Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة آل عمران قال الجمل : وقوله ﴿مصدقا لما بين يديه﴾، فيه نوع مجاز؛ لأن ما بين يديه هو ما أمامه. فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره. واللام فى ﴿لما﴾ لتقوية العامل. نحو قوله -تعالى -: ﴿فعال لما يريد﴾. وهذه العبارة أحسن من تعبير بعضهم بالزائدة))(١). ثم أخبر - سبحانه - عن بعض الكتب الأخرى التى أنزلها فقال: ﴿وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان﴾. والتوراة : اسم عبرانى للكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على موسى - عليه السلام - ليكون شريعة له ولقومه. قال القرطبى ما ملخصه : والتوراة معناها الضياء والنور مشتقة من وَرَى الزند ووَرِى لغتان إذا خرجت نارة .. وقيل مأخوذة من التورية، وهى التعريض بالشىء والكتمان لغيره، فكان أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح. والجمهور على القول الأول لقوله - تعالى - ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرًا للمتقين﴾ يعنى التوراة(٢). والإِنجيل : كلمة يونانية معناها البشارة وهى اسم للكتاب الذى أنزله الله على عيسى. قالوا : والإِنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل : يقال: رحم الله ناجليه أى والديه. وقال قوم : الإِنجيل مأخوذ من نجلت الشىء إذا استخرجته وأظهرته ، ويقال للماء الذى يخرج من البئر: نجل وقيل: هو من النجل الذى هو سعة فى العين. ومنه طعنة نجلاء أى واسعة. وسمى الإِنجيل بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه الله - تعالى - لبنى إسرائيل على يد عيسى عليه السلام(٣). وهذا الكلام الذى نقلناه عن القرطبى والفخر الرازى هو قول لبعض العلماء الذين يرون أن لفظى التوراة والإنجيل يدخلهما الاشتقاق والتصريف. وهناك فريق آخر من العلماء يرى أن هذين اللفظين لا يدخلهما الاشتقاق والتصريف لأنهما اسمان أعجميان لهذين الكتابين الشريفين. قال الفخر الرازى بعد أن أورد كلاما طويلا يدل على عدم ارتضائه للمذهب الذى يرى (١) حاشية الجمل جـ١ ص٢٢٥ (٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ٥ (٣) التفسير الكبير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٧١ طبعة عبد الرحمين محمد سنة ١٣٥٧- ١٩٣٨. ٢٢ المجلد الثانى أصحابه أن هذين اللفظين يدخلهما الاشتقاق والتصريف: ((فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان : أحدهما بالعبرية، والآخر بالسريانية، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقهما على أوزان لغة العرب، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث))(١). وقوله ﴿من قبل﴾ متعلق ((بأنزل)) و((هدى)) حال من التوراة والإنجيل، ولم يثن لأنه مصدر. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله والعامل فيه أنزل. أى: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذى من جملته الإِيمان بالنبى ◌ّه واتباعه حين يبعث، لأنهما قد اشتملتا على البشارة به والحض على طاعته. قالوا : فالمراد بالناس من عمل بالتوراة والإنجيل وهم بنو إسرائيل. ويحتمل أنه عام بحيث يشمل هذه الأمة وإن لم نكن متعبدين أى مكلفين ومأمورين بشرع من قبلنا، والآن فيهما ما يفسد التوحيد وصفات البارى والبشارة بالنبى ◌َلير(٢). قال الألوسى: وعبر فى جانب التوراة والإنجيل بقوله ((أنزل)) للإشارة إلى أنهما لم يكن لهما سوى نزول واحد، بخلاف القرآن فإن له نزولين : نزولا من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة، ونزولا من ذلك إليه وي ليه منجما فى ثلاث وعشرين سنة على المشهور، ولهذا يقال فيه نزل وأنزل .. ))(٣). هذا، وليست التوراة التى بين أيدى اليهود اليوم هى التوراة التى أنزلها الله على موسى، فقد بين القرآن فى أكثر من آية أن بعض أهل الكتاب قد امتدت أيديهم الأثيمة إلى التوراة فحرفوا منها ما حرفوا، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير﴾. وقوله : - تعالى - ﴿فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به﴾. ومن الأدلة على أن التوراة التى بين أيدى اليهود اليوم ليست هى التى أنزلها الله على موسى : انقطاع سندها، واشتمالها على كثير من القصص والعبارات والمتناقضات التى تتنزه الكتب السماوية عن ذكرها (٤). (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٧١ (٢) تفسير الآلوسی جـ ٣ ص ٧٦. (٣) تفسیر الألوسی جـ٣ ص٧٦. (٤) راجع ما كتبناه فى ذلك ((بنوإسرائيل)) فى القرآن والسنة)) جـ١ من ص٨٦-٩٣. ٢٣ سورة آل عمران وكذلك الحال بالنسبة للإنجيل؛ إذ ليست هذه الأناجيل التى يقرؤها المسيحيون اليوم هى الإِنجيل الذى أنزله الله على عيسى؛ وإنما هى مؤلفات ألفت بعد عيسى - عليه السلام - ونسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه. أما الإِنجيل الذى أنزله الله على عيسى والذى وصفه الله بأنه هداية للناس فهو غير هذه الأناجيل(١). و﴿الفرقان﴾ كل ما فرق به بين الحق والباطل، والحلال والحرام. وهو مصدر فرق يفرق بين الشيئين فرقا وفرقانًا. ١ - والمراد به عند أكثر المفسرين: الكتب السماوية التى سبق ذكرها وهى التوراة والإنجيل والقرآن. أى: أنزل بهذه الكتب ما يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال. والخير والشر، وبذلك لا يكون لأحد عذر فى جحودها والكفر بها. وأعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإِنزال، تنزيلا للتغاير الوصفى منزلة التغاير الذاتى. ٢ - وقال بعضهم المراد بالفرقان هنا القرآن. وإنما أعاده بهذا العنوان بعد ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه، ورفعا لمكانه، ومدحا له بكونه فارقًا بين الحق والباطل، للإشارة إلى الاتصال الكامل بين شرائع الله - تعالى - وأنه تتميم لما سبقه، وأنه كمال الشرائع كلها. ٣ - وقال بعضهم: المراد به جنس الكتب السماوية التى أنزلها الله - تعالى - على رسله لهداية الناس وسعادتهم. وقد عبر عنها بالفرقان ليشمل هذا الوصف ماذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم، إثر تخصيص مشاهيرها بالذكر. وقد ذكر صاحب الكشاف هذه الأقوال وغيرها فقال: ((فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟ قلت : جنس الكتب السماوية لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب. أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور. أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له من كونه فارقا بين الحق والباطل)»(٢). أما الفخر الرازى فإنه لم يرتض كل هذه الأقوال، بل أتى برأى جديد فقال - ما ملخصه : ٤ - ((والمختار عندى أن المراد من هذا الفرقان : المعجزات التى قرنها الله - تعالى - بإنزال هذه الكتب، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب، وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله، (١) راجع تاريخ الأناجيل فى كتاب ((محاضرات فى النصرانية)) لفضيلة أستاذنا المرحوم محمد أبو زهرة. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٣٦ طبعة دار الكتاب العربى ببيروت. ٢٤ المجلد الثانى افتقروا فى إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين، فلما أظهر الله على وفق دعواهم تلك المعجزات، حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب. فالمعجزة هى الفرقان. فلما ذكر الله أنه أنزل الكتاب بالحق، وأنه أنزل التوراة والإِنجيل من قبل ذلك؛ بين أنه - تعالى - أنزل معها ما هو الفرقان الحق، وهو المعجز القاهر الذى يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة))(١). والذى نراه أقرب إلى القبول أن المراد بالفرقان هنا جنس الكتب السماوية لأنها جميعها فارقة بين الحق والباطل فيندرج تحتها القرآن وغيره من الكتب السماوية. ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المنحرفين عن طريق الحق، الكافرين بآيات الله، فقال : ﴿إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام﴾ أى: إن الذين كفروا بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته، وصدق رسله فيما يبلغون عنه، لهم عذاب شديد منه - سبحانه- بسبب كفرهم وجحودهم ﴿والله عزيز﴾ أى منيع الجانب، غالب على أمره يفعل ما يشاء ويحكم مايريد. وفى قوله ﴿والله عزيز﴾ إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وفى قوله ﴿ذو انتقام﴾ إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب، ينزله متى شاء، وكيف شاء، بمقتضى قدرته وحكمته وإرادته، والوصف الأول صفة للذات. والثانى صفة للفعل. ثم أخبر - سبحانه - عن شمول علمه لكل شىء فقال: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء فى الأرض ولا فى السماء﴾. أى أنه سبحانه - هو المطلع على كل صغير وكبير. وجليل وحقير، فى هذا الكون، لأنه هو " الخالق له، والمهيمن على شئونه. وصدق - سبحانه - حيث يقول: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾. وذكر - سبحانه - السماء والأرض، للإشارة إلى أن علمه وسع كل شىء، وسع السموات والأرض، وليس الإِنسان بالنسبة لهما إلا كائنا صغيرا فكيف لا يعلم - سبحانه - ما يسره هذا الانسان وما يخفيه؟ وفى تكرير حرف النهى ((لا)) تأكيد لنفى خفاء أى شىء عليه - سبحانه - والآية الكريمة وعيد شديد للكافرين بآياته، لأنه - سبحانه - وهو العليم بما يسرونه وما يعلنونه، سيجازيهم بمقتضى علمه بما يستحقونه. (١) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ٧ ص ١٧٣ . ٢٥ سورة آل عمران ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بشمول قدرته وعلمه فقال : ﴿هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾. وقوله ﴿يصوركم﴾ من التصوير وهو جعل الشىء على صورة لم يكن عليها. وهو مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه. أو من صاره إلى كذا بمعنى أماله وحوله. والله - تعالى - القادر على كل شىء قد حكى لنا أطوار خلق الإِنسان فى آيات متعددة منها قوله - تعالى - ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين. ثم خلقنا النطقة علقة. فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظامًا، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾. والأرحام : جمع رحم، وهو مستودع النطفة فى بطن المرأة، ومكان تربية الجنين ونموه وتكوينه بالطريقة التى يشاؤها الله، حتى يبرزه إلى الوجود بشرا سويا. والمعنى : الله الذى لا إله إلا هو والذى هو الحى القيوم، هو الذى يصوركم فى أرحام أمهاتكم كيف يشاء، بأن جعل بعضكم طويلا وبعضكم قصيرًا، وهذا أبيض وذاك أسود، وهذا ذكر وتلك أنثى، فهو وحده القادر على تصوير خلقه بتلك الصور المختلفة المتفاوتة، ومن كان شأنه كذلك. فهو المستحق للعبادة والخضوع، لا إله إلا هو ﴿العزيز﴾ الذى يقهر كل شىء بقوته وقدرته ﴿الحكيم﴾ فى كل شئونه وتصرفاته. وهذه الآية الكريمة فى مقام التعليل للتى قبلها، لأن قبلها بينت أن الله لا يخفى عليه شيء فى الأرض ولا فى السماء، إذ هو العليم بما يسره الإِنسان من كفر أو إيمان أو غيرهما. وهذه الآية . تفيد أنه - سبحانه - يعلم أحوال الإِنسان لا بعد استوائه بشرًا سويًا، بل يعلم أحواله وهو نطفة فى الأرحام، بل إنه - سبحانه - ليعلم أحواله قبل أن يكون شيئًا مذكورًا، فهو - كما يقول القرطبى - العالم بما كان وما يكون ومالا يكون. ومن كان ذلك شأنه فمن الواجب على الذين أوجدهم - سبحانه - فى بطون أمهاتهم، ورباهم ورعاهم وخلقهم خلقا من بعد خلق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وقوله - تعالى - ﴿كيف يشاء﴾ إخبار منه - سبحانه - بأن هذا التكوين والتصوير فى الأرحام تبع لمشيئته وقدرته وليس خاضعا لقانون الأسباب والمسببات، إذ هو الفعال لما يريد. فمن شاء هدايته هداه، ومن شاء إضلاله أضله. و﴿كيف﴾ فى موضع نصب على أنه حال، وناصبه الفعل الذى بعده وهو ﴿يشاء﴾ ومفعول المشيئة محذوف والتقدير: هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء تصويركم، من ذكر وأنثى، ٢٦ - المجلد الثانى وجميل ودميم، وغير ذلك من مظاهر التفاوت والاختلاف فى الصور والأشكال والعقول والميول. وقوله - تعالى - ﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم) تأكيد لما قبله، من انفراده بالألوهية، وحقيقة المعبودية، بعد أن أقام الأدلة الساطعة على ذلك من كونه حيا قيوما، منزلا للكتب الهادية للناس إلى الحق عالما بكل شىء، مصورًا لخلقه وهم فى أرحام أمهاتهم كيف يشاء .. وكل ذى عقل سليم يتدبر هذه الآيات الكريمة، يقبل على الإِيمان بالحق بقوة وإخلاص، ويسارع إلى العمل الصالح بقلب منيب ونية صادقة. هذا، وقد ذكر كثير من المفسرين أن سورة آل عمران من مطلعها إلى بضع وثمانين آية منها قد نزل فى وفد نصارى نجران الذين قدموا على الرسول عليه فى السنة التاسعة من الهجرة، ليناقشوه فى شأن عيسى - عليه السلام - وقد رد عليهم وَي بما يبطل أقوالهم التى تخالف الحق، وأرشدهم إلى الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى ارتضاه الله لعباده دينا. وسنذكر قصة هذا الوفد عند تفسيرنا لآية المباهلة وهى قوله - تعالى - فى هذه السورة ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) الآية ٦١. وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة الواضحة على أنه هو المستحق للعبادة، عقب ذلك ببيان أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، وبيان موقف الناس منهما فقال -تعالى - : هُوَ اُلَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّالْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَِهَتٌّ فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ مِّنْ عِندِ رَيِّنَاً وَمَا يَذَكَرُ ٧ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ قوله - تعالى -: ﴿محكمات) من الإحكام - بكسر الهمزة - وهذه المادة تستعمل فى اللغة لمعان متعددة، ترجع إلى شىء واحد هو المنع يقال: أحكم الأمر أى أتقنه ومنعه عن الفساد ٢٧ سورة آل عمران ويقال : أحكمه عن الشىء أى أرجعه عنه ومنعه منه. ويقال حكم نفسه وحكم الناس، أى منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق. ويقال أحكم الفرس أى جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب. وقوله : ﴿هن أم الكتاب﴾ أى أصله الذى فيه عماد الدين وفرائضه وحدوده وما يحتاج إليه الناس فى دنياهم وآخرتهم. وأم كل شىء: أصله وعماده. قال ابن جرير: والعرب تسمى الأمر الجامع لمعظم الشىء أماً له. فيسمون راية القوم التى تجمعهم فى العساكر أمهم. ويسمون المدبر لمعظم أمر البلدة والقرية أمها))(١). وقوله ﴿متشابهات﴾ من التشابه بمعنی أن یکون أحد الشیئین مشابهًا للآخر ومماثلا ومشاكلا له مشاكلة تؤدى إلى الالتباس غالبًا. قال: أمور مشتبة ومشبهة - كمعظمة - : أى مشكلة. ويقال : شبه عليه الأمر تشبيها : لبس عليه. ولقد جاء فى القرآن ما يدل على أنه كله محكم كما فى قوله - تعالى- ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه كما فى قوله -تعالى- ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا﴾. وجاء فيه ما يدل على أن بعضه متشابه كما فى الآية التى نحن بصدد تفسيرها. ولا تعارض بين هذه الإِطلاقات الثلاثة، لأن معنى إحكامه كله: أنه متقن متين لا يتطرق إليه خلل أو اضطراب. ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا فى بلاغته وفصاحته وإعجازه وهدايته، ومعنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فسنبينه بعد سرد بعض الأقوال التى قالها العلماء فى تحديد معنى كل منهما. فمنهم من يرى أن المحكم هو الواضح الدلالة الذى لا يحتمل النسخ، والمتشابه هو الخفى الذى لا يدرك معناه وهو ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة والروح. ومنهم من يرى أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. والمتشابه هو الذى لا يستقل بنفسه، بل يحتاج إلى بيان، فتارة يبين بكذا، وتارة يبين بكذا، لحصول الاختلاف فى تأويله. ومنهم من يرى أن المحكم هو الذى لا يحتمل فى تأويله إلا وجها واحدًا والمتشابه هو الذى يحتمل أوجها. ومنهم من يرى أن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر. أما المتشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل والمؤول والمشكل. بـ (١) تفسير ابن جرير جـ ٣ ص ١٧٠ طبعة مصطفى الحلبى. ٢٨ المجلد الثانى هذه بعض الأقوال فى تحديد معنى المحكم والمتشابه(١). وقد اختار كثير من المحققين هذا القول الأخير، ومعنى الآية الكريمة - بعد هذا التهميد الموجز: الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو الحى القيوم، والذى أنزل الكتب السماوية لهداية الناس، والذى صورهم فى الأرحام كيف يشاء، وهو الذى أنزل عليك - يا محمد - هذا الكتاب الكريم المعجز العظيم الشأن، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يجعل هذا الكتاب ﴿منه آيات محكمات﴾ أى واضحات الدلالة، محكمات التراكيب، جليات المعانى، متقنات النظم والتعبير حاويات لكل ما يسعد الناس فى معاشهم ومعادهم، بينات لا التباس فيها ولا اشتباه. وقوله ﴿هن أم الكتاب﴾ أى هذه الآيات المحكمات الواضحات الدلالة المانعات من الوقوع فى الالتباس لانكشاف معانيها لكل ذى عقل سليم، هن أصل الكتاب الذى يعول عليه فى معرفة الأحكام، ويرجع إليه فى التمييز بين الحلال والحرام، ويرد إليه ماتشابه من آياته، وما استشكل من معانيها. والجار والمجرور ﴿منه﴾ خبر مقدم، و﴿آيات﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿محكمات) صفة لآيات. وقوله ﴿هن أم الكتاب﴾ صفة ثانية للآيات. قال الجمل: وأخبر بلفظ الواحد وهو ﴿أم﴾ عن الجمع وهو ﴿هن﴾ لأن الآيات كلها فى تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام الله واحد. أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب كما قال - تعالى -: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ أى كل واحد منهما. أو لأنه مفرد واقع موقع لجمع)»(٢). وقوله ﴿وأخر متشابهات﴾ أى ومنه آيات أخر متشابهات وذلك كالآيات التى تتحدث عن صفات الله - تعالى - مثل: الاستواء، واليد والغضب، ونحو ذلك من الآيات التى تحدثت عن صفاته - سبحانه - وكالآيات التى تتحدث عن وقت الساعة، وعن الروح وعن حقيقة الجن والملائكة وكالحروف المقطعة فى أوائل السور. قال الشيخ الزرقانى ما ملخصه : ومنشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع من كلامه . أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ من جهة غرابته كلفظ الأب فى قوله تعالى : ' وفاكهة وأبا﴾ أو من جهة اشتراكه بين معان عدة كما فى قوله - تعالى - ﴿فراغ عليهم ضربا (١) إذا أردت المزيد فراجع الإتقان للسيوطى. وتفسير الألوسى جـ ٣ ص ٨٠ وتفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٧٨. (٢) حاشية الجمل على الجلالين - بتصرف يسير - جـ١ ص٢٤٢. ۔ : ٢٩ سورة آل عمران باليمين﴾ أى فأقبل إبراهيم على الأصنام يضربها بيمينه، أو بقوة، أو بسبب اليمين التى حلفها. ومن هذا النوع فواتح السور المبدوءة بحروف التهجى لأن التشابه والخفاء فى المراد منها جاء من ناحية ألفاظها. ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى، ومثاله كل ماجاء فى القرآن وصفا لله - تعالى - أو لأهوال القيامة، أو لنعيم الجنة .. فإن العقل البشرى لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق، ولا بأهوال يوم القيامة، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار. ثم قال - رحمه الله - ويمكننا أن ننوع المتشابهات ثلاثة أنواع : النوع الأول : مالا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات الله وحقائق صفاته، وكالعلم بوقت القيامة ونحوه مما استأثر الله بعلمه. النوع الثانى : ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس، كالمتشابهات التى نشأ التشابه فيها من جهة الإجمال والبسط والترتيب. والأمثلة على ذلك كثيرة، فمثال التشابه بسبب الإِجمال قوله - تعالى : ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾. فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه. والأصل: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن ماطاب لكم من النساء﴾. النوع الثالث : ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم ولذلك أمثلة كثيرة من المعانى العالية التى تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب الله))(١). ثم بين - سبحانه - موقف الذين فى قلوبهم مرض وانحراف عن الحق من متشابه القرآن فقال: ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ فالجملة الكريمة تفصيل لإِجمال اقتضاه الكلام السابق. والزيغ - كما يقول القرطبى - الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، ويقال : زاغ 1. يزيغ زيغًا إذا ترك القصد، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾. وهذه الآية -. تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإِشارة بها فى ذلك الوقت إلى نصارى نجران. (١) مناهل العرفان فى علوم القرآن لفضيلة الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى جـ ٢ ص ١٧٤ . ٣٠ المجلد الثانى والابتغاء : الاجتهاد فى الطلب. يقال: بغيت الشىء وابتغيته، إذا طلبته بجد ونشاط. والفتنة : من الفتن : وأصل الفتن إدخال الذهب للنار لتظهر جودته من رداءته. والمراد بها هنا الإِضلال وإثارة الشكوك حول الحق. والتأويل : يطلق بمعنى التفسير والتوضيح والبيان. ويطلق بمعنى حقيقة الشىء وما يؤول إليه أمره، مأخوذ من الأول وهو الرجوع إلى الأصل. يقال: آل الأمر إلى كذا يؤول أولاً أى رجع. وأولته إليه: رجعته. المعنی : لقد اقتضت حكمتنا - یا محمد - أن ننزل علیك القرآن مشتملا على آيات محكمات هن أم الكتاب، وعلى أخر متشابهات. فأما الفاسقون الذين فى قلوبهم انحراف عن طلب الحق، وميل عن المنهج القويم، وانصراف عن القصد السوى فيتبعون ما تشابه منه، أى : يتعلقون بذلك وحده. ويعكفون على الخوض فيه. ولا تتجه عقولهم إلى المحكم ليردوا المتشابه إليه، وإنما يلازمون الأخذ بالمتشابه كما يلازم التابع متبوعه، لأنه يوافق اعوجاج نفوسهم وسوء نياتهم. وتحكم أهوائهم وشهواتهم. وقد بين - سبحانه - أن اتباع هؤلاء الزائغين للمتشابه إنما يقصدون من ورائه أمرين : أولهما: ((ابتغاء الفتنة)) أى طلبا لفتنة المؤمنين فى دينهم. وتشكيكهم فى عقيدتهم، وإثارة الريب فى قلوبهم بأوهام يلقونها حول المتشابه الذى جاء به القرآن، بأن يقولوا - كما حكى القرآن عنهم - ﴿أئذا متنا وكنا ترابا أثنا لفى خلق جديد﴾ وبأن يقولوا : كيف يكون نعيم الجنة، وما حقيقة الروح ولماذا يعذبنا الله على أعمالنا مع أنه هو الخالق لكل شىء، إلى غير ذلك من الشبهات الزائفة التى يثيرها الذين فى قلوبهم زيع طلبا لتشكيك المؤمنين فى دينهم. وثانيهما: ((وابتغاء تأويله)) أى: ويتعلقون بالمتشابه ويتبعونه طلبا لتأويل آيات القرآن تأويلا باطلا، وتفسيرها تفسيرا فاسدًا بعيدًا عن الحق زاعمين أن تفسيرهم هذا هو الحق بعينه، لأنه يتفق مع أهوائهم وشهواتهم وميولهم الأثيمة. وفى جعل قلوبهم مقرًا للزيغ مبالغة فى عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد. وفى تعليل الاتباع-كما يقول الآلوسي- ((بابتغاء تأويله دون نفس تأويله وتجريد التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقيقة. إيذان بأنهم ليسوا من أهل التأويل - فى عير ولا نفير ولا قبيل ولا دبير - وأن ما يبتغونه لیس بتأويل أصلا لا أنه تأويل غیر صحیح قد یعذر صاحبه)». وقد ذم النبى وَل# هؤلاء الذين يتبعون ماتشابه من القرآن طلبا للفتنة والتأويل الباطل، ٣١ سورة آل عمران وحذر منهم فى أحاديث كثيرة. ومن ذلك ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: تلا رسول الله و جر هذه الآية: ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات﴾ .. إلخ الآيات قالت: قال رسول الله وَ لقوله((فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم))(١). وقد استجاب الصحابة - رضى الله عنهم - لوصايا الرسول و لتر فكانوا يتباعدون عن الذين فى قلوبهم زيغ. ويزجرونهم ويكشفون عن أباطيلهم. .... قال القرطبى: ((حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضى : قال : أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار أن صَبِيغ بن عِسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء: فبلغ ذلك عمر - رضى الله عنه - فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال : أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر - وأنا عبد الله عمر : ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه فقال حسبك يا أمير المؤمنين !! فقد والله ذهب ما كنت أجد فى رأسى))(٢). ثم بين - سبحانه - أن تأويل المتشابه مرده إلى الله - تعالى - وأن الراسخين فى العلم يعلمون منه ما يوفقهم الله لمعرفته فقال، ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾. وقوله - تعالى - ﴿والراسخون فى العلم﴾ من الرسوخ وهو الثبات والتمكن وأصله فى الأجرام، أن يرسخ الجبل والشجر فى الأرض، واستعمل فى المعانى ومنه رسخ الإِيمان فى القلب. أى ثبت واستقر وتمكن. والألباب، جمع لب وهو - كما يقول الراغب - العقل الخالص من الشوائب وسمى بذلك لكونه خالص ما فى الإنسان من معانيه، كاللباب واللب من الشىء وقيل هو مازكا من العقل، فكل لب عقل وليس كل عقل لبا، ولهذا علق الله - تعالى - الأحكام التى لا يدركها إلا العقول الزكية بأولى الألباب)»(٣). قال الآلوسي: ((وقوله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم﴾ فى موضع الحال من (١) أخرجه البخارى فى كتاب التفسير جـ ٦ ص ٤٢. طبعة مصطفى الحلبى سنة ١٣٤٥ هـ (٢) تفسير القرطبى جـ ٤ ص ١٤ (٣) المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى ص ٦٤٤ ٣٢ المجلد الثانى ضمير يتبعون باعتبار العلة الأخيرة. أى يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله - تأويلا فاسدًا - والحال أن التأويل المطابق للواقع- كما يشعر به التعبير بالعلم والإضافة إلى الله - تعالى- مخصوص به -سبحانه- وبمن وفقه - عز شأنه - من عباده الراسخين فى العلم. أى الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا فى مزال الأقدام، ومداحض الأفهام، دونهم حيث إنهم بمعزل عن تلك الرتبة، هذا ما يقتضيه الظاهر فى تفسير الراسخين))(١). وقوله. ﴿يقولون آمنا به كل من عند زبنا﴾ جملة موضحة لحال الراسخين فى العلم، ومبينة لما هم عليهم من قوة الإِيمان، وصدق اليقين. أى يقول الراسخون في العلم عندما يقرءون ما تشابه من آيات القرآن آمنا به وصدقنا وأذعنا فنحن لا نشك فى أن كلا من الآيات المتشابهة والآيات المحكمة من عند الله وحده فهو الذى أنزلها على نبيه وَل بمقتضى حكمته ومشيئته. وقوله ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾، معطوف على جملة ﴿يقولون) وقد ختم به - سبحانه - هذه الآية على سبيل المدح لهؤلاء الراسخين فى العلم. أى: وما يدرك هذه الحقائق الدينية ويعتبر بها ويتذكر ما اشتمل عليه القرآن من أحكام وآداب وهدايات وتشريعات إلا أصحاب العقول السليمة، والألباب المستنيرة التى لا تتأثر بالأهواء والشهوات، ولا تركن إلى البدع الزائفة والأفكار الفاسدة. قال ابن كثير: ((وقوله - تعالى - ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ اختلف القراء فى الوقف هنا فقيل الوقف على لفظ الجلالة، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: ((التفسير على أربعة انحاء فتفسير لا يعذر أحد فى فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون فى العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله)). وعن أبى مالك الأشعرى أنه سمع رسول الله وقليل يقول: ((لا أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون آمنا به﴾ الآية وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولايسألون عنه)). وحكى ابن جرير أن قراءة عبد الله بن مسعود، إن تأويله إلا عند الله، والراسخون فى العلم يقولون آمنا به. واختار هذا القول ابن جرير - وهو مذهب الأكثرين من الصحابة .... والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة. ومنهم من يقف على قوله ﴿والراسخون فى العلم﴾ وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا الخطاب بما لايفهم بعيد. وقد روى عن ابن عباس أنه قال. أنا من الراسخين (١) تفسير الآلوسي ٣ ص ٨٣. ٣٣ سورة آل عمران الذين يعلمون تأويله، وروى عن مجاهد أنه قال والراسخون فى العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به . . وفى الحديث أن رسول الله # دعا لابن عباس فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)). والذى نراه أنه إذا فسر المتشابه بما استأثر الله - تعالى - بعلمه كقيام الساعة وحقيقة الروح، كان الوقف على لفظ الجلالة وكانت الواو فى قوله ﴿والراسخون﴾ للاستئناف، والراسخون مبتدأ وجملة ((یقولون)) خبر عنه. أى والراسخون فى العلم يقولون آمنا به ويفوضون علمه إليه - سبحانه - ولا يقتحمون أسواره، كأهل الزيغ والضلال الذين أولوه تأويلا فاسدا .. وإذا فسر المتشابه بما لا يتبين معناه إلا بعد نظر دقيق بحيث يتناول المجمل ونحوه كان الوقف على لفظ العلم، وكانت الواو فى قوله ﴿والراسخون﴾ للعطف. أى: لا يعلم تأويل المتشابه تأويلا حقا سليما إلا الله والراسخون فى العلم أما أولئك الذين فى قلوبهم زيغ فهم أبعد ما يكونون عن ذلك. ويجوز الوقف على هذا الرأى أيضًا على لفظ الجلالة؛ لأنه لا يعلم تأويل هذا المتشابه علما كاملا إلا الله. أولا يعلم كنهه وحقيقته أحد سواه. . وإذا فسر المتشابه بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد. مع عدم قيام الدليل على تعيينه، كمتشابه الصفات أو ما يسمى بآيات الصفات مثل قوله - تعالى - ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. جاز الوقف والعطف عند من يؤولون هذه الصفات تأويلا يليق بذاته - تعالى - وهم جمهور علماء الخلف ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يفوض معانى هذه المتشابهات إلى الله - تعالى - مع تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة وهم جمهور علماء السلف وهذه المسألة من المسائل التى أفاض القول فيها الباحثون فى علم الكلام. هذا وقد ذكر العلماء حكما متعددة لاشتمال القرآن على المحكم والمتشابه، منها : الابتلاء والاختبار، لأن الراسخين فى العلم سيؤمنون به وإن لم يعرفوا تأويله، ويخضعون لسلطان الربوبية، ويقرون بالعجز والقصور، وفى ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة. وأما الذين فى قلوبهم زيغ فيؤولونه تأويلا باطلا طلبا لإضلال الناس وتشكيكهم فى دينهم. ومنها : رحمة الله بهذا الإِنسان الضعيف الذى لا يطيق معرفة كل شىء. فقد أخفى -سبحانه- على الناس معرفة وقت قيام الساعة لكيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها، ٣٤ المجلد الثانى ولكيلا يفتك بهم الخوف فيما لو أدركوا بالتحديد قرب قيامها. ومنها - كما يقول الفخر الرازى: ((أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، ومنها : أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص من ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية، فحينئذ يبقى فى الجهل والتقليد. ومنها أن اشتماله على المحكم والمتشابه يحمل الإِنسان على تعلم علوم كثيرة كعلم اللغة والنحو وأصول الفقه وغير ذلك من أنواع العلوم، ومنها : أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو فى أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام فى أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا يمتحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفى فوقع فى التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، وبذلك يكون مخلوطا بما يدل على الحق الصريح. فالقسم الأول وهو الذى يخاطبون به فى أول الأمر يكون من المتشابهات، والقسم الثانى وهو الذى يكشف لهم فى آخر الأمر هو المحكمات))(١). ومنها - كما يقول الجمل نقلا عن الخازن: ((فإن قيل القرآن نزل الإِرشاد الناس فهلا كان كله محكمًا؟ فالجواب أنه نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم. وكلامهم على ضربين: الموجز الذى لا يخفى على سامع هذا هو الضرب الأول، والثانى المجاز والكنايات والإِرشادات والتلويحات وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل القرآن على ضربين ليتحقق عجزهم فكأنه قال : عارضوه بأى الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما لقالوا : هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا)»(٢). قال بعض العلماء : والذى يستخلص من مصادر الشريعة ومواردها، أن الآيات المتشابهة لا يمكن أن يكون موضوعها حكما تكليفيا من الأحكام التى كلف عامة المسلمين أن يقوموا بها، وأنه لا يمكن أن تكون آية من آيات الأحكام التكليفية قد انتقل النبى وّل إلى الرفيق الأعلى دون أن يبينها، ولا تشابه فيها بعد أن بينتها السنة النبوية، لأن الله - تعالى - يقول: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم﴾ ولا شك من أول بيان ما نزل إليهم بيان الأحكام التكليفية . لذلك نقول جازمين : إنه ليس فى آيات الأحكام آية متشابهة، وإن اشتبه فهمها على بعض (١) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ٧ ص ١٨٤ بتلخيص يسير. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٤٢ ٣٥ سورة آل عمران العقول، لأنه لم يطلع على موضوعها، فليس ذلك لأنها متشابهة فى ذاتها، بل لاشتباه عند من لا يعلم، واشتباه من لا يعلم لا يجعل آية فى القرآن متشابهة))(١). وبعد أن بين - سبحانه - موقف الناس من محكم القرآن ومتشابهه، شرع فى بيان ما يتضرع به المؤمنون الصادقون الذين يؤمنون بكل ماأنزله الله - تعالى - فقال :. رَبََّا لَاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَامِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبََّآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ٩ اشتملت هاتان الآيتان على دعوات طيبات. ويرى بعض العلماء أن هذه الدعوات من مقول الراسخين فى العلم، فهم يقولون: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ ويقولون أيضًا ﴿ربنا لا تزع قلوبنا﴾ ويرى بعضهم أن هذا كلام جديد، وهو تعليم من الله - تعالى - لعباده ليكثروا من التضرع إليه بهذه الدعوات وأمثالها. والزيغ - كما أشرنا فى الآية السابقة - الميل عن الاستقامة، والانحراف عن الحق، يقال : زاغ يزيغ أى مال ومنه زاغت الشمس إذا مالت. والمعنى : نسألك يا ربنا ونضرع إليك ألا تميل قلوبنا عن الهدى بعد إذ ثبتنا عليه ومكنتنا منه. وأن تباعد بيننا وبين الزيغ الذى لا يرضيك. وبين الضلال الذى يفسد القلوب، ويعمى .البصائر. ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾ أى وامنحنا من عندك ومن جهتك إنعامًا وإحسانا تشرح بهما صدورنا. وتصلح بهما أحوالنا ﴿إنك أنت الوهاب﴾ لا غيرك، فأنت مالك الملك وأنت القائل ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾(٢) .. فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد تضمنت سؤال المؤمنين ربهم تثبيت الإِيمان فى قلوبهم ومنحهم المزيد من فضله وإنعامه وإحسانه .. قال الفخر الرازى - ما ملخصه -: وقال - سبحانه - ﴿رحمة﴾ ليكون ذلك شاملا لجميع أنواعها التى تتناول حصول نور الإيمان والتوحيد والمعرفة فى القلب، وحصول الطاعة فى الأعضاء والجوارح، وحصول سهولة أسباب المعيشة والأمن والصحة والكفاية فى الدنيا (١) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبوزهرة بمجلة لواء الإسلام العدد التاسع - السنة الثامنة. ....- : (٢) سورة فاطر الآية ٢. ٣٦ المجلد الثانى وحصول سهولة سكرات الموت عند حضوره، وحصول سهولة السؤال فى القبر، وغفران السيئات والفوز بالجنات فى الآخرة. وقوله ﴿من لدنك﴾ يتناول كل هذه الأقسام. لأنه لما ثبت بالبراهين الباهرة أنه لا رحيم إلا هو أكد ذلك بقوله ((من لدنك)) تنبيها للعقل والقلب والروح على أن هذا المقصود لا يحصل إلا منه- سبحانه - ثم قال: ﴿إنك أنت الوهاب﴾ كأن العبد يقول: إلهى هذا الذى طلبته منك فى هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلى، حقير بالنسبة إلى كمال كرمك، فأنت الوهاب الذى من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها، فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك فلا تخيب رجاء هذا المسكين، ولا ترد دعاءه واجعله أهلا لرحمتك))(١). هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير وغيره بعض الأحاديث النبوية عند تفسيرهم لهذه الآية ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائى وابن مردويه عن عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله ومايتر كان إذا استيقظ من الليل قال ((لا إله إلا أنت سبحانك أستغفرك لذنبى وأسألك رحمتك. اللهم زدنى علما، ولاتزغ قلبى بعد إذ هديتنى، وهب لى من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)»(٢). وروى الترمذى عن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة : يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله - * إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه ((يامقلب القلوب ثبت قلبى على دينك)) فقلت: يارسول الله، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: ((يا أم سلمة إنه ليس آدمى إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ» فتلا معاذ - أحد رجال سند هذا الحديث - ﴿ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾. وعن أنس - رضى الله عنه - قال: كان رسول الله و الله كثيرا ما يقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قلنا: يارسول الله قد آمنا بك، وصدقنا بما جئت به، أفيخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها تبارك وتعالى -(٣). ثم حكى - سبحانه - ضراعة أخرى تضرع بها المؤمنون إلى خالقهم فقال : ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾. أى: ياربنا إنك جامع الناس: محسنهم ومسيئهم، مؤمنهم وكافرهم. ليوم لاشك فى وقوعه وحصوله وهو يوم الحساب والجزاء، لتجازى الذين أساءوا بما عملوا وتجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فأنت - سبحانك - لم تخلق الخلق عبثا، ولن تتركهم سدى، وإنما خلقتهم لرسالة (١) التفسير الكبير الفخر الرازى جـ ٧ ص ١٩٥. (٢) تفسیر ابن کثیر جـ ١ ص ٣٤٨. (٣) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٢٠. ٣٧ سورة آل عمران عظمى هى عبادتك وطاعتك. فمن استجاب لك تفضلت عليه بالثواب العظيم، ومن أعرض عن طاعتك عاقبته بما يستحقه. وقوله ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ تعليل لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الريب فى وقوع يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب. أى إنك يامولانا لا تخلف ما أخبرت به عبادك من أن هناك يوما لا شك فى وقوعه، تجازى فيه الناس على أعمالهم بمقتضى إرادتك ومشيئتك. وفى هذه الآية الكريمة إشعار بأن نهاية أمل المؤمنين أن يظفروا بالجزاء الحسن من خالقهم يوم القيامة، لأنهم بعد أن سألوه تثبيت الإِيمان وسعة الرحمة، توجهوا إليه بالمقصود الأعظم وهو حسن الثواب يوم القيامة. فكأنهم قالوا - كما يقول الرازى - : ليس الغرض من تلك الدعوات ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها فانية؛ وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء فى يوم القيامة، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفا، وكلامك لا يكون كذبا فمن زاغ قلبه بقى هناك فى العذاب أبد الآباد، ومن أعطيته التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين، بقى هناك فى السعادة والكرامة أبد الآبدين فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة))(١). وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد اشتملنا على دعوات كريمات بليغات، من شأنها أن تسعد الناس فى دينهم ودنياهم. والله نسأل أن ينفعنا بها إنه مجيب الدعاء، وأرحم الراحمين. وبعد هذا الدعاء الجامع الحكيم الذى حكاه الله - تعالى - عن عباده المؤمنين عقب ذلك بالحديث عن الكافرين، وعن أسباب كفرهم وغرورهم، وعن سوء عاقبتهم فقال تعالى : إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىََ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم ◌َ كَدَأْبِءَالٍ ١٠ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِهـ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِثَا يَدِنَا فَ خَذَ هُمُ اللهُبِذُنُوبِمٌ ﴿ قُل لَّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١)، قَدْكَانَ (١) التفسير الكبير للفخر الرازى جـ ٧ ص ١٩٥. ٣٨ المجلد الثانى لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِتَتَيْنِ اَلْتَّقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىْ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِى ١٣ الأَبْصَرِ الوقود - بفتح الواو - هو ما توقد به النار كالحطب وغيره. وأصله من وقدت النار تقد إذا اشتعلت. والوقود - بضم الواو - المصدر عند أكثر اللغويين. والمعنى : إن الذين كفروا بالحق لما جاءهم، وعموا وصموا عن الاستجابة له، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة، ولن تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله الذى استحقوه بسبب كفرهم، واغترارهم بكثرة المال، وعزة النفر، وقوة العصبية وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم ردا على مزاعمهم الباطلة من أن ذلك سينفعهم فقد حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : ﴿نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين﴾ فبين - سبحانه - أنه بسبب كفرهم الذی أصروا علیه، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم أى نفع من وقوع عذاب الله عليهم. ومن فى قوله ﴿من الله﴾ لابتداء الغاية و﴿شيئًا﴾ منصوب على المصدرية. أى شيئا من الاغناء. أو النفع، لأن الذى ينفع الناس يوم القيامة إنما هو إيمانهم وعملهم الصالح. والإِشارة فى قوله ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ لأولئك الكافرين الذين غرهم بالله الغرور. أى: وأولئك الكافرون الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم ولم يعيروا أسماعهم أى التفات إلى الحق هم وقود النار أى حطبها. أى أن النار يشتد اشتعالها فيهم حتى لكأنهم هم مادتها التى بها تتقد وتشتعل. وجىء بالإشارة فى قوله ﴿وأولئك﴾ لاستحضارهم فى الأذهان حتى لكأنهم بحيث يشار إليهم، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيأتى من الخبر وهو قوله ﴿هم وقود النار﴾. وكانت الاشارة للبعيد، للإشعار بغلوهم فى الكفر، وانغماسهم فيه إلى منتهاه، ولذلك كانت العقوبة شديدة. وقوله ﴿وأولئك﴾ مبتدأ، وهم ضمير فصل والخبر قوله: ﴿وقود النار﴾ والجملة مستأنفة مقررة لعدم الإِغناء. وفى هذا التذييل تهديد شديد للكفار الذين اغتروا بأموالهم وأولادهم ببيان أن ما اغتروا به لن يحول بينهم وبين الخلود فى النار. ٣٩ سورة آل عمران قال الفخر الرازى ما ملخصه : اعلم أن کمال العذاب هو أن یزول عن الإِنسان کل ما كان منتفعا به. ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة. أما الأول فهو المراد بقوله ﴿لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا﴾ وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب فى الدنيا يفزع إلى المال والولد. فبين الله - تعالى - أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا. ونظير هذه الآية قوله - تعالى - ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾. وأما القسم الثانى من أسباب العذاب فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، وإليه الإِشارة بقوله: ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ وهذا هو النهاية فى العذاب، فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها فى الحطب اليابس(١). ثم بين - سبحانه - أن حال الكافرين بالحق الذى جاءهم به النبى يميز كحال الذين سبقوهم فى الجحود والعناد فقال - تعالى -: ﴿كدأب آل فرعون والذين من قبلهم﴾. الدأب: أصله الدوام والاستمرار. يقال: دأب على كذا يداب دأبًا ودأبًا ودءوبًا، إذا دوام عليه وجد فيه وتعب. ثم غلب استعماله فى الحال والشأن والعادة، لأن من يستمر فى عمل أمدا طويلا يصير عادة من عاداته، وحالا من أحواله فهو من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. وآل فرعون : هم أعوانه ونصراؤه وأشياعه الذين استحبوا العمى على الهدى واستمروا على النفاق والضلال حتى صار ديدنا لهم. قال الراغب: ((والآل مقلوب عن الأهل. ويصغر على أهيل إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة. يقال آل فلان ولا يقال آل رجل .. ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف والأفضل، فيقال آل الله وآل السلطان، والأهل يضاف إلى الكل فيقال أهل الله وأهل الخياط" كما يقال أهل زمن كذا))؟(٢) والمعنى : حال هؤلاء الكافرين الذين كرهوا الحق الذى جئت به - يا محمد - ولم يؤمنوا بك حالهم فى استحقاق العذاب، كحال آل فرعون والذين من قبلهم من أهل الزيغ والضلال، كفروا بآيات الله، وكذبوا بما جاءت به من هدايات فكانت نتيجة ذلك أن أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر حیث أهلکم بسبب ما ارتكبوه من ذنوب، والله - تعالى - شدید العقاب لمن کفر بآياته . (١) تفسير الفخر الرازى جـ٧ ص١٩٨. (٢) مفردات القرآن للراغب الأصفهانى ص ٣٠ ٤٠ المجلد الثانى والجار والمجرور وهو قوله ﴿كدأب آل فرعون﴾ فى موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف. أى شأن هؤلاء فى تكذيبك يامحمد كشأن آل فرعون والذين من قبلهم فى تكذيبهم لأنبيائهم. والمقصود بآل فرعون أعوانه وبطانته، لأن الآل يطلق على أشد الناس التصاقا واختصاصا بالمضاف إليه، والاختصاص هنا فى المتابعة والتواطؤ على الكفر، لأنه إذا وجد العناد فى التابع فهو فى الغالب يكون فى المتبوع أشد وأكبر. ولأنهم هم الذين حرضوه على الشرور والآثام والطغيان فلقد حكى القرآن عنهم ذلك فى قوله - تعالى - ﴿وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال : سنقتل أبناءهم ونستحبى نساءهم. وإنا فوقهم قاهرون﴾(١). وخص القرآن آل فرعون بالذكر من بين الذين سبقوهم فى الكفر، لأن فرعون كان أشد الطغاة طغيانا، وأكبرهم غرورا وبطرا وأكثرهم استهانة بقومه، واحتقارًا لعقولهم وكيانهم، ألم يقل لهم - كما حكى القرآن - ﴿أنا ربكم الأعلى﴾(٢). ألم يبلغ به غروره أن يقول لهم: ﴿أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون﴾(٣) ألم يقل لوزيره: ﴿يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب، أسباب السموات، فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه كاذبًا .. ﴾ (٤). ولقد وصف الله - تعالى - قوم فرعون بهوان الشخصية، وتفاهة العقل، والخروج عن كل مكرمة فقال: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾(٥)، لأن الأمة التى تترك الظالم وبطانته يعيثون فى الأرض فسادًا لا تستحق الحياة، ولا يكون مصيرها إلا إلى التعاسة والخسران . وجملة ﴿كذبوا بآياتنا﴾ تفسير لصنيعهم الباطل، ودأبهم على الفساد والضلال. والمراد بالآيات ما يعم المتلوة فى كتب الله - تعالى - والبراهين والمعجزات الدالة على صدق الأنبياء فيما يبلغونه عن ربهم. وفى إضافتها إلى الله - تعالى - تعظيم لها وتنبيه على قوة دلالتها على الحق والخير وقوله ﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾ بيان لما أصابهم بسبب كفرهم وتكذبيهم للحق، وفى التعبير بالأخذ إشارة إلى شدة العقوبة، فهو - سبحانه - قد أخذهم كما يؤخذ الأسير الذى لا يستطيع فكاكا من آسره. (١) سورة الأعراف الآية ١٢٧. (٢) سورة النازعات آية ٢٤. (٣) سورة الزخرف الآية ٥١ (٤) سورة غافر الآية ٣٦-٣٧ (٥) سورة الزخرف الآية ٥٤.