Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سورة آل عمران المؤمنين. ولكن هل اكتفت بهذا النهى مع أنه كفيل بحجز المؤمنين عما نهتهم عنه؟ كلا، إنها لم تكتف بذلك، بل ساقت لهم صورة كاملة السمات لأحوال أعدائهم، صورة ناطقة بدخائل نفوسهم، وبمشاعرهم الظاهرة والخفية، وبانفعالاتهم القلبية والجسدية، وبحركاتهم الذاهبة والآيبة، صورة ناطقة بحالهم عندما يلتقون بالمؤمنين، وبحالهم عندما يفارقونهم ويخلون بأنفسهم، أو عندما يلتقون بأمثالهم من الضالين. صورة ناطقة بسرورهم عند ما تصيب المسلمين مصيبة، وبحزنهم عندما يرون المؤمنن فى نعمة يسيرة. صورة ناطقة بموقف المؤمنين منهم وبموقفهم هم من المؤمنين ثم بعد رسم هذه الصورة العجيبة المتكاملة لهم، يسوق القرآن للمؤمنين أسمى وأحكم ألوان التوجيه والإِرشاد الذى يجعلهم فى مأمن من كيدهم ومكرهم ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا﴾. أرأيت - يا أخى - كيف ربى القرآن أتباعه أكمل تربية وأحكمها وأسماها؟ إنه نهاهم أولا عن مباطنة أعدائهم، ثم ساق لهم بعد ذلك من أوصافهم وأحوالهم ما يقنعهم ويحملهم على البعد عنهم، ثم أرشدهم إلى الدواء الذى ينجيهم من مكرهم. فما أحكمه من توجيه. وما أسماه من إرشاد، وإن ذلك ليدل على أن هذا القرآن من عند الله ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾(١). وإلى هنا تكون سورة آل عمران قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - فى مائة وعشرين آية منها، عن بعض الأدلة على وحدانية الله - تعالى -، وعن مظاهر قدرته ورحمته، وعن كتبه التى أنزلها على أنبيائه لسعادة الناس وهدايتهم وعن حب الناس للشهوات وعما هو أسمى وأفضل من هذه الشهوات الزائلة، وعن المجادلات التى حدثت بين النبى وَّ ر وبين أهل الكتاب فيما يتعلق بوحدانية الله - تعالى - وبصحة دين الإِسلام، وعن جوانب من قصة آل عمران وما اشتملت عليه من عظات وعبر، وعن الشبهات التى أثارها اليهود حول الدعوة الإسلامية والمسالك الخبيثة التى سلكوها فى حربهم لها وكيف رد القرآن عليهم بما يفضحهم ويكشف عن كذبهم، . ويجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم. والخلاصة أن السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا قد ساقت - من بين ما ساقت - ألوانا من الحرب النفسية التى شنها أهل الكتاب على الدعوة الإسلامية، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويبصرهم بالحق - إن كانوا طلاب حق - وساقت للمؤمنين من التوجيهات والعظات، ما يهدى قلوبهم، ويصلح بالهم ويكفل لهم النصر على أعدائهم. (١) سورة النساء الآية ٨٢. ٢٤٢ المجلد الثانى وبعد هذا السبح الطويل فى الحديث عما دار بين المسلمين وبين أعدائهم من حرب كلامية وفكرية ونفسية ... انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن حروب السيف والسنان، وما صاحبها من أفكار وأقوال وأفعال. فقد حدثتنا السورة الكريمة فى حوالى ستين آية عن جوانب متعددة من غزوة ((أحد)) تلك الغزوة التى كانت لها آثارها الهامة فى حياة المسلمين وأحوالهم. ولعل من الخير - قبل أن نبدأ فى تفسير الآيات الكريمة التى وردت فى سورة آل عمران بشأن هذه الغزوة- أن نسوق خلاصة تاريخية لهذه الغزوة تعين على فهم الآيات المتعلقة بها، فنقول: كانت غزوة بدر من الغزوات المشهورة فى تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد انتصر المسلمون فيها انتصارا مؤزرا على كفار قريش. وصمم المشركون على أن يأخذوا بثأرهم من المسلمين، فجمعوا جموعهم، وخرجوا فی جیش كبير، ومعهم بعض نسائهم حتى يكون ذلك أبلغ فى استماتة الرجال فى القتال. ووصل مشركو قريش ومعهم حلفاؤهم إلى أطراف المدينة فى أوائل شوال من السنة الثالثة، وكان عددهم يربو على ثلاثة آلاف رجل. واستشار النبى أصحابه فى شأن هؤلاء المشركين الزاحفين إلى المدينة. فكان رأى بعضهم - ومعظمهم من الشباب - الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة. وكان من رأى فريق آخر من الصحابة، استدراج المشركين إلى أزقة المدينة ومقاتلتهم بداخلها، وكان النبى ◌َ و يميل إلى رأى هذا الفريق، إلا أنه آثر الأخذ برأى الفريق الأول الذى يرى أصحابه الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة، نظرًا لكثرة عدد القائلين بذلك. ثم دخل النبى وَلفي بيته، ثم خرج منه وقد لبس آلة حربه، وشعر بعض المسلمين أنهم قد استكرهوا النبى ◌َّم على القتال، فأظهروا له الرغبة فى النزول على رأيه، إلا أنه لم يستجب لهم، وقال كلمته التى تعلم الناس الحزم وعدم التردد: ((ما ينبغى لنبى لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، لقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس. وانظروا ما أمركم الله به فافعلوه)). ثم خرج النبى ﴿ فى ألف مقاتل من المسلمين حتى نزل قريبًا من جبل ((أحد)) إلا أن ((عبد الله بن أبي بن سلول)) انسحب فى الطريق بثلث الناس محتجا بأن النبى وَلاير لم يأخذ برأيه، بل أخذ برأى غيره. وعسكر المسلمون بالشعب من أحد، جاعلين ظهرهم إلى الجبل، ورسم النبى وَلقر الخطة ٢٤٣ سورة آل عمران لكسب المعركة، فجاءت خطة محكمة رائعة. فقد وزع الرماة على أماكنهم - وكانوا خمسين راميا -، وقال لهم: ((انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا. إن كانت لنا أو علينا فالزموا أماکنکم لا نؤتین من قبلکم)». وفى رواية أنه وَير قال لهم: أحموا ظهورنا، وإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا. وإن رأيتمونا نغنم فلا تُشِركونا)). وأخيرًا التقى الجمعان، وأذن النبى وَّ لأتباعه أن يجالدوا أعداءهم، وأظهر المسلمون أسمى صور البطولة والإِقدام، وكان شعارهم فى هذا الالتحام ((أمت أمت)). وما هى إلا جولات فى أوائل المعركة، حتى ولى المشركون المسلمين الأدبار، ولم يغن عن المشركين شيئًا ما كانت تقوم به نسوتهم من تحريض واستنهاض للعزائم. قال ابن إسحاق : ثم أنزل الله - تعالى - نصره، وصدق وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها. ورأى الرماة الهزيمة وهى تحل بقريش، فتطلعت نفوسهم إلى الغنائم، وحاول أميرهم، عبد الله بن جبير أن يمنعهم من ترك أماكنهم عملا بوصية رسول الله وقدر إلا أن معظمهم تركوا أماكنهم ونزلوا إلى ساحة المعركة ليشاركوا فى جمع الغنائم والأسلاب. وأدرك خالد بن الوليد - وكان ما زال مشركا- أن ظهور المسلمين قد انكشفت بترك الرماة لأماكنهم، فاهتبل الفرصة على عجل، واستدار بمن معه من خيل المشركين خلف المسلمين فأحدق بهم، وأخذ فى مهاجمتهم من مكان ما كانوا ليظنوا أنهم سيهاجمون منه، فقد كانوا يعتمدون على الرماة فى حماية ظهورهم. وعاد المشركون المنهزمون إلى مقاتلة المسلمين، بعد أن رأوا ما فعله خالد ومن معه. واضطربت صفوف المسلمين للتحول المفاجىء الذى حدث لهم، إلا أن فريقا منهم أخد يقاتل ببسالة وصبر. واستشهد عدد كبير منهم وهم يحاولون شق طريقهم. وأصيب النبى عليه خلال ذلك بجروح بالغة، وأشيع أنه قد قتل، إلا أنه وَّر جعل يصيح بالمسلمين : إلىّ عباد الله، إلى عباد الله .. فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا، ودافعوا عنه دفاع الأبطال المخلصين . . ومرت على المسلمن ساعة من أحرج الساعات فى تاريخ الدعوة الإسلامية فقد كان المشركون يهاجمون النبى ﴿ وأصحابه بعناد وحقد، وكان المسلمون مستميتين فى الدفاع عن رسولهم وعن أنفسهم. ٢٤٤ المجلد الثانى وكان لهذه الاستماتة آثارها فى تراجع المشركين، وقد ظنوا أنهم قد أخذوا بثأرهم من المسلمين ... وخشى النبى # أن يكون تراجع المشركين من أجل مهاجمة المدينة، فقال لعلى بن أبى طالب: ((اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإِبل، فإنهم يريدون مكة. وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة. فوالذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزنهم فيها )). قال على: فخرجت فى آثارهم فرأيتهم جنبوا الخيل، وامتطوا الإِبل، واتجهوا إلى مكة. وعندما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام المقبل، فقال الرسول و# لرجل من أصحابه : قل له: نعم بيننا وبينك موعد. وانتهت غزوة أحد باستشهاد حوالى سبعين صحابيا من بينهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وسعد بن الربيع. وغيرهم من الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وهذه خلاصة لأحداث غزوة أحد كما روتها كتب السيرة. والآن فلنول وجوهنا شطر القرآن الكريم، لنتدبر حديثه الحكيم عن هذه الغزوة، ولنستمع إليه بقلوب واعية، وآذان متفتحة، وهو يبدأ حديثه عنها فيقول : وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالُّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْهَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَّا وَعَلىَ اَللَّهِفَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ () وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَزِلَةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ بََّإِن تَصْبِرُواوَ تَتَّقُواْ وَيَأَتُوَكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ (١٢٤ مُنْزَلِينَ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُمْ مِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ٢٤٥ سورة آل عمران (١٢) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلََّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَظْمَيِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ، لِيَقْطَعَ طَرَفًا لَيْسَ لَك ٢٧ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْيَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ خَاِبِينَ ( مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْيَتُوبَ عَلَهِمْ أَوْيُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ففى هذه الآيات الكريمة التى بدأت السورة بها حديثها عن غزوة أحد، تذكير للمؤمنين بما وقع فيها حتى يعتبروا ويعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا. وقوله - تعالى -: ﴿غدوت﴾ من الغدو وهو الخروج فى أول النهار، يقال: غدا يغدو من باب سما یسمو. و﴿من﴾ فى قوله: ﴿من أهلك﴾ للابتداء. والمراد بأهله، زوجه عائشة - رضى الله عنها - فقد كان خروجه لغزوة أحد من بيتها. والكلام على حذف مضاف يدل عليه فعل ﴿غدوت﴾ والتقدير: من بيت أهلك. وقوله: ﴿تبوئ﴾ أصله من التبوء وهو اتخاذ المنزل. يقال: بوأته، وبوأت له منزلا، أى: أنزلته فيه. والمراد به هنا تنظيم المؤمنين وتسويتهم وتهيئتهم للقتال، حتى يكونوا صفا واحدًا كأنهم بنيان مرصوص. والعامل فى ﴿إذ﴾ فعل مضمر تقديره، واذكر. - والمعنى : واذكر لهم يا محمد ليعتبروا ويتعظوا وقت خروجك مبكرًا من حجرة زوجتك عائشة إلى غزوة أحد. وقوله: ﴿تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ أى تنزلهم وتسوى لهم بالتنظيم والترتيب مواطن وأماكن للقتال، يحيث يكونون فى أحسن حال، وأكمل استعداد لملاقاة أعدائهم. قال الجمل: ((ويستعمل الفعل ﴿غدوت﴾ بمعنى صار عند بعضهم، فيكون ناقصًا يرفع الاسم وينصب الخير .. وهذا المعنى ممكن هنا، فالمعنى عليه، وإذ غدوت أى صرت تبوئ ٢٤٦ المجلد الثانى المؤمنين أى تنزلهم فى منازل للقتال، وهذا أظهر من الآخر، لأن المذكور فى القصة أنه سار من عند أهله بعد صلاة الجمعة وبات فى شعب أحد، وأصبح ينزل أصحابه فى منازل القتال ويدبر لهم أمر الحرب))(١). فالجملة الكريمة تشير إلى ما فعله النبى و# مع أصحابه قبل أن تبدأ المعركة، فقد اهتم بتنظيم صفوفهم، وبرسم الخطة الحكيمة التى تكفل لهم النصر، وأمر الجيش كله ألا يتحرك للقتال إلا عندما يأذن له بذلك، ولقد حدث أن بعض المسلمين من الأنصار استشرف للقتال وتمناه عندما رأى قريشا قد سرحت خيولها وإبلها فى زروع المسلمين، وقال للنبى وَلاير ((أترعى زروع بنى قيلة - يعنى الأنصار - ولما تضارب))؟؟ إلا أن النبى وَّ نهاهم عن القتال إلا بعد إذنه . وجملة (تبوئ﴾ حال من فاعل ((غدوت)). والفعل ﴿تبوئ﴾ يحتاج لمفعولين: أولهما: قوله: ﴿المؤمنين). وثانيهما: قوله: ﴿مقاعد) وقوله: ﴿للقتال﴾ متعلق بقوله: ﴿تبوئ﴾. والمراد بقوله: ﴿مقاعد للقتال﴾ أى مراكز وأماكن ومواقف للقتال بحيث يعرف كل مؤمن مكانه وموقفه فينقض منه على خصمه إلا أن القرآن الكريم عبر عن هذه الأماكن والمراكز والمواقف بالمقاعد. للإشارة إلى وجوب الثبات فيها كما يثبت القاعد فى مكانه، وأن عليهم ألا يبرحوا أماكنهم إلا بإذن قائدهم ◌َّد . وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿والله سميع عليم﴾ لبيان أنه مطلع على كل شىء، وعلى ما كان يجرى بين النبى وَل﴿ وبين أصحابه من مشاورات ومناقشات. فهو - سبحانه - ﴿سميع﴾ لما نطقت به ألسنتهم ﴿عليم) بما تخفيه صدورهم، وسيجازى المؤمنين الصادقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى غيرهم من ضعاف الإِيمان والمنافقين بما يستحقون من عقاب. فالمقصود من هذه الجملة الكريمة غرس الرهبة فى قلوب المؤمنين، حتى لا يعودوا إلى مثل ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد. حيث خالفوا وصية رسول الله ◌َّطير ثم ذكر -سبحانه- ما راود قلوب بعض المؤمنين من ضعف وفشل، عندما رأوا زعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ ينخذل بثلث الجيش فقال - تعالى -: ﴿إِذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ١ ص ٣١٠. ٢٤٧ سورة آل عمران الهم : هو حديث النفس واتجاهها إلى شىء معين دون أن تأخذ فى تنفيذه فإذا أخذت فى تنفيذه صار إرادة وعزمًا وتصميما. وتفشلا : من الفشل و الجبن والخور والضعف. يقال: فشل يفشل فشلا فهو فشل أى جبان ضعيف القلب. أى: واذكر لهم وقت أن همت طائفتان منكم يا معشر المؤمنين أن تفشلا وتضعفا وتجينا عن القتال فى وقت الشديدة والكريهة. وقوله: ﴿والله وليهما﴾ أى ناصرهما ويتولى أمرهما. وهاتان الطائفتان هما بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانتا جناحى الجيش فى يوم أحد. روى الشيخان عن جابر - رضى الله عنه - قال: فينا نزلت ﴿إِذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما﴾ قال: نحن الطائفتان : بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله -تعالى- ﴿والله وليهما﴾(١). أى: لفوط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله - تعالى - عليهم، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وأن ما حدثوا به أنفسهم لم يخرجهم عن ولايته سبحانه لأنهم لم ينساقوا وراء هذا الهم الباطل، بل سرعان ما عادوا إلى يقينهم وإيمانهم الصادق، وطاعتهم الرسولهم آل . ولذا قال صاحب الكشاف: والطائفتان حيان من الأنصار: بنوسلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس هموا باتباع عبد الله بن أبى عندما انخذل بثلث الناس وقال : يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا! فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله وَلتر . وعن ابن عباس قال: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس. كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر، ويوطنها على احتمال المكروه. لو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية)»(٢). وقد ختم - سبحانه - الآية بدعوة المؤمنين إلى التوكل عليه وحده فقال: ﴿وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون﴾. (١) البخارى باب ((إذ همت طائفتان)). من كتاب التفسير جـ٦ وأخرجه مسلم فى كتاب ((فضائل الصحابة)) جـ ٧ ص١. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤٠٩. ٢٤٨ المجلد الثانى والتوكل : تفعل من وكل فلان أمره إلى فلان. إذا اعتمد فى كفايته عليه ولم يتوله بنفسه . والتوكل الحقيقى إنما يكون بعد الأخذ بالأسباب التى شرعها الله - تعالى - ثم بعد ذلك يترك الإِنسان النتائج للخالق - عز وجل - يسيرها كيف يشاء. والجملة الكريمة أفادت قصر التوكل على الله وحده، كما يؤذن به تقديم الجار والمجرور. أى وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم، بعد اتخاذ الأسباب التى أمرهم - سبحانه - باتخاذها، فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم - سبحانه - بتأييده ورعايته. ثم ذكرهم - سبحانه - بفضله عليهم وتأييده لهم يوم غزوة بدر فقال - تعالى - : ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ . وبدر: اسم لماء بين مكة والمدينة، التقى عنده المسلمون والمشركون من قريش فى السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان عدد المشركين قريبا من ألف رجل، ومع ذلك كان النصر حليفا للمسلمين. والأذلة - كما يقول الزمخشرى : جمع قلة، وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلين. وذلتهم : ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم : أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم فى حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، ومعهم الشكة والشوكة - أى السلاح والقوة -(١). وإذن فليس المراد بكونهم أذلة أنهم كانوا أضعاف النفوس. أو كانوا راضين بالهوان. وإنما المراد أنهم كانوا قليلى العدد والعدد، فقراء فى الأموال وفى وسائل القتال. وفى هذا التذكير لهم بما حدث فى غزوة بدر، تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيرًا ما تنتصر على الكثرة الفاسقة الظالمة، ولذا فقد ختم - سبحانه - بقوله : ﴿فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾. أى فاتقوا الله بأن تستشعروا هيبته، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، وتفعلوا ما أمركم به لعلكم بذلك تكونون قد قمتم بواجب شكر ما أنعم به عليكم من نعم لا تحصى. ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان يوجهه إليهم النبى وَّر من توجيهات سامية، وإرشادات نافعة فقال - تعالى -: ﴿إذ تقول للمؤمنن ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٤١١. ٢٤٩ سورة آل عمران قال ابن كثير: اختلف المفسرون فى هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين؟ أحدهما : أن قوله - تعالى -: ﴿إذ تقول للمؤمنين) متعلق بقوله ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾، وهذا عن الحسن والشعبى والربيع بن أنس وغيرهم. فعن الحسن فى قوله: ﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم﴾ ... إلخ قال: هذا يوم بدر. وعن الشعبى: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يريد أن يمد المشركين - برجال وسلاح- فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله -تعالى -: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة﴾ إلى قوله: ﴿مسومين﴾ قال: فبلغت كرزًّا الهزيمة فلم يمد المشركين. وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف. فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله فى قصة بدر ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم .. ) إلى قوله: ﴿إن الله عزيز حكيم﴾(١). فالجواب : أن التنصيص على الألف ههنا لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله - تعالى - : ﴿مردفين﴾ بمعنى غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بالسياق فى سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان ببدر. والقول الثانى يرى أصحابه أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم. لكن قالوا : لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا. وزاد عكرمة : ولا بالثلاثة الآلاف لقوله تعالى -: ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا﴾ فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد(٢). ويبدو من كلام ابن كثير أنه يميل إلى أن هذا الوعد كان يوم بدر، فقد قال: فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر .. وهذا ما تسكن إليه النفس : لأن الوعد بنصرة الملائكة للمؤمنين كان يوم بدر لا يوم أحد، فقد كانوا فى بدر قليلى العدد والعدد، وكانت غزوة بدر أول معركة حربية كبرى يلتقى فيها المؤمنون بالكافرين، ولأن سياق الآيات يشعر بأن الله - تعالى - قد ساقها ليستحضر فى أذهان المؤمنين مشهد غزوة بدر وما تم فيها من نصر بسبب صدق إيمانهم، وطاعتهم لنبيهم مَّ حتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة للرسول وَله . (١) سورة الأنفال آية ٩، ١٠. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤٠١. ٢٥٠ المجلد الثانى وعلى هذا الرأى يكون قوله - تعالى -: ﴿إذ تقول للمؤمنين) متعلقا بقوله: ﴿ولقد نصركم﴾ أى: اذكروا أيها المؤمنون أن الله - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة فى العدد والعدة، وكان رسولكم له فى ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ أى منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم. أما على الرأى القائل بأن هذا الوعد كان ى غزوة أحد، فيكون قوله - تعالى - : ﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم﴾ إلخ. بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال﴾. قال الألوسى: ((والهمزة فى قوله: ﴿ألن يكفيكم﴾ لإنكار ألا يكفيهم ذلك. وأتى بلن لتأكيد . النفى، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم. وفى التعبير بعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار. وقوله: ﴿أن يمدكم﴾ فى تأويل المصدر فاعل ﴿يكفيكم). و﴿من الملائكة﴾ بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه. و﴿منزلين﴾ صفة لثلاثة آلاف، وقيل حال من الملاكة))(١) وقوله - تعالى -: ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا﴾ إما من تتمة مقوله ولو للمؤمنين، وإما ابتداء خطاب من الله - تعالى - تأييدًا لقول نبيه ## وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا. وقوله: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد ((لن)) أى، بل يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف. ولكنه -سبحانه- يعدكم بأنكم ﴿إن تصبروا﴾ على قتال أعدائكم وعلى كل ما أمركم الله بالصبر عليه، وتتقوا. أى وتتقوا الله وتخشوه وتجتنبوا معاصيه ﴿ويأتوكم من فورهم هذا﴾ أى ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم، إذا فعلتم ذلك. ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومین﴾، أی یمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة. وقرىء ﴿مسومين) - بالفتح - أى معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال. من التسويم وهو إظهار علامة الشىء. قال صاحب الكشاف: وقوله ﴿من فورهم هذا﴾ من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبى حنيفة - رحمه الله - : الأمر على الفور لا على التراخى، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم (١) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٤٤. ٢٥١ سورة آل عمران سميت به الحالة التى لا ريث فيها. فقيل: خرج من فوره كما تقول: خرج من ساعته. والمعنى: أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه))(١). هذا، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات. أما الأمر الأول فهو: هل أمد الله - تعالى - المؤمنين فى غزوة بدر بهذا العدد الذى ذكر فى هذه الآية؟. والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن الله - تعالى - قد أمد المؤمنين فى بدر بخمسة آلاف من الملائكة، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورًا حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج، أى أمدوا أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف. ثم صاروا خمسة آلاف لا غير، وإلى هذا الرأى ذهب الحسن وقتادة . وقال الشعبى: إن المدد لم يزد على الألف، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربى يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند، فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله - تعالى - : ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم) إلى قوله ﴿مسومين) فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بالخمسة الآلاف أيضًا. أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا به، ولا يثبت شىء من ذلك إلا بنص. فقد قال - رحمه الله - : ((وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه و ليس أنه قال للمؤمنين: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة﴾ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف، إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة فى الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ ولا على أنهم لم يمدوا بهم. وقد يجوز أن يكون الله - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم، وقد يجوز أن یکون لم يمدهم، على نحو الذی ذکره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال فى ذلك قول إلا بخير تقوم الحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن فى القرآن دلالة على أنهم: أمدوا يوم بدر بألف. وذلك قوله - تعالى - : ﴿إِذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾. أما فى أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها فى أنهم أمدوا، (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤١١. ٢٥٢ المجلد الثانى ذلك لأنهم لو أمدوا لم يهزموا ونيل منهم ما نيل منهم))(١). والذى نراه أن رأى ابن جرير هو أقرب الآراء إلى الصواب. وأما الأمر الثانى فهو: إذا كان الله - تعالى - قد أمد المؤمنین بالملائكة فى بدر، فهل كانت وظيفتهم القتال مع المؤمنين أو كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فقط؟ والجواب على ذلك أن كثيرا من العلماء يرى أن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين. قال القرطبى : تظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت. ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا : لو كنت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمتری». وفى صحيح مسلم عن ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمین یوم بدر يشتد فى أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: ((أقدم حيزوم))(٢) فنظر المسلم إلى المشرك أمامه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه. فجاء المسلم إلى رسول الله وَ لّ فحدثه بذلك فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة(٣). ويرى فريق آخر من العلماء أن الملائكة ما قاتلت مع المسلمين يوم بدر، وإنما أمد الله المؤمنين بالملائكة لتثبيت نفوسهم، وتقوية قلوبهم، ولتخذيل المشركين، وإلقاء الرعب فى قلوبهم، فقد قال - تعالى - ﴿إِذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾. ويبدو أن الإِمام ابن جرير الطبرى كان يميل إلى هذا الرأى فقد قال عند تفسيره لقوله -تعالى- ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ أى: قووا عزائمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين، وقيل: كان ذلك بمعونتهم إياهم بقتال أعدائهم)). وقد حكى الألوسى عن أبى بكر الأصم أنه أنكر قتال الملائكة مع المؤمنين فى بدر وأنه قال : ((إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك سائر الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط وأيضا أى فائدة فى إرسال هذا الجمع من الملائكة معه وهو القوى الأمين. وأيضا فإن أكابر الكفار الذين قتلوا فى بدر عرف من قتلهم من المسلمين)). (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٧٩. (٢) حيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة. (٣) تفسير القرطبى بتصرف وتلخيص - جـ ٤ ص ١٩٢ . ٢٥٣ سورة آل عمران ولم يرتض الألوسى ما قاله الأصم بل قال فى الرد عليه : ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك. ثم قال الألوسى فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبى وَ له وتفويض ذلك وكيفيته إلى الله - تعالى - (١). ونرى من كلام الآلوسى أنه يرجح الرأى القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين فى غزوة بدر. ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين فى بدر لأن النصوص الواردة عن النبى 53* صريحة فى ذلك، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم. ولقد سئل الإِمام السبكى : ما الحكمة فى قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟. فأجاب: بأن ذلك الإِرادة أن يكون الفضل للنبى وَّله وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التى أجراها - سبحانه - فى عباده(٢). ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل الله عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - ﴿وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به﴾. أى وما جعل الله - تعالى - الإِمداد الذى أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم، وتطمينا لنفوسكم فالضمير فى ﴿جعله﴾ يعود إلى الإمداد المفهوم وهو الفاعل المقدر المدلول عليه بقوله ((أن يمدكم)) فكأنه قيل: ألن يكفيكم إمداد الله تعالى لكم بما ذكر، وما جعل الله - تعالى - ذلك الإِمداد إلا بشرى لكم، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة، ونفوس قوية. وقوله ﴿بشرى﴾ مفعول لأجله. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أى ما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة لشىء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم. وقوله ﴿لتطمئن قلوبكم به﴾ معطوف على ﴿بشرى﴾ باعتبار موضعه أى ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة. (١) تفسير الآلوسى بتصرف وتلخيص جـ ٤ ص ٤٨. (٢) تفسير القاسمى ص ٩٧. ٢٥٤ المجلد الثانى وإنما جر المصدر المؤول من قوله ﴿ولتطمئن﴾ باللام لاختلال شرط من شروط نصبه على أنه مفعول لأجله، وهذا الشرط هو عدم اتحاد الفاعل. فإن فاعل الجعل هو الله - تعالى -، وفاعل الاطمئنان القلوب، فلذلك نصب المعطوف عليه وهو ﴿بشرى﴾ لاستكمال شروطه. وجر المعطوف وهو ﴿ولتطمئن﴾ لاختلال شرط من شروطه. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾. أى ليس النصر إلا من الله وحده فهو العزيز الذى لا يغالب فى أمره. الحكيم الذى يفعل كل ما يريد فعله حسبما تقتضيه إرادته . فالجملة الكريمة المقصود منها غرس الاعتماد على الله فى قلوب المؤمنين وتفويض أمورهم إليه، وبيان أن النصر إنما هو من الله وحده، وليس من الملائكة أو من غيرهم، لأن الملائكة أو غيرهم أسباب عادية بمعزل عن التأثير، إلا إذا أراد الله ذلك. فهو الخالق للأسباب والمسببات. ولقد حرص القرآن فى كثير من آياته على تثبيت هذا المعنى فى قلوب المؤمنين حتى لا يعتمدوا على الأسباب والوسائل التى بين أيديهم، ويغتروا بها، دون أن يلتفتوا إلى قدرة خالق الأسباب والوسائل، فإنهم إذا اغتروا بالأسباب والوسائل، ونسوا خالقها أتاهم الفشل من حيث لم يحتسبوا وكان أمرهم فرطًا. والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - بتدبر واعتبار بحيث يوقن أن من ورائها خالقا لها، يجب أن يستجيب له فى كل ما أمر أو نهى، وأن يعتمد عليه فى كل شئونه وأحواله. ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى - : ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ . وقوله ﴿ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم﴾ متعلق بقوله ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ وما بينهما تحقيق لحقيته، وبيان لكيفية وقوعه. والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإِهلاك والقتل. والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس. والمراد به هنا طائفة من المشركين. والكبت فى اللغة : صرع الشىء على وجهه. يقال: كبته فانكبت، والمراد به هنا الإِخزاء ٢٥٥ سورة آل عمران والإِذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة. وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء. يقال : خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب. والمعنى : ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة ﴿ليقطع طرفا من الذين كفروا﴾ أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل. وينقص من أرضهم بالفتح، ومن سلطانهم بالقهر، ومن أموالهم بالغنيمة ﴿أو يكبتهم﴾ أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة، حتى يخبو صوت الكفر، ويعلو صوت الإِيمان : وقوله ﴿فينقلبوا خائبين﴾ أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال، غير ظافرين بمبتغاهم. قال الألوسى: ((ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال ﴿ليقطع طرفا﴾ لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته. وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾. وقيل للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ومنه قولهم: هو من أطراف العرب أى من أشرافهم، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير .. فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر. وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين))(١). و﴿أو﴾ فى قوله ﴿أو يكبتهم﴾ للتنويع. لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين، فهى مانعة خلو، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت. وعبر عن عودتهم خائبين بقوله ﴿فينقلبوا خائبين﴾ للإشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت، فقد کانوا یقصدون إطفاء نور الإسلام فخاب قصدهم، وطاش سهمهم، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديدهم، وتركوا خلفهم فى الأسر العشرات من رجالهم. أما الإِسلام فقد ازداد نوره تألقا، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم. ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين. وقوله ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أى: ليس لك من أمر الناس شىء، وإنما أمرهم إلى الله وحده، أما أنت فوظيفتك التبليغ والإِرشاد ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. (١) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٤٩. ٢٥٦ المجلد الثانى وقوله ﴿أو يتوب عليهم﴾. أى مما هم فيه من الكفر فيهديهم إلى الإِسلام بعد كفرهم وضلالهم. وقوله ﴿أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ أى أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة على كفرهم واجتراحهم للسيئات، فإنهم بذلك يكونون مستحقين للعقاب، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فهم الذين صموا آذانهم عن الحق واستحبوا العمى على الهدى. وعلى هذا يكون قوله - تعالى - ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ جملة معترضة بين المتعاطفات ويكون تقدير الآيتين هكذا : ولقد نصركم الله ببدر ليهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم فى الدنيا والآخرة بسبب ظلمهم، وليس لك من أمرهم شىء، إنما أنت رسول من عند الله - تعالى - مأمور بإنذارهم وجهادهم. وقد رجح هذا الوجه صاحب الكشاف فقال: وقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شىء إنما أنت عبد مبعوث لإِنذارهم ومجاهدتهم .. وقيل إن ﴿أو﴾ بمعنى ((إلا أن)) كقولك : لألزمنك أو تقضینی حقی، على معنى ليس لك من أمرهم شىء إلا أن يتوب عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم(١). فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد بينتا أحوال الكافرين فى غزوة بدر أكمل بيان، لأن فريقًا منهم قد قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقًا كبتوا وذلوا، وفريقا من الله عليهم بالإِسلام فأسلموا، وفريقًا عذبوا بالموت على الكفر أو عذبوا فى الدنيا بالذل والصغار. و((أو)) التى جىء بها بين هذه الجمل للتقسيم. هذا، وقد روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ روايات منها ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبى و # كسرت رباعيته يوم أحد وشج فى وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم - عز وجل - فأنزل الله - تعالى - ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ . ومنها ما أخرجه البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله # كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو (١) تفسير الكشاف جـ١ ص ٤١٣ بتلخيص. ٢٥٧ سورة آل عمران يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده: ((اللهم ربنا ولك الحمد. اللهم أنج الوليد بن الوليد. وسلمة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها علیهم سنین کسنی يوسف)) يجهر بذلك. وكان يقول فى بعض صلاته فى صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا ((لأحياء من العرب)) حتى أنزل الله - تعالى -: ﴿ليس لك من الأمر شىء﴾(١). ثم ختم - سبحانه - هذا التذكير بما جرى فى غزوة بدر ببيان قدرته الشاملة، وإرادته النافذة فقال - سبحانه -: ﴿ولله ما فى السموات وما فى الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم﴾ أى لله جميع ما فى السموات وما فى الأرض ملكاً وتصرفا وتدبيرا لا ينازعه فى ذلك منازع ولا يعارضه معارض، وهو - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وكرما، ويعذب من يشاء أن يعذبه عدلا منه ﴿والله غفور﴾ أى كثير المغفرة يحبها ويريدها، ﴿رحيم﴾ أى واسع الرحمة بعباده، لا يؤاخذهم بكل ما اكتسبوه من ذنوب بل يعفو عن كثير منها. وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت الحديث عن غزوة أحد باستحضار بعض أحداثها، وبتذكير المؤمنين بما همّ به بعضهم قبل أن تبدأ المعركة، ثم بتذكيرهم بمعركة بدر . وما تم لهم فيها من نصر مؤزر منحه الله لهم مع قلتهم وضعفهم، حتى يعرفوا أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد وإنما النصر يتأتى مع صفاء النفوس، ونقاء القلوب، ومضاء العزائم والطاعة التامة لله ولرسوله وَله، وحتى لا يعودوا إلى ما حدث من بعضهم فى غزوة أحد من مخالفة رسول الله وَملتر، ومن طمع فى زينة الحياة الدنيا. وبعد هذا التذكير الحكيم والتوجيه السديد، وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن تعاطى الربا، وأمرهم بتقوى الله وبطاعته وطاعة رسوله * وبالمسارعة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرته ورضوانه فقال - تعالى -: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَأْكُلُواْالْرِّبَوْأَضْعَفًّا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ ، وَأَتَّقُواْ النَّارَ اُلَِّى أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ اللَّ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٣١ ١٣٢ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١) تفسير ابن کثیر جـ١ ص ٤٠. ٢٥٨ المجلد الثانى وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍمِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَمَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ () وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُوَ أْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٣) أُوْلَبِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ، قال الإمام الرازى ما ملخصه: اعلم أن من الناس من قال : إن الله - تعالى - لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم فى أمر الدين وفى أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل فى الأمر والنهى والترغيب والترهيب فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾. وقال القفال: يحتمل أن تكون هذه الآية متصلة بما قبلها من جهة أن المشركين فى غزوة أحد أنفقوا على عساكرهم أموالا كثيرة جمعوها من الربا، ولعل ذلك يصير داعيًا للمسلمين إلى الإِقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر، ويتمكنوا من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله عن ذلك. وكان الرجل فى الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم - مثلا - إلى أجل، فإذا حل الأجل ولم يكن المدين واجدا لذلك المال قال: زدنى فى المال حتى أزيد فى الأجل، فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثانى فعل مثل ذلك ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله ﴿أضعافا مضاعفة﴾(١). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٩ ص ٣. طبعة عبد الرحمن محمد. ٢٥٩ سورة آل عمران وقد ابتدأ - سبحانه - الآية بالنداء بقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ لبيان أن أكل الربا ليس من شأن المؤمنين، وإنما هو من سمات الكافرين والفاسقين. وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطى الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا الفعل القبيح، وأن يتحروا الحلال فی کل أمورهم. وخصه بالنهى لأنه كان شائعًا فى ذلك الوقت، ولأنه - كما يقول القرطبى - هو الذى أذن فيه بالحرب فى قوله - تعالى - ﴿فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول لهم: إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم(١). والمراد من الأكل الأخذ، وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد به، ولشيوعه فى المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع. والربا معناه الزيادة، والمراد بها هنا تلك الزيادة التى كانت تضاف على الدين. قال الإِمام ابن جرير: عن عطاء قال : كانت ثقيف تداين بنى المغيرة فى الجاهلية، فإذا حل الأجل قالوا : نزیدکم وتؤخرون. وقال ابن زيد: كان أبى - زيد بن ثابت - يقول: إنما كان ربا الجاهلية فى التضعيف. يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: ((تقضينى أو تزيدنى))(٢). وقوله ﴿أضعافا﴾ حال من الربا، وقوله ﴿مضاعفة﴾ صفة له. والأضعاف جمع ضعف. وضعف الشىء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله. وهذا القید وهو قوله « أضعافا مضاعفة )) لیس لتقیید النهی به، أی لیس النهى عن أكل الربا فى هذه الحالة وإباحته فى غيرها، بل هذا القيد لمراعاة الواقع، ولبيان ما كانوا عليه فى الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدى إلى استئصال المال، ولتوبيخ من كان يتعاطى الربا بتلك الصورة البشعة . وقد حرم الله - تعالى - أصل الربا ومضاعفته، ونفر منه تنفيرًا شديدًا، فقال - تعالى - ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ . وهذا النوع من الربا الذى نهى الله - تعالى - عنه هنا بقوله: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ هو الذى يسمى عند الصحابة والفقهاء بربا النسيئة، أو ربا الجاهلية (١) تفسير القرطبی جـ ٤ ص (٢) تفسير ابن جرير الطبری جـ ٤ ص ٩٠. ٢٦٠ المجلد الثانى وقد حرمه الإِسلام تحريماً قاطعا. فقد قال الرسول و 18 فى خطبة الوداع: ((ألا إن ربا الجاهلية موضوع - أى مهدر- وأول ربا أبدأ به ربا عمى العباس بن عبد المطلب. )). وقال الإِمام أحمد بن حنبل : إن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه. ويقابل هذا النوع من الربا، ربا البيوع وهو الذى ورد فى حديث النبى # الذى يقول فيه : ((البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد، والتمر بالتمر مثلا بمثلا يدا بيد، والملح بالملح مثلا بمثل یدا بید، فمن زاد أو استزاد فقد أربى)). وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لابد أن يكون بغير زيادة إذا كانت بمثلها كقمح بقمح، ولابد من قبضها. وإذا اختلف الجنس كقمح بشعير جازت الزيادة، ولابد من القبض فى المجلس، والتأخير يسمى ربا النساء، والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل. وللفقهاء فى هذا الموضوع مباحث طويلة فليرجع إليها من شاء فى مظانها. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشيته وتقواه فقال: ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون). أى: واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية، لعلكم بذلك تنالون الفلاح فى الدنيا والآخرة. ثم حذرهم - سبحانه - من الأعمال التى تقضى بهم إلى النار فقال : ﴿واتقوا النار التى أعدت للكافرين﴾. أى: صونوا أنفسكم. واحترزوا من الوقوع فى الأعمال السيئة كتعاطى الربا وما يشابه ذلك، لأن الوقوع فى هذه الأعمال السيئة يؤدى بكم إلى دخول النار التى هيئت للكافرين. وفى التعقيب على النهى عن تعاطى الربا بتقوى الله وباتقاء النار، إشعار بأن الذى يأكل الربا يكون بعيدا عن خشية الله وعن مراقبته، ويكون مستحقا لدخول النار التى أعدها الله - تعالى - للكافرين والفاسقين عن أمره. قال صاحب الكشاف: ((كان أبو حنيفة - إذا قرأ هذه الآية ﴿واتقوا النار التى أعدت للكافرين﴾ يقول: هى أخوف آية فى القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه فى اجتناب محارمه))(١). ثم بعد هذا التحذير الشديد للمؤمنين من ارتكاب ما نهى الله عنه، أمرهم - سبحانه - بطاعته وطاعة رسوله فقال : ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾. (١) تفسیر الکشاف جـ١ ص ٤١٤.