Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
سورة آل عمران
قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته وَله إلى جميع الخلق
كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة فى غير ما آية وحديث فمن ذلك
قوله - تعالى - ﴿قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا﴾ وقال - تعالى - ﴿تبارك الذى
نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾.
وفى الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه وَ لو بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك
الآفاق وطوائف بنى آدم من عربهم وعجمهم. كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك، فعن
أبى هريرة عن النبى وَلّر أنه قال: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودى
ولانصرانى ومات ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أهل النار)).
وقال ◌َ له ((بعثت إلى الأحمر والأسود)). وقال: ((كان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى
الناس عامة)) وعن أنس - رضى الله عنه - أن غلاما يهوديا كان يضع للنبى وَلل وضوءه ويناوله
نعليه فمرض. فأتاه النبى و * فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبى رَلير: ((يافلان
قل لا إله إلا الله، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه فأعاد عليه النبى وسلّ القول. فنظر إلى أبيه، فقال
له أبوه أطع أبا القاسم. فقال الغلام أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج النبى ◌َّل
وهو يقول: الحمد لله الذى أخرجه بى من النار)) رواه البخارى فى الصحيح. إلى غير ذلك من
الآيات والأحاديث(١).
وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد بينت للناس فى كل زمان ومكان أن دين الإِسلام هو الدين
الحق الذى ارتضاه الله لعباده وشهد بذلك خالق هذا الكون - عز وجل - وكفى بشهادته
شهادة كما شهد بذلك الملائكة المقربون والعلماء المخلصون. كما بينت أن كثيرًا من الذين أوتوا
الكتاب يعلمون هذه الحقيقة ولكنهم يكتمونها ظلما وبغيا، كما بينت - أيضًا - أن الذين
يدخلون فى هذا الدين يكونون بدخولهم قد اهتدوا إلى الطريق القويم، وأن الذين يعرضون
عنه سيعاقبون بما يستحقونه بسبب هذا الإعراض عن الحق المبين.
ثم انتقل القرآن إلى سرد بعض الرذائل التى عرف بها اليهود وعرف بها أسلافهم، وبين سوء
مصيرهم ومصير كل من يفعل فعلهم فقال - تعالى - :
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٥٤.

٦٢
المجلد الثانى
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ
◌ِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِتْنَ بِغَيْرِحَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ أُوْلَمْكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ
فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَالَهُم مِّنْ نَّصِرِين
٢٢
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء المارقين بصفات ينفر منها كل عاقل وصفهم
أولا بأنهم : ﴿يكفرون بآيات الله﴾ أى لا يكتفون بالكفر بالله - تعالى -، بل يكفرون بالآيات
المثبتة لوحدانيته، وبالرسل الذين جاءوهم بالهدى والحق.
ووصفهم ثانيا بأنهم ﴿يقتلون النبيين بغير حق﴾ وقتل النبيين بغير حق فعل معروف عن
اليهود، فهم الذين قتلوا زكريا - عليه السلام - لأنه حاول أن يخلص ابنه يحيى - عليه
السلام - من القتل وقتلوا يحيى لأنه لم يوافقهم فى أهوائهم وحاولوا قتل عيسى -عليه السلام-
ولكن الله تعالى نجاه من مكرهم، وقتلوا غيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام(١).
فإن قيل إن اليهود ما قتلوا كل الأنبياء فلم أخبر القرآن عنهم أنهم يقتلون النبيين ولم يقل
يقتلون بعض النبيين؟
فالجواب أنهم بقتلهم لبعض النبيين فقد استهانوا بمقام النبوة، ومن استهان بمقام النبوة بقتله
لبعض الأنبياء فكأنه قد قتل الأنبياء جميعا، ونظير هذا قوله - تعالى - : ﴿من أجل ذلك کتبنا
على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن
أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾(٢).
وقيد القتل بأنه ﴿بغير حق﴾ مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبدًا، للتصريح بموضع
الاستنكار، لأن موضع الاستنكار هو اعتداؤهم على الحق بقتلهم الأنبياء، وللإشارة إلى أنهم
لتوغلهم فى الظلم والعدوان قد صاروا أعداء للحق لا یألفونه ولا تمیل إلیه نفوسهم،
وللتسجيل عليهم أن هذا القتل للأنبياء كان مخالفًا لما فى شريعتهم فإنها قد نهتهم عن قتلهم، -
(١) راجع كتابنا ((بنو إسرائيل فى القرآن والسنة)) جـ ٣ ص ٤٤.
(٢) سورة المائدة، الآية ٣٢.

٦٣
سورة آل عمران
بل عن مخالفتهم. فهذا القيد من باب الاحتجاج عليهم بما نهت عنه شريعتهم لتخليد مذمتهم
فى كل زمان ومكان.
وقال-سبحانه- ﴿بغير حق) بصيغة التنكير، لعموم النفى، بحيث يتناول الحق الثابت،
والحق المزعوم، أى أنهم لم يكونوا معذورين بأى لون من ألوان العذر فى هذا الاعتداء فقد
أقدموا على ما أقدموا عليه وهم يعلمون أنهم على الباطل، فكان فعلهم هذا إجرامًا فى بواعثه
وفى حقيقته، وأفظع أنواع الإِجرام فى موضوعه.
وقوله ﴿بغير حق﴾ فى موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة ﴿يقتلون النبيين﴾ إذ لا يكون قتل
النبيين إلا كذلك.
ووصفهم ثالثا بأنهم ﴿يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس﴾.
1
والقسط : العدل. يقال: قسَط يقسِط ويقسُط قِسطا، وأقسط إقساطا إذا عدل.
أى: لا يكتفون بقتل النبيين الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم، وإنما يقتلون مع ذلك الذين
يأمرونهم بالعدل من مرشديهم ونصحائهم.
وفى قوله ﴿من الناس﴾ إشارة إلى أنهم ليسوا بأنبياء، بل من الناس غير المبعوثين.
وفى قرنهم بالأنبياء، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على الأنبياء، إشارة إلى بيان
علو منزلتهم، وأنهم ورثتهم الذين يدعون بدعوتهم.
وعبر عن جرائمهم بصيغة الفعل المضارع - يكفرون ويقتلون لاستحضار صورة أفعالهم
الشنيعة فى أذهان المخاطبين، ولإفادة أن أفعالهم هذه متجددة كلما استطاعوا إليها سبيلا،
وللإشعار بأن اليهود المعاصرين للنبى # كانوا راضين بفعل آبائهم وأسلافهم، ولقد حاول
اليهود فى العهد النبوى أن يقتلوا النبى وَالر ولكن الله - تعالى - نجاه من شرورهم.
هذا، وقد وردت آثار متعددة تصرح بأن اليهود قد دأبوا على قتل الأنبياء والمصلحين، ومن
ذلك ما جاء عن أبى عبيدة بن الجراح أنه قال: قلت يارسول الله : أى الناس أشد عذابا يوم
القيامة؟ فقال رسول الله : ((أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا، أو قتل من أمر
بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأ رسول الله #﴿ ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله﴾ الآية. ثم
قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار فى ساعة واحدة، فقام مائة
وسبعون رجلا منهم فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعًا من آخر النهار
فى ذلك اليوم))(١).
(١) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٣٥٥.
1

٦٤
المجلد الثانى
هذه بعض جرائمهم فماذا كانت نتيجتها؟ كانت نتيجتها العذاب الأليم الذى أخبرهم الله
به فى قوله ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾.
والجملة الكريمة خبر إن، وجاز دخول الفاء على خبرها لتضمن اسمها وهو ﴿الذين﴾ معنى
الشرط فى العموم.
وحقيقة التبشير: الإِخبار بما يظهر سرور المخبر - بفتح الباء - على بشرة وجهه، وهو هنا
مستعمل فى ضد حقيقته على سبيل التهكم بهم، وذلك لأن هؤلاء المعتدين مع أنهم كفروا
بآيات الله وقتلوا أنبياءه وأولياءه، وفعلوا ما فعلوا من منكرات، مع كل ذلك زعموا أنهم أبناء
الله وأحباؤه، فساق لهم القرآن ما يخبرهم به على سبيل الاستهزاء بعقولهم أن بشارتهم التى
يرتقبونها بسبب كفرهم ودعواهم الباطلة هى: العذاب الأليم.
واستعمال اللفظ فى ضده عند علماء البيان من باب الاستعارة التهكمية، لأن تشبيه الشىء
بضده لا يروج فى عقل العقلاء إلا على معنى التهكم والاستهزاء.
ثم أخبر - سبحانه - بفساد أعمالهم فى الدنيا والآخرة فقال: ﴿أولئك الذين حبطت
أعمالهم فى الدنيا والآخرة﴾.
والحبوط - كما يقول الراغب - من الحبط، وهو أن تكثر الدابة الأكل حتى تنتفخ بطنها، وقد
يؤدى إلى موتها.
والمراد بحبوط أعمالهم إزالة آثارها النافعة من ثواب فى الآخرة وحياة طيبة فى الدنيا، لأنهم
عملوا ما عملوا وهم لا يرجون الله وقارًا.
وجىء باسم الإشارة فى صدر الآية، لتمييز أصحاب تلك الأفعال القبيحة أكمل تمييز،
وللتنبيه على أنهم أحقاء بما سيخبر به عنهم بعد اسم الإِشارة.
وكانت الإِشارة للبعيد، للإيذان ببعدهم عن الطريق القويم، والخلق المستقيم، وقوله
﴿أولئك﴾ مبتدأ والموصول وصلته خبره.
أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة بطلت أعمالهم فى الدنيا والآخرة، وسقطت
عن حيز الاعتبار، وخلت عن الثمرة التى كانوا يؤملونها من ورائها، بسبب إشراكهم بالله
واعتدائهم على حرماته.
وقوله ﴿ومالهم من ناصرين﴾ نفى لكل ما كانوا يتوهمونه من أسباب النصر، وقد أكد هذا
النفى بمن الزائدة.
أى ليس لهم من أحد ينصرهم من بأس الله وعقابه، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، لأنهم

٦٥
سورة آل عمران
بسبب كفرهم وأفعالهم القبيحة صاروا مستحقين للعقاب، وليس هناك من يدفعه عنهم . .
حم
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصفهم بصفات ثلاث : بالكفر وقتل الأنبياء وقتل الذين
يأمرون بالقسط من الناس.
وتوعدهم - أيضًا - بثلاثة أنواع من العقوبات : بالعذاب الأليم، وحبوط أعمالهم فى الدنيا
والآخرة، وانتفاء من ينصرهم أو يدافع عنهم.
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين تسوقان أشد ألوان التهديد والوعيد لهؤلاء المعتدين، بسبب
كفرهم وأعمالهم القبيحة.
وبعد أن وصف القرآن هؤلاء المعاندين بالكفر وقتل الأنبياء والمصلحين وبين سوء
مصيرهم، أتبع ذلك ببيان رذيلة من أفحش رذائلهم وهى أنهم يدعون إلى التحاكم إلى الکتاب
الذى يزعمون أنهم يؤمنون به، فيمتنعون عن ذلك غرورا وعنادًا، استمع إلى القرآن وهو
يصور أحوالهم السيئة فيقول :
أَلَتَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًاً مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَ كِنَبٍ
اللَّهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ثُمَّيَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
٢٣
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَّعْدُ ودَاتٍ وَغَّهُمْ
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ
٢٤
فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ
٢٥
لَا يُظْلَمُونَ
أورد بعض المفسرين روايات فى سبب نزول هذه الآيات :
منها، مارواه البخارى عن عبد الله بن عمر أن اليهود جاءوا إلى النبى وَ ﴿ برجل منهم وامرأة
قد زنيا. فقال لهم: ((كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا : نحممهما - أى نجعل على وجوههما
الفحم تنكيلا بهما، ونضربهما. فقال : الاتجدون فى التوراة الرجم؟ فقالوا: لانجد فيها شيئًا.
فقال لهم عبدالله بن سلام : كذبتم. فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فوضع مدراسها
- الذى يدرسها منهم - كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية
...

٦٦
المجلد الثانى
الرجم فنزع يده عن الرجم. فقال ما هذه؟ - أى أن عبد الله بن سلام رفع يد القارىء عن آية
الرجم وقال له ما هذه - فلما رأى اليهود ذلك قالوا: هى آية الرجم ، فأمر بهما فرجما قريبا من
حيث موضع الجنائز عند المسجد))(١).
وقال ابن عباس: دخل رسول الله وَله بيت المدراس على جماعة من يهود - أى دخل عليهم
فى المكان الذى يتدارسون فيه علومهم - فدعاهم إلى الله. فقال له بعضهم : على أى دين أنت
يا محمد؟ فقال: إنى على ملة إبراهيم ودينه. فقالوا: فإن إبراهيم كان يهوديا، فقال النبى وليه
فهلموا إلى التوراةهى بيننا وبينكم؛ فأبوا عليه فأنزل الله هذه الآيات.
وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد وعلي فقال لهم: ((هلموا إلى
التوراة ففيها صفتى ((فأبوا))(٢).
قال ابن جرير ما ملخصه: وأولى الأقوال فى تأويل ذلك عندى بالصواب أن يقال : إن
الله - تعالى - قد أخبر عن طائفة من اليهود المعاصرين للنبى وتير أنهم دعوا إلى التوراة للتحاكم
إليها فى بعض ماتنازعوا فيه مع رسول الله وَ الر فأبوا. ويجوز أن يكون هذا التنازع فى أمر نبوته،
أو فى أمر إبراهيم ودينه، أو فى حد من الحدود فإن كل ذلك مما نازعوا فيه رسول الله وَلي(٣).
وكأن ابن جرير - رحمه الله - يريد أن يقول: إن الآيات الكريمة تتسع لكل ما تنازعوا فيه
مع رسول الله وَّيل فلما دعاهم إلى أن يحكم التوراة بينه وبينهم فى شأن هذا التنازع أبوا وأعرضوا
وهو رأی حسن.
.١
والاستفهام فى قوله ﴿ألم تر﴾ للتعجيب من شأنهم ومن سوء صنيعهم حيث دعوا إلى كتابهم
ليحكم بينهم فامتنعوا عن ذلك لأنهم كانوا - كما يقول الألوسى - ((إذا عضتهم الحجة فروا إلى
الضجة وأعرضوا عن المحجة)) ثم قال :
و ((من)) إما للتبعيض وإما للبيان، ومعنى ((نصيب)) هو الكتاب أو نصيبا منه، لأن الوصول
إلى كنه كلامه - سبحانه- متعذر ((فإن جعل بيانا كان المراد إنزال الكتاب عليهم. وإن جعل
تبعيضًا كان المراد هدايتهم إلى فهم ما فيه، وعلى التقديرين اللام فى ((الكتاب)) للعهد والمراد به
التوراة)» (٤).
(١) صحيح البخارى: كتاب التفسير جـ ٦ ص ٤٧.
(٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٥٠
(٣) تمسير ابن جرير جـ ٣ ص ٢١٨
(٤) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ١١٠

٦٧
سورة آل عمران
والمعنى : قد علمت أيها العاقل حال أولئك الأحبار من اليهود الذين اعطوا قسطا من معرفة
کتابهم والذین دعاهم رسول الله پے إلى التحاكم إلى التوراة التی هی کتابهم فیما حدث بينهم
وبينه من نزاع فأبوا أن يستجيبوا لدعوته، وأعرضوا عنها كما هو شأنهم ودأبهم فى الإِعراض عن
الحق والصواب.
وعرف المتحدث عنهم - وهم أحبار اليهود - بطريق الموصولية، لأن فى الصلة ما يزيد
التعجيب من حالهم، لأن كونهم على علم من الكتاب قليل أو كثير من شأنه أن يصدهم عما
أخبر به عنهم لو كانوا يعقلون.
وجملة ﴿يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم﴾ مستأنفة مبينة لمحل التعجب، أو حال من
الذين أوتوا نصيبا من الكتاب.
والمراد بكتاب الله : التوراة، لأن سبب النزول يؤيد ذلك، ولأن التعجيب من حالهم يكون
أشد إذا كان إعراضهم إنما هو عن كتابهم. وقيل المراد به القرآن.
وقوله ﴿ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ معطوف على قوله ﴿يدعون﴾ وجاء العطف
بثم للإِشعار بالفارق الشاسع بين ما قاموا به من إعراض عن الحق، وبين ما كان يجب عليهم
أن يفعلوه. فإن علمهم بالكتاب كان يقتضى أن يتبعوه وأن يعملوا بأحكامه، ولكنهم أبوا ذلك
لفساد نفوسهم.
وقوله ﴿منهم﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفريق.
وإنما قال ﴿فريق منهم﴾ ليخرج القلة التى أسلمت من علماء اليهود كعبد الله بن سلام،
وهذا من إنصاف القرآن فى أحكامه. واحتراسه فى سوق الحقائق، فهو لا يلقى الأحكام على
الجميع جزافا، وإنما يحدد هذه الأحكام بحيث يدين المتهم، ويبرىء ساحة البرىء.
وقوله ﴿وهم معرضون﴾ حال من فريق، أى ثم يتولى فريق منهم عن سماع الحق،
والانقياد لأحكامه، وينفر منها نفورا شديدًا. والحال أنهم قوم ديدنهم الإعراض والانصراف
عن الحق.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى صرفتهم عن الحق فقال : ﴿ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا
النار إلا أياما معدودات﴾.
واسم الإشارة ﴿ذلك﴾ يعود إلى المذكور من توليهم وإعراضهم عن مجلس النبى وَلّ وعن
سماعهم للحق الذى جاء به.

٦٨
المجلد الثانى
والمس: اتصال أحد الشيئين بالآخر على وجه الإِحساس والإِصابة، والمراد من النار: نار
الآخرة .
والمراد من المعدودات : المحصورات القليلات يقال شىء معدود : أى قليل وشىء غير
معدود أى كثير. فهم يزعمون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد تكون سبعة أيام، وقد تكون
أربعين يوما، وبعدها يخرجون إلى الجنة.
عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إن اليهود كانوا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف
سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما فى النار، وإنما هى سبعة أيام. وفى رواية عنه أنه قال فى
قوله - تعالى - ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات﴾ ذلك أعداء الله اليهود، قالوا: لن
يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأيام التى أصبنا فيها العجل أربعين يوما، فإذا انقضت عنا
تلك الأيام إنقطع عنا العذاب والقسم﴾(١).
أى ذلك التولى والإعراض عن الحق الذى صدر عن كثير من أحبار اليهود وعوامهم سببه
أنهم سهلوا على أنفسهم أمر العقاب، وتوهموا أنهم لن يعذبوا عذابا طويلا، بل النار ستمسهم
أياما قليلة ثم بعد ذلك يخرجون منها، لأنهم أبناء الله وأحباؤه، ولأن آباءهم سيشفعون لهم فى
زعمهم.
ثم قال - تعالى - ﴿وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون﴾.
وقوله ﴿وغرهم﴾ من الغرور وهو كل ما يغر الإِنسان ويخدعه من مال أو جاه أو شهوة أو غير
ذلك من الأشياء التى تغر الإِنسان وتخدعه وتجعله غافلا عن اتباع الحق.
والمعنى: أنهم سهلوا على أنفسهم الخطوب، ولم يبالوا بالمعاصى والذنوب، وأنهم طمعوا فى
غير مطمع، وأصاب موضع المغرة والغفلة منهم فى دينهم ما كانوا يفترونه من أن النار لن تمسهم
إلا أياما معدودات. والغرور أكبر شىء يبعد الإِنسان عن حسن الاستعداد لما يجب عليه نحو
دينه ودنياه.
ثم حكى القرآن ما سيكون عليه حالهم من عذاب وحسرة بأسلوب مؤثر فقال : ﴿فكيف
إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه، ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾.
فالاستفهام هنا للاستعظام والتهويل والرد على مزاعمهم الباطلة.
وكيف فى موضع نصب على الحال، والعامل فيه محذوف أى فكيف تكون حالهم، أو كيف
يصنعون. ويجوز أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف أى: فكيف حالهم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١١٨

٦٩
سورة آل عمران
قال الفخر الرازى: أما قوله ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه﴾ فالمعنى أنه لما حكى
عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجىء يوم يزول فيه ذلك الجهل، وينكشف
فيه ذلك الغرور فقال: ﴿فكيف إذا جمعناهم﴾ وفى الكلام حذف والتقدير: فكيف صورتهم
وحالهم، ويحذف الحال كثيرًا مع كيف، لدلالتها عليه تقول كنت أكرمه وهو لم يزرنى، فكيف
لو زارنى، أى كيف حاله إذا زارنى. وأعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من
تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة فى قول القائل: ((لو زارنى، وكل نوع
من أنواع العذاب فى هذه الآية))(١)
والمعنى : فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم لجزاء يوم لا ريب فى مجيئه وحصوله، واضمحلت
عنهم تلك الزخارف التى أدعوها فى الدنيا ﴿ووفيت كل نفس ما كسبت﴾ من خير أو شر ﴿وهم
لا يظلمون شيئًا﴾، بل يجازى كل إنسان على حسب عمله، لا شك أنهم فى هذا اليوم الهائل
الشديد سيفاجأون بذهاب غرورهم، وبفساد تصورهم، وأنهم سيقعون فى العذاب الأليم
الذى لا حيلة لهم فى دفعه، ولا مخلص لهم من ذوقه ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى
الله بقلب سليم﴾(٢).
....
قال الزمخشرى: ((روى أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود،
فيفضحهم الله على رءوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار))(٣). وبذلك تكون هذه الآيات
الكريمة قد وبخت أحبار اليهود الذين يعرضون عن الحق توبيخًا شديدًا، وأبطلت أكاذيبهم
وغرورهم، وردت عليهم بما يفضحهم ويخزيهم، وصورت حالهم يوم القيامة تصويرًا مؤثرًا
هائلا تهتز له القلوب، وترتجف منه الأفئدة ويحمل العقلاء على التزود من التقوى والعمل
الصالح حتى يفوزوا برضا الله.
من توجيهات القرآن الكريم : بعد أن تحدثت سورة آل عمران، عن المعرضين عن الحق.
أمر الله تعالى رسول وَر كما أمر كل مؤمن أن يتوجه إليه بالضراعة .. فقال تعالى:
قُلِ اَللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ
مَنْ تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن قَشَآءُ وَتُعِزُ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ
(١) تفسير الفخر الرازى جـ٧ ص٢٣٤.
(٢) سورة الشعراء الآيتان ٨٨، ٨٩
(٣) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٤٩.
م
:

٧٠
المجلد الثانى
مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍقَدِيٌ ، تُولِعُ الَّيْلَ
فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ
وَتُخْرِجُ الْمَسْتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
قال القرطبى: قال ابن عباس وأنس بن مالك: ((لما فتح رسول الله وصل مكة، ووعد أمته
ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس
والروم وهم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدًا مكة والمدينة حتى طمع فى ملك فارس
والروم. فأنزل الله هذه الآية .: (١).
والأمر بقوله ﴿قل﴾ للنبى مل﴿ ولكل من يتأتى له الخطاب من المؤمنين.
وكلمة ﴿اللهم﴾ يرى الخليل وسيبويه أن أصلها يا الله فلما استعملت دون حرف النداء
الذى هو ((يا)) جعلوا هذه الميم المشددة التى فى آخرها عوضا عن حرف النداء، وهذا التعويض
من خصائص الاسم الجليل، كما اختص بجواز الجمع فيه بین ((يا)) و ((أل)) وبقطع همزته،
ودخول تاء القسم عليه.
والمعنى. قل أيها المخاطب على سبيل التعظيم لربك، والشكر له، والتوكل عليه والضراعة
إليه، قل : يا الله يا مالك الملك أنت وحدك صاحب السلطان المطلق فى هذا الوجود، بحيث
تتصرف فيه كيف تشاءت إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، من غير أن ينازعك فى
ذلك أى منازع.
فكأن فى هذه الجملة الكريمة ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ دعاءين خاشعين:
أما الدعاء الأول فهو بلفظ الجلالة المعبر عنه بقوله ﴿اللهم﴾ أى يا الله، وفى هذا النداء كل
معانى العبودية والتنزيه والتقديس والخضوع.
وأما الدعاء الثانى فهو المعبر عنه بقوله ﴿مالك الملك﴾ أى يا مالك الملك، وفى هذا النداء
كل معانى الإِحساس بالربوبية، والضعف أمام قدرة الله وسلطانه.
فقوله ﴿مالك﴾ منصوب بحرف النداء المحذوف. كما فى قوله ﴿قل اللهم فاطر السموات
والأرض﴾ أى يا فاطر السموات والأرض.
(١) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٥٢.

٧١
سورة آل عمران
ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر خلقه التى تدل على أنه هو مالك الملك على الحقيقة
فقال - تعالى - ﴿تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء﴾.
أى أنت وحدك الذى تعطى الملك من تشاء إعطاءه من عبادك، وتنزعه ممن تشاء، نزعه
منهم، فأنت المتصرف فى شئون خلقك لاراد لقضائك ولا معقب لحكمك.
وعبر بالإِيتاء الذى هو مجرد الإِعطاء دون التمليك المؤذن بثبوت المالكية، للتنبيه على أن
المالكية على الحقيقة إنما هى مختصة بالله رب العالمين، أما ما يعطيه لغيره من ملك فهو عارية
مستردة، وهو شىء زائل لا يدوم.
والتعبير عن إزالة الملك بقوله ﴿وتنزع الملك ممن تشاء﴾ يشعر بأنه - سبحانه - فى قدرته أن
يسلب هذا العطاء من أى مخلوق مهما بلغت سعة ملكه، ومهما اشتدت قوته، وذلك لأن لفظ
النزع يدل على أن المنزوع منه الشىء كان متمسكا به، فسلبه الله منه بمقتضى قدرته وحكمته.
والمراد بالملك هنا السلطان، وقيل النبوة، وقيل غير ذلك.
قال الفخر الرازى : وقوله ﴿تؤقى الملك من تشاء﴾ محمول على جميع أنواع الملك فیدخل فيه
ملك النبوة، وملك العقل، والصحة،والأخلاق الحسنة. وملك النفاذ والقدرة، وملك المحبة،
وملك الأموال، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز))(١).
ومفعول المشيئة فى الجملتين محذوف أى : تؤتى الملك من تشاء إيتاءه وتنزعه ممن تشاء نزعه
منه .
أما الأمر الثانى الذى يدل على أنه - سبحانه - هو مالك الملك على الحقيقة فهو قوله ﴿وتعز
من تشاء وتذل من تشاء﴾.
العزة - كما يقول الراغب - حالة مانعة للإِنسان من أن يغلب، من قولهم : أرض عزاز:
أى صلبة، وتعزز اللحم : اشتد وعز، كأنه حصل فى عزاز يصعب الوصول إليه .. والعزيز
الذى يقهر ولا يغلب.
وتذل، من الذل، وهو ما كان عن قهر، يقال : ذل يذل ذلا إذا قهر وغلب(٢) والعزة صفة
نفسية يحس بها المؤمن الصادق فى إيمانه، لأنه يشعر دائما بأنه عبد الله وحده ولیس عبدا لأحد
سواه، قال - تعالى - ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ فالمؤمنون الصادقون أعزاء ولو كانوا فى
المال والجاه فقراء. أما الكافرون فهم أذلاء، لأنهم خضعوا لغير الله الواحد القهار.
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ٧ طبعة عبد الرحمن محمد.
(٢) مفردات القرآن الراغب الأصفهانى ص ١٨١، ٣٣٣.

٧٢
المجلد الثانى
والمعنى : أنت يا الله يا ملك الملك، أنت وحدك الذى تؤتى الملك لمن تشاء أن تؤتيه له،
وتنزعه ممن تريد نزعه منه، وأنت وحدك الذى تعز من تشاء إعزازه بالنصر والتوفيق، وتذل من
تشاء إذلاله بالهزيمة والخذلان، ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التسليم المطلق من المؤمنين لذاته
فقال - تعالى -: ﴿بيدك الخير إنك على كل شىء قدير﴾.
أى أنت وحدك الذى تملك الخير كله، وتتصرف فيه حسب إرادتك ومشيئتك، لأنك على
كل شىء قدير.
وأل فى الخير للاستغراق الشامل، إذ كل خير فهو بيده - سبحانه - وقدرته، وتقديم الجار
والمجرور ﴿بيدك﴾ الإفادة الاختصاص، أى بيدك وحدك على الحقيقة لا بيد غيرك، وجملة
((إنك على كل شىء قدير)) تعليلية.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ((كيف قال ﴿بيدك الخير﴾ فذكر الخير دون الشر؟
قلت : لأن الكلام إنما وقع فى الخير الذى يسوقه إلى المؤمنين وهو الذى أنكرته الكفرة فقال بيدك
الخير، تؤتیه أولیاءك على رغم من أعدائك، ولأن أفعال الله - تعالى - من نافع وضار صادر
عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه))(١).
ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا من مظاهر قدرته الباهرة فقال : ﴿تولج الليل فى النهار
وتولج النهار فى الليل﴾.
الولوج فى الأصل: الدخول، والإِيلاج الإِدخال. يقال: ولج فلان منزله إذا دخله، فهو
يلجه ولجا وولوجا. وأولجته أنا إذا أدخلته، ثم استعير لزيادة زمان النهار فى الليل وعكسه
بحسب المطالع والمغارب.
أى أنت يا الله يا مالك الملك. أنت الذى بقدرتك تدخل طائفة من الليل فى النهار فيقصر
الليل ويزيد النهار وتدخل طائفة من النهار فى الليل فيقصر النهار ويزيد الليل، وأنت وحدك
الذی بقدرتك أن تجعلھما متعاقبین بأن تأتی باللیل رويدًا رويدًا فى أعقاب النهار، وتأتى بالنهار
شيئًا فشيئًا فى أعقاب الليل. وفى كل ذلك دليل على سعة قدرتك، وواسع رحمتك. وتذكير
واعتبار لأولى الألباب.
ثم ذكر - سبحانه - مظهرا حسيا آخر من مظاهر قدرته فقال: ﴿تخرج الحى من الميت
وتخرج الميت من الحى﴾.
قال الفخر الرازى : ذكر المفسرون فيه وجوها.
(١) راجع تفسیر الکشاف جـ ١ ص ٣٥٠.

٧٣
سورة آل عمران
أحدها : يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح.
والثانى : يخرج الحيوان -وهو حى - من النطفة -وهى ميتة-، والدجاجة - وهى حية - من
البيضة أو العكس.
والثالث : يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس والنخلة من النواة وبالعكس : ثم قال :
والكلمة محتملة للكل : أما الكفر والإيمان فقال - تعالى - ﴿أو من کان ميتا فأحيناه﴾ یرید کان
كافرا فهديناه، فجعل الكفر موتًا والإِيمان حياة، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء وجعل
ما قبل ذلك ميتة فقال: ﴿يحيى الأرض بعد موتها﴾ وقال: ﴿فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به
الأرض بعد موتها﴾ وقال: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم
يحييكم﴾(١).
وفى الحق : إن المتدبر فى هذا الكون وما يعترى سكانه من موت وحياة لیشهد ویذعن بأن
لهذا الكون خالقا قادرا هو الله الواحد القهار.
ثم ختم - سبحانه- مظاهر قدرته ورحمته بقوله ﴿وترزق من تشاء بغير حساب﴾ والرزق
- كما يقول الراغب- يقال للعطاء الجارى تارة دنيويا كان أو أخرويا. وللنصيب تارة، ولما يصل
إلى الجوف ويتغذى به تارة أخرى يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علما، قال
-تعالى -: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت .. ﴾ أى: من المال والجاه
والعلم))(٢).
أى أنت يا الله يا مالك الملك، أنت وحدك الذى ترزق من تشاء أن ترزقه بغير حساب، أى
رزقا واسعا عظيما لأنك أنت صاحب الجود والكرم، ولأنك ليس معك شريك فيحاسبك، بل
أنت المعطى بدون محاسب، وبدون محاسبة من تعطيه، ولأن خزائن ملكك لا ينقصها العطاء
مهما كثر.
ومن كانت هذه صفاته، وتلك بعض مظاهر قدرته : من إيتاء الملك لمن يشاء ونزعه ممن
يشاء وإيلاج الليل فى النهار والنهار فى الليل، وإخراج الحى من الميت والميت من الحى، كان
من حقه أن يفرد بالعبادة والخضوع ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾.
قال ابن كثير: روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى ◌ّ أنه قال: اسم الله الأعظم الذى
إذا دُعى به أجاب فى هذه الآية: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء، وتنزع الملك
ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شىء قدير﴾(٣).
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٨ ص ١٠. بتصرف يسير
(٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ١٩٤ .
(٣) تفسير ابن كثير جـ١ ص١٢٢.

٧٤
المجلد الثانى
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد وصفتا الخالق - عز وجل - بما هو أهله، من
قدرة تامة وسلطان نافذ، ورحمة واسعة، وهذا الوصف من شأنه أن يحمل كل عاقل على
إخلاص العبادة له - سبحانه - وعلى الاستجابة لكل ما أمر به أو نهى عنه رغبة فى ثوابه،
ورهبة من عقابه.
وبعد أن بين - سبحانه - أنه هو وحده مالك الملك، وأنه على كل شىء قدير، عقب ذلك
بنهى المؤمنين عن موالاة أعدائه بسبب قرابة أو صداقة أو نحوهما، فقال -تعالى-
لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ
ثُقَنَّةُ وَيُحَذِّرُ كُمُ اللّهُنَفْسَهُ، وَإِلَى اللّهِالْمَصِيرُ (١)
أورد المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات :
منها أن جماعة من اليهود كانوا يصادقون جماعة من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة
ابن المنذر، وعبدالله بن جبير، وسعيد بن خيشمة لأولئك النفر من الأنصار: اجتنبوا هؤلاء
اليهود واحذروا ملازمتهم ومباطنتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم
وملازمتهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية))(١).
وقوله ﴿أولياء﴾ جمع ولى، والولاء والتوالى - كما يقول الراغب: أن يحصل شيئان فصاعدًا
حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة
ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد.
والولاية - بكسر الواو - النصرة والولاية - بفتحها - تولى الأمر، وقيل هما بمعنى
واحد)»(٢).
و ((لا)) ناهية. والفعل ((يتخذ)) مجزوم بها، وهو متعد لمفعولين:
أولهما : ﴿الكافرين﴾.
وثانيهما : ﴿أولياء﴾.
والمعنى: لا يحل للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء ونصراء، بل عليهم أن يراعوا مافيه
(١) تفسير الألوسى جـ ٣ ص ١٢٠
(٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٥٣٣.

٧٥
سورة آل عمران
مصلحة الإِسلام والمسلمين، وأن يقدموها على ما بينهم وبين الكفار من قرابة أو صداقة أو غير
ذلك من ألوان الصلات لأن فى تقديم مصلحة الكافرين على مصلحة المؤمنين تقديما للكفر على
الإِيمان ومن شأن المؤمن الصادق فى إيمانه أن لا يصدر منه ذلك.
وقد ورد مثل هذا النهى فى كثير من الآيات ومن ذلك قوله - تعالى ﴿يأيها الذين آمنوا
لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾(١).
وقوله - تعالى - ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض
ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾(٢)
قال الألوسى: وقوله ﴿من دون المؤمنين﴾ حال من الفاعل، أى متجاوزين المؤمنين إلى
الكافرين استقلالا أو اشتراكا، ولا مفهوم لهذا الظرف إما لأنه ورد فى قوم بأعيانهم والَوْا الكفار
دون المؤمنين فهو لبيان الواقع. أو لأن ذكره للإشارة إلى أن الحقيق بالموالاة هم المؤمنون، وفى
موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفار))(٣).
قالوا : والموالاة الممنوعة هى التى يكون فيها خذلان للدين أو إيذاء لأهله أو إضاعة
لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالنجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل فى
ذلك النهى، لأنها ليست معاملة فيها أذى للإِسلام والمسلمين)) (٤).
وكرر - سبحانه - لفظ ((المؤمنين)) بأداة التعريف أل للإشارة إلى أن الثانى هو عين الأول،
وفى ذلك إشعار بأن المؤمنين الذين يتخذون الكافرين أولياء ونصراء، يتركون أنفسهم ويهملونها
ويتخذون من عدوهم نهاية لها.
ثم قال - تعالى - ﴿ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء﴾ أى: ومن يتخذ الكافرين
أولياء وأنصارا من دون المؤمنين، فإنه فى هذه الحالة يكون بعيدا عن ولايته لله، ومنسلخا منها
رأسا وليس بينه وبين الله صلة تذكر.
قاسم الإِشارة ﴿ذلك﴾ يعود على الاتخاذ المفهوم من الفعل يتخذ.
والتنوين فى ﴿شىء﴾ للتحقير أى ليس فى شىء يصح أن يطلق عليه اسم الولاية، لأن موالاة
الولى وموالاة عدوه متنافيان كما قال الشاعر :
تود عدوى ثم تزعم أننى
صديقك ليس النوك عنك بعازب(٥)
(١) سورة الممتحنة آية ١
(٢) سورة المائدة آية ٥١.
(٥) النوك: الحمق. والعازب: البعيد.
(٣) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ١٢٠
(٤) تفسير المنار جـ ٣ ص ٢٧٨
..

٧٦
المجلد الثانى
و((من)) شرطية، و﴿يفعل﴾ فعل الشرط، وجوابه ((فليس من الله فى شىء)) واسم ليس
ضمير يعود على ((من)) وقوله ﴿فى شىء﴾ خبرها. أى فليس الموالى فى شىء كائن من الله
-تعالى- والجملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه.
وقال - سبحانه - ﴿فليس من الله﴾ ولم يقل ((فليس من ولاية الله)) للإشعار بأن من اختار
مناصرة المشركين وموالاتهم فقد ترك ذات الله - تعالى - وكان مؤثرا لقوة الكفار على قوة العزيز
الجبار، فهو فى هذه الحالة يعاند الله نفسه، ثم استثنى - سبحانه - من أحوال النهى حال التقية
فقال: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة) وقوله: ﴿تتقوا﴾ من الاتقاء بمعنى تجنب المكروه، وعدی بمن
لتضمينه معنى تخافوا و﴿تقاة﴾ مصدر تقيته - كرميته - بمعنى اتقيته ووزنه فعلة ويجمع على
تقى : كرطبة ورطب. وأصل تقاة : وقية من الوقاية. فأبدلت الواو المضمومة تاء والياء ألفا
لتحركها وانفتاح ما قبلها.
والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال، والتقدير: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكافرين أولياء فى
أى حال من الأحوال إلا فى حال اتقائكم منهم أى إلا أن تخافوا منهم مخافة. أو إلا أن تخافوا من
جهتهم أمرا يجب اتقاؤه من الضرر فى النفس أو المال أو العرض.
كأن يكون الكفار غالبين ظاهرين. أو كنتم فى قوم كفار فيرخص لكم فى مداراتهم باللسان،
على ألا تنطوى قلوبكم على شىء من مودتهم، بل تدارونهم وأنتم لهم كارهون. وألا تعملوا
ما هو محرم كشرب الخمر، أو إطلاعهم على عورات المسلمين أو الانحياز إليهم فى مجافاة بعض
المسلمين، وإذن فلا رخصة إلا فى المداراة باللسان. ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد
الشديد حيث قال - تعالى - ﴿ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير﴾.
والتحذير: هو التخويف لأجل الحذر واليقظة، من أن يقع الإِنسان فى قول أو عمل منهى
عنه .
ونفسه: منصوب على نزع الخافض. والمصير: المرجع والمآب.
أى : ويحذركم الله - تعالى - من نفسه أى من عقابه وانتقامه، وإليه - سبحانه - مرجعكم
ومصيركم فيحاسبكم على أعمالكم.
وقوله ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ فيه ما فيه من التهديد والتخويف من موالاة الكافرين، لأن
التحذير من ذات الله، يقتضى الخوف ووقوع الرهبة فى النفس من الذات العلية، وذلك كما
يقال : -ولله المثل الأعلى- احذر الأسد، فإن هذا القائل يريد أن ذات الأسد فى كل أحوالها
موهوبة، ولأن كلمة ((نفس)) تقال لتأكيد التعبير عن الذات. أى أن التحذير قد جاءكم من الله
- تعالى - لا من غيره فعليكم أن تمتثلوا أمره، فإن إليه وحده المآل وانتهاء أمر العباد.

٧٧
سورة آل عمران
وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقون فاحذروا التعرض لعقابه، وقوله ﴿وإلى المصير﴾ تذييل
مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه. هذا، ولبعض العلماء كلام طويل عن التقية - وهى أن
يظهر الإِنسان خلاف ما يبطن مخافة الأذى الشديد - فقد قال الآلوسى ما ملخصه :
((وفى الآية دليل على مشروعية التقية، وعرفوها بالمحافظة على النفس أو العرض من شر
الأعداء ..
والعدو قسمان :
الأول: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم.
والثانى : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والإِمارة، ومن هنا صارت
التقية قسمين :
أما القسم الأول فالحكم الشرعى فيه أن کل مؤمن وقع فى محل لا یمکن له فیه أن یظهر دينه
لتعرض المخالفين له بالعداوة فإنه يجب عليه أن يهاجر من ذلك المكان إلى مكان يستطيع فيه أن
يظهر دينه، إلا إذا كان ممن لهم عذر شرعى كالنساء والصبيان والعجزة فقد قال تعالى: ﴿إن
الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم
تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا. إلا المستضعفين من
الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم،
وكان الله عفوا غفورًا﴾.
وإذا كان التخويف بالقتل ونحوه جاز له المكث والموافقة لهم ظاهرا بقدر الضرورة مع
السعى فى حيلة للخروج والفرار بدينه.
والموافقة لهم حينئذ رخصة، وإظهار ما فى قلبه عزيمة فلو مات مات شهيدًا بدليل ما روى من
أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبى وَّر فقال لأحدهما: ((أتشهد أن محمدا
رسول الله؟ قال : نعم، نعم، نعم فقال له : أتشهد أنى رسول الله؟ قال: نعم. ثم دعا الثانى
فقال له أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال نعم. فقال له : أتشهد أنى رسول الله؟ قال إنى
أصم، قالها ثلاثا، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله وَ لقر فقال: ((أما هذا المقتول فقد مضى
على صدقه ويقينه فهنيئا له. وأما الآخر فقد قبل رخصة الله فلاتبعة عليه)).
وأما القسم الثانى وهو من كانت عداوته بسبب المال والإِمارة وما إلى ذلك، فقد اختلف فى
وجوب هجرة صاحبه، فقال بعضهم تجب لأن الله قد نهى عن إضاعة المال. وقال آخرون .
لا تجب، لأنها لمصلحة دنيوية ولا يعود على من تركها نقصان فى الدين.
وعد قوم من باب التقية الجائزة مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسم

٧٨
المجلد الثانى
فى وجوههم لكف أذاهم وصيانة العرض منهم - بشرط أن لا تكون هذه المداراة مخالفة لأصول
الدين وتعاليمه - فإن كانت مخالفة لذلك فلا تجوز.
روى البخارى عن عائشة قالت: استأذن رجل على رسول الله و لتر وأنا عنده فقال رسول
الله ◌َلاير بئس أخو العشيرة، ثم أذن له فألان له القول، فقلت يارسول الله قلت ما قلت ثم
ألنت له القول؟ فقال: ((يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه))
إلى غير ذلك من الأحاديث. لكن لا تنبغى المداراة إلى حيث يخدش الدين، ويرتكب
المنكر، وتسىء الظنون))(١).
ثم يبين - سبحانه - أنه عليم بالظواهر والبواطن، وأمر بأن يكثروا من العمل الصالح
الذى ينفعهم يوم القيامة، وأن يلتزموا طاعة الله ورسوله لكى يسعدوا فى دينهم ودنياهم، وأن
· يراقبوا الله - تعالى - فى أقوالهم وأعمالهم لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية فقال تعالى:
قُلْ
إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْتُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ(١)
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُخُضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ
مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَ أَبَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ
قَا
٤َ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
٣٠
اللَّهُ نَفْسَهُ, وَاُللَّهُ رَهُوَفُ بِالْعِبَادِ
فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُ
٣١
اُلْكَفِرِينَ
٣٢
والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وقل لغيرهم
(١) تفسير الآلوسى بتصرف وتلخيص جـ ٣ ص ١٢١.

٧٩
سورة آل عمران
ممن يوجه إليهم الخطاب، قل لهم على سبيل الإِرشاد والتحذير ﴿إن تخفوا ما فى صدوركم أو
تبدوه﴾ من ولاية الكفار أو غيرها من الأقوال والأفعال ﴿يعلمه الله﴾ فيجازيكم عليه بما
تستحقون .
وفى أمر النبى وَّ بتوجيه هذا القول إلى المخاطبين ترهيب لهم من الآمر وهو الله - تعالى-
لأن هذا التنويع فى الخطاب من شأنه أن يربى المهابة فى القلوب. وذلك - ولله المثل الأعلى -
کان یقول الملك للمخالفین من رعيته : أحذرکم من مخالفتی، ثم يأمر أحد أصفيائه بأن یکرر.
هذا التحذير وأن يبين لهم سوء عاقبة المخالفين.
وقوله ﴿ويعلم ما فى السموات وما في الأرض﴾ جملة مستأنفة وليست معطوفة على جواب
الشرط وهو ﴿يعلمه الله﴾، وذلك لأن علمه - سبحانه - بما فى السموات والأرض ليس متوقفا
على شرط فلذلك جىء به مستأنفا. وهذا من باب ذكر العام بعد الخاص وهو علم مافى
صدوركم تأکیدا له وتقریرًا.
وقوله ﴿والله على كل شىء قدير﴾ تذييل قصد به الإِخبار بأنه مع علمه الواسع المحيط، ذو
قدرة نافذة على كل شىء وهذا لون من التهديد والتحذير لأن الذى يتوعد غيره بشىء لا يحول
بينه وبين تحقيق هذا الشىء إلا أحد أمرين : الجهل بجريمة المجرم، أو العجز عن تنفيذ وعيده،
فلما أعلمهم - سبحانه - بأنه محيط بكل شىء وقادر على كل شىء، ثبت أنه - سبحانه متمكن
من تنفيذ وعيده.
قال صاحب الكشاف: ((وقوله ﴿والله على كل شىء قدير﴾ أى: هو قادر على عقوبتكم
وهذا بيان لقوله ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ لأن نفسه وهى ذاته المميزة من سائر الذوات، متصفة
بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون معلوم. فهى متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص
بمقدور دون مقدور، فهى قادرة على المقدورات كلها فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد .
على قبيح ولا يقصر عن واجب فإنه مطلع عليه لا محالة فلاحق به العقاب. ولو علم بعض
عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله، فوكل همه بما یورد ويصدر، ونصب عليه عيونا،
وبث من يتجسس عن بواطن أموره: لأخذ حذره وتيقظ فى أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه
الاسترابة به، فما بال من علم أن العالم بالذات - يعنى أن علمه بذاته لا بعلم زائد عن ذاته
كعلم الحوادث وهذا عند المعتزلة - الذى يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن. اللهم إنا
نعوذ بك من اغترارنا بسترك))(١).
ثم كرر - سبحانه - التحذير من الحساب يوم القيامة وما يقع فيه من أهوال ورغب المؤمنين
(١) تفسير الکشاف جـ ١ ص ٣٢٥.

٨٠
المجلد الثانى
فى العمل الصالح فقال: ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء
تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدًا﴾
قال الألوسى : الأمد : غاية الشىء ومنتهاه والفرق بينه وبين الأبد أن الأبد مدة من الزمان
غير محدودة والأمد مدة لها حد مجهول، والمراد هنا الغاية الطويلة، وذهب بعضهم إلى أن المراد
بالأمد البعيد المسافة البعيدة، ولعله الأظهر، فالتمنى هنا من قبيل التمنى فى قوله - تعالى -
﴿ياليت بينى وبينك بعد المشرقين﴾(١).
والمعنى : راقبوا ربكم أيها المؤمنون. وتزودوا من العمل الصالح واذكروا ﴿يوم تجد کل نفس
ما عملت﴾ فى الدنيا ﴿من خير) وإن كان مثقال ذرة ﴿محضرًا﴾ لديها مشاهدا فى الصحف،
حتى لكأنه قد أحضر من الدنيا إلى الآخرة فيرى رأى العين ﴿وما عملت من سوء﴾ تراه أيضًا
ظاهرًا ثابتا مسجلا عليها، وتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل السىء زمنا طويلا، ومسافة بعيدة
وذلك لأن الإِنسان يتمنى دائما أن يكون بعيدا بعدا شاسعًا عن الشىء المخيف المؤلم خصوصًا فى
هذا اليوم العصيب وهو يوم القيامة.
وقوله ﴿يوم﴾ متعلق بمحذوف تقديره اذكروا، وهو مفعول به لهذا المحذوف. و ((تجد)) يجوز
أن يكون متعديا لواحد فيكون بمعنى تصيب وتصادف، ويكون ((محضرًا)) على هذا منصوبا على
الحال. قال الجمل: وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يكون بمعنى تعلم فيتعدى لاثنين أولهما
﴿ما عملت﴾ والثانى ﴿محضرًا﴾(٢).
وقوله ﴿وما عملت من سوء﴾ معطوف على قوله ﴿ما عملت من خير﴾.
ويرى بعضهم أن ((ما)) فى قوله ﴿وما عملت من سوء﴾ مبتدأ، وخبرها جملة ﴿تود لو أن
بينها وبينه أمدا بعيدا﴾ فيكون المعنى: ما عملت من سوء تتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه
أمدا بعيدا.
أتى - سبحانه - بقوله ﴿محضرا﴾ فى جانب الخير فقط مع أن عمل السوء أيضًا يكون محضرًا
للإشعار يكون عمل الخير هو المراد بالذات. وهو الذى يتمناه الإِنسان ويرجو حضوره فى هذا
لما يترتب عليه من ثواب وأما عمل الشر فتتمنى كل نفس اقترفته لو بعد عنها ولم تره بسبب
ما يترتب عليه من عقاب.
وقوله - سبحانه - ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ تكرير للتحذير الأول الذى جاء فى قوله -تعالى-
(١) تفسير الألوسى جـ ٣ ١٢٧.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٥٩.