Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة النساء غير واحد من السلف: أنه قال لهم. أيكم يلقى عليه شبهى فيقتل مكانى وهو رفيقى فى الجنة ... ؟(١). والذى يجب اعتقاده بنص القرآن الكريم أن عيسى - عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله إليه، ونجاه من مكر أعدائه، أما الذى قتل وصلب فهو شخص سواه. ثم قال -تعالى -: ﴿وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه مالهم به من علم إلا اتباع الظن﴾. أى: وإن الذين اختلفوا فى شأن عيسى من أهل الكتاب لفى شك دائم من حقيقة أمره. أى: فی حیرة وتردد، ليس عندهم علم ثابت قطعی فی شأنه، أو فى شأن قتله، ولكنهم لا يتبعون فيما يقولونه عنه إلا الظن الذى لا تثبت به حجة. ولا يقوم عليه برهان. ولقد اختلف أهل الكتاب فى شأن عيسى اختلافا كبيرًا. فمنهم من زعم أنه ابن الله. وادعى أن فى عيسى عنصرا إلهيا مع العنصر الإِنسانى. وأن الذى ولدته مريم هو العنصر الإِنسانى. ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإلهى. ومنهم من قال: إن مريم ولدت العنصرين معا. ولقد اختلفوا فى أمر قتله. فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبا فقتلناه قتلا حقيقيا، وتردد آخرون فقالوا : إن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا. وإن كان المقتول صاحبنا فأين عيسى؟ وقال آخرون : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا. إلى غير ذلك من خلافاتهم التى لا تنتهى حول حقيقة عيسى وحول مسألة قتله وصلبه(٢). فالمراد بالموصول فى قوله: ﴿وإن الذين اختلفوا﴾ ما يعم اليهود والنصارى جميعا. والضمير فى قوله (فيه) يعود إلى عيسى - عليه السلام -. وقوله ﴿منه﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة الشك. قال الآلوسي: وأصل الشك أن يستعمل فى تساوى الطرفين، وقد يستعمل فى لازم معناه وهو التردد مطلقا، وإن لم يترجح أحد طرفيه وهو المراد هنا. ولذا أكده بنفى العلم الشامل لذلك أيضا بقوله - سبحانه -: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾(٣). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص (٢) إذا أردت المزيد من معرفة هذه المسألة فراجع تفسير القاسمى جـ ٥ ص ١٦٢٩ إلى ص ١٧١٦. وتفسير المنار جـ ٦ من ص ٢٣ إلى ٥٩ (٣) تفسير الآلوسى جـ ٦ ص ١١ ٣٨٢ المجلد الثالث وقوله ﴿إِلا أتباع الظن﴾ الراجح أن الاستثناء فيه منقطع، أى مالهم به من علم لكنهم يتبعون الظن. وقيل : هو متصل، لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإِدراك. قال صاحب الكشاف : فإن قلت : قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين. ثم وصفوا بالظن والظن أن يترجح أحدهما فكيف يكونون شاكين ظانين؟ قلت : أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة ظنوا. ولم يرتض هذا الجواب صاحب الانتصاف فقال : وليس فى هذا الجواب شفاء الغليل. والظاهر - والله أعلم - أنهم كانوا أغلب أحوالهم الشك فى أمره والتردد، فجاءت العبارة الأولى على ما يغلب من حالهم، ثم كانوا لا يخلون من ظن فى بعض الأحوال وعنده يقفون لا يرتفعون إلى العلم فيه البتة. وكيف يعلم الشىء على خلاف ما هو به؟ فجاءت العبارة الثانية على حالهم النادرة فى الظن نافية عنهم ما يترقى عن الظن(١). وقوله: ﴿وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما﴾ تأكيد لنجاة عيسى مما يزعمونه من قتلهم له، وبيان لما أكرمه الله به من رعاية وتشريف. واليقين : هو العلم الجازم الذى لا يحمتل الشك والضمير فى قوله ﴿وما قتلوه﴾ لعيسى. وقوله ﴿يقينا﴾ ذكر النحاة فى إعرابه وجوها من أشهرها : أنه نعت لمصدر محذوف مأخوذ من لفظ قتلوه: أى: ما قتلوه قتلا يقينا، أى متيقنين معه من أن المقتول عيسى عليه السلام - وهذا فيه ترشيح للاختلاف والشك الذى اعتراهم. أو هو حال مؤكدة لنفى القتل. أى انتفى قتلهم إياه إنتفاء يقينا. فاليقين منصب على النفى. أى: أن : نفى كونه قد قتل أمر متيقن مؤكد مجزوم به، وليس ظنا كظنكم أو وهما كوهمكم يا معشر أهل الكتاب. وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك بقوله : قوله : ﴿وما قتلوه يقينا﴾ أى: وما قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك فى قولهم ﴿إنا قتلنا المسيح﴾ أو يجعل ﴿يقينا﴾ تأكيدا لقوله : ﴿وما قتلوه﴾ كقولك: ما قتلوه حقا. أى حق انتفاء قتله حقا. والمعنى : أن اليهود قد زعموا أنهم قتلوا عيسى - عليه السلام - وزعمهم هذا أبعد ما يكون عن الحق والصواب، لأن الحق المتيقن فى هذه المسألة أنهم لم يقتلوه، فقد نجاه الله من مكرهم، (١) تفسير الكشاف وحاشيته جـ١ ص٨٥٧. ٣٨٣ سورة النساء ورفع عيسى إليه، وكان الله ﴿عزيزا﴾. أى منيع الجناب، لا يلجأ إليه أحد إلا أعزه وحماه. ﴿حكيما﴾ فى جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور. هذا، وجمهور العلماء على أن الله - تعالى - رفع عيسى إليه بجسده وروحه لا بروحه فقط قال بعض العلماء : والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء. والخصوصية له - عليه السلام - هى فى رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمر المقدر له(١). وفى بعضهم الرفع فى قوله - تعالى - ﴿بل رفعه الله إليه﴾ بأنه رفع بالروح فقط. وقد بسطنا القول فى هذه المسألة عند تفسيرنا لسورة آل عمران فى قوله تعالى -: ﴿إذ قال الله يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى﴾(٢). و﴿إِن﴾ هنا نافية بمعنى ما النافية، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه. أى: وما أحد من أهل الكتاب. وحذف أحد لأنه ملحوظ فى كل نفى يدخله الاستثناء. نحو: ما قام إلا زيد. أى ما قام أحد إلا زيد. وللمفسرين فى تفسير هذه الآية اتجاهان : الأول: أن الضمير فى قوله ﴿قبل موته﴾ يعود إلى عيسى - عليه السلام - وعليه يكون المعنى : وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى - عند نزوله فى آخر الزمان - حق الإِيمان، ﴿قبل موته﴾ أى: قبل موت عيسى، ﴿ويوم القيامة يكون﴾ عيسى - عليه السلام - ﴿عليهم﴾ أى: على أهل الكتاب ﴿شهيدا﴾ فيشهد عليهم بأنه قد أمرهم بعبادة الله وحده، وأنه قد نهاهم عن الإِشراك معه آلهة أخرى. وقد انتصر لهذا الاتجاه كثير من المفسرين وعلى رأسهم شيخهم ابن جرير. فقد قال - بعد سرد الأقوال فى الآية - : وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال. تأويل ذلك : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى(٣). وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير بقوله : ولا شك أن الذى قاله ابن جرير هو الصحيح. لأن المقصود من سياق الآيات، بطلان ما زعمته اليهود من قتل عيسى وصلبه، ." وبطلان تسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك. فقد أخبر الله - تعالى أن الأمر لم يكن (١) تفسير صفوة البيان ص ١٠٩ لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف (٢) راجع تفسير الآية الكريمة فى سورة آل عمران. (٣) تفسير ابن جرير جـ ٢ ص ٢٣ ٣٨٤ المجلد الثالث كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا یتبینون ذلك. ثم إن الله - تعالى - رفع إلیه عیسى، وإنه باق حى، وإنه سينزل قبل يوم القيامة. ثم عقد ابن كثير فصلا عنونه بقوله: ذكر الأحاديث الواردة فى نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء فى آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له. ثم ساق ابن كثير جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله (#1 : ((والذی نفسی بیده لیوشکن أن ینزل فیکم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون . السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها)). ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾(١). أما الاتجاه الثانى: فيرى أصحابه أن الضمير فى قوله ﴿قبل موته﴾ يعود إلى الكتاب المدلول عليه بقوله: ﴿وإن من أهل الكتاب﴾. وعليه يكون المعنى: وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعیسی قبل موته أى قبل موت هذا الكتابى، لأنه عند ساعة الاحتضار یتجلى له الحق، ویتبین له صحة ما کان ینکره ويححده فیؤمن بعيسى - عليه السلام - ويشهد بأنه عبد الله ورسوله، وأن الله واحد لا شريك له، ولكن هذا الإِيمان لا ينفعه، لأنه جاء فى وقت الغرغرة، وهو وقت لا ينفع فيه الإِيمان، لانقطاع التكليف فيه. قالوا: ويؤيد هذا التأويل قراءة أبى: ﴿إلا ليؤمنن به قبل موتهم﴾ - بضم النون وبميم الجمع -. وقد صدر صاحب الكشاف كلامه بذكر هذا التأويل فقال ما ملخصه: والمعنى : وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى. وبأنه عبد الله ورسوله. يعنى: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه. فإن قلت: ما فائدة الإِخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لابد لهم من الإِيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معالجة الإِيمان به فى وقت الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم. وقيل : الضميران لعيسى بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون فى زمان نزوله(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٧٧ - بتصرف يسير -. (٢) تفسیر الکشاف جـ ١ ص ٥٨٩ - ٣٨٥ سورة النساء والذى نراه أولى أنه لا تعارض بين التأويلين. فإن كلا منهما حق فى ذاته. فكل كتابى عندما تحضره الوفاة يعلم أن عيسى كان صادقا فى نبوته، وأنه عبد الله، وأنه قد دعا الناس إلى عبادة الله وحده. وكذلك كل كتابى يشهد نزول عيسى فى آخر الزمان سيؤمن به ويتبعه ويشهد بأنه صادق فيما بلغه عن ربه. ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخری من جرائم اليهود، وحکی بعض العقوبات التى حلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال - تعالى ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذابا عظيما﴾. والفاء فى قوله ﴿فبظلم﴾ للتفريع على جرائمهم السابقة، والباء للسببية، والتنكير للتهويل والتعظيم. والجار والمجرور متعلق بحرمنا. وقدم الجار والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم. والمعنى فبسبب ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، ولو أنهم لم يقعوا فى هذا الظلم الشديد لما حرم الله عليهم هذه الطيبات التى هم فى حاجة إليها . والآية الكريمة تعليل لبعض العقوبات التى نزلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم، ومن ضروب هذا الظلم والبغى ما سجله الله عليهم قبل ذلك من نقض للمواثيق، ومن كفر بآيات الله. وما سجله عليهم - أيضا - بعد ذلك من صد عن سبيل الله، ومن أخذ للربا وقد نهاهم الله عن أخذه. وهذه الطيبات التى حرمها الله عليهم منها ما حكاه - سبحانه - فى سورة الأنعام بقوله : ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾. والتعبير عنهم بقوله: ﴿فبظلم من الذين هادوا﴾ إيذان بشناعة ظلمهم، حيث إنهم وقعوا فى هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة العجل. وقولهم: ﴿إِنا هدنا إليك﴾ أی: تبنا ورجعنا إليك يا ربنا. وقوله ﴿أحلت لهم﴾ هذه الجملة صفة للطيبات فهى فى محل نصب. والمراد من وصفها بذلك. بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا ما ارتكبوا من موبقات. أى: حرمنا عليهم طيبات كانت حلالا لهم، ثم حرمت عليهم بسبب بغيهم وظلمهم. ٣٨٦ المجلد الثالث قال ابن كثير: يخبر - سبحانه - أنه بسبب ظلم اليهود، وبسبب ما ارتكبوه من ذنوب، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم. وقرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم. وهذا التحريم قد يكون قدريا. بمعنى أن الله قيضهم لأن يتأولوا فى كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فحرموها على أنفسهم تضييقا، تنطعا. ويحتمل أن يكون شرعيا. بمعنى أنه -تعالى- حرم عليهم فى التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك. كما قال -تعالى- ﴿كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة﴾(١). وقوله : ﴿وبصدهم عن سبيل الله كثيرا﴾ معطوف هو وما بعده من أخذهم الربا وغيره على الظلم الذى تعاطوه. من عطف الخاص على العام، لأن هذه الجرائم تفسير وتفصيل لظلمهم. والصد والصدود : المنع. أى: وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق التى شرعها الله لعباده وصدهم غيرهم عنها صدا كثيرا، بسبب ذلك عاقبناهم وطردناهم من رحمتنا. وقوله ﴿كثيرا﴾ صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو ﴿بصدهم﴾ أى: وبصدهم عن سبيل الله جمعا كثيرا من الناس. أو صفة لمصدر محذوف، أى: وبصدهم عن سبيل الله صدا کثیرا. وقوله : ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأکلهم أموال الناس بالباطل﴾ بیان للون آخر من رذائلهم وقبائحهم. أى: ومن أسباب تحريم بعض الطيبات عليهم ولعنهم، أخذهم الربا مع نهيهم عنه على ألسنة رسلنا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أى. على طريق الرشوة، والخيانة، والسرقة وغير ذلك من سائر الوجوه المحرمة. وما حملهم على هذا الولوغ فى المحرمات بشراهة وعدم مبالاة إلا أنانيتهم وبيعهم الدين بالدنيا. وقوله. ﴿وقد نهوا عنه﴾ جملة حالية فى محل نصب. قال الالوسى. وفى الآية دلالة على أن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا لأى النهى يدل على حرمة المنهى عنه، وإلا لما توعد - سبحانه - على مخالفته. تلك هى بعض العقوبات التى عاقبهم الله بها فى الدنيا. أما عقوبة هؤلاء اليهود فى الآخرة فقد بينها - سبحانه - فى قوله. ﴿وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما﴾. أى. وهيأنا وأعددنا للكافرين من أولئك اليهود الذين فسدت نفوسهم عذابا موجعا أليما، جزاء ظلمهم وفسوقهم عن أمر الله. ٠ وقوله ﴿للكافرين منهم﴾ احتراس قصد به إخراج من آمن منهم من هذا العذاب الأليم، (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٨٥ ٣٨٧ سورة النساء لأن العذاب إنما هو للكافرين منهم فحسب، أما من آمن منهم كعبدالله بن سلام وأشباهه فلهم أجرهم عند ربهم. وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بعد ذلك، بأن أكرم من يستحق الإِكرام منهم، وبشره بالأجر العظيم فقال، ﴿لكن الراسخون فى العلم منهم، والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، والمقيمين الصلاة، والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر. أولئك سنؤتيهم أجراً عظيما﴾. وقوله ﴿الراسخون﴾ جمع راسخ. ورسوخ الشىء ثباته وتمكنه. يقال شجرة راسخة، أى ثابتة قوية لا تزحزحها الرياح ولا العواصف. والراسخ فى العلم هو المتحقق فيه، الذى لا تؤثر فيه الشبهات، المتقن لما يعلمه إتقانا يبعده عن الميل والانحراف عن الحق. وقوله، ﴿لكن الراسخون فى العلم﴾ استدراك من قوله قبل ذلك ﴿وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما﴾ وبيان لكون بعض أهل الكتاب على خلاف حال عامتهم فى العاجل والآجل. والمعنى : إن حال اليهود على ما وصف لكم من سوء خلق فى الدنيا، ومن سوء عاقبة فى الآخرة، ﴿لكن الراسخون فى العلم منهم﴾ أى الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون الذين أدركوا حقائقه وصدقوها وأذعنوا لها، ورسخت فى نفوسهم رسوخا ليس معه شبهة تفسده، أو هوی یعبث به، أو ریب یزعزعه. ﴿والمؤمنون﴾ أى منهم. وقد وصفوا بالإيمان بعد وصفهم بما يوجبه وهو الرسوخ فى العلم بطريق العطف المبنى على المغايرة بين المتعاطفين تنزيلا للاختلاف العنوانى منزلة الاختلاف الذاتى . وقوله ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾ خبر" لقوله ﴿الراسخون﴾. أى هؤلاء الراسخون فى العلم من أهل الكتاب والمؤمنون منهم بالحق، يؤمنون بما أنزل إليك من قرآن، ويؤمنون بما ﴿أنزل من قبلك﴾ من كتب سماوية على أنبياء الله ورسله. وقوله: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ للعلماء فيه وجوه من الإعراب أشهرها أنه منصوب على المدح. أى: وأمدح المقيمين الصلاة. قال صاحب الكشاف: وقوله ﴿والمقيمين الصلاة﴾ نصب على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع. وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى مازعموا من وقوعه لحنا فى خط المصحف: وربما التفت إليه من لم ينظر فى الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، ومالهم فى النصب على الاختصاص من الافتنان وغبى عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم فى التوراة ٣٨٨ المجلد الثالث ومثلهم فى الإِنجيل، كانوا أبعد همة فى الغيرة على الإِسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا فى كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم. وخرقا يرفوه من يلحق بهم وقيل: هو عطف على ﴿بما أنزل إليك﴾ أى: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفى مصحف عبد الله: ﴿والمقيمون﴾ بالواو. وهى قراءة مالك بن دينار، والجحدرى، وعيسى الثقفى(١). وقوله: ﴿والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ معطوف على ﴿الراسخون﴾ أو على الضمير المرفوع فى ﴿يؤمنون﴾. أو على أنه مبتدأ والخبر ما بعده وهو قوله. ﴿أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيما﴾. والمراد بالجميع مؤمنو أهل الكتاب الصادقون فى إيمانهم. فقد وصفهم - أولا - بالرسوخ فى العلم، ثم وصفهم - ثانیا - بالإِيمان الکامل بما أوحاه الله علی أنبيائه من کتب وهدایات، ثم مدحهم - ثالثا - بإقامة الصلاة إقامة مستوفية لكل أركانها وسننها وآدابها وخشوعها، ثم وصفهم - رابعًا - بإيتاء الزكاة لمستحقيها، ثم وصفهم - خامسا - بالإِيمان بالله إيمانًا حقًّا، وبالإِيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب. وبعد هذا الوصف الكريم لهؤلاء المؤمنين الصادقين، بين - سبحانه - حسن عاقبتهم فقال: ﴿أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيما﴾. أى: أولئك الموضفون بتلك الصفات الجليلة سنؤتيهم يوم القيامة أجرا عظيم لا يعلم كنهه إلا علام الغيوب، لأنهم جمعوا بين الإِيمان الصحيح وبين العمل الصالح. هذا. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها من أجمع الآيات التى تحدثت عن أحوال اليهود، وعن أخلاقهم السيئة، وعن فنون من رذائلهم وقبائحهم ... فأنت تراها - أولا - تسجل عليهم أسئلتهم المتعنتة وسوء أدبهم مع الله، وعبادتهم للعجل من بعد أن قامت لديهم الأدلة على أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، وعصيانهم لأوامر الله ونواهيه، ونقضهم للعهود والمواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، وبهتهم لمريم القانتة العابدة الطاهرة، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ... إلى غير ذلك من الرذائل التى سجلها الله عليهم. ثم تراها - ثانيا - تذكرهم وتذكر الناس جميعا ببعض مظاهر رحمة الله بهم، وعفوه عنهم، ونعمه عليهم، كما تذكرهم - أيضا - وتذكر الناس جميعا، ببعض العقوبات التى عاقبهم بها بسبب ظلمهم وبغيهم. (١) تفسیر الکشاف جـ ١ ص ٥٩٠ ٣٨٩ سورة النساء وكأن الآيات الكريمة تقول لهم وللناس إن نعم الله على عباده لا تحصى ورحمته بهم واسعة، فاشكروه على نعمه، وتوبوا إليه من ذنوبكم، فإن الإصرار على المعاصى يؤدى إلى سوء العاقبة فى الدنيا والآخرة. ثم تراها - ثالثًا - تدافع عن عيسى وأمه مريم دفاعا عادلا مقنعًا وتبرئهما مما نسبه أهل الكتاب إليهما من زور وبهتان، وتصرح بأن أهل الكتاب لا حجة عندهم فيما تقولوه على عيسى وعلى أمه مريم، وأنهم فى أقوالهم ما يتبعون إلا الظن، ﴿وإن الظن لا يغنى من الحق شيئًا﴾ ثم تسوق الحقيقة التى لا باطل معها فى شأن عيسى، بأن تبين بأن الذين زعموا أنهم قتلوه كاذبون مفترون فإنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وسيؤمنون به عند نزوله فى آخر الزمان، أو عندما يكونون فى اللحظات الأخيرة من حياتهم، حين لا ينفع الإِيمان. ثم تراها - رابعًا - لا تعمم فى أحكامها، وإنما تحق الحق وتبطل الباطل فهى بعد أن تبين ما عليه اليهود من كفر وظلم وفسوق عن أمر الله، وتتوعدهم بالعذاب الشديد فى الآخرة. بعد كل ذلك تمدح الراسخين فى العلم منهم مدحا عظيما، وتكرم المؤمنين الصادقين منهم تكريما عظيما، وتبشرهم بالأجر الجزيل الذى يشرح صدورهم، ويطمئن قلوبهم. ﴿وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم﴾. هذا جانب مما اشتملت عليه هذه الآيات من عبر وعظات ((لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)». وبعد هذا الحديث المستفيض عن شبهات اليهود وسوء طباعهم. ساق - سبحانه - ما يشهد بصدق النبى وَ ل# فى دعوته، وأنه ليس بدعا من الرسل، بل هو واحد منهم إلا أنه خاتمهم، وأرفعهم منزلة عند الله - تعالى - فقال - سبحانه - : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا ()، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ ٣٩٠ المجلد الثالث مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (® رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِتَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿ لَّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهٌ» وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُ ونَّ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًالأ قال الإِمام الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله وَلاير أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وذكر - سبحانه - بعد ذلك أنهم لا يسألون لأجل الاسترشاد، ولكن لأجل العناد واللجاج، وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحم ... شرع - سبحانه - بعد ذلك فى الجواب عن شبهاتهم فقال: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾(١). وقوله ﴿أوحينا﴾ من الإيحاء أو الوحى. والوحى فى الأصل: الإِعلام فى خفاء عن طريق الإِشارة، أو الإيماء، أو الإِلهام، أو غير ذلك من المعانى التى تدل على أنه إعلام خاص، وليس إعلاما ظاهرًا. والمراد به هنا إعلام الله - تعالى - نبيه محمدالر ما أراد إعلامه به من قرآن أو غيره. والمعنى: إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا ونواهينا وهداياتنا .. كما أوحينا إلى نبينا نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاءوا من بعده. فأنت يا محمد لست بدعا من الرسل، وإنما أنت رسول من عند الله - تعالى - تلقيت رسالتك منه - سبحانه - كما تلقاها غيرك من الرسل. وأكد - سبحانه - خبر إيجائه وَطير، للاهتمام بهذا الخبر، ولإبطال ما أنكره المنكرون لوحى الله - تعالى - على أنبيائه ورسله فقد حكى القرآن عن الجاحدين للحق أنهم قالوا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شىء﴾. وبدأ سبحانه؛ بنوح عليه السلام، لأنه الأب الثانى للبشرية بعد آدم عليه السلام، ولأن فى (١) تفسير الفخر الرازى جـ ١١ ص ١٠٨ ٣٩١ سورة النساء ذكره معنى التهديد لأولئك الجاحدين للرسالة السماوية، فقد أجاب الله تعالى، دعاءه فى الكافرين فأغرقهم أجمعين. قال الجمل: وإنما بدأ الله - تعالى - بذكر نوح - عليه السلام - لأنه أول نبى بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك. وكان أول من عذبت أمته لردهم دعوته. وكان أطول الأنبياء عمرا(١). . والتشبيه فى قوله: ﴿كما أوحينا إلى نوح﴾ تشبيه بجنس الوحى، وإن اختلفت أنواعه، واختلف الموحى به. والكاف فى قوله ﴿كما﴾ نعت لمصدر محذوف، و﴿ما﴾ مصدرية. أى: إنا أوحينا إليكِ إيحاءً. مثل إيحائنا إلى نوح - عليه السلام -. وقوله ﴿من بعده﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للنبيين أى: والنبيين الكائنين من بعده أى : من بعد نوح. وقوله : ﴿وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ معطوف على أوحينا إلى نوح، داخل معه فى حكم التشبيه. أى: أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وكما أوحينا إلى إبراهيم بن آزر، وكما أوحينا إلى ابنه اسماعيل، وابنه إسحاق، وكما أوحينا إلى يعقوب بن إسحاق، وكما أوحينا إلى الأسباط وهم أولاد يعقوب. قال الآلوسي : والأسباط هم أولاد يعقوب - عليه السلام - فى المشهور. وقال غير واحد : إن الأسباط فى ولد إسحاق كالقبائل فى أولاد إسماعيل وقد بعث منهم عدة رسل. فيجوز أن يكون - سبحانه - أراد بالوحى إليهم، الوحى إلى الأنبياء منهم. كما تقول : أرسلت إلى بنى تميم، وتريد أرسلت إلى وجوههم ولم يصح أن الأسباط الذين هم إخوة يوسف كانوا أنبياء، بل الذى صح عندى - وألف فيه الجلال السيوطى رسالة - خلافه))(٢). وكرر - سبحانه - كلمة ﴿وأوحينا﴾ للإشعار بوجود فترة زمنية طويلة بين نوح وبين إبراهيم - عليهما السلام -. ثم ذكر - سبحانه - عددًا آخر من الأنبياء تشريفا وتکریما لهم فقال ﴿وعیسی وأیوب ویونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورًا﴾. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٨٨ (٢) تفسير الآلوسي جـ ٦ ص ١٦ ٣٩٢ المجلد الثالث أى: أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى هؤلاء الأنبياء السابقين، وكما أوحينا إلى عيسى ابن مريم الذى أنكر نبوته اليهود الذين يسألونك الأسئلة المتعنتة، وإلى أيوب الذى ضرب به المثل فى الصبر، وإلى يونس بن متى الذى لم ينس ذكر الله وهو فى بطن الحوت، وإلى هارون أخى موسى، وإلى سليمان بن داود الذى آتاه الله ملكا لم يؤته لأحد من بعده. وقوله: ﴿وآتينا داود زبورًا﴾ معطوف على قوله: أوحينا، وداخل فى حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإِيحاء. وأوثر. قوله هنا: وآتينا على أوحينا؛ لتحقق المماثلة فى أمر خاص وهو إيتاء الكتاب بعد .. تحققها فى مطلق الإِيجاء. والزبور - بفتح الزاى - اسم الكتاب الذى أنزله الله على داود - عليه السلام - قالوا : ولم يكن فيه أحكام، بل كان كله مواعظ وحكم وتقديس وتحميد وثناء على الله - تعالى -. ولفظ (زبور) هنا بمعنى مزبور أى مكتوب. فهو على وزن فعول ولکن بمعنى مفعول. وزبر معناه کتب. أى: وآتينا داود كتابا مكتوبا. ثم أجمل - سبحانه - بيان الرسل الذين أرسلهم فقال : ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك﴾. وقوله ﴿ورسلا﴾ منصوب بفعل مقدر قبله. أی: وأرسلنا رسلا قد أخبرناك عنهم، وقصصنا عليك أنباءهم فيما نزل عليك من قرآن قبل نزول هذه الآيات عليك. وأرسلنا رسلا آخرين غيرهم لم نقصص عليك أخبارهم؛ لأن حكمتنا تقتضى ذلك، ولأن فيما قصصناه عليك من أخبار بعضهم عظات وعبرا لقوم يؤمنون. هذا، وقد تكلم بعض العلماء عن عدد الأنبياء والرسل، واستندوا فى كلامهم على أخبار وأحاديث لم تسلم أسانيدها من الطعن فيها. قال ابن كثير: وقد اختلف فى عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور فى ذلك حديث أبى ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه فى تفسيره حيث قال: حدثنا إبراهيم بن محمد. عن أبى إدريس الخولاني عن أبى ذر قال: قلت يا رسول الله: كم عدد الأنبياء؟ قال: ((مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قلت يا رسول الله. كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر .. ))(١). وقوله : ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ تشريف لموسى - عليه السلام - بهذه الصفة ولهذا يقال ١ (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٨٦ / ٣٩٣ سورة النساء له: موسى الكليم. أى. وخاطب الله موسى مخاطبة من غير واسطة. قال الجمل : والجملة إما معطوفة على قوله: ﴿إنا أوحينا إليك﴾ عطف القصة على القصة، وإما حال بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات. وقوله ﴿تكليما﴾ مصدر مؤكد لعامله رافع لاحتمال المجاز. قال الفراء: العرب تسمى ما وصل إلى الإِنسان كلاما بأى طريق وصل. ما لم يؤكد بالمصدر. فإن أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام(١). فدل قوله ﴿تكليما﴾ على أن موسى قد سمع كلام الله - تعالى - حقيقة من غير واسطة، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو - سبحانه -. وقد ساق بعض المفسرين نقولا حسنة فى مسألة كلام الله - تعالى - فارجع إليها إن شئت(٢) . وقوله: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾. بيان لوظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والحكمة من إرسالهم. وقوله: ﴿رسلا﴾ منصوب على المدح، أو بفعل مقدر قبله، أى: وأرسلنا رسلا. والمراد بالحجة هنا : المعذرة التى يعتذر بها الكافرون والعصاة. أى: وكما أوحينا إليك يا محمد بما أوحينا من قرآن وهدايات. وأرسلناك للناس رسولا، فقد أرسلنا من قبلك رسلا كثيرين مبشرين من آمن وعمل صالحا يرضا الله عنه فى الدنيا والآخرة، ومنذرين من كفر وعصى بسوء العقبى، وقد أرسل - سبحانه - الرسل مبشرين ومنذرين لكى ﴿لا يكون للناس على الله حجة﴾ يوم القيامة، أى لكى لا تكون لهم معذرة يعتذرون بها كأن يقولوا. ياربنا هلا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك، ويعلمنا أحكامك وأوامرك ونواهيك، فقد أرسلنا إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لكى لا تكون لهم حجة يحتجون بها، كما قال - تعالى - ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾(٣). قال الألوسى : فالآية ظاهرة فى أنه لابد من الشرع وإرسال الرسل. وأن العقل لا يغنى عن ذلك. وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن مسألة الرسل إنما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التى تعترى الإِنسان من دون اختيار. فمعنى الآية عندهم: لئلا يبقى للناس على الله حجة. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٤٩ (٢) تفسير القاسمى جـ ٥ من ص ١٧٢٣ إلى ص ١٧٥٢ (٣) سورة طه الآية ١٣٤. ٣٩٤ المجلد الثالث وتسمية ما يقال عند ترك الإِرسال حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه - سبحانه - حجة مجاز. بتنزيل المعذرة فى القبول عنده - تعالى - بمقتضى كرمه ولطفه منزلة الحجة القاطعة التى لامرد لها(١))). وقوله: ﴿حجة﴾ اسم يكون. وخبره قوله ((للناس)) وقوله: على الله حال من حجة. وقوله : ﴿بعد الرسل﴾ أي: بعد إرسال الرسل وتبليغ الشريعة على ألسنتهم وهو متعلق بالنفى أى: لتنتفى حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل. قال ابن كثير: وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود قال قال رسول الله والفر ((لا أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين وفي لفظ آخر: ((ومن أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه))(٢). وقوله : ﴿وكان الله عزیزا حكيما﴾ تذييل قصد به بيان قدرته التى لا تغالب وحكمته التى لا يحيط أحد بكنهها. أى: وكان الله - تعالى - ومازال هو القادر الغالب على كل شىء، الحكيم فى جميع أفعاله وتصرفاته، وسيجازى الذين أساؤا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى . هذا وللمرحوم الأستاذ الإِمام محمد عبده كلام نفيس فى كتابه (رسالة التوحيد) عن : حاجة البشر إلى إرسال الرسل، وعن وظيفتهم - عليهم الصلاة والسلام - ومما قاله فى ذلك : الرسل يرشدون العقل إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من صفاته. ويبينون الحد الذى يجب أن يقف عنده فى طلب ذلك العرفان. على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه، ولا يرفع ثقته بما آتاه الله من القوة. الرسل يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم. وتنازعته مصالحهم ولذاتهم. فيفصلون فى تلك المخاصمات بأمر الله الصادع. ويؤيدون بما يبلغون عنه ما تقوم به المصالح العامة. ولا يفوت به المصالح الخاصة. الرسل يضعون لهم بأمر الله حدودا عامة. يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم. كاحترام الدماء البشرية إلا بحق. مع بيان الحق الذى تهدر له، وحظر تناول شىء مما كسبه الغير إلا بحق. مع بيان الحق الذى يبيح تناوله. واحترام الأعراض. مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٨٨ (٢) تفسير الآلوسى جـ ٦ ص ١٨ ۔ ٣٩٥ سورة النساء يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية إلى طلب الرغائب السامية آخذين فى ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والإِنذار والتبشير حسبما أمرهم الله - جل شأنه -. يفصلون فى جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضا الله عنهم وما يعرضهم لسخطه عليهم. ثم يحيطون بيانهم بنبأ الدار الآخرة، وما أعد الله فيها من الثواب وحسن العقبى، لمن وقف عند حدوده. وأخذ بأوامره. وبهذا تطمئن النفوس، وتثلج الصدور، ويعتصم المرزوء بالصبر، انتظارا لجزيل الأجر. أو إرضاء لمن بيده الأمر. وبهذا ينحل أعظم مشكل فى الاجتماع الإِنسانى، لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم فى حله إلى اليوم(١). وقوله - سبحانه -: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وکفی بالله شهيدا﴾ استدراك قصد به الرد على جحود أهل الكتاب للحق الذى جاء به النبى وَلّر فقد أخرح ابن جرير عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله وَر جماعة من اليهود فقال لهم: ((إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسولالله. فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله قوله: ﴿لكن الله يشهد﴾. الآية(٢). والمقصود من الآية الكريمة تسلية النبى ◌َ﴿ عن تكذيب كثير من الناس له، وإدخال الطمأنينة على قلبه، فكأنه - سبحانه - يقول له : لم يشهد أهل الكتاب بأنك رسول من عند الله وصادق فيما تبلغه عنه ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك﴾ أى: لكن الله يشهد بأن الذى أنزله إليك من قرآن هو الحق الذى لا ريب فيه. وقوله : ﴿أنزله بعلمه﴾ أى: أنزله بعلم تام، وحكمة بالغة، أو بما علمه من مصالح عباده فى إنزاله عليك. وقوله : ﴿والملائكة يشهدون﴾ أى: والملائكة يشهدون بأنك صادق فى رسالتك، وبأن ما أنزله الله عليك هو الحق الذى لا تحوم حوله شبهة . وقوله. ﴿وكفى بالله شهيدا﴾ أى: وكفى بشهادة الله شهادة بأنك على الحق وإن لم يشهد غيره لك. فإنه لا عبرة لإِنكار المنكرين لنبوتك، ولا قيمة لجحود الجاحدين لما نزل عليك بعد شهادة الله لك بأنك نبيه ورسوله، لتخرج الناس بإذنه من ظلمات الجاهلية إلى نور الإِسلام. وقد أجاد صاحب الكشاف فى توضيح تلك المعانى حيث قال : فإن قلت الاستدراك لابد له (١) رسالة التوحيد للأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده ص ١١٧ وما بعدها. (٢) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٣١ : ٣٩٦ المجلد الثالث من مستدرك فما هو فى قوله: ﴿لكن الله يشهد﴾. قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال كتاب من السماء، واحتج عليهم بقوله ﴿إنا أوحينا إليك﴾ قال: لكن الله يشهد. بمعنى: أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد ... ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه، إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات وشهادة الملائكة : شهادة بأنه حق وصدق. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿أنزله بعلمه﴾ قلت: معناه أنزله متلبسا بعلمه الخاص الذى لا يعلمه غيره. وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة، لأنه بيان للشهادة. وقيل: أنزله وهو عالم بأنك أهل الإِنزاله إليك وأنك مبلغه. ويحتمل : أنه أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك(١). هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد أثبتت صدق النبى وَّ فى رسالته بالأدلة الساطعة. والحجج الواضحة؛ وبينت وظيفة الرسل - عليهم السلام - وحكمة الله فى إرسالهم، وزادت للنبى و طمأنينة بأنه على الحق، لأن الله قد شهد له بذلك، وكفى بشهادة الله شهادة، مهما خالفها المخالفون، وأعرض عنها المعرضون. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما عليه الكافرون من ضلال وخسران، وما سيصير إليه حالهم يوم القيامة من ذل ومهانة، ووجه إلى الناس جميعا نداء أمرهم فيه بالإِيمان وترك الكفر والعصيان فقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلا بَعِيدًا (١) إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُواْ لَمَّ يَكُنِ اللَّهُلِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا(٦) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ج وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا () يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٩٢ ٣٩٧ سورة النساء الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْرَاً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّلِلّهِمَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيَا حَكِيمًا) : 1 وقوله: ﴿وصدوا﴾ من الصد بمعنى المنع والانصراف عن الشىء. قال الراغب: والصد قد يكون انصرافا عن الشىء وامتناعا نحو: ((يصدون عنك صدودًا)) وقد يكون صرفا ومنعا نحو: ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل﴾. والمعنى: إن الذين كفروا بالحق الذى جاءهم به محمد ﴿ ﴿وصدوا عن سبيل الله﴾ أى: وأعرضوا عن الطريق الذى أمر الله بسلوكه وهو طريق الإِسلام ولم يكتفوا بذلك بل منعوا غيرهم أيضا عن سلوكه. إنهم بفعلهم هذا ﴿قد ضلوا ضلالا بعيدا﴾ أى: قد ضلوا - بسبب كفرهم وصدهم أنفسهم والناس عن الحق - ضلالا بلغ الغاية فى الشدة والشناعة. ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: ﴿إن الذين كفروا﴾ بما يجب الإِيمان به ﴿وظلموا﴾ أنفسهم بإيرادها موارد التهلكة، وظلموا غيرهم بأن حببوا إليه الفسوق والعصيان وكرهوا إليه الطاعة والإِيمان. إن هؤلاء الذين جمعوا بين الكفر والظلم ﴿لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا. إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا﴾. أى: لم يكن الله ليغفر لهم، لأنه - سبحانه - لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم طريقا من طرق الخير، لكنه - سبحانه - يهديهم إلى طريق تؤدى بهم إلى جهنم خالدين فيها أبدا، بسبب إيثارهم الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، وبسبب فساد استعدادهم، وسوء اختيارهم. والتعبير بالهداية فى جانب طريق النار من باب التهكم بهم. وقوله ﴿خالدين فيها﴾ حال مقدرة من الضمير المنصوب فى (يهديهم﴾، لأن المراد بالهداية هدايتهم فى الدنيا إلى طريق جهنم. أى: ما يؤدى بهم إلى الدخول فيها. وقوله ﴿أبدا﴾ منصوب على الظرفية، وهو مؤكد للخلود فى النار؛ رافع لاحتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل. أى: خالدين فيها خلودا أبديا بحيث لا يخرجون منها. ٣٩٨ المجلد الثالث وقوله : ﴿وكان ذلك على الله يسيرا﴾ تذييل قصد به تحقير شأنهم، وبيان أنه - سبحانه - لا يعبأ بهم. والمراد: وكان ذلك - أى: انتفاء غفران ذنوبهم، وانتفاء هدايتهم إلى طريق الخير، وقذفهم فى جهنم وبئس المهاد - كان كل ذلك على الله يسيرا. أى: هينا سهلا لأنه - سبحانه - لا يستعصى على قدرته شىء. ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس جميعا يأمرهم فيه بالإِيمان وينهاهم عن الكفر فقال : ويأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم﴾. أى: يأيها المكلفون من الناس جميعا، قد جاءكم الرسول المشهود له بالصدق فى رسالته، بالهدی ودین الحق من ربكم، فآمنوا به وصدقوه وأطيعوه، یکن إيمانكم خیرا لكم فى الدنيا والآخرة . فالخطاب فى الآية الكريمة للناس أجمعين، سواء أكان عربيا أم غير عربى أبيض أم أسود، .بعيدا أم قريبا ... لأن رسالته وَّله عامة وشاملة للناس جميعا. والمراد بالرسول محمد ◌َلير فأل فيه للعهد: وإيراده بعنوان الرسالة لتأكيد وجوب طاعته. وقوله : ﴿بالحق﴾ متعلق بمحذوف على أنه حال من الرسول. أى: جاءكم الرسول ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل. وقوله: ﴿من ربكم) متعلق بمحذوف على أنه حال أيضا من الحق. أو متعلق بجاء. أى: جاءكم من عند الله - تعالى - وليس متقولا . ويرى بعضهم أن قوله ﴿خيرا﴾ خبر لكان المحذوفة مع اسمها، أى: فآمنوا به يكن إيمانكم خيرا لكم. ويرى آخرون أنه صفة لمصدر محذوف. أى: فآمنوا إيمانا خيرا لكم. وهى صفة مؤكدة على حد أمس الدابر لا يعود، لأن الإِيمان لا يكون إلا خيرًا. فأنت ترى أن هذه الجملة الكريمة قد حضت الناس على الإِيمان بالرسول وَلقر لأنه لم يجئهم بشىء باطل وإنما جاءهم بالحق الثابت الموافق لفطرة البشر أجمعين، ولأنه لم يجئهم بما جاءهم به من عند نفسه وإنما جاءهم بما جاءهم به من عند الله - تعالى -. ولأنه لم يجئهم بما يفضى بهم إلى الشرور والآثام، وإنما جاءهم بما يوصلهم إلى السعادة فى الدنيا وإلى الفوز برضا الله فى الآخرة. تلك هى عاقبة المؤمنين، أما عاقبة الكافرين فقد حذر - سبحانه - منها بقوله: ﴿وإن ٣٩٩ سورة النساء تكفروا فإن الله ما فى السموات والأرض، وكان الله علیما حكيما﴾، أى: وإن تكفروا - أيها الناس - فلن يضر الله كفركم، فإنه - سبحانه - له ما فى السموات والأرض خلقا وملكا وتصرفا، وكان الله - تعالى - عليها علما تاما بأحوال خلقه، حكيما فى جميع أفعاله وتدبيراته. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد توعدت الكافرين بسوء المصير، وحضت الناس على الدخول فى زمرة المؤمنين، وحذرتهم من الكفر حتى ينجوا يوم القيامة من عذاب السعير. ثم وجهت السورة الكريمة بعد ذلك نداء إلى أهل الكتاب حذرتهم فيه من المغالاة فى شأن عيسى - عليه السلام - وبينت لهم وللناس أن عيسى إنما هو عبد الله ورسوله، وبشرت المؤمنين بالأجر الجزيل، وأنذرت المستكبرين بالعذاب الأليم. استمع إلى القرآن الكريم وهو يرشد إلى كل ذلك فيقول : يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِإِلَّا الْحَقّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَّرْيَمَ رَسُولُ اُللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلّقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْهُ فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنََّا اللَّهُإِلَهُ وَحِدٌ سُبْحَكَنَهُ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ، وَلَدٌ لَّهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ) لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقْرَبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴿٧﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ ٤٠٠ المجلد الثالث اسْتَنْكَقُواْ وَأَسْتَّكْبَرُواْ فَيُعَذِّ بُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا تَصِيرًا ◌ِنِّيَّأَيُّهَا النَّاسُ ١٧٤ قَدْ جَاءَ كُمْبُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنَزَلْنَا إِلَيْكُمْنُورًامُبِينًا فَأَمَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْبِهِ، فَسَيُدْ خِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنَّهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِ هِمْ إِلَيْهِ صِرَ طَا مُسْتَقِيمًا ( وقوله: ﴿لا تغلوا﴾ أى: لا تتجاوزوا الحد المشروع. مأخوذ من الغلو، وهو - كما يقول القرطبى - التجاوز فى الحد ومنه: غلا السعر يغلو غلاء. وغلا الرجل فى الأمر غلوا. وغلا الجارية لحمها وعظمها، إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها - أى: أترابها -(١). وقد تجاوز أهل الكتاب الحد وغالوا فى شأن عيسى. أما اليهود فقد أنكروا رسالته واتهموا أمه مريم بما هى منه بريئة. وأما النصارى فقد رفعوا عيسى - عليه السلام - إلى مرتبة فوق مرتبة البشرية، واعتبره بعضهم إلها، واعتبره بعض آخر منهم ابنا لله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. والمعنى: يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا الحد المشروع والمعقول فى شأن دينكم، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الذى شرعه الله - تعالى -، وارتضته العقول السليمة. وقد ناداهم - سبحانه - بعنوان أهل الكتاب. للتعريض بهم، حيث إنهم خالفوا كتبهم التى بين أيدهم. والخطاب هنا وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى، إلا أن النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا، بدليل سياق الآية الكريمة، فقد ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى فى شأن عيسى، ولذا قال ابن كثير ما ملخصه: قوله - تعالى - ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا﴾: ينهى -سبحانه- أهل الكتاب عن الغلو والإطراء. وهذا كثير فى النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد فى عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التى أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا فى أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على (١) تفسير القرطبى جـ ٦ ص ٢١