Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة آل عمران
لما عزم على الانصراف إلى مكة فى أعقاب غزوة أحد نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر
الصغرى فنقتتل بها إن شئت. فقال النبى وَ ل﴿ لعمر: قل له بيننا وبينك ذلك إن شاء الله.
فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، فألقى الله الرعب فى
قلبه، فبدا له أن يرجع. فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال له : يا نعيم : إنى وعدت
محمدًا أن نلتقى بموسم بدر. وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر،
ونشرب فيه اللبن. وقد بدا لى أن أرجع. ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة
علينا، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندى عشرة من الإِبل.
فخرج نعيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأى. أتوكم فى
دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد.
فوقع هذا الكلام فى قلوب قوم منهم. فلما رأى النبى ◌َر ذلك قال ((والذي نفسي بيده
لأخرجن إليهم ولو وحدى)).
ثم خرج ◌َّ فى جمع من أصحابه، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى - وهى ماء لبنى
كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام - ولم يلق رسول الله وَليلة.
وأصحابه أحدا من المشركين.
ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما وزبيبًا، وربحوا وأصابوا
بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين.
أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى مر الظهران(١) ...
وقيل إن الذين قابلهم أبو سفيان عند خروجه من مكة جماعة من بنى عبد القيس، وقد قال
لهم ما قاله لنعيم بن مسعود عندما أزمع العودة إلى مكة بعد أن قذف الله الرعب فى قلبه من
لقاء المسلمين.
وعلى أية حال ففى سبب نزول هذه الآية والتى قبلها أقوال أخرى للمفسرين اكتفينا
بما ذكرناه خشية الإطالة ..
وقوله ﴿الذين قال لهم الناس﴾ بدل من قوله ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ أو صفة له.
أو فى محل نصب على المدح أى مدح الذين قال لهم الناس ... الخ.
والمراد فى الموصول فى الآيتين طائفة واحدة من المؤمنين وهم الذين لم تمنعهم الجراح عن
الخروج للقتال، ولم يرهبهم قول من قال لهم بعد ذلك إن الناس قد جمعوا لكم.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٩٩.

٣٤٢
المجلد الثانى
-
والمراد من الناس الأول وهو قوله ﴿الذين قال لهم الناس﴾ جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن
مسعود .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت كيف قيل ((الناس)) إن كان نعيم هو المثبط وحده؟
قلت: قيل ذلك؛ لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل، ويلبس البرد وماله
إلا فرس واحد وبرد فرد. أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه،
ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه(١).
والمراد من الناس الثانى وهو قوله: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ أبو سفيان ومن
معه. فأل فيهما للعهد، والناس الثانى غير الأول.
وقوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء المثبطين : ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ أى إن
أعداءكم المشركين قد جمعوا لكم جموعا كثيرة ليستأصلوكم، فاخشوهم ولا تخرجوا لقتالهم.
وحذف مفعول ﴿جمعوا﴾ فلم يقل: جمعوا جيشا كبيرا أو جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم
وذلك ليذهب الخيال كل مذهب فى مقدار ما جمعوا من رجال وسلاح وأموال، ولكن هذا القول
الذى صدر من هؤلاء المثبطين، لم يلتفت إليه المؤمنون الصادقون المخلصون فى جهادهم وفى
اعتمادهم على خالقهم، بل كانوا كما أخبر الله تعالى - عنهم ﴿فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله
ونعم الوكيل﴾.
أى أن هذا القول الذى قاله المثبطون، زاد المؤمنين إيمانا على إيمانهم، ويقينا على يقينهم،
وثباتا على ثباتهم، وجعلهم يقولون للمرجفين بثقة واطمئنان : ﴿حسبنا الله﴾ أى كافينا الله أمر
أعدائنا ﴿ونعم الوكيل﴾ أى نعم النصير خالقنا - عز وجل - فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا.
وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على قوة إيمانهم، وشدة ثقتهم فى نصر الله - تعالى - لهم،
مهما كثر عدد أعدائهم، ومهما تعددت مظاهر قوتهم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانًا؟ قلت: لما لم يسمعوا
قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام، کان ذلك أثبت لیقینهم،
وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإِيقان بتناصر الحجج. ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة
العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان، لأن الإِيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن
عمر: قلنا يا رسول الله: إن الإِيمان يزيد وينقص؟ قال: ((نعم. يزيد حتى يدخل صاحبه
الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار)). وعن عمر - رضى الله عنه- أنه كان يأخذ بيد الرجل
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٤٤١.

٣٤٣
سورة آل عمران
فيقول: قم بنا نزداد إيمانا. وعنه: (لووزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به))(١).
وقال ابن كثير: روى البخارى عن ابن عباس: قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) قالها
إبراهيم - عليه السلام - حين ألقى به فى النار. وقالها محمد - #1 - حين قال لهم الناس : إن
الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)).
وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله وسلم قال: إذا وقعتم فى الأمر العظيم
فقولوا: ((حسبنا الله ونعم الوكيل))(٢).
ثم حكى - سبحانه - ما تم لهؤلاء المجاهدين الذين خرجوا للقاء أعدائهم من عاقبة حسنة
وعود حميد فقال - تعالى -: ﴿فانقبلوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان
الله، والله ذو فضل عظيم﴾.
فالفاء فى قوله ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل﴾ للتعقيب، وهى معطوفة على مقدر دل عليه
السياق.
ومعنى ﴿انقلبوا﴾ عادوا ورجعوا.
والنعمة: هى العطاء الذى ينفع صاحبه. والفضل: الزيادة فى العطاء والنعمة.
والمعنى : أن هؤلاء المجاهدين الصادقين خرجوا للقاء أعدائهم بدون وهن أو ضعف أو
استكانة فلم يجدوهم، فرجعوا إلى ديارهم مصحوبين ﴿بنعمة﴾ عظيمة ﴿من الله﴾ -تعالى-،
إذ خذل أعداءهم، وسلمهم من شرورهم، ومصحوبين بفضل جليل منه - سبحانه - حيث
أغدق عليهم ربحا وفيرا فى تجارتهم، وأجرًا جزيلا بسبب قوة إيمانهم، وإخلاصهم فى دينهم.
قال الآلوسي: ((روى البيهقى عن ابن عباس أن عيرًا مرت فى أيام الموسم - أى موسم بدر
- فاشتراها رسول الله ﴿ فربح مالا فقسمه بين أصحابه فذلك الفضل)).
وأخرج ابن جرير عن السدى قال: أعطى رسول الله # حين خرج فى غزوة بدر الصغرى
أصحابه دراهم ابتاعوا بها فى الموسم، فأصابوا تجارة - فربحوا فيها))(٣).
وقوله ﴿بنعمة﴾ فى موضع الحال من الضمير فى ﴿فانقلبوا﴾ فتكون الباء للملابسة أو
للمصاحبة فكأنه قيل: فانقلبوا متلبسين بنعمة أو مصاحبين لها.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٤٢.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٣٠.
(٣) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ١٢٩.

٣٤٤
المجلد الثانى
وقوله ﴿من الله﴾ متعلق بمحذوف صفة لنعمة، وهو مؤكد لفخامتها وأنها نعمة جزيلة
لا يقدر قدرها.
﴿لم يمسسهم سوء﴾ أى لم يصبهم أى أذى أو مكروه عند خروجهم وعودتهم.
وقوله
والجملة فى موضع الحال من فاعل ﴿انقلبوا﴾ أى رجعوا منعمين مبرئين من السوء والأذى.
وقوله ﴿واتبعوا رضوان الله﴾ معطوف على قوله ﴿فانقلبوا﴾.
أى اتبعوا ما يرضى الله ويوصلهم إلى مثوبته ورحمته، باستجابتهم لرسولهم وَل وخروجهم
للقاء أعدائهم بإيمان عميق، وعزم وثيق.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أخبر عن هؤلاء المجاهدين المخلصين أنهم قد صحبهم فى
عودتهم أمور أربعة :
أولها : النعمة العظيمة.
وثانيها : الفضل الجزيل.
وثالثها : السلامة من السوء.
ورابعها : اتباع رضوان الله.
وهذا كله قد منحه الله لهم جزاء إخلاصهم وثباتهم على الحق الذى آمنوا به.
ثم ختم - سبحانه- الآية الكريمة بقوله: ﴿والله ذو فضل عظيم﴾.
أى والله - تعالى - صاحب الفضل العظيم الذى لا يحده حصر، ولا يحصيه عد، هو الذى
تفضل على هؤلاء المؤمنين الصادقين بما تفضل به من عطاء كريم، وثواب جزيل.
وفى هذا التذيل زيادة تبشير للمؤمنين برعاية الله لهم، وزيادة تحسير للمتخلفين عن الجهاد فى
سبيله - عز وجل -، حيث حرموا أنفسهم مما فاز به المؤمنون الصادقون.
ثم أمر الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يجعلوا خشيتهم وخوفهم منه وحده، فقال -تعالى - :
﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾.
فالخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين، والإِشارة بذلكم إلى المثبط بالذات أو بالواسطة.
وقوله ﴿إنما﴾ أداة حصر، و﴿ذلكم﴾ مبتدأ و ﴿الشيطان) خبره، وقوله: ﴿يخوف أولياءه﴾
جملة مستأنفة مبينة لشيطنته.
وقيل إن ﴿ذلكم﴾ مبتدأ أول، و﴿الشيطان﴾ مبتدأ ثان. وقوله ﴿يخوف أولياءه﴾ خبر
للمبتد الثانى. وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول.
والمراد بالشيطان إبليس لأنه علم بالغلبة عليه ولأنه هو الذى يخوف بالوسوسة. وقيل المراد
به أتباعه الذين دسهم لكى يرهبوا المؤمنين من الكافرين وهم جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن
مسعود المجاشعي .

٣٤٥
سورة آل عمران
إنما ذلكم المثبط لكم عن لقاء أعدائكم هو الشيطان، الذى يوسوس فى قلوبكم بالشر
بذاته، أو بواسطة أتباعه الضالين، ومن شأن المؤمنين الصادقين أنهم لا يتأثرون بهذه الوساوس
الكاذبة، وإنما الذين يتأثرون بها هم ضعاف الإِيمان.
وقوله ﴿يخوف أولياءه﴾ أى يخوف أولياءه المنافقين وضعفاء الإِيمان ليقعدوا عن مقاتلة
المشركين. أما أنتم أيها المؤمنون الصادقون فإنكم لن يقعدكم تخويفه، لأن هذا التخويف لا أثر
له فى قلب من آمن بالله حق الإِيمان، واتقاه حق تقاته.
وقيل إن معنى ﴿يخوف أولياءه﴾ يخوفكم بأوليائه فحذف المفعول وحذف الجار. كما فى
قوله : ﴿فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم﴾ أى فإذا خفت عليه فرعون. فحذف المفعول. وكما فى
قوله: ﴿لينذر يوم التلاق﴾ أى لينذركم يوم التلاقى.
وقيل إن المعنى: يخوفكم أولياءه فحذف المفعول الأول كما تقول: أعطيت الأموال، أى
أعطيت القوم الأموال.
وقوله ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ أى فلا تخافوا أولياء الشيطان، بل اجعلوا
خوفكم منى وحدى، إن كنتم مؤمنين حقا.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تشجيعهم، وتقويتهم، وإلهاب شعورهم، إذ الإِيمان الحق
يستلزم الخوف من الله دون سواه.
والمراد بالنهى عن الخوف وهو أمر نفسى: النهى عن أسبابه التى من أهمها حب الدنيا
وكراهية الموت أى خذوا بأسباب القوة التى من أهمها التمسك بتقوى الله فإن ذلك يزيل الخوف
من قلوبكم.
وفى المقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان، وبين الأمر بأن يكون خوفهم من الله
وحده، فى هذه المقابلة إرشاد إلى العلاج الذى يزيل الخوف والفزع من نفوسهم. لأن الذى
يجعل خشيته وخوفه من الله وحده لن يستطيع الشيطان أو أولياؤه أن يبعدوه عن الطريق القويم
وصدق الله إذ يقول: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾.
وبذلك ترى أن الآيات الكريمة قد رفعت منازل الشهداء إلى أعلى الدرجات، وصرحت
بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. كما أثنت ثناء مستطابا على الذين لبوا دعوة رسولهم وَلقر حين
دعاهم إلى الجهاد فى سبيل الله، ولم يمنعهم عن إجابة دعوته ما بهم من جراح، أو ما قاله لهم
المرجفون من أقوال باطلة، فرضى الله عنهم وأرضاهم.
ثم أخذ القرآن فى تسلية النبى سلم عما يراه من كفر الكافرين. وعناد المعاندين، وفى بيان أن

٣٤٦
المجلد الثانى
كفر الكافر إنما يعود عليه ضرره لاعلى غيره، وأنه - سبحانه - يملى للظالم حتى إذا أخذه لم
يفلته، وأن حكمته - سبحانه - تقتضى تمييز الخبيث من الطيب. فقال -تعالى - :
وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْاللَّهَ
:
شَيْكَأَ يُرِيدُ اللّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّا فِ الْآَخِرَةِ وَلَمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آَشْتَرَوْاْلْكُفْرَ بَلْإِيمَنِ لَنْ يَضُرُواْ
اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ () وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ
أَنَّمَا نُعْلِى لَمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُعْلِلَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمَّا
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (®) مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ اُلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ
أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَالْخَبِيِثَ مِنَ الطَّيِّ وَ مَا كَانَ اللّهُلِيُطْلِمَكُمْ
عَلَى الْغَيْبٍ وَلَكِنَّاللَّهَ يَجْتَبِ مِنْ رُسُلِهِ، مَن يَشَاءُ فَا مِنُوا بِاللَّهِ
وَرُسُلِةٍ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (﴿﴾ وَلَا
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْراً
لَّ بَّ هُوَ شَرٌّ لَهُمّ سَيُطَوَّقُونَ مَايَخْلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةُ
وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُبِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
١٨٠
الخطاب فى قوله تعالى - ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر﴾ للنبى عليه والمقصود منه
تسليته وإدخال الطمأنينة على قلبه، حتى لا يتأثر بما يراه من كفر الكافرين، ونفاق المنافقين،
وفسق الفاسقين.
أى: لا يحزنك ولا يُثْرِ فى نفسك الحسرات يا محمد، حال أولئك القوم الذين ﴿يسارعون فى
الكفر﴾ أى يتوغلون فيه، ويتعجلون فى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويقعون
فيه سريعا من تريث أو تدبر أو تفكير والمقصود بالنهى عن الحزن، النهى عن الاسترسال فيه وفى

٣٤٧
سورة آل عمران
الأسباب التى تؤدى إليه، كأن يظن لو أن كثرة الضالين ستؤدى إلى انتصارهم على المؤمنين.
وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال: ﴿يسارعون فى الكفر﴾ يقعون فيه سريعا،
ويرغبون فيه أشد رغبة. وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل: هم قوم ارتدوا عن الإِسلام.
فإن قلت: فما معنى قوله ﴿ولا يحزنك﴾ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من
ارتد؟ قلت: معناه: لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك))(١).
ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بحرف ((فى)) دون حرف (إلى)) الشائع تعدیتها بها
كما فى قوله - تعالى - ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾.
وقوله ﴿إنهم لن يضروا الله شيئًا﴾ تعليل للنهى عن أن يحزنه تسارعهم فى الكفر أى :
لا يحزنك يا محمد حال هؤلاء المارقين الذين يسارعون فى الكفر وينتقلون فيه من دركة إلى دركة
أقبح من سابقتها، فإنهم مهما تمادوا فى كفرهم وضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم، فإنهم لن
يضروا دين الله أو أولياءه بشىء من الضرر حتى ولو كان ضررًا يسيرًا.
ففى الكلام حذف مضاف والتقدير إنهم لن يضروا أولياء الله شيئا.
وفى هذا الحذف تشريف للمؤمنين الصادقين، وإشعار بأن مضارتهم بمنزلة مضارته
-سبحانه- وفى الحديث القدسى: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بحرب)).
ولقد كان النبى عليه بمقتضى طبيعته البشرية، وغيرته على دين الله - تعالى - يحزن لإِعراض
المعرضين عن الحق الذى جاء به، ولقد حكى القرآن ذلك فى كثير من آياته، ومنه قوله - تعالى
- ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾ (٢) وقوله -تعالى- ﴿لعلك
باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾(٣).
فأراد - سبحانه - فى هذه الآية الكريمة وأمثالها أن يزيل من نفس رسوله صل# هذا الحزن
الذى نتج عن كفر الكافرين، وأن يطمئنه إلى أن العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين الصادقين.
وقوله ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظا فى الآخرة﴾ استئناف لبيان جزائهم على كفرهم فى
الآخرة، بعد أن بين - سبحانه - عدم إضرارهم لأوليائه فى الدنيا.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٤١.
(٢) سورة فاطر الآية ٨.
(٣) سورة الكهف الآية ٩.

٣٤٨
المجلد الثانى
أى: لا ينبغى لك يا محمد أن تحزن لمسارعة هؤلاء الضالين فى الكفر، فإنهم لن يضروا
أوليائى بشىء من الضرر، ولأن كفرهم ليس مراغمة لله حتى تحزن، وإنما هو بإرادته، لأنه أراد
ألا يكون لهم حظ أو نصيب من الخير فى الآخرة بسبب استحبابهم العمى على الهدى، ولهم مع
هذا الحرمان من الخير فى الآخرة ﴿عذاب عظيم﴾ لا يعلم مقدار آلامه وشدته إلا الله تعالى.
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظا فى الآخرة، وأى فائدة
فى ذكر الإرادة؟ قلت : فائدته الإِشعار بأن الداعى إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصا لم
يبق معه صارف قط حين سارعوا فى الكفر، تنبيها على تماديهم فى الطغيان وبلوغهم الغاية فيه،
حتى إن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم))(١).
ثم أكد - سبحانه - هذا الحكم وقرره فقال : ﴿إن الذين اشتروا الكفر بالإِيمان لن يضروا
الله شيئا، ولهم عذاب أليم﴾.
والاشتراء فى الآية الكريمة بمعنى الاستبدال على سبيل الاستعارة التمثيلية فقد شبه
-سبحانه- الكافر الذى يترك الحق الواضح الذى قامت الأدلة على صحته ويختار بدله الضلال
الذى قامت الأدلة على بطلانه، بمن يكون فى يده سلعة ثمينة جيدة فيتركها ويأخذ فى مقابلها
سلعة رديئة فاسدة.
والمعنى أن الذين استبدلوا الكفر بالإِيمان، لن يضروا دين الله ولا رسوله ولا أولياءه بشىء
من الضرر، وإنما يضرون بفعلهم هذا أنفسهم ضررا بليغا ولهم فى الآخرة عذاب مؤلم شديد
الإِيلام، بسبب إيثارهم الغى على الرشد، والكفر على الإِيمان، والشر على الخير.
ثم بين - سبحانه - أن ما يتمتع به الأشرار فى الدنيا من متع إنما هو استدراج لهم، فقال
-تعالى- ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لأنفسهم﴾.
وقوله ﴿على لهم﴾ من الإِملاء وهو الإِمهال والتخلية بين العامل والعمل ليبلغ مداه.
يقال : أملى فلان لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء ..
ويطلق الإِملاء على طول المدة ورغد العيش.
والمعنى : ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم﴾، بتطويل أعمارهم، وبإعطائهم الكثير من
وسائل العيش الرغيد هو، ﴿خير لأنفسهم﴾ كلا. بل هو سبب للمزيد من عذابهم، لأننا ﴿إنما
نعلى لهم ليزدادوا إثما﴾ بكثرة ارتكابهم للمعاصى ﴿ولهم﴾ فى الآخرة ﴿عذاب مهين﴾ أى عذاب
ينالهم بسببه الذل الذى ليس بعده ذل والهوان الذى يتصاغر معه كل هوان.
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٣٤١.

٣٤٩
سورة آل عمران
وقوله ﴿ولا يحسبن﴾ إلخ .. عطف على قوله - تعالى - ﴿ولا يحزنك﴾ ويكون للنهى عن
الظن متجها للذين كفروا ليعلموا سوء عاقبتهم.
ويكون مفعولا يحسب قد سد مسدهما أن المصدرية وما بعدها و((ما)) فى قوله ((أنما نملى لهم))
يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة حذف عائدها. وقد كتبت متصلة بأن مع أن من
حقها أن تكتب منفصلة عنها اتباعا للمصحف الإِمام أى لا يحسبن الكافرين أن إملاءنا لهم أو
أن الذى نمليه لهم من تأخير حياتهم وانتصارهم فى الحروب فى بعض الأحيان، هو خير لهم.
وقرأ حمزة ((ولا تحسبن الذين كفروا)). فيكون الخطاب بالنهى متجها إلى النبى وصل* ويكون
المفعول الأول لحسب هو ﴿الذين كفروا﴾ وقوله: ﴿أنما غلى لهم خير لأنفسهم﴾ بدل من الذين
كفروا سادًا مسد المفعول الثانى، أو يكون هو المفعول الثانى.
والمعنى: لا تحسبن يا محمد ولا يحسبن أحد من أمتك أن إملاءنا للذين كفروا هو خير
لأنفسهم، بل هو شر لهم، لأننا ما أعطيناهم الكثير من وسائل العيش الرغيد إلا على سبيل
الاستدراج، وسنعاقبهم على ما ارتكبوه من آثام عقابا عسيرا.
وقوله ﴿إنما نملى لهم ليزدادوا إثما﴾ استئناف واقع موقع التعليل للنهى عن حسبان الإملاء
خيرًا للكافرين.
أى إنما نزيدهم من وسائل العيش الرغيد ليزدادوا آثاما بكثرة ارتكابهم للسيئات. فتكون
نتيجة ذلك أن نزيدهم من العذاب المهين الذى لا يستطيعون دفعه أو التهرب منه.
و ((إنما)) فى قوله ﴿إنما غلى لهم﴾ أداة حصر مركبة من ((إن)) التى هى حرف توكيد ومن
((ما)) الزائدة الكافة .
واللام فى قوله ﴿ليزدادوا إثما﴾ هى التى تسمى بلام العاقبة كما فى قوله - تعالى - ﴿فالتقطه
آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنا﴾(١).
أى ((إنما نملى لهم فيزدادون إثما، فلما كان ازدياد الإِثم ناشئا عن الإِملاء كان كالعلة له،
وكانت نتيجة هذا الإِملاء أن وقعوا فى العذاب المهين.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها
فى الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾(٢).
(١) سورة القصص الآية ٨.
(٢) سورة التوبة الآية ٨٥.

٣٥٠
المجلد الثانى
وقوله - تعالى - ﴿فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملى
لهم إن كيدى متين﴾(١).
ثم بين - سبحانه - بعض الحكم التى اشتملت عليها غزوة أحد فقال - تعالى - ﴿ما كان
الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾.
وقوله ﴿ليذر﴾ أى ليترك. والمراد بالمؤمنين: المخلصون الذين صدقوا فى إيمانهم والمراد بقوله
﴿على ما أنتم عليه﴾ أى اختلاط المؤمنين بالمنافقين واستواؤهم فى إجراء الأحكام.
ومعنى يميز يفصل. وقرىُ يميز أن يحدد ويبين.
والمراد بالخبيث : المنافق ومن على شاكلته من ضعاف الإيمان.
والمراد بالطيب : الصادق فى إيمانه.
والمعنى : ليس من شأن الله - تعالى - ولا من حکمته وسنته فى خلقه أن یترککم أيها
المؤمنون على ما أنتم عليه من الالتباس واختلاط المنافقين بكم، بل الذى من شأنه وسنته أن
يبتليكم ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى يتميز المؤمنون من المنافقين، وينفصل
الأخيار عن الأشرار.
قال ابن کثیر: أی لا بد أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيه وليه ویفضح به عدوه، يعرف به
المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، يعنى بذلك يوم أحد الذى امتحن الله به المؤمنين فظهر به إيمانهم ..
وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله وهتك به ستار المنافقين، فظهرت مخالفتهم،
ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ولرسوله. قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد))(٢).
وعبر - سبحانه - عن المؤمن بالطيب، وعن المنافق بالخبيث، ليسجل على كل منهما ما يليق
به من الأوصاف، وللإشعار بعلة الحكم.
وقوله ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجنبى من رسله من يشاء﴾ معطوف على
قوله ﴿ما كان الله ليذر﴾.
والغيب : ضد المشاهد. وهو كل ما غاب عن الحواس ولا تمكن معرفته إلا عن طريق
الوحى من الله - تعالى - على رسوله ◌َ﴾.
واجتبى : من الاجتباء بمعنى الاختيار والاصطفاء.
(١) سورة القلم الآيتان ٤٤، ٤٥.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٣٢.

٣٥١
سورة آل عمران
أى: وما كان الله - تعالى - ليعطى أحدا منكم - معشر المؤمنين - علم الغيوب الذى به
تعرفون المؤمن من المنافق، إذ علم ذلك له وحده، ولكنه - سبحانه - يصطفى من رسله من
يريد اصطفاءه فيطلعه على بعض الغيوب، وذلك كما حدث لنبيكم ولو فقد أطلعه - سبحانه -
على ما دبره له اليهود حين هموا باغتياله، وأطلعه على حال تلك المرأة التى أرسلها حاطب بن أبى
بلتعة برسالة إلى قريش لتخبرهم باستعداد الرسول خليفي الحربهم. وأطلعه على بعض أحوال
المنافقين.
قال - تعالى - ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا. إلا من ارتضى من رسول﴾(١) وفى
قوله - تعالى - ﴿ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء﴾ إيذان بأن الوقوف على أمثال تلك
الأسرار الغيبية، لا يتأتى إلا ممن رشحه الله - تعالى - لمنصب جليل، تقاصرت عنه همم الأمم،
واصطفاه على الناس لإرشادهم.
ثم أمر الله - تعالى - عباده أن يثبتوا على الإِيمان، وبشرهم بالأجر العظيم إذ هم استمروا
على ذلك فقال: ﴿فآمنوا بالله ورسله، وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم﴾.
أى: إذا علمتم أيها المؤمنون أن الله لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، فإنه
يجب عليكم أن تؤمنوا بالله وبرسله حق الإِيمان، وإن تؤمنوا بالله - تعالى - وبرسله حق
الإِيمان، وتتقوا المخالفة فى الأمر والنهى، فلكم فى مقابلة ذلك من الله - تعالى - مالا يقادر
قدره من الثواب العظيم، والأجر الجزيل.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء مصير الذين يبخلون بنعم الله، فلا يؤدون حقها.
ولا يقومون بشكرها فقال - تعالى -: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو
خيرًا لهم، بل هو شر لهم﴾.
وقوله ﴿يبخلون﴾ من البخل وهو ضد الجود والسخاء، ومعناه: أن يقبض الإنسان يده عن
إعطاء الشىء لغيره، وأن يحرص حرصًا شديدًا على ما يملكه من مال أو علم أو غير ذلك.
ويرى جمهور المفسرين أن المراد بالبخل هنا البخل بالمال، لأنه هو الذى يتفق مع السياق.
ويرى بعضهم أن المراد بالبخل هنا البخل بالعلم وكتمانه، وذلك لأن اليهود كتموا صفات
النبى ◌َّلز التى جاءت بها التوراة.
والذى تراه أن ما عليه الجمهور هو الأرجح، لأنه هو المتبادر من معنى الآية، وهو المتفق من
سياق الكلام.
(١) سورة الجن الآية ٢٦، ٢٧.

٣٥٢
المجلد الثانى
ولذا قال الألوسى: قوله - تعالى - ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ بيان لحال البخل وسوء
عاقبته، وتخطئة لأهله فى دعواهم خيريته عقب بيان حال الإملاء ...
وقيل : وجه الارتباط أنه - تعالى - لما بالغ فى التحريض على بذل الأرواح فى الجهاد وغيره،
شرع هنا فى التحريض على بذل المال، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل به)).
والمعنى : ولا يظنن أولئك الذين يبخلون بما أعطاهم الله من نعم وأموال أن بخلهم فيه خير
لهم، كلا، بل إن بخلهم هذا فيه شر عظيم لهم.
والنهى عن الحسبان بأن البخل فيه خير فى قوله ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ يدل على
النفى المؤكد.
أى لا يصح لهم أن يظنوا بأية حال من الأحوال أن ذلك البخل فيه خير لهم. بل الحقيقة أن
فيه شرًا كبيرًا لهم.
وفى قوله ﴿بما آتاهم الله﴾ إشعار بسوء صنيعهم، وخبث نفوسهم، حيث بخلوا بشىء ليس
وليد علمهم واجتهادهم، وإنما هذا الشىء منحه الله - تعالى - لهم بفضله وجوده، فكان الأولى
لهم أن يشكروه على ما أعطى، وأن يبذلوا مما أعطاهم فى سبيله.
والضمير ((هو)) يعود على البخل المستفاد من قوله ﴿يبخلون﴾.
ويرى الزمخشرى أنه ضمير فصل لتأكيد نفى الظن فى الخيرية.
وفى إعادة الضمير، وذكر الجملة الإِسمية فى قوله ﴿بل هو شر لهم﴾ تأكيد لمعنى الشر فى
البخل، وأنه لا خير من ورائه قط، ففى الحديث الشريف الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَلقر قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة،
واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا
محارمهم)).
ثم بين - سبحانه - المصير المؤلم لأولئك البخلاء فقال - تعالى - ﴿سيطوقون ما بخلوا به
يوم القيامة ﴿.
وقوله ﴿سيطوقون﴾ مشتق من الطوق، وهو ما يلبس من أسفل الرقبة. أى تجعل أموالهم
أطواقا حول رقابهم، وأغلالا حول أجسادهم، فيعذبون عذابا أليما بحملها.
وجمهور المفسرين على أن الكلام على ظاهره، وأن عذاب هؤلاء البخلاء بنعم الله، سيكون
نوعا من العذاب الأخروى المحسوس. وقد أيد القرطبى هذا الاتجاه فقال :
((وهذه الآية نزلت فى البخل بالمال والإِنفاق فى سبيل الله وأداء الزكاة المفروضة، ذهب إلى

٣٥٣
سورة آل عمران
هذا جماعة من المتأولين، منهم: ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل.
قالوا : ومعنى ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ هو الذى ورد فى الحديث عن أبى هريرة
عن النبى وَ إ قال: ((من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان
يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - أى شدقيه - ثم يقول له. أنا مالك أنا كنزك. ثم تلا
هذه الآية: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾(١).
ويرى بعض العلماء أن هذا الوعيد على سبيل التمثيل، وأن الظاهر غير مراد ومعنى قوله
﴿سيطوقون ما يخلوا به﴾ عند هذا البعض: سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم
القيامة عقوبة لهم، فلا يأتون لأنهم ليس فى قدرتهم ذلك.
أو المعنى: سيلزمون وبال ما بخلوا به لزوم الطوق، ويتحملون وزر ذلك يوم القيامة.
فالآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى الجود والسخاء من أجل إعلاء كلمة الله، وتتوعد البخلاء
بأقسى ألوان الوعيد وأفظعها. وتبين أن كل ما فى هذا الكون إنما هو ملك الله - تعالى - وحده،
فهو المعطى وهو المانع، ولذا قال - تعالى: ﴿ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون
خبير﴾ .
والميراث : مصدر كالميعاد. وأصله موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. والمراد به
ما يتوارث.
والمعنى : أن الله - تعالى - وحده لا لأحد غيره ما فى السموات والأرض مما يتوارثه أهلهما
من مال وغيره، فما بال هؤلاء القوم يبخلون عليه بما يملكه، ولا ينفقونه فى سبيله. وعلى هذا
يكون الكلام جار على حقيقته ولا مجاز فيه.
ويصح أن يكون المعنى : أن الله - تعالى - يرث من هؤلاء ما فى أيديهم مما بخلوا به من مال
وغيره وينتقل منهم إليه حين يميتهم ويفنيهم، وتبقى الحسرة والندامة عليهم. وعلى هذا يكون
الكلام على سبيل المجاز.
قال الزجاج: أى أن الله - تعالى - يفنى أهلهما. فيفنيان بما فيهما، فليس لأحد فيهما ملك.
فخوطبوا بما يعلمون، لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإِنسان ميراثا، ملكا له)).
وقوله ﴿والله بما تعملون خبير﴾ تذييل قصد به حضهم على الإنفاق، ونهيهم عن البخل،
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٢٩١ والشجاع: الثعبان الذكر الذى يقوم على ذنبه ويراقب الراجل والفارس،
والأقرع : هو الذی یکون أملس الجلد کثیر السم. والزبيبتان النكتتان السوداوان فوق عينيه.

٣٥٤
المجلد الثانى
أى أن الله - تعالى - خبير ومطلع على ما يصدر عنكم من سخاء أو بخل أو غيرهما، وسيجازى
الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من التسلية للنبى وَطلّ ولأتباعه،
وبشرتهم بأن العاقبة ستكون لهم، وفضحت المنافقین وهتکت ما تستروا به من رياء وخداع،
وبينت أن من سنن الله فى خلقه أن يبتلى عباده بشتى ألوان البلاء ليتميز الخبيث من الطيب،
وأنه - سبحانه - يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأن البخلاء بما آتاهم الله من
فضله ستكون عاقبتهم شرا، ومصيرهم إلى العذاب الأليم.
ثم أخذت السورة الكريمة - بعد أن فضحت المنافقين - فى الحديث عن بعض رذائل أهل
الكتاب، وفى التحذير من شرورهم، وفى بيان طبيعة هذه الحياة وما تحمله من بلاء واختبار
فقال - تعالى - :
لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ
سَنَكْتُبُ مَاقَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ
ذَلِكَ بِمَاقَدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ
١٨١
ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ◌ّ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّ
اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَابِقُرْبَانٍ
تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَآءُكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِ بِالْبَيِّنَتِ
١٨٣
وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُ و بِاَلْبَيِّنَتِ
وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ﴿مَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمُوْتِ
وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ فَمَنْ زُحْزِعَ
عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازٌ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ

٣٥٥
سورة آل عمران
كُتُبْلَوُنَ فِي أَمْوَلِكُمْ
إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ
وَأَنْفُسِكُمْ وَلَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً
وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ لا
١٨٦
وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوْ تُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْ بِهِ ثَمَنًا
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ®®
بِمَآ أَتَواْ وَ يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُ واْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم
١٨٨
بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِّ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
قال ابن كثير: عن ابن عباس قال: لما نزل قوله - تعالى - ﴿من ذا الذى يقرض الله قرضا
حسنا، فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ قالت اليهود: يا محمد !! افتقر ربك فسأل عباده القرض،
فأنزل الله هذه الآية.
وروى محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق بيت
المدراس(١). فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له ((فنحاص)) وكان
من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له ((أشيع)). فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق
الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه
مكتوبا عندكم فى التوراة والإنجيل. فقال فنخاص : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من
فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياه. ولو كان عنا غنيا
ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا.
(١) أى المكان الذى يتدارسون فيه علومهم.

٣٥٦
المجلد الثانى
فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال : والذى نفسى بيده لولا الذى
بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله ...
فذهب فنحاص إلى رسول الله وسلم فقال يا محمد: أبصر ما صنع بى صاحبك.
فقال رسول الله وَلهو: ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله. إن
عدو الله قال قولا عظيما. يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء. فلما قال ذلك غضبت لله مما قال
فضربت وجهه .
فجحد فنحاص ذلك وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله فيما قال فنحاص: ﴿لقد سمع الله
قول الذين قالوا .... ﴾(١).
والمعنى : لقد سمع الله - تعالى - قول أولئك اليهود الذين نطقوا بالزور والفحش فزعموا
أن الله - تعالى - فقير وهم أغنياء.
والمقصود من هذا السمع لازمه وهو العلم والإحاطة بما يقولون من قبائح، ثم محاسبتهم على
ما تفوهوا به من أقوال، وما ارتكبوه من أعمال، ومعاقبتهم على جرائمهم بالعقاب المهين الذين
يستحقونه .
وقوله ﴿سنكتب ما قالوا، وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾ أى سنسجل عليهم فى صحائف
أعمالهم قولهم هذا، كما سنسجل عليهم قتلهم أنبياء الله بغير حق، فالاسناد مجازى والكتابة
حقيقية .
أو المعنى : سنحفظه فى علمنا ولا نهمله، وسنعاقبهم بما يستحقون من عقوبات، فيكون
الإِسناد حقيقة والكتابة مجازا.
والسين للتأكيد، أى لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته، بل سنسجله عليهم ونعاقبهم عليه عقابا
أليما بسبب أقوالهم القبيحة، وأعمالهم المنكرة.
وقد قرن - سبحانه - قولهم المنكر هذا، بفعل شنيع من أفعال أسلافهم، وهو قتلهم
الأنبياء بغير حق؛ وذلك لإِثبات أصالتهم فى الشر، وإستهانتهم بالحقوق الدينية، وللتنبيه على
أن قولهم هذا ليس أول جريمة ارتكبوها، ومعصية استباحوها، فقد سبق لأسلافهم أن قتلوا
الأنبياء بغير حق، وللإشعار بأن هاتين الجريمتين من نوع واحد، وهو التجرؤ على الله -تعالى-،
فقتل الأنبياء هو تعد على أمناء الله فى الأرض الذين اختارهم لتبليغ رسالاته، وقولهم ﴿إن الله
(١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٣٤.

٣٥٧
سورة آل عمران
فقير﴾ وهو تطاول على ذات الله، وكذب عليه، ووصف له بما لا يليق به - سبحانه - وبهذا كله
يكونون قد عتوا عتوًا كبيرًا، وضلوا ضلالا بعيدا.
وأضاف - سبحانه - القتل إلى المعاصرين للعهد النبوى من اليهود، مع أنه حدث من
أسلافهم؛ لأن هؤلاء المعاصرين كانوا راضين بفعل أسلافهم ولم ينكروه وإن لم يكونوا قد
باشروه، ومن رضى بجريمة قد فعلها غيره فكأنما قد فعلها هو.
وفى الحديث الشريف: إذا عملت الخطيئة فى الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب
عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها.
ووصف - سبحانه - قتلهم للأنبياء بأنه ﴿بغير حق﴾ مع أن هذا الإِجرام لا يكون بحق
أبدا، للإشارة إلى شناعة أفعالهم، وضخامة شرورهم، وأنهم لخبث نفوسهم، وقسوة قلوبهم
لا يبالون أكان فعلهم فى موضعه أم فى غير موضعه.
ثم صرح - سبحانه بالعقوبة بعد أن كنى عنها فقال: ﴿ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾ أى:
سنجازيهم بما فعلوا، ونلقى بهم فى جهنم، مخاطبين إياهم بقولنا : ذوقوا عذاب تلك النار
المحرقة التی کنتم بها تكذبون.
ففى الآية الكريمة إيجاز بالحذف دل عليه سياق الكلام.
والذوق حقيقته إدراك المطعومات، والأصل فيه أن يكون فى أمر مرغوب فى ذوقه وطلبه،
والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم، والاستهزاء بهم كما فى قوله
-تعالى- ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾.
ثم صرح - سبحانه - بأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بوقوعهم فى العذاب المحرق
فقال: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾.
أى: ذلك العذاب الشديد الذى حاق بكم - أيها اليهود - بسبب ما قدمته أيديكم من
عمل سىء، وما نطقت به أفواهكم من قول منكر، فقد اقتضت حكمته وعدالته ألا يعذب
إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - لا يظلم عباده مثقال ذرة. واسم الإشارة ﴿ذلك﴾
يعود إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد. والمراد بالأيدى الأنفس، والتعبير
بالأيدى عن الأنفس من قبيل التعبير بالجزء عن الكل.
وخصت الأيدى بالذكر، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، ولأن أكثر الأفعال يكون
٠
عن طريق البطش بالأيدى، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به والاتصال بذاته.
قال الآلوسي ما ملخصه :

٣٥٨
المجلد الثانى
وقوله ﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ عطف على قوله ﴿بما قدمت أیدیکم) فهو داخل تحت
حكم باء السببية، وسببيته للعذاب من حيث إن نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى إثابة
المحسن ومعاقبة المسىء ...
مچ۔۔
وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب فى صورة المبالغة فى
الظلم ... وقيل إن صيغة ((ظلام)) للنسب كعطار أى: لا ينسب إليه الظلم أصلا))(١).
ثم ذكر - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل اليهود فقال: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ؛
ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار﴾.
وقوله ﴿الذين قالوا إن﴾ .. إلخ. فى محل نصب بتقدير : أعنى. أو فى محل رفع بتقدير: هم
الذين قالوا. ويجوز أن يكون فى محل جر على البدلية من قوله ﴿الذين قالوا إن الله فقير﴾.
والمراد بالموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء،
وحيى بن أخطب .. وغيرهم، فقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم أتوا النبى ◌َطار وقالوا له هذا
القول وهو: ﴿إن الله عهد إلينا﴾ ... إلخ.
و﴿القربان﴾ هو ما يتقرب به إلى الله من نعم أو غير ذلك من القربات.
والمعنى : أن عذابنا الأليم سيصيب أولئك اليهود الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء،
والذين قالوا إن الله أمرنا فى التوراة وأوصانا بأن لا نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة إلينا
من قبل الله - تعالى - حتى يأتينا بقربان يتقرب به إلى الله، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا
القربان، فإذا فعل ذلك كان صادقا فى رسالته.
ومقصدهم من وراء هذا القول الذى حكاه القرآن عنهم، أن يظهروا أمام الناس بمظهر
المحافظين على عهود الله. وأنهم ما تركوا الإِيمان بالنبى صير حسدا له، وإنما تركوا الإِيمان به،
لأنه لم يأت بالمعجزات التى أتى بها الأنبياء السابقون، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس
نبيا صادقا - فى زعمهم -.
ولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان، لأن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة الرسول
لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول، إذ أن آيات الله فى إثبات رسالات رسله متعددة
النواحى، مختلفة المناهج، وكون هذا الإِتيان بالقربان الذى تأكله النار معجزة لبعض الرسل
لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا فقد أمر الله - تعالى - رسوله محمدًا وهو أن يرد
(١) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ١٤٣.

٣٥٩
سورة آل عمران
عليهم بما يبطل قولهم فقال: ﴿قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم، فلم
قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾.
أى: قل لهم يا محمد ﴿قد جاءكم رسل من قبلى﴾ كثير عددهم ((بالبينات)) أى بالحجج
الواضحة، وبالمعجزات الساطعة الدالة على صدقهم ﴿وبالذى قلتم﴾ أى وجاءكم هؤلاء
الرسل بالقربان الذى تأكله النار ﴿فلم قتلتموهم﴾ بعد أن جاءوكم بتلك المعجزات الباهرة
﴿إن كنتم صادقين﴾ فى دعواكم أنكم تتبعون الحق، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما يشهد
بصدقهم؟ .
فالجملة الكريمة ترد على هؤلاء اليهود بأبلغ الوجوه التى تثبت كذبهم فيما يدعون، لأن قتلهم
للأنبياء بعد أن جاءوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم، دليل على أن هؤلاء اليهود
قد بلغوا منتهى الجحود والظلم والعدوان، وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد ﴿ متوقف على مجيئه
بالقربان الذى تأكله النار دعوى كاذبة، لأن من جاءهم بالقربان كان جزاؤه القتل منهم ...
قال الفخر الرازى: وقد بين الله بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل
الاسترشاد وإنما على سبيل التعنت. وذلك لأن أسلافهم طلبوا هذه المعجزة من الأنبياء
المتقدمين مثل : زكريا ويحيى وعيسى، فلما أظهروا لهم هذا المعجزة سعوا فى قتلهم بعد أن
قابلوهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة. وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل التعنت؛
إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما سعوا فى قتلهم، ومتأخرو اليهود راضون بفعل متقدميهم. وهذا
يقتضى كونهم متعنتين - أيضا - فى مطالبهم. ولهذا لم يحبهم الله فيها))(١).
﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك. جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير﴾.
والبينات : جمع بينة وهى الآيات المبينة للحق، والأدلة التى يستشهد بها الرسول على أنه
صادق فيما يبلغه عن ربه.
والزبر جمع زبور - كالرسول والرسل - وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى
حسنته .
وخص الزبور بالكتاب الذى أنزله الله على داود - عليه السلام -: قال - تعالى - ﴿وآتينا
داود زبورا﴾.
وقيل : الزبر اسم للمواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٩ ص ١٢٢.

٣٦٠
المجلد الثانى
والمعنى فإن كذبك هؤلاء اليهود يا محمد بعد أن قام الدليل على صدقك وعلى كذبهم وتعنتهم
وجحودهم، فلا تبتئس ولا تحزن، فإن الأنبياء من قبلك قد قوبلوا بالتكذيب من أقوامهم بعد
أن جاءوهم بالدلائل الواضحة الدالة على صدقهم وبعد أن جاءوهم ﴿بالزبر﴾ أى بالكتب
الموحى بها من الله - تعالى - لوعظ الناس وزجرهم، وبعد أن جاءوهم بالكتاب المنير أى
بالكتاب الواضح المستنير المشتمل على سعادة الناس فى دنياهم وآخرتهم.
فالآية الكريمة مسوقة على سبيل التسلية للرسول و # والتخفيف عنه مما يلقاه من الجاحدين
والمكذبين.
ثم بين - سبحانه - أن مرد الخلق جميعا إلى الله، وأن كل نفس مهما طال عمرها لابد أن
يصيبها الموت، وأن الدار الباقية إنما هى الدار الآخرة التى سيحاسب الناس فيها على أعمالهم
فقال - تعالى -: ﴿كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة﴾.
قال ابن كثير: ((يخبر - تعالى - إخبارا عاما يعم جميع الخليفة بأن كل نفس ذائقة الموت،
كقوله - تعالى -: ﴿كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾.
فهو - تعالى - وحده الحى الذى لا يموت والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة
العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا، وهذه الآية
فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت .. )).
وقوله ﴿ذائقة الموت﴾ من الذوق وحقيقته إدراك الطعوم، والمراد به هنا حدوث الموت لكل
نفس .
وعبر عن حدوث الموت لكل نفس بذوقه، للإشارة إلى أنه عند ذوق المذاق إما مرا لما
يستتبعه من عذاب، وإما حلوا هنيئا بسبب ما يكون بعده من أجر وثواب.
وأسند ذوق الموت إلى النفس ولم يسنده إلى الشخص: لأن النفس روح، والشخص
جزءان : جسم ونفس، والنفس هى التى تبقى بعد مفارقتها للجسد، فهى التى تذوق الموت
كما ذاقت الحياة الدنيا.
وقوله ﴿وإنما توفون أجوركم يوم القيامة﴾ أى: وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا تاما يوم
القيامة. يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على أعمالهم، فيجازى الذين أساءوا بما
عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف اتصل قوله - تعالى - : ﴿وإنما توفون أجوركم يوم
القيامة﴾ بما قبله؟ قلت: اتصاله به على معنى أن كلكم تموتون، ولابد لكم من الموت
٠