Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة آل عمران
الله - تعالى - قد اصطفی أمه مريم وطهرها من كل فاحشة، وفضلها على نساء زمانها، وصانها
من كل ما يخدش المروءة والشرف. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ
الحكيم فيقول :
وَإِذْقَالَتِ
الْمَلَبِكَةُ يَعَرْيَمُ إِنَّاللّهَ اصْطَفَتِكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَكِ
يَمَرْيَمُ أَقْنُقِى لِرَبَّكِ وَأَسْجُدِى
٤٢
عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ
(٤٣
وَأَرْكَعِى مَعَ الرَّكِعِينَ
إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ
إِذْ قَالَتٍ
مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ )
اُلْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ أُسْمُهُ الْمَسِيحُ
٤٥
عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
٤٦
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِوَكَهْلَا وَ مِنَ الصَّلِحِينَ
قَالَتْ رَبٍ أَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ
اَللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
٤٧
وقوله - تعالى - ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم .. ﴾ إلخ معطوف على قوله: ﴿إذ قالت امرأة
عمران رب إنى نذرت لك ما فى بطنى﴾ .. الخ عطف القصة على القصة، فإن الله - تعالى -
بعد أن ذكر ما قالته امرأة عمران عندما أحست بالحمل. وبعد ولادتها لمريم، وما كان من شأنها
وتربيتها وكفالتها بعد أن ذكر ذلك، بين - سبحانه ما كان من أمر مريم بعد أن بلغت رشدها
واكتمل تكوينها، وجاء بقصة زكريا بين قصة الأم وابنتها لما بينهما من مناسبة إذ أن دعاء زكريا
ربه كان سببه ما رآه من إكرام الله - سبحانه - لمريم ولأن الكل لبيان اصطفاء آل عمران.

١٠٢
المجلد الثانى
والمعنى، واذكر يا محمد للناس وقت أن قالت الملائكة لمريم - التى تقبلها ربها بقبول حسن
وأنبتها نباتا حسنا - يامريم ﴿إن الله اصطفاك﴾ أى اختارك واجتباك لطاعته، وقبلك لخدمة
بيته ﴿وطهرك﴾ من الأدناس والأقذار، ومن كل ما يتنافى مع الخلق الحميد، والطبع السليم
﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ بأن وهب لك عيسى من غير أب دون أن يمسسك بشر.
وجعلك أنت وهو آية للعالمين.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مدح مريم مدحا عظيما بأن شهد لها بالاصطفاء والطهر
والمحبة، وأكد هذا الخبر للاعتناء بشأنه، والتنويه بقدره.
قال الفخر الرازى ما ملخصه :
والاصطفاء الأول إشارة إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة فى أول عمرها بأن قبل الله -
تعالى - تحريرها أى خدمتها لبيته، مع أنها أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث،
وبأن فرغها لعبادته وخصها فى هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة، وبأن كفاها أمر
معيشتها فكان يأتيها رزقها من عند الله ..
وأما الاصطفاء الثانى فالمراد به أنه - تعالى - وهب لها عيسى - عليه السلام من غير أب،
وجعلها وابنها آية للعالمين))(١).
ولا شك أن ولادتها لعيسى من غير أب ودون أن يمسها بشر، هو أمر اختصت به مريم ولم
تشاركها فيه امرأة قط فى أى زمان أو مكان، فهى أفضل النساء فى هذه الحيثية.
أما من حيث قوة الإيمان، وصلاح الأعمال فيجوز أن يحمل اصطفاؤها على نساء العالمين
على معنى تفضيلها على عالمى زمانها من النساء وبعضهم يرى أفضليتها على جميع النساء فى سائر
الأعصار.
هذا وقد أورد ابن كثير عددا من الأحاديث التى وردت فى فضل مريم وفى فضل غيرها من
النساء، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن على بن أبى طالب أنه قال: سمعت رسول الله والاخره
يقول : «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» وروى الترمذى عن
أنس أن رسول الله وَلقر قال: ((حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت
خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون)) وأخرج البخارى عن أبى موسى
الأشعرى قال: قال رسول الله بمايلي: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة
فرعون. ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر
الطعام)»(٢).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٤٦.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٦٣.

١٠٣
سورة آل عمران
وقول الملائكة لمريم إن الله اصطفاك وطهرك .. إلخ الراجح أنهم قالوه لها مشافهة، لأن هذا
ما يدل عليه ظاهر الآية، وإليه ذهب صاحب الكشاف فقد قال : روى أنهم كلموها شفاها
معجزة لزكريا، أو إرهاصا لنبوة عيسى - عليه السلام -(١).
وقال الجمل قوله: ﴿وإذ قالت الملائكة﴾ أى مشافهة لها بالكلام، وهذا من باب التربية
الروحية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها بعد التربية الجسمانية اللائقة بحال
صغرها))(٢).
وقيل كأن خطابهم لها بالإِلهام أو بالرؤيا الصادقة فى النوم.
والأول أولى لأنه هو الظاهر من الآية، ولأنه الموافق لأقوال جمهور المفسرين، ولأنه جاء
صريحا فى آيات أخرى أن الملك قد تمثل لها بشرًا سويا وكلمها، وذلك فى قوله - تعالى - فى
سورة مريم : ﴿واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم
حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا.
قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيا﴾.
قال الألوسى: ((واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم : لأن تكليم الملائكة يقتضيها
ومنعها اللقانى وغيره من العلماء، لأن الملائكة قد كلموا من ليس بنبى إجماعا، فقد جاء فى
الحديث الشريف أنهم كلموا رجلا خرج لزيارة أخ له فى الله، وأخبروه بأن الله يحبه كما أحب
هو أخاه، ولم يقل أحد بنبوته - فكلام الملائكة لمريم لا يقتضى نبوتها وهو الصحيح))(٣).
ثم حكى القرآن أن الملائكة أمرت مريم بأن تكثر من عبادة الله - تعالى - ومن المداومة على
طاعته شكرًا له فقال - تعالى - :
﴿یا مریم اقنتی لربك واسجدی واركعى مع الراكعين﴾.
القنوت. لزوم الطاعة والاستمرار عليها، مع استشعار الخشوع والخضوع لله رب العالمين.
أى : قالت الملائكة أيضًا لمريم: يا مريم أخلصى العبادة الله وحده وداومى عليها، وأكثرى
من السجود الله ومن الركوع مع الراكعين، فإن ملازمة الطاعات والصلوات من شأنها أن تحفظ
النعم وأن تزيد الإِنسان قربا وحبا من خالقه - عز وجل -.
فالآية الكريمة دعوة قوية من الله - تعالى - لمريم ولعباده جميعا بالمحافظة على العبادات
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٦١.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٦٩.
(٣) تفسير الآلوسى بتصرف يسير - جـ ٣ ص ١٥٤ .

١٠٤
المجلد الثانى
ولا سيما الصلاة فى جماعة.
قال صاحب الكشاف: أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئة الصلاة
وأركانها ثم قيل لها ﴿واركعى مع الراكعين﴾ بمعنى ولتكن صلاتك مع المصلين أى فى الجماعة،
أو انظمى نفسك فى جملة المصلين وكونى معهم فى عدادهم ولا تكونى فى عداد غيرهم(١).
فأنت ترى فى هاتين الآيتين أسمى ألوان المدح والتكريم والتهذيب لمريم البتول، فلقد
أخبر - سبحانه - باصطفائها صغيرة وكبيرة، وبطهرها من كل سوء، والإِشارة إلى الطهر هنا
إشارة ذات مغزى، وذلك لما لا بس مولد عيسى - عليه السلام - من خوارق، هذه الخوارق
جعلت اليهود یفترون الكذب على مریم، ویتهمونها زورا وبهتانا بما هى بريئة منه، ثم بعد ذلك
يأمرها - سبحانه - بمداومة الطاعة والعبادة والخضوع لله رب العالمين.
وبذلك يتبين لكل ذى عقل سليم أن الإسلام الذى جاء به محمد و الفر هو الدين الحق، لأنه
قد قال القول الحق فى شأن مريم وابنها عيسى - عليه السلام - أما أهل الكتاب من اليهود
والنصارى فقد اختلفوا فى شأنهما اختلافا عظيما أدى بهم إلى الضلال والخسران.
ثم بين - سبحانه - أن ماجاء به القرآن فى شأن مريم - بل وفى كل شأن من الشئون - هو
الحق الذى لا يحوم حوله باطل، وهو من أنباء الغيب التى لا يعلمها أحد سواه فقال - تعالى :
﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾.
واسم الإشارة ﴿ذلك﴾ يعود إلى ما تقدم الحديث عنه من قصة امرأة عمران وقصة زكريا
وغير ذلك من الأخبار البديعة.
والأنباء : جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن.
والغيب: مصدر غاب، وهو الأمر المغيب المستور الذى لا يعلم إلا من قبل الله - تعالى -.
ونوحيه : من الإِيجاء وهو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفى، ويكون بمعنى إرسال الملك
إلى الأنبياء وبمعنى الإِلهام.
أى: ذلك القصص الحكيم الذى قصصناه عليك يا محمد، فيما يتعلق بما قالته امرأة عمران
وما قاله زكريا، وما قالته الملائكة لمريم وفيما بتعلق بغير ذلك من شئون ذلك القصص الحكيم
هو من أنباء الغيب التى لا يعلمها أحد سوى الله - عز وجل - وقد أخبرناك بها لتكون دليلا
على صدقك فيما تبلغه عن ربك ولتكون عبرة وذكرى لقوم يعقلون.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٦٢.

١٠٥
سورة آل عمران
وقوله ﴿ذلك﴾ مبتدأ وخبره قوله - تعالى - ﴿من أنباء الغيب) والجملة مستأنفة لا محل لها
من الإعراب. وقوله ﴿نوحيه إليك﴾ جملة مستقلة مبينة للأولى. والضمير فى ﴿نوحيه﴾ يعود
إلى الغيب أى الأمر والشأن أنا نوحى إليك الغيب ونعلمك به، ونظهرك على قصص من
تقدمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار.
ولذا قال - تعالى - ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ
يختصمون﴾ والأقلام جمع قلم وهى التى كانوا يكتبون بها التوراة، وقيل المراد بها السهام.
أى وما كنت - يا محمد - لديهم أى عندهم معاينا لفعلهم وما جرى من أمرهم فى شأن
مريم، ﴿إِذ يلقون أقلامهم) التى جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم وما كنت
لديهم إذ يختصمون فيما بينهم بسببها تنافسا فى كفالتها.
وقد سبق أن ذكرنا ما قاله صاحب الكشاف من أن مريم بعد أن ولدتها أمها خرجت بها إلى
بيت المقدس فوضعتها عند الأحبار وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة !! فقالوا : هذه ابنة إمامنا
عمران - وكان فى حياته يؤمهم فى الصلاة، فقال لهم زكريا: أدفعوها إلى فأنا أحق بها منكم
فإن خالتها عندى - فقالوا لا حتى نقترع عليها فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم
زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتولى كفالتها زكريا - عليه السلام -(١). فالضمير فى قوله
﴿لديهم﴾ يعود على المتنازعين فى كفالة مريم لأن السياق قد دل عليهم.
والمقصود من هذه الجملة الكريمة ((وما كنت لديهم إذ يلقون﴾ الخ تحقيق كون الإخبار بما
ذكر إنما هو عن وحى من الله - تعالى - لنبيه وير لأن الرسول ويله لم يكن معاصرا لهؤلاء الذين
تحدث القرآن عنهم. ولم يقرأ أخبارهم فى كتاب من الكتب، ومع ذلك فقد أخير النبى وَّز أهل
الكتاب وغيرهم بالحق الذى لا يستطيعون تكذيبه إلا على سبيل الحسد والجحود، فثبت أن
القرآن من عند الله - تعالى - ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا﴾.
ثم حكى - سبحانه - ما قالته الملائكة لمريم على سبيل تبشيرها بعيسى - عليه السلام -
فقال - تعالى - ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى
ابن مريم﴾ .
وهذه الجملة الكريمة بدل اشتمال من جملة ﴿وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك﴾ ..
الخ قالوا: ولا يضر الفصل إذ الجملة الفاصلة بين البدل والمبدل منه اعتراض جىء به تقريرًا
لما سبق؛ وتنبيها على استقلاله.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٥٧ بتصرف يسير.

١٠٦
المجلد الثانى
والظرف ﴿إِذ﴾ معمول لمحذوف تقديره اذكر، أى اذكر وقت أن قالت الملائكة لمريم،
يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه.
وقوله يبشرك ﴿بكلمة منه﴾ أى يبشرك بمولود يحصل بكلمة منه - سبحانه - وسمى هذا
المولود كلمة لأنه وجد بكلمة كن فهو من باب إطلاق السبب على المسبب.
والمراد أنه وجد من غير واسطة أب، لأن غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب، أى
أنه - سبحانه - إذا كان قد خلق الناس بطريق التناسل عن ذكر وأنثى وأخرج الأولاد من
أصلاب الآباء، فإن عيسى - عليه السلام - لم يكن كذلك، بل خلقه الله - تعالى - خلقا
آخر، خلقه ﴿بكلمة منه﴾ وهى ((كن)) فكان كما أراده الله و((من)) فى قوله («منه» لابتداء الغاية
والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة: أى بكلمة كائنة منه.
فالمراد بقوله ((كلمة)) أى يبشر بولد حى يسرى عليه حكم الأحياء اسمه المسيح عيسى ابن
مريم وعلى هذا التأويل سار كثير من المفسرين.
ورجح ابن جرير أن معنى ﴿بكلمة منه﴾ بیشری منه - سبحانه - فقد قال: وقوله «بكلمة
منه)) يعنى برسالة من الله وخير من عنده وهو من قول القائل: ألقی إلی فلان كلمة سرنی بها
بمعنى أخبرنى خبرا فرحت به .. فتأويل الكلام: وما كنت يا محمد عند القوم إذ قالت الملائكة
لمريم إن الله يبشرك ببشرى من عنده، هى ولدك اسمه المسيح عيسى ابن مريم))(١).
وعلى كلا التأويلين ففى التعبير عن عيسى - عليه السلام - بأنه كلمة من الله تكريم له
وتشريف، وقوله ﴿اسمه المسيح﴾ مبتدأ وخبر، والجملة نعت. والضمير فى قوله ﴿اسمه﴾ يعود
إلى كلمة. وجاء مذكرًا رعاية للمعنى لأننا سبق بينا أن المراد بها عند كثير من المفسرين الولد.
والمسيح : لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق، وأصله مشيحًا بالعبرانية ومعناه
المبارك. وقد حكى الله - تعالى - أنه قال عن نفسه ﴿إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نيًّا.
وجعلنى مباركًا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة مادمت حيًّا﴾ وقيل المسيح فعيل بمعنى
فاعل، للمبالغة فى مسحه الأرض بالسياحة للعبادة: أو مسحه ذا العاهة ليبرأ. أو بمعنى مفعول
أى ممسوح لأن الله مسحه بالطهر من الذنوب.
وعيسى: اسم لهذا الاسم الكريم، وهو اسم ينبىء عن البياض والصفاء والنقاء.
قال الراغب: عيسى اسم علم، وإذا جعل عربيًّا أمكن أن يكون من قولهم بعيرًا عيسى
(١) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ٢٦٩.
٠

١٠٧
......
سورة آل عمران
وناقة عيساء وجمعها عيس وهى أبل بيض يعترى بياضها بعض الظلمة)) (١) أى فيها أغبرار قليل *
يعطى بياضها صفاء ونقاء وجمالا .
وابن مريم : هو كنيته، وهى للإشارة إلى أن نسبه ثابت لأمه لا لأحد سواها وليس ابنا لله
- تعالى- كما قال الضالون.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قيل عيسى بن مريم والخطاب لمريم؟ قلت : لأن
الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبه إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب
إلا إلى أمه. وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين : فإن قلت لم ذكر ضمير الكلمة .
قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى بن مريم وهذه ثلاثة
أشياء: الاسم منها عيسى وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم المسمى علامة
يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذى يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه
الثلاثة))(٢).
والمعنى الإِجمالى للجملة الكريمة : أذكر يا محمد وقت أن قالت الملائكة لمريم: يا مريم إن الله
يبشرك بكلمة منه أى بمولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة أب، هذا المولود العجيب اسمه الذى
يميزه لقبا المسيح ويميزه علماً عيسى ويميزه كنبة ابن مريم.
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد عرف هذا المولود العظيم بتعريف واحد جمع ثلاثة أمور كل
واحد منها يشير إلى معنى كريم قد تحقق فى هذا النبى العظيم ومجموع هذه الأمور لا يشاركه
فيها أحد من البشر، ثم بعد ذلك وصفه - سبحانه - بأربعة أوصاف تدل على فضله وعلو
منزلته فقال - تعالى - ﴿وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس فى المهد وكهلا
ومن الصالحين﴾ .
أما الصفة الأولى فهى قوله - تعالى -: ﴿وجيها فى الدنيا والآخرة﴾ أى ذا جاه وشرف
ومنزلة عالية. يقال وجه الرجل يوجه - من باب ظرف - وجاهة فهو وجیه إذا صارت له منزلة
رفيعة عند الناس. واشتقاقه من الوجه لأنه أشرف الأعضاء ولأنه هو الذى يواجه الإِنسان به
غيره .
وعيسى عليه السلام، شهد الله تعالى له، -وكفى بالله شهيدًا- شهد له بالوجاهة وسمو
المنزلة فى الدنيا والآخرة لما له من آثار عظيمة فى هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى
(١) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٣٥٣.
(٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٦٣.

١٠٨
المجلد الثانى
النور، ودعوتهم إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق، وإقامة التوراة بعد أن اختلفوا فيها.
والصفة الثانية من صفاته أنه ﴿من المقربين﴾ أى أنه من المقربين عند الله - تعالى - ويالها
من صفة عظيمة هى منتهى ما تطلع إليه النفوس وتهفو القلوب.
وأما الصفة الثالثة من صفات عيسى - عليه السلام - فهى قوله - تعالى - ﴿ويكلم الناس
فى المهد وكهلا﴾ وهذه الجملة معطوفة على قوله ﴿وجيها﴾ وعطف الفعل على الاسم لتأويله به
جائز والتقدير وجيها ومكلما، والمهد اسم لمضجع الطفل أى المكان الذى يهيأ له وهو فى
الرضاعة. والكهل: هو الشخص الذى اجتمعت قوته وكمل شبابه. وهو مأخوذ من قول
العرب اكتهل النبات إذا قوى وتم.
والمراد أن عيسى - عليه السلام - يكلم الناس فى حال كونه صغيرًا قبل أوان الكلام، كما
يكلمهم فى حال كهولته واكتمال شبابه، فهو - عليه السلام - يكلمهم بكلام الأنبياء من غير
تفاوت بين حالتى الطفولة والكهولة، وذلك إحدى معجزاته - عليه السلام - وقد حكى القرآن
فى سورة مريم ما تكلم به عيسى - عليه السلام - وهو طفل صغير فقال - تعالى -: ﴿فأشارت
إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا. قال إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيًّا.
وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة مادمت حيا، وبرًا بوالدقى ولم يجعلنى جبارًا
شقيًا. والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا﴾.
أما الصفة الرابعة من صفاته - عليه السلام - فهى قوله - تعالى - ﴿ومن الصالحين﴾ أى
عباد الله الصالحين لحمل رسالته وتبليغها للناس. أو من الذين يصلحون ولا يفسدون ويطيعون
الله - تعالى - ولا يعصونه، قالوا: ولا رتبة أعظم من كون المرء صالحًا لأنه لا يكون كذلك إلا
إذا كان فى جميع الأفعال والتروك مواظبا على المنهج الأصلح، وذلك يتناول جميع المقامات فى
الدين والدنيا، فى أفعال القلوب وفى أفعال الجوارح، ولذا قال سليمان - عليه السلام - بعد
النبوة ﴿رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه،
وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين) فلما عدد - سبحانه - صفات عيسى أردفها بهذا
الوصف الدال على أرفع الدرجات))(١).
تلك هى البشارات التى بشرت بها الملائكة مريم، وتلك هى بعض صفات مولودها فماذا
كان موقفها من ذلك؟
لقّد حكى القرآن أن موقفها كان يدل على بالغ عجبها، وشدة تأثرها فقال - تعالى - ﴿قالت
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٧٢ .

١٠٩
سورة آل عمران
رب أنَّى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر﴾.
أى: قالت مريم على سبيل التعجب والاستغراب: يارب كيف يكون لى ولد والحال أنى لم
يمسسنى بشر، أى لست بذات زوج، ولم يحصل منى قط ما يكون بين الرجل والمرأة مما يسبب
... عنه وجود الولد.
والجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل: فماذا كان منها بعد أن قالت لها الملائكة
ذلك؟ فكان الجواب: ﴿قالت رب أنى يكون لى ولد﴾ .. ألخ.
٤
وصدرت إجابتها بالنداء لله - تعالى - للإِشعار بكمال تسليمها للقدرة الإلهية وأن استغرابها
وتعجبها إنما هو من الكيفية لا إنكارا لقدرة الله - تعالى - وجملة ﴿ولم يمسسنى بشر﴾ حالية
محققة لما مر ومقوية له.
والمسيس يحتمل أن يكون كناية عن المباشرة التى تقع بين الرجل والمرأة والتى يترتب عليها
وجود النسل إذا شاء الله ذلك، ويحتمل أن يكون المراد به حقيقته وهو أنها لم يلمسها رجل،
، لأنها كانت معتكفة فى بيت الله ومنصرفة لعبادته، ولم يلمس جسمها رجل من غير محارمها قط.
وبذلك ينتفى بالأولى ما هو أبلغ من مجرد اللمس، فموضع عجبها واستنكارها إنما هو وجود
ولد منها مع أنها لم يمسسها بشر.
وهنا يحكى القرآن أن الله - تعالى - قَد أزال عجبها واستنكارها بقوله: ﴿قال كذلك الله
يخلق ما يشاء
أى قال الله - تعالى - لها بلا واسطة أو بواسطة ملائكته: كهذا الخلق الذی تجدینه، بأن
یکون لك ولد من غير أن يمسسك بشر وهو إبداع، يخلق الله - تعالى - ویبدع ما يشاء ویرید
إبداعه لاراد لمشيئته ولا معقب لحكمه.
وبعضهم يجعل الوقوف على ((كذلك)) فتكون خبرا لمبتدأ محذوف أى قال - سبحانه - فى
إجابته على مريم : الأمر كذلك أى يأتى الولد منك على الحالة التى أنت عليها لأن الله - تعالى -
يخلق ما يشاء أن يخلقه بدون احتياج إلى وجود الأسباب والمسببات لأنه هو خالقه وخالق كل ..
شىء، ولا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء.
وصرح ههنا بقوله ﴿يخلق ما يشاء﴾ ولم يقل ((يفعل)) كما فى قصة زكريا، لما أن ولادة العذراء
من غير أن يمسسها بشر أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير، فكان الخلق المنبىء
عن الاختراع أنسب بهذا المقام عن مطلق الفعل.
٠٫٠٠

١١٠
المجلد الثانى
ثم أكد - سبحانه عظيم قدرته ونفاذ إرادته بقوله : ﴿إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن
فيكون﴾.
وقضى هنا بمعنى أراد، أى إذا أراد - سبحانه - شيئًا، فإنما يقول لهذا الشىء كن فيكون من
غير تأخر ومن غير وجود أسباب، فهو كقوله - تعالى - ﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾
أى إنما نأمره مرة واحدة لا تثنية فيها فيكون ذلك الشىء سريعا كلمح البصر.
قال الآلوسي: وقوله ﴿إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ هذا عند الأكثرين تمثيل
لتأثير قدرته فى مراده بأمر المطاع للمطيع فى حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى
مزاولة عمل واستعمال آلة، فالممثل الشىء المكون بسرعة من غير عمل وآلة، والممثل به أمر
الآمر المطاع - المأمور المطيع على الفور، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه.
وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة، بأن يراد تعلق الكلام النفسى بالشىء الحادث على
أن كيفية الخلق على هذا الوجه.
وعلى كلا التقديرين فالمراد من هذا الجواب بيان أن الله - تعالى - لا يعجزه أن يخلق ولدا
من غير أب، لأنه أمر ممكن فى نفسه فيصح أن يكون متعلق الإرادة والقدرة(١).
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا بعض البشارات التى بشرت بها الملائكة مريم
وبعض الصفات التى وصف الله - تعالى - بها عيسى، وبينت جانبًا من مظاهر قدرة الله
- تعالى - ونفاذ إرادته، وفى ذلك مافيه من العظات والعبر لأولى الألباب.
ثم واصل القرآن حديثه عن صفات عيسى - عليه السلام - وعن معجزاته فقال - تعالى :
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالإِنجِيلَ
٤٨
وَرَسُولًا إِلَى بَنِىّإِسْرَّهِيلَ أَنِى قَدْ ◌ِثْتُّكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
أَنَّ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِينِ كَهَـَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ
فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَأَتْرِىءُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَضَ
وَأُحِيِ الْمَوْنَ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ
- -(١) تفسير الألوسى جـ٣ ص ١٦٤.
٠٠٠.

سورة آل عمران
في بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
٤٩
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ
بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْهِكُمْ وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِن رَّبِّكُمْ
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ إِنَّاللَّهَرَبِّ وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
فأنت ترى فى هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما عن طبيعة رسالة عيسى - عليه السلام - وعن
معجزاته التى أكرمه الله - تعالى - بها.
وقوله - تعالى -: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ معطوف على ﴿يبشرك﴾
أى: يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه .. وإن الله يعلم ذلك المولود - المعبر عنه بالكلمة -
الكتاب، وقرأ بعضهم ونعلمه الكتاب .. وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملة معمولة لقول
محذوف من كلام الملائكة أى ويقول الله - تعالى - ونعلمه .. وتكون فى المعنى معطوفة على
الحال وهى قوله ((وجيها)) فكأنه قال: وجيها ومعلمًا.
وعلى كلنا القراءتين يجوز أن تكون الجملة مستأنفة سيقت تطبيبا لقلب مريم، وإراحة لما
أهمها من خوف الملامة حين علمت أنها تلد من غير أن يمسها بشر.
ولقد حكى القرآن عنها فى سورة مريم قولها بتحسر وألم عندما جاءها المخاض ﴿یالیتنی مت
قبل هذا وكنت نسيًا منسيًّا﴾.
والمراد بالكتاب الكتابة والخط، فإن عيسى - عليه السلام - قد بعثه الله - تعالى - فى أمة
ارتقت فيها ألوان العلم والمعرفة فأكرمه الله بأن جعله يفوق غيره فى هذه النواحى. وقيل المراد
بالكتاب جنس الكتب الإلهية.
قال الفخر الرازى: ((والأقرب عندى أن يقال: المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة. ثم
المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق، لأن كمال الإِنسان فى أن يعرف الحق لذاته
والخير لأجل العمل به، ومجموعهما هو المسمى بالحكمة، ثم بعد أن صار عالما بالخط والكتابة
ومحيطًا بالعلوم العقلية والشرعية يعلمه التوراة. وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط
والحكمة، لأن التوراة كتاب إلهى فيه أسرار عظيمة والإِنسان مالم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه
١

١١٢
1
المجلد الثانى
أن يخوض فى البحث عن أسرار الكتب الإلهية. ثم قال فى المرتبة الرابعة والإنجيل. وإنما أخر
ذكر الإنجيل عن التوراة لأن من تعلم الخط، ثم تعلم علوم الحق، ثم أحاط بأسرار الكتاب
الذى نزل على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته فى العلم فإذا أنزل الله عليه بعد ذلك
كتابا آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو العناية القصوى والمرتبة العليا فى العلم والفهم والإِحاطة
بالأسرار العقلية والشرعية، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية))(١).
وبعد أن أشار - سبحانه - إلى علم الرسالة التى هيأ لها عيسى - عليه السلام - عقب ذلك
ببيان القوم الذين أرسل إليهم فقال - تعالى - ﴿ورسولا إلى بنى إسرائيل) أى أن الله -تعالى-
سيجعل عيسى - عليه السلام - رسولا إلى بنى إسرائيل لكى يهديهم إلى الصراط المستقيم،
ولكى يبشرهم برسول يأتى من بعده هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ألا وهو محمد دَله.
وخص بنى إسرائيل بالذكر مع أن رسالة عيسى كانت إليهم وإلى من علمها من الرومان :
لأن بنى إسرائيل خرج عيسى من بينهم فهو منهم، ولأنهم هم الذين كانوا يدعون أنهم أولى
الناس بعلم الرسائل الإلهية، وكانت دعوته بينهم وانبعثت منهم إلى غيرهم، فكان تخصيصهم
بالذكر فيه إشارة إلى حقيقة واقعة وفيه توبيخ لهم، لأنهم أوتوا العلم برسالات الأنبياء ومع ذلك
فقد كفر كثير منهم بعيسى وبغيره من رسل الله، بل لم يكتفوا بالكفر وإنما آذوا أولئك الرسل
الكرام وقتلوا فريقا منهم.
وقوله ﴿ورسولا﴾ منصوب بمضمر يقود إليه المعنى، معطوف على ﴿ويعلمه﴾ أى يعلمه
ويجعله رسولا إلى بنى إسرائيل.
وقوله ﴿أنى قد جئتكم بآية من ربكم﴾ معمول لقوله ﴿رسولا) لما فيه من معنى النطق. كأنه
قيل: ورسولا ناطقا بأنى قد جئتكم يا بنى إسرائيل بآية من ربكم.
والباء للملابسة وهى مع مدخولها فى محل الحال وقوله ﴿من ربكم﴾ متعلق بمحذوف صفة
لآية. والمراد بالآية هنا المعجزات التى أكرمه الله بها.
أى: أن الله - تعالى - قد علم عيسى - عليه السلام - الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل
وجعله رسولا إلى بنى إسرائيل مخبرا إياهم بأنّ رسول الله إليكم حال كونى ملتبسا مجيئى
بالمعجزات الدالة على صدقى، وهذه المعجزات ليست من عندى وإنما هى من عند ربكم.
ثم ذكر - سبحانه - خمسة أنواع من معجزات عيسى - عليه السلام - أما المعجزة الأولى
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٥٧.
:

١١٣
سورة آل عمران
فعبر عنها بقوله: ﴿أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله﴾.
قال الآلوسی: ((وقوله ﴿أنى أخلق لكم﴾ .. ألخ .. بدل من قوله ﴿أنى قد جئتكم﴾ أو من
﴿آية﴾ أو منصوب على المفعولية لمحذوف أى أعنى أنى أخلق لكم .. أو مرفوع على أنه خبر
لمقدر أى أنى قد جئتكم بآية من ربكم هى أنى أخلق لكم. وقرأ نافع بكسر الهمزة على
الاستئناف، والمراد بالخلق التصوير والإِبراز على مقدار معين لا الايجاد من العدم))(١).
والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد حكى الله - عنه أنه قال لبنى إسرائيل: لقد أرسلنى
الله إليكم لأبلغكم دعوته، ولأمركم بإخلاص العبادة له، وقد أعطانى - سبحانه - من
المعجزات ما يقنعكم بصدقى فيما أبلغه عن ربى، ومن بين هذه المعجزات أنى أقدر على أن
أصور لكم من الطين شيئًا صورته مثل صورة الطير، فأنفخ فى ذلك الشىء المماثل لهيئة الطير
فيكون طيرا حقيقيا ذا حياة بإذن الله أى بأمره وإرادته.
فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على ثلاثة أعمال : ثنتان منهما لعيسى وهما تصوير
الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه. أما الثالث فهو من صنع الله تعالى - وحده ألا وهو خلق الحياة
فى هذه الصورة التى صورها عيسى ونفخ فيها. وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس فى عيسى
ألوهية ولا أى معنى من معانيها. ولذا حكى الله - تعالى - عنه أنه قال: ﴿بإذن الله﴾.
أى أنى ما فعلت الذى فعلته إلا بإذن الله وأمره وإرادته وتيسيره، واللام فى قوله﴿لكم﴾
للتعليل أى أصور لأجل هدايتكم وتصديقكم بى.
والكاف فى قوله ﴿كهيئة الطير) بمعنى مثل وهى نعت لمفعول محذوف أى أخلق شيئًا مثل
هيئة الطير، والهيئة هى الصورة والكيفية.
والضمير فى قوله ﴿فأنفخ فيه﴾ يعود إلى هذا المفعول المحذوف.
وقوله ﴿بإذن الله﴾ متعلق بيكون، وجىء به لإظهار العبودية، ونفى توهم أن يكون عيسى
أو غيره شريكا لله فى خلق الكائنات.
وأما النوع الثانى والثالث والرابع من المعجزات فقد حكاه القرآن فى قوله - تعالى - ...
﴿وأبرىء﴾ أى أشفى، يقال: برأ المريض يبرأ أو يبرؤ برءا وبروءا إذا شفى من مرضه.
والأكمه : هو الذى يولد أعمى. يقال كمه كمها إذا ولد أعمى، فهو أكمه وامرأة كمهاء.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ١٦٧

١١٤
المجلد الثانى
والأبرص : هو الذى يكون فى جلده بياض مشوب بحمرة وهو مرض من الأمراض المنفرة
التى عجز الأطباء عن شفائها.
والمعنى : أن عيسى - عليه السلام - قال لقومه: والمعجزات التى تدل على صدقى أن أشفى
وأعيد الإِبصار إلى من ولد أعمى، وأعيد الشفاء إلى من أصيب بمرض البرص، وأعيد الحياة
إلى من مات. ولا أفعل كل ذلك بقدرت وعلمى وإنما أفعله بإذن الله وبإرادته وأمره.
وخص إبراء الأكمه والأبرص بالذكر لأنهما مرضان عضالان لم يصل الطب إلى الآن إلى
طريق للشفاء منهما فإذا أجرى الله - تعالى - على يد عيسى الشفاء منهما كان ذلك دليلا على أن
من وراء الأسباب والمسببات خالقا مختارا لا يعجزه شيء وعلى أن الأسباب ليست مؤثرة بذاتها
فى الإيجاد أو الإعدام وإنما المؤثر هو الله - تعالى -
وقوله ﴿وأحيى الموتى بإذن الله﴾ فيه تدرج من الصعب إلى الأصعب، لأن مما لاشك فيه أن
إحياء الموتى خارق عظيم، يدل دلال قاطعة على أن الأسباب العادية ليست هى المؤثرة وإنما
الخالق المكون هو المؤثر وأن الأشياء لم تخلق بالعلية - كما يقول الماديون - وإنما خلقت بالإِرادة
المختارة والقدرة المبدعة المنشئة المكونة، وهى إرادة خالق الكون وقدرته سبحانه.
وقيد ما يقوم به من إبراء وإحياء بأنه بإذن الله : للتنبيه على أن ما يفعله من خوارق إنما هو
بأمر الله وتيسيره وإرادته.
وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمة والأبرص وإحياءه للموتى كان عن طريق الدعاء،
وكان دعاؤه ياحى يا قيوم، وذكروا من بين من أحياهم سام ابن نوح(١).
قال ابن كثير: بعث الله كل نبى بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى
السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحّار، فلما استيقنوا أنها
من عند العظيم الجبار انقادوا للإِسلام. وأما عيسى فبعث فى زمن الأطباء وأصحاب علم
الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدًا من الذى شرع الشريعة
فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص؟ وكذلك محمد ريليه
بعث فى زمان الفصحاء والبلغاء وتجاويد الشعراء فأتاهم بكتاب من الله لو اجتمعت الإِنس
والجن على أن يأتوا بسورة من مثله ما استطاعوا أبدا، وماذاك إلا أن كلام الرب لا يشبه كلام
الخلق))(٢)
(١) تفسير الألوسى جـ ٣ ص ١٦٩
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٦٥ بتلخيص يسير.

١١٥
سورة آل عمران
وأما المعجزة الخامسة فقد حكاها القرآن فى قوله - تعالى - ﴿وأنبئكم بما تأكلون
وما تدخرون فى بيوتكم﴾.
وقوله - تعالى - ﴿وأنبئكم﴾ من الإنباء وهو الإخبار بالخبر العظيم الشأن.
وقوله ﴿تدخرون﴾ من الإدخار وهو إعداد الشىء لوقت الحاجة إليه. يقال: دخرته
وادخرته، إذ أعدته للعقبى. وأصله ((تذتخرون)) بالذال المعجمة - من اذتخر الشىء - بوزن
افتعل - فأبدلت التاء دالا ثم أبدلت الذال دالا وأدغمت.
والمعنى : أن عيسى - عليه السلام - قد قال لقومه بنى إسرائيل: وإن من معجزات التى تدل
على صدقى فيما أبلغه عن ربى أنى أخبركم بالشىء الذى تأكلونه وبالشىء الذى تخبئونه فى
بيوتكم لوقت حاجتكم إليه.
قال القرطبى : وذلك أنه لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا : أخبرنا بما نأكل فى
بيوتنا وما ندخر للغد، فأخبرهم فقال: يافلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا
وادخرت كذا وكذا فذلك قوله ﴿وأنبئكم﴾(١).
و((ما)) فى الموضعين موصولة، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى بما تأكلونه وتدخرونه.
ولاشك أن إخبار عيسى - عليه السلام - لقومه بالشىء الذى يأكلونه وبالشىء الذى
يدخرونه يدل على صدقه، لأن هذا الإِخبار الغيبى بما لم يعاينه دليل على أن الله - تعالى - قد
أعطاه علم ما أخبر به.
ثم ختم الله - تعالى - هذه الآية بقوله: ﴿إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾.
أى إن فى ذلك المذكور من المعجزات التى أجراها الله - تعالى - على يد عيسى - عليه
السلام - لدلالة واضحة وعلامة بينة تشهد بصدقه فيما يبلغه عن ربه، إن كنتم يا بنى إسرائيل
ممن يصدق بآيات الله ويذعن لها.
قاسم الإِشارة ((ذلك)) يعود إلى ماسبق ذكره من معجزات عيسى - عليه السلام - وجواب
الشرط محذوف والتقدير : إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآيات وأذعنتم للحق الذى جئتكم به
من عند الله.
وبعد أن حكى القرآن المعجزات الباهرة التى أيد الله بها عيسى - عليه السلام - عقب ذلك
بالإِشارة إلى طبيعة رسالته فقال - تعالى - ﴿ومصدقا لما بين يدى من التوراة ولأحل لكم بعض
الذى حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون﴾.
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٩٥.

١١٦
المجلد الثانى
وقوله - تعالى ﴿ومصدقا لما بين يدى من التوراة﴾ عطف على المضمر الذى تعلق به قوله
تعالى ﴿بآية﴾ أی قد جئتكم محتجا أو ملتبسا بآية من ربكم، ومصدقا لما بین یدی .. وجوز أن
يكون منصوبا بفعل دل عليه ((قد جئتكم)» .. أى وجئتكم مصدقا لما بين يدى من التوراة،
ومعنى تصديقه - عليه السلام - للتوراة الإِيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب، وأن كتابه
يدعو إلى الإِيمان بها.
والمعنى : أن عيسى - عليه السلام - قال لبنى إسرائيل: إن الله - تعالى - قد أرسلنى إليكم
لهدايتكم وقد جئتكم بالمعجزات التى تثبت صدقى. وجئتكم مصدقا لما بين يدى من التوراة .
أى مقررا لها ومؤمنًا بها.
ومعنى ما بين يدى ما تقدم قبلى: لأن المتقدم السابق يمشى بين يدى الجائى فهو هنا تمثيل
لحالة السبق، وإن كان بين عيسى - عليه السلام - وبين نزول التوراة أزمنة طويلة لأنها لما
اتصل العمل بها إلى مجيئه فكأنها لم تسبقه بزمن طويل ويستعمل بين يدى كذا فى معنى الحاضر
المشاهد كما فى قوله - تعالى - ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾.
وقوله ﴿ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم﴾ معمول لمقدر بعد الواو، أى: وجئتكم
لأحل لكم بعض الأشياء التى كانت محرمة عليكم فى شريعة موسى - عليه السلام - فهو من
عطف الجملة على الجملة.
أى أن شريعة عيسى جاءت متممة لشريعة موسى وناسخة لبعض أحكامها، فلقد حرم
الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغيهم كما جاء فى قوله -تعالى-
﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ فجاءت شريعة عيسى - عليه
السلام- لتحل لهم بعض ما حرمه الله عليهم بسبب ظلمهم وفجورهم.
قال ابن كثير: فيه دلالة على أن عيسى - عليه السلام - نسخ بعض شريعة التوراة وهو
الصحيح من القولين. ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئا، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا
يتنازعون فيه فأخطأوا فكشف لهم عن خطئهم كما قال فى الآية ﴿ولأبين لكم بعض الذى
تختلفون فيه﴾(١).
قالوا. ومن الأطعمة التى أحلها عيسى لبنى إسرائيل بعد أن كانت محرمة عليهم فى شريعة
موسى: لحوم الإِبل والشحوم وبعض الأسماك والطيور(٢).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٦٥
(٢) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ١٧١

١١٧
سورة آل عمران
وقوله ﴿وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون﴾ تحريض لهم على الاستجابة لما يدعوهم
إليه .
قال الفخر الرازى ((وإنما أعاد قوله - تعالى - ﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾ لأن إخراج
الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر، فأعاد ذكر المعجزات ليكون كلامه ناجعا فى
قلوبهم ومؤثرا فى طباعهم. ثم خوفهم فقال: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ لأن طاعة الرسول من
لوازم تقوى الله فبين أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعونى فيما آمركم عن ربى))(١).
ثم حكى القرآن أن عيسى - عليه السلام - قد قرر أن هذه المعجزات الباهرة لن تخرجه عن
أن يكون عبدًا لله مخلوقا له، وأن من الواجب على الناس أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به
شيئًا فقال: ﴿إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم﴾ أى قال عيسى - عليه
السلام - داعيا قومه إلى عبادة الله - تعالى - هو الذى خلقنى وخلقكم وهو الذى ربانى
ورباكم، ومادام الأمر كذلك فأخلصوا له العبادة فإن عبادته - سبحانه - وطاعته هى الطريق
المستقيم الذى لا اعوجاج فيه ولا التباس.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بعض المعجزات التى أكرم الله بها عيسى - عليه
السلام - كما حكت لنا بعض التوجيهات القويمة، والإِرشادات الحكيمة التى نصح بها قومه
لكى يسعدوا فى دنياهم وآخرتهم.
والآن ينساق الذهن إلى سؤال هو: ماذا كان موقف بنى إسرائيل منه بعد أن جاءهم بما
جاءهم به من بینات وهدایات؟
لقد حكى القرآن ان موقف أكثرهم منه كان موقف الكافر به الجاحد لرسالته فقال تعالى :
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ
الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ
أَنْصَارُ اللّهِ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
١٢
رَبَّنَآءَ امَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ
وَمَكَرُ واْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللّهُ خَيْرُ
الشَّهِدِينَ (@)
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٦٣

١١٨
المجلد الثانى
إِذْ قَالَ اللهُ يَعِيسَىّ إِى مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ
٥٤
الْمَكْرِينَ
إِلَىَ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَبَعُوكَ
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥) فَمَا الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِوَمَا
لَهُمْمِن تَصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ
الضَلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَّلِينَ
٥٧
فقوله - تعالى - ﴿فلما أحس عیسی منهم الكفر قال من أنصاری إلی الله﴾ شروع فى بيان
مآل أحواله - عليه السلام - وفى بيان موقف قومه منه بعد أن بين - قبل ذلك بعض صفاته
ومعجزاته وخصائص رسالته.
وأحس: بمعنى علم ووجد وعرف. والإِحساس: الإِدراك ببعض الحواس الخمس وهى
الذوق والشم واللمس والسمع والبصر. يقال أحس اشىء، علمه بالحس. وأحس بالشىء
شعر به بحاسته والمراد أن عيسى عليه السلام، علم من بنى إسرائيل الكفر علما لاشبهة فيه.
والأنصار جمع نصير مثل شريف وأشراف.
والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد جاء لقومه بالمعجزات الباهرات التى تشهد بصدقه فى
دعوته ولكنه لم يجد منهم أذنا واعية، فلما رأى تصميمهم على باطلهم، وأحس منهم الكفر أى
علمه يقينا وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس، قال على سبيل التبليغ وطلب النصرة : من أنصارى
إلى الله؟ أى من أعوانى فى الدعوة إلى الله والتبشير بدينه حتى أبلغ ما كلفنى بتبليغه.
قال ابن كثير: وذلك كما كان النبى وهو يقول فى مواسم الحج قبل أن يهاجر ((هل من رجل
يؤوینی وينصرنى حتى أبلغ كلام ربى فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى)) فقيض الله له
الأنصار فآووه ونصروه ومنعوه من الأسود والأحمر))(١).
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٦٥

١
١١٩
سورة آل عمران
٠
والفاء فى قوله ﴿فلما﴾ تؤذن بالتعقيب على الآيات الباهرة. أى أنهم بعد أن رأوا ما رأوا من
معجزات عيسى لم يمتثلوا له ولم يتدبروا عاقبة أمرهم بل كذبوه على الفور، وحاولوا قتله تخلصا
منه واستمروا على كفرهم.
والتعبير بأحس - كما أشرنا من قبل - يشعر بأنه علم منهم الكفر علما لا شبهة فيه كعلم
ما يدرك بالحواس.
والمقول لهم ﴿من أنصارى إلى الله﴾ هم الحواريون كما يشير إليه قوله - تعالى - فى سورة
الصف: ﴿يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواربين من أنصاری
إلى الله﴾ وقيل المقول لهم جميع أفراد قومه.
وقوله ﴿منهم﴾ متعلق بأحس. ومن لابتداء الغاية أى ابتداء الإِحساس من جهتهم. أو
متعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أى أحس الكفر حال كونه صادرا منهم. وقوله ﴿إلى
الله﴾ متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء فى أنصارى. أى من أنصارى حال كونى ذاهبا إلى
. الله أى ملتجئا إليه وشارعا فى نصرة دينه.
وفى قوله ﴿من أنصارى إلى الله﴾ حض لهم على المسارعة إلى نصرة الحق لأنهم لا ينصرونه
من أجل متعة زائلة. وإنما هم ينصرونه لأنه يدافع عن دين الله ويبشر به، ومن نصر دين الله،
نصره الله تعالى.
والآية الكريمة تشير إلى أن الكافرين كانوا هم الكثرة الكاثرة من بنى إسرائيل، بدليل أنه
- سبحانه - نسب الكفر إليهم فى قوله ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر﴾ وذلك لا يكون إلا إذا
كان الكافرون هم الكثرة الظاهرة، والمؤمنون هم القلة غير الظاهرة حتى لكأن عيسى بقوله
﴿من أنصارى إلى الله﴾ يبحث عنهم من بين تلك الجموع الكثيرة من الكافرين. وهنا يحكى
القرآن أن المؤمنين الصادقين - مع قلتهم - لم يتقاعسوا عن تلبية نداء عيسى - عليه السلام -
فقال الله - تعالى - ﴿قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون﴾
والحواريون جمع حوارى وهم أنصار عيسى الذين آمنوا به وصدقوه، وأخلصوا له ولازموه وكانوا
عونا له فى الدعوة إلى الحق.
يقال فلان حوارى فلان أى خاصه من أصحابه ومنه قول النبى ◌ّله فى الزبير بن العوام:
((لكل نبى حوارى وحواريى الزبير»
وأصل مادة ((حور)) هى شدة البياض. أو الخالص من البياض، ولذلك قالوا فى خالص
لباب الدقيق الحوارى. وقالوا فى النساء البيض الحواريات والحوريات.
وقد سمى - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بالحواريين لأنهم أخلصوا لله - تعالى نياتهم،

١٢٠
المجلد الثانى
وطهرت سرائرهم من النفاق والغش فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص
البياض.
والمعنى : أن عيسى عليه السلام - لما أحس الكفر من بنى إسرائيل قال لهم من أنصارى إلى
الله؟ فأجابه الحواريون الذين آمنوا به وصدقوه وباعوا نفوسهم الله - تعالى - : نحن أنصار الله
الذين تبحث عنهم، ونحن الذين سنقف إلى جانبك لنصرة الحق، فقد آمنا بالله إيمانا عميقا،
ونريدك أن تشهد على إيماننا هذا، وأن تشهد لنا يا عيسى بأنا مسلمون حين تشهد الرسل
لأقوامهم وعلیھم.
فأنت ترى أن الحواريين لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم قد لبوا دعوة عيسى - عليه السلام - فى
طلب النصرة دون أن يخشوا أحدا إلا الله.
وقولهم - كما حكى القرآن عنهم ﴿نحن أنصار الله﴾ إشعار بأنهم ماوقفوا بجانب عيسى
إلا نصرة لدين الله ودفاعا عن الحق الذى أنزله على رسوله عيسى.
وقولهم ﴿آمنا بالله﴾ جملة فى معنى العلة للنصرة أى نحن أنصار الله يا عيسى لأننا آمنا بأنه
هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأنه هو الخالق لكل
شىء والقادر على كل شىء.
وقولهم ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾ معطوف على آمنا والشهادة هنا بمعنى العلم المنبعث من
المعاينة والمشاهدة فهم يطلبون من عيسى - عليه السلام - أن يكون شاهدا لهم يوم القيامة
بأنهم أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة.
وأقوالهم هذه التى حكاها القرآن عنهم تدل على أنهم كانوا فى الدرجة العليا من قوة الإِيمان
وصدق اليقين، ونقاء السريرة.
ثم حكى القرآن عنهم أنهم قالوا - أيضًا - ﴿ربنا آمنا بما أنزلت﴾ على أنبيائك من كتب
﴿واتبعنا الرسول﴾ أى امتثلنا ما أتى به منك إلينا ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أى كتبنا بفضلك
ورحمتك مع الشاهدين بوحدانيتك العاملين بشريعتك المستحقين لرضاك ورحمتك.
فهم قد صدروا ضراعتهم إلى الله - تعالى - بالاعتراف الكامل بربوبيته ثم أعلنوا إيمانهم به
وبما أنزل على أنبيائه، ثم أقروا باتباعهم لرسوله والأخذ بسنته، ثم التمسوا منه - سبحانه -
بعد ذلك أن يجعلهم من عباده الذين رضى عنهم وأرضاهم.
وهذا يدل على أنهم فى نهاية الأدب مع الله - تعالى - وعلى أنهم فى أسمى مراتب الإِيمان قال