Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة البقرة وهذا رأى الأحناف، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت الحرام، فهو اسم مكان، لأن الله - تعالى - قد قال فى آية أخرى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾(١)، وعليه فلا يجوز للمحصر . أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى الذى يرسله إلى البيت الحرام ويذبح. أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذى حدث فيه الإِحصار، ودليلهم أن الرسول و ﴿ قد نحر هو وأصحابه هديهم بالحديبية وهى ليست من الحرم، وذلك عندما منعه المشركون من دخول مكة. وقد أجاب الأحناف على ذلك بأن محصر رسول الله وَل# كما يقول الألوسى -(٢) كان فى طريق الحديبية بأسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم. وعلى رأى جمهور الفقهاء يكون المعنى : ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تذبحوا الهدى فى الموضع الذى أحصرتم فيه، فإذا تم الذبح فاحلقوا وتحللوا. والخطاب على كلا المعنيين يكون للمحصرين، لأنه أقرب مذکور. ويرى المحققون من العلماء أن رأى جمهور الفقهاء أكثر اتفاقًا مع السنة النبوية، وفيه تسهيل على المحصرين، والمناسب لهم هو التيسير لا التعسير، ولا شك أن ذبحهم لهديهم فى مكان إحصارهم أيسر لهم، وحملوا قوله - تعالى - : ﴿ولا تحلقوا رءوسکم حتى يبلغ الهدى محله﴾ على أنه خطاب عام لجميع المكلفين لا فرق بين محصر وغير محصر، وأن المقصود من الجملة الكريمة هو البيان العام لمكان التحلل وزمانه، أما مكان الذبح عند الإحصار فقد بينه النبى وَيه بذبحه لهديه فى الحديبية وهى ليست من الحرم عند المحققين. قال الإِمام الرازى : ومنشأ الخلاف البحث فى تفسير هذه الآية، فقد قال الشافعى وغيره : المحل فى هذه الآية اسم للزمان الذى يحصل فيه التحلل وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان(٣). وبعد أن بين - سبحانه - أن الحلق لا يجوز للمحرم ما دام مستمرًا على إحرامه، أردف ذلك ببيان بعض الحالات التى يجوز فيها للمحرم أن يحلق رأسه مع استمراره على إحرامه فقال - تعالى -: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه، فقدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ . أى: فمن كان منكم - أيها المحرمون - مريضًا بمرض يضطر معه إلى الحلق، أو كان به أذى (١) سورة الحج الآية ٣٣. (٢) تفسير الألوسى جـ ٢ ص ٨١. (٣) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ١٦٣. : : ٤٢٢ المجلد الأول من رأسه كجراحة وحشرات مؤذية، فعليه إن حلق فدية من صيام أو صدقة أو نسك. وقوله : ﴿ففدية﴾ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: فعليه فدية، وأيضًا ففيه إضمار آخر والتقدير: فحلق فعليه فدية. والفدية : هى العوض عن الشىء الجليل النفيس. ولا ريب أن محرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها وعظمها. وعبر - سبحانه - هنا بالفدية دون الكفارة، لأن الذى به مرض أو أذى من رأسه لم يرتكب ذنبًا أو إنا حتى يكفر عنه. قال القرطبى : والنسك : جمع نسيكه، وهى الذبيحة ينسكها العبد لله - تعالى - وتكون من الإِبل والبقر والغنم - ويجمع - أيضًا - على نسائك. والنسك: العبادة فى الأصل، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ أى: متعبداتنا. وقيل: أصل النسك فى اللغة الغسل؛ ومنه نسك ثوبه إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل : النسك سبائك الفضة التى خلصت من الخبث، كل سبيكة منها نسيكة، فكأن العابد خلص نفسه مِنَ دنس الآثام))(١). وقوله - تعالى -: ﴿من صيام أو صدقة أو نسك﴾ بيان لجنس الفدية. وقد بين النبى * مقدار هذه الفدية، فقد روى الشيخان عن كعب بن عجرة الأنصارى قال: حملت إلى النبى ◌َ﴿ والقمل يتناثر على وجهى فقال: ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا ... أما تجد شاة؟ قلت: لا !! قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك. فنزلت فيَّ خاصة وهى لكم عامة. فقد بين النبى هو مقدار الفدية فى هذا الحديث، وعامة العلماء يرون أن المحرم لعذر كهذا يخير فى هذا المقام، إن شاء صام وإن شاء تصدق وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على المساكين. قال ابن كثير: ولما كان لفظ القرآن فى بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل، ولما أمر النبى وَّ ر كعب بن عجرة بذلك أرشده أولا إلى الأفضل فقال: أما تجد شاه؟ فكل حسن فى مقامه»(٢). وبعد أن بين - سبحانه كيفية التحلل عند الإِحصار، وكيفية التحلل الجزئى من بعض (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٣٨٦. (٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٣٣. : ٤٢٣ سورة البقرة المحرمات عند المرض، عقب ذلك ببيان كيفية التحلل فى حالة الأمن فقال: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة﴾. وقوله: ﴿فإذا أمنتم﴾ الأمن ضد الخوف. أى: فإذا زال خوفكم وثبت أمنكم والجملة معطوفة على قوله ﴿أحصرتم﴾ وجىء بإذا لأن فعل الشرط وهو ﴿أمنتم﴾ مرغوب فيه. وقوله: ﴿فمن تمتع﴾ جواب إذا. والتمتع فى اللغة - كما قال الإِمام الرازى - التلذذ. يقال: تمتع بالشىء إذا تلذذ به. والمتاع كل شىء يتمتع به، وأصله من قولهم : حبل ماتع، أى: طويل. وكل من طالت صحبته مع الشىء فهو متمتع به(١). والمراد بالتمتع فى الآية المعنى الشرعى بأن يجمع المسلم بين العمرة والحج فى عام واحد فى أشهر لحج، بأن يحرم بالعمرة أولا ثم بالحج. وسمى هذا النوع من الإِحرام تمتعًا، لأن المحرم به يجمع بين متعة الروح ومتعة الجسد. لأنه يحرم بالعمرة أولا ويقوم بمناسكها وتلك متعة روحية وبعد الانتهاء من أدائها يتحلل فيجوز له أن يقرب النساء ويمس الطيب حتى يحرم بالحج وتلك متعة بدنية. وهناك نوعان آخران من الإِحرام. أحدهما : الإِفراد ومعناه : أن يحرم بالحج فقط ولا يجمع معه العمرة، وإنما يأتى بها فى وقت آخر. وثانيهما : القِران ومعناه : أن يجمع بين العمرة والحج فى إحرام واحد، بأن يبقى على إحرامه ويأتى بمناسك الحج والعمرة بالإِحرام نفسه. والمعنى : فإذا ثبت أمنكم - أيها المسلمون - عند أدائكم للحج والعمرة، فمن تمتع منكم بالعمرة إلى الحج، بأن أحرم بها فى أشهر الحج، ثم بعد الانتهاء من أعمالها تحلل بأن حلق رأسه، وباشر أهله إن كانوا معه، وانتظر متحللا وصار من حقه أن يفعل كل ما يفعله من ليس محرمًا إلى وقت الإحرام بالحج، فعليه فى هذه الحالة أن يذبح ما تيسر له من الهدى من غنم أو بقر أو إبل ليكون هذا الذبح شكرًا لله حيث وفقه - سبحانه - للجمع بين النسكين مع التمتع بينهما بأفعال المتحلل، فمن لم يجد ما يذبحه فعليه أن يصوم ثلاثة أيام فى وقت الحج وأن يصوم سبعة أيام بعد فراغه منه. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ١٦٧ طبعة عبد الرحمن محمد. ٤٢٤ المجلد الأول وقوله : ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ... ) معطوف على ﴿فمن تمتع بالعمرة ... ) لأن ﴿فمن تمتع﴾ مع جوابه وهو ﴿فما استيسر ... ﴾ مقدر فيه معنى فمن تمتع واجدًا الهدى، فعطف عليه فمن لم يجد أى الهدى. وقد جعل - سبحانه - الصيام بدلا عن الهدى زيادة فى الرخصة والرحمة وزيادة فى الرفق والتيسير فقد جعله على مرحلتين : إحداهما : - وهى الأقل - تكون فى وقت الحج، ويفضل كثير من الفقهاء أن يصوم سادس ذى الحجة وسابعه وثامنه. وثانيتهما : - وهى الأكثر - تكون بعد الرجوع إلى أهله حيث يطمئن ويستقر وتذهب مشقة السفر فيصوم سبعة أيام. وبعض الفقهاء يرى جواز الصيام عند الأخذ فى الرجوع بعد الفراغ من أعمال الحج، ويرجح الوجه الأول ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر وفيه: ((فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله))(١). والإِشارة فى قوله - تعالى -: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ إلى الثلاثة والسبعة. ومميز العدد محذوف أى: أيام. والجملة مؤكدة لما أفاده قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ وفائدة هذا التأكيد دفع توهم أن الواو بمعنى أو، أو أن السبعة كناية عن مطلق كثرة العدد، وبذلك يتقرر الحكم نصًا، ويتبين أن الذى يحل محل النسك إنما هو العشرة الكاملة وليس بعضها . ووصف العشرة بأنها كاملة، للتنويه بأن هذا الصوم طريق الكمال لأعمال الحج، وأن الحاج إذا نسى بعضها لا يكون حجه تاما حتى يصوم ما أمره الله - تعالى - به. وقوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾ الإشارة فيه تعود إلى التمتع المفهوم من قوله - تعالى -: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج .. ﴾ إلخ. أى: ذلك التمتع الذى يتمتع فيه المحرم بين النسكين، إنما هو للشخص الذى ليس أهله من المقيمين فى مكة وما حولها، لأن المقيمين فى مكة وما حولها يفردون ولا يجمعون، إذ العمرة فى إمكانهم أن يؤدوها طول أيام السنة. وقد شرع - سبحانه - التمتع ليكون تيسيرًا ورفقًا للمقيمين بعيدًا عن مكة هذا رأى · الأحناف . (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٣٤. ٥ ٤٢٥ سورة البقرة ويرى الشافعية : أن أهل مكة وما حولها يقرنون ويتمتعون كغيرهم من أهل الآفاق، وأن اسم الإِشارة فى الجملة الكريمة يعود إلى النسك وما يقوم مقامه من الصوم لأنه أقرب مذكور. وعلى رأيهم يكون المعنى : ذلك الذبح لما تيسر من الهدى والصيام لمن لم يتيسر له الهدى إنما هو على سكان الآفاق، لا على سكان مكة وما حولها، لأن سكان مكة وما حولها قد أحرموا لتمتعهم من الميقات فلا يجب عليهم شىء. والمراد بحاضرى المسجد الحرام : أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل الموقيت عند الحنفية. وقال المالكية: هم أهل مكة خاصة. وقال الشافعية: هم أهل مكة ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة. ولكل أدلته المفصلة فى كتب الفقه. ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بتقواه وبالتحذير من عقابه فقال: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾. أى: واتقوا الله فى كل ما يأمركم به وينهاكم عنه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن لم يخشه ولم يلتزم حدوده. وفى هذا الأمر بالتقوى فى ختام هذه الآية التى تحدثت عن الحج إشعار بأن هذه الفريضة ليست العبرة فيها بما تعمله الجوارح وإنما العبرة بما تتركه فى القلوب من توبة صادقة، وصيانة للنفس عن اقتراف المحارم. وفى قوله: ﴿واعلموا﴾ اهتمام بالخبر، وتحقيق لمضمونه، وترهيب من العقاب مع الترغيب بالثواب، فقد جرت عادة الناس أنهم يصلحون بالثواب والعقاب. هذا، وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على بعض الأحكام التى تتعلق بالحج والعمرة، والمتدبر فى هذه الأحكام يراها قد امتازت بأحكم ضروب التوجيه، وأيسر أنواع التكليف. ثم بين - سبحانه - وقت الحج وما يجب على المسلم عند أدائه لهذه الفريضة من آداب فقال - تعالى - : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَنٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَيْجُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْخَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَّوَدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىُّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُولِ الْأَلْبَبِ ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن ٤٢٦ المجلد الأول تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُممِنْ قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ ﴿٨)، ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (١٩٩ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَ كُمْ أَوْأَشْدَّ ذِكْرَأْ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا خَلَقِ ٢٠ حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ج أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّقَاكَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ٢٠٢ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُ ودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّ فَلاَّ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ أَتَّقَى وَأَتَّقُواْاللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُخْشَرُونَ (٢٠٣ وقوله : ﴿الحج أشهر معلومات﴾ . أى: وقت الحج أشهر معلومات أو أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وجعلت النسبة إلى الحج نفسه لا إلى وقته، للإشعار بأن هذه الأشهر لكونها تؤدى فيها هذه الفريضة قد اكتسبت تقديسًا وبركة منها، حتى لكأن هذه الاشهر هى الفريضة نفسها. ٤٢٧ سورة البقرة قال القرطبى ما ملخصه: وأشهر الحج هى شوال وذو القعدة والعشرة الأولى من ذى الحجة. وقيل هى شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وفائدة الفرق تعلق الدم؛ فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم يوجب دمًا على من أخر طواف الإفاضة إلى آخر ذى الحجة لأنه وقع فى أشهر الحج، ومن قال بأن وقت الحج ينقضى بالعشرة الأولى من ذى الحجة يوجب الدم عليه لتأخيره عن وقته. ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث، لأن بعض الشهر ينزل منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا ولعله إنما رآه فى ساعة منها))(١). وعبر - سبحانه - عن هذه الأشهر بأنها معلومات، لأن العرب كانوا يعرفون أشهر الحج من كل عام مند عهد إبراهيم - عليه السلام - وقد جاء الإِسلام مقررًا لما عرفوه. أو المراد بكونها معلومات أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها عنها، وهو يتضمن بطلان النسىء الذى كان يفعله الجاهليون تبعًا لأهوائهم. وقوله : ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج﴾ بيان لما يحب أن يتحلى به المسلم من فضائل عند أدائه لهذه الفريضة. قال الإِمام الرازى: ومعنى ﴿فرض﴾ فى اللغة ألزم وأوجب. يقال: فرضت عليك كذا، أى أوجبته. وأصل معنى الفرض فى اللغة الحز الذى يقع فيه الوتر، ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنها لازمة للعبد كلزوم الحز للقدح ففرض هنا بمعنى أوجب وألزم ... ))(٢). والرفث فى الأصل: الفحش من القول. والمراد به هنا الجماع. أو الكلام المتضمن لما يستقبح ذكره من الجماع ودواعيه. قال القرطبى : وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وعليه حج قابل والهدی. والفسوق : الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصى، ومن ذلك السباب وفعل محظورات الإِحرام، وغير ذلك مما نهى الله عنه، والجدال على وزن فعال من المجادلة وهى مشتقة من الجدل وهو الفتل ومنه : زمام مجدول. وقيل : هى مشتقة من الجدالة التى هى الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب به الجدالة. والمراد النهى عن المماراة والمنازعة التى تؤدى إلى البغضاء وتغير القلوب . (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٤٠٥. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ١٧٨. ٤٢٨ المجلد الأول والمعنى : أوقات الحج أشهر معلومات فمن نوى وأوجب على نفسه فيهن الحج وأحرم به فعليه أن يجتنب الجماع للنساء ودواعيه؛ وأن يبتعد عن كل قول أو فعل يكون خارجًا عن آداب الإِسلام، ومؤديًّا إلى التنازع بين الرفقاء والإِخوان، فإن الجميع قد اجتمعوا على مائدة الرحمن، فعليهم أن يجتمعوا على طاعته، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان. روى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله وَ لفر قال: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع کیوم ولدته أمه)». قال الألوسى: وقال - سبحانه - ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج﴾ بالإِظهار ولم يقل فيه مع أن المقام يقتضى الإِضمار، لإظهار كمال الاعتناء بشأنه، وللإِشعار بعلة الحكم، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها إلى الله - تعالى - من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك إلى ملك الملوك. وإيثار النفى للمبالغة فى النهى، والدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون فإن ما كان منكرًا مستقبحًا فى نفسه منهيًا عنه مطلقًا فهو للمحرم بأشرف العبادات وأشقها أنكر وأقبح(١))). والضمير فى قوله: ﴿فيهن﴾ للأشهر، لأنه جمع لغير العاقل فيجرى على التأنيث. وجملة ﴿فلا رفث .. ﴾ إلخ فى محل جزم جواب من الشرطية والرابط بين جملة الشرط والجواب ما فى معنى ﴿فلا رفث﴾ من ضمير يعود على ((من))، لأن التقدير فلا يرفث. ويجوز أن تكون جملة ﴿فلا رفث .. ﴾ وما عطف عليها فى محل رفع خبر لمن على أنها موصولة . وقد أخذ الشافعية من هذه الآية أنه لا يجوز الإحرام بالحج فى غير أشهر الحج لأن الإِحرام . به فى غير أشهره يكون شروعًا فى العبادة فى غير وقتها فلا تصح ويرى الأحناف والحنابلة، أنه يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره ولكنه مع الكراهة : والإِمام مالك لا يرى كراهة فى ذلك. ويبدو أن رأى الشافعية هنا أرجح، لأن قوله - تعالى -: ﴿فمن فرض فيهن الحج .. ﴾ يشهد لهم، فقد جعل - سبحانه - هذه الأشهر وعاء لهذه الفريضة وظرفًا لها. وقوله: ﴿وما تفعلوا من خير يعلمه الله﴾ حض على فعل الخير عقيب النهى عن فعل الشر. أى: اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة، وسارعوا إلى الأعمال الصالحه خصوصًا فى تلك (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٨٦. ٤٢٩ سورة البقرة الأزمنة والأمكنة المفضلة، والله - تعالى - لا يخفى عليه شىء من أعمالكم، وهو - سبحانه - سيجازيكم على فعل الخير بما تستحقون من جزاء. ثم قال - تعالى -: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. قال الإِمام الرازى: فى هذه الجملة الكريمة قولان : أحدهما : أن المراد وتزودوا من التقوى - أى الأعمال الصالحة - والدليل عليه قوله بعد ذلك ﴿فإن خير الزاد التقوى) وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران : سفر فى الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر فى الدنيا لابد له من زاد وهو الطعام والشراب والمال .. إلخ. والسفر من الدنيا لابد له أيضًا من زاد وهو معرفة الله ومحبته والإِعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لأن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم .. قال الأعشى مقررًا هذا المعنى : ولاقيت بعد الموت من قد تزودا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى وأنك لم ترصد بما كان أرصدا ندمت على أن لا تكون كمثله والقول الثانى : أن هذه الآية نزلت فى أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون إنا متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموا الناس وغصبوهم فأمرهم الله - تعالى - أن يتزودوا بالمال والطعام الذى يغنيهم عن سؤال الناس(١). والذى نراه أن الجملة الكريمة تسع القولين. فهى تدعو الناس إلى أن يتزودوا بالزاد المعنوى النفسى الذى يسعدهم ألا وهو تقوى الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والاكثار من العمل الصالح وفى الوقت نفسه هى تأمرهم - أيضًا - بأن يتزودوا بالزاد المادى الحقيقى الذى يغنيهم عن سؤال الناس، ويصون لهم ماء وجوههم. وبذلك نكون قد استعملنا اللفظ فى حقيقته ومجازه، وهو استعمال شائع مستساغ عند كثير من العلماء. ثم ختم - سبحانه - الآية بتأكيد أمر التقوى ووجوب الإِخلاص فقال: ﴿واتقون يا أولى الألباب﴾ والألباب: جمع لب وهو العقل واللب من كل شىء: هو الخالص منه. وسمى به العقل، لأنه اشرف ما فى الإِنسان. أى: أخلصوا لى يا أصحاب العقول السليمة، والمدارك الواعية، لأنكم لما كنتم كذلك كان وجوبها عليكم أثبت، وإعراضكم عنها أقبح. ورحم الله القائل : (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٨٤ بتلخيص. حـ ٤٣٠ المجلد الأول كنقص القادرين على التمام ولم أر فى عيوب الناس عيبًا والجملة الكريمة ليست تكرارا لسابقتها، لأن الأولى حث على التقوى وهذه حث على الإِخلاص فيها. ثم بين - سبحانه - أن التزود بالزاد الروحى لا يتنافى مع التزود يا لزاد المادى متى توافرت التقوى، فقال - تعالى -: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾. الجناح : أصله من جنح الشىء إذا مال : يقال جنحت السفينة إذا مالت إلى أحد جانبيها. والمراد بالجناح هنا الإثم والذنب، لأنه لما كان الإِثم يميل بالإنسان عن الحق إلى الباطل سمى جناحًا. والابتغاء: الطلب بشدة، وجملة ﴿أن تبتغوا﴾ فى موضع جر بتقدير فى. والفضل : الزيادة وتكون فى الخير والشر إلا أنه جرى العرف أن يعبر عن الزيادة الحسنة بالفضل وعن الزيادة القبيحة بالفضول. والمراد به هنا: المال الحلال المكتسب عن طريق التجارة المشروعة أو غيرها من وجوه الرزق الحلال. أى: لا إثم ولا حرج عليكم فى أن تطلبوا رزقا حلالا ومالا طيبا عن طريق التجارة أو غيرها من وسائل الكسب المشروعة فى موسم الحج. وقد ذكر المفسرون أن الناس كانوا يتحاشون من التجارة فى الحج، حتى إنهم كانوا يتجنبون البيع والشراء فى العشر الأوائل من ذى الحجة، فنزلت هذه الآية لتخبرهم أنه لا حرج عليهم فى ذلك. روى البخارى عن ابن عباس قال: كان ذو المجاز(١) وعكاظ متجر الناس فى الجاهلية فلما جاء الإِسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربکم﴾. وقال ابن كثير: وروى الإِمام أحمد عن أبى أمامة التيمى قال: قلت لابن عمر: إنا نُكْرَى فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت وترمون الجمار وتحلقون رءوسكم وتقضون المناسك قال: قلت بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ◌َّلتر فسأله عن الذى سألتنى فلم (١) ذو المجاز: مكان خلف جبل عرفات. وعكاظ: مكان فى واد بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة ثلاث ليال ومجنة : مكان يمر الظهران. وهذه الأماكن تسمى بأسواق العرب. ٤٣١ سورة البقرة يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ فدعاه النبى ◌َّ فقال له ((أنتم حجاج))(١). فالآية الكريمة صريحة فى إباحة طلب الرزق لمن هو فى حاجة إلى ذلك فى موسم الحج، بشرط ألا يشغله عن أداء فرائض الله. ثم قال - تعالى -: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾. الفاء فى قوله: فإذا لتفصيل بعض ما أجمل من قبل فى قوله ﴿فمن فرض فيهن الحج .. ﴾ وأفضتم. اندفعتم بكثرة متزاحمين. وذلك تشبيه لهم بالماء إذا كثر ودفع بعضه بعضًا فانتشر وسال من حافتى الوادى والإِناء والإِفاضة فى الحديث الاندفاع فيه بإكثار وتصرف فى وجوهه ومنه قوله - تعالى - ﴿إِذ تفيضون فيه﴾. فأصل هذه الكلمة الدفع للشىء بكثرة حتى يتفرق. والتقدير: أفضتم أنفسكم فحذف المفعول للعلم به. والمراد : خروجهم من عرفات بشىء من السرعة فى تكاثر وازدحام متجهين إلى المزدلفة . وعرفات : اسم للجبل المعروف، قيل سمى بذلك لأن الناس يتعارفون به فهم يجتمعون عليه فى وقت واحد فيجرى التعارف بينهم. وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفات هو ركن الحج الأكبر ففى الحديث الشريف ((الحج عرفة)) ويكون ذلك فى اليوم التاسع من ذى الحجة. قال القرطبى : أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال. وأجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارًا قبل الليل إلا مالك بن أنس فإنه قال: لابد أن يأخذ من الليل شيئًا، وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة فى تمام حجه. والحجة للجمهور مطلق قوله: ﴿فإذا أفضتم من عرفات): فإنه لم يختص ليلا من نهار. وحديث عروة بن مضرس قال: أتيت النبي ◌َّله وهو فى الموقف من جمع - أى من المزدلفة - فقلت: يا رسول الله، جئتك من جبل طىء أكللت مطيتى وأتعبت نفسى .. فهل لى من حج يا رسول الله؟ فقال رسول الله 850* ((من صلى معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه(٢) )). (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٠. (٢) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٤١٥. ٤٣٢ المجلد الأول ومن فى قوله: ﴿من عرفات﴾ ابتدائية. أى، فإذا أفضتم خارجين من عرفات إلى المشعر الحرام . والمشعر الحرام: هو المزدلفة وقيل هو موضع بها. والمشعر: اسم مشتق من الشعور أى : العلم، أو من الشعار أى: العلامة. ووصف المشعر بوصف الحرام لأنه من أرض الحرم، وهو منسك له حرمة وتقديس. والمزدلفة من الازدلاف وهو القرب وسميت بذلك لأن الحجاج يزدلفون إليها من عرفات ليبيتوا بها قاصدين الاقتراب من منى. وتسمى المزدلفة - أيضًا - ((جمْع) لاجتماع الناس فى هذا المكان أو جمعهم فيه بين صلاتى المغرب والعشاء جمع تأخير. وتسمى كذلك ((قزح)). ويرى الحنفية والشافعية أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن، ومن فاته لا يبطل حجه ويجب عليه دم. ويرى أكثر المالكية أن الوقوف بها سنة مؤكدة. ويرى بعض التابعين وبعض الشافعية أن الوقوف بها ركن كالوقوف بعرفات والمعنى : فإذا سرتم - يا معشر الحجاج - من عرفات متدافعين متزاحمين متجهين إلى المزدلفة فأكثروا من ذكر الله - تعالى - بالتلبية والتهليل والدعاء بقلوب مخبتة، ونفوس صافية، لأن ذكر الله - تعالى - فى تلك المواطن المقدسة والأوقات الفاضلة من شأنه أن يرفع الدرجات، ويوصل إلى أعلا المقامات. ثم قال - تعالى -: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ الكاف للتشبيه. ومعنى التشبيه فى مثل هذا التركيب المشابهة فى التساوى فى الحسن والكمال. كما تقول: اخدمه كما أكرمك تعنى : لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه. والمعنى: اذكروا الله - تعالى - ذكرًا حسنًا مماثلا لهدايته لكم، وأنتم تعلمون أن هذه الهداية شأنها عظيم فبسببها خرجتم من الظلمات إلى النور، فيجب عليكم أن تكثروا من ذكر الله ومن الثناء عليه . قال الألوسى: و((ما)) تحتمل أن تكون مصدرية فمحل ﴿كما هداكم﴾ النصب على المصدرية، بحذف الموصوف. أى: ذكرًا مماثلا لهداكم .. وتحتمل أن تكون كافة فلا محل لها من الإِعراب. والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون الجملة بالجملة، لذا لا تطلب عاملا تفضى بمعناه إلى مدخولها. وقيل: إن الكاف للتعليل، وما مصدرية. أى، اذكروه وعظموه لأجل ٤٣٣ سورة البقرة هدايته السابقة منه - تعالى - لكم (١). و﴿إِن﴾ فى قوله: ﴿وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾ هى المخففة من الثقيلة والضمير فى ﴿من قبله﴾ يعود إلى الهدى المأخوذ من ما المصدرية وما دخلت عليه والمراد بالضلال هنا: الجهل بالإِيمان وبالتكاليف التى كلف الله بها عباده. أى: اذكروا الله - تعالى - ذكرًا مشابهًا لهدايته لكم، وإنكم لولا هذه الهداية لبقيتم على ضلالكم وجهلكم بالدين الحق، ولكن الله - تعالى - من عليكم بهذه الهداية فأكثروا من ذكره وشکره علیھا. وبعد أن تحدث - سبحانه - عن الإِفاضة من عرفة إلى المزدلفة وأمر بالإِكثار من ذكره، عقب ذلك ببيان الطريقة المثلى للإِفاضة فقال : ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ : أى: أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة. وهناك قولان فى المخاطب بهذه الآية. أحدهما : أن الخطاب فيها لقريش وحلفائها، وذلك لأنهم كانوا يترفعون على الناس، فلا يقفون معهم على عرفات، وإنما يقفون وحدهم بالمزدلفة، وكانوا يقولون : نحن قطين الله - أى سكان حرمه فينبغى لنا أن نعظم الحرم - وهو المزدلفة - وَلا نعظم شيئًا من الحل - وهو عرفات -. روى البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت، كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام أمر الله - نبيه * أن يأتى عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ . والمعنى : أفيضوا يا معشر قريش من المكان الذى يفيض منه الناس وهو عرفة، واتركوا ما تفعلونه من الإِفاضة من المزدلفة، فالمقصود إبطال ما كانت تفعله قريش. والثانى: أن الخطاب فى الآية لجميع الناس، أمرهم الله - تعالى - فيه أن يفيضوا من حيث أفاض الناس. والمراد بالناس فى الآية إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفة لا من المزدلفة. (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٨٨. ٤٣٤ المجلد الأول قال بعضهم : وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسًا يقتدى به كما فى قوله - تعالى -: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ يعنى ((نعيم بن مسعود)). والذى نراه أن القول الثانى أولى بالقبول، لأن المغزى الذى تهدف إليه الآية فى معناها الخاص والعام هو دعوة الناس جميعًا إلى التجمع فى مكان واحد ليشعروا بالإِخاء والمساواة عند أدائهم لفريضة الحج بدون تفرقة بین کبیر وصغیر، وغنى وفقير، وقرشی وغیر قرشی، ويدخل فى النهى دخولا أوليًّا تلك الحالة التى كانت عليها قريش. وقد قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. و ((ثم)) للتفاوت المعنوى بين الإِفاضتين - أى الإفاضة من عرفات والإِفاضة من مزدلفة - لبيان البعد بينهما، إذ أن إحداهما صواب والأخرى خطأ. أى: لا تفيضوا من المزدلفة لأنه خطأ جسيم، واجعلوا أفاضتكم من عرفات لأن هذا العمل هو الصواب الذى يحبه الله ويرضاه. وقوله : ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ معطوف على ﴿أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أى: استغفروا الله من ذنوبكم ومما سلف منكم من أخطاء فإن المؤمن كلما قويت روحه، وصفت نفسه أحس بأنه مقصر أمام نعم خالقه التى لا تحصى. ومن أكثر من التوبة والاستغفار غفر الله له ما فرط منه، لأنه - سبحانه - كثير الغفران، واسع الرحمة. ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم عمله بعد فراغهم من أعمال الحج فقال - تعالى - : ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا﴾. المناسك : جمع منسك مشتق من نسك نسكًا من باب نصر إذا تعبد. والمراد هنا العبادات التى تتعلق بالحج. قال ابن كثير: عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : كان أهل الجاهلية يقفون فى الموسم - بين مسجد منى وبين الجبل بعد فراغهم من الحج يذكرون فضائل آبائهم - فيقول الرجل منهم. كان أبى يطعم الطعام ويحمل الديات ... ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم فأنزل الله - تعالى - على نبيه وَرَ هذه الآية))(١). والمعنى: فإذا فرغتم من عباداتكم، وأديتم أعمال حجكم، فتوفروا على ذكر الله وطاعته كما كنتم تتوفرون على ذكر مفاخر آبائكم، بل عليكم أن تجعلوا ذكركم الله - تعالى - أشد وأكثر من ذكركم لمآثر آبائكم، لأن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا أدى إلى الخزى فى الدنيا والعقوبة (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٣ بتصرف يسير. ٤٣٥ سورة البقرة فى الآخرة. وإن كان صدقًا فإنه فى الغالب يؤدى إلى العجب وكثرة الغرور، أما ذكر الله بإخلاص وخشوع فثوابه عظيم، وأجره كبير. وفضلا عن ذلك فإن المرء إذا كان لا ينسى أباه لأنه سبب وجوده فأولى به ثم أولى ألا ينسى الذى خلق أباه وهو الله رب العالمين. فالمقصود من الآية الكريمة الحث على ذكر الله - تعالى - والنهى عن التفاخر بالأحساب والأنساب. و((أو)) هنا فى معنى الإضراب والترقى إلى أعلى، لأنه .. سبحانه أمرهم أولا بأن يذكروه ذكرًا يماثل ذكرهم لآبائهم ثم ترقى بهم إلى ما هو أعلى من ذلك وأسمى فطالبهم بأن يكون ذكرهم له - سبحانه - أكثر وأعظم من ذكرهم لآبائهم. قال صاحب الكشاف : وقوله : ﴿أو أشد ذكرًا﴾ فى موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر فى قوله: ((کذکرکم)» كما تقول كذكر قریش آباءهم أو قوم أشد منهم ذکرًا. أو فى موضع نصب عطف على ﴿آباءكم﴾ بمعنى، أو أشد ذكرًا من آبائكم. وبعد أن أمر - سبحانه - الناس بذكره، بين أنهم بالنسبة لدعائه وسؤاله فريقان، أما الفريق الأول فقد عبر عنه بقوله : ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا فى الدنيا وما له فى الآخرة من خلاق﴾ أى : من الناس نوع يقول فى دعائه يا ربنا آتنا ما نرغبه فى الدنيا فنحن لا نطلب غيرها، وهذا النوع ليس له فى الآخرة من ﴿خلاق﴾ أى: نصيب وحظ من الخير. وهذا النوع من الناس هو الذى استولى عليه حب الدنيا وشهواتها ومتعها فأصبح لا يفكر إلا فيها، ولا يهتم إلا بها، صارفا نظره عن الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. والفاء فى قوله: ﴿فمن الناس﴾ للتفصيل، لأن ما بعدها تقسيم للناس إلى فريقين. وحذف مفعول ﴿آتنا﴾ للدلالة على تعميم المطلوب فهم يطلبون كل ما يمكن أن تصل إليه أيديهم من متاع الدنيا بدون تمييز بين حلال أو حرام. وأما الفريق الثانى فقد عبر - سبحانه - عنه بقوله : ﴿ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾. أى: يقولون يا ربنا اعطنا حسنة فى الدنيا أى: حالا حسنة فى الدنيا تكون معها أبداننا سليمة، ونفوسنا آمنة، ومعيشتنا ميسرة بحيث لا نحتاج إلى أحد سواك، ولا نذل إلا لك، وامنحنا حالا حسنة فى الآخرة بأن تجعلنا يوم لقائك ممن رضيت عنهم، ورضوا عنك. وأبعدنا يوم القيامة من عذاب النار. ولم يذكر - سبحانه - قسما ثالثًا من الناس وهو الذى يطلب الآخرة (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٤٨. ٤٣٦ المجلد الأول فقط، ولا يطلب الدنيا، لأن الإِسلام دين لا يرضى لأتباعه أن ينسوا حظوظهم من الدنيا، ولا يقر الانقطاع عن زينتها التى أخرجها الله لهم، وإنما يريد لهم أن يكونوا من العاملين بقوله - تعالى -: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾. وبين - سبحانه - أن هذا النوع الثانى من الناس قد التمس من خالقه أن يقيه عذاب النار مع أن هذا الدعاء مندرج تحت حسنة الآخرة، وذلك لأن هذا النوع من الناس لقوة إيمانه، وصفاء وجدانه، وشدة خشيته من ربه يغلب الخوف على الرجاء، فهو يستصغر حسناته مهما كثرت بجانب نعم الله وفضله، ويلح فى الدعاء وفى الطلب أملا فى الاستجابة. وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية الكريمة من جوامع الدعاء، وورد فى فضل الدعاء بها أحاديث كثيرة منها ما رواه البخارى عن أنس بن مالك قال كان النبى وسلم يقول: ((اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)). وروى ابن أبى حاتم عن عبد السلام بن شداد قال : كنت عند أنس بن مالك فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال: ((اللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) وتحدثوا حتى إذا أرادوا القيام قال : يا أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور !! إذا آتاكم الله فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار فقد آتاكم الخير كله(١). قال الإِمام الرازى: اعلم أن الله - تعالى - بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ذكره - سبحانه - ثم بين بعد ذلك كيفية الدعاء فقال : ﴿فمن الناس من يقول .. ﴾ وما أحسن هذا الترتيب فإنه لابد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها ثم بعد العبادة لابد من الاشتغال بذكر الله - تعالى - لتنوير القلب وتجلى نور جلاله. ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء، فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقًا بالذكر کما حکی عن إبراهیم - عليه السلام - أنه قدم الذکر فقال: ﴿الذى خلقنی فھو یہدین﴾ ثم قال: ﴿رب هب لى حكمًا وألحقنى بالصالحين﴾ فقدم الذكر على الدعاء))(٢). ثم بين - سبحانه - جزاء هذا الفريق الثانى فقال: ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾. (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤٤. (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٢٠٤. ٤٣٧ سورة البقرة قاسم الإِشارة يعود إلى الفريق الثانى باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجميلة وكانت الإِشارة للبعيد لبيان علو منزلتهم، وسمو درجاتهم ولم بعطف على ما قبله لأنه کالنتيجة له. وقيل : إن الإِشارة تعود إلى الفريقين. أى: لكل من الفريقين نصيب من عمله على قدر ما نواه. ويضعفه أن الله - تعالى - قد ذكر قبل ذلك عاقبة الفريق الأول بقوله : ﴿وما له فى الآخرة من خلاق﴾. والمعنى : أولئك الذين جمعوا فى دعائهم بين طلب حسنتى الدنيا والآخرة لهم نصيب جزيل، وحظ عظيم من جنس ما كسبوا من الأعمال الصالحة، أو من أجل ما كسبوا من الفعال الطيبة . فحرف الجر ((من)) يصح أن يكون للابتداء أو للتبعيض. وفى هذه الجملة الكريمة وعد من الله لعباده أنهم متى تضرعوا إليه بقلب سليم، أجاب لهم دعاءهم، وأعطاهم سؤالهم. قال القرطبى : وقوله: ﴿والله سريع الحساب﴾ من سرع يسرع - مثل عظم يعظم - فهو سريع. و((الحساب)) مصدر كالمحاسبة، وقد يسمى المحسوب حسابًا. والحساب: العد. ويقال: حسب يحسب حسابًا وحسابة وحسبانًا أى: عد. والمعنى فى الآية: أن الله - تعالى - سريع الحساب لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقوله الحق ﴿وكفى بنا حاسبين﴾. فالله - تعالى - عالم بما للعباد وما عليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل. وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم. وقيل لعلى بن أبى طالب: كيف يحاسب الله العباد فى يوم؟ قال: كما يرزقهم فى يوم. ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم بما قد نسوه. وقيل : معنى الآية سريع بمجىء يوم الحساب، فالمقصود بالآية الإِنذار بيوم : القيامة(١). وقوله : ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات﴾ معطوف على قوله - تعالى - ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا﴾ وما بينهما اعتراض. والمراد بالأيام المعدودات أيام التشريق الثلاثة التى بعد يوم النحر. والتشريق : تقديد اللحم . قال القرطبى : ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات فى هذه الآية هى أيام منى، وهى أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها، وهى أيام رمى الجمار))(٢). (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٤٣٥ (٢) تفسير القرطبى جـ ٣ ص ١. ٤٣٨ المجلد الأول فالآية الكريمة تأمر الحجاج وغيرهم من المسلمين أن يكثروا من ذكر الله فى هذه الأيام المباركة، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة النساء ((ويزعمون أن الحج قد انتهى بانتهاء يوم النحر وهو اليوم العاشر من ذى الحجة. ولقد بين لنا النبى # أن هذه الأيام ينبغى أن تعمر بذكر الله وبشكره على نعمه. روى الأمام مسلم عن نبيشة الهذلى قال: قال رسول الله وَل﴿ ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله)). وروى البخارى عن ابن عمر: أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه وفى فسطاطه. وفى مجلسه، وفى ممشاه، فى تلك الأيام جميعًا. ومن الذكر فى تلك الأيام التكبير مع كل حصاة من حصى الجمار كل يوم من أيام التشريق. فقد أخرج البخارى عن ابن عمر أن النبى وسير كبر مع كل حصاة. ويرى جمهور الفقهاء أن هذه الأيام يحرم فيها الصيام، لأنها أيام أكل وشرب وذكر لله. والمعنى. اذكروا الله، أى: كبروه فى أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين، وعند رمى الجمار وغيرها فى تلك الأيام المعدودات التى هى موسم من مواسم العبادة والطاعات، فإن الإِكثار من ذكر الله يرفع الدرجات، ويمسح السيئات. ثم قال - تعالى -: ﴿فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى﴾. تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، يقال: تعجل الأمر واستعجل. ويأتيان متعديين فيقال : تعجل الذهاب واستعجله ويرى الزمخشرى أن المطاوعة أوفق لقوله - تعالى -: ﴿ومن تأخر﴾. وإيضاح ذلك : أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالى أيام التشريق، ليرمى كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة يرمى عند كل جمرة سبع حصيات. ثم من رمى فى اليوم الثانى وأراد أن ينفر ويترك المبيت بمنى فى الليلة الثالثة ورمى يومها بعد الزوال - كما يرى الشافعية - وبعده أو قبله - كما يرى الحنفية - فلا إثم عليه فى عدم مبيته بمنی فی الليلة الثالثة . أى: فمن تعجل فسافر فى اليومين الأولين فلا إثم عليه فى التعجيل، ومن بقى إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه كذلك إذا اتقى كل منهما الله ووقف عند حدوده. فالتقييد بالتقوى للتنبيه إلى أن العبرة فى الأفعال إنما هى بتقوى القلوب وطهارتها وسلامتها. قال الآلوسي: وقوله ﴿لمن اتقى﴾ خبر لمبتدأ محذوف، واللام إما للتعليل أو للاختصاص. ٤٣٩ سورة البقرة أى : ذلك التخيير المذكور لأجل المتقى لئلا يتضرر بترك ما يقصده من التعجيل والتأخر أو ذلك المذكور من أحكام مطلقًا مختصة بالمتقى لأنه هو الحاج على الحقيقة. والمراد من التقوى على . التقديرين تجنب ما يؤثم من فعل أو ترك(١) .. )). ثم ختمت الآية بقوله - تعالى -: ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ اتقوا الله فى كل ما تأتون وما تذرون، واعلموا أنكم ستجمعون بعد تفرقكم وتساقون إلى خالقكم يوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم. وقد ختمت الآيات التى تحدثت عن فريضة الحج بهذا الختام المكون من عنصرين، أحدهما : تقوى الله. والثانى: العلم اليقينى بالحشر، للإشعار بأنهما خلاصة التدين، وثمرة العبادات بكل أنواعها وكل طرقها، وإذا خلت أية عبادة من هذين العنصرين كانت صورة لا روح فيها. وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا بعض أحكام الحج وآدابه ومناسكه بأسلوب يهدى القلوب، ويسعد النفوس، ومن شأن من يعمل بهذه الآيات أن يكون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه. وبعد أن بين - سبحانه - فريضة الحج وما اشتملت عليه من أحكام وآداب، وبين أصناف الناس فى أدعيتهم التى تكشف عن خبايا قلوبهم، ومعادن نفوسهم، بعد أن بين ذلك أعقبه بالحديث عن صنفين من الناس فقال : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ وَإِذَا تَوَلَى سَعَى عَ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّالْخِصَامِ فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ (٢٠٥) (١) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٩٤. ٤٤٠ المجلد الأول بِآلْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَتَّمٌ وَلَبِئْسَ اَلْمِهَادُ ، وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧). فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت صنفين من الناس أولهما : يمثل الأشرار. والثانى : يمثل الأخيار. أما الصنف الأول فقد وصفه الله - تعالى - بخمس صفات، الصفة الأولى حكاها فى قوله : ﴿ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا﴾. يعجبك : من الإِعجاب بمعنى الاستحسان، تقول. أعجبنى هذا الشىء، أى، استحسنته وعظم فى نفسى. و ((من)) للتبعيض. والمعنى : ومن الناس فريق يروقك منطقهم، ويعجبك بيانهم، ويحسن عندك مقالهم. فأنت معجب بكلامهم الحلو الظاهر، المر الباطن، وأنت فى هذه الدنيا لأنك تأخذ الناس بظواهرهم، أما فى الآخرة فلن يعجبك أمرهم لأنهم ستنكشف حقائقهم أمام الله الذى لا تخفى عليه خافية، وسيعاقبهم عقابا أليمًا لإظهارهم القول الجميل وإخفائهم الفعل القبيح. وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿فى الحياة الدنيا﴾ متعلقًا بيعجبك. وبعضهم يجعل قوله ﴿فى الحياة الدنيا﴾ متعلقًا بالقول فيكون المعنى عليه ومن الناس فريق يعجبك قولهم إذا ما تكلموا فى شئون الدنيا ومتعها لأنها منتهى آمالهم، ومبلغ علمهم، وأصل حبهم، ومن أحب شيئًا أجاد التعبير عنه، أما الآخرة فهم لا يحسنون القول فيها، لأنهم لا يهتمون بها، بل هم غافلون عنها، ومن شأن الغافل عن شىء ألا يحسن القول فيه. ويبدو لنا أن تعلق الجار والمجرور بيعجبك أرجح، لأنه يتفق مع السیاق إذ سياق الحديث فى شأن الذين يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم، ويخدعون الناس بمعسول بيانهم مع أن نفوسهم مريضة، وليس فى شأن الذين يحسنون الحديث عن شئونها المختلفة، بل إن بعض الذين يحسنون الحديث فى شئون الدنيا لم يضيعوا أخراهم وإنما عمروها بالعمل الصالح، فهم جامعون بين حسنتى الدنيا والآخرة. ٠ ١