Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة النساء
النبى وَلّر. فنزل كعب على أبى سفيان فأحسن مثواه. ونزلت اليهود فى دور قريش. فقال أهل
مكة لليهود: إنكم أهل كتاب ومحمد ◌َّلَر صاحب كتاب فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم.
فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا. ثم قال كعب : يا أهل
مكة ليجىء منا ثلاثون ومنكم ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت على قتال محمد
وَّ ففعلوا ذلك. فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن
أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب : اعرضوا على
دینکم.
فقال أبو سفيان : نحن ننحر للحجيج الكرماء، ونسقيهم اللبن، ونقرى الضيف، ونفك
العانى، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد ◌َّ فارق دين
أبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث.
فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد ◌َّ فأنزل الله الآية(١).
والجبت فى الأصل: اسم صنم ثم استعمل فى كل معبود سوى الله - تعالى -.
والطاغوت : يطلق على كل باطل وعلى كل ما عبد من دون الله، أو كل من دعا إلى ضلالة.
أى: يصدقون بأنهما آلهة ويشركونهما فى العبادة مع الله - تعالى -. أو يطيعونهما فى الباطل.
قال ابن جرير: والصواب من القول فى تأويل ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ أن يقال:
يصدقون بمعبودين من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل
معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان
أو شيطان))(٢).
وقوله ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ بيان لما نطقوا به من زور وبهتان. أى: ويقولون ارضاء
للذين كفروا وهم مشركو مكة. هؤلاء فى شركهم وعبادتهم للجبت والطاغوت، ﴿أهدى من
الذين آمنوا سبيلا﴾ أى أقوم طريقا، وأحسن دينا من أتباع محمد زَاؤ.
واللام فى قوله ﴿للذين كفروا﴾ لام العلة. أى: يقولون لأجل الذين كفروا ..
والإِشارة بقوله ﴿هؤلاء أهدى﴾ إلى الذين كفروا.
وإيراد النبى وَلّ وأصحابه بعنوان الإِيمان، ليس من قبل القائلين، بل من جهة الله تعالى،
تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتحقيرا لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح الصفات.
(١) تفسير الآلوسی جـ ٥ ص ٥٥.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ٥ ص ١٣٣.

١٨٢
المجلد الثالث
ثم بين - سبحانه - مصيرهم السىء بسبب انحرافهم عن الحق فقال - تعالى - ﴿أولئك
الذين لعنهم الله﴾.
أى: أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان، فأيدوا المشركين بالقول والعمل وسجدوا
الأصنامهم، وزكوا أفعالهم ... أولئك الذين هذه صفاتهم ﴿لعنهم الله﴾ أى: أبعدهم عن
رحمته وطردهم وأخزاهم بسبب كذبهم فى حقدهم وإيثارهم عبادة الشيطان على طاعة الرحمن.
﴿ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا﴾ أى ومن يلعنه الله ويبعده عن رحمته فلن تجد له ناصرا
ينصره، أو شفيعا يشفع له.
واسم الإشارة ﴿أولئك﴾ مبتدأ. والموصول وصلته خبر. والجملة مستأنفة لبيان حالهم.
وإظهار سوء مآلهم.
.
والإِتيان باسم الإشارة هنا فى نهاية البلاغة، لأن من بلغ وصف حاله هذا المبلغ صار جديرًا
بأن يشار إليه بكل ازدراء واحتقار.
وفى قوله ﴿ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا﴾ بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركى
قريش، وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون، لأنهم هم المقربون عند الله، ومن يقربه الله
فلن تجد له خاذلا .
هذا، وتحالف أولئك اليهود مع المشركين، وتفضيلهم إياهم على المؤمنين - كما حكته الآية
الكريمة - قد شهد بقبحه واحد من اليهود هو الدكتور إسرائيل ولفنسون. فقد قال فى كتابه
((تاريخ اليهود فى جزيرة العرب)) معلقا على هذه القصة :
وكان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا فى هذا الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء
قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإِسلامى ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة
مطلبهم، لأن بنى إسرائيل الذين كانوا لمدة قرون حاملى راية التوحيد فى العالم بين الأمم الوثنية
باسم الأباء الأقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله
واحد فى عصور شتى من الأدوار التاريخية ... كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز
عليهم فى سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأوثان، إنما كانوا
يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة التى توصيهم بالنفور من عبدة الأصنام، والوقوف
منهم موقف الخصومة(١).
ثم انتقل - سبحانه - من توبيخهم على تزكيتهم لأنفسهم بالباطل وعلى تفضيلهم عبادة
-
(١) تاريخ اليهود فى جزيرة العرب لإِسرائيل ولفنسون.

١٨٣
سورة النساء
الأوثان على عبادة الرحمن. إلى توبيخهم على البخل والأثرة فقال - تعالى -: ﴿أم لهم نصيب
من الملك، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا﴾.
و﴿أم﴾ هنا منقطعة بمعنى بل فهى للاضراب والانتقال، والهمزة للاستفهام الإِنكارى أى:
لإِنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، وإبطال زعمهم من أن الملك يعود إليهم فى آخر
الزمان. والفاء فى قوله ﴿فإذا﴾ للسببية الجزائية لشرط محذوف.
والنقير: النكتة التى تكون فى ظهر النواة ويضرب به المثل فى القلة والحقارة.
والمعنى : إن هؤلاء اليهود ليس لهم نصيب من الملك ألبتة. لأنهم لا يستحقونه، ولأنهم لو
أوتوا نصيبا منه على سبيل الفرض فإنهم لشدة حرصهم وبخلهم وأثرتهم لا يعطون أحدا غيرهم
منه أقل القليل. وقد كنى عن أقل القليل هذا بالنقير.
فأنت ترى أن الآية الكريمة ترد على ما يزعمه اليهود من أن الملك لهم، وأنهم لا يليق بهم أن
يتبعوا غيرهم، وتصفهم بأنهم أبخل الناس وأبعدهم عن العدل والقسط ومن كانت هذه
صفاته، فقد اقتضت حكمة الله أن يحرمه نعمة الملك والسلطان.
ثم انتقل - سبحانه - من تبكيتهم على البخل وغيره مما سبق إلى تقريعهم على رذيلة الحسد
التى استولت عليهم فأضلتهم وجعلتهم يتألمون لما يصيب الناس من خير ويتمنون زواله فقال -
تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾.
و﴿أم﴾ هنا منقطعة أيضا كسابقتها، والاستفهام المقدر بعدها لإِنكار الواقع وهو حسدهم
لغيرهم.
والمراد من الناس: النبى * أو هو والمؤمنون معه. وقيل المقصود من الناس: العرب
عامة .
قال الفخر الرازى: والمراد من الناس - عند الأكثرين - أنه محمد وَالر. وإنما جاز أن يقع
عليه لفظ الجمع وهو واحد؛ لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا فى الجمع
العظيم أو المراد بهم: الرسول و ﴿ ومن معه من المؤمنين؛ لأن لفظ الناس جمع فحمله على
الجمع أولى من حمله على المفرد. وحسن لفظ إطلاق الناس عليهم لأنهم القائمون بالعبودية
الحق الله - تعالى - فكأنهم كل الناس ... ))(١).
والمراد بالفضل فى قوله ﴿على ما آتاهم الله من فضله﴾ النبوة والهدى والإِيمان.
والمعنى : إن هؤلاء اليهود ليسوا بخلاء فقط بل إن فيهم من الصفات ما هو أقبح من البخل
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ١٣٢.

١٨٤
المجلد الثالث
وهو الحسد، فقد حسدوا النبى ◌َلّ لأن الله منحه النبوة وهو رجل عربى ليس منهم، وحسدوا
أتباعه لأنهم آمنوا به وصدقوه والتفوا من حوله يؤازرونه ويفتدونه بأرواحهم وأموالهم.
وقوله ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾ توبيخ لهم على
حسدهم، وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم.
والمعنى: إنكم بحسدكم للنبى وَيّ على ما آتاه الله من فضله، تكونون قد ضللتم وسرتم فى
طريق الشيطان، لأنكم لو كنتم عقلاء لما فعلتم ذلك، إذ أنتم تعلمون علم اليقين أن الله -
تعالى - قد أعطى ﴿آل إبراهيم﴾ أى: قرابته القريبة من ذريته كإسماعيل - وهو جد العرب -
وإسحاق ويعقوب وغيرهم .. أعطاهم ﴿الكتاب﴾ أى: جنس الكتب السماوية فيشمل ذلك
التوراة والإنجيل والزبور وغيرها. وأعطاهم ﴿الحكمة﴾ أى العلم النافع مع العمل به.
وأعطاهم ﴿ملكا عظيما﴾ أى سلطانا واسعا وبسطة فى الأرض.
ومع ذلك فأنتم لم تحسدوا هؤلاء على ما أعطاهم الله من كتاب وحكمة وملك عظيم، فلماذا
تحسدون محمدا ◌َر على ما آتاه الله من فضله مع أنه من نسل إبراهيم - عليه السلام -؟.
فالجملة الكريمة توبيخ لهم على أنانيتهم وحسدهم، وإلزام لهم بما يعرفونه من واقع كتبهم،
وكشف للناس عن أن أحقادهم مرجعها إلى انطماس بصيرتهم، وخبث نفوسهم.
ثم بين - سبحانه - عاقبة كل من المحسن والمسىء فقال: ﴿فمنهم من آمن به، ومنهم من
صدّ عنه وكفى بجهنم سعيرًا﴾.
أى: فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن وصدق بما أعطاه الله لآل إبراهيم من
كتاب وحكمه، ومنهم من كفر به وأعرض عنه وسعى فى صد الناس عنه. فالضمير فى ﴿به﴾
و﴿عنه﴾ يعود إلى ما أوتى آل إبراهيم.
ويرى بعضهم أن الضمير يعود إلى إبراهيم - عليه السلام. فيكون المعنى :
فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من أعرض عنه ولم يتبع تعاليمه.
وفى هذه الآية الكريمة تسلية للنبى وَر عما لقيه من اليهود من أذى.
فكأنه - سبحانه - يقول له : إن هؤلاء الحاسدين لك قد اختلفوا على من هم منهم، وأنت
يا محمد لست منهم، فكيف تنتظر منهم أن يسالموك أو يتبعوك؟
وقوله ﴿وكفى بجهنم سعيرا﴾ بيان لما أعده - سبحانه - للكافرين من عذاب.
أى: وكفى بجهنم نارا مسعرة أى: موقدة إيقادا شديدًا يعذبون بها على كفرهم وعنادهم
وصدودهم عن الحق. يقال: سعر النار - كمنع - وسعرها وأسعرها أى: أوقدها.

١٨٥
سورة النساء
وكفى فعل ماض. وقوله ﴿بجهنم﴾ فاعله على زيادة الباء فيه. وقوله ﴿سعيرا﴾ تمييز أو
حال.
وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة من قوله - تعالى - ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من
الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وكفى بجهنم سعيرا﴾ قد وبخت اليهود على بيعهم دينهم بدنياهم،
وتحريفهم الكلم عن مواضعه واستهزائهم بدعوة الحق، وتزكيتهم لأنفسهم بالباطل، وافترائهم
على الله الكذب، وتفضيلهم عبادة الأوثان على عبادة الله، وعلى بخلهم وحدهم للنبى وَّل
على ما آتاه الله من فضله.
وقد توعدتهم على هذه الصفات الذميمة، والمسالك الخبيثة بأشد أنواع العذاب، وحذرت
المؤمنين من شرورهم ومفاسدهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة كل كافر، وحسن عاقبة كل مؤمن، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ بَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيِهِمْ نَارَاكَُّا نَضْحَتْ
جُلُودُ هُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُّ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَزِزًا حَكِيمًا(٥) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِيٍ مِن تَحْيِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَآ أَبَدًا
٥٧
◌َُّمْ فِهَا أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلََّ ظَلِيلًا
والمراد بالذين كفروا هنا: كل كافر سواء أكان من بنى إسرائيل أم من غيرهم.
وقوله : ﴿نصليهم﴾ من الإِصلاء وهو إيقاد النار. والمراد هنا إدخالهم فيها وقوله :
﴿نضجت﴾ من النضج وهو بلوغ نهاية الشىء. يقال: نضج الثمر واللحم ينضج نضجًا إذا
أدرك وبلغ نهايته. والمراد هنا : احتراق الجلود احتراقا تاما.
والمعنى : ﴿إن الذين كفروا بآياتنا﴾ الدالة على أن الله وحده هو المستحق للعبادة والخضوع
﴿سوف نصليهم نارا﴾ أى: سوف ندخلهم نارا هائلة عظيمة وسوف هنا - كما قال سيبويه -
للتهديد وتأكيد العذاب المقبل ولو مع التراخى وتراخى العذاب مع تأكيده يجعل النفس فى فزع
دائم، وخوف مستمر حتى يقع.
وقوله ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها﴾ بيان لشدة العذاب ودوامه أى: كلما

١٨٦
المجلد الثالث
احترقت جلودهم وتلاشت أعطيناهم بدل الجلود المحترقة جلودا غير محترقة مغايرة للمحترفة .
فالتبديل على هذا تبديل حقيقى مادى. بمعنى أن يخلق الله - تعالى - مكان الجلود المحترقة .
جلودا أخرى جديدة مغايرة للمحترقة.
ويرى بعضهم أن الجملة الكريمة كناية عن دوام العذاب لهم. وقد ذكر هذا الرأى الفخر
الرازى فقال: ويمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع. كما يقال لمن يراد
وصفه بالدوام : كلما انتهى فقد ابتدأ. وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله. فكذا قوله
﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾.
يعنى : كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة.
فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه)(١).
والذى نراه أن حمل التبديل على حقيقته أولى، لأنه ليس لنا أن نعدل فى كلام الله عن
الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة. وهنا لا ضرورة لذلك، لأن تبديل الجلود داخل تحت
قدرة الله - تعالى - ولأن هذا المعنى الذى ذكره الإمام الرازى يتأتى مع حمل اللفظ على حقيقته
إذ كلمة ((كل)) تدل على دوام العذاب وعدم انقطاعه، ولأن كثيرا من السلف قد فسروا الآية
على الوجه الأول، فقد روى عن ابن عمر أنه قال : تلا رجل عند عمر هذه الآية قال : فقال
عمر: أعدها على. فأعادها. فقال معاذ بن جبل: عندى تفسيرها : تبدل جلودهم فى كل
ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله وَله .
وقوله ﴿ليذوقوا العذاب﴾ جملة تعليلية لقوله ﴿بدلناهم﴾ أى بدلناهم جلودا غيرها ليقاسوا
شدة العذاب، وليحسوا به فى كل مرة كما يحس الذائق للشىء الذى يذوقه.
وقوله ﴿إن الله کان عزیزا حكيما﴾ تذييل قصد به تأكيد التهديد والوعيد الذى اشتملت عليه
الآية الكريمة .
أى: أن الله - تعالى كان وما زال عزيزا لا يغلبه غالب، ولا يمنع عقابه مانع (حكيما) فى
تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه وإثابة من يثيبه.
وقوله ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ بيان لحسن الثواب الذى وعد الله به عباده
. المؤمنين فى مقابلة بيان العقاب الذى أعده للكافرين.
وتلك عادة القرآن فى تربية النفوس. إنه يسوق عاقبة الكافرين ثم يتبعها بحسن عاقبة
المؤمنين أو العكس، ليحمل العقلاء على الابتعاد عن طريق الكفر والعصيان، وليغريهم بالسير
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٠ ص ١٣٥

١٨٧
سورة النساء
فى طريق الطاعة والإِيمان.
أى: والذين آمنوا إيمانا حقًّا، وعملوا فى دنياهم الأعمال الطيبات الصالحات ﴿سندخلهم﴾
يوم القيامة ﴿جنات تجرى﴾ من تحت شجرها وقصورها ﴿الأنهار خالدين فيها أبدا﴾ أى:
أكرمناهم إكراما عظيما بأن جعلناهم مقيمين فى الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها ﴿لهم فيها
أزواج مطهرة﴾ أى لهم فيها نساء بريئات ومنزهات من جميع الأدناس الحسية والمعنوية.
وقوله: ﴿وندخلهم ظلا ظليلا﴾ أى: ظلا وارفا جميلا لا يصيب صاحبه حر ولا سموم.
والظل : أثر لما يحجب الشمس وحرارتها. والظليل : صفة مشتقة من الظل للتأكيد على حد
قولهم : ليل أليل أى ظلا بلغ الغاية فى جنسه .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: ﴿ظليلا﴾ صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه.
كما يقال: ليل أليل. ويوم أيوم وما أشبه ذلك. وهو ما كان فيئا - أى طويلا ممتدا - لا حوب
فيه - أى لا خرق ولا قطع فيه - ودائما لا تنسخه الشمس. وسجسجا - أى متوسطا - لا حر
فيه ولا برد. وليس ذلك إلا ظل الجنة. رزقنا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك
الظل (١).
*
وبعد هذا الحديث الجامع عن أحوال أهل الكتاب من اليهود، وجه القرآن جملة من الأوامر
الحكيمة إلى المؤمنين، فقال - تعالى - :
إِنَّ
اُللَّهَ يَأْمُرُ كُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ
النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوْبِالْعَدْلِ إِنَّاللَّهَ فِعِمَايَعِنُّكُمِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًا
بَصِيرًا ﴾ وَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ
اَلْأَمِ مِنْكُمْ فَإِن تَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُمُ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَ حْسَنُ تَأْوِيلًا
٥٩
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٢٣.

١٨٨
المجلد الثالث
قال ابن كثير - عند تفسيره للآية الأولى -: ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت فى
شأن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة. وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذى صارت
الحجابة فى نسله إلى اليوم. وسبب نزولها فيه: حين أخذ رسول الله وَ لّ مفتاح الكعبة منه يوم
الفتح ثم رده عليه.
ثم قال : قال محمد بن إسحاق : حدثنى محمد بن جعفر عن عبيد الله بن أبى ثور عن صفية
بنت شيبة أن رسول الله وَ ل لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى أتى إلى البيت فطاف به
سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن فى يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ
مفتاح الكعبه منه ففتحت له فدخلها.
ثم قام على باب الكعبة فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له. صدق وعده. ونصر عبده،
وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين : إلا سدانة
البيت وسقاية الحاج.
ثم قال رسول اللّه وَلير: أين عثمان بن طلحة؟ فدعى له. فقال: هاك مفتاحك
يا عثمان !! اليوم يوم بر ووفاء (١).
هذا ونزول الآية الكريمة فى هذا السبب الخاص لا يمنع عمومها إذ العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب.
والأمانات : جمع أمانة وهى مصدر سمى به المفعول. فهى بمعنى ما يؤتمن الإِنسان عليه.
والمعنى : إن الله تعالى - يأمركم - أيها المؤمنون - أن تؤدوا ما ائتمنتم عليه من الحقوق سواء
أكانت هذه الحقوق لله - تعالى - أم للعباد. وسواء أكانت فعلية أم قولية أم اعتقادية.
وقد أسند - سبحانه - الأمر إليه مع تأكيده، اهتماما بالمأمور به، وحضا للناس على أداء
ما يؤتمنون عليه من علم ومال، وودائع، وأسرار، وغير ذلك مما يقع فى دائرة الائتمان، وتنبغى
المحافظة عليه .
ومعنى أدائها إلى أهلها : توصيلها إلى أصحابها كما هى من غير بخس أو تطفيف أو تحريف
أو غير ذلك مما يتنافى مع أدائها بالطريقة التى ترضى الله - تعالى -.
ومن الآيات القرآنية التى نوهت بشأن الأمانة وأمرت بأدائها وحفظها قوله - تعالى - :
﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها
الإِنسان﴾(٢).
(١) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٥١٥ - بتصرف وتلخيص.
(٢) سورة الأحزاب الآية ٧٢

١٨٩
سورة النساء
وقوله - تعالى - ﴿والذين هم الأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم بشهاداتهم قائمون.
والذين هم على صلاتهم يحافظون. أولئك فى جنات مكرمون﴾(١).
وأما الأحاديث فمنها ما رواه الترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله وَل قال:
((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)).
وروى الترمذى وأبو داود عن أبى هريرة أن رسول الله وسل ◌ّر قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك
ولا تخن من خانك).
وقوله : ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ أمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم
الغير إلى أصحابها إثر الأمر بإيصال الحقوق المتعلقة بذممهم.
وقوله ﴿حكمتم﴾ من الحكم ومعناه الفصل بين المتنازعين، وإظهار الحق لصاحبه.
وقوله ﴿بالعدل﴾ أى بالحق الذى أوجبه الله عليكم. وأصل العدل: التسوية. يقال: عدل
كذا بكذا أى سواه به.
قال الجمل وقوله : ﴿وإذا حكمتم﴾ إذا معمول لمقدر على مذهب البصريين من أن ما بعد
أن المصدرية لا يعمل فيما قبلها والتقدير: وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس. أو
معمول للمذكور على مذهب الكوفيين من إجازة عمل ما بعد أن فيما قبلها(٢).
والمعنى: وكما أمركم الله -تعالى- أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أهلها، فإنه يأمركم
-أيضا- إذا حكمتم بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائما على الحق والعدل، فإن الله - تعالى-
ما أقام ملكه إلا عليهما، ولأن الأحكام إذا صاحبها الجور والظلم أدت إلى شقاء الأفراد
والجماعات .
قال بعض العلماء : يرى بعضهم : أن الخطاب فى هذا النص موجه إلى الذين يحكمون،
وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم. ولا مانع عندنا من أن يكون الخطاب
موجها إِإلى الأمة كلها، لأن الأمة العزيزة التى تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ
قاهر، هى محكومة ومحكمة. فهى التى تختار حاكمها وهى فى هذا محكمة، مطلوب منها العدل،
فلا تختار لهوى أو لعطاء أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها. وهى محكمة فى حاكمها فلا تقول
فيه إلا حقا، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه، ولا تشتط فى نقده، ولا تسكن عن
نصيحته، فإن النبى وَير يقول: الدين النصيحة: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)(٣).
(١) سورة المعارج الآيات من ٣٢ - ٣٥
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٩٤.
(٣) تفسير الآية الكريمة للاستاذ الشيخ محمد أبو زهره. مجلة لواء الإِسلام السنة ١٥ العدد الرابع.

١٩٠
المجلد الثالث
وحديث القرآن عن وجوب إقامة العدل ودفع الظلم حديث مستفيض. قال تعالى - :
﴿إن الله يأمر بالعدل والإِحسان﴾(١).
وقال - تعالى - ﴿ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع
الهوى﴾(٢).
وقال - تعالى - ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾(٣).
وقال - تعالى - ﴿ولا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (٤).
وأما حديث السنة النبوية عن ذلك فهو أيضا مستفيض. ومن الأحاديث التى وردت فى هذا
المعنى ما رواه الإِمام مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن عمروبن العاص قال: قال رسول
الله ◌َل: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين. الذين
يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا)).
وقوله ﴿إن الله نعما يعظكم به﴾ جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، متضمنة لمزيد اللطف
بالمخاطبين، وحسن استدعائهم إلى الامتثال لما أمروا به
وقوله ﴿نعًا﴾ أصله ﴿نعم ما﴾ فركبت نعم مع ما بعد طرح حركة الميم الأولى وتنزيلها
منزلة الكلمة الواحدة ثم أدغمت الميمان وحركت العين الساكنة بالكسر للتخلص من التقاء
الساكنين.
و ﴿ما﴾ إما منصوبة موصوفة بقوله ﴿يعظكم﴾ فكأنه قيل: نعم شيئا يعظكم به.
وإما مرفوعة موصولة فكأنه قيل: نعم الشىء الذى يعظكم به.
والمخصوص بالمدح محذوف وهو أداء الأمانة إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل.
والوعظ : التذكير بالخير، والتحذير من الشر، بأسلوب يرق له القلب.
والمعنى : إن الله - تعالى - قد أمركم - يامعشر المؤمنين - بأداء الأمانة، وبالحكم بالعدل،
ولنعماهما شيئا جليلا يذكركم به، ويدعوكم إليه .
وقوله - تعالى - ﴿إن الله كان سميعا بَصِيرًا﴾ وعد للطائعين ووعيد للعاصين.
أى: إن الله - تعالى - كان سميعا لأقوالكم فى الأحكام وفى غيرها. ﴿بصيرا﴾ بكل
أحوالكم وتصرفاتكم. وسيجازيكم بما تفعلونه من خير أو شر.
(١) سورة النحل الآية ٩٠.
(٢) سورة ص الآية ٢٦
(٣) سورة الأنعام الآية ١٥٢
(٤) سورة المائدة الآية ٨

١٩١
سورة النساء
وبعد أن أمر - سبحانه بأداء الأمانة وبالحكم بالعدل عقب ذلك بأمر المؤمنين بطاعته وطاعة
رسوله وولاة أمورهم فقال - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى
الأمر منكم﴾.
وطاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان. قال - تعالى -: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ .
ومعنى طاعتهما : التزام أوامرهما، واجتناب نواهيهما.
والمراد بأولى الأمر - على الراجح - الحكام. وطاعتهم إنما تكون فى غير معصية الله، فإذا
أمروا بما يتنافى مع تعاليم الدين فلا سمع لهم على الأمة ولا طاعة.
وإنما أمرنا الله - تعالى - بطاعتهم فى غير معصية، لأنهم هم المنفذون لتعاليم الشريعة،
وهم الذين بيدهم مقاليد الأمة التى يقومون على رعاية مصالحها، ولأن عدم طاعتهم يؤدى إلى
اضطراب أحوال الأمة وفسادها.
قال صاحب الكشاف: والمراد (بأولى الأمر منكم): أمراء الحق، لأن - أمراء الجور - الله
ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله بوجوب الطاعة لهم. وإنما يجمع بين الله
ورسوله والأمراء الموافقين لهما فى إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما. والنهى عن أضدادهما
كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون : أطيعونى ما عدلت فيكم. فان
خالفت فلا طاعة لى عليكم، وعن أبى حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له : ألستم أمرتم
بطاعتنا فى قوله ﴿وأولى الأمر منكم﴾ فقال له: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله :
﴿فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول﴾.
وقيل هم العلماء الدينيون الذين يعلمون الناس ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر(١).
وأعاد - سبحانه - الفعل ﴿أطيعوا) مع الرسول فقال: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ولم
يعده مع أولى الأمر، للإشارة إلى استقلال الرسول ◌َله بالطاعة حتى ولو كان ما يأمر به ليس
منصوصا عليه فى القرآن، لأنه لا ينطق عن الهوى، وللإِيذان بأن طاعة الرسول وَلير أعلى من
طاعة أولى الأمر.
وقوله ﴿منكم﴾ فى محل نصب على الحال من أولى الأمر. أى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولى الأمر حالة كونهم كائنين منكم أى من دينكم وملتكم.
وفى ذلك إشارة إلى أنه لا طاعة لمن يتحكمون فى شئون المسلمين ممن ليسوا على ملتهم.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٢٤

١٩٢
المجلد الثالث
وقوله : ﴿فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾
بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا ما حدث بينهم اختلاف فى أمر من الأمور الدينية.
والمراد بالتنازع هنا : الاختلاف والجدال مأخوذ من النزع بمعنى الجذب. فكأن كل واحد من
المختلفين يجذب من غيره الحجة لدليله ..
ومنه قول النبى و ﴿ ((مالى أنازع القرآن)) أى ينازعنى غيرى ويجاذبنى فى القراءة. وذلك أن
بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءته فشغله، فنهاه عن الجهر بالقراءة فى الصلاة خلفه(١).
والمعنى : فان تنازعتم واختلفتم أيها المؤمنون أنتم وأولو الأمر منكم فى أمر من أمور الدين
﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ أى فردوا ذلك الحكم أو الأمر الذى اختلفتم فيه إلى كتاب الله وإلى
رسوله وَ# بأن تسألوه عنه فى حياته، وترجعوا إلى سنته بعد مماته.
قال القرطبى : قوله ﴿فان تنازعتم فى شىء﴾ أى تجادلتم واختلفتم فى شىء من أمور دينكم
﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ أى ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال فى حياته،
أو بالنظر فى سنته بعد وفاته. وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة. وهو الصحيح.
ومن لم ير هذا اختل إيمانه، لقوله - تعالى ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾.
وفى قوله ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ دليل على أن سنته وّل يعمل بها ويمتثل ما فيها.
قال ◌َله ((مانهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم. فإنما أهلك من
كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)). أخرجه مسلم.
وروى أبو داود عن أبي رافع عن النبى بَّ قال: ((لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه
الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندرى ما وجدناه فى كتاب الله اتبعناه)).
وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله وَ له يخطب الناس وهو يقول: ((أيحسب
أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما فى هذا القرآن ألا وإنى والله قد
أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر))(٢).
وقوله ﴿إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ شرط جوابه محذوف عند جمهور البصريين
ججوع
اكتفاء بدلالة المذكور عليه.
أى: إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإِيمان فارجعوا فيما تنازعتم فيه من أمور دينية
إلى كتاب الله وسنة رسوله وَل .
(١) هامش تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٦١
(٢) تفسير القرطبى جـ ٥ ص ٢٦٢ - بتصرف وتلخيص

١٩٣
سورة النساء
والجملة الكريمة تحريض للمؤمنين على الامتثال لتعاليم الإِسلام وآدابه، لأن الإِيمان الحق
يقتضى ذلك.
واسم الإشارة فى قوله : ﴿ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ يعود إلى الرد إلى الكتاب والسنة وقوله
﴿تأويلا﴾ من آل هذا الأمر إلی کذا أی رجع إليه، فیکون المعنی : ذلك الذی أمرتكم به من رد
ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحمد مغبة، وأجمل عاقبة.
ويجوز أن يكون قوله ﴿تأويلا﴾ بمعنى التفسير والتوضيح فيكون المعنى :
ذلك أى الرد إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحسن تأويلا وتفسيرًا من تأويلكم أنتم إياه، من
غير رد إلى أصل من الكتاب والسنة. والأول أنسب لسياق الآية الكريمة.
قال ابن كثير: قوله ﴿فإن تنازعتم فى شىء فردوه﴾. الآية هذا أمر من الله - تعالى - بأن
. كل شىء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه، أن يردوا التنازع فى ذلك إلى الكتاب
والسنة كما قال - تعالى -: ﴿وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله﴾. فما حكم به القرآن
والسنة وشهد له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال - تعالى - : ﴿إن
كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾. أى: ردوا الخصومات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا
إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر. فدل على أن من لم يتحاكم فى محل
النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما فى ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر(١).
وقال بعض العلماء : قد يؤخذ من الآية التى معنا أن أدلة الأحكام الشرعية أربعة. وهى :
الكتاب والسنة والإجماع والقياس .. لأن الأحكام إما منصوصة فى الكتاب أو السنة وذلك
قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾. وإما مجمع عليها من أولى الأمر بعد استنادهم إلى دليل
علموه. وذلك قوله ﴿وأولى الأمر منكم﴾ وإما غير منصوصة ولا مجمع عليها. وهذه سبيلها
الاجتهاد والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس.
فما اثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذى يراه الأحناف دليلا.
وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصالح المرسلة الذى يقول به المالكية، والاستصحاب الذى
يقول به الشافعية، كل ذلك إن كان غير هذه الأربعة فمردود بظاهر هذه الآية، وإن كان راجعا )
إليها فقد ثبت أن الأدلة أربعة(٢).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥١٨.
(٢) تفسير آيات الأحكام جـ ٣ ص ١١٩. للشيخ محمد السايس.

١٩٤
المجلد الثالث
ثم انتقل القرآن بعد ذلك إلى الحديث عن المنافقين فكشف عن أحوالهم الذميمة، وطباعهم
القبيحة، ونفوسهم المريضة، وحذر المؤمنين من مكرهم وكذبهم، بعد أن حذرهم قبل ذلك من
مكر اليهود وأمرهم بالاعتصام بطاعة الله ورسوله. استمع إلى القرآن الكريم وهو يكشف
النقاب عن حال هؤلاء المنافقين فيقول :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَرْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْبِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
..-
وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّاغُوتِ
وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَنْ يَكْفُرُواْبِهِ ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
ضَلَالأَ بَعِيدًا (١) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ
اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ
صُدُودًا ﴾ فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُ وَلَكَ يَحْلِّفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا
إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا (١) أُوْلَّهِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا
فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى
أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيفًا ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَا
لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهُ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَّظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ
جَاءُوَكَ فَأَسْتَغْفَرُ واْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
لَوَجَدُ واْ اللّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ
فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْنَسْلِيمًا
٦٥

١٩٥
سورة النساء
وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَيَّهِمْ أَنِ أَقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ أَوِ أَخْرُ جُواْ مِنْ
دِيَشْرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْمَا يُوعَظُونَ
بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا ، وَإِذَا لَّا تَيْنَهُمْمِن
لَُّنَّا أَجْراً عَظِيمًا ، وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون﴾ .. إلخ روايات
متقاربة فى معناها ومن ذلك ما أخرجه الثعلبى وابن أبى حاتم من طرق عن ابن عباس أن رجلا
من المنافقين يقال له بشر خاصم يهوديا، فدعاه اليهودى إلى التحاكم إلى النبى بيسير ودعاه المنافق
إلى التحاكم إلى كعب بن الأشرف: ثم إنهما احتكما إلى النبى وَّر فقضى لليهودى، فلم يرض
المنافق. وقال: تعالى نتحاكم إلى عمر بن الخطاب.
فقال اليهودى لعمر: قضى لنا رسول الله وَّل﴿ فلم يرض بقضائه. فقال عمر للمنافق:
أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل عمر فاشتمل على سيفه
ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد - أى مات -. ثم قال : هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء
الله - تعالى - وقضاء رسوله وَ ل فنزلت))(١).
والاستفهام فى قوله ﴿ألم تر﴾ للتعجيب من حال أولئك المنافقين، وإنكار ماهم عليه من
خلق ذميم وإعراض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غيرهما.
وقوله ﴿يزعمون﴾ من الزعم ويستعمل غالبا فى القول الذى لا تحقق معه، كما يستعمل -
أيضا - فى الكذب ومنه قوله - تعالى -: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا
فقالوا : هذا لله بزعمهم﴾ أى بكذبهم.
وقد يطلق الزعم على القول الحق.
قال الألوسى: وقد أكثر سيبويه فى ((الكتاب)) من قوله: زعم الخليل كذا - فى أشياء
يرتضيها .
والمراد بالزعم هنا الكذب لأن الآية الكريمة فى المنافقين الذين يظهرون خلافٍ ما يبطنون ..
والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد إلى حال هؤلاء المنافقين الذين يزعمون كذبًا وزورا أنهم
(١) تفسير الآلوسي جـ ٥ ص ٦٧.

١٩٦
المجلد الثالث
آمنوا بما أنزل إليك من ربك من قرآن كريم، ومن شريعة عادلة، ويزعمون كذلك أنهم آمنوا
بما أنزل على الرسل من قبلك من كتب سماوية؟ إن كنت لم تعلم حالهم أو لم تنظر إليهم فهاك
خبرهم لتحذرهم ولتحذر أمتك من شرورهم.
فالمقصود من الاستفهام التعجيب من حال هؤلاء المنافقين، وحض النبى بَّر وأمته على
.-.
معرفة مسالكهم الخبيثة، حتى يأخذوا حذرهم منهم.
وفى وصفهم بادعاء الإِيمان بما أنزل على الرسول وبما أنزل على الرسل من قبله تأكيد
للتعجیب من أحوالهم، وتشدید للتوبيخ والتقبيح من سلوكهم؛ ببيان كمال المباينة بين دعواهم
المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول وص له وبين ما صدر عنهم من هرولة إلى التحاكم إلى غيره.
وقوله : ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) بيان لموطن التعجيب من أحوالهم الغريبة،
وصفاتهم السيئة.
والمراد بالطاغوت هنا : ماسوى شريعة الإِسلام من أحكام باطلة بعيدة عن الحق يأخذها
المنافقون عمن يعظمونهم وقيل المراد به : كعب بن الأشرف؛ لأنه هو الذى أراد المنافقون
التحاكم إليه، وقد سماه الله بذلك لكثرة طغيانه وعداوته للرسول وَله.
والمعنى : أن هؤلاء المنافقين يزعمون الإِيمان بما أنزل إليك - يا محمد - وبما أنزل من قبلك،
ومع هذا فهم بريدون - عن محبة واقتناع - التحاكم إلى الطاغوت أى إلى من يعظمونه،
ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله.
وقوله ﴿وقد أمروا أن يكفروا به﴾ جملة حالية من ضمير يريدون.
أى: يريدون التحاكم إلى الطاغوت والحال أن الله - تعالى - قد أمرهم بالكفر به،
وبالانقياد للأحكام التى يحكم بها النبى وَله .
وقوله ﴿ویرید الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا﴾ معطوف على قوله ﴿يريدون﴾ وداخل فى
حكم التعجيب، لأن اتباعهم لمن يريد إضلالهم، وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أمر يدعو إلى
العجب الشدید.
والمراد بالضلال البعيد: الكفر والبعد عن الحق والهدى.
ووصفه بالبعد للمبالغة فى شناعة ضلالهم، بتنزيله على سبيل المجاز منزلة جنس ذى مسافة
كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة.
قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله - تعالى - على من يدعى الإِيمان بما أنزل الله على
رسوله وعلى الأنبياء السابقين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم فى فصل الخصومات إلى غير
:

١٩٧
سورة النساء
كتاب الله، وسنة رسوله.
كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما. فجعل
اليهودى يقول : بينى وبينك محمد. وذاك يقول: بينى وبينك كعب ابن الأشرف. وقيل: فى
جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإِسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهليه. وقيل غير
ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى
ما سواهما من الباطل. وهو المراد بالطاغوت هنا(١).
ثم صور - سبحانه - إعراضهم عن الحق، ونفورهم عن شريعة الله - تعالى - فقال :
﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا﴾.
أى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين أقبلوا على حكم الله وحكم رسوله، فإن الخير كل الخير فيما
شرعه الله وقضاه، إذا ما قيل لهم ذلك ﴿رأيت المنافقين﴾ الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل
إليك وما أنزل من قبلك، رأيتهم لسوء نواياهم، ولؤم طواياهم ﴿يصدون عنك صدودا﴾ أى
يعرضون عنك - يا محمد - إعراضا شديدا.
وقوله ﴿تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول﴾ إغراء لهم بتقبل الحق، وحض لهم على
الامتثال لشريعة الله؛ لأنها هى الشريعة التى فيها سعادتهم، ولكنهم لمرض قلوبهم ينفرون من
الحكم المنزل من السماء إلى حكم الطاغوت الباطل.
وقال - سبحانه - ﴿رأيت المنافقين﴾ ولم يقل رأيتهم بالإِضمار؛ لتسجيل النفاق عليهم،
وذمهم به، وللإِشعار بعلة الحكم أى: رأيتهم لنفاقهم يصدون عنك صدودا.
وقوله ﴿صدودا﴾ مصدر مؤكد بفعله أى: يعرضون عنك إعراضا تاما بحيث لا يريدون أن
يسسمعوا منك شيئًا، لأن حكمك لا يناسب أهواءهم.
٠
فذكر المصدر هنا للتأكيد والمبالغة فكأنه قيل : صدودا أی صدود.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت علامة جلية من علامات المنافقين حتى يأخذ المؤمنون
حذرهم منهم، وهى أنهم إذا ما دعوا إلى حكم الله الذى يزعمون أنهم آمنوا به، أعرضوا عن
هذا الحكم إعراضا شديدا، وظهر بذلك كذبهم ونفاقهم.
ثم يعرض القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر نفاقهم عند الشدائد والمحن فيقول :
﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، ثم جاءوك يحلفون بالله، إن أردنا إلا إحسانًا
وتوفیقًا﴾ .
والفاء فى قوله ﴿فكيف﴾ للتفريع. و((كيف)) فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥١٩.

١٩٨
المجلد الثالث
والمعنى : فكيف يكون حالهم إذا نزلت بهم النوازل، وأصابتهم المصائب بسبب تركهم
حكم الله، واتباعهم حكم الطغيان ﴿ثم جاءوك﴾ معتذرين عما حدث منهم من قبائح، والحال
أنهم ﴿يحلفون بالله﴾ كذبا وزورا ﴿إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا﴾ أى ما أردنا بالتحاكم إلى
غيرك - يا محمد - إلا إحسانا إلى المتخاصمين، وتوفيقا بينهم حتى لا يتسع الخلاف بينهم، ولم
ترد بذلك عدم الرضا بحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا.
والاستفهام بكيف هنا للتهويل. أى أن حالهم عندما تصيبهم المصائب بسبب أفعالهم
الخبيثة، ويأتون للرسول # معتذرين، ستكون حالا بائسة شنيعة مخزية: لأنهم لا يجدون
وجها مقبولا للدفاع عما ارتكبوه من قبائح.
والباء فى ﴿بما قدمت أيديهم﴾ للسببية. والمراد بما قدمت أيديهم ما اجترحوه من سيئات من
أشدها تحاكمهم إلى الطاغوت. وعبر عن ذلك بقوله: ﴿بما قدمت أيديهم﴾: لأن الأيدى
مظهر من مظاهر الإِنسان.
والتعبير بـ((ثم)) فى هذا المقام للإِشعار بالتباين الشديد بين إعراضهم وصدودهم إذا ما قال
لهم قائل: تعالوا إلى حكم الله ... وبين إقبالهم بعد ذلك معتذرين ومقسمين بالأيمان الكاذبة
أنهم ما أرادوا بما فعلوا إلا الإِحسان والتوفيق ..
وإن ما قاله هؤلاء المنافقون من أعذار بعد أن أصابتهم المصائب. وانكشف أمرهم بين
المؤمنين، وصاروا محل الازدراء والنبذ لتحاكمهم إلى الطاغوت. ما قاله هؤلاء - كما حكاه
القرآن الكريم - ليشبهه ما يقوله منافقو اليوم عندما يتهربون من التحاكم إلى شريعة الله إلى
التحاكم إلى غيرها من شرائع الناس. فأنت تراهم إذا ما أحيط بهم، وعجزوا عن الدفاع عن
أنفسهم، اعتذروا بأنهم ما تركوا الحكم بشريعة الله إلى غيرها إلا بقصد الإِحسان إلى
المتنازعين، والتوفيق بين مختلف الطوائف فى المجتمع حتى لا يغضب من ليسوا مسلمين.
ولا شك أن هذه الأعذار لن تغنى عنهم من عذاب الله شيئا، لأنه لا عذر لمن يهجر شريعة الله،
ويهرع إلى التحاكم إلى غيرها.
ثم بين - سبحانه - أنه ليس غافلا عن أعمال أولئك المنافقين، وأرشد نبيه صل إلى وسائل
معالجتهم فقال - تعالى -: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم، فأعرض عنهم، وعظهم،
وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغًا﴾.
أى: أولئك الذين نافقوا، وأخفوا حقيقة نواياهم السيئة، وتركوا حكم الله إلى حكم
الطاغوت ... ﴿أولئك يعلم الله ما فى قلوبهم﴾ من النفاق والميل إلى الكفر، وإن أظهروا
إسلامهم .

١٩٩
سورة النساء
وقوله ﴿فأعرض عنهم﴾ .. الخ بيان لطرق معالجتهم.
أى: فلا تلتفت إليهم، وغض الطرف عن مسالكهم الخبيثة، ولا تقبل عليهم، لكى
يشعروا باستنكارك لأعمالهم.
وقوله ﴿وعظهم﴾: الوعظ هو التذكير بفعل الخير وترك الشر بأسلوب يرقق القلوب،
ويشتمل على الترغيب والترهيب.
أى: ذكرهم بما فى أعمالهم القبيحة من سوء العاقبة لهم، وبما فى تركها من خير جزيل يعود
عليهم فى دنياهم وآخرتهم، وأخبرهم بأن تحاكمهم إلى غير شريعة الله سيكون فيه هلاكهم.
وقوله ﴿وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا﴾ أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم
لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.
· وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله
الرسول و8 لهم: يودع مباشرة فى الأنفس، ويستقر رأسا فى القلوب.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : بم تعلق قوله : ﴿فى أنفسهم﴾
قلت : بقوله ﴿بليغا﴾ أى: قل لهم قولا بليغا فى أنفسهم مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما،
ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق،
واطلع قرنه، وأخبرهم ان ما فى نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم
وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإظهاركم الإِيمان وإسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم
ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.
أو يتعلق بقوله ﴿قل لهم﴾. أى: قل لهم فى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا
بليغا. وإن الله يعلم ما فى قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.
فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل
بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم فى أنفسهم خاليا بهم، ليس
معهم غيرهم. قولا بليغًا يبلغ منهم، ويؤثر فيهم(١).
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى ◌ّله إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين
عن أفعالهم القبيحة. وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظهم بما يرغبهم فى الخير ويرهبهم
من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون
عليه .
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٥٢٧.

٠٫٠٠
٢٠٠
المجلد الثالث
وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله، وأنجع الأساليب فى جلب الناس إلى
ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.
ثم بين - سبحانه - أنه ما أرسل رسله إلا ليطاعوا لا ليخالفوا، وأرشد المخالفين إلى
ما يجب عليهم فعله للتكفير عن مخالفتهم فقال تعالى :
﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا
الله واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توابًا رحيما﴾.
و﴿من﴾ فى قوله ﴿من رسول﴾ زائدة للتأكيد والتعميم، واللام فى قوله ﴿ليطاع﴾ للتعليل،
والاستثناء مفرغ من المفعول لأجله.
أى: وما أرسلنا رسولا من الرسل لشىء من الأشياء إلا ليطاع فيما أمر ونهى وحكم،
لا ليطلب ذلك من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر.
لأن طاعة الرسول طاعة لله، ومعصيته معصية الله. قال - تعالى -: ﴿من يطع الرسول فقد
أطاع الله﴾.
وقوله ﴿بإذن الله﴾ أى: بسبب إذنه - سبحانه - فى طاعة رسوله. لأنه هو الذى أمر بهذه
الطاعة لرسله.
ويجوز أن يراد بقوله ﴿بإذن الله﴾ أى بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه
إليها من عباده.
وقوله ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ .. الخ بيان لما كان يجب عليهم ان يفعلوه بعد
وقوعهم فى الخطأ.
أى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بسبب تحاكمهم إلى الطاغوت، وبخروجهم عن تعاليم
الإِسلام، لو انهم بسبب ذلك وغيره ﴿جاءوك﴾ تائبين توبة صادقة من هذا النفاق؛
﴿فاستغفروا الله﴾ مما اجترحوه من ذنوب وسيئات ﴿واستغفر لهم الرسول﴾.
أى. دعوا الله - تعالى - بأن يقبل توبتهم، ويغفر ذنوبهم. لو أنهم فعلوا ذلك ﴿لوجدوا الله
توابا﴾ أى كثير القبول للتوبة من التائبين ﴿رحيما) أى كثير التفضل على عباده بالرحمة والمغفرة.
قال الفخر الرازى : لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، كانت
توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة فى ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟
قلنا : الجواب عنه من وجوه :
الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله.