Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ سورة البقرة المعسرين فقال - تعالى -: ﴿وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾. أى: وأن تتركوا للمعسر كل أو بعض ما لكم عليه من ديون وتتصدقوا بها عليه، فإن فعلكم هذا يكون أكثر ثوابا لكم من الإِنظار. وجواب الشرط فى قوله: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ محذوف. أى إن كنتم تعلمون أن هذا النصدق خير لكم فلا تتباطؤا فى فعله، بل سارعوا إلى تنفيذه فإن التصدق بالدين على المعسر ثوابه جزيل عند الله - تعالى -. وقد أورد بعض المفسرين جملة من الأحاديث النبوية التى تحض على إمهال المعسر، والتجاوز عما عليه من ديون. ومن ذلك ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن أبى قتادة أن رسول الله پڑ قال: ((من نفس عن" غريمه أو محا عنه كان فى ظل العرش يوم القيامة)). وروى الطبرانى عن أسعد بن زرارة أن رسول الله# قال: ((من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه». وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله : من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر))(١). ثم ساق - سبحانه - فى ختام حديثه على الربا آية كريمة ذكر الناس فيها بزوال الدنيا وفناء ما فيها من أموال، وبالاستعداد للآخرة وما فيها من حساب فقال - تعالى -: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾. أى: واحذروا أيها المؤمنون يوما عظيما فى أهواله وشدائده، وهو يوم القيامة الذى تعودون فيه إلى خالقكم فيحاسبكم على أعمالكم، ثم يجازى - سبحانه - كل نفس بما كسبت من خير أو شر بمقتضى عدله وفضله، ولا يظلم ربك أحدا. فالآية الكريمة تعقيب حكيم يتناسب كل التناسب مع جو المعاملات والأخذ والعطاء، حتى يبتعد الناس عن كل معاملة لم يأذن بها الله - تعالى -. قال الألوسى : أخرج غير واحد عن ابن عباس أن هذه الآية هى آخر ما نزل على رسول الله وَ ل من القرآن. واختلف فى مدة بقائه بعدها. فقيل: تسع ليال. وقيل: سبعة أيام. وقيل: واحدا وعشرين يومًا. وروى أنه قال: اجعلوها بين آيات الربا وآية الدين .. ))(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٣١. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٣ صفحة ٥٤. ٦٤٢ المجلد الأول هذا، والمتدبر فى هذه الآيات التى وردت فى موضع الربا، يراها قد نفرت منه تنفيرًا شديدًا، وتوعدت متعاطيه بأشد العقوبات، وشبهت الذين يأكلونه بتشبيهات تفزع منها النفوس، وتشمئز منها القلوب، وحضت المؤمنين على أن يلتزموا فى معاملاتهم ما شرعه الله لهم، وأن يتسامحوا مع المعسرين ويتصدقوا عليهم بما يستطيعون التصدق به. وقد تكلم الفقهاء(١) وبعض المفسرين عن الربا وأقسامه وحكمة تحريمه كلاما مستفيضا، قال بعضهم : الربا قسمان : ربا النسيئة، وربا الفضل. فربا النسيئة : هو الذى كان معروفا بين العرب فى الجاهلية، وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوه فى موعد معين، فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال كاملا، فإن تعذر الأداء زادوا فى الحق وفى الأجل. وربا الفضل : أن يباع درهم بدرهمين، أو دينار بدينارين، أو رطل من العسل برطلين، أو كيلة من الشعير بكيلتين. وكان ابن عباس فى أول الأمر لا يحرم إلا ربا النسيئة وكان يجوز ربا الفضل اعتمادًا على ما روى من أن النبى ◌َلو قال: ((إنما الربا فى النسيئة)) ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبى وَله قال: الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد)) رجع عن قوله. لأن قوله وَلاير: ((إنما الربا فى النسيئة)) محمول على اختلاف الجنس فإن النسيئة حينئذ تحرم ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير. تحرم. فيه النسيئة ويباح التفاضل. ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا فى القسمين : أما ربا النسيئة فقد ثبت تحريمه بالقرآن كما فى قوله - تعالى -: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. وأما ربا الفضل فقد ثبت تحريمه بالحديث الصحيح الذى رواه عبادة ابن الصامت أن النبى وَالر قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر. والملح بالملح. مثلا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يدًا بيد)). وقد اشتهرت رواية هذا الحديث حتى صارت مسلمة عند الجميع. وجمهور العلماء على أن الحرمة ليست مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل تتعداها إلى غيرها مما يتحد معها فى العلة. وقد فسر بعضهم هذه العلة باتحاد الجنس والقدر .. ))(٢). (١) راجع على سبيل المثال تفسير القرطبى جـ٣ صفحة ٣٤٧. وتفسير المنار جـ٣ صفحة ١٠٦. (٢) تفسير آيات الأحكام - بتصرف وتلخيص - للشيخ محمد على السايس جـ١ صفحة ١٦١. ٦٤٣ سورة البقرة ومن الحكم التى ذكرت فى أسباب تحريم الربا: أنه يقتضى أخذ مال الغير بدون عوض، ويؤدى إلى امتناع أصحاب الأموال عن تحمل المشاق فى الكسب والتجارة والصناعة، وإلى استغلال حاجة المحتاج أسوأ استغلال وكل ذلك يفضى إلى إشاعة روح التباغض والتخاصم والتحاسد بين أفراد المجتمع - كما سبق أن أشرنا -. ومن الأحاديث الشريفة التى وردت فى التحذير من تعاطى الربا ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله وَلو قال: اجتنبوا السبع الموبقات - أى المهلكات - قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)). وأخرج مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبيد الله قال: لعن رسول الله وَير آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهدیه)). وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين أن يسارعوا فى التصدق على المحتاجين، وأن يجتنبوا الربا والمرابين، وبين لهم أن أموالهم تزكو وتنمو بالإِنفاق فى وجوه الخير، وتمحق وتذهب بتعاطى الربا، بعد أن وضح كل ذلك ساق لهم آية جامعة، متى اتبعوا توجيهاتها استطاعوا أن يحفظوا أموالهم بأفضل طريق، وأشرف وسيلة، وأن يصونوها عن الهلاك والضياع عندما يعطى أحدهم أخاه شيئا من المال على سبيل الدين أو القرض الحسن المنزه عن الربا. استمع إلى القرآن وهو يتكلم عن أحكام الدين وعن أحكام بعض المعاملات التجارية الحاضرة فيقول : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلٍ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيَ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُ واْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمٌّ فَإِن ◌َّمْ يَكُونَارَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ ٦٤٤ المجلد الأول مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَ مُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَ مُهُمَا الْأُخْرَىَّ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَادُعُواْ وَلَا تَسْتَمُواْ أَنْ تَكْثُبُوهُ صَغِيرًا أَوْكَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْإِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَلَّاتَكْفُبُوهَا وَأَشْهِدُ وَ أْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَ إِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَأَتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ(نَ﴾ قال ابن كثير: قوله - تعالى -: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ هذا إرشاد منه - تعالى - لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على ذلك فى آخر الآية حيث قال: ﴿ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا﴾ وروى البخارى عن ابن عباس أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فیه ثم قرأ ﴿یایها الذين آمنوا إذا تداينتم﴾. الآية. وثبت فى الصحيحين عن ابن عباس قال: قدم النبى ◌َله المدينة وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله # ((من أسلف فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم))(١). ومعنى ﴿تداينتم﴾: تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا. وحقيقة الدين - كما يقول القرطبى - ((عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدًا والآخر فى الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا))(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ١ صفحة ٣٣٤. (٢) تفسير القرطبى جـ٣ صفحة ٣٧٧. ٦٤٥ سورة البقرة والأجل فى اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإِنسان هو الوقت المحدد لانقضاء عمره. وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه فى المستقبل. وأصله من التأخير، يقال : أجل الشىء يأجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل. والمعنى: يأيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين فاكتبوا هذا الدين، لأن فى هذه الكتابة حفظًا له، وضبطًا لمقداره، ومنعًا للتنازع من أن يقع بينكم. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا قيل: إذا تداينتم إلى أجل مسمى، وأى حاجة إلى ذكر الدين؟ قلت: ذكر - لفظ الدين - ليرجع الضمير إليه فى قوله: ﴿فاكتبوه﴾ إذ لولم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال. فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿مسمى) قلت: ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام. ولو قال: إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية))(١). وجمهور العلماء على أن الأمر فى قوله ((فاكتبوه)) للندب، ولأن الله - تعالى - قد قال بعد ذلك ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذى اؤتمن أمانته﴾ ولأن النبى #* لم يلزم الدائنين بكتابة دیونهم، ولا المدینین بأن يكتبوها. وقال الظاهرية: إن الأمر هنا للوجوب، ومن لم يفعل ذلك كان آتما، لأن الأصل فى الأمر أنه للوجوب .. وقوله : ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإجمال. أى: عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين، ولیتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط موافقًا لشريعة الإِسلام وما يكون منها غير موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الجق مع الدائن والمدين فى كتابته، لأن الله - تعالى - يقول: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصًا تتوفر فيه إجادة الكتابة، والخبرة بشروط العقود وتوثيقها، كما تتوفر فيه الاستقامة وتحرى الحق. ومفعول ﴿يكتب﴾ محذوف ثقة بانفهامه أى وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل. والتقييد بالظرف بينكم للإيذان بأنه ينبغى للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين، لأن فى هذا الانفراد تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها. (١) تفسير الكشاف جـ١ صفحة ٣٢٥. ٦٤٦ المجلد الأول والجار والمجرور وهو ﴿بالعدل﴾ متعلق بمحذوف صفة لكاتب أى: وليكن المتصدى للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين. أو متعلق بالفعل يكتب. أى : وليكتب بالحق. : ثم نهى الله - تعالى - من كان قادرًا على الكتابة عن الامتناع عنها متى دعى إليها فقال : ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب﴾. أى: ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التى علمه الله إياها أن يتحرى العدل والحق فى كتابته، وأن يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية. فالكاف فى قوله - تعالى -: ﴿كما علمه الله﴾ نعت لمصدر محذوف والتقدير: فليكتب كتابة مثل ما علمه الله - تعالى - بمعنى أن يلتزم الحق والعدل فيها. م ويجوز أن تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى: لا يمتنع عن الكتابة لأنه كما علمه الله إياها ويسرها له ونفعه بها، فعليه أن ينفع غيره بها، فهو كقوله - تعالى -: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ وفى الحديث الشريف ((إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق)) وفى حديث آخر: ((من كتم علمًا يعلمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة))(١). وقوله: ﴿فليكتب﴾ تفريع على قوله ((ولا يأب كاتب)) أى: فليكتب الكتابة التى علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله: ﴿ولا يأب كاتب﴾. ويجوز أن يكون توكيدًا للأمر الصريح فى قوله : ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾. قال القرطبى : واختلف الناس فى وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد. فقال الطبرى: واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب. وقال الحسن : ذلك واجب عليه فى الموضع الذى لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو فى سعة إذا قام بها غيره))(٢). وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة فى الدين، وبينت كيفية الكتابة، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها، ونهته عن الامتناع عنها إذا دعى إليها. ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإملاء فقال - تعالى -: ﴿وليملل الذى عليه الحق، وليتق الله ربه، ولا يبخس منه شيئًا﴾. والإِملال معناه الإملاء. فهما لغتان معناهما واحد. وقد جاء القرآن باللغتين قال - تعالى -: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا﴾. (١) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٣٣٥. (٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣٨٥. ٦٤٧ سورة البقرة أى: وعلى المدين الذى عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا الدين، وذلك ليكون إملاؤه إقرارًا به وبالحقوق التى عليه الوفاء بها. وعليه كذلك أن يراقب الله - تعالى - فی إملائه فلا ينقص من الدين الذى عليه شيئًا، لأن هذا الإِنقاص ظلم حرمه الله - تعالى -. وقد أمر الله - تعالى - بأن يكون الذى يملى على الكاتب هو المدين لأنه هو المكلف بأداء . مضمون الكتابة، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه، ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد فى الدين، أو يملى شيئًا ليس محل اتفاق بينه وبين المدين، ولأن المدين فى الغالب فى موقف ضعيف فأعطاه الله - تعالى - حق الإِملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مكن المدين من الإملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره، ولكنه فى الوقت نفسه أوجب عليه أمرين : تقوى الله وعدم الانقاص من الدين الذى عليه، وإن ذلك لتشريع عادل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين. ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا كان الذى عليه الدين لا يحسن الإِملاء فقال - تعالى - : ﴿فإن كان الذى عليه الحق) وهو المدين ﴿سفيهًا﴾ أى جاهلا بالإملاء أو ناقص العقل، أو متلافًا مبذرًا لا يحسن تدبير أمره)). ﴿أو ضعيفًا﴾ بأن يكون صبيًا أو شيخًا تقدمت به الشيخوخة. ﴿أو لا يستطيع أن يمل هو﴾ بأن يكون عيًّا أو أخرس أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه ... المكاتبات. ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ أى فعلى ولى أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإِملاء متحريًا الحق والعدل فيما يكلف به. وبعد هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها فى شأن الديون، انتقل القرآن إلى الحديث عن الإِشهاد فقال - تعالى -: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ أى: اطلبوا شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجرى بينكم من معاملات مؤجلة، لأن هذا الإِشهاد يعطى الديون والكتابة توثيقًا وتثبيتًا. والسين والتاء فى قوله: ((واستشهدوا)) للطلب .. قال الألوسى: ((وفى اختيار صيغة المبالغة فى ﴿شهيدين﴾ للإيماء إلى من تكررت منه قال الآلوسي: ((وفى اختيار صيغة المبالغة فى ﴿شهيدين﴾ للإِيماء إلى من تكررت منه الشهادة، فهو عالم بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزًا إلى العدالة، لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك. والأمر للندب أوللوجوب على الخلاف على ذلك))(١). (١) تفسير الآلوسى جـ ٣ ص ٥٧. ٦٤٨ المجلد الأول وقوله: ﴿من رجالكم﴾ متعلق بقوله: ﴿واستشهدوا) ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض، أى من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام فی معاملتهم. ثم بين - سبحانه - الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾. وقوله: ﴿ممن ترضون﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجل وامر أتان. أى فإن لم يتيسر رجلان للشهادة فليشهد رجل وامرأتان كائنون مرضيون عندكم بعدالتهم. وهذا الوصف وإن كان فى جميع الشهود إلا أنه ذكر هنا للتشديد فى اعتباره، لأن اتصاف النساء به قد لا يتوفر کثیرًا. وقوله: ﴿من الشهداء﴾ متعلق بمحذوف حال من الضمير المفعول المقدر فى ﴿ترضون﴾ العائد إلى الموصول: أى فليشهد رجل وامرأتان ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم، وثقتكم بهم. وقوله - تعالى -: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ أدق فى الدلالة على صدق الشهادة من العدالة، لأن الإنسان العدل قد يكون مرضيًا فى دينه وخلقه ولكنه قد يتأثر بالمشاهد المؤثرة فتخونه ذاكرته فی وقت الحاجة إليها، أو قد یکون ممن بمنعه منصبه وجاهه ومقامه فی الناس من الكذب إلا أنه قد يرتكب بعض المعاصى، فجاء - سبحانه - بهذه الجملة الحكيمة لكى يقول للناس. اختاروا الشهداء من الذين يرتضى قولهم، ويقيمون الشهادة على وجهها الحق بدون التأثر بأى نوع من أنواع المؤثرات. هذا، وشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية فى الأموال والطلاق والنكاح والرجعة وكل شىء إلا الحدود والقصاص. وعند المالكية تجوز فى الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل فى أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة. ثم بين - سبحانه - العلة فى أن المرأتين تقومان مقام الرجل فى الشهادة فقال : ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾. قال القرطبى : معنى تضل تنسى، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالا))(١). والمعنى : جعلنا المرأتين بدل رجل واحد فى الشهادة، خشية أن تنسى إحداهما فتذكر كل (١) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٣٩٧. ٦٤٩ سورة البقرة واحدة منهما الأخرى. إذ المرأة لقوة عاطفتها، وشدة انفعالها بالحوادث، قد تتوهم ما لم تر، فكان من الحكمة أن يكون مع المرأة أخرى فى الشهادة بحيث يتذكران الحق فيما بينهما. والعلة فى الحقيقة هى التذكير، ولكن الضلال لما كان سببًا فى التذكير، نزل منزلة العلة. وذلك كأن تقول : أعددت السلاح خشية أن يجىء العدو فأدفعه، فإن العلة هى الدفاع عن النفس، ولكن لما كان مجىء العدو سببًا فيه نزل منزلته. وكما أمر الله - تعالى - الكتاب فى أول الآية بعدم الامتناع عن الكتابة أمر الشهود أيضًا بعدم الامتناع عن الشهادة فقال - تعالى -: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ أى: ولا يمتنع الشهود عن أداء الشهادة وتحملها متى دعوا إليها، لأن الامتناع عن تحمل الشهادة وأدائها قد يؤدى إلى ضياع الحقوق. والله - تعالى - قد شرع الشهادة لإحقاق الحق، ونشر العدل بين الناس، فعلى من اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم أن يؤدوا الشهادة كما أمرهم الله - تعالى -. ثم أمر - سبحانه - بكتابة الدين سواء أكبر الدين أم صغر فقال : ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله﴾. السأم: الضجر والملل. يقال: سئمت الشىء أسأمه سأمًا وسآمة أى مللته وضجرته. والمعنى : وعليكم أيها المؤمنون أن لا تملوا من كتابة الدين إلى الوقت المحدد له سواء أكان هذا الدين كبيرًا أم صغيرًا، لأن الكتابة فى الحالتين أدعى إلى حفظ الحقوق وصيانتها، وإلى عدم نشوب التنازع أو التخاصم بينكم، ولأن الدين قد يكون صغيرًا فى نظر الغنى الملىء، إلا أنه كبير فى نظر الفقير المعسر، ولأن التهاون فى شأن الدين الصغير قد يؤدى إلى التهاون فى شأن الدين الكبير، لذا وجب عليكم أن تنقادوا لشرع الله وأن تكتبوا ما بينكم من ديون. والضمير فى قوله: ﴿أن تكتبوه﴾ يعود إلى الدين أو إلى الحق، وقوله: ﴿صغيرًا أو كبيرًا﴾ حالان من الضمير. أى لا تسأموا أن تكتبوه على كل حال قليلا أو كثيرًا، وقدم الصغير على الكبير اهتمامًا به وانتقالا من الأدنى إلى الأعلى. ثم بين - سبحانه - ثلاث فوائد تعود عليهم إذا ما امتثلوا ما أمرهم الله - تعالى - به، فقال: ﴿ذلكم أقسط عند الله﴾. واسم الإِشارة ﴿ذلكم﴾ يعود إلى كل ما سبق ذكره فى الآية من الكتابة والإشهاد ومن عدم الامتناع عنهما، ومن تحرى الحق والعدل. و﴿أقسط﴾ بمعنى أعدل. يقال: أقسط فلان فى الحكم يقسط إقساطًا إذا عدل فهو مقسط. ٦٥٠ المجلد الأول قال - تعالى -: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾. ويقال: هو قاسط إذا جار وظلم. قال - تعالى -: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾. أى: ذلكم الذى شرعناه لكم فى أمر الديون من الكتابة والإشهاد وغيرهما أعدل فى علم الله - تعالى -، وكل ما كان كذلك فهو الأعدل والأفضل والأحكم فى ذاته، لأنه - سبحانه - هو الأعلم بما فيه مصلحتكم فاستجيبوا له، وتلك هى الفائدة الأولى. أما الفائدة الثانية فهى قوله - سبحانه -: ﴿وأقوم للشهادة﴾ ومعنى ﴿أقوم﴾ أبلغ فى الاستقامة التى هى ضد الاعوجاج. أى: أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها. وأما الفائدة الثالثة فهى قوله: ﴿وأدنى أن لا ترتابوا﴾ أى: أقرب إلى زوال الشك والريبة. أى أن الأوامر والنواهى السابقة إذا نفذت على وجهها كان تنفيذها أعدل فى علم الله - تعالى - وأعون على إقامة الشهادة إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ، وأقرب إلى عدم الشك فى جنس الذين وقدره وأجله، وإذا توفرت هذه الفوائد الثلاث فى المعاملات ساد الوفاق والتعاون بين الناس، أما إذا فقدت فإن الثقة تزول من بينهم، ويحل محلها النزاع والشقاق. ثم أباح - سبحانه - فى التجارة الحاضرة عدم الكتابة فقال : ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألاتكتبوها﴾. والتجارة الحاضرة التى تدور بين التجار: هى التى يجرى فيها التقابض فى المجلس أو التى يتأخر فيها الأداء زمنا يسيرا. وسميت حاضرة، لأن المبيع والثمن كلاهما حاضر. والمعنى : أن الله - تعالى - يأمركم بكتابة الديون وبالإِشهاد عليها إلا أنه - سبحانه - رحمة بكم أباح لكم عدم الكتابة فى التجارة الحاضرة التى تكثرون إدارتها والتعامل فيها، لأنه لو كلفكم بذلك لشق الأمر عليكم، وهو - سبحانه - ﴿ما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾. ولأن أمثال هذه التجارات التى يحصل فيها التقابض ويكثر تكرارها، لا يتوقع فيها التنازع أو النسيان . والاستثناء هنا منقطع لأنه ليس هناك دين حتى يكتب، وليست التجارة الحاضرة من جنس التعامل بالديون فكأنه قيل : إذا تداينتم فتكاتبوا وأشهدوا لكن التجارة الحاضرة التى يجرى فيها التقابض لا جناح عليكم فى عدم كتابتها. وقيل : الاستثناء متصل والجملة المستثناة فى موضع نصب لأنه استثناء من الجنس، لأنه أمر بالكتابة فى كل معاملة واستثنى منها التجارة الحاضرة والتقدير : آمركم بالكتابة والإِشهاد فی کل معاملة إلا فى حال حضور التجارة فلا بأس من ترك الكتابة. و﴿تجارة﴾ قرأها الجمهور بالرفع ٦٥١ سورة البقرة على أنها اسم تكون، والخبر جملة ﴿تديرونها بينكم). أو على أنها فاعل تكون إذا اعتبرناها تامة . وقرأها عاصم بالنصب على أنها خبر تكون واسمها ضمير مستتر فيها يعود على التجارة .. أى. إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة. وقوله - تعالى -: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ أمر منه - سبحانه - بالإِشهاد عند البيع، وهذا الأمر للإرشاد والتعليم عند جمهور العلماء. ويرى الظاهرية أنه للوجوب. قال صاحب الكشاف : هذا أمر بالإِشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا - أى مؤجلا - لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد : وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع. يعنى التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة، وعن الضحاك: هى عزيمة من الله ولو على باقة بقل))(١). ثم نهى - سبحانه - عن المضارة فقال: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾. والمضارة: إدخال الضرر. والفعل ﴿يضار﴾ يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، وأن أصله (( لا يضارر - بكسر الراء - ويحتمل أن يكون مبنيا للمفعول. وأن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى. والمعنی علی الأول : نهی الکاتب والشاهد عن ان ینزلا ضررًا بأحد المتعاقدین، بأن یبخس الكاتب أحدهما، أو يشهد بغير الحق. والمعنى على الثانى: وهو الظاهر - نهى الدائن والمدين عن أن ينزل أحدهما ضررًا بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة غير الحق أو قول غير الحق، فإنهما أمينان، والإضرار بهما قد يحملهما على الخيانة وفى ذلك ضياع للأمانة وذهاب للثقة. ولذا قال - تعالى - بعد ذلك ﴿وإن تفعلوا فإنه فسوق بکم﴾. أی : وإن تفعلوا ما نهیتم عنه أو تخالفوا ما أمرتم به، فإنکم بذلك تكونون قد خرجتم عن طاعة الله، وتلبستم بمعصيته، وصرتم أهلا لعقوبته، فعليكم أن تقفوا عند حدود الله حتى تتحقق لكم السعادة فى دينكم ودنياكم. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بخشيته. وبتذكيرهم بنعمه فقال: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله، والله بكل شىء عليم﴾. أى: واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فهو - سبحانه - الذی یعلمكم ما يصلح لكم " ٠٠٠٤ (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٧٧ . ٦٥٢ المجلد الأول أمر دنياكم وما يصلح لكم أمر دينكم متى اتقيتموه واستجبتم له، وهو - سبحانه - بكل شىء عليم لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء. وبعد : فهذه هى آية الدين التى هى أطول آية فى القرآن، تقرؤها فتراها قد اشتملت على أدق التشريعات، وأحكم التوجيهات، وأنجع الإرشادات التى تهدى إلى حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل. تقرؤها فترى الدقة العجيبة فى الصياغة بأن وضع كل لفظ فى مكانه المناسب، وترى الطلاوة فى التعبير، والعذوبة فى الألفاظ بحيث لا تطغى دقة الصياغة على جمال العرض. وترى الوفاء الكامل، لكل الجوانب التشريعية والاحتراس التام من كل المؤثرات التى قد تؤثر على سلامة التعاقد، والإِرشاد الجامع إلى كل ما يضمن وصول الحق والعدل إلى جميع الأطراف بدون محاباة أو غبن. وترى قبل ذلك وبعد ذلك كيف يسوق القرآن تشريعاته بطريقة تغرس فى النفوس الخوف من الله - تعالى - والمراقبة له، والاستجابة لأوامره، لا كطريقة البشر فى قوانينهم التى صاغوها فى قوالب صماء من الألفاظ لا تشعر معها بتأثير فى النفس، ولا باهتزاز فى القلب. ولو لم يكن فى شريعة الله سوى هذا التأثير الذى تشعر به النفوس النقية الصافية عند تدبرها لكفاها ذلك دليلا على سموها وفضلها وعلى أنها من صنع الله - تعالى - ولو أن المسلمين أخذوا بها وبتوجيهاتها فى سائر شئونهم لظفروا بالسعادتين: الدينية والدنيوية. ثم بين - سبحانه - ما يجب على المسلمين فعله إذا لم يتمكنوا من كتابة ديونهم بأن كانوا مسافرين وليس معهم كاتب فقال - تعالى - : وَإِنْ كُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُ واْ كَاِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَةِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ, وَلْيَتَّقِ أَقَّهَرَبَّهُ, وَ لَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ وَمَنِ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٢٨٣ الرهان : جمع رهن بمعنى مرهون من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول وقرأ ابن كثير وأبو عمر ﴿فرهن مقبوضه﴾ وأصل الرهن فى كلام العرب يدل على الحبس قال - تعالى - : ٦٥٣ سورة البقرة ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾. ومعنى الرهن: أن يوضع شىء يناسب قيمة الدين من متاع المدين بيد الدائن توثقة له فى دينه، ليستطيع أن يستوفى حقه من هذا الشىء المرهون عند تعذر الدفع. والمعنى: وإن كنتم. أيها المؤمنون - مسافرين وتداينتم بدين إلى أجل مسمى، ولم تجدوا كاتبًا يكتب لكم ديونكم، أو لم تتيسر لكم أسباب الكتابة لأى سبب من الأسباب، فإنه فى هذه الحالة يقوم مقام الكتابة رهان مقبوضة يقبضها صاحب الدين ضمانًا لحقه عند تعذر أخذه من الغريم. وفى التعبير بقوله : ﴿على سفر﴾ استعارة تبعية حيث شبه تمكنهم فى السفر بتمكن الراكب من مركوبه. وفيه كذلك إشارة إلى اضطراب الحال، لأن حال المسافر يغلب عليها التنقل وعدم الاستقرار. وجملة ﴿ولم تجدوا كاتبا﴾ معطوفة على فعل الشرط، أى: وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا، كاتبا فتكون فى محل جزم تقديرًا. ويجوز أن تكون الواو للحال والجملة بعدها فى محل نصب على الحال. وقوله: ﴿فرهان مقبوضة﴾ خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: فالذى يستوثق به رهان مقبوضة. أو مبتدأ محذوف الخبر والتقدير: فعليكم رهان مقبوضة. ومن الأحكام التى أخذها الفقهاء من هذه الآية الكريمة : أن تعليق الرهان على السفر ليس لكون السفر شرطًا فى صحة الرهان، فإن التعامل بالرهان مشروع فى حالتى السفر والحضر، وإنما علق هنا على السفر لأنه مظنة تعسر الكتابة لما فيه من التنقل وعدم الاستقرار. وقد ثبت فى الصحيحين عن أنس أن رسول الله #1 توفى ودرعه مرهونة عند يهودى على ثلاثين وسقًا من شعير رهنها قوتًا لأهله))(١). ومن الواضح أن رسول الله # عند مارهن درعه لليهودى كان مقيماً ولم يكن مسافرا. قال القرطبى : ولم يرو عن أحد منع الرهن فى الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود متمسكين بالآية، ولا حجة فيها لهم، لأن هذا الكلام وإن خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن فى الآية فى السفر مما يحظر فى غيره))(٢). كذلك أخذ بعض الفقهاء من قوله: ﴿فرهان مقبوضة﴾ أن الرهن لا يتم إلا بالقبض، فإذا افترق المتعاقدان من غير قبض كان الرهن غير صحيح بنص الآية وهذا مذهب الأحناف (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٣٧. (٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ٤٠٧. ٦٥٤ المجلد الأول والشافعية، ويرى المالكية والحنابلة أن الرهن يتم من غير القبض، لأن القبض حكم من أحكامه، فمن حق الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض العين المرهونة، فالقبض حكم من أحكام العقد، وليس ركنا من أركانه ولا شرطا لتمامه . وقوله : ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ﴾ تفريع على أحكام الديون السابقة، وحض على أداء الأمانة وعلى حسن المعاملة. أى: فإن أمن الدائن المدين واعتمد على ذمته ووفائه ولم يوثق الدين بالكتابة والشهود والرهن، فعلى المدين أن يكون عند حسن ظن الدائن به بأن يؤدى ما عليه من ديون فى الموعد المحدد بدون تسويف أو مماطلة، وعليه كذلك أن يتقى الله ربه فى رعاية حقوق غيره فلا يجحدها ولا يتأخر فى أدائها لأن الله العليم بكل شىء سيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه. وعبر - سبحانه - بقوله : ﴿فإن أمن﴾ دون أو أودع، للإشارة إلى الجانب الذى اعتمد عليه الدائن فى المدين وهو خلق الأمانة، فهو لا يرى فيه إلا جانبًا مأمونًا لا يتوقع منه شرًا أو خيانة، وللتنبيه إلى أن صفة الأمانة والوفاء من الصفات التى يجب أن يتحلى بها المؤمنون جميعًا حتى ينالوا السعادة فى دينهم ودنياهم، عبر بقوله: ﴿فليؤد الذى اوتمن﴾ ولم يقل فليؤد المدين لحضه: على الأداء بأحسن أسلوب، لأنه ما دام الدائن قد ائتمنه على ما أعطاه من ديون، فعلى هذا الذى اؤتمن وهو المدین أن یکون عند حسن الظن به وأن يرد إليه حقه فى موعده مع شكره على حسن ظنه به . وقوله: ﴿أمانته﴾ أى دينه. والضمير يصح أن يعود إلى الدائن باعتباره مالك الدين، وإلى المدين باعتبار أن الدين عليه، وفى إضافتها - أى الأمانة - إلى المدين إشعار له بأنها عبء فى ذمته يجب أن يؤديه حتى يتخلص من تكاليفه، إذ الأمانة عبء ثقيل عند العقلاء الذين يشعرون بالمسئولية نحو أنفسهم ونحو غيرهم. وجمع - سبحانه - بين صفتى الألوهية والربوبية فى قوله: ﴿وليتق الله ربه﴾ للمبالغة فى التحذير من الخيانة والمماطلة فإنهما يغضبان الله - تعالى - الذى خلق الإِنسان ورباه وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، ولإشعار هذا المدين بأن التقوى هى الوثيقة الكبرى التى لا تعدلها وثيقة أخرى من كتابة أو شهادة أو رهان. وبذلك نرى لونًا من ألوان التدرج الحكيم فى شريعة الله - تعالى - فأنت ترى أن الله - تعالى - قد بين قبل ذلك أن الكتابة فى الديون والإِشهاد عليها مطلوبان، فإن تعذرت الكتابة والشهادة لسبب من الأسباب فإنه يترخص حينئذ بالرهن المقبوض. ٦٥٥ سورة البقرة فإن تعذر على المدين المحتاج أن يدفع للدائن رهنا يكون الاعتماد على الأمانة التى هى صفة من صفات الصادقين. فياله من تشريع حكيم، بين للناس ما يصلح شأنهم فى دينهم وفى دنياهم. ثم أمر الله تعالى - عباده بأن يؤدوا الشهادة على وجهها وألا يكتموها فقال - تعالى - :. ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾. أى: وعليكم - أيها المؤمنون - ألا تمتنعوا عن أدائها إذا دعيتم إليها وألا تخفوها فإن الذى يخفيها ويمتنع عن أدائها يكون معاقبًا من الله - تعالى - بسبب ارتكابه لما نهى عنه. وقد أسند - سبحانه - الإِثم إلى القلب خاصة مع أن الإِثم يسند إلى الشخص، لأن الإِثم فى كتمان الشهادة عمل القلب لا عمل الجوارح، ولأن القلب أساس كل خير وكل شر، ففى الحديث الشريف : ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب)). قال صاحب الكشاف : فإن قلت: هلا اقتصر على قوله ﴿فإنه آثم﴾ وما فائدة ذكر القلب والجملة هى الآثمة لا القلب وحده؟ قلت : كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها. فلما كان إثما مقترنا بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التى يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد : هذا مما أبصرته عينى، ووعاه قلبى. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء فكأنه قیل : ومن یکتمها فقد تمکن الإثم من أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه : ولئلا یظن أن كتمان الشهادة من الآثام التى تتعلق باللسان فقط. وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه. ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهى لها كالأصول التى تتشعب عنها. ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر. وهما من أفعال القلوب فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. وقوله: ﴿آثم﴾ خبر إن و﴿قلبه﴾ رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء. وآثم خبر مقدم. والجملة خبر إن والضمير للشأن))(١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله بما تعملون عليم) أى: والله - تعالى - عليم بكل أعمالكم وأقوالكم وسائر شئونكم وسيجازى المحسنين إحسانًا، والمسيئين سوءًا فعليكم أيها المؤمنون أن تستجيبوا لأوامر الله، وأن تجتنبوا ما نهاكم عنه حتى تكونوا من السعداء. فالجملة الكريمة تذييل قصد به الوعد الحسن للمؤمنين الصادقين، والوعيد الشديد للعصاة (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٣٢٩. ٦٥٦ المجلد الأول المسيئين، حتى يزداد المؤمنون إيمانا، ويقلع العصاة عن عصيانهم وسيئاتهم. وبعد هذا البيان الجامع الحکیم لطرق التعامل التى أباحها الله - تعالى - لعباده والتی حرمها عليهم، بين سبحانه - أن ما فى السموات والأرض ملك له، وأنه سيحاسب عباده بما يقتضيه علمه الشامل، وإرادته النافذة فقال- تعالى -. لِلّهِمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضَِّ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ وما دام الأمر كذلك فعليكم - أيها المؤمنون - أن تبذلوا نهاية جهدكم فى العمل الصالح الذى بين أيديكم إنما هو عارية مستردة، وأن المالك الحقيقى له إنما هو الله رب العالمين، فأنفقوا من هذا المال - الذى هو أمانة بين أيديكم - فى وجوه الخير واجمعوه من طريق حلال، وكونوا من القوم العقلاء الصالحين الذين لم تشغلهم دنياهم عن أخراهم، بل كانوا كما قالوا : ﴿ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾. وقوله - سبحانه - : ﴿وإن تبدو ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ بیان لشمول علم الله - تعالى - لما أظهره الإنسان أو أخفاه من أقوال وأعمال، وأنه سيحاسبه على ذلك بما يستحقه من خير أو شر. والجملة الكريمة صريحة فى أن الله - تعالى - يحاسب العباد على نياتهم وما تكسبه قلوبهم سواء أأخفوه أم أظهروه. وقد بين المحققون من العلماء أن هذه المحاسبة إنما تكون على ما يعزم عليه الإنسان وينويه ويصر على فعله، سواء أنفذ ما اعتزم عليه أم حالت دونه حوائل خارجة عن إرادته : كمن عزم على السرقة واتخذ الوسائل لذلك ولكن لم يستطع التنفيذ لأسباب لم يتمكن معها من السرقة التى أصر عليها. أما الخواطر النفسية التى تجول فى النفس، وتعرض للإنسان دون أن يعزم على تنفيذها، فإنها ليست موضع مؤاخذة، بل إن التغلب عليها، وكفها بعد مكافحتها يجعله أهلاً للثواب. ٦٥٧ سورة البقرة ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ◌َ له: قال الله - تعالى - : إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا(١). وروى الجماعة فى كتبهم عن أبى هريرة قال، قال رسول الله وَله إن الله تجاوز لى عن أمتى ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم))(٢). قال الفخر الرازى: الخواطر الحاصلة فى القلب على قسمين : فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله فى الوجود، ومنها مالا يكون كذلك، بل تكون أمورًا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس. فالقسم الأول يكون مؤاخذًا به. والثانى لا يكون مؤاخذا به، ألا ترى إلى قوله - تعالى -: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾(٣). وقال الألوسى : المؤاخذة على تصميم العزم على إيقاع المعصية فى الأعيان وهو من الكيفيات النفسانية التى تلحق بالملكات، وليس كذلك سائر ما يحدث فى النفس - أى من خواطر لا تصميم ولا عزم معها - قال بعضهم : فخاطر فحديث النفس فاستمعا مراتب القصد خمس هاجس ذكروا سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا (٤) يليه هم فعزم كلها رفعت وقوله - تعالى -: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)) بيان لنتيجة المحاسبة التى تكون من الخالق - عز وجل - لعباده. أى: أنه - سبحانه - بمقتضى علمه الشامل، وإرادته النافذه، يحاسب عباده على ما أسروه وما أعلنوه من أقوال وأعمال، فيغفر بفضله لمن يشاء أن يغفر له، ويعذب بعدله من يشاء أن يعذبه، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه. وقوله : ﴿فيغفر﴾ ويعذب، قرأه عاصم وابن عامر ويعقوب وأبو جعفر برفع الراء والباء على (١)، (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ صفحة ٢٣٩. (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ صفحة ١٣٤. (٤) تفسير الآلوسى جـ ٣ صفحة ٦٤. ٦٥٨ المجلد الأول الاستئناف أى فهو يغفر. وقرأ الباقون بإسكانهما عطفًا على جواب الشرط وهو قوله : ﴿يحاسبكم﴾. وقوله : ﴿والله على كل شىء قدير﴾ تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن كمال قدرته - سبحانه - على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما سبق ذكره من المحاسبة لعباده، وإثابة من يشاء إثابته وتعذيب من يشاء تعذيبه، فهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. ثم ختم - سبحانه - سورة البقرة بآيتين كريمتين فى أولاهما أن رسالة النبى الت امتداد للرسلات السماوية السابقة وخاتمة لها ومهيمنة عليها، وبين فى الثانية أنه - سبحانه - لم يكلف الناس إلا بما فى قدرتهم، وأنهم سيحاسبون على أعمالهم، وأن من شأن الأخيار أن يكثروا من التضرع إليه بخالص الدعاء. قال - تعالى - : ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَبِّكَتِهِ، وَكُهِ. وَرُسُلِهِ- لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْسَمِعْنَا لَيُكَلِّفُ وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَرَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٨٥) اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَتَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَطَاقَةَ لَنَابِهِ، وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَأْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ٢٨٦) وقوله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ استئناف قصد به الإِخبار عن الرسول 3 8﴿ والمؤمنين بما يشرفهم ويعلى من أقدارهم ومنازلهم. أى: صدق الرسول وَله بما أنزل إليه من ربه فى هذه السورة وغيرها من العقائد والأحكام ٦٥٩ سورة البقرة والسنن والبينات والهدايات تصديق إذعان وإقرار وإطمئنان، وكذلك المؤمنون الذين صدقوه واتبعوه آمنوا بما آمن به رسولهم وداعيهم إلى الحق ◌َّر. وقد قرن - سبحانه - إيمان المؤمنين بإيمان رسولهم وَل تشريفًا لهم وللإشارة إلى أنهم متى صدقوا فى إيمانهم كانت منزلتهم عند الله - تعالى - قريبة من منازل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. وفى تأخيرهم فى الذكر إشارة إلى تأخر التابع عن المتبوع، وإشارة إلى أن النبی پير هو أول من آمن بما أوحى إليه من ربه، وهو أقوى الناس إيمانًا، وأصدقهم يقينا. وأكثرهم استجابه لأوامر الله . وقوله : ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ بيان للإِيمان الكامل الذى اعتقدوه وصدقوا به . أى: كل فريق من هذين الفريقين وهما الرسول والمؤمنون آمن إيمانًا تامًا بوجود الله - تعالى - ووحدانيته، وكمال صفاته، ووجوب الخضوع والعبادة له، وبوجود الملائكة وأنهم عباد مكرمون ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ كما آمنوا بكتب الله التى أنزلها. السعادة البشر، وبرسله الذين أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. ثم بين - سبحانه - أن من صفات هؤلاء الأخيار أنهم لا يفرقون بين رسل الله - تعالى فقال: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ أى يقولون لا نفرق فى الإِيمان بين رسل الله - تعالى - وإنما نؤمن بهم جميعًا، ونصدق برسالة كل رسول أرسله الله - تعالى - ولا نقول كما قال الضالون ﴿نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾. ثم حكى - سبحانه - ما قالوه مما يدل على صدق إيمانهم، ونقاء نفوسهم وطهارة قلوبهم فقال: ((وقالوا سمعنا وأطعنا)) أى: وقالوا سمعنا قولك وفهمناه، وامتثلنا أمرك - يا الهنا -. واستقمنا عليه، وصبرنا على تكاليفه بكل رضا واستسلام. ((غفرانك ربنا)) أى اغفر لنا غفرانك الذى هو من فضل رحمتك ونعمك فأنت ربنا وخالقنا والعليم بأحوالنا ويضعفنا. فقوله: ﴿غفرانك) مصدر منصوب على المفعول المطلق والعامل فيه مقدر أى: اغفر غفرانك. وقوله: ﴿وإليك المصير﴾ أى: وإليك وحدك المرجع والمآب، ومنك وحدك يكون الحساب والثواب والعقاب، ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾. وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت الرسول وص له# مدحًا عظيمًا، ومدحت أتباعه المؤمنين الصادقين لاستجابتهم لأوامر الله ونواهيه، وتضرعهم إليه بخالص الدعاء أن يغفر لهم ما فرط منهم. ٦٦٠ المجلد الأول ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رحمته بعباده فقال: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ والوسع - كما يقول الزمخشرى -: ما يسع الإِنسان، ولا يضيق عليه، ولا يحرج فيه، أى لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه، ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله. ورحمته كقوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ لأنه كان فى إمكان الإنسان وطاقته أن يصلى أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويجمع أكثر من حجة(١). فالجملة الكريمة تحكى لنا بعض مظاهر فضل الله علينا ورحمته بنا، حيث كلفنا بما تسعه قدرتنا، وتستطيعه نفوسنا، وقد حكى القرآن هذا المعنى فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - : ﴿ما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾ وقوله - تعالى -: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإِنسان ضعيفًا﴾. وإذا كانت بعض التكاليف التى كلفنا الله بها فيها مشقة، فإن هذه المشقة محتملة وفى وسع الإِنسان وقدرته وطاقته، وسيثيينا الله - تعالى - عليها ثوابا جزيلا، فهو القائل: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. ثم بين - سبحانه - أن كل نفس ستجازى بما عملت فقال: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ أى لها وحدها ثواب ما كسبت من حسنات بسبب أعمالها الصالحة، وعليها وحدها عقاب ما اكتسبت من سيئات بسبب أعمالها القبيحة. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت. فى الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهى منجذبة إليه وأمارة به، كانت فى تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك فى باب الخير وصفت. بما لا دلالة فيه على الاعتمال))(٢). وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: ((لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع فى نفس الإِنسان، والإِنسان يفعل الخير بطبعه وتكون فيه لذته. ولا يحتاج إلى تكلف فى فعل الخير، لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضا وأما الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا من مقتضى فطرتها ومهما كان الإِنسان شريرًا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت عند الناس وصاحبه مهين عندهم .. وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر فى نفسه بقبحه، ويجد (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٣٣٢. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٣٣٢.