Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة آل عمران فقال: هذا فى سبيل الله. فقال رسول الله - ﴿ لأسامة بن زيد: أقبضه، فكان زيدا وجد من ذلك فى نفسه، فقال رسول الله ﴿ ﴿ ((إن الله قد قبلها منك)). وأعتق عبد الله بن عمر نافعًا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار، قالت صفية بنت أبى عبيد: أظنه تأول قول الله - تعالى - ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وقال الحسن البصرى: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون(١). وهكذا نرى أن السلف الصالح قد قدموا ما يحبون من أموالهم وغيرها تقربا إلى الله -تعالى- وشكرًا له على نعمائه وعطائه، فرضى الله عنهم وأرضاهم. ثم عاد القرآن الكريم إلى الرد على اليهود الذين جادلوا النبى وَ له فى كثير من القضايا، بعد أن ذكر فى الآيات السابقة طرفا من مسالكهم الخبيثة التى منها تواصيهم فيما بينهم بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره، وقد حكى هنا جدلهم فيما أحله الله وحرمه من الأطعمة فقال - تعالى - : كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِلََّ مَاحَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَنَّةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ ﴾ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اَللَّهِالْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَبِكَ ٩٣ هُمُ الَّلِمُونَ ﴿٧) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إَِّهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ! ٩٥ ذكر بعض المفسرين أن النبى ◌َ ﴿ قال ((لليهود فى معرض مناقشته لهم: أنا على ملة إبراهيم. فقال بعض اليهود: كيف تدعى ذلك وأنت تأكل لحوم الإِبل وألبانها؟ فقال النبى وَ ر، كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله. فقالوا: كل شىء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه (١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ١٣٣. ١٨٢ المجلد الثانى كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فأنزل الله هذه الآيات تكذيبا لهم))(١). والطعام : مصدر بمعنى المطعوم، والمراد به هنا كل ما يطعم ويؤكل. وحلا : مصدر أيضًا بمعنى حلالا، والمراد الإِخبار عن أكل الطعام بكونه حلالا، لا نفس الطعام، لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات. وإسرائيل : هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام -. والمعنى : كل أنواع الأطعمة كانت حلالا لبنى إسرائيل قبل نزول التوراة إلا شيئا واحدا كان محرما عليهم قبل نزولها وهو ما حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه، فإنهم حرموه على أنفسهم اقتداء به، فلما أنزل الله التوراة حرم عليهم فيها بعض الطيبات بسبب بغيهم وظلمهم. هذا هو الحق الذى لا شك فيه، فإن جادلوك يا محمد فى هذه المسألة فقل لهم على سبيل التحدى: أحضروا التوراة فاقرءوها ليتبين الصادق منا من الكاذب، إن كنتم صادقين فى زعمكم أن ما حرمه الله عليكم فيها كان محرما على نوح وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام -. فالآية الكريمة قد تضمنت أمورًا من أهمها : أولاً: إبطال حجتهم فيما يتعلق بقضية النسخ، إذ زعموا أن النسخ محال، واتخذوا من كون النسخ مشروعا فى الإسلام ذريعة للطعن فى نبوة النبى بيّ ر فدحض القرآن مدعاهم وألزمهم الحجة عن طريق كتابهم. ولذا قال الإِمام ابن كثير: الآية مشروع فى الرد على اليهود، وبيان بأن النسخ الذى أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله - تعالى - قد نص فى كتابهم التوراة أن نوحا - عليه السلام - لما خرج من السفينة أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فاتبعه بنوه فيما حرم على نفسه، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وبتحريم أشياء زيادة على ذلك - عقوبة لهم بسبب بغيهم وظلمهم. وهذا هو النسخ بعينه)»(٢). وقد صرح ابن كثير وغيره من المفسرين أن ما حرمه إسرائيل على نفسه هو لحوم الإِبل وألبانها، وبذلك جاءت بعض الروايات عن النبى ◌َلقر وكان تحريمه لها تعبدا وزهادة وقهرا للنفس طلبا لمرضاة الله - تعالى -. (١) تفسير الآلوسى جـ ٤ ص ٣ - بتصرف يسير -. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٨٢ - بتصرف وتلخيص -. ١٨٣ سورة آل عمران وقيل إن ما حرمه على نفسه هو العروق. روى ذلك عن ابن عباس والضحاك والسدى موقوفا عليهم. قالوا : كان يعتريه عرق النسا وهو عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ويسبب آلاما شديدة - فنذر إن عوفى منه لا يأكل عرقا، فلما شفاه الله ترك أكل العروق وفاء بنذره. ثانيا : تضمنت أيضا تكذيبهم فى دعواهم أن ما حرم عليهم لم يكن سبب تحريمه ظلمهم أو بغيهم، وإنما كان محرما على غيرهم ممن سبقهم من الأمم. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: ((وهو - أى ما اشتملت عليه الآية - رد على اليهود وتكذيب لهم، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم فى قوله - تعالى - ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ وحيث أرادوا جحود ما غاظهم بسبب ما نطق به القرآن من أن تحريم الطيبات عليهم كان لأجل بغيهم وظلمهم فقالوا : لسنا بأول من حرمت عليه هذه الأشياء، وما هو إلا تحريم قديم، كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده من بنى إسرائيل وهلم جرا، إلى أن انتهى التحريم إلينا، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغى والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا. وما عدد من مساويهم التى كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم الله عليهم نوعا من الطيبات عقوبة لهم))(١). ثالثًا: تضمنت الآية كذلك أمرًا من الله - تعالى - لنبيه وَلّر بأن يتحداهم بالتوراة ويبكتهم بما نطقت به، وذلك بقوله - تعالى - فى الآية الكريمة ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقین﴾ . فكأنه - سبحانه - يقول لهم : ما دمتم - يا معشر اليهود - قد زعمتم أن ما حرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم ليس تحريما حادثا، وإنما هو تحريم قديم على الأمم قبلكم، فها هى ذى التوراة قريبة منكم فأحضروها واتلوها بإمعان وتدبر إن كنتم صادقين فى مدعاكم. والتعبير بـ ((إن)) يشير إلى عدم صدقهم، لأنها تدل على الشك فى الشرط. أى: هم ليسوا صادقين فيما يزعمون، ولذلك لا يتلون ولا يقرؤون، ولو جاءوا بها لكانت مؤيدة لما أخبر به القرآن الكريم، ولذلك لم يجسروا على إخراج التوراة، وبهتوا وانقلبوا صاغرين. وفى ذلك الحجة البينة على صدق النبى تَّر. وقوله ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ مستثنى من اسم كان، والتقدير: كل الطعام كان (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٨٥. ١٨٤ المجلد الثانى حلالا لبنی إسرائیل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فإنه قد حرم عليهم فى التوراة، ولیس منه ما زادوه من محرمات وادعوا صحة ذلك. ثم توعدهم - سبحانه - على كذبهم وجحودهم فقال - تعالى -: ﴿فمن افترى على الله - الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون﴾. افترى: من الافتراء وهو اختلاق الكذب، وأصله من فرى الأديم إذا قطعه؛ لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له فى الوجود. أى : فمن تعمد الكذب على الله - تعالى - بأن زعم بأن ما حرمته التوراة على بنى إسرائيل من المطاعم بسبب ظلمهم وبغيهم، كان محرما عليهم وعلى غيرهم قبل نزولها، فأولئك الذين قالوا هذا القول الكاذب هم المتناهون فى الظلم : المتجاوزون للحدود التى شرعها الله -تعالى-، وسيعاقبهم - سبحانه - على هذا الظلم والافتراء عذابًا أليما لا مهرب لهم منه ولا نصیر. والفاء فى قوله ﴿فمن افترى﴾ للتفريع، و﴿من﴾ يحتمل أن تكون شرطية وأن تكون .. موصولة، وقد روعى فى الآية الكريمة لفظها ومعناها. وقوله ﴿من بعد ذلك﴾ متعلق بافترى، واسم الإشارة ذلك يعود إلى أمرهم بإحضار التوراة وما يترتب عليه من قيام الحجة وظهور البينة. واسم الإِشارة (أولئك)) يعود إلى ((من)) وهو عبارة عن هؤلاء اليهود الذين جادلوا النبى وَلقة. بالباطل وافتروا على الله الكذب. ويحتمل أن يكون المشار إليه وهو ﴿من﴾ عاما لكل كاذب ويدخل فيه اليهود دخولا أوليا. وقد أكد الله - تعالى - وصفهم بالظلم بضمير الفصل الدال على أنهم كاملون فيه، وموغلون فى اقترافه والتمسك به. ٠ ثم أمر الله - تعالى - نبيه و أن يدعوهم إلى اتباع ملة إبراهيم إن كانوا حقا يريدون اتباعها فقال - تعالى -: ﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا﴾ أى: قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين جادلوك بالباطل ولكل من كان على شاكلتهم فى الكذب والظلم، قل لهم جميعا: صدق الله فيما أخبرنا به فى قوله - تعالى - ﴿كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ وفى كل ما أخبرنا به فى كتابه وعلى لسان رسوله. وأنتم الكاذبون فى دعواكم . وإذا كنتم تريدون الوصول إلى الطريق القويم حقا ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا﴾ أى فاتبعوا ١٨٥ سورة آل عمران ملة الإِسلام التى عليها محمد ◌ّ ﴿ وعليها من آمن به، فهم المتبعون حقا لإِبراهيم - عليه السلام - وهم أولى الناس به، لأن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما. أى كان متجها إلى الحق لا ينحرف عنه إلى غيره من الأديان أو الأقوال أو الأفعال الباطلة . وكان مسلما، أى كان مسلما وجهه لله، مفردا إياه بالعبادة والطاعة والخضوع ثم نفى الله -تعالى- عن إبراهيم كل لون من ألوان الشرك بأبلغ وجه فقال ﴿وما كان من المشركين﴾. أى ما كان إبراهيم فى أى أمر من أموره من الذين يشركون مع الله آلهة أخرى، وإنما كان مخلصا عبادته لله وحده. وفى ذلك تعريض بشرك اليهود وغيرهم من أهل الكفر والضلال، وتنبيه إلى أن النبى وَل وأتباعه هم المتبعون حقا لإِبراهيم، فقد أمر الله - محمدًا وَ﴿ أن يسير على طريقة أبيه إبراهيم فقال: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾(١). وبذلك نرى أن الآيات الكريمة قد حكت قضية من القضايا الكثيرة التى جادل اليهود فيها النبى وَّر، وقد لقنت الآيات النبى صل الجواب الذى يخرس ألسنتهم، ويكشف عن كذبهم. وافترائهم وظلمهم، ويرشدهم ويرشد كل من يتأتى له الخطاب إلى الملة القويمة إن كانوا حقًّا يريدون الاهتداء إلى الصراط المستقيم. ثم أخبر القرآن عن مسألة أخرى جادل اليهود فيها النبى وَير وهى مسألة أفضلية المسجد. الحرام على غيره من المساجد، وقد رد القرآن عليهم وعلى أمثالهم فى الكفر والعناد بما يثبت أن المسجد الحرام الذى نازعوا فى أفضليته هو أفضل المساجد على الإطلاق فقال تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى. بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ آ فِيهِ ءَايَتُ بَيِّنَكُ مَّقَامُ إِنَْهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّاً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنْ أَسْتَ طَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ٩٧ :٠ (١) سورة النحل الآية ١٢٣. ۔۔ ١٨٦ المجلد الثانى قال الفخر الرازى ما ملخصه : فى اتصال هاتين الآيتين بما قبلهما وجوه : الأول: أن المراد منهما الجواب عن شبهة أخرى من شبهات اليهود فى إنكار نبوة محمد دوله وذلك لأنه لما حولت القبلة إلى الكعبة طعن اليهود فى نبوته وقالوا : إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة وهو أرض المحشر، وقبلة جملة الأنبياء، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة إلى الكعبة باطلا، فأجاب الله عنه بقوله : ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة﴾ فبين - سبحانه - أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف فكان جعلها قبلة أولى))(١). والمراد بالأولية أنه أول بيت وضعه الله لعبادته فى الأرض، وقيل المراد بها كونه أولا فى الوضع وفى البناء، ورووا فى ذلك آثارا ليس فيها ما يعتمد عليه. وبكة : لغة فى مكة عند الأكثرين، والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيرًا، ومنه النميط والنبيط فهما اسم لموضع. وقيل هما متغايران : فبكة موضع المسجد ومكة اسم البلد بأسرها . وأصل كلمة بكة من البك وهو الازدحام. يقال تباك القوم إذا تزاحموا، وكأنها سميت بذلك الازدحام الحجيج فيها. والبك أيضًا دق العنق، وكأنها سميت بكة لأن الجبابرة تندق أعناقهم إذا أرادوها بسوء. وقيل إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا قل لبنها، وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها. والمعنى : إن أول بيت وضعه الله - تعالى - للناس فى الأرض ليكون متعبدًا لهم، هو البيت الحرام الذى بمكة، حيث يزدحم الناس أثناء طوافهم حوله، وقد أتوا إليه رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم. روى الشيخان عن أبى ذر قال: ((قلت يا رسول الله: أى مسجد وضع فى الأرض أول؟ قال : المسجد الحرام. قلت: ثم أى؟ قال المسجد الأقصى. قلت : كم بينهما؟ قال : أربعون سنة، ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصل. والأرض لك مسجد))(٢). قالوا : وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد منه فقال : معلوم أن سليمان بن داود هو الذى بنى المسجد الأقصى، والذى بنى المسجد الحرام هو إبراهيم وابنه إسماعيل، وبينهما وبين سليمان أكثر من ألف سنة فكيف قال وَلي: إن بين بناء المسجدين أربعين سنة! (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ١٥١. (٢) أخرجه البخارى فى كتاب الأنبياء جـ ٤ ص ١٩٧، وأخرجه مسلم فى كتاب المساجد ومواضع الصلاة جـ ٢ ص ٦٣. ١٨٧ سورة آل عمران والجواب أن الوضع غير البناء، فالذى أسس المسجد الأقصى ووضعه فى الأرض بأمر الله سيدنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وبين إبراهيم ويعقوب هذه المدة التى جاءت فى الحديث، أما سليمان فلم يكن مؤسسًا للمسجد الأقصى أو واضعًا له وإنما كان مجددا فلا إشكال ولا منافاة . وإذن فالبيت الحرام أسبق بناء من المسجد الأقصى، وأجمع منه للديانات السماوية، وهو - أى البيت الحرام- أول بيت جعل الله الحج إليه عبادة مفروضة على كل قادر على الحج، وجعل الطواف حوله عبادة، وتقبيل الحجر الأسود الذى هو ضمن بنائه عبادة .. ولا يوجد بيت سواه فى الأرض له من المزايا والخصائص ما لهذا البيت الحرام. وبذلك ثبت كذب اليهود فى دعواهم أن المسجد الأقصى أفضل من المسجد الحرام، وأن فى تحول الرسول وَلهل إلى الكعبة فى صلاته مخالفة للأنبياء قبله. ثم مدح الله - تعالى - بيته بكونه ﴿مباركا﴾ أى كثير الخير دائمه، من البركة وهى النماء والزيادة والدوام. أى أن هذا البيت كثير الخير والنفع لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف فيه، أو طاف حوله، بسبب مضاعفة الأجر، وإجابة الدعاء، وتكفير الخطايا لمن قصده بإيمان وإخلاص وطاعة الله رب العالمين. وإن هذا البيت فى الوقت ذاته وفير البركات المادية والمعنوية. فمن بركاته المادية : قدوم الناس إليه من مشارق الأرض ومغاربها ومعهم خيرات الأرض، يقدمونها على سبيل تبادل المنفعة تارة وعلى سبيل الصدقة تارة أخرى لمن يسكنون حول هذا البيت الحرام، إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم حيث قال : ﴿ربنا إنى أُسكنت من ذریتی بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾(١) ومن بركاته المعنوية: أنه مكان لأكبر عبادة جامعة للمسلمين وهى فريضة الحج، وإليه يتجه المسلمون فى صلاتهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأماكنهم . وقوله ﴿مباركا﴾ حال من الضمير فى ((وضع)). ثم مدحه بأنه ﴿هدى للعالمين﴾ أى بذاته مصدر هداية للعالمين، لأنه قبلتهم ومتعبدهم، وفى استقباله توجيه القلوب والعقول إلى الخير وإلى ما يوصلهم إلى رضا الله وجنته. (١) سورة إبراهيم الآية ٣٧. ١٨٨ المجلد الثانى ثم مدحه - ثالثا - بقوله: ﴿فيه آيات بينات﴾ أى فيه علامات ظاهرات، ودلائل واضحات تدل على شرف منزلته، وعلو مكانته. وهذه الجملة الكريمة مستأنفة لبيان وتفسير بركته وهداه. ثم بين - سبحانه - بعض هذه الآيات البينات الدالة على عظمه وشرفه فقال : ﴿مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾. فالآية الأولى الدالة على عظم وشرف البيت الحرام ﴿مقام إبراهيم﴾ أى المقام المعروف بهذا الاسم. وهو الموضع الذى كان يقوم فيه إبراهيم تجاه الكعبة لعبادة الله - تعالى - ولإِتمام بناء الكعبة ومعنى أن فى البيت مقام إبراهيم أى أنه فى فنائه ومتصل به. قال ابن كثير: عن جابر - رضى الله عنه - أن رسول الله وَلقول رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين. والمراد بالمقام إنما هو الحجر الذى كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل بهذا الحجر ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار ... : ثم قال : وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلى الحجر منة الداخل من الباب فى البقعة المستقلة هناك. وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى ناحية المشرق حيث هو الآن. ليتمكن الطائفون من الطواف، وليصلى المصلون عنده دون تشويش عليهم من الطائفين(١). وقوله: ﴿مقام إبراهيم﴾ مبتدأ محذوف الخبر أى مقام إبراهيم منها أى من هذه الآيات البينات. أو خبر لمبتدأ محذوف أى فيه آيات بينات أحدها مقام إبراهيم. وقد رجح ابن جرير أن قوله - تعالى - ﴿مقام إبراهيم﴾ هو بعض الآيات البينات التى فى البيت الحرام فقال: وأولى الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب قول من قال : الآيات البينات منهن مقام إبراهيم. وهو قول قتادة ومجاهد الذى رواه معمر عنهما فيكون الكلام مرادا فيه منهن فترك ذكره اكتفاء بدلالة الكلام عليها. فإن قال قائل: فهذا المقام من الآيات البينات فما سائر الآيات التى من أجلها قيل ﴿آيات بينات﴾؟ قيل: منهن المقام، ومنهن الحجر، ومنهن الحطيم))(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٧٠ بتصرف وتلخيص. (٢) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ١١. ٠٠٠ ١٨٩ سورة آل عمران وقال ابن عطية : والراجح عندى أن المقام وأمن الداخلين جعلا مثالا لما فى حرم الله من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم))(١). وأما الآية الثانية التى تدل على فضل هذا البيت وشرفه فقد بينها القرآن بقوله: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾. أى من التجأ إليه أمن من التعرض له بالأذى أو القتل قال - تعالى -: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم﴾ وفى ذلك إجابة لسيدنا إبراهيم حيث قال - كما حكى القرآن عنه -: ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام﴾ ولا شك أن فى أمن من دخل هذا البيت أكبر آية على تعظيمه وعلى علو مكانته عند الله؛ لأنه موضع أمان الناس فى بيئة تغرى بالاعتداء لخلوها من الزرع والنبات. وفى الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن أبى شريح العدوى أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث لمكة - يعنى لقتال عبد الله بن الزبير - : ائذن لى أيها الأمير أن أحدثك قولا قال به رسول الله ﴿ الغد من يوم الفتح، - سمعته أذنای ووعاه قلبى، وأبصرته عینای - حین تكلم به - (٢): إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله وَّر فيها - أى أخذ فيه بالرخصة - فقولوا له : إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لى فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبى شريح: ما قال لك عمرو؟ فقال أبو شريح: قال لى يا أبا شريح أنا أعلم بذلك منك. إن الحرم لا يعيذ عاصيا - أى لا يجيره ولا يعصم دمه - ولا فارًا بدم - أى أن الحرم لا يجير إنسانًا هاربًا إليه لسبب من الأسباب الموجبة للقتل - ولا فارًا بخربة - أى بسبب سرقة أو خيانة(٣) ولقد كان أهل الجاهلية يعظمون المسجد الحرام - وخصوصا أهل مكة- فلما جاء الإِسلام أقر له هذه الميزة وزكاها، ووضع لها الضوابط والأحكام التى تضمن استعمالها فى الوجوه التى شرعها الله . (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٩٧. (٢) أراد بقوله: سمعته أذناى ... إلخ المبالغة فى تحقيق حفظه إياه، وتيقنه من زمانه ومكانه ولفظه. (٣) أخرجه البخارى فى كتاب العلم. باب فليبلغ الشاهد الغائب جـ ١ ص ٣٧ وأخرجه مسلم فى كتاب الحج جـ ٤ ص ١٠٩. ٠٠٠ ١٩٠ المجلد الثانى فقد اتفق الفقهاء على أن من جنى فى الحرم جناية فهو مأخوذ بجنايته سواء أكانت فى النفس أم فیما دونها. واختلفوا فيمن جنى فى غير الحرم ثم لاذ إليه. فقال أبو حنيفة وابن حنبل : إذا قتل فى غير الحرم ثم دخل الحرم لا يقتص منه ما دام فيه، ولكن لا يجالس ولا يعامل ولا يؤاكل إلى أن يخرج منه فيقتص منه. وإن كانت جنايته فيما دون النفس فى غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه . وقال مالك والشافعى يقتص منه فى الحرم لذلك كله كما يقتص منه فى الحل. ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه. ثم أخبر - سبحانه - عن وجوب الحج على كل قادر عليه فقال: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين﴾. أى أن الله - تعالى - فرض على الناس أن يحجوا بيته فى أوقات معينة وبكيفية مخصوصة متى كان فى استطاعتهم أداء هذه الفريضة. ﴿ومن كفر﴾ أى من جحد فرضية الحج وأنكرها، ولم يؤدها مع استطاعته وقدرته على أدائها فإن الله غنى عنه وعن حجه وعن الناس جميعًا. قال صاحب الكشاف: وفى هذا الكلام أنواع من التأكيد والتشديد منها قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ يعنى أنه حق واجب لله فى رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل منه من استطاع إليه سبيلا وفيه ضربان من التأكيد : أحدهما : أن الإِبدال تثنية للمراد وتكرير له. والثانى: أن الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له فى صورتين مختلفتين. ومنها قوله: ﴿ومن كفر﴾ مكان ومن لم يحج تغليظا على تارك الحج، ولذلك قال رَصاحبه: من مات ولم يحج فليمت إن شاء الله يهوديًا أو نصرانيًا ومنها ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ومنها قوله: ﴿عن العالمين) ولم يقل عنه، لأن فيه الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة ولأنه يدل على. الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط (١). وقوله: ﴿ولله﴾ خبر مقدم متعلق بمحذوف أى واجب. ﴿على الناس﴾ متعلق بهذا المحذوف. وقوله: ﴿حج البيت﴾ مبتدأ مؤخر. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٩٠. ١٩١ سورة آل عمران والناس عام مخصوص بالمستطيع، وقد خصص ببدل البعض فى قوله : ﴿من استطاع إليه سبيلا) إذ هذه الجملة بدل من الناس بدل البعض من الكل. والضمير فى البدل مقدر أى من استطاع منهم إليه سبيلا. و((من)) فى قوله: ﴿ومن كفر﴾ يحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، وعلى الاحتمالين استغنى فيا بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر إذ الأصل ومن كفر فإن الله غنى عنه فاستغنى بالظاهر عن المضمر. قال ابن كثير: والجمهور يرى أن هذه الآية هى آية وجوب الحج. وقيل بل هى آية ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإِسلام ودعائمه وقوائمه، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضرويًا وإنما يجب على المكلف فى العمر مرة واحدة بالنص والإجماع فعن أبى هريرة قال: خطبنا رسول الله - مصر - فقال: ((يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل : أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله وَلي: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شىء فدعوه)). وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: ((قام رجل إلى رسول الله وَله فقال: ما السبيل يا رسول الله، فقال: الزاد والراحلة)»(١): وبذلك تكون هاتان الآيتان والآيات التى قبلهما قد ردت على اليهود فى دعواهم أن ما حرمه الله عليهم من طيبات لم يكن عقوبة لهم بسبب ظلمهم وبغيهم، وكذبتهم فى دعواهم أن بيت المقدس أفضل من المسجد الحرام. وقد اشتمل هذا الرد على ما يثبت افتراءهم من واقع التاريخ، فقد أمر الله - تعالى - النبى * أن يطالبهم بإحضار التوراة إن كانوا صادقين فى دعواهم، فبهتوا وانقلبوا صاغرين، وأثبت القرآن أن البيت الحرام أول بيت وضع فى الأرض لعبادة الله، فهو يسبق بيت المقدس فى أولوية الشرف والزمان. وإذن فجدال اليهود للنبى فى هذه الأمور ما هو إلا نوع من عنادهم وجحودهم للحق، والمعاند والجاحد لا ينفع معهما دليل أو برهان. وبعد هذا الرد المفحم من القرآن على اليهود فى هاتين القضيتين - قضية ما حرم عليهم من الأطعمة وقضية نزاعهم فى أفضلية البيت الحرام - بعد كل ذلك ساق القرآن طرفا من (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٨٥. ١٩٢ , المجلد الثانى . مسالكهم الخبيثة لكيد الإِسلام والمسلمين عن طريق محاولتهم الدس والوقيعة وإثارة الفتنة بين المؤمنين. وقد حذر الله المؤمنين من شرورهم بعد أن وبخ اليهود على مكرهم، وتوعدهم بسوء المصير. استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه الحكيم فيقول : قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ؟ قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَّصُدُّونَ عَن ٩٨ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا ◌َللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَبَقَامِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ يُدُّوكُمْ بَعْدَإِيَتِكُمْ كَفِرِينَ ١٠٠ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولٌ،وَ مَن يَعْنَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ١٠١ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواُْتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّإِلَّ وَأَنْتُمِ ﴾ وَاعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ١٠٢ مُسْلِمُونَ وَاذْكُرُواْنِعْمَتَ الَّهِ عَلَيْكُمْ إِذَ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَاهُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَدَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْنَهْتَدُونَ ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغُرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ () وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِنَُّ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠٥٠ ١٩٣ سورة آل عمران أخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس - وكان شيخًا قد عسا(١) فى الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم - مر على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج فى مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإِسلام، بعد الذى كان بينهم من العداوة فى الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بنى قيلة (٢) بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له: اعمد إليهم فاجلس معهم، وذكرهم یوم بعاث، وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار - وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج - ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب : أوس بن قيظى من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله ردناها الآن جذعة(٣)، وغضب الفريقان وقالوا : قد فعلنا، السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة : الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التى كانوا عليها فى الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله وعليه فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم. فقال يا معشر المسلمين : الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإِسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفروألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله لتر سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس، وما صنع. فأنزل الله فى شاس بن قيس وما صنع ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون ﴾ الآية وأنزل فى أوس بن قيظی وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا ﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب﴾ .. إلى قوله ﴿وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ (٤) - فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم -. وقوله - تعالى -: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾ أمر من الله - تعالى - لنبيه (١) عسا الشيخ: كبر وأسن من عسا القضيب إذا ييس. (٢) قيلة: هى قيلة بنت كاهل بن عذرة وهى أم الأوس والخزرج. (٣) جذعة: شابة فتية. يريد عودة الحرب قوية كما كانت. (٤) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٣. ١٩٤ المجلد الثانى بأن يوبخ هؤلاء اليهود ومن لف لفهم على مسالكهم الخبيثة لكيد الدعوة الإسلامية، وإيذاء أتباعها ومحاولتهم صرف الناس عنها. أى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات : لم تعاندون الحق وتكفرون بآيات الله السمعية والعقلية الدالة على صدقى فيما أبلغه عن ربى، والحال أن الله مطلع عليكم وعالم علم المعاين المشاهد لأعمالكم الظاهرة والخفية، وسيجازيكم عليها بما تستحقونه من عقاب أليم. فالآية الكريمة قد تضمنت تأنيبهم على الكفر، وتهديدهم بالعقاب إذا استمروا فى مسالكهم الأثيمة . ولكى يكون التأنيب أوجع، أمر الله - تعالى - نبيه# أن يناديهم بقوله: ﴿يا أهل الكتاب﴾، لأن علمهم بالكتاب يستلزم منهم الإيمان، والإذعان للحق، ولكنهم اتخذوا علمهم وسيلة للشرور والتضليل فكان مسلكهم هذا دليلا على فساد فطرتهم، وخبث طويتهم، وسوء طباعهم. وبعد أن أنبهم القرآن الكريم فى هذه الآية على كفرهم وضلالهم، أمر الله - تعالى - نبيه * فى آية ثانية أن يوبخهم على محاولتهم إضلال غيرهم فقال - تعالى -: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء﴾ وقوله: ﴿تصدون﴾ من الصد وهو صرف الغير عن الشىء ومنعه منه. يقال: صد يصد صدودا، وصدا. وقوله: ﴿سبيل الله﴾ أى طريقه الموصلة إليه وهى ملة الإسلام. وقوله : ﴿تبغونها عوجا﴾ أى تطلبون لها العوج. يقال: بغيت له كذا أى طلبته والعوج - بكسر العين - الميل والزبغ فى الدين والقول والعمل وكل ما خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال فهو عوج. والعوج - بفتح العين - يكون فى المحسوسات كالميل فى الحائط والرمح وكل شىء منتصب قائم أى أن مكسور العين يكون فى المعانى ومفتوحها فى الأعيان. والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب مرة أخرى مبالغة فى تقريعهم وإزاحة الأعذارهم. لأى شىء تصرفون المؤمنين عن الإِيمان الحق، وتمنعون من آمن بالنبى وهو عن الاستمرار على اتباعه، وتثيرون الفتنة والوقيعة بين أصحابه. وقوله : ﴿تبغونها عوجا﴾ أى تطلبون العوج والميل لسبيل الله الواضحة والميل بها عن القصد والاستقامة، وتريدون أن تكون ملتوية غير واضحة فى أعين المهتدين، كما التوت نفوسكم، وانحرفت عقولكم. ١٩٥ سورة آل عمران قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف قال تبغونها عوجا وهو محال؟ قلت: فيه معنيان : أحدهما : أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها اعوجاجا بقولكم إن شريعة موسى لا تنسخ، وبتغييركم صفة رسول الله بَلّ عن وجهها وغير ذلك. والثانى : أنكم تتعبون أنفسكم فى إخفاء الحق ابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم))(١). وقوله: ﴿من آمن﴾ مفعول به لتصدون. والضمير المنصوب فى قوله: ﴿تبغونها﴾ يعود إلى سبيل الله أى تبغون لها فحذفت اللام كما فى قوله - تعالى -: ﴿وإذا كالوهم﴾ أى كالوا لهم. وقوله : ﴿عوجا﴾ مفعول به لتبغون. وبعضهم جعل الضمير المنصوب فى ﴿تبغونها﴾ وهو الهاء هو المفعول. وجعل عوجا حال من سبيل الله. أى تبغونها أن تكون معوجة وتريدونها فى حال عوج واضطراب. وقوله: ﴿وأنتم شهداء﴾ حال من فاعل ﴿تصدون﴾ أو ﴿تبغون﴾. أى والحال أنكم تعلمون بأن سبيل الإِسلام هى السبيل الحق علم من يعاين ويشاهد الشىء على حقيقته فجحودكم عن علم وكفركم ليس عن جهل، ولقد كان المتوقع منكم يا من ترون الحق الذى جاء به محمد ◌َ له فى كتابكم، أن تكونوا أول المساعين إلى الإِيمان به، ولكن الحسد والعناد حالا بينكم وبين الانتفاع بالنور الذى جاء به محمد الصلاة. وقوله : ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ تهديد لهم ووعيد على ضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم، لأنه - سبحانه - ليس غافلا عن أعمالهم، بل هو سيجازيهم على هذه المسالك الخبيثة بالفشل والذلة فى الدنيا، وبالعذاب والهوان فى الآخرة ولما كان صدهم المؤمنين بطريق الخفية ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة حياتهم، ببيان أن الله - تعالى - محيط بكل ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال وليس غافلا عنها. بخلاف الآية الأولى فقد كان كفرهم بطريق العلانية إذ ختمت ببيان أن الله مشاهد لما يعملونه ولما يجاهرون به. وبعد أن بین - سبحانه - فی هاتین الآ یتین أن اليهود قد جمعوا الخستین ضلال أنفسهم، ثم محاولتهم تضليل غيرهم، تركهم مؤقتا فى طغيانهم يعمهون، ووجه نداء إلى المؤمنين يحذرهم فيه من دسائس اليهود وكيدهم، وينهاهم عن الركون إليهم، والاستماع إلى مكرهم فقال (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٩٣. : . ١٩٦ المجلد الثانى - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم کافرین﴾ . والمعنى : إنكم أيها المؤمنون إن استمعتم إلى ما يلقيه بعض أهل الكتاب بينكم من دسائس ولنتم لهم، لا يكتفون بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم كما فى الجاهلية، بل يتجاوزون ذلك إلى محاولتهم إعادتكم إلى وثنيتكم القديمة وكفركم بالله بعد إيمانكم. وقد خاطب الله المؤمنين بذاته فى هذه الآية بعد أن أمر رسوله و لتر بأن يخاطب أهل الكتاب فى الآيتين السابقتين، إظهارا لجلالة قدرهم، وأشعارا بأنهم الأحقاء بالمخاطبة من الله - تعالى - . وناداهم بصفة الإِيمان لتحريك حرارة العقيدة فى قلوبهم وتوجيه عقولهم إلى ما يستدعيه الإِيمان من فطنة ويقظة فالمؤمن ليس خبا ولكن الخب لا يخدعه. وفى التعبير ((بإن)) فى قوله: ﴿إِن تطيعوا فريقا﴾ إشارة إلى أن طاعتهم لليهود ليست متوقعة، لأن إيمانهم يمنعهم من ذلك. ووصف - سبحانه - الذين يحاولون الوقيعة بين المؤمنين بأنهم فريق من الذين أوتوا الكتاب، إنصافا لمن لم يفعل ذلك منهم. ونعتهم بأنهم ﴿أوتوا الكتاب﴾ للإشعار بأن تضليلهم، متعمد وبأن تآمرهم على المؤمنين مقصود، فهم أهل كتاب وعلم، ولكنهم استعملوا علمهم فى الشرور والآثام. وقوله: ﴿يردوكم﴾ أصل الرد الصرف والإِرجاع، إلا أنه هنا مستعار لتغير الحال بعد المخالطة فيفيد معنى التصيير كقل الشاعر : فرد شعورهن السود بيضًا ورد وجوههن البيض سودًا أى: يصيروكم بعد إيمانكم كافرين. والكاف مفعوله الأول وكافرين مفعوله الثانى. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى آية أخرى : ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا، حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾(١). ثم بين القرآن بعد ذلك أنه ما يسوغ للمؤمنين أن يطيعوا هذا الفريق من الذين أوتوا الكتاب، أو أن يكفروا بعد إيمانهم، أو أن يتفرقوا بعد وحدتهم فقال - تعالى -: ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾، الاستفهام فى قوله : ﴿وكيف تكفرون﴾ للإنكار، ولاستبعاد كفرهم فى حال اجتمع لهم فيها كل الأسباب الداعية إلى الإِيمان. ١٠٠ (١) سورة البقرة الآية ١٠٩. ١٩٧ سورة آل عمران أى: كيف يتصور منكم الكفر، أو يسوغ لكم أن تسيروا فى أسبابه وآيات الله تقرأ على مسامعكم غضة طرية صباح مساء، ورسول الله و 98 بين ظهرانيكم، يردكم إلى الصواب إن أخطأتم، ويزيح شبهكم إن التبس عليكم أمر. وفى هذا ما يومىء إلى إلقاء اليأس فى قلوب هذا الفريق من اليهود من أن يصلوا إلى ما يبغونه بين المؤمنين فى وقت يذكر النبى ◌ّ المؤمنين بما ينفعهم؛ ويحذرهم مما يؤذيهم ويضرهم . وفى توجيه الإِنكار والاستبعاد إلى كيفية الكفر مبالغة، لأن كل موجود لابد أن يكون وجوده على حال من الأحوال، فإذا أنكر ونفى فى جميع الأحوال انتفى وجوده بالكلية بالطريق البرهانى. وقوله : ﴿وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله﴾ جملتان حاليتان من فاعل ﴿تكفرون﴾ وهو ضمير الجماعة. وهاتان الجملتان هما محط الانكار والاستبعاد. أى أن كلا تلاوة آيات الله وإقامة الرسول وَلّر فيهم، وازع لهم عن الكفر، ودافع لهم إلى التمسك بعرى الإِيمان. ففى الآية الكريمة دلالة على عظمة قدر الصحابة، وأن لهم وازعين عن مواقعة الضلال : سماع القرآن، ومشاهدة أنوار الرسول ◌َ له، فإن وجوده عصمة من ضلالهم. قال قتادة: أما الرسول ◌َّه فقد مضى إلى رحمة الله، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر. ثم أرشد الله - تعالى - المؤمنين إلى الوسيلة التى متى تمسكوا بها عصموا أنفسهم من مكر اليهود فقال - تعالى - ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم). أى ومن يلتجىء إلى الله فى كل أحواله ويتوكل عليه حق التوكل، ويتمسك بدينه، فقد هدى إلى الطريق الذى لا عوج فيه ولا انحراف. وفى هذا إشارة إلى أن التمسك بدين الله وبكتابه كفيل بأن يبعد المسلمين الذين لم يشاهدوا الرسول وَل﴿ عما يبيته لهم أعداؤهم من مكر وخداع. قال ابن جرير ما ملخصه : وأصل العصم : المنع، فكل مانع شيئًا فهو عاصمه، والممتنع به معتصم به ولذلك قيل للحبل : عصام، وللسبب الذی یتسبب به الرجل إلى حاجته عصام، وأفصح اللغتين: إدخال الباء كما قال - عز وجل - ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ وقد جاء اعتصمته(١). (١) تفسير ابن جرير جـ ٤ ص ٢٦ . ١٩٨ المجلد الثانى ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، فقال - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وقوله ﴿حق تقاته﴾ التقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل: اتقوا الله التقاة الحق. أى: الثابتة، كقولك ضربت زيدا أشد الضرب تريد الضرب الشديد وقيل التقاة اسم مصدر من اتقى كالتؤدة من اتأد. والمعنى : بالغو أيها المؤمنون فى التمسك بتقوى الله ومراقبته وخشيته حتى لاتتركوا منها شيئًا ولا تكونن على ملة سوى ملة الإسلام إذا أدرككم الموت، وإنما عليكم أن تستمروا على دينكم القويم حتى يأتيكم الأجل الذى لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون. وقد ساق ابن كثير بعض الآثار التى وردت عن بعض السلف فى تفسير هذه الآية الكريمة فمن ذلك ماروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال فى معنى الآية ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ : أن يطاع فلا يُعصى. وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر)». وروى عن أنس أنه قال: لا يتقى الله العبد حق تقاته حتى يُخزن لسانه. وقوله ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ هو نهى فى الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة والمراد دوامهم على الإِسلام وذلك أن الموت لابد منه فكأنه قيل: دوموا على الإِسلام إلى أن يدرككم الموت فتموتوا على هذه الملة السمحاء وهى ملة الإِسلام، لكى تفوزوا برضا الله وحسن ثوابه. والجملة الكريمة فى محل نصب على الحال من ضمير الجماعة فى ﴿اتقوا﴾. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال: أى لا تموتن على حالة من الأحوال إلا على هذه الحالة الحسنة التى هى حالة المداومة على التمسك بالإِسلام وتعاليمه وآدابه. وقال صاحب الكشاف : قوله ﴿ولا تموتن﴾ معناه ولا تكونن على حال سوى حال الإِسلام إذا أدرككم الموت، وذلك كأن تقول لمن تستعين به على لقاء العدو: لا تأتنى إلا وأنت على حصان، فأنت لاتنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التى شرطت عليه فى وقت الإِتیان)»(١). وبعد أن أمرهم - سبحانه - بمداومة خشيته، والاستمرار على دينه أتبع ذلك بأمرهم بالاعتصام بدينه وبكتابه فقال - تعالى - ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٩٤. ١٩٩ سورة آل عمران فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى والطاعة لله رب العالمين. والاعتصام : افتعال من عصم وهو طلب مايعصم أى يمنع من السقوط والوقوع. وأصل الحبل: ما يشد به للارتقاء أو التدلى أو للنجاة من غرق أو نحوه، أو للوصول إلى شىء معين. والمراد بحبل الله هنا: دينه، أو عهده، أو كتابه، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة والفلاح. والمعنى : كونوا جميعا مستمسکین بکتاب الله وبدینه وبعهوده، ولا تتفرقوا كما كان شأنكم فى الجاهلية بضرب بعضكم رقاب بعض، بل عليكم أن تجتمعوا على طاعة الله وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. وبذلك تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم. ففى الجملة الكريمة استعارة تمثيلية حيث شبه - سبحانه - الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما. وإضافة الحبل إلى الله - تعالى - قرينة على هذا التمثيل. وقوله ﴿جميعا﴾ حال من ضمير الجماعة فى قوله ﴿واعتصموا﴾. فالجملة الكريمة تأمر المسلمین جمیعا أن يعتصموا بعهود الله وبدينه. ویکتابه، وأن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن ينبذوا التفرق والاختلاف الذى يؤدى إلى ضعفهم وفشلهم. قال الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : واعلم أن كل من يمشى على طريق دقيق يخاف أن ينزلق رجله، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبى ذلك الطريق أمن من الخوف. ولاشك أن طريق الحق طريق دقيق، وقد انزلقت أرجل كثير من الخلق عنه، فمن اعتصم بدلائل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف فكان المراد من الحبل هنا: كل شىء يمكن التوصل به إلى الحق فى طريق الدين، وهو أنواع كثيرة فمنهم من قال المراد به عهد الله .. ومنهم من قال المراد به القرآن، فقد جاء فى الحديث ((هو حبل الله المتين)) ومنهم من قال المراد به طاعة الله .. وهذه الأقوال كلها متقاربة والتحقيق ماذكرنا من أنه لما كان النازل فى البئر يعتصم بحبل تحرزا من السقوط فيها وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة ٢٠٠ المجلد الثانى المؤمنين حرزا لصاحبه من السقوط فى جهنم، جعل ذلك حبلا لله وأمروا بالاعتصام به(١). ثم أمرهم - سبحانه- بتذكر نعم الله عليهم فقال: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ . قوله ﴿شفا حفرة﴾ الشفا طرف الشىء وحرفه مثل شفا البئر، وشفا الحفرة ومنه يقال: فلان أشفى على الشىء إذا أشرف عليه، كأنه بلغ شفاه أى حده وحرفه. والمعنى: واذكروا أيها المؤمنون وتنبهوا بعقولكم وقلوبكم إلى نعمة الله عليكم بتأليف نفوسكم ورأب صدوعكم، فقد كنتم فى الجاهلية أعداء متقاتلين متنازعين، فألف بين قلوبكم بأخوة الإِسلام فأصبحتم متحابين متناصحين متوادين وكنتم على وشك الوقوع فى النار بسبب اختلافكم وضلالكم فمن الله عليكم وأنقذكم من التردى فيها بهدايتكم إلى الحق عن طريق رسول الله ( الذى أرسله ربه رحمة للعالمين. إذا فمن الواجب عليكم وفاء لهذه النعم أن تشكروا الله عليها وأن تطيعوا رسولكم طهر وأن تتمسكوا بعرى المحبة والمودة والأخوة فيما بینکم. قال ابن كثير: قوله - تعالى - ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء﴾ .. إلخ. هذا السياق فى شأن الأوس والخزرج، فإنه كان بينهم حروب كثيرة فى الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم، والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإِسلام. فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين فى ذات الله، متعاونين على البر والتقوى وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم الله منها إذ هداهم للإيمان وقد امتن عليهم بذلك رسول الله وَّر يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم بما فضل عليهم فى القسمة بما رآه، فخطبهم فقال يا معشر الأنصار، ألم أجدکم ضلالا فهداكم الله بى، وکنتم متفرقين فألفكم الله بى، وعالة فأغناكم الله بى؟ فكانوا كلما قال شيئًا قالوا : الله ورسوله أُمَنّ))(٢). وفى هذه الآية الكريمة تصوير بديع مؤثر لحالة المسلمين قبل الإِسلام وحالتهم بعد الإِسلام. فقد صور - سبحانه - حالهم وترديهم فى الكفر والاختلاف والتقاتل قبل أن يدخلوا فى الإِسلام بحال من يكون على حافة حفرة من النار يوشك أن يقع فيها. وصور هدايته لهم إلى سبيل الحق والمحبة والإخاء بدخولهم فى الإسلام عن طريق محمد واله بحالة من يبعد غيره عن التردى فى النار وينقذه من الوقوع فيها. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٨ ص ١٧٣، طبعة عبد الرحمن محمد. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٨٩.