﴾ محذوف، قدره بعضهم ((وصيتهما)) وقدره ابن عطية ((مالهم وتركتهم))
وقدره الزمخشرى. أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ويظهروا بهما كذب الكاذبين.
وقرىء ﴿استحق﴾ على البناء للمفعول. أى من الذين استحق عليهم الإِثم أى ((جنى
عليهم))، وهم أهل الميت وعشيرته. وعليه فقوله: ﴿الأوليان﴾ هو بدل من الضمير فى
﴿يقومان﴾ أو من ﴿آخران﴾(٢).
وقوله : ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين) بيان
لكيفية اليمين التى يحلفها هذان الأوليان.
أى: فيحلف بالله هذان الأوليان - أى الأقربان إلى الميت - قائلان ﴿لشهادتنا﴾ أى:
ليميننا ﴿أحق﴾ بالقبول ﴿من شهادتهما﴾ أى: من يمينهما ﴿وما اعتدينا﴾ أى: وما تجاوزنا الحق
فى يميننا وفيها نسبناه إليهما من خيانة ﴿إنا إذاً لمن الظالمين﴾ أى إنا إذا اعتدينا وقلنا فيهما خلاف
الحق لنكونن فى زمرة الظالمين لأنفسهم المستحقين لسخط الله وعقابه.
قال الآلوسي : وقوله ﴿فيقسمان بالله﴾ معطوف على ﴿يقومان﴾ فى قوله: ﴿فآخران يقومان
مقامهما﴾ والسببية ظاهرة وقوله: ﴿لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ جواب القسم. والمراد
بالشهادة هنا - عند الكثيرين - اليمين كما فى قوله - تعالى - ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات
بالله﴾﴾ .
وصيغة التفضيل ﴿أحق﴾ إنما هى لإِمكان قبول يمينهما فى الجملة باعتبار صدقهما فى إدعاء
تملكهما لما ظهر فى أيديهما))(٢).
. ثم بين - سبحانه - وجه الحكمة والمصلحة فيما شرعه مما تقدم تفصيله فقال ﴿ذلك أدنى أن .
يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾
فاسم الإِشارة ﴿ذلك﴾ يعود إلى ما شرعه الله من أحكام تتعلق بالوصية التى تكون فى السفر
ويموت صاحبها.
أى: ذلك الحكم المذكور ﴿أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ أى: أقرب إلى أن يؤدى
شـ
(١) تفسير الآلوسي جـ ٧ ص ٥١ - بتصريف وتلخيص
(٢) تفسير القاسمى جـ ٦ ص ٦٦
٣٢٧
سورة المائدة
الأوصياء الشهادة فى هذه الحادثة وأمثالها على وجهها الصحيح. أى : على حقيقتها من غير تغيير
لها خوفا من عذاب الآخرة. فالوجه فى قوله ﴿على وجهها﴾ بمعنى الذات والحقيقة.
والجملة الكريمة بيان لحكمة مشروعية التحليف بالتغليظ المتقدم، وقوله : ﴿أو يخافوا أن ترد
أيمان بعد أيمانهم) بيان لحكمة رد اليمين على الورثة. وهو معطوف على مقدر ينبىء عنه المقام
فكأنه قيل : ذلك الذى شرعناه لكم أقرب إلى أن يأتى الأوصياء بالشهادة على وجهها الصحيح
ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة، أو يخافوا أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم
فيظهر كذبهم على رؤوس الأشهاد، فيكون ذلك الخوف داعيا لهم إلى النطق بالحق وترك
الكذب والخيانة .
فأى الخوفين حصل عندهم سيقودهم إلى التزام الحق وترك الخيانة وإيصال الحقوق لذويها
كاملة غير منقوصة.
فمن لم يمنعه خوف الله من أن يكذب أو يخون لضعف دينه منعه خوف الفضيحة على رءوس
الأشهاد.
ثم قال - سبحانه ﴿ذلك أدنى﴾ أى أقرب إلى الحق وأبعد عن الباطل لأن معرفة الحق من
كل وجوهه وجزئياته، مرجعها إلى الله العليم بخفايا الأمور وبواطنها وبواعثها. أما الحاكم فإنه
يحكم على حسب ما يظهر له من حق، وحكمه قابل للخطأ والصواب.
والضمير فى قوله ﴿يأتوا، ويخافوا، وأيمانهم﴾ يعود إلى الأوصياء الذين أوصاهم الميت
بإيصال ما يريد إيصاله لورثته، ثم حدث شك من الورثة فى أمانتهم.
وجاء الضمير مجموعا مع أن السياق لاثنين فقط، لأن المراد ما يعم هذين المذكورين وما يعم
غيرهما من بقية الناس.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ﴿واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم
الفاسقين﴾ .
أى: واتقوا الله فى كل ما تأتون وتذرون من أموركم واسمعوا ماتؤمرون به سماع إذعان
وقبول وطاعة واعلموا أن الله - تعالى - لا يوفق القوم الخارجين عن طاعته إلى طريق الخير
والفلاح، لأنهم آثروا الغى على الرشد واستحبوا العمى على الهدى.
فهذا الختام للآية الكريمة اشتمل على ابلغ الوان التحذير من معصية الله ومن مخالفة أمره.
هذا؛ ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
١ - الحث على الوصية وتأكيد أمرها، وعدم التهاون فيها بسبب السفر أو غيره، لأن الوصية
٣٢٨
المجلد الرابع
تثبت الحقوق، وتمنع التنازع ولهذا شدد الإِسلام فى ضرورة كتابة الوصية، والشخص قوى
معافى، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله يآلي قال: «ما حق امرىء مسلم له شىء
يريد أن يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)).
قال ابن عمر - راوى هذا الحديث -: ما مرت على ليلة منذ سمعت رسول الله قال ذلك
إلا وعندى وصیتی))(١).
٢ - الإشهاد على الوصية فى الحضر والسفر، ليكون أمرها أثبت، والرجاء فى تنفيذها
أقوى، فإن عدم الإشهاد عليها كثيرًا ما يؤدى إلى التنازع وإلى التشكك فى صحتها.
٣ - شرعية اختيار الأوقات والأمكنة والصيغ المغلظة التى تؤثر فى قلوب الشهود وفى قلوب
مقسمى الأيمان، وتحملهم على النطق بالحق.
قال صاحب المنار: ويشهد لاختيار الأوقات جعل القسم بعد الصلاة، ومثله فى ذلك اختيار
المكان ومما ورد فى السنة فى ذلك ما رواه مالك وأحمد وأبو داود. عن جابر مرفوعا، ((لا يحلف
أحد عند منبرى كاذبا إلا تبوأ مقعده من النار)).
ويشهد بجواز التغليظ على الحالف فى صيغة اليمين - بأن يقول فيه ما يرجى أن يكون رادعا
للحالف عن الكذب - ما جاء فى الآيات الكريمة من قوله - تعالى - ﴿فيقسمان بالله - إن
ارتبتم - لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى، ولانكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين﴾(٢).
٤ - جواز تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام أو الخصوم فى شهادتهم، وقد روى عن ابن
عباس أنه حلف المرأة التى شهدت فى قضية رضاع بين زوجين.
٥ - جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين عند الضرورة. وقد بسط الإِمام القرطبى
القول فى هذه المسألة على ثلاثة أقوال :
الأول : أن الكاف والميم فى قوله ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ ضمير للمسلمين، وفى قوله ﴿أو
آخران من غيركم﴾ للكافرين. فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى
السفر إذا كانت وصية. وهو الأشبه بسياق الآية، مع ما تقرر من الأحاديث.
وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وهم : أبو موسى الأشعرى وعبد الله بن
مسعود وعبدالله بن عباس، وتبعهم فى ذلك جمع من التابعين، واختاره أحمدبن حنبل وقال :
(١) صحيح مسلم جـ ٥ ص ٧٠
(٢) تفسير المنار جـ ٧ ص ٢٢٧ - بتصرف وتلخيص -
٣٢٩
سورة المائدة
شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين، كلهم يقولون :
((منكم)) من المؤمنين. ومعنى ﴿من غيركم﴾ يعنى الكفار.
القول الثاني : أن قوله - سبحانه - ﴿أو آخران من غيركم﴾ منسوخ وهذا قول زيد بن
أسلم؛ والنخعى ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء.
واحتجوا بقوله - تعالى - ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وبقوله: ﴿وأشهدوا ذوى عدل
منكم﴾ فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل وأن فيها ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ فهو
ناسخ لذلك، ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب. وهو اليوم طبق
الأرض فسقطت شهادة الكفار وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق
فلا تجوز شهادتهم.
قال القرطبى : قلت : ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه وأن ذلك جائز فى شهادة أهل
الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم وأما مع وجود
مسلم فلا.
ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل، وقد قال بالأولى ثلاثة من
الصحابة ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم.
ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما :
إنه لا منسوخ فيها، وما ادعوه من النسخ لا يصح، فإن النسخ لابد فيه من إثبات الناسخ على
وجه ينافى الجمع بينهما مع تراخى الناسخ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا، فإنه فى قصة غير
قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات.
القول الثالث: أن الآية لا نسخ فيها. قاله الزهرى والحسن وعكرمة، ويكون معنى قوله
﴿منكم﴾ أى من عشيرتكم وقرابتكم .. ومعنى ﴿أو آخران من غيركم﴾ أى: من غير القرابة
والعشيرة .
وهذا ينبنى على معنى غامض فى العربية، وذلك أن معنى ﴿آخر﴾ فى العربية من جنس
الأول، تقول: مررت بكريم وكريم آخر ولا تقول مررت بكريم وخسيس آخر، فوجب على -
هذا أن يكون قوله ﴿أو آخران من غيركم﴾ أى عدلان من غير عشيرتكم من المسلمين))(١).
وبعد أن ساقت السورة الكريمة قبل ذلك ما ساقت من تشريعات حكيمة ومن تفصيل
لأحوال أهل الكتاب وعقائدهم الزائفة. بعد كل ذلك اتجهت السورة فى أواخرها إلى الكلام
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٤٩-٣٥١ بتصرف يسير
٣٣٠
المجلد الرابع
عن أحوال الناس يوم القيامة وعن معجزات عيسى - عليه السلام - وعن موقف الحواريين
منه. قال - تعالى :
يَوْمَ يَجْمَعُ اْللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُحِبْتُمْ قَالُواْلَا عِلْءَ
١٠٠٠
٥, ومُ
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مريم
١٠٩
لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ للا
أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوجِ
الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ وَكَهْلَا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ
اَلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِجِيلِّ وَإِذْ تَخْلُقُ
مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًّا
بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ وَإِذْ تُخْرِجُ
الْمَوْقَى بِإِذْنِّ وَإِذْكَفَفْتُ بَنِّ إِسْرَّهِ يلَ عَنكَ إِذْ
جِئْتَهُمِ بِالْبَيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْمِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
◌ُِّيرٌ
١١٠
قال الفخر الرازى: أعلم أن عادة الله تعالى - جارية فى هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر
أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إما بالإِلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء
أو بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما
ذكر - فيما تقدم أنواعا كثيرة من الشرائع، أتبعها بوصف أحوال القيامة.
ثم قال وفى هذه الآية قولان :
أحدهما : أنها متصلة بما قبلها والتقدير: واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل - فيكون قوله :
﴿يوم بجمع﴾ بدل اشتمال من قوله فى الآية السابقة ﴿واتقوا الله﴾
والقول الثانى : أنها منقطعة عما قبلها والتقدير :
٣٣١
سورة المائدة
اذكروا ﴿يوم يجمع الله الرسل﴾(١).
والمعنى : لقد سقنا لكم - أيها الناس - ماسقنا من الترغيب والترهيب وبينا لكم ما بينا من
الأحكام والآداب، فمن الواجب عليكم أن تتقوا الله وأن تحذروا عقابه، وأن تذكروا ذلك
اليوم الهائل الشديد يوم يجمع الله الرسل الذين أرسلهم إلى مختلف الأقوام. فى شتى الأمكنة
والأزمان فيقول لهم : ماذا أجبتم من أقوامكم؟
أى: ما الإِجابة التى أجابكم بها أقوامكم؟
وخص - سبحانه - الرسل بالذكر - مع أن الرسل وغيرهم سيجمعون للحساب يوم
القيامة - لإظهار شرفهم وللإِيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم من الأقوام لأن
هؤلاء الأقوام إنما هم تبع لهم.
وقال - سبحانه - ﴿ماذا أجبتم﴾ ولم يقل - مثلا - ((هل بلغتم رسالتى أولا))؟ للإِشعار بأن
الرسل الكرام قد بلغوا رسالة الله على أكمل وجه وأن الذين خالفوهم من أقوامهم سيتحملون
وزر مخالفتهم يوم القيامة.
وقوله : ﴿قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب﴾ حكاية لاجابة الرسل فإن قيل: لماذا
نفوا عن أنفسهم العلم مع أن عندهم بعض العلم؟ فالجواب على ذلك أن هذا من باب
التأدب مع الله - تعالى - فكأنهم يقولون : لا علم لنا يذكر بجانب علمك المحيط بكل شىء،
ونحن وإن كنا قد عرفنا ما أجابنا به أقوامنا، إلا أن معرفتنا هذه لا تتعدى الظواهر، أما علمك
أنت - ياربنا - فشامل للظواهر والبواطن، أو أنهم قالوا ذلك إظهارا للتشكى والالتجاء إلى الله
ليحكم بينهم وبين أقوامهم الذين كذبوهم. أو أن مرادهم لا علم لنا بما كان منهم بعد أن
فارقناهم وفارقنا من جاء بعدنا من الناس، لأن علمنا مقصور على حال من شاهدناهم
وعاصرناهم .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد حكى هذه الأقوال وغيرها بأسلوبه البليغ فقال :
فإن قلت : ما معنى سؤالهم؟ قلت : توبيخ قومهم. كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد.
فإن قلت: كيف يقولون: ((لا علم لنا وقد علموا بما أجيبوا؟)).
قلت : يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا
به منهم - أى: بما ابتلوا به منهم -، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا للتشكى واللجأ إلى
ربهم فى الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفت فى أعضادهم، وأجلب لحسرتهم
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ١١٢ - بتصرف وتلخيص -
٣٣٢
المجلد الرابع
وسقوطهم فى أيديهم، إذا اجتمع توبيخ الله لهم وتشكى أنبيائه منهم. ومثاله : أن ينكب بعض
الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على
الانتصار له منه. فجمع بينهما ويقول له : ما فعل بك هذا الخارجى ؟ - وهو عالم بما فعل به -
يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له : أنت أعلم بما فعل بى، تفويضًا للأمر إلى علم سلطانه واتكالا
عليه، وإظهارا للشكاية وتعظيما لما حل به منه . - ولله المثل الأعلى - وقيل: من هول ذلك اليوم
يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أنفسهم.
وقيل معناه: علمنا ساقط مع علمك ومغمور، لأنك علام الغيوب، ومن علم الخفيات لم
تخف عليه الظواهر التى فيها إجابة الأمم لرسلهم.
وقيل معناه: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة، وكيف يخفى عليهم
أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه موبخين))(١).
ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على عيسى وأمه فقال : ﴿إذ قال الله ياعيسى
ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك﴾.
وقوله : ﴿إذ قال الله ياعيسى ابن مريم﴾ بدل من قوله: ﴿يوم يجمع الله الرسل﴾ وقد
نصب بإضمار اذكر.
والمعنى : اذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ يوم يجمع الله الرسل فيقول لهم ماذا أجبتم؟.
واذكر - أيضًا - زيادة فى العبرة والعظة قوله - سبحانه - ﴿لعيسى ابن مريم﴾ تذكر يا عيسى
نعمى المتعددة عليك وعلى والدتك - وعبر بالماضى فى قوله: ﴿إذ قال الله﴾ مع أن هذا القول
سيكون فى الآخرة، للدلالة على تحقيق الوقوع، وأن هذا القول سيحصل بلا أدنى ريب يوم
القيامة .
قال أبو السعود : قوله - تعالى : ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم﴾ شروع فى بيان ما جرى
بينه - تعالى - وبين واحد من الرسل المجموعين، من المفاوضة على التفصيل، إثر بيان ما جرى
بينه - تعالى - وبين الكل على وجه الإجمال ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين،
وتخصيص شأن عيسى بالبيان، لما أن شأنه - عليه السلام - متعلق بكلا الفريقين من أهل
الكتاب الذين نعت عليهم هذه السورة جناياتهم. فتفصيل شأنه يكون أعظم عليهم، وأجلب
لحسراتهم، وأدخل فى صرفهم عن غيهم وعنادهم))(٢).
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٩٠
: (٢) تفسير أبى السعود جـ ٢ ص ٧٠
٠
٣٣٣
سورة المائدة
والمراد بالنعمة فى قوله ﴿اذكر نعمتى﴾ النعم المتعددة التى أنعم بها - سبحانه - على عيسى
وعلى والدته مريم حيث طهرها من كل ريبة، واصطفاها على نساء العالمين. وفى ندائه -
سبحانه - لعيسى بقوله ﴿يا عيسى ابن مريم﴾ إشارة إلى أنه ابن لها وليس ابنا لأحد سواها،
فقد ولد من غير أب، ومن كان شأنه كذلك لا يصلح أن يكون إلها، لأن الإِله الحق لا يمكن أن
یکون مولودا أو محدثا.
وقوله : ﴿إِذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا﴾ تعديد للنعم التى أنعم
الله - تعالى - بها على عيسى.
وقوله ﴿أيدتك﴾ أى قويتك من التأييد بمعنى التقوية.
والمراد بروح القدس : جبريل - عليه السلام - فإن من وظيفته أن يؤيد الله به رسله
بالتعليم الإلهى، وبالتثبيت فى المواطن التى من شأن البشر أن يضعفوا فيها.
وقيل : المراد ﴿بروح القدس﴾ روح عيسى حيث أيده - سبحانه - بطبيعة روحانية مطهرة
فى وقت سادت فيه المادية وسيطرت.
أى: أيدتك بروح الطهارة والنزاهة والكمال، فكنت متسما بهذه الروح الطاهرة من كل
سوء .
والمهد : سن الطفولة والصبا - والكهولة: السن التى يكون فى أعقاب سن الشباب.
والمعنى : اذكر يا عيسى نعمى عليك وعلى والدتك، وقت أن قويتك بروح القدس الذى
تقوم به حجتك، ووقت أن جعلتك تكلم الناس فى طفولتك بكلام حكيم لا يختلف عن
كلامك معهم فى حال كهولتك واكتمال رجولتك.
وقوله: ﴿إذ أيدتك﴾ ظرف لنعمتى. أى: اذكر إنعامى عليكما وقت تأييدى لك. وذكر -
سبحانه - كلامه فى حال الکھولة - مع أن الكلام فى هذه الحالة معهود فی الناس - للإِیذان بأن
كلامه فى هاتين الحالتين - المهد والكهولة - كان على نسق واحد بديع صادر عن كمال العقل
والتدبير، دون أن يكون هناك فرق بين حالة الضعف وحالة القوة. قال الرازى : وهذه خاصية
شريفة كانت حاصلة له، وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده.
وقال ابن كثير: قوله ﴿اذكر نعمتى عليك﴾ أى فى خلقى إياك من أم بلا ذكر، وجعلى إياك
آية ودلالة قاطعة على كمال قدرت ﴿وعلى والدتك﴾ حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما
نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة و﴿إذا أيدتك بروح القدس﴾ وهو جبريل،
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ١٢٥
٣٣٤
المجلد الرابع
وجعلتك نبيا داعيا إلى الله فى صغرك وكبرك. فأنطقتك فى المهد صغيرًا : فشهدت ببراءة أمك
من كل عيب. واعترفت لى بالعبودية. وأخبرت عن رسالتى إياك ودعوتك إلى عبادتى ولهذا
قال: ﴿تكلم الناس فى المهد وكهلا﴾ أى: تدعو إلى الله الناس فى صغرك وكبرك. وضمّن
﴿تكلم﴾ معنى تدعو، لأن كلامه الناس فى كهولته ليس بأمر عجيب))(١).
وقوله: ﴿وإذا علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ بيان لنعمة أخرى من النعم
التى أنعم بها - سبحانه - علی عیسى.
والمراد بالكتاب : الكتابة. أى أن عيسى - عليه السلام - لم يكن أميًا بل كان قارئا وكاتبا
وقيل المراد به ما سبقه من كتب النبيين كزبور داود، وصحف إبراهيم، وأخبار الأنبياء الذين
جاءوا من قبله.
والمراد بالحكمة: الفهم العميق للعلوم مع العمل بما فهمه وإرشاد الغير إليه ..
أى: واذكر وقت أن علمتك الكتابة حتى تستطيع أن تتحدى من يعرفونها من قومك .
ووقت أن علمتك ﴿الحكمة﴾ بحيث تفهم أسرار العلوم فهما سليما تفوق به غيرك، كما علمتك
أحكام الكتاب الذى انزلته على أخيك موسى وهو التوراة وأحكام الكتاب الذى أنزلته عليك
وهو الانجيل.
ثم ذكر - سبحانه - بعض معجزات عيسى، بعد أن بين بعض ما منحه من علم ومعرفة،
فقال: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرًا بإذن﴾ أى: واذكر وقت
أن وفقتك لأن تخلق أى تصور من الطين صورة مماثلة لهيئة الطير (فتنفخ فيها﴾ أى فى تلك الهيئة
المصورة ﴿فتكون﴾ أى فتصير تلك الهيئة المصورة ﴿طيرا بإذنى﴾ أى: تصير كذلك بقدرتى
وإرادتى وأمری.
ثم قال - تعالى: ﴿وتبرىء الأكمه﴾ وهو الذى يولد أعمى؛ وتبرىء كذلك ﴿الأبرص﴾
وهو المريض بهذا المرض العضال ﴿بإذنى﴾.
وقوله : ﴿وتبرىء﴾ معطوف على ﴿تخلق﴾.
وقوله : ﴿وإذ تخرج الموتى بإذنى﴾ معطوف على قوله: ﴿وإذ تخلق من الطين﴾.
أى: واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور أحياء ينطقون
ويتحركون. وكل ذلك بإذنى ومشيئتى وإرادتى.
وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياءه للموتى كان عن طريق الدعاء،
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١١٥
٠
سورة المائدة
٣٣٥
وكان دعاؤه ياحى ياقيوم، وذكروا من بين من أحياهم سام بن نوح(١).
وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض المعجزات التى أعطاها لعيسى لكى ينفع بها الناس، أتبعها
بذكر ما دفعه عنه من مضار فقال: ﴿وإذ كففت بنى إسرائيل عنك إذا جئتهم بالبينات﴾ .
أى: واذكر نعمتى عليك وقت أن صرفت عنك اليهود الذين أرادوا السوء، وسعوا فى قتلك
وصلبك مع أنك قد بشرتهم وأنذرتهم وجئتهم بالمعجزات الواضحات التى تشهد بصدقك فى
نبوتك.
وقوله ﴿فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين﴾ تذييل قصد به ذمهم وتسجيل
الحقد والجحود عليهم.
أى: لقد أعطيناك يا عيسى ما أعطيناك من النعم والمعجزات لتكون دليلا ناطقا بصدقك،
وشاهدًا يحمل الناس على الإِيمان بنبوتك، ولكن الكافرين من بنى إسرائيل الذين أرسلت إليهم
لم يصدقوا ماجئتهم به من معجزات واضحات، بل سارعوا إلى كذيبك قائلين : ما هذا الذى
جئتنا به يا عيسى إلا سحر ظاهر، وتخبيل بين.
وهكذا نرى أن الكافرين من بنى إسرائيل، لم تزدهم البينات التى جاء بها عيسى إلا جحودًا
وعنادًا .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله الحواريون لعيسى، وما طلبوه منه، مما يدل على
إكرام الله - تعالى - لنبيه عيسى فقال :
وَإِذْ أَوْحَيْثُ إِلَى الْحَوَارِبْ نَ أَنْ ءَامِنُواْبِى
وَبِرَسُولِى قَالُوَاْءَامَنَّا وَأَشْهَدْ بِأَنَنَا مُسْلِمُونَ (١) إِذْقَالَ
الْحَوَارِبُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ
يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآبِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ أَتَّقُواْاللَّهَإِن كُنتُم
﴾ قَالُوْزِيدُ أَن نَّأَكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا
مُؤْمِنِينَ
وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ
(١١٣)
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ١٦٩.
٣٣٦
المجلد الرابع
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اَللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَآءِ
تَكُونُ لَنَاعِيدًالِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَةٌ مِّنِكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ
(٣) قَالَ الَهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْبَهُ
خَيْرُ الرَّزِقِينَ
مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ (
(١١٥)
قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله ﴿وإذ أوحيت إلى الحواربين﴾ هذا أيضًا من الامتنان على
عيسى، بأن جعل الله له أصحابًا وأنصارًا - وهم الحواريون - والمراد بهذا الوحى الإِلهام كما فى
قوله: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ وكما فى قوله ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ وقال
بعض السلف فى هذه الآية﴿وإذا أوحيت إلى الحواربين﴾ أى: ألهموا ذلك فامتثلوا
ما الهموا(١).
فأنت ترى أن الإِمام ابن كثير يرى أن المراد بالوحى هنا الإِلهام. وعلى ذلك كثير من
المفسرين، ومنهم من يرى أن المراد بقوله ﴿وإذ أوحيت إلى الحواربين﴾ أى: أمرتهم فى
الإِنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلى.
قال الألوسى معززًا هذا الرأى: وقد جاء استعمال الوحى بمعنى الأمر فى كلام العرب، كما
. قال الزجاج وأنشد :
الحمد لله الذى استقلت
بإذنه السماء وأطمأنت
أوحى لها القرار فاستقرت
أى: أمرها أن تقر فامتثلت(٢).
والحواريون جمع حوارى. وهم أنصار عيسى الذين لازموه وآمنوا به وصدقوه. وكانوا عونا له
فى الدعوة إلى الحق.
يقال: فلان حوارى فلان. أى: خاصته من أصحابه. ومنه قول النبى # فى الزبير بن
· العوام: لكل نبى حوارى وحوارى الزبير)».
وأصل مادة « حور) الدلالة على شدة الصفاء ونصوع البياض، ولذلك قالوا فی خالص لباب
الدقيق: الحوارى وقالوا فى النساء البيض: الحواريات والحوريات.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١١٤
(٢) تفسير الآلوسي جـ ٧ ص ٥٨
٣٣٧
سورة المائدة
وقد سمى الله - تعالى - أنصار عيسى بالحواريين، لأنهم أخلصوا لله نياتهم، وطهروا
نفوسهم من النفاق والخداع فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض.
قال الراغب : والحواريون أنصار عيسى - عليه السلام - قيل كانوا صيادين وقال بعض
العلماء إنما سموا حواربين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم(١).
والمعنى: اذكر نعمتى عليك - ياعيسى - حين ﴿أوحيت إلى الحواربين﴾ بطريق الإِلهام أو
بطريق الأمر على لسانك، وقلت لهم: ﴿أن آمنوا بي وبرسولى﴾ أى: آمنوا وصدقوا بأنى
أنا الواحد الأحد المستحق للعبادة والخضوع وآمنوا برسولى عيسى بأنه مرسل من جهتى
لهدایتکم وسعادتكم.
وفى ذكر كلمة ﴿برسولى﴾ إشارة إلى مقامه من الله - عز وجل - وانفصال شخصه عن ذات
الله - سبحانه - وأن عيسى ما هو إلا رسول من رب العالمين وأن من زعموا أنه غير ذلك
جاهلون وضالون.
وقوله : ﴿قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾ حكاية لما نطق به الحواريون من إيمان وطاعة.
أى: أن الحواربين عندما دعوا إلى الدين الحق ﴿قالوا آمنا﴾ بأن الله هو الواحد الأحد
المستحق للعبادة وأنه لا والد له ولا ولد. ثم أكدوا إيمانهم هذا، بأن قالوا ﴿واشهد﴾ علینا
يا الهنا واشهد لنا يا عيسى يوم القيامة ﴿بأننا مسلمون﴾ أى: منقادون لكل ما جئتنا به وما
تدعونا إليه.
وقدموا ذكر الإِيمان لأنه صفة القلب، وأخروا ذكر الإِسلام لأنه عبارة عن الانقياد الظاهر
فکأنهم قالوا : لقد استقر الإِيمان فى قلوبنا استقرارًا مکینا، کان من ثماره أن انقادت ظواهرنا
لكل ما يأمرنا الله به على لسانك يا عيسى.
قال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن قيل : إنه - تعالى - قال فى أول الآية ﴿اذکر نعمتی
عليك وعلى والدتك﴾ ثم إن جميع ما ذكره - تعالى - من النعم مختص بعيسى، وليس لأمه
تعلق بشىء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل
على سبيل التضمن والتبع للأم ولذلك قال - تعالى - (وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ فجعلهما
معًا آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.
وإنما ذكر - سبحانه قوله ﴿وإذ أوحيت﴾ فى معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإِنسان
مقبول القول عند الناس محبوبًا فى قلوبهم، من أعظم نعم الله على الإِنسان.
(١) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٣٥
، ..
٣٣٨
المجلد الرابع
وقد عدد عليه من النعم سبعًا: ﴿إِذ أيدتك﴾ ﴿وإذا علمتك﴾ ﴿وإذ تخلق﴾ ﴿وإذ
تبرىء﴾. ﴿وإذ تخرج الموتى﴾ ﴿وإذا كففت﴾ ﴿وإذ أوحيت﴾(١).
ثم حكى - سبحانه - بعض ما دار بين عيسى وبين الحواريين فقال : ﴿إذا قال الحواريون
يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾.
((المائدة)) الخوان إذا كان عليه الطعام من ماد يميد، إذا تحرك. فكأن المائدة تتحرك بما
عليها. وقال أبو عبيدة: سميت ((مائدة)) لأنها ميد بها صاحبها. أى: أعطيها وتفضل عليه
بها. والخوان : ما يؤكل عليه الطعام.
ويرى الأخفش وغيره أن المائدة هى الطعام نفسه، مأخوذة من ((ماده)) إذا أفضل.
و ((إذا)) فى قوله ﴿إِذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم﴾ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر وقت
قول الحواريين يا عيسى ابن مريم.
وقد ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه - كما حكى القرآن عنهم - لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا
ألوهيته أو ولديته وقوله: ﴿هل يستطيع - ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ فيه قراءتان
سبعيتان :
الأولى: ﴿يستطيع ربك﴾ بالياء - على أنه فعل وفاعل. وقوله ﴿أن ينزل﴾ المفعول.
والاستفهام على هذه القراءة محمول على المجاز، لأن الحواريين كانوا مؤمنين، ولا يعقل من
مؤمن أن يشك فى قدرة الله.
ومن تخريجاتهم فى معنى هذه القراءة أن قوله ﴿يستطيع﴾ بمعنى ((يطيع)) والسين زائدة.
كاستجاب وأجاب.
أى : أن معنى الجملة الكريمة : هل يطيعك - ربك ياعيسى إن سألته أن ينزل علينا مائدة
من السماء .
وسنفصل القول فى تخريج هذه القراءة، وفى اختلاف المفسرين فى إيمان الحواريين بعد
انتهائنا من تفسير هذه الآيات الكريمة.
أما القراءة الثانية: فهى ((هل تستطيع ربك)) بالتاء وبفتح الباء فى ((ربك)) والمعنى : هل
تستطيع ياعيسى أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. فقوله ((ربك)) منصوب على
التعظيم بفعل محذوف يقدر على حسب المقام وهذه القراءة لا إشكال فيها، لأن الاستطاعة فيها
متجهة إلى عيسى. أى: أتستطيع ياعيسى سؤال ربك إنزال المائدة أم لا تستطيع؟
(١) تفسير الفخر الرازى جـ١٢ ص١٢٨
٣٣٩
سورة المائدة
قال القرطبى : قراءة الكسائى وعلى وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ((هل تستطيع))
بالتاء ((ربك)) بالنصب وقرأ الباقون بالياء ((هل يستطيع)) ((ربك)) بالرفع.
والمعنى على قراءه الكسائى - بالتاء : هل تستطيع أن تسأل ربك ..
قالت عائشة: كان القوم أعلم بالله - تعالى - من أن يقولوا ((هل يستطيع ربك)) وقال
معاذ: أقرأنا النبى وَله: هل تستطيع ربك قال معاذ: وسمعت النبى ◌ّ مرارًا يقرأ
بالتاء))(١).
وقوله - سبحانه - ﴿قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ حكاية لما رد به عيسى على الحواريين
فيما طلبوه من إنزال المائدة :
أى قال لهم عيسى: اتقوا الله وقفوا عند حدوده، واملأوا قلوبكم هيبة وخشية منه،
ولا تطلبوا أمثال هذه المطالب إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان، فإن المؤمن الصادق فى إيمانه يبتعد
عن أمثال هذه المطالب التى قد تؤدى إلى فتنته.
ثم حكى القرآن مارد به الحواريون على عيسى فقال : ﴿قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن
قلوبنا ونعلم أن صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين﴾ .
أى: قال الحواريون لعيسى إننا نريد نزول هذه المائدة علينا من السماء الأسباب :
أولها : أننا نرغب فى الأكل منها لننال البركة، ولأننا فى حاجة إلى الطعام بعد أن ضيق علينا
أعداؤك وأعداؤنا الذين لم يؤمنوا برسالتك.
وثانيها : أننا نرغب فى نزولها لكى تزداد قلوبنا اطمئنانا إلى أنك صادق فيما تبلغه عن ربك،
فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالى، مما يؤدى إلى رسوخ الإِيمان، وقوة اليقين.
وثالثها : أننا نرغب فى نزولها لكى نعلم أن قد صدقتنا فى دعوى النبوة، وفى جميع ما تخبرنا
به من مأمورات ومنهيات، لأن نزولها من السماء يجعلها تخالف ما جئتنا به من معجزات أرضية،
وفى ذلك ما فيه من الدلالة على صدقك فى نبوتك.
ورابع هذه الأسباب : أننا نرغب فى نزولها لكى نكون من الشاهدين على هذه المعجزة عند
الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل، ليزداد الذين آمنوا منهم إيمانًا، ويؤمن الذى عنده استعداد
للإِيمان.
ءِ
وبذلك نرى ان الحواريين قد بينوا لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - أنهم لا يريدون نزول
المائدة من السماء لأنهم يشكون فى قدرة الله، أو فى نبوة عيسى أو أن مقصدهم من هذا الطلب
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٦٤. بتصرف وتلخيص
٣٤٠
المجلد الرابع
. التعنت. وإنما هم يريدون نزولها لتلك الأسباب السابقة التى يبغون من ورائها الأكل وزيادة
الإِيمان واليقين والشهادة أمام الذين لم يحضروا نزولها بكمال قدرة الله وصدق عيسى فى نبوته.
ثم حكى - سبحانه - ما تضرع به عيسى بعد أن سمع من الحواريين ما قالوه فى سبب
طلبهم لنزول المائدة من السماء فقال - تعالى - ﴿قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا
مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾.
وقوله: ﴿اللهم﴾ أى: يا الله. فالميم المشددة عوض عن حرف النداء، ولذلك
لا يجتمعان. وهذا التعويض خاص بنداء الله ذى الجلال والإكرام.
وقوله : ﴿عيدا﴾ أى سرورا وفرحا لنا، لأن كلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور.
قال القرطبى : والعيد واحد الأعياد. وأصله من عاد يعود أى: رجع وقيل ليوم الفطر
والأضحى عيدٌ، لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل : العيد كل يوم يجمع الناس فيه كأنهم
عادوا إليه، وقال ابن الانبارى: سمى عيدا للعود إلى المرح والفرح فهو يوم سرور))(١).
والمعنى : قال عيسى بضراعة وخشوع - بعد أن سمع من الحواريين حجتهم - ﴿اللهم
ربنا﴾ أى: يا الله ياربنا ومالك أمرنا، ومجيب سؤالنا. أتوسل إليك أن تنزل علينا ﴿مائدة من
السماء﴾. أى: أطعمة كائنة من السماء، هذه الأطعمة ﴿تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾ أى:
يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونكثر من التقرب إليك فيه نحن الذين شاهدناها، ويكون -
أيضًا - يوم نزولها عيدًا وسرورًا وبهجة لمن سيأتى بعدنا ممن لم يشاهدنا.
قال ابن كثير. قال السدى: أى نتخذ ذلك اليوم الذى نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومن .
بعدنا. وقال سفيان الثورى: يعنى يوما نصلى فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من
بعدهم. وقال سلمان الفارسى: تكون عظة لنا ولمن بعدنا(٢).
وقوله: ﴿وآية منك﴾ معطوف على قوله ﴿عيدًا﴾.
أى: تكون هذه المائدة النازلة من السماء عيدًا لأولنا وآخرنا، وتكون أيضًا - دليلا - وعلامة
منك - سبحانك - على صحة نبوتی ورسالتى، فيصدقونى فيما أبلغه عنك، ويزداد يقينهم
بکمال قدرتك.
وقوله: ﴿وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾ تذييل بمثابة التعليل لما قبله. أى: أنزلها علينا ياربنا
وأرزقنا من عندك رزقا هنيئا رغدًا، فإنك أنت خير الرازقين، وخير المعطين، وكل عطاء من
(١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٦٧
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١١٦