Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ سورة البقرة وإنما يتقبل الله العمل ويضاعفه لمن قصد به وجهه، وكان المتصدق به مالا حلالا خالصا من الشبهات. فالله - تعالى - طيب لا يقبل إلا ما كان طيبا. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون). القبض : ضد البسط. يقال: قبضه بيده يقبضه أى تناوله. وقبض عليه بيده أى أمسكه. ويقال لإِمساك اليد عن البذل قبض ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿ويقبضون أيديهم﴾ أى يمتنعون عن الإِنفاق. والبسط معناه المد والتوسعة. يقال بسط يده أى: مدها. وبسط المكان القوم. وسعهم. والمعنى: والله - تعالى - بيده الإِعطاء والمنع فهو يسلب تارة ويعطى أخرى، أو يسلب قوما ويعطى آخرين، أو يضيق على بعض ويوسع على بعض حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمة والمصلحة، وما دام الأمر كذلك فلا تبخلوا بما وسع عليكم كيلا تتبدل أحوالكم من الغنى إلى الفقر، ومن السعة إلى الضيق. وأنتم جميعا سترجعون إليه وحده، وسيجازى - سبحانه - الأسخياء بما يستحقون من كريم الثواب والبخلاء بما هم أهله من شديد العقاب. فأنت ترى أن فى هذه الآية الكريمة ألوان من الحض على الإِنفاق فى وجوه الخير ومن ذلك التعبير بالاستفهام، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى التدبر والاستجابة. ومن ذلك - أيضًا - التعبير بقوله: ﴿من ذا الذى .. ﴾ فقد جمع هذا التعبير بين اسم الإِشارة والاسم الموصولِّ فى الاستفهام، ولا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر، وكان المخاطب لعظم قدره من شأنه أن يشار إليه وأن يتحدث عنه ومن ذلك تسميته ما يبذل الباذل قرضا، ولمن هذا القرض إنه لله الذى بيده خزائن السموات والأرض والذى سيرد للباذل أضعاف ما بذل، فكأنه - سبحانه - يقول لنا : إن ما تدفعونه لن يضيع عليكم بل هو قرض منكم لى، وسأرده لكم بأضعاف ما دفعتم وأعطيتم. ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة ووصفها بالكثرة فى قوله: ﴿فيضاعفه له أضعافًا كثيرة﴾ أى لا يعلم مقدارها إلا الله. ومن ذلك التعبير بقوله ﴿والله يقبض ويبسط﴾ لأنه مادام العطاء والمنع من الله فلماذا يبخل البخلاء ویقتر المقترون؟ إن على الغنی أن یستشعر نعمة الله علیه وأن يتحدث بها بدون رياء وأن ينفق منها فى وجوه الخير حتى يزيده الله من فضله، وإلا ففى قدرة الله أن يسليها منه، ويحاسبه على بخله حسابا عسيرًا. هذه بعض وجوه المبالغة التى اشتملت عليها الآية لحض الناس على الإِنفاق فى الجهاد وفى ٥٦٢ المجلد الأول وجوه الخير، ولقد استجاب السلف الصالح لهذه التوجيهات، وحكى لنا التاريخ أمثلة كريمة. من سخائهم وبذلهم. ومن خير الأمثلة على ذلك ما جاء عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿من ذا الذى يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ قال أبو الدحداح: يارسول الله أو إن الله - تعالى - يريد منا القرض؟ ((قال نعم يا أبا الدحداح)) قال أرفى يدك. فناوله النبى منَّ يده. فقال أبو الدحداح : فإنى أقرضت الله - تعالى - حائطا فيه ستمائة نخلة. ثم جاء يمشى حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله، فناداها : يا أم الدحداح، قالت : لبيك قال : أخرجى قد أقرضت ربى حائطًا فيه ستمائة نخلة))(١). وفى رواية لزيد بن اسلم أن أبا الدحداح قال للنبى وَله إن لى حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله - تعالى - فقال رسول الله وله ((اجعل إحداهما والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك)) قال: فأشهدك يارسول أنى قد جعلت خيرهما لله وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: ((إذا يجزيك الله به الجنة، ثم انطلق أبو الدحداح إلى زوجته وهى مع صبيانها فى الحديثة تدور تحت النخل فأخبرها بما فعل. فأقبلت على صبيانها تخرج ما فى أفواههم وتنفض ما فى أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر))(٢). وبهذا نرى السلف الصالح قد امتثل ما أمره الله به من إنفاق فى سبيله ومن جهاد لإعلاء كلمته فهل آن الأوان للمسلمين أن ينهجوا نهجهم لكى يسعدوا كما سعدوا، وينالوا أشرف حياة وأعزها؟ اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك. ثم ساق القرآن قصة من قصص بنى إسرائيل مع أنبيائهم، فيها العظات والعبر، وملخص هذه القصة : أن قوماً من بنى إسرائيل كانوا قد انهزموا أمام أعدائهم هزيمة منكرة جعلتهم يولون الأدبار تاركين ديارهم وأبناءهم، فقالوا لنبى لهم بعد أن ذاقوا مرارة الهزيمة : أبعث لنا ملكا يقودنا للقتال فى سبيل الله، فقال لهم نبيهم بعد أن حذرهم من عاقبة الجبن والكذب : ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا﴾ فاعترضوا على هذا الاختيار، ونقصوا من شأن من اختاره الله قائدا لهم، ولكن نبيهم ساق لهم من الحجج التى تدل على صلاحية طالوت لهذا المنصب ما أخرس ألسنتهم .. ثم سار طالوت بجنوده لقتال أعدائه، وفى الطريق قال لمن معه ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾ ثم بعد هذه المخالفة جبن أكثرهم عن قتال أعدائهم وقالوا (١) تفسير ابن كثير جـ١ صفحة ٢٩٩. (٢) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٢٣٧. ٥٦٣ سورة البقرة ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ ولكن الفئة القليلة المؤمنة منهم استطاعت أن تنتصر على كل عقبة فى طريقها، وأن تقاتل أعداءها بشجاعة وصبر واعتماد على الله، فكانت النتيجة أن انتصرت الفئة القليلة المؤمنة بقيادة طالوت على الفئة الكثيرة الكافرة بقيادة جالوت. هذا تلخيص لتلك القصة العامرة بالعظات، ولعل من الخير قبل أن نبدأ فى تفسير آياتها أن نقرأها بتدبر وتأمل كما صورها القرآن بأسلوبة البليغ المؤثر. قال - تعالى - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاِّ مِنْ بَنِىّ إِسْرَِّ يلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىَّ إِذْ قَالُواْ لِنٍَّ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكَا نُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِقَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ أَلََّنُقَتِلُوَأَ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّانُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآَبِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَّ قَالُواْأَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّاللَّهَ أَصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِع عَلِيمٌ (٢٤٧) وقوله - تعالى - : ﴿ألم تر إلى الملإِ من بنى إسرائيل من بعد موسی﴾ إلخ استئناف ثان بعد قوله قبل ذلك: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ وقد سيق هذا الاستئناف مساق الاستدلال لقوله - تعالى -: ﴿وقاتلوا فى سبيل الله﴾ حتى تتشجع النفوس على الجهاد، وتهون عليها المصاعب فى سبيل حياة العزة والكرامة. ٥٦٤ المجلد الأول و﴿الملإِ﴾ الأشراف من الناس. وهو اسم للجماعة لا واحد له من لفظه .. وإنما سمى الأشراف بذلك لأن هيبتهم تملأ الصدور، أو لأنهم يتمالؤون أى يتعاونون فى شئونهم. وأصل الباب الاجتماع بمالا يحتمل المزيد. والمعنى : كما سبق أن بينا فى قوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا﴾. قد علمت أيها العاقل حال أولئك القوم من بنى إسرائيل الذين كانوا بعد وفاة موسى - عليه السلام - إذ قالوا لنبى لهم أقم لنا أميرًا لكى نقاتل معه فى سبيل الله. ومن لم يعلم فها نحن أولاء نعلمه بحالهم فعليه أن يعتبر ويتعظ . فقوله : ﴿من بعد موسى﴾ بيان للزمن الذى كان يعيش فيه أولئك الملأ من بنى إسرائيل والمراد بالنبى الذى قالوا له ﴿ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله﴾ على الراجح - ((شمويل بن حنة)) وكان السبب فى طلبهم هذا من نبيهم أن العمالقة أتباع جالوت كانوا قد أخرجوهم من ديارهم، وأنزلوا بهم هزائم شديدة، فطلبوا منه ذلك لكى يستردوا مجدهم الضائع، وعزهم المسلوب، على يد هذا القائد المختار من جهة نبيهم. وفى الإِتيان بلفظ هذا النبى بصيغة التنكير إشارة إلى أن محل العبرة ليس هو شخص النبى وإنما المقصود معرفة حال أولئك القوم، وما جرى لهم مع نبيهم من أحداث من شأنها أن تدعو إلى الاعتبار والاتعاظ. وهذه طريقة القرآن فى سرد القصص لا يهتم بالأشخاص والأزمان إلا . بالقدر الذى يستدعيه المقام. أما الاهتمام الأكبر فيجعله لما اشتملت عليه القصة من وجوه العظات والعبر. ويبدو أنه كان يتوجس منهم خيفة لأنه أعرف بطبيعتهم، فنراه يقول لهم كما حكى القرآن عنه: ﴿قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا﴾. فالاستفهام للتقرير والتحذير. أى إنى أتوقع عدم قتالكم إذا فرض عليكم القتال، فراجعوا أنفسكم وقوتكم قبل أن تطلبوا هذا الطلب، لأنه إذا فرض عليكم ثم نكصتم على أعقابكم فإن عاقبتكم ستكون شرًّا لا شك فى ذلك. وعسى هنا بمعنى التوقع والمقاربة، والجملة استئناف بيانى. قال صاحب الكشاف؛ والمعنى: هل قاربتم ألا تقاتلوا؟ يعنى هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول: عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل ﴿هل﴾ مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه ٥٦٥ سورة البقرة صائب فى توقعه. وخبر ﴿عسيتم﴾: ((ألا تقاتلوا)) والشرط فاصل بينهما))(١). ثم حكى القرآن ردهم على نبيهم فقال : ﴿قالوا ومالنا ألا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾. أى قال الملاٍ من بنى إسرائيل على سبيل الإِنكار والتعجب مما قاله نبيهم : وأى صارف يصرفنا عن القتال وحالنا كما ترى؟ إننا قد أخرجنا من ديارنا وحيل بيننا وبين أبنائنا وفلذات قلوبنا فكيف لا نقاتل مع أن الدواعى موجودة، والبواعث متوفرة، والأسباب مهيئة؟ فأنت تراهم فى إجابتهم هذه يستنكرون ما توقعه نبيهم منهم، ويجزمون بأن الطريق الوحيد لعزتهم إنما هو القتال وأن هذا الأمر لا مراجعة فيه ولا جدال. وهكذا شأن الجبناء والمغرورين فى كل زمان ومكان يرحبون بالمعارك قبل قدومها فإذا ما جد الجد كذبت أعمالهم أقوالهم، وأعطوا أدبارهم لأعدائهم ! ثم حكى القرآن أن نبيهم كان صاقًا فيما توقعه منهم من جبن وكذب، وأنهم قوم يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم فقال - تعالى -: ﴿فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم﴾ . أى: فحين فرض عليهم القتال بعد أن الحوا فى طلبه، أعرضوا عنه، ونفروا منه إلا عددًا قليلا منهم فإنه ثبت على الحق، ووفى بعهده. قال الألوسى: وقوله ﴿إلا قليلا منهم﴾ وهم الذين جاوزوا النهر وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر على ما أخرجه البخارى عن البراء - رضى الله عنه - والقلة إضافية فلا يرد وصف هذا العدد أحيانا بأنه جم غفير(٢). ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ لإفادة الوعيد الشديد لهؤلاء الذين نقضوا عهودهم، ونكصوا عن القتال عندما فرض عليهم، ولكل من يفعل فعلهم، وسار على طريقهم. أى: والله - تعالى - عليم بالظالمين الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد، وبترك ما أمرهم الله به بعد أن عاهدوه على عدم الترك. ثم بين القرآن ما أخبرهم به نبيهم ليحملهم على الطاعة والامتثال فقال - تعالى -: ﴿وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا﴾. أى وقال لهم بعد أن أوحى إليه بما يوحى : إن الله - تعالى - وهو العليم الخبير بأحوال عباده (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٢٩١. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ صفحة ١٦٦. ٥٦٦ المجلد الأول قد بعث لكم ومن أجل مصلحتكم طالوت ليكون ملكًا عليكم، وقائدا لكم فى قتالكم لأعدائكم، فأطيعوه واتبعوا ما يأمركم به. و﴿طالوت﴾ اسم أعجمى قيل هو المسمى فى التوراة باسم ((شاول)) وقيل إن هذا الاسم لقب له من الطول كملكوت من الملك، لأن طالوت كان طويلا جسيما. ولقد كان الذى يقتضيه العقل أن يطيعوا أمر نبيهم، ولكنهم لجوا فى جدالهم وطغيانهم وقالوا لنبيهم معترضين على من اختاره الله قائدًا لهم. ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾. ﴿أنى﴾ أداة استفهام بمعنى كيف، والاستفهام هنا للتعجب من جعل طالوت ملكًا عليهم. أى قالوا لنبيهم منكرين ومتعجبين من اختيار طالوت ملكًا عليهم : كيف يكون له الملك علينا والحال أننا أحق بالملك منه لأننا أشرف منه نسبًا، إذ منا من هو نسل الملوك أما طالوت فليس من نسلهم، وفضلا عن ذلك فهو لا يملك من المال ما يملكه بعضنا فكيف يكون هذا الشخص ملكًا علينا؟ فأنت تراهم لانعدام المقاييس الصحيحة عندهم ظنوا أن المؤهلات الحقيقية لاستحقاق الملك والقيادة إنما تكون بالنسب وكثرة المال أما الكفاءة العقلية، والقوة البدنية، والقدرة الشخصيةِ فلا قيمة لها عندهم لانطماس بصيرتهم، وسوء تفكيرهم. قال بعضهم: ((وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بنى إسرائيل وهو سبط لاوى بن يعقوب ، وسبط المملكة بسبط يهوذا ، ولم يكن طالوت من أحد هذين السبطين بل من ولد بنيامين. والواو فى قوله: ﴿ونحن أحق﴾ للحال، والواو الثانية فى قوله: ﴿ولم يؤت﴾ عاطفة جامعة للجملتين فى الحكم(١). ثم حكى القرآن مارد به نبيهم عليهم فقال : ﴿قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم، والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم﴾. أى قال لهم نبيهم مدللا على أحقية طالوت بالقيادة: إن الله - تعالى - ﴿اصطفاه عليكم) أى اختاره وفضله عليكم واختياره يجب أن يقابل بالإِذعان والتسليم. وثانيا: ﴿وزاده بسطة فى العلم﴾ أى أن الله - تعالى - منحه سعة فى العلم والمعرفة والعقل والإِحكام فى التفكير المستقيم لم يمنحها لكم، وثالثًا: فى ﴿الجسم﴾ بأن أعطاه جسمًا قويًا ضخمًا مهيبًا. وهذه الصفات ما وجدت فى شخص إلا وكان أهلا للقيادة والريادة وفضلا عن كل ذلك فمالك الملك هو الذى (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٢٠١ . ٥٦٧ سورة البقرة اختاره فكيف تعترضون يامن تدعون أنكم تريدون القتال فى سبيل الله؟ لذا نراه - سبحانه - يضيف الملك الحقيقى إليه فيقول: ﴿والله يؤتى ملكه من يشاء﴾ أى: يعطى ملكه لمن يشاء من عباده لحكمة يعلمها. فلا يجوز لأحد أن يعترض على اختياره، والله واسع الفضل والعطاء. (علیم)). ثم حكى القرآن أن نبيهم لم يكتف بهذه الدلائل الدالة على صلاحية طالوت للقيادة، وإنما ساق لهم بعد ذلك من العلامات التى تشهد بحقيته بهذا المنصب ما يثبت قلوبهم، ويزيل شكهم ويشرح نفوسهم فقال - تعالى - : وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ: أَنْ يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَكِكَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِنَكُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٤٨ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهُ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ, مِنِّىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ ، فَشَرِبُواْمِنْهُ إِلََّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهٍ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَقُواْ اللَّهِكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَتْ فِئَةً كَثِيرَةَ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ (٢٤٩) التابوت : يوزن فعلوت - من التوب وهو الرجوع، وتاؤه مزيدة لغير التأنيث كجبروت، والمراد به صندوق التوراة وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ٥٦٨ المجلد الأول ذلك سبب نصرهم. وكان عهدهم به قد طال فذكرهم بمآثره ترغيبًا فيه وحملا على الانقياد لطالوت))(١). والسكينة : من السكون وهو ثبوت الشىء بعد التحرك: أو من السكن - بالتحريك - وهو كل شىء سكنت إليه النفس وهدأت. والمعنى : وقال لهم نبيهم ليقنعهم بأن طالوت جدير بالملك ﴿إن آية ملكه﴾ أى علامة ملكه وأنه من الله - تعالى - ﴿أن يأتيكم التابوت﴾ أى أن يرد عليكم التابوت الذى سلب منكم ﴿فيه سكينة من ربكم﴾ أى فى إتيانه سكون لنفوسكم وطمأنينة لها أو مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) من آثار تعتزون بها، وترون فيها صلة بين ماضيكم وحاضركم وقوله ﴿تحمله الملائكة﴾ حال من التابوت. قال صاحب الكشاف : قوله: ﴿وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون﴾ هى رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشىء من التوراة. وكان رفعه الله - تعالى - بعد موسى - عليه السلام - فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفائه لطالوت. فإن قلت : من هم (آل موسى وآل هارون). قلت: الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما، ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما(٢). وقال ابن كثير: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدى طالوت والناس ينظرون(٣). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿إن فى ذلك الآية لكم إن كنتم مؤمنين﴾ أى: إن فى ذلك الذى أتاكم به طالوت لآية عظيمة وعلامة ظاهرة لكم تدل على أحقية طالوت بالملك والقيادة إن كنتم مؤمنين بآيات الله وبالحق الذى جاء به أنبياؤه. وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد حكى لنا أن هؤلاء القوم من بنى إسرائيل قد جاءهم نبيهم بأنصع الحجج، وأوضح الأدلة، وأثبت البراهين التى تؤيده فيما يدعوهم إليه. ثم بین - سبحانه - ما دار بین طالوت وجنوده فقال : ﴿فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر﴾. ﴿فصل﴾ بمعنى الفصل. قال الزمخشرى: فصل عن موضع كذا: إذا انفصل عنه وجاوزه. (١) تفسير القاسمى جـ ١ ص ٦٤٦. (٢) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٩٣ (٣) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٠١ ٥٦٩ سورة البقرة وأصله فصل نفسه. ثم كثر: حذف المفعول حتى صار فى حكم غير المتعدى كانفصل. وقيل : فصل عن البلد فصولا . ويجوز أن يكون فصله فصلا، وفصل فصولا كوقف وصد ونحوهما. والمعنى انفصل عن بلده))(١). و(النهر) بالفتح والسكون -: المجرى الواسع الذى يجرى فيه الماء مأخوذ من نهر الأرض بمعنی شقها. أى: فلما انفصل بهم عن المكان الذى كانوا يقيمون فيه، وتوجهوا معه لقتال جالوت وجنوده، قال لهم ﴿إن الله مبتلیکم بنهر﴾ أی مختبرکم وممتحنکم بنهر، وکان طالوت قد سار بهم فى أرض قفرة فأصابهم عطش شديد. وفى هذا الابتلاء اختبار لعزيمتهم، وامتحان لصبرهم على المتاعب حتى يتميز من يصير على الحرب ممن لا يصبر، ومن شأن القواد الأقوياء العقلاء أنهم يختبرون جنودهم قبل اقتحام المعارك حتى يكونوا على بينة من أمرهم. ثم بين لهم موضع الاختبار فقال: ﴿فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بیده﴾ . ﴿يطعمه﴾ أى يذقه من طعم الشىء يطعمه إذا ذاقه مأكولا أو مشروبًا. ﴿الغرفة﴾ - بالضم - اسم للشىء المغترف وجمعه غراف. وأما الغرفة - بالفتح - فهى اسم للمرة الواحدة من الغرف وقيل : هما لغتان بمعنى واحد. أى قال لهم طالوت : من شرب من هذا النهر فليس من شيعتى، فعليه أن يتركنى ولا يصاحبنى فى خوض هذه المعركة لأنه ثبت ضعفه وخوره، ومن لم يذقه أصلا فإنه من شیعتی وحزبى الذى سيكون معى فى هذه المعركة الخطيرة. ثم أباح لهم أن يغترفوا من النهر غرفة يخففون بها من عطشهم فقال : ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ فإنه لا يخرج بذلك عن كونه منى. وفى هذه الجملة الكريمة قدم - سبحانه - جواب الشرط على الاستثناء من الشرط فقد قال ﴿ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اعترف غرفة بيده﴾ والتأليف المعهود للناس أن يقال: (ومن لم يطعمه إلا من اغترف بيده فإنه منى) ولكن الآية الكريمة جاءت بتقديم الجواب على الاستثناء لحكمة بليغة، وهى المسارعة إلى بيان الحكم، وإثبات أن أساس الصلة التى تربطهم بنبيهم أن يمتثلوا أمره وألا يشربوا من النهر، ثم رخص لهم بعد ذلك فى الاغتراف باليد غرفة واحدة. وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال: فإن قلت: مم استثنى قوله﴿إلا من اغترف﴾؟ قلت: من قوله: ﴿فمن شرب منه فليس منى﴾ والجملة الثانية فى حكم المتأخرة إلا (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٩٤ . ٥٧٠ المجلد الأول أنها قدمت للعناية .. ومعناه: الرخصة فى اغتراف الغرفة باليد دون الكروع))(١). ثم ختم - سبحانه - ما كان من بنى إسرائيل نتيجة لهذا الامتحان فقال: ﴿فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾ . أى: فشربوا من النهر حتى امتلأت بطونهم مخالفين بذلك أمر قائدهم فى وقت تعظم فيه المخالفة لأنه وقت إقدام على الحرب، إلا عددًا قليلا منهم فإنهم لم يشربوا إلاكما رخص لهم قائدهم. وعلى هذا التفسير - الذى قال به جمهور المفسرين - يكون جميع الذين مع طالوت قد شربوا من النهر إلا أن كثيرًا منهم قد شربوا حتى امتلأت بطونهم مخالفين أمر قائدهم، وقلة منهم شربت غرفة واحدة وهى التى رخص لهم قائدهم فى شربها. وبعض المفسرين يقسم اتباع طالوت ثلاثة أقسام : قسم شرب كثيرًا مخالفًا أمر طالوت. وقسم شرب غرفة واحدة بيده كما رخص له قائده. وقسم لم يشرب أصلا لا قليلاً ولا كثيرًا مؤثرًا العزيمة على الرخصة وهذا القسم هو الذى اعتمد عليه طالوت اعتمادًا كبيرًا فى تناوله لأعدائه. وممن ذكر هذا التقسيم من المفسرين الإِمام القرطبى فقد قال: ((قال ابن عباس : شربوا على قدر يقينهم، فشرب الكفار شرب الهيم(٢)، وبقى بعض المؤمنين لم يشرب شيئًا، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يروبل برح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة))(٣). ثم بين - سبحانه - ما كان من أتباع طالوت بعد اجتيازهم للنهر معه فقال : ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾. أى: فلما جاوز طالوت ومن معه النهر وتخطوه، وشاهدوا كثرة جند جالوت، قال بعض الذين مع طالوت لبعض بقلق ووجل : لا قدرة لنا اليوم على محاربة أعدائنا ومقاومتهم فهم أكثر منا عَددًا، وأوفر عُددا. والضمير ﴿هو﴾ فى قوله: ﴿هو والذين آمنوا معه﴾ مؤكد للضمير المستكن فى جاوز. والقائلون، هذا القول هم بعض المؤمنين الذين عبروا معه النهر، ولم يقولوا ذلك هروبًا أو (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٩٥. (٢) الهيم: الإِبل التى يصيبها داء فلا تروى من الماء واحدها أهيم والأنثى هيماء. (٣) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٢٥٤. ٥٧١ سورة البقرة نكوصًا عن القتال، وإنما قالوه كمظهر من مظاهر الرجل الذى يعترى بعض النفوس عند الاستعداد للقتال، لأن الذين عصوا الله وخالفوا طالوت بشربهم من النهر جبنوا عن لقاء العدو ولم يسيروا معه لقتالهم. أما المؤمنون الصادقون الذين اتصلت قلوبهم بالله، والذين أذعنوا أنه لا نصر إلا منه ولا اعتماد إلا عليه، فقد حكى القرآن موقفهم المشرف فقال: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾. أى: قال الذين يتيقنون أنهم ملاقو الله يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم. قالوا مشجعين لإِخوانهم الذين تهيبوا قتال أعدائهم : كم من جماعة قليلة بإيمانها وصبرها تغلبت بإذن الله وتيسيره على جماعة كثيرة بسبب كفرها وجبنها وتفككها، والله - تعالى - بعونه وتأييده مع الصابرين. وعلى هذا التفسير يكون المراد بلقاء الله الحشر إليه بعد الموت، ومجازاة الناس على ما قدموا من عمل، ويكون المراد بالظن اليقين لأن كل مؤمن متيقن بأن البعث حق. ويجوز أن يكون المراد بلقاء الله قربهم من رضاه يوم القيامة، وإثابتهم على جهادهم بالجنة، وعليه يكون الظن على معناه الحقيقى وهو الاعتقاد الراجح، لأن خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون سوى علام الغيوب. و﴿كم﴾ فى قولهم ﴿كم من فئة﴾ خبرية للتكثير، وفى هذا التعبير الذى حكاه القرآن عنهم دليل على قوة إيمانهم وصفاء نفوسهم وثقتهم فى نصر الله ثقة لا تحد، لأنهم أتوا بصيغة التكثير حتى لكأنما أن القاعدة العامة هى انتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة الكافرة. وفى تعليقهم النصر على إذن الله للإشعار بأنهم لم يعتمدوا على قوتهم وثباتهم وشجاعتهم فحسب وإنما جعلوا اعتمادهم الأكبر على تأييد الله لهم. وهذا شأن العقلاء يبذلون أقصى جهدهم فى بلوغ غايتهم مستعينين على ذلك بتأييد الله وتوفيقه. ورحم الله الإِمام القرطبى الذى عاصر دولة الإِسلام فى الأندلس وهى تسير فى طريق الضعف والتدهور فقد قال فى ختام تفسيره لهذه الآية : قلت: هكذا يجب علينا أن نفعل ؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة، منعت من ذلك حتى انكسر العدد الكبير منا أمام اليسير من العدو وكما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا! وفى البخارى: وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. وفى البخارى - أيضًا - أن النبى وَّر قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة !! قال - تعالى -: ﴿اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله﴾ وقال: ﴿وعلى الله فتوكلوا﴾ وقال: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ وقال: ﴿ولينصرن ٠ ٥٧٢ المجلد الأول الله من ينصره﴾ وقال: ﴿إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون). فهذه أسباب النصر وشروطه وهى معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا))(١). ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله المؤمنون الصادقون عندما برزوا للقاء أعدائهم فقال : وَلَمَّا بَرَزُ واْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعُ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَّتَلَ ٢٥٠ الْكَفِرِين دَاوُودُجَالُوتَ وَءَاتَنهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَايَشَاءُ وَلَوْ لَا دَفْعُ اللَّهِالنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو تِلْكَ ءَايَكُ اللَّهِ ٢٥١ فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ( نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢). وقوله : ﴿برزوا﴾ أى صاروا إلى براز الأرض وهو ما انكشف منها بحيث يصير كل فريق من المتقاتلين يرى صاحبه، ومنه سميت المبارزة فى الحرب لظهور كل قرن إلى قرنه. أى: وحين برز طالوت ومن معه لقتال جالوت وجنوده، وأصبح الفريقان فى مكان متسع من الأرض بحيث يرى كل فريق خصمه اتجه المؤمنون إلى الله - تعالى - بالدعاء قائلين بإخلاص وخشوع : ﴿ربنا أفرغ علينا صبرًا﴾ أى: أفض علينا صبرا يعمنا، ويملأ قلوبنا ثقة بنصرك، ويحبس نفوسنا على طاعتك. قال الإِمام الرازى ما ملخصه، الإِفراغ: الصب. يقال أفرغت الإِناء إذا صببت ما فيه. وقولهم هذا يدل على المبالغة فى طلب الصبر من وجهين : : (١) تفسير القرطبى جـ ٣ صفحة ٢٥٥. ٥٧٣ سورة البقرة أحدهما : أنه إذا صب الشىء فى الشىء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه وهذا يدل على التأکید . والثانى: أن افراغ الإِناء هو إخلاؤه وذلك يكون بصب كل ما فيه، فمعنى أفرغ علينا صبرا، أى أصبب علينا أتم صب وأبلغه - حتى تتحقق فينا صفة الصبر كأحسن ما يكون التحقق ))(١). أما الدعوة الثانية فقد قالوا فيها - كما حكى القرآن عنهم - ﴿وثبت أقدامنا﴾ أی هب لنا من كمال القوة والرسوخ عند القتال ما يجعلنا نثبت أمام أعدائنا، ونتمكن من رقابهم دون أن يتمكنوا منا. فهذا الدعاء كناية عن أن يمنحهم - سبحانه - الثبات عند الزحف، وعدم الفرار عند القتال. وفى قوله: ﴿وثبت أقدامنا﴾ تعبير بالجزء عن الكل، لأن الأقدام هى التى يكون بها الفرار، فتثبيتها إبعاد عن الفرار، ومتى حصل الثبات كان النصر متوقعاً، والصبر متحققًا. ثم ختموا دعاءهم بأن قالوا : ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ أى اجعل الغلبة لنا عليهم، لأننا مؤمنون بأنك المعبود المستحق للعبادة وهم يكفرون بذلك. والمتأمل فى هذه الدعوات الثلاث يراها قد جمعت أسمى ألوان الأدب وحسن الترتيب، فهم قد صدروا دعاءهم بالتوسل بوصف الربوبية فقالوا ﴿ربنا﴾ أى يا خالقنا ويا منشئنا ويا مربينا ويا مميتنا، وفى ذلك إشعار أنهم يلجأون إلى من بيده وحده النفع والضر، والنصر والهزيمة. ثم افتتحوا دعاءهم بطلب الصبر عند المخاوف لأنه هو عدة القتال الأولى، وركنه الأعلى، إذ به يكون ضبط النفس فلا تفزع، وبه يسكن القلب فلا يجزع. ثم التمسوا منه - سبحانه - أن يثبت أقدامهم عند اللقاء لأن هذا الثبات هو مظهر الصبر، ووسيلة النصر، وعنوان القوة. ثم ختموا دعاءهم بما هو ثمرة ونتيجة للصبر والثبات وهو النصر على الأعداء. فماذا كانت نتيجة هذا الدعاء الخاشع الخالص؟ كانت نتيجته النصر المؤزر الذى حكاه القرآن فى قوله : ﴿فهزموهم بإذن الله﴾. وأصل الهزم فى اللغة الكسر. ومنه سقاء منهزم أى انثنى بعضه على بعض مع الجفاف. ويقال للسحاب هزيم، لأنه يتشقق بالمطر. والفاء هنا فصيحة أوسببية أى أنهم بسبب دعائهم المخلص، وإيمانهم القوى، واستجابتهم لما أمرهم الله به، استطاعوا أن يكسروا أعداءهم (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٦ صفحة ١٩٩. ٥٧٤ المجلد الأول ويهزموهم، وقوله : ﴿بإذن الله﴾ أى بتوفيقه وتيسيره وتأييده. والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة . ثم قال - تعالى - : ﴿وقتل داود جالوت﴾ أى: وقتل داود بن إيشا - وكان فى جيش طالوت - جالوت الذى كان يقود جيش الكفر، وبقتله مزق أتباعه شر ممزق، ورزق الله طالوت ومن معه النصر والغلبة. ثم بين - سبحانه - ما منحه لداود من نعم فقال: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء﴾ والحكمة المراد بها هنا النبوة، ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله فى بنى إسرائيل، وورثه فيهما ابنه سليمان - عليه السلام -. أى: وأعطى الله - تعالى - عبده داود ملك بنى إسرائيل وأعطاه النبوة التى هى أشرف من الملك زيادة فى ترقيته فى درجات الشرف والكمال، وعلمه - سبحانه - مما يشاء من فنون العلم، ومن أمور الدين والدنيا كمعرفته لغة الطيور، وكلام الدواب، وصناعة آلات الحرب وغير ذلك من ألوان العلوم المختلفة التى لا تحدها إلا مشيئة الله وإرادته. وفى قوله - تعالى -: ﴿وعلمه مما يشاء﴾ بعد الإِخبار بأنه - سبحانه - آتى داود الحكمة، إشعار بأن الإِنسان لا يستغنى عن التعلم سواء أكان نبيا أم لم يكن، لأن داود - عليه السلام - مع حصوله على النبوة لم يستغن عن تعليم الله إياه، وقد أمر الله - تعالى - نبيه محمدًا وَ ﴿ أن يلتمس المزيد من العلم فقال: ﴿وقل رب زدنى علما﴾. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده فقال: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾. أى: ولولا أن الله - تعالى - يدفع أهل الباطل بأهل الحق، لفسدت الأرض، وعمها الخراب لأن أهل الفساد إذا تركوا من غير أن يقاوموا استطارت شرورهم، وتغلبوا على أهل الصلاح والاستقامة، وتعطلت مصالح الناس، وانتشر الفساد فى الأرض. فلولا فى الجملة الكريمة حرف امتناع لوجود. أى: امتنع فساد الأرض لأجل وجود دفع الناس بعضهم ببعض. فالجملة الكريمة تأمر الأخيار فى كل زمان ومكان أن يقفوا فى وجوه الأشرار، وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن تحول بينهم وبين الفساد والطغيان. ثم خُتم - سبحانه - الآية بقوله: ﴿ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾. أی : ولكن الله - تعالى - صاحب فضل عظيم، وإنعام کبیر علی الناس أجمعين، لأنه وضع ٥٧٥ سورة البقرة لهم هذا التنظيم الحكيم الذى أوجب فيه على المصلحين أن يدافعوا المفسدين، وأن يقاوموهم بالطريقة التى تمنع فسادهم حتى ولو أدى ذلك إلى رفع السلاح فى وجوههم، لأن السكوت عن فساد المفسدين سيؤدى إلى العقاب الذى يعمهم ويصيب معهم المصلحين." ثم ختم - سبحانه - قصة هؤلاء القوم من بنى إسرائيل بقوله : ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين﴾. أى: تلك الآيات التى حدثناك فيها عن قصة أولئك القوم وما جرى لهم هى آيات الله التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، نتلوها عليك يا محمد عن طريق جبريل الأمين تلاوة ملتبسة بالحق الثابت الذى لا يحوم حوله الباطل، وإنك يا محمد ﴿لمن المرسلين﴾ الذين أرسلهم الله - تعالى - ﴿بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾. فالإِشارة فى قوله ﴿تلك آيات الله﴾ إلى الآيات المتلوة من قوله - تعالى -: ﴿ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل﴾ إلى آخر القصة. وقيل إليها وإلى القصة التى قبلها وهى قصة القوم ﴿الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾. وكانت الإِشارة للبعيد، لما فى ذلك من معنى الاستقصاء للآيات، ولعلو شأنها، وكمال معانيها، والوفاء فى مقاصدها. وأضيفت الآيات إلى الله لأنها جزء من هذا القرآن الذى أنزله - سبحانه - على نبيه محمد وَ * ليكون هداية للناس، وليحملهم على تدبرها والاعتبار بها لأنها من عند الله الذى شرع لهم ما يسعدهم . وجعل - سبحانه - تلاوة جبريل للقرآن تلاوة له فقال: ﴿نتلوها عليك بالحق﴾ للإشعار بشرف جبريل، وأنه ما خرج فى تلاوته عما أمره الله به، فهو رسوله الأمين إلى رسله المكرمين. وجملة ﴿نتلوها عليك﴾ فى محل نصب حال من الآيات والعامل فيها معنى الإِشارة. وقوله : ﴿بالحق﴾ فى موضع نصب حال من مفعول نتلوها أى ملتبسة باليقين الذى لا يرتاب فيه عاقل. أو من فاعله أى: نتلوها عليك ملتبسين بالحق والصواب. وأكد - سبحانه - قوله ﴿وإنك لمن المرسلين) بحرف ((إن)) وباللام فى ((لمن)) وبالجملة الإسمية، للرد على من شكك فى صدق رسالته ويّله ولتسليته عما يقوله الجاحدون فى شأنه. وبعد : فهذه قصة الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى، وإن فيها لعبرا متعددة، وعظات متنوعة لقوم يعقلون. من العبر التى تؤخذ منها : ١ - أن الشعور بالظلم والهوان، والابتلاء بالمحن والهزائم، والوقوع تحت أيدى المعتدي، ٠ ٥٧٦ المجلد الأول كل ذلك من شأنه أن يصهر النفوس الحرة الكريمة، وأن يدفعها بقوة إلى الذود عن كرامتها المسلوبة، وعزتها المغصوبة، حتى تنال حقها ممن سلبه منها أو تموت دونه، لأن النفوس الأبية تشعر دائمًا بأن الموت مع العزة خير من الحياة مع الذلة. يدل على ذلك قوله - تعالى - : ﴿قالوا: ومالنا ألا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾. ٢ - أن الناس فى كل زمان ومكان، يلجأون - خصوصًا عندما تنزل بهم الشدائد إلى من يتوسمون فيهم الخير والصلاح، لكى يرشدوهم إلى ما يأخذ بيدهم إلى طريق السعادة، ولكى يهدوهم إلى أفضل السبل التى تنقذهم مما هم فيه من بلاء، ولكى يختاروا لهم من يقودهم إلى النصر والفلاح. ألا ترى إلى الملأ من بنى إسرائيل كيف لجأوا إلى نبى لهم ليقولوا له بعد أن أصابهم من الذل ما أصابهم: ﴿ابعث لنا ملكًا نقاتل فى سبيل الله﴾؟ إنهم لم يلجأوا إلى زعيم من زعمائهم، أو إلى أمير من امرائهم، وإنما لجأوا إلى نبيهم يبثون إليه شكواهم، ويطلبون منه أن يختار لهم من يقودهم للقتال فى سبيل الله، لأنهم يرون فيه الأمل المرتجى، والعقل السليم،- والخلق القويم، والأسوة الحسنة. ٣ - أن القائد يجب أن تتوفر فيه صفتان: قوة العقل، وقوة الجسم لأنه متى توفرت فيه هاتان الصفتان استطاع أن يقود أتباعه بنجاح، وأنه قبل أن يلتقى بأعدائه يجب عليه أن يختبر جنده لیعرف مبلغ إيمانهم وقوتهم وطاعتهم وثباتهم وألا یکلفهم بما لا يستطيعونه حتى يحارب أعداءه وهو على بينة من أمره. انظر إلى طالوت كيف اختبر جنده قبل أن يخوض المعركة بأن قال لهم: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده﴾ وهكذا القواد العقلاء يقدمون على حرب أعدائهم وهم على بصيرة من أمرهم. ٤ - ان الفئة القليلة المؤمنة كثيرًا ما تنتصر على الفئة الكثيرة الكافرة؛ لأن المؤمنين الصادقين يحملهم إيمانهم على اليقين بلقاء الله، وعلى التضحية من أجل إعلاء كلمته، وعلى الإِقدام الذى يرعب الكافرين، ويخيف الفاسقين، وصدق الله إذ يقول ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾. ٥ - أن هزائم الأمم يمكن إزالتها متى توفر لتلك الأمم القادة العقلاء الأقوياء، والجند الأشداء على أعدائهم، الرحماء فيما بينهم، وأن من شأن المؤمنين حقا أنهم مع مباشرتهم للأسباب، وإحكامهم لكل ما يحتاج إليه القتال، وإحسانهم لكل وسيلة تعينهم على النصر، مع كل ذلك لا يغترون ولا يتطاولون بل يعتمدون على الله - تعالى - اعتمادا تامًا، ويتجهون إليه بالضراعة والدعاء ويلتمسون منه النصر على أعدائه وأعدائهم انظر إلى الصفوة المؤمنة من جند ٥٧٧ سورة البقرة طالوت ماذا قالت عندما برزت لجالوت وجنوده، لقد قالت كما حكى القرآن عنها: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرًا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فهزموهم بإذن الله﴾. ٦ - أن من سنن الله فى خلقه أنه - سبحانه - جعل الحياة صراعًا دائماً بين الحق والباطل، ونزاعًا موصولا بين الأخيار والأشرار، ولولا أن الله - تعالى - يدفع بعض الناس الفاسقين ببعض الناس الصالحين لفسدت الأرض، لأن الفاسقين لو تركوا من غير أن يدافعوا ويقاوموا لنشروا فسوقهم وفجورهم وطغيانهم فى الأرض، ولكنه - سبحانه - أعطى لعباده الصالحين من القوة والثبات ما جعلهم يقاومون الظالمين ويعملون على نشر الخير والصلاح بين الناس. ٧ - أن القصة الكريمة تصور لنا ما جبل عليه بنو إسرائيل من نقض للعهد وكذب فى القول ﴿فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم﴾ ومن تطاول على أنبيائهم، وعصيان لأوامرهم، واعتراض على توجيهاتهم، وتفضيل للجاه والمال على العقل والعلم ﴿قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال﴾ ومن خور عند الابتلاء والاختبار، وحماس فى ساعة السلم ونكوص فى ساعة الجد، تأمل قوله - تعالى - ﴿فشربوا منه إلا قليلا منهم. فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾. وبعد هذا الحديث الحكيم عن الملإِ من بنى إسرائيل من بعد موسى. وبعد أن شهد الله - تعالى - لنبيه محمد * بأنه من المرسلين الذين أرسلوا لينصروا الحق، وليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، بعد كل ذلك بين الله - تعالى أن الرسل وإن كانوا قد بعثوا جميعًا لهداية البشر إلا أنهم يتفاضلون فيما بينهم فقال - تعالى - : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَاللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُرُوجِ الْقُدُسِِّ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ اخْتَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم ◌َن كَفَرَ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ (٢٥٣) ٥٧٨ المجلد الأول - الإِشارة بتلك فى قوله: ﴿تلك الرسل﴾ إلى جماعة الرسل الذين تقدم ذكرهم فى السورة والذين أرسلهم الله - تعالى - لهداية البشر، وأمرنا - سبحانه - بالإِيمان بهم. أى أولئك الرسل الذين أرسلناهم لهداية الناس ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾ أى جعلنا لبعضهم مناقب وخصائص ومزايا لم تتوافر للبعض الآخر. و﴿تلك﴾ مبتدأ و ﴿الرسل﴾ عطف بيان لتلك. وجملة ﴿فضلنا بعضهم على بعضهم) هى الخبر. وكانت الإِشارة باللفظ الدال على البعيد، لبيان سمو مكانة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأنهم هم المصطفون الأخيار. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر التفضيل فقال : ﴿منهم من كلم الله﴾ أى منهم من فضله الله بتكليمه إياه كموسى - عليه السلام - فقد وردت آيات صريحه فى ذلك، منها قوله - تعالى -: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ وقوله - تعالى -: ﴿قال يا موسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى﴾ وقوله - تعالى - ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾. ثم قال - سبحانه - : ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ أى: ومنهم من رفعه الله على غيره من الرسل مراتب سامية ومنازل عالية. قيل كإبراهيم الذى اتخذه الله خليلا، وإدريس الذى رفعه الله مكانًا عليًّا، وداود الذى آتاه الله النبوة والملك. والذى عليه المحققون من العلماء والمفسرين أن المقصود بقوله - تعالى - ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ هو سيدنا محمد هلال لأنه هو صاحب الدرجات الرفيعة والمعجزة الخالدة الباقية إلى يوم القيامة والرسالة العامة الناسخة لكل الرسالات قبلها. وقد صرح صاحب الكشاف بذلك فقال : قوله ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ أى ومنهم من رفعه الله على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم فى الفضل أفضل منهم درجات كثيرة. الظاهر أنه أراد محمدًا وَّ لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوق مالم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. لو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفًا على سائر ما أوتى الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفى هذا الإِبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذى لا يشتبه، والمتميز الذى لا يلتبس. ويقال للرجل : من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذى تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال فيكون أفخم من التصريح، وسئل الخطيئة عن أشعر الناس، فذكر زهيرًا والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت ٥٧٩ سورة البقرة نفسى لم يفخم أمره(١). ثم قال - تعالى -: ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس﴾. ﴿البينات﴾: هى المعجزات الظاهرة البينة. وروح القدس: هو جبريل - عليه السلام - والروح هنا بمعنى الملك الخاص. القدس أصل معناه الطهارة، وهو يطلق على الطهارة المعنوية وعلى الخلوص والنزاهة. فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة. قيل القدس اسم الله كالقدوس فإضافة روح إضافة للتشريف أى روح من ملائكة الله. والمعنى : وأعطينا عيسى بن مريم الآيات الباهرات، والمعجزات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وإخبار قومه بما يأكلونه ويدخرونه فى بيتهم، وفضلا عن هذا فقد قويناه بجبريل - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - قد عاش حياته محاربا من أعدائه الرومان ومن قومه الذين أرسل إليهم وهم بنو إسرائيل ولم يؤذن له بالقتال ليدافع عن نفسه بل تولى الله - تعالى - الدفاع عنه بجنده الذين من بينهم جبريل - عليه السلام -. قال الزمخشرى : فإن قلت لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت : لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات. لما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر فى باب التفضيل. هذا دليل بين على أن من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا محمد پر هو الذی أوتی منها ما لم يؤت أحد فی کثرتها وعظمها کان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع)). وقال الإِمام القرطبى ما ملخصه: هذه الآية نثبت التفاضل بين الأنبياء وهناك أحاديث تقول: ((لا تخيرونى على موسى)) و((لا تخيروا بين الأنبياء)) و((لا تفضلوا بين الأنبياء)) أى لا تقولوا فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان فكيف الجميع ؟ فالجواب أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل أو أن قوله هذا من باب الهضم والتواضع. أو المراد النهى عن الخوض فى ذلك لأن الخوض فى ذلك ذريعة إلى الجدال والجدال قد يؤدى إلى أن يذكر بعضهم بما لا ينبغى أن يذكر به، وقد يؤدى إلى قلة احترامهم. ثم قال. وأحسن من هذا القول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التى هى خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل فى زيادة. الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات، وأما النبوة فى نفسها فلا تتفاضل، وإنما (١) تفسير الكشاف جـ ١ صفحة ٢٩٧. ٥٨٠ المجلد الأول تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها، ولذلك فهم رسل، وأولو عزم، ومنهم من كلمه الله .. فالقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل، وأعطى من الوسائل. وبذلك نكون قد جمعنا بين الآية والأحاديث من غير النسخ. ثم قال - تعالى -: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾. أى: ولو شاء الله - تعالى - ألا يقتتل الذين جاؤا بعد كل رسول من الرسول وبعد أن جاءهم الرسل بالبينات الدالة على الحق، لو شاء الله ذلك لفعل، ولكن الله - تعالى - لم يشأ ذلك، لأنه خلق الناس مختلفين فى تقبلهم للحق، فترتب على هذا الاختلاف أن آمن بالحق الذى جاءت به الرسل من فتح له قلبه، واتجه إليه اختياره، وأن كفر به من آثر الضلالة على الهداية واستحب العمى على الهدى، وترتب عليه - أيضًا أن تقاتل الناس وتحاربوا. ومفعول المشيئة محذوف دل عليه جواب الشرط أى لو شاء الله ألا يقتتل الذين جاءوا من بعد الرسل ما اقتتلوا. وقدم - سبحانه - المسبب وهو الاقتتال على السبب وهو الاختلاف كما يشهد له قوله : ﴿ولكن اختلفوا .. ) للتنبيه على سوء مغبة الاختلاف، وللتحذير من الوقوع فيه، لأن وقوعهم فيه سيؤدى إلى أن يقتل بعضهم بعضًا، وللإشارة إلى أنه - سبحانه - قادر على إزالة الاقتتال فى ذاته حتى مع وجود أسبابه، لأنه - تعالى - هو الخالق للأسباب والمسببات. وفى قوله : ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ إشارة إلى ما جبلت عليه بعض النفوس من العناد الذى يؤدى إلى التنازع والاختلاف والتقاتل حتى بعد ظهور الحق، وانكشاف وجه الصواب، لأن هذه النفوس قد آثرت الهوى على الرشاد، واتخذت طريق الغى طريقًا لها. وفى قوله : ﴿ولكن اختلفوا﴾ إشارة إلى أنه - سبحانه - لم يشأ أن يزبل القتال الذى حدث بين المقاتلين، لأن هذا القتال قد نشأ بينهم بسبب اختلافهم، وسوء اختيارهم، وعدم استجابتهم للهدايات والتوجيهات والبينات التى جاءتهم بها الرسل - عليهم السلام -. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ أى: لو شاء الله عدم اقتتالهم لأى سبب من الأسباب لما اقتتلوا، ولكنه - سبحانه - يفعل ما يريد حسب ما تقتضيه حكمته، وترتضيه مشيئته، فهو الكبير المتعال الذى كل شىء عنده بمقدار فالآية الكريمة تبين أن الرسل - عليهم السلام - يتفاضلون فيما بينهم، وتنهى الناس فى كل زمان ومكان عن الاختلاف والتنازع لأنهما يؤديان إلى أوخم العواقب، وأسوأ النتائج .