Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة المائدة وروى عن على بن أبى طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال سواء صيد من أجله أو لم يصد. لحديث الصعب بن جثامة الليثى، أنه أهدى إلى رسول الله 18 حمارا وحشيا وهو بالأبواه فرده عليه رسول الله وَّير قال: فلما أن رأى رسول الله وَّر ما فى وجهى قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)) خرجه الأئمة واللفظ لمالك(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالدعوة إلى خشيته وتقواه وبالتذكير بالحشر وما فيه من حساب وعقاب فقال: ﴿واتقوا الله الذى إليه تحشرون﴾ أى: واتقوا الله فى كل أحوالكم، وقفوا عند حدوده فلا تتجاوزوها، واعلموا أن مرجعكم وحشركم إليه وحده، وسيجازيكم على أعمالكم التى عملتموها فى دنياكم. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أحلت للمحرم صيد البحر -فضلا من الله ورحمة-؛ لأن البحر بعيد عن الحرم، والمحرم قد يحرم فى منطقة قد تكون فيها بحار فتحريم صيد البحر عليه قد يؤدى إلى تعبه وإجهاده دون ان تكون هناك فائدة تعود على سكان الحرم. أما الحكمة من وراء تحريم الصيد البرى على المحرمين فمنها : أن البيت الحرام بواد غير زرع، وسكان هذه المنطقة من وسائل حياتهم الصيد، فلو أبيح الصيد للمحرمين القادمين لزيارة البيت من كل فج عميق .. لأدى ذلك إلى قتل الكثير من الصيد البرى الذى هو مصدر انتفاع للقاطنين فى تلك المناطق. وفضلا عن كل ذلك ففى تحريم الصيد البرى الذى يعيش فى مناطق الحرم، تكريم لهذه المناطق، وتشريف لها، وإعلاء لشأنها ومكانتها. فهى أماكن الأمان والاطمئنان والسلام. لا للبشر وحدهم، بل للبشر ولغير البشر من مخلوقات الله التى نهت شريعته عن التعرض لها بسوء. وبعد هذا النهى الشديد للمحرمين عن صيد البر وهم على هذه الحالة بين - سبحانه - المنزلة السامية للكعبة التى هى أشرف مكان، وأصلحه لأمان الناس واطمئنانهم كما بين -سبحانه- مكانة الأشهر الحرم وما يقدم فيها من خيرات لسكان الحرم - فقال - تعالى - : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِبَمَا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَالْحَرَامَ وَالْهَدّىَ وَالْقَلَبِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِ (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٤٢١. ٣٠٣ المجلد الرابع شَىْءٍ عَلِيهُ ) أَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاُلَّهُ مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا ٩٨ غَفُورٌ رَحِيمٌ تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ، قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاَلَّيِّبُ وَلَوْأَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْاللَّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ ◌َعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال الفخر الرازى: ((اعلم أن اتصال هذه الآية - ﴿جعل الله الكعبة﴾ بما قبلها هو ان الله - تعالى - حرم فى الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم. فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير. فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات، وسبب لحصول الخيرات والسعادات فى الدنيا والآخرة))(١). والكعبة فى اللغة : البيت المكعب أى المربع. وقيل المرتفع. قال القرطبى : وقد سميت الكعبة كعبة، لأنها مربعة .. وقيل: إنما سميت كعبة لنتوئها وبروزها، فكل ناقىء بارز كعب، ومنه كعب القدم وكعوب الفتاة، وكعب ثدى المرأة إذا ظهر فی صدرها)»(٢). وجعل هنا يحتمل أن تكون بمعنى صير فيتعدى لاثنين أولهما الكعبة وثانيهما قياما ويحتمل أن يكون بمعنى خلق أو شرع فيتعدی لواحد وهو الكعبة ويكون قوله : ﴿قياما﴾ حال من البيت الحرام. والبيت الحرام : بدل من الكعبة أو عطف بيان جىء به على سبيل المدح والتعظيم ووصف بالحرام إيذانا بحرمته وإشعارا بشرفه، حيث حرم - سبحانه - القتل فيه، وجعله مكان أمان الناس واطمئنانهم. وقوله ﴿قيامًا﴾ أصله قوامًا فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. والقيام والقوام ما به صلاح الشىء، كما يقال: الملك العادل قوام رعيته. لأنه يدبر أمرهم (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٣ ص ٩٩. (٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٢٤. ٣٠٣ سورة المائدة ويردع ظالمهم، ويحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم. والمراد بالشهر الحرام : الأشهر الحرم على إرادة الجنس وهى : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وقيل المراد به شهر ذى الحجة فحسب، لأنه هو الذى تؤدى فيه فريضة الحج، فالتعريف للعهد وليس للجنس. والهدى: اسم لما يهدى إلى الحرم من حيوان ليتقرب بذبحه إلى الله تعالى - وهو جمع هدية - بسكون الدال - والقلائد جمع قلادة وهى ما يقلد به الهدى ليعلم أنه مهدى إلى البيت الحرام فلا يتعرض له أحد بسوء. فالمراد بالقلائد هنا الحيوانات ذوات القلائد التى تساق إلى الحرم لذبحها فیه، فیکون ذکر القلائد بعد الهدى من باب التخصيص بالذكر على سبيل الاهتمام بشأنها، لأن الثواب فيها أکثر. وقيل المراد بها : ما كان يفعله بعض الناس من وضع قلادة من شعر أو من غيره فى أعناقهم عندما يحرمون حتى لا يتعرض لهم أحد بسوء. وقوله: ﴿والشهر الحرام والهدى والقلائد﴾ معطوف على ما قبله وهو الكعبة. والمعنى : اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعباده أن يصير الكعبة التى هى البيت الحرام ﴿قيامًا للناس﴾ أى به قوامهم فى إصلاح أمورهم دينا ودنيا، وكذلك جعل الأشهر الحرم والهدى وخصوصًا ما يقلد منه قيامًا للناس أيضًا. وذلك لأن البيت الحرام الذى يأتى الناس إليه من كل فج عميق، يجدون فى رحابه ما يقوى إيمانهم، ويرفع درجاتهم، ويغسل سيئاتهم، ويصلح من شئون دنياهم عن طريق تبادل المنافع، وبذل الأموال، والشعور بالأمان والاطمئنان، وتوثيق الصلات الدينية والدنيوية التى ترضى الله - تعالى -، وتجعلهم أهلا لفضله ورحمته. ولأن الأشهر الحرم تأتى للناس فتجعلهم يمتنعون عن القتال فيها، فتهدأ نفوسهم، ويحصل التآلف والتزاور بعد التدابر والتقاطع والتعادى ولأن الهدى والقلائد التى يسوقها المحرمون إلى الحرم لذبحها فيها ما فيها من التوسعة على الفقراء. وإشاعة روح المحبة والتسامح والإخاء. ورحم الله الإِمام القرطبى حيث يقول: ((والحكمة فى جعل الله - تعالى - هذه الأشياء قياما للناس، أن الله - سبحانه - خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتقاطع والسلب ٣٠٤ المجلد الرابع والغارة. فلم يكن بد فى الحكمة الإلهية من وازع يزعهم - أى يزجرهم - عن التنازع، ويحملهم على التآلف، ويرد الظالم عن المظلوم، فقد روى مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن)). .... -- فجعل - سبحانه - الخليفة فى الأرض حتى لا يكون الناس فوضى، وعظم فى قلوبهم البيت الحرام، وأوقع فى نفوسهم هيبته، فكان من لجأ إليه معصوما به، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه. ولما كان لهذا البيت موضعا مخصوصا - ومكانا معينا - لا يدركه كل مظلوم، فقد جعل - سبحانه - الأشهر الحرم ملجأ آخر. وقرر فى قلوبهم حرمتها، فكانوا لا يروعون فيها سربا - أى نفسا - ولا يطلبون فيها دما، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه. ثم شرع لهم الهدى والقلائد، فكانوا إذا أخذوا بعيرا وأشعروه دما، أو علقوا عليه قلادة أو فعل ذلك الرجل بنفسه. لم يروعه أحد حيث لقيه))(١). واسم الإشارة فى قوله : ﴿ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض﴾. يعود على الجعل المذكور الذى هو تصيير البيت الحرام وما عطف عليه قياما للناس، أى ؛ صلاحا لأحوالهم الدينية والدنيوية. والمعنى : فعل الله - تعالى - ذلك لتعلموا أنه - سبحانه - يعلم علما تاما شاملا ما فى السموات وما فى الأرض، ولتوقنوا بأنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم، وهتاف أرواحهم. لأن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار ولجلب المصالح الدينية والدنيوية دليل على أنه - سبحانه - يعلم ما فى السموات وما فى الأرض. وعلى أنه بكل شىء عليم دون أن تخفى عليه خافية مما فى هذا الكون: وكرر - سبحانه - ((ما. وفى)) فى المعطوف والمعطوف عليه للإشارة إلى دقة العلم وشموله، وأنه - سبحانه - لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وقوله ﴿وأن الله بكل شيء عليم﴾ تعميم إثر تخصيص. للتأكيد وقدم الخاص على العام ليكون ذكر الخاص كالدليل على العام. قال الجمل :. واسم الإشارة ﴿ذلك ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: الحكم الذى حكمناه ذلك لا غير. والثانى: أنه مبتدأ وخبره محذوف أى: ذلك الحكم هو الحق لا غيره. (١) تفسير القرطبى جـ٦ ص ٣٢٥ بتصرف وبتلخيص. 1 ٣٠٥ سورة المائدة والثالث: أنه منصوب بفعل مقدر يدل عليه السياق. أى: شرع الله ذلك. وهذا أقواها، لتعلق لام العلة به. وقوله ﴿لتعلموا﴾ منصوب بإضمار أن بعد لام كى. وقوله: ﴿وأن الله بكل شىء عليم﴾ معطوف على ما قبله وهو ﴿أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الأرض﴾(١). ثم رهب الله - تعالى - عباده من عقابه؛ ورغبهم فى ثوابه فقال: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾. أى: اعلموا - أيها الناس - أن الله شديد العقاب لمن انتهك حرماته، وتجاوز حدوده، وأنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة لمن أطاعه وتاب إليه توبة صادقة. وفى تصدير الآية الكريمة بفعل الأمر﴿اعلموا﴾ تنبيه شديد إلى أهمية ما سيلقى عليهم من أمر أو نهى، حتى يستقر فى قلوبهم، ويرسخ فى نفوسهم، فيسهل عليهم تنفيذه. وجمع - سبحانه - بين الترهيب والترغيب، حتى يكون المؤمن بين الرجاء والخوف، فلا يقنط من رحمة الله ولا يجترىء على ارتكاب ما يغضبه - سبحانه -. وبعد هذا الترغيب والترهيب بين - سبحانه - وظيفة رسوله ### فقال: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون﴾. وأصل البلاغ - كما يقول القرطبى - البلوغ، وهو الوصول. يقال: بلغ يبلغ بلوغًا وأبلغه إبلاغا. وبلغه تبليغا، ومنه البلاغة، لأنها إيصال المعنى إلى النفس فى أحسن صورة من اللفظ)»(٢). أى: ليس على رسولنا - أيها الناس - إلا تبليغ ما أمرناه بتبليغه إليكم وتوصيل ما كلفناه بتوصيله لكم، وهو لم يقصر فى ذلك، ولم يأل جهدا فى نصحكم وإرشادكم فأطيعوه لتسعدوا. واعلموا أن الله - تعالى - يعلم ما تظهرون وما تخفون من خير أو شر، وسيجازيكم بما تستحقون يوم القيامة . فالآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من ترغيب وترهيب، ومن تبشير وإنذار، وتصريح بأن الرسول وتعلي عليه تبليغ ما كلفه الله بتبليغه إلى الناس، وليس عليه بعد ذلك هدايتهم أو ضلالهم، وإنما الله وحده هو الذى بيده ذلك، وهو الذى بيده حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص٥٢٨. (٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٢٧. ٣٠٦ المجلد الرابع ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بأنه لا يستوى عنده الخبيث والطيب فقال: ﴿قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾. والخبيث - كما يقول الراغب - ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أم معقولا، وأصله الردىء الدخلة الجارى مجرى خبث الحديد كما قال الشاعر: فأبدى الكير عن خبث الحديد سبكناه ونحسبه لجينا وذلك يتناول الباطل فى الاعتقاد، والكذب فى المقال، والقبيح فى الفعال(١). والطيب : الشىء الحسن الذى أباحته الشريعة ورضيته العقول السليمة، ويتناول الاعتقاد الحق، والمقال الصدق، والعمل الصالح. والمعنى: قل - يا محمد - للناس: إنه لا يستوى عند الله ولا عند العقلاه القبيح والحسن من كل شىء، لأن الشىء القبيح - فى ذاته أو فى سببه أو فى غير ذلك من أشكاله - بغيض إلى الله وإلى كل عاقل، وسيكون مصيره إلى الهلاك والبوار. أما الشىء الطيب الحسن فهو محبوب من الله ومن كل عاقل، ومحمود العاقبة دنيا ودينا. وقوله: ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ زيادة فى التنفير من الشىء الخبيث، وحض على التمسك بما هو طيب. أى: لا يستوى فى ميزان الله ولا فى ميزان العقلاء الخبيث والطيب، حتى ولو كان الفريق الخبيث كثير المظهر، براق الشكل، تعجب الناظرين هيئته فلا تغتر به أيها العاقل، ولا تؤثر فى نفسك كثرته وسطوته فإنه مهما كثر وظهر وفشا. فإنه سىء العاقبة، سريع الزوال، لذته تعقبها الحسرة، وشهوته تتلوها الندامة، وسطوته تصحبها الخسارة والكراهية، وطريقه المليئة بالدنس والقذر يجب أن يوصد أبوابها الأخيار الشرفاء. أما الفريق الطيب أو الشىء الطيب فهو محمود العاقبة، لذته الحلال يباركها الله، وثماره الحسنة تؤيدها شريعته وتستريح لها العقول السليمة، والقلوب النقية من كل دنس وباطل وطريقه المستقيم - مهما قل - سالكوه - هو الطريق الذى يوصل إلى كل خير وفلاح. ولاشك أن العقل عندما يتخلص من الهوى سيختار الطيب على الخبيث لأن فى الطيب سعادة الدنيا والآخرة. وما أحسن قول أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها: ((ما تمتع الأشرار بشىء إلا وتمتع به - (١) المفردات فى غريب القرآن ص ١٤١ للراغب الأصفهانى. ٣٠٧ سورة المائدة الأخيار، وزادوا عليهم رضا الله - عز وجل -. والفاء فى قوله: ﴿فاتقوا الله ياأولى الألباب لعلكم تفلحون﴾ للافصاح عن كلام مقدر، والتقدير : إذا كان الأمر كما بينت لكم - أيها الناس - من أنه لا يستوى الخبيث والطيب، لأن أهل الخبيث سيعاقبون ويندمون مهما كثروا وأهل الطيب سيثابون ويفرحون، إذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله يا أصحاب العقول السليمة بأن تجتنبوا كل ما هو خبيث، وتقبلوا على كل ما هو طيب، لعلكم بسبب هذه التقوى والخشية من الله تنالون الفلاح والنجاح فى دنياكم وآخرتكم. والجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد مامر من الترغيب فى الطاعات والتحذير من المعاصى. قال الفخر الرازى: لما ذكر - سبحانه - هذه الترغيبات الكثيرة فى الطاعة، والتحذيرات من المعصية. أتبعها بوجه آخر يؤكدها فقال: ﴿فاتقوا الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون) : أى: فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجليلة والتعريفات القوية، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة(١). وبعد هذا الحديث المستفيض عن الحلال والحرام فى شريعة الإِسلام اتجهت آيات السورة الكريمة إلى تربية المسلمين وإرشادهم إلى الآداب التى يجب أن يتمسكوا بها ونهيهم عن الأسئلة التى لاخير يرجى من وراء إثارتها .. فقال تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ قَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْعَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ اٌلْقُرْءَ انُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ ثُمَّأَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ ١٠٢ وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات متعددة، منها ما حكاه القرطبى فى قوله: روى البخارى ومسلم وغيرهما - واللفظ للبخارى - عن أنس قال: قال رجل للنبى وَ* يا رسول الله من أبى؟ قال: ((أبوك فلان)). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٣ ص ١٠٤ وراجعه فى تفسير هذه الإيات إذا كنت تبغى المزيد من العلم والمعرفة، فقد أجاد فى هذا المقام وأبدع - رحمه الله - ٣٠٨ المجلد الرابع وخرج البخارى أيضا عن أنس عن النبى ثم 18 وفيه: ((فوالله لا تسألونى عن شىء إلا أخبرتكم به مادمت فى مقامى هذا)) فقام إليه رجل فقال: أين مدخلى يا رسول الله ؟ قال (النار)) فقام عبد الله بن حذافة - وکان إذا لا حی یدعى إلى غير أبيه - فقال من أبی یا رسول الله؟ فقال : أبوك حذافة .. وروى الدار قطنى والترمذى عن على رضى الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ قالوا: يا رسول الله، أفى كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفى كل عام؟ قال: ((لا ولو قلت نعم لوجبت)) فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء﴾ .. الآية. وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت فى قوم سألوا رسول الله وَ التّر عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ثم قال القرطبى : ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض))(١). والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله حق الإِيمان، لا تسألوا نبيكم ◌َ ◌ّ أو غيره، عن أشياء تتعلق بالعقيدة أو بالأحكام الشرعية أو بغيرهما. هذه الأشياء ﴿إن تبدلكم﴾ وتظهر ﴿تسؤكم﴾ أى: تغمكم وتحزنكم وتندموا على السؤال عنها لما يترتب عليها من إحراجكم، ومن المشقة عليكم، ومن الفضيحة لبعضكم. فالآية الكريمة - كما يقول ابن كثير - تأديب من الله لعباده المؤمنين، ونهى لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم فى السؤال والتنقيب عنها، لأنها إن ظهرت لهم تلك الأمور ربما ساءتهم، وشق عليهم سماعها، كما جاء فى الحديث أن رسول الله وَالر قال: ((لا يبلغنى أحد عن أحد شيئا، فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر))(٢). وقد وجه - سبحانه - النداء إليهم بصفة الإِيمان، لتحريك حرارة العقيدة فى نفوسهم، حتى يستجيبوا بسرعة ورغبة إلى ما كلفوا به. وقوله : ﴿أشياء﴾ اسم جمع من لفظ شىء، فهو مفرد لفظا جمع معنى كطرفاء وقصباء - وهذا رأى الخليل وسيبويه وجمهور البصريين -. ويرى الفراء أن أشياء جمع لشىء. وهو ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، ومتعلق بقوله : ﴿تسألوا﴾. (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٣٠ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٠٤ ٣٠٩ سورة المائدة ومفعول ﴿تسألوا﴾ محذوف للتعميم. أى: لا تسألوا الرسول و لو ولا تسألوا غيره عن أشياء لا فائدة من السؤال عنها، بل إن السؤال عنها قد يؤدى إلى إحراجكم وإلى المشقة عليكم. وقوله: ﴿إن تبدلكم تسؤكم﴾ صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها. وعبر ((بإن)) المفيدة للشك وعدم القطع بوقوع الشرط والجزاء للإشارة إلى أن هذا الشك كاف فى تركهم للسؤال عن هذه الأشياء، فإن المؤمن الحق يبتعد عن كل مالا فائدة من ورائه من أسئلة أو غيرها. وقوله: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم﴾ معطوف على ما قبله وهو قوله: ﴿إن تبدلكم تسؤكم﴾ . والضمير فى قوله ﴿عنها﴾ يعود على ﴿أشياء﴾ و﴿حين) ظرف زمان منصوب بالفعل تسألوا﴾. والمعنى: لا تكثروا - أيها المؤمنون - من الأسئلة التى لا خير لكم فى السؤال عنها، وإن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن مجملة، فتطلبوا بيانها تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. قال الفخر الرازى : السؤال على قمسين : أحدهما : السؤال عن شىء لم يجر ذكره فى الكتاب والسنة بوجه من الوجوه. فهذا السؤال منهى عنه بقوله: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم﴾. والنوع الثانى من السؤال: السؤال عن شىء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغى فها هنا السؤال واجب، وهو المراد بقوله : ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم﴾. والفائدة فى ذكر هذا القسم، أنه لما منع فى الجملة الأولى من السؤال، أو هم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه، فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم. فإن قيل : إن قوله ﴿وإن تسألوا عنها﴾ هذا الضمير عائد على الأشياء المذكورة فى قوله : ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ فكيف يعقل فى ﴿أشياء﴾ بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزًا معا ؟ قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول: جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعًا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها. والثانى: أنهما وإن كانا نوعين مختلفين، إلا أنهما فى حكم شىء واحد، فلهذا حسن اتحاد الضمير، وإن كانا فى الحقيقة نوعين مختلفين))(١): (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ١٠٧ ٣١٠ المجلد الرابع وقال القرطبى: قوله - تعالى- ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ فيه غموض. وذلك أن فى أول الآية النهى عن السؤال، ثم قال: ﴿وإن تسألوا﴾ .. الخ. فأباحه لهم. فقيل : المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيها مست الحاجة إليه، فحذف المضاف ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجرجانى: الكناية فى ((عنها)) ترجع إلى أشياء أخر، كقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإِنسان من سلالة من طين﴾ يعنى آدم، ثم قال: ﴿ثم جعلناه نطفة﴾ أى: ابن آدم، لأن آدم لم يجعل نطفة فى قرار مكين، لكن لما ذكر الانسان وهو آدم دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال. فالمعنى : وإن تسألوا عن أشياء - أخر - حين ينزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أومست حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبدلكم فقد اباح - سبحانه - هذا النوع من السؤال))(١). - والضمير فى قوله ﴿عفا الله عنها﴾ يعود إلى أشياء، والجملة فى محل جر صفه أخرى لأشياء. أى: أن هذه الأشياء التى نهيتم عن السؤال عنها هى مما عفا الله عنه - رحمة منه وفضلا - حيث لم يكلفكم بها. ولم یفضحکم ببيانها. ويجوز أن يعود الضمير إلى الأسئلة المدلول عليها بقوله ﴿لا تسألوا﴾ فتكون الجملة مستأنفة، ويكون المعنى : عفا الله عن أسئلتكم السالفة التى سألتموها قبل النهى، وتجاوز - سبحانه - عن معاقبتكم عليها رحمة منه وكرما؛ فمن الواجب عليكم بعد ذلك ألا تعودوا إلى مثلها أبدًا. قال صاحب المنار: ولا مانع عندنا يمنعنا من إرادة المعنيين معا. فإن كل ما تدل عليه عبارات القرآن من المعانى الحقيقية والمجازية والكناية يجوز عندنا أن يكون مرادا منها مجتمعة تلك المعانى أو منفردة مالم يمنع مانع من ذلك كأن تكون تلك المعانى مما لا يمكن اجتماعها شرعًا أو عقلا، فحينئذ لا يصح أن تكون كلها مرادة بل يرجح بعضها على بعض بطرق الترجيح المعروفة من لفظية ومعنوية. وقوله ﴿والله غفور حليم﴾ اعتراض تذييلى مقرر لعفوه - سبحانه - أى: عفا الله عن كل ذلك، وهو - سبحانه - واسع المغفرة والحلم والصفح ولذا لم يكلفكم بما يشق عليكم، ولم يؤاخذكم بما فرط منكم من أقوال وأعمال قبل النهى عنها. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر العبر والعظات والحكم من وراء نهيهم عن الأسئلة التى (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٢٣ ٣١١ سورة المائدة لاخير يرجى من ورائها فقال: ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾ . - والضمير فى قوله: ﴿قد سألها﴾ يعود إلى الأسئلة المنهى عنها فى قوله - تعالى - ﴿ لا تسألوا﴾. أى: قد سأل قوم من قبلكم - أيها المؤمنون - أمثال هذه الأسئلة التى لا خير يرجى من ورائها، ثم أصبحوا بعد إظهار الإجابة عليها كافرين بها، لأنهم استقلوا الإِجابة عما سألوا عنه، وتركوا العمل بما تطلعوا إلى معرفته ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى أشياء فى قوله ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ على تقدير السؤال عن حكمها أو عن سببها أو عن أصلها، أو عن غير ذلك مما لا فائدة من السؤال عنه. إلى هذين المعنين أشار الألوسى بقوله: ﴿قد سألها﴾ أى: المسألة، فالضمير فى موقع المصدر لا المفعول به. والمراد: سأل مثلها فى كونها محظورة ومستتبعة للوبال ﴿قوم﴾. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة فى التحذير. وجوز أن يكون الضمير للاشياء على تقدير المضاف أيضًا، فالضمير فى موقع المفعول به، وذلك من باب الحذف والإِيصال. والمراد: سأل عنها. واختلف فى تعيين القوم : فعن ابن عباس هم قوم عيسى : سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها وقيل : هم قوم صالح - عليه السلام - سألوه الناقة ثم عقروها وكفروا بها، وقيل : هم بنو إسرائيل كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم كذبوهم))(١) : والذى نراه أن لفظ (قوم﴾ يشمل هؤلاء الأقوام الذين ذكرهم الألوسى كما يشمل غيرهم ممن سألوا عن أشياء لاخير من السؤال عنها فلما أجيبوا عما سألوا عنه لم يعملوا بما أخبروا به بل كفروا به وهجروه وأنكروه. ونكر - سبحانه - لفظ ﴿قوم﴾ لأنه ليس الغرض تعيين ذواتهم، بل الغرض النهى عن التشبه بهم مهما كانت أجناسهم أو أزمانهم. وجاء العطف فى الآية ((بثم)) المفيدة للتراخى، للدلالة على التباعد المعنوى بين اللجاجة فى السؤال وبين الجحود والكفر بعد ذلك؛ فكأنهم كانوا يريدون حكما يناسب أهواءهم فلما جاءهم الحکم الذی لا یهوونه كفروا به. وقوله ﴿ثم أصبحوا بها كافرين﴾ يؤذن بأنهم قبل السؤال عن تلك الأشياء أوقبل الخوض فى تلك الأسئلة لم يكونوا كافرين، ولكنهم أصبحوا بسبب الخوض فيها والتفتيش عنها كافرين (١) تفسير الألوسى جـ ٧ ص ٤١ : ٠ ٣١٢ المجلد الرابع لأنهم لم يمتثلوا ما أجيبوا به، وإنما نبذوه وراء ظهورهم. وبذلك ترى أن الآيتين الكريمتين تنهيان المؤمنين فى كل زمان ومكان عن الخوض فى الأسئلة عن أشياء يسوءهم الكشف عنها، وضربتا لهم الأمثال بحال الذين من قبلهم ممن كانوا يشددون على أنفسهم بالأسئلة عن التكاليف والأحكام، فلما كتبها الله عليهم كفروا بها ولم يؤدوها، ولو سكتوا عن هذه الأسئلة التى لا فائدة من ورائها لكان خيرا لهم وأقوم. هذا، وقد ساق الشيخ القاسمى - رحمه الله - عقب تفسيره لهاتين الآيتين أقوالا متعددة للعلماء فيما يؤخذ منهما من آداب وأحكام، فقال - ما ملخصه - : قال ابن كثير: ظاهر الآية النهى عن السؤال عن الأشياء التى إذا علم بها الشخص ساءته فالأولى الإعراض عنها : فقد روى الإمام أحمد ومسلم والنسائى عن أبى هريرة: أن النبى - ﴿#1 - قال : ((ذرونى ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شىء فدعوه)». وروى الدارقطنى وأبو نعيم عن أبي ثعلبة الخشنى: أن النبى وَلّر قال: ((إن الله - تعالى - فرض فرائض فلا تضيعوها. وحد حدودا فلا تعتدوها. وحرم أشياء فلا تقربوها. وترك أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)). ثم قال الشيخ القاسمى: ثم رأيت فى ((موافقات)) الامام الشاطبى فى هذا الموضوع - مبحثا جليلا قال فيه. الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف . الصالح. وهذه مواضع يكره السؤال فيها : ١ - السؤال عما لا ينفع فى الدين، كسؤال عبدالله بن حذافة: من أبى يا رسول الله؟ فأجابه أبوك حذافة. ٢ - أن يسأل عن شىء بينه القرآن، كما سأل الرجل عن الحج : أكل عام يارسول الله؟ مع أن قوله - تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقه . ٣ - السؤال من غير احتياج إليه فى الوقت، وكأن هذا - والله أعلم- خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: ((ذرونى ما تركتكم)). وقوله: ((وسكت عن أشياء رحمة بكم لا عن نسیان فلا تبحثوا عنها)). ٣١٣ سورة المائدة ٤ - أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء فى النهى عن الأغلوطات(١). ٥ - أن يسأل عن علة الحكم وهو من قبيل التعبدات، أو يكون السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال - كما فى حديث قضاء الصوم دون الصلاة. - فقد أخرج مسلم فى صحيحه عن معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضى الصوم ولاتقضى الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت : لست بحرورية، ولكنى أسأل. قالت عائشة : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. ٦ - أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدل ما أخرجه مالك فى الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب خرج فى ركب، فيهم عمرو بن العاص. حتى وردوا حوضًا. فقال عمرو بن العاص : ياصاحب الحوض !! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: ياصاحب الحوض! لا تخبرنا. فإنا نرد على السباع وترد علينا. ٧ - السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله - تعالى - ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ماتشابه منه﴾ .. الآية. وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضًا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال رجل مالكا عن الاستواء؛ فقد جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله ((الرحمن على العرش استوى)) كيف استوى؟ قال راوى الحديث : فما رأيت مالكا وجد - أى غضب - فى شىء. كموجدته من مقالته. وعلاه الرحضاء - أى العرق - وأطرق القوم. فقال مالك : الاستواء معلوم، والكيف غير معقول. والإِيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة وإنى أخاف أن تكون ضالا. ٨ - السؤال عما شجر بين السلف الصالح، وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين فقال: تلك دماء كف الله عنها يدى، فلا أحب أن ألطخ بها لسانى. ٩ - سؤال التعنت والافحام وطلب الغلبة عند الخصام : وقد ذم القرآن هذا اللون من (١) قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى عند تعليقه على هذه الكلمة: أخرج أبو داود عن معاوية أن النبى وَير نهى عن الغلوطات يفتح الغين وضم اللام جمع غلوطة .. وهى المسائل يغالط بها العلماء ليزلوا فيها فيهيج بذلك شر وفتنه. وقيل : أصلها أغلوطة خففت بطرح الهمزة كما تقول: لجر. وأنت تريد الآجر - حاشية تفسير القاسمى جـ ٦ ص ٢١٧٨ ٣١٤ المجلد الرابع الناس فقال. ﴿وهو ألد الخصام﴾(١) وقال، ﴿بل هم قوم خصمون﴾(٢). وفى الحديث: أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. هذه جملة من المواضع التى يكره السؤال فيها، ويقاس عليها ما سواها، وليس النهى فيها واحدًا، بل فيها ما تشتد كراهيته ومنها ما يخفف، ومنها ما يحرم. ومنها ما يكون محل اجتهاد. والنهى فى الآية مقيد بمالا تدعو إليه الحاجة من الأسئلة؛ لأن الأمر الذى تدعو إليه الحاجة فى أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾(٣). وفى الحديث: ((قاتلهم الله !! هلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء الجهل بالسؤال)) (٤). ثم حكى - سبحانه - بعض الأوهام والخرافات التى كان أهل الجاهلية يتمسكون بها، ويعتبرونها من العادات الدينية الراسخة فى نفوسهم، مع أنها لا أصل لها، وإنما هم الذين ابتدعوها ونسبوها إلى دين الله بدون دليل أو برهان فقال - تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَقْتَرُونَ عَلى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَ نَا أَوَلَوْ كَانَءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠٤ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ قال الفخر الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما منع الناس من البحث عن أمور ما كلفوا . . بالبحث عنها، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها. ولما كان الكفار يحرمون على .. أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات - وإن كانوا فى غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها - بين تعالى - أن ذلك باطل فقال: ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ (٥) (١) سورة البقرة: الآية ٢٠٤ (٢) سورة الزخرف. الآية ٥٨ (٣) سورة الأنبياء الآية ٧ (٤) تفسير القاسمى وحاشيته - بتصرف وتلخيص - جـ ٦ ص ٢١٦٦ ومابعدها (٥) تفسير الفخر الرازى جـ١٢ ص ١٠٩ ٣١٥ سورة المائدة وجعل هنا بمعنى شرع ووضع، و﴿من﴾ زائدة لتأكيد النفى والبحيرة بزنة فعيلة بمعنى مفعولة من البحر وهو الشق. وكانوا فى الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر ، شقوا أذنها ومنعوا ركوبها، وتركوها لآلهتهم وامتنعوا عن نحرها وركوبها. وسموها ((البحيرة)) أى: مشقوقه الأذن. وعن قتادة أنهم كانوا إذا أنجبت خمسة أبطن نظروا فى الخامس فإن كان ذكرا ذبحوه وأكلوه، وإن كان انثى شقوا أذنها وتركوها ترعى دون أن يستعملها أحد فى حلب أو ركوب. والسائبة بزنة فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض. يقال ساب الماء إذا ترك يجرى. قال أبو عبيدة: كان الرجل فى الجاهلية إذا قدم من سفر أو شفى من مرض. سيب ناقته وخلاها وجعلها كالبحيرة وتسمى السائبة. وقال محمد بن إسحاق: السائبة هى الناقة تلد عشرة أبطن إناث، فتهمل ولا تركب ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها إلا ضيف. وعن ابن عباس : هى التى تسيب للأصنام، فتعطى للسدنة ولا يطعم من لبنها إلا أبناء السبيل ونحوهم. والوصيلة بزنة فعيلة بمعنى فاعله. قال الفراء هى الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين - أى اثنين اثنين - وإذا ولدت فى آخرها انثى وذكرا. قيل: وصلت أخاها. فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء، وتجرى مجرى السائبة فى تركها دون أن يجز وبرها. وقال الزجاج: هى الشاة إذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم وإذا ولدت أنثى كانت لهم وإذا ولدت ذكرا وانثى قالوا: وصلت أخاها فلا تذبح ويكون الذكر لآلهتهم. وقيل : هى الناقة تبكر بأنثى ثم تثنى بأنثى، فكانوا يتركونها للطواغيت، ويقولون: قد وصلت أُنثی بأنثی لیس بينهما ذكر. والحام اسم فاعل من حمى يحمى أى منع. قال الفراء: هو الفحل إذا لقح ولد ولده قالوا : قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه. ولا يمنع من ماء أو مرعى. وقال أبو عبيدة : هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون : حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء أو مرعى. ٣١٦ المجلد الرابع هذه بعض الأقوال التي ذكرها العلماء فى تفسير هذه الألفاظ الأربعة، وهناك أقوال أخرى سواها تختلف عنها. ويبدو أن الخلاف فى حقيقة هذه الأربعة مرجعه إلى اختلاف القبائل فى بلاد العرب واختلاف الأماكن التى يقيمون فيها، والعادات الباطلة التى شبوا عليها وألفوها. هذا، وقد ذكر ابن كثير بعض الروايات التى وردت فى تفسيره هذه الألفاظ، كما ذكر أول من أدخل هذه العادات الباطلة فى بلاد العرب فقال ما ملخصه : (١) ((روى البخارى ومسلم والنسائى عن سعيد بن المسيب قال. البحيرة: هى التى تكون درها للطواغيت. والسائبة : هى التى كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شىء، والوصيلة : الناقة البكر تبكر فى أول نتاج الإِبل ثم تثنى بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. والحام : فحل الإِبل يضرب الضرائب المعدود فإذا قضى ضرابه تركوه للطواغيت ولا يحملون عليه شيئاً. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبى ◌َّ قال إن أول من سيب السوائب وعبد الإِصنام أبو خزاعة عمرو بن لحى وإنى رأيته يجر أمعاءه فى النار. والمعنى : ما شرع الله - تعالى - شيئًا مما حرمه أهل الجاهلية على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وهذه الحيوانات إنما حرم أهل الجاهلية أكلها والانتفاع بها من عند أنفسهم بدون علم أو برهان، وهم فى هذا التحريم إنما يفترون على الله الكذب الصريح القاطع بسبب كفرهم وضلالهم وأكثرهم لا يفقهون الحق ولا يستجيبون له انقيادا لأهوائهم ورؤسائهم. والمراد بالذين كفروا فى قوله ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾ رؤساؤهم. وزعماؤهم الذين يأتون لعوامهم بالأحكام الفاسدة والمزاعم الباطلة، وينسبونها إلى دين الله كذبا وزورا. والمراد بأكثرهم فى قوله: ﴿وأكثرهم لا يعقلون﴾ عوامهم ودهماؤهم الذين يسيرون خلف كل ناعق بدون تفكير أو تدبر. وقد عبر - سبحانه - بقوله ﴿وأكثرهم﴾ إنصافًا للقلة العاقلة التى خالفت هذه الأوهام الباطلة، وإستجابت للحق عند ظهوره. ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء العوام المقلدون من جمود وخضوع للباطل فقال. (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ١٠٧ ٣١٧ سورة المائدة ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾. أى: وإذا قال قائل - على سبيل النصح والإرشاد إلى الخير - لهؤلاء المقلدين المنقادين انقيادا أعمى للأوهام إذا قال لهم هذا القائل : تعالوا أى: أقبلوا واستجيبوا لما أنزل الله فى كتابه، ولما أنزل على رسوله من هدايات لتسعدوا وتفوزوا قالوا : بعناد وغباء - ﴿حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا﴾: كافينا فى هذا الشأن ما وجدنا عليه آباءنا من عقائد وتقاليد وعادات. فلا تلتفت إلى ما سواه. وهذه حجة كل ضال مقلد لمن سبقوه بغير تعقل ولا تدبر. إنه يترك معانى العزة والكرامة وإعمال الفكر ليعيش أسير ذلته للأوهام التى شب عليها وسار خلفها مقلدًا غيره ومنقادًا له انقياد الخانعين الأذلاء. ولم يذكر - سبحانه- القائل فى قوله: ﴿وإذا قيل لهم﴾ للإشارة إلى أن الذين يدعونهم إلى طريق الحق متعددون، فالنبى وَ ل يدعوهم، والمؤمنون يدعونهم. والأدلة الدالة على صدق هذا - الدين تدعوهم. ومع كل ذلك فهم فى ضلالهم سادرون، وتحت سلطان سادتهم خانعون . وقوله - تعالى - ﴿أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون﴾ رد عليهم بأسلوب التأنيب والتعجيب من جهالاتهم وخضوعهم للباطل بدون مراجعة أو تفكير. والواو فى قوله ﴿أو لو كان آباؤهم﴾ وأو الحال. والهمزة التى دخلت عليها للانكار والتعجب من ضلالهم. والمعنى : أيقولون حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. ويغلقون على أنفسهم باب الهداية ليبقوا فى ظلمات الضلالة ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا من الحق ولا يهتدون إليه لانطماس بصيرتهم. وليس المراد أن آباءهم لو كانوا يعلمون شيئًا أو يهتدون إلى شىء لجاز لهم ترك ما أنزل الله وإنما المراد هنا تسجيل الواقع المظلم الذى كانوا عليه وكان عليه آباؤهم من قبلهم. فآباؤهم كانوا كذلك يتبعون ما شرعه لهم آباؤهم بدون تأمل أو تفكير. فالآية الكريمة زيادة فى توبيخهم وتوبيخ آبائهم؛ لأنهم جميعا مشتركون فى الانغماس فى الضلال والجهل. وبعد أن بين - سبحانه - ما بين من التكاليف والأحكام والحلال والحرام، وذم المقلدين لآبائهم تقليدًا أعمى. وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، أمرهم فيه بأن يلزموا أنفسهم طاعة الله، وأنهم ليس عليهم شىء من آثام غيرهم ماداموا قد نصحوهم وأرشدوهم إلى الخير فقال - تعالى - : ٣١٨ المجلد الرابع يََّيُّهَ الَّذِينَءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَنْجِمُّكُمْ جَمِيعًا فَيُنِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) وقوله ﴿عليكم﴾ اسم فعل أمر بمعنى: الزموا وقوله: ﴿أنفسكم) منصوب على الإِغراء بقوله: ﴿عليكم﴾. قال الجمل : واختلف النحويون فى الضمير المتصل بها - أى بكلمة ﴿عليكم﴾ - والصحيح أنه فى موضع جر كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء))(١). والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا، الزموا العمل بطاعة الله، بأن تؤدوا ما أمركم به، وتنتهوا عما نهاكم عنه، وأنتم بعد ذلك ((لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)) أى: لا يضركم ضلال من ضل وغوى، ما دمتم أنتم قد أديتم حق أنفسكم عليكم بصيانتها عما يغضب الله وأديتم حق غيركم عليكم بإرشاده ونصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. فإن أبى هذا الغير الاستجابة لكم بعد النصح والإرشاد والأخذ على يده من الوقوع فى الظلم فلا ضير عليكم فى تماديه فى غيه وضلاله، فإن مصيركم ومرجعكم جميعًا إلى الله - تعالى - وحده﴿ فینبئكم﴾ یوم القيامة ﴿بما كنتم تعملون﴾ فى الدنيا من خير أو شر، ويجازى أهل الخير بما يستحقون من ثواب، ويجازى أهل الشر بما يستحقون من عقاب. هذا، وقد يقول قائل: إن ظاهر هذه الآية قد يفهم منه بعض الناس، أنه لا يضر المؤمنين أن يتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ماداموا قد أصلحوا أنفسهم؛ لأنها تقول: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فهل هذا الفهم مقبول؟ والجواب على ذلك، أن هذا الفهم ليس مقبولا، لأن الآية الكريمة مسوقة لتسلية المؤمنين، ولإدخال الطمأنينة على قلوبهم إذا لم يجدوا أذنا صاغية لدعوتهم. فكأنها تقول لهم: إنكم - أيها المؤمنون - إذا قمتم بما يجب عليكم، لا يضركم تقصير غيركم. ولا شك أن مما يجب عليهم القيام به: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إذ لا يكون المرء مهتديا إلى الحق مع تركه لفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإنما يكون مهتديا متى أصلح نفسه ودعا غيره إلى الخير والصلاح. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٥٢٣ ٣١٩ سورة المائدة أى أن الهداية التى ذكرها - سبحانه - فى قولهم ﴿إذا اهتديتم﴾ لا تتم إلا بإصلاح النفس ودعوة الغير إلى الخير والبر. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المعانى بقوله : كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم فى الإسلام، فقيل لهم ﴿عليكم أنفسكم﴾ وما كلفتم من إصلاحها والمشى بها فى طرق الهدى ﴿لا يضركم﴾ الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين. وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ فإن من تركهما مع القدرة عليهما لا يكون مهتديا، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه(١). ويبدو أن هذه الآية الكريمة قد فهمها بعض الناس فهما غير سليم - حتى فى الصدر الأول من الإِسلام. قال القرطبى : روى أبو داود والترمذى وغيرهما عن قيس بن أبى حازم قال : خطبنا أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - فقال: أيها الناس - إنكم تقرءون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها ﴿يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ وإنى سمعت رسول الله و لا يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده)). وروى أبو داود والترمذى وغيرهما عن أبى أمية الشعبانى قال : أتيت أبا ثعلبة الخشنى فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية؟ فقال : أية آية؟ قلت : قوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله وَله فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعًا وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة. وإعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم. وفى رواية قيل يارسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال ((بل أجر خمسين منكم))(٢). وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت فى حلقة فيها أصحاب النبى وَله وإنى لأصغر القوم؛ فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فقلت أنا : أليس الله يقول: ﴿يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ فأقبلوا على بلسان واحد وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها. ولا تدرى ما تأويلها- حتى تمنيت أنى لم أكن تكلمت ــ ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن وإنك نزعت آية لا تدرى ما هى، وعسى أن تدرك ذلك (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٥٨ . (٢) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٣٤٣ ٣٢٠ ٠٠ المجلد الرابع الزمان، إذا رأيت شحا مطاعًا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت))(١). والخلاصة أن الآية الكريمة لا ترخص فى ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إنها - كما قال الحاكم - لو استدل بها على وجوبهما لكان أولى، لأن قوله ﴿عليكم أنفسكم﴾ معناه: الزموا أن تصلحوا أنفسكم باتباع الدلائل من كتاب الله وسنة رسوله والعقليات المؤيدة بها، ودعوة الإِخوان إلى ذلك، بإقامة الحجج ودفع الشبه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولا تقصروا فى ذلك))(٢). ونقل الفخر الرازى عن عبد الله بن المبارك أنه قال: هذه أوكد آية فى وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإنه - سبحانه - قال ﴿علیکم أنفسكم﴾ یعنی علیکم أهل دینکم ولا يضركم من ضل من الكفار. وهذا كقوله فاقتلوا أنفسكم، يعنى أهل دينكم فقوله ﴿علیکم أنفسكم﴾ يعنى بأن يعظ بعضكم بعضًا. ويرغب بعضكم بعضًا فى الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات))(٣). ثم ختمت السورة حديثها الطويل المتنوع عن الأحكام الشرعية ببيان بعض أحكام المعاملات فى المجتمع الإسلامى فتحدثت عن التشريع الخاص بالإِشهاد على الوصية فى حالة السفر، وعن الضمانات التى شرعتها لكى يصل الحق إلى أهله كاملا غير منقوص فقال - تعالى : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْشَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْنِ تَحْتِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْ تَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَّمَنَا وَلَوْ كَانَ ذَاقُرْبٌِّ (١) تفسير ابن جرير جـ ٧ ص ٩٦ (٢) تفسير القاسمى جـ ٦ ص ٣٩١ (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ١٢ ص ١١٢