Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سورة البقرة
قوله - تعالى -: ﴿أن تولوا﴾ أى: ليس توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله.
وقرأ الباقون ﴿ليس البر﴾ برفع البر على أنه اسم ليس، وخبرها قوله - تعالى -: ﴿أن
تولوا﴾ أى ليس البر كله توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب.
قال الطبرسى: وكلا المذهبين حسن، لأن كل واحد من اسم ليس وخبرها معرفة، فإذا
اجتمعا فى التعريف تكافآ فى كون أحدهما اسما والآخر خبرًا كما تتكافأ النكرتان(١).
وقوله - تعالى -: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ إلخ
بيان لما هو البر الذى يجب أن تتجه إليه الأفكار، وتستجيب له النفوس.
و﴿لكن﴾ حرف استدارك، البر: اسمها. وقوله ﴿من آمن﴾ وقع فى اللفظ موقع الخبر عن
قوله ﴿البر﴾ والخبر فى المعنى لفظ مقدر مضاف إلى من آمن، يفهم من سياق الجملة، والمعنى
مع ملاحظة المقدر: ولكن البر بر من آمن بالله.
وهذا اللون من الإِيجاز الذى حذف فيه المضاف معهود فى كلام البلغاء إذ تجدهم يقولون
السخاء حاتم، والشعر زهير. أى: السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير.
وقيل : إن البر هنا بمعنى البار فجعل المصدر فى موضع اسم الفاعل، كما يقال : ماء غور
أى: غائر، ورجل صوم أى: صائم.
وقيل: إن المحذوف هو لفظ مضاف إلى البر. أى: ولكن ذا البر من آمن بالله.
وقد ابتدأت الآية حديثها عن خصال البر بالإِيمان بالله، لأنه أساس كل بر. وأصل كل
خير، والإِيمان بالله : هو التصديق بأنه هو الواحد الفرد الصمد، الذى لا تعنو الوجوه إلا له،
ولا تتجه القلوب بالعبادة إلا إليه، ومتى رسخ هذا الإِيمان فى النفوس ارتفع بها إلى مكانة
التكريم التى أرادها الله - تعالى - لبنى آدم وصانها عن الذلة والاستكانة وأعطاها نبراس
الهداية والسداد فى كل نواحى الحياة.
ثم ذكرت الإِيمان باليوم الآخر، وهو التصديق بالبعث وما يقع بعده من حساب وثواب
وعقاب على الوجه الذى وصفته نصوص الشريعة بأجلى بيان.
والإِيمان باليوم الآخر من ثماره أنه يغرس فى النفوس محبة الخير، والحرص على إسداء
المعروف وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب الآثام.
ولقد تحدث القرآن عن الإِيمان بالله واليوم الآخر فى عشرات الآيات، وأقام الأدلة
الساطعة، والبراهين القاطعة على وحدانية الله وعلى أنه هو صاحب الكمال المطلق، كما أقام
(١) تفسير الطبرسى جـ ٢ ص ٩٢ طبعة مكتبة الحياة ببيروت سنة ١٩٨٠.

٣٦٢
المجلد الأول
الحجج والبراهين على أن البعث حق وضرب الأمثال لذلك، وسفه عقول المنكرين له.
ثم ذكرت الإِيمان بالملائكة والملائكة : أجسام لطيفة نورانية، قادرون على التشكل فى صورة
حسنة مختلفة، وصفهم القرآن بأنهم ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾.
ووجه دخول التصديق بهم فى حقيقة الإِيمان، أن الله وسطهم فى إبلاغ وحيه لأنبيائه، وبين
ذلك فى كتابه، وتحدث الصادق المصدوق وله عنهم فى كثير من أحاديثه، فمن لم يؤمن بالملائكة
على هذا الوجه الذى جاءت به الشريعة فقد انكر الوحى، إذ الإِيمان بهم أصل للإِيمان
بالوحى، فيلزم من إنكارهم إنكار الوحى، وهو يستلزم إنكار النبوة وإنكار الدار الآخرة.
ثم ذكرت الآية الإِيمان بالكتاب. والمراد به القرآن لأنه المقصود بالدعوة، ولأنه هو الأمين
على الكتب قبله، فما وافقه منها كان حقًّا وما خالفه كان باطلا.
!
والإِيمان به يستلزم الإِيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله على أنبيائه، لأنه هو الذى
أخبرنا بذلك وأمرنا بذلك وأمرنا بأن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.
· ثم ذكرت الإِيمان بالنبيين، أى: التصديق بأنهم رجال اصطفاهم الله - تعالى - لتلقى
هدايته وكتبه وتبليعها للناس بصدق وأمانة وسلامة بصيرة.
والنبيون الذين يجب الإِيمان بهم: كل من ثبتت نبوته عن طريق القرآن الكريم أو الحديث
الصحيح، وكل من أنكر نبوة نبى قد ثبتت نبوته فقد خرج عن طريق الإِيمان.
ولقد قام الدليل القاطع على أن محمدًا وَّر هو خاتم النبيين والمرسلين، وكل من ادعى غير
ذلك فهو من الضالين المضلين.
وقد جمعت هذه الأمور الخمسة التى ذكرتها الآية كل ما يلزم أن يصدق به الإِنسان، لكى
يكون ذا عقيدة سليمة، تصل به إلى الفلاح والسعادة.
ثم ذكرت الآية بعد بيان أصول الإيمان أصول الأعمال الصالحة فقالت. ﴿وآتى المال على
حبه، ذوى القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل والسائلين، وفى الرقاب﴾.
وهذه الجملة معطوفة على قوله - تعالى -: ﴿من آمن بالله﴾.
والضمير فى قوله ﴿على حبه﴾ يعود إلى المال، أى: أعطى المال وبذله عن طيب خاطره حالة
كونه محبًّا له راغبًا فيه. لأن الإِعطاء والبذل فى هذه الحالة يدل على قوة الإِيمان، وصفاء
الوجدان، ويسمو بصاحبه إلى أعلا الدرجات. قال - تعالى -: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما
تحبون﴾ .
وقد بين النبى ◌ّ ر أن أفضل الصدقة ما كان فى حال الصحة، لأن الإِنسان فى هذه الحالة
......
٠٠

٣٦٣
سورة البقرة
يكون مظنة الحاجة إلى المال فقد أخرج البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة - رضى الله عنه -
قال: جاء رجل إلى النبى وَّر قال: يارسول الله، أى الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: ((أن تصدق
وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان
كذا وكذا وقد كان لفلان.
وقيل الضمير يعود إلى الله - عز وجل - أى: يعطون المال على حب الله وطلبًا لمرضاته.
وقيل يعود إلى الايتاء الذى دل عليه قوله - تعالى - ﴿وآتى المال﴾ فكأنه قال: يعطى ويحب
الاعطاء رغبة فى ثواب الله.
والمراد بذوى القربى: أقرباء المعطى للمال. والمعنى: وأعطى المال مع محبته لهذا المال لأقاربه
المحتاجين لأنهم أولى بالمعروف، ولأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم، ولذلك جاء ذكرهم فى
الآية مقدمًا على بقية الأصناف التى تستحق العطف والإِحسان.
روى الإمام أحمد والترمذى والنسائى وغيرهم عن سليمان بن عامر قال : قال رسول الله
: ((إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذى الرحم اثنتان: صدقة وصلة)).
﴿واليتامى﴾: جمع يتيم، وهو من فقد أباه بالموت ولم يبلغ الحلم. وهؤلاء اليتامى فى حاجة
إلى الإِحسان إليهم بعد ذوى القربى متى كانوا محتاجين، لشدة عجزهم عن كسب ما يسد
حاجتهم .
﴿والمساكين﴾ جمع مسكين، وهو من لا يملك شيئًا من المال، أو يملك ما لا يكفى حاجاته
وهذا النوع من الناس فى حاجة إلى العناية والرعاية؛ لأنهم فى الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل
على إراقة وجهوههم بالسؤال. وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله وسلم قال: ((ليس
المسكين الذى يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان. قالوا: فما المسكين
يارسول الله؟ قال الذى لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً)).
﴿وابن السبيل﴾: هو المسافر المنقطع عن ماله. وسمى بذلك - كما قال الألوسى - لملازمته
السبيل - أى الطريق - فى السفر، أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن
· أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبدا يتوق إلى الجمع، ويشتاق إلى الربع، والكريم يحن إلى وطنه
حنين الشارف(١) إلى عطنه))(٢).
وهذا النوع من الناس فى حاجة إلى المساعدة والمعاونة حتى يستطيع الوصول إلى بلده، وفى
(١) الشارف: من الدواب المسن. أهـ المعجم الوسيط جـ ١ ص ٤٧٩
(٢) العطن: مبرك الأبل ومربض الغنم عند الماء. المعجم الوسيط جـ ٢ ص ٦٠٩.

٣٦٤
١
المجلد الأول
هذا تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغى أن يكونوا فى التعاطف والتعاون على
متاعب الحياة كالأسرة الواحدة.
﴿والسائلين﴾: جمع سائل، وهو الطالب للإِحسان والمعروف. ويحمل حاله على أنه فى
حاجة إلى المعاونة، لأن السؤال علامة الحاجة غالبًا.
والرقاب : جمع رقبة وهى فى الأصل العنق، وتطلق على البدن كله كما تطلق العين على
الجاسوس. فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء.
وقوله : ﴿وفى الرقاب﴾ متعلق بآتى، أى: آتى المال على حبه فى تخليص الأسری من أيدى
العدو بفدائهم، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم. وهذه الأصناف الستة التى ذكرت فى تلك
الآية الكريمة ﴿وآتى المال على حبه .. ﴾ إلخ.
ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر، ولكنها ذكرت كأمثلة وخصت بالذكر لأنها
أحوج من غيرها إلى العون والمساعدة.
والذى يراجع القرآن الكريم يجده قد عنى عناية كبرى بالفقراء والمساكين وجميع أصناف
المحتاجين حتى لا تكاد سورة من سوره تخلو من الحث على الإِنفاق عليهم، وبذل العون فى
مساعدتهم - وأيضا - هناك عشرات الأحاديث فى الحض على مد يد العون إلى ذوى القرابة
والمعسرين، وذلك لأن المجتمعات تحيا وتنهض بالتراحم، وتذل وتشقى بالتقاطع والتدابر بين
أبنائها .
ثم ذكرت الآية ألوانًا أخرى من البر تدل على قوة الإِيمان وحسن الخلق فقالت: ﴿وأقام
الصلاة وآتى الزكاة﴾ وإقامة الصلاة أداؤها فى مواقيتها مستوفية لأركانها وسننها وخشوعها على
الوجه الشرعى الذى أمر الله به، والمراد بالزكاة هنا، الزكاة المفروضة على الوجه الذى فصلته
السنة المطهرة. وإبتاؤها : يكون بإعطائها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهم ممن ذكرهم
الله فى قوله - تعالى -: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى
الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله والله عليم حكيم﴾.
وفى ذكر الزكاة المفروضة بعد ذكر إيتاء المال على حبه لذوى القربى واليتامى .. الخ دليل على
أن في الأموال حقوقا لذوى الحاجات سوى الزكاة، وذلك لأنه من المعروف بين أهل العلم أن
الحاجة إذا بلغت بطائفة من أبناء الأمة حد الضرورة، يجب على الأغنياء منها أن يسعوا فى سدها
ولو مما زاد على قدر الزكاة.
والأغنياء الذين يكتفون بدفع الزكاة، ولا يمدون يد المساعدة لسد حاجة المحتاجين، وتفريج
كرب المكروبين، ودفع ضرورة البائسين، ليسوا على البر الذى يريده الله من عباده المتقين.

٣٦٥
سورة البقرة
ومسألة ((هل فى المال حق سوى الزكاة)) من المسائل التى تناولها بعض العلماء بالشرح
والتفصيل(١).
وقوله: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ معطوف على قوله ﴿من آمن) فإنه فى قوة قولك،
ومن أوفوا بعهدهم، وأوثرت صيغة اسم الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء.
الوفاء بالعهد يشمل ما عاهد المؤمنون عليه الله من الإِذعان لكل ماجاء به الدّين، ويشمل
ما يعاهد به الناس بعضهم بعضًا مما لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالا.
والموفون بعهدهم هم الذين إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا بروا فى أيمانهم، وإذا قالوا
صدقوا فى قولهم، وإذا ائتمنوا أدوا الأمانة، وقد وعدهم الله على ذلك بأجزل الثواب، وأعلى
الدرجات .
وفى قوله - تعالى -: ﴿إذا عاهدوا﴾ إشارة إلى أن إيفاءهم بالعهد لا يتأخر عن وقت
حصول العهد.
ثم ختم - سبحانه - خصال البر بقوله : ﴿والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس﴾.
البأساء من البؤس، وهى ما يصيب الناس فى الأموال كالفقر والاحتياج. يقال : بئس يبأس
بؤساً وبأساً أى اشتدت حاجته.
والضراء من الضر، وهى ما يصيبهم فى أنفسهم كالأمراض والأسقام يقال : ضره وأضره
وضاره وضرًا، ضد نفع: والألف فى البأساء والضراء للتأنيث.
وحين البأس، أى: ووقت القتال فى سبيل الله لإعلاء كلمته، يقال : بؤس ببؤس بأسا فهو
بئيس، أى: شجاع شدید.
وقوله: ﴿والصابرين﴾ معطوف فى المعنى على ﴿من آمن) كقوله ﴿والموفون﴾ إلا أنه جاء
منصوبا على المدح بتقدير - أخص أو أمدح - وغير سبكه عما قبله، تنبيها على فضيلة الصبر
ومزيته على غيره من الفضائل حتى لكأنه ليس من جنس ما سبقه من فضائل، وهذا الأسلوب
يسمى عند علماء اللغة العربية بالقطع، وهو أبلغ من الإِتباع. ولا ريب فى أن صفة الصبر على
الشدائد والآلام وحين القتال فى سبيل الله، جديرة بأنه ينبه لمزيد فضلها، إذ هى أصل لكثير
من المكارم كالعفاف عما فى أيدى الناس، والتسليم للقضاء الذى لا مرد له، والإِقدام الذى
يحمى به الدين وتسلم به النفوس والأموال والأعراض :
وليس الصبر هو الخضوع والاستكانة والاستسلام من غير مقاومة ولا عمل وإنما الصبر جهاد
(١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ، ص ٤٤، وتفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٤٧.

٣٦٦
المجلد الأول
ومحاولة للتغلب على المصاعب، ومع الاحتفاظ برباطة الجأش والثقة بحسنِ العاقبة.
وقد خصت الآية ثلاث حالات بالصبر؛ لأن هذه الحالات هى أبرز الاشياء التى يظهر فيها
هلع الهالعين وجزع الجازعين، كما يتميز فيها أصحاب النفوس القوية المطمئنة من غيرهم.
وجاءت كلمة ((حين)) فى قوله: ﴿وحين البأس﴾ مشيرة إلى أن مزية الصبر فى القتال إنما
تظهر حين يلتقى الجمعان، وتدور رحى الحرب، لأن بعض الناس قد يكون قويًا فى بدنه، وقد
يحشر نفسه فى زمرة الأبطال المقاتلين، ولكنه عندما يرى الأعناق تتساقط من حوله تخور قواه،
ويلوذ بالقرار، أو يستسلم للعدو. وفى هذه الحالة تسلب عنه صفة الصابرين حين البأس.
وتحق عليه صفة الضعفاء الجبناء.
وقد جاءت أنواع الصبر فى الآية على وجه الترقى من الشديد إلى الأشد، وذلك لأن الصبر
على المرض أصعب من الصبر على الفقر، والصبر حين البأس أصعب من الصبر على المرض.
ثم ختمت الآية حديثها عن هؤلاء الجامعين لهذه الخصال بقوله تعالى : ﴿أولئك الذين صدقوا
وأولئك هم المتقون﴾.
أولئك اسم إشارة للجمع، وقد أشير به إلى من تقدم ذكرهم من الجامعين لخصال البر.
والصدق توصف به الأقوال المطابقة للواقع، وتوصف به الأعمال الواقعة على الوجه الذى
يرضى الله - تعالى -.
والمتقون من الاتقاء وهو الحذر، ويطلق المتقى فى كلام الشارع على الانسان الذى صان
نفسه عن كل ما يغضب الله، وامتثل لأوامره ونواهيه.
أى : أولئك الذين تقدم ذكرهم من المحرزين لخصال البرهم الصادقون فى إيمانهم وفى كل
أحوالهم، وأولئك هم المتقون لعذاب الله - تعالى - بسبب امتثالهم لأوامره، واجتنابهم لما نهى
عنه .
واسم الإشارة ﴿أولئك﴾ جىء به لإحضارهم فى أذهان المخاطبين وهم متصفون بتلك
المناقب الجليلة.
وفى تكرير الإِشارة زيادة تنويه بشأنهم وفضلهم. وجاء الإِخبار عنهم بأنهم الصادقون
المتقون، لتشيرهم بأنهم قد بلغوا بإحرازهم لتلك الخصال السابقة الغاية التى يطمح إليها
أرباب البصائر المتنيرة، والنفوس المتقيمة، والقلوب السليمة، وهى مقام الصدق والتقوى
الذى يرتفع بصاحبه إلى السعادة فى الدنيا، والنعيم الدائم فى الآخرة.
هذا وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على خمسة عشر نوعًا من أنواع البر الذى يهدى إلى الحياة

٣٦٧
سورة البقرة
السعيدة فى الدنيا، وإلى رضا الله - تعالى - فى الآخرة، وذلك لأنها قد أرشدت إلى أن البر
أنواع ثلاثة جامعة لكل خير: بر فى العقيدة، وبر فى العمل، وبر فى الخلق.
أما بر العقيدة فقد بينته أكمل بيان فى قوله - تعالى -: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم
الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾.
فقد جمعت فى هذه الجملة الكريمة مالا يتم الإِيمان إلا بتحققه.
وأما بر العمل فقد وضحته أبلغ توضيح فى قوله - تعالى -: ﴿وآتی المال علی حبه ذوی
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب﴾.
ولا شك أن إنفاق المال فى تلك الوجوه من شأنه أن يسعد الأفراد والجماعات والأمم،
ويكون مظهرًا من أفضل مظاهر العمل الصالح الذى يرضى الله - تعالى -.
وأما بر الخلق فقد ذكرته بأحكم عبارة فى قوله - تعالى -: ﴿وأقام الصلاة وآتى الزكاة
والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس﴾.
وذلك لأن التمسك بهذه الفضائل. أداء الصلاة وإيتاء الزكاة. والوفاء بالعهود، والتذرع
بالصبر - يدل على صفاء الإِيمان وطهارة الوجدان وحسن الخلق وكمال الاستقامة.
وهكذا تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر الخلق، وتربط بين
الجميع برباط واحد لا ينفصم، ونضع على هذا كله عنوانًا واحدًا ((البر)) وتمدح من استجمع
أنواعه بالصدق والتقوى.
فلله هذا الاستقراء البديع، وذلك التوجيه السديد، الذى يشهد أن هذا القرآن من عند الله
﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾.
وبعد أن بين - سبحانه - أن البر الجامع لألوان الخير يتجلى فى الإِيمان بالله واليوم الآخر ..
وفى بذل المال فى وجوه الخير، وفى المحافظة على فرائضه - سبحانه - وفى غير ذلك من أنواع
الطاعات التى ذكرتها الآية السابقة بعد كل ذلك شرع - سبحانه - فى بيان بعض الأحكام
العملية الجليلة التى لا يستغنى عنها الناس فى حياتهم، وبدأ هذه الأحكام بالحديث عن حفظ
الدماء لماله من منزلة ذات شأن فى إصلاح العالم - فقال - تعالى - :
يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَبْلِى الْخُّبِالْحُرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى

٣٦٨
المجلد الأول
◌ِاَلْأُنْقَ فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءُ
إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أَعْتَدَى
بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿) وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ
١٧٩
يَأُوْلِى الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
﴿كتب﴾ من الكتب، وهو فى الأصل ضم أديم إلى أديم بالخياطة. وتعورف فى ضم
الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأطلق على المضموم فى اللفظ وإن لم يكتب بالخط، ومنه
الكتابة، ويطلق الكتب والكتاب والكتابة على الإيجاب والفرض؛ لأن الشأن فيما وجب
ويفرض أن يراد ثم يقال ثم يكتب، ومنه ((كتب عليكم الصيام)) أى: فرض عليكم.
﴿والقصاص﴾: العقوبة بالمثل من قتل أو جرح. وهو - كما قال القرطبى - مأخوذ من
قص الأثر وهو اتباعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار وقص الشعر اتباع أثره، فكأن
القاتل سلك طريقًا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله فى ذلك، ومنه ﴿فارتدا على
آثارهما قصصا﴾ وقيل: القص القطع. يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القصاص؛ لأنه
يجرحه مثل جرحه أو يقتله به. يقال أقص الحاكم فلانًا من فلان به فأمثله فامتثل منه، أى :
اقتص منه)) (١)
فمادة القصاص تدل على التساوى والتماثل والتتبع.
والقتلى جمع قتيل، والقتيل من يقتله غيره من الناس.
والمعنى : يأيها الذين آمنوا فرض عليكم وأوجب القصاص بسبب القتلى. بأن تقتلوا القاتل
عقوبة له على جريمته مع مراعاة المساواة التى قررها الشارع الحكيم، فلا يجوز لكم أن تقتلوا غير
القاتل، كما لا يجوز لكم أن تسرفوا فى القتل بأن تقتلوا القاتل وغيره من أقاربه.
فمعنى القصاص هنا أن يقتل القاتل لأنه فى نظر الشريعة مساو للمقتول فيقتل به. وقد بين
العلماء أن القصاص يفرض عند القتل الواقع على وجه التعمد والتعدى، وعند مطالبة أولياء
القتيل بالقود - أى القصاص - من القاتل.
(١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٢٤٥ طبعة دار الكتب المصرية سنة ١٣٧٣ هـ.

٣٦٩
سورة البقرة
ولفظ ((فى)) فى قوله - تعالى -: ﴿فى القتلى﴾ للسببية، أى: فرض عليكم القصاص بسبب
القتلى. كما فى قوله بَ﴾ ((دخلت امرأة النار فى هرة)) أى بسببها.
وصدرت الآية بخطاب ﴿الذين آمنوا﴾، تقوية لداعية إنفاذ حكم القصاص الذى شرعه
الخبير بنفوس خلقه، لأن من شأن الإِيمان الصادق أن يحمل صاحبه على تنفيذ شريعة الله التى
شرعها لإِقامة الأمان والاطمئنان بين الناس، ولسد أبواب الفتن التى تحل عرا الألفة والمودة
بینهم .
وقد وجه - سبحانه - الخطاب إلى المؤمنين كافة مع أن تنفيذ الحدود من حق الحاكم
لإِشعارهم بأن عليهم جانبًا من التبعة إذا أهمل الحكام تنفيذ هذه العقوبات التى شرعها الله.
وإذا لم يقيموها بالطريقة التى بينتها شريعته، ولإِشعارهم كذلك بأنهم مطالبون بعمل
ما يساعد الحكام على تنفيذ الحدود بالعدل. وذلك بتسليم الجانى إلى المكلفين بحفظ الأمن،
وأداء الشهادة عليه بالحق والعدل، وغير ذلك من وجوه المساعدة.
وقوله - تعالى -: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى) بيان لمعنى المساواة فى القتل
المشار إليها بلفظ القصاص فالجملة تتمة لمعنى الجملة السابقة، ومفادها أنه لا يقتل فى مقابل
المقتول سوى قاتله، لأن قتل غير الجانى ليس بقصاص بل هو اعتداء يؤدى إلى فتنة فى الأرض
وفساد كبير.
وقد يفهم من مقابلة ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ أنه لا يقتل صنف بصنف
آخر، وهذا الفهم غير مراد على إطلاقه، فقد جرى العمل منذ عهد رسول الله وَّر على قتل
الرجل بالمرأة .
قال القرطبى: ((أجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل))(١).
والخلاف فى قتل الحر بالعبد. فبعض العلماء يرى قتل الحر بالعبد، وبعضهم لا يرى ذلك،
ولكل فريق أدلته التى يمكن الرجوع إليها فى كتب الفقه.
والغرض الذى سيقت من أجله الآية الكريمة، إنما هو وجوب تنفيذ القصاص بالعدل
والمساواة وإبطال ما كان شائعا فى الجاهلية من أن القبيلة القوية كانت إذا قتلت منها القبيلة
الضعيفة شخصا لا ترضى حتى تقتل فى مقابلة من الضعيفة أشخاصًا. وإذا قتلت منها عبدًا
تقتل فى مقابله حرًّا أو أحرارًا، وإذا قتلت منها أنثى قتلت فى نظيرها رجلا أو أكثر. فيترتب على
(١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٢٤٨.

٣٧٠
المجلد الأول
ذلك ان ينتشر القتل، ويشيع الفساد، وقد حكى لنا التاريخ كثيرًا مما فعله الجاهليون فى هذا
الشأن.
قال الإِمام البيضاوى عند تفسيره لهذه الآية : كان فى الجاهلية بين حيين من أحياء العرب
دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، فلما
جاء الإِسلام تحاكموا إلى رسول الله - ﴿ فنزلت هذه الآية. وهى لا تدل على أنه لا يقتل الحر
بالعبد والذكر بالأنثى، كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص
غرض سوى اختصاص الحكم))(١).
ثم أورد - سبحانه - بعد إيجابه للقصاص العادل - حكمًا يفتح باب التراضى، بين القاتل
وأولياء المقتول، بأن أباح لهم أن يسقطوا عنه القصاص إذا شاؤوا ويأخذوا فى مقابل ذلك
الدية، فقال - تعالى -: ﴿فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾.
◌ُفِى : من العفو وهو الإِسقاط. والعفو عن المعصية، ترك العقاب عليها. والذى عفى له
هو القاتل، و﴿أخيه﴾ الذى عفا هو ولى المقتول. والمراد بلفظ ﴿شىء﴾ القصاص، وهو نائب
فاعل ﴿عفى﴾.
والمعنى : أن القاتل عمدًا إذا أسقط عنه أخوه ولى دم القتيل القصاص، راضيا أن يأخذ منه
الدية بدل القصاص، فمن الواجب على ولى الدم أن يتبع طريق العدل فى أخذ الدية من القاتل
بحيث لا يطالبه بأكثر من حقه، ومن الواجب كذلك على القاتل أن يدفع له الدية بالطريق
الحسنى، بحيث لا يماطله ولا يبخسه حقه.
فقوله - تعالى - : ﴿فاتباع بالمعروف﴾ وصية منه - سبحانه - لولى الدم أن يكون رفيقًا فى
مطالبته القاتل بدفع الدية.
وقوله : ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ وصية منه - سبحانه - للقاتل بأن يدفع الدية لولى الدم
بدون تسويف أو مماطلة.
وفى هذه الوصايا تحقيق لصفاء القلوب، وشفاء لما فى الصدور من آلام، وتقوية الروابط
الأخوة الإِنسانية بين البشر.
وبعضهم فسر العفو بالعطاء فيكون المعنى : فمن اعطى له وهو ولى المقتول من أخيه وهو
القاتل شيئًا وهو الدية، فعلى ولى المقتول اتباعه بالمعروف، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان.
وسمى القرآن الكريم القاتل أخا لولى المقتول، تذكيرًا بالأخوة الإِنسانية والدينية، حتى يهز
(١) تفسير البيضاوى ص ٣٦.

٣٧١
سورة البقرة
عطف كل واحد منهما إلى الآخر، فيقع بينهم العفو، والاتباع بالمعروف، والأداء بإحسان .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت : عفى يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله ﴿فمن عفى
له﴾؟ قلت: يتعدى بعن إلى الجانى وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال
- تعالى -: ﴿عفا اللّه عنك﴾ وقال: ﴿عفا الله عنها﴾. فإذا تعدى إلى الذنب والجانى معًا
قيل : عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه. وعلى هذا ما فى
الآية، كأنه قيل: فمن عفى عن جنايته فاستغنى عن ذكر الجناية(١).
وجاء التعبير بلفظ شىء منكرًا لإِفادة التقليل. أى: فمن عفى له من أخيه ما يسمى شيئًا
من العفو والتجاوز ولو أقل قليل، تم العفو وسقط القصاص، ولم تجب إلا الدية، وذلك بأن
يعفو بعض أولياء الدم، لأن القصاص لا يتجزأ.
وفى ذلك تحبيب من الشارع الحكيم لولى الدم، فى العفو وفى قبول الدية، إذ العفو أقرب
إلى صفاء القلوب، وتجميع النفوس على الإِخاء والتعاطف والتسامح. وفيه - أيضا - إبطال لما
كان عليه أهل الجاهلية من التعيير من قبول أخذ الصلح فى قتل العمد، وعدهم ذلك لونًا من
بيع دم المقتول بثمن بخس. قال بعضهم يحرض قومه على الثأر.
أرى العار يبقى والمعاقل تذهب
فلاتأخذوا عَقْلاً من القوم إننى
وقال شاعر آخر يَذْكُر قومًا لم يقبلوا الصلح عن قتيل لهم :
لسقنا لهم سيبًّا من المال مفعمًا
فلو أن حيا يقبل المال فدية
رضا العار فاختاروا على اللبن الدما
ولكن أبى قوم أصيب أخوهم
ثم بين - سبحانه - أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر فقال : ﴿ذلك تخفيف من
ربكم ورحمة﴾.
أى: ذلك الذى شرعناه لكم من تيسير أمر القصاص بأداء الدية إلى ولى القتيل إذا رضى
طائعًا مختارًا، أردنا منه التخفيف عليكم إذ فى الدية تخفيف على القاتل بإبقاء حياته وإنقاذها من
القتل قصاصًا، وفيها كذلك نفع لولى القتيل، إذ هذا المال الذى أخذه نظير عفوه يستطيع أن
ينتفع به فى كثير من مطالب حياته .
وبهذا نرى أن الإِسلام قد جمع فى تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة. إذ جعل
القصاص حقًّا لأولياء المقتول إذا طالبوا به لا ينازعهم فى ذلك منازع وهذا عين الإِنصاف
والعدل.
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٢٢ .

٣٧٢
المجلد الأول
وجعل الدية عوضًا عن القصاص إذا رضوا بها باختيارهم، وهذا عين الرحمة واليسر.
وبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن فى حياتها؛ إذ العدالة هى التى تكسر شره النفوس،
وتغسل غل الصدور، وتردع الجانى عن التمادى فى الاعتداء، لأنه يعلم علم اليقين أن من
وراء الاعتداء قصاصا عادلا .
والرحمة هى التى تفتح الطريق أمام القلوب لكى تلتئم بعد التصدع وتتلاقى بعد التفرق،
وتتوادد بعد التعادى، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو. فلله هذا التشريع
الحكيم الذى ما أحوج العالم إلى الأخذ به، والتمسك بتوجيهاته.
ثم ختم - سبحانه - الآية بالوعيد الشديد لمن يتعدى حدوده، ويتجاوز تشريعه الحكيم
فقال: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾.
أى: فمن تجاوز حدوده بعد هذا التشريع الحكيم الذى شرعناه بأن قتل القاتل بعد قبول
الدية منه، أو بأن قتل غير من يستحق القتل فله عذاب شديد الألم؛ من الله - تعالى - لأن
الاعتداء بعد التراضى والقبول يدل على نكث العهد، ورقه الدين، وانحطاط الخلق.
ثم بين - سبحانه - الحكمة فى مشروعية القصاص توطينًا للنفوس على الانقياد له، وتقوية
لعزم الحكام على إقامته فقال - تعالى -: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ أى: ولكم فى مشروعية
القصاص حياة عظيمة، فالتنوين للتعظيم.
قال صاحب الكشاف، وذلك أنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد، وكم قتل مهلهل بأخيه
كليب حتى كاد يفنى قبيلة بكر بن وائل. وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم
التناحر فلما جاء الإِسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أى حياة، أو نوع من الحياة وهى
الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا هم بالقتل
فعلم أنه يقتص منه ارتدع فسلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود فكان القصاص سبب
حياة نفسين(١).
هذا وقد نقل عن العرب ما يدل على أنهم تحدثوا عن حكمة القصاص ومن أقوالهم فى هذا
الشأن: ((قتل البعض إحياء للجميع، وأكثروا القتل ليقل القتل)) وأجمعوا على أن أبلغ الأقوال
التى عبروا بها عن هذا المعنى قولهم ((القتل أنفى للقتل)) وقد أجمع أولو العلم على أن قوله
- تعالى -: ﴿ولكم فى القصاص حياة﴾ أبلغ من هذه العبارة التى نطق بها حكماء العرب،
بمقدار ما بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وذكروا أن الآية تفوق ما نطق به حكماء العرب من
وجوه كثيرة من أهمها :
(١) تفسير الكشاف جـ١ ص٢٢٣ .
.....

٣٧٣
سورة البقرة
١ - أن الآية جعلت سبب الحياة القصاص وهو القتل على وجه التساوى، أما العبارة
العربية فقد جعلت سبب الحياة القتل، ومن القتل مايكون ظلمًا، فيكون سببا للفناء لا للحياة،
وتصحيح هذه العبارة أن يقال: القتل قصاصًا أنفى للقتل ظلما.
٢ - أن الآية جاءت خالية من التكرار اللفظى، فعبرت عن القتل الذى هو سبب الحياة
بالقصاص. والعبارة كرر فيها لفظ القتل فمسها بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية.
٣ - أن الآية جعلت القصاص سببًا للحياة التى تتوجه إليها الرغبة مباشرة، والعبارة العربية
جعلت القتل سببًا لنفى القتل الذى تترتب عليه الحياة.
٤ - الآية مبنية على الإِثبات والمثل على النفى، والإِثبات أشرف لأنه أول والنفى ثان له.
٥ - أن تنكير حياة فى الآية يفيد تعظيمًا، فيدل على أن فى القصاص حياة متطاولة كما فى
قوله - تعالى -: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ ولا كذلك المثل. فإن اللام فيه
للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء.
٦ - تعريف ﴿القصاص﴾ بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على الضرب
والجرح والقتل - وغير ذلك، والمثل لا يشمل ذلك.
٧ - أن الآية مع أفضليتها عن المثل من حيث البلاغة والشمول واللفظ والمعنى أقل حروفًا
من المثل.
هذه بعض وجوه أفضلية الآية على المثل، وهناك وجوه أخرى ذكرها العلماء فى كتبهم(١).
وفى قوله: ﴿يا أولى الألباب﴾ تنبيه بحرف النداء على التأمل فى حكمة القصاص.
﴿والألباب): جمع لب وهو العقل الخالص من شوائب الأوهام، أو العقل الذكى الذى
يستبين الحقائق بسرعة وفطنة، ويستخرج لطائف المعانى من مكانها ببراعة وحسن تصرف.
وخص النداء بأولى الألباب مع أن الخطاب بحكمة القصاص شامل لهم ولغيرهم لأنهم
الذين يتدبرون عواقب الأمور، ويعرفون قيمة الحياة ويقدرون حكم التشريع قدرها.
وفى هذا النداء تنبيه على أن من ينكرون مصلحة القصاص وأثره النافع فى تثبيت دعائم
الأمن، يعيشون بين الناس بعقول غير سليمة، ولا يزال الناس يشاهدون فى كل عصر ما يثيره
القتل فى صدور أولياء القتلى من أحقاد طاغية، لولا أن القصاص يخفف من سطوتها لتمادت
بهم فى تقاطع وسفك دماء دون الوقوف عند حد.
(١) راجع تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٥١.

٣٧٤
المجلد الأول
وختمت الآية بهذه الجملة التعليلية ﴿لعلكم تتقون﴾ زيادة فى إقناع نفوسهم بأمر
القصاص، أى: شرعنا لكم هذه الأحكام الحكيمة لتتقوا القتل حذرًا من القصاص، ولتعيشوا
آمنين مطمئنين، ومتوادين متحابين.
وبهذا البيان الحكيم تكون الآيتان الكريمتان قد أرشدتا إلى ما يحمى النفوس، ويحقن
الدماء، ويردع المعتدين عن الاعتداء، ويغرس بين الناس معانى التسامح والإِخاء، ويقيم
حياتهم على أساس من الرحمة والعدالة وحسن القضاء.
وبعد أن بين - سبحانه - ما يتعلق بالقصاص أتبعه بالحديث عن الوصية، ليرشد الناس إلى
ما ينبغى أن تكون عليه، وليبطل ما كان من عوائد الجاهلية من وصايا جائرة فقال - تعالى - :
كُتِبَ عَلَيْكُمْ
إِذَا حَضَرَ أَ حَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
وَالْأَ قْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ ﴿١٨) فَمَنْ بَدَّلَهُ.
بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، فَإَِّ إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ،إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٨١
فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَ إِثْمَ
١٨٢)
عَلَيْهِ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
وقوله - تعالى -: ﴿كتب عليكم﴾ قد استفاض فى عرف الشرع بمعنى وجب عليكم.
و ((حضور الموت)) يقع عند معاينة الإِنسان للموت ولعجزه فى هذا الوقت عن الإِيصاء فسر
بحضور أسبابه، وظهور أماراته، من نحو العلل المخوفة والهرم البالغ. وقد شاع عند العرب
استعمال السبب كناية عن المسبب، ومن ذلك قول شاعرهم :
سائل بنى أسد ما هذه الصوت(١)
يأيها الراكب المزجى مطيته
قولا يبرئكم إنى أنا الموت
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا
(١) الصوت مذكر، وقد أنثه الشاعر هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة على معنى الصيحة - كما أفاده المعلق
على القرطبى نقلا عن لسان العرب.

٣٧٥
سورة البقرة
والخير: المال، وقالوا إنه هنا مختص بالمال الكثير، لأن مقام الوصية يشعر بذلك، ولم يرد
نص من الشارع فى تقدير ما يسمى مالا كثيرًا، وإنما وردت آثار من بعض الصحابة والتابعين
فى تقديره بحسب اجتهادهم، وبالنظر إلى ما يسمى بحسب العرف مالا كثيرًا فقال بعضهم :
من ألف درهم إلى خمسمائة درهم، وقال بعضهم : من ألف درهم إلى ثمانمائة درهم. والحق
أن هذا التقدير يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والعرف.
ويرى بعض العلماء أن الوصية مشروعة فى المال قليلة وكثيرة.
قال القرطبى : والوصية عبارة عن كل شىء يؤمر بفعله ويعهد به فى الحياة وبعد الموت،
وخصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية. والوصى
يكون الموصى والموصى إليه. وأصله من وصى مخففًا. وتواصى النبت تواصيًّا إذا اتصل وأرض
واصية: متصلة النبات. وأوصيت له بشىء. وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك. والاسم.
الوصاية والوصاية - بالفتح وبالكسر- وتواصى القوم: أوصى بعضهم بعضًا(١).
والمعنى : كتب عليكم أيها المؤمنون أنه إذا ظهرت على أحدكم أمارات الموت : من مرض
ثقيل، أو شيخوخة مضعفة، وكان عنده مال كثير قد جمعه عن طريق حلال، أن يوصى بجانب
منه لوالديه وأقاربه رعاية لحقهم وحاجتهم، وأن تكون وصيته لهم بالعدل الذى لا مضارة فيه
بين الأقارب، والوصية على هذا الوجه تعتبر حقاً واجبًا على المتقين الذين اتخذوا التقوى
والخشية من الله طريفًا لهم.
فالآية الكريمة استئناف لبيان الوصية بعد الحديث عن القصاص، وفصل القرآن الحديث
عن الوصية عن سابقه للإشعار بأنه حكم مستقل جدير بالأهمية.
وقد جاء الحديث عن الوصية بتلك الطريقة الحكيمة، لتغيير ما كان من عادات بعض أهل
الجاهلية، فإنهم كانوا كثيراً مانعون القريب من الإِرث توهما منهم أنه يتمنى موت قريبة ليرثه،
وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض فيؤدى ذلك إلى التباغض والتحاسد، وربما فضلوا
- أيضاً - الوصية لغير الأقارب للفخر والتباهى، فشرع الإِسلام لأتباعه ما يقوى الروابط ويمنع
التحاسد والتعادى.
قال الجمل : وكتب فعل ماض مبنى للمجهول، وحذف الفاعل للعلم به وهو الله - تعالى -
وفى القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون الوصية، أى: كتب عليكم الوصية، وجاز تذكير الفعل لكون القائم
(١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٢٥٩ .

٣٧٦
المجلد الأول
مقام الفاعل مؤنثًا مجازيًا ولوجود الفصل بينه وبين مرفوعه.
والثانى: أنه الإيصاء المدلول عليه بقوله: ((الوصية)) للوالدين، أى: كتب هو، أى
الإيصاء .
والثالث : أنه الجار والمجرور. وهذا يتجه على رأى الأخفش والكوفيين وعليه فيكون قوله :
﴿عليكم﴾ فى محل رفع، ويكون فى محل النصب على القولين الأولين وجواب كل من ﴿إذا﴾
و﴿إِن﴾ محذوف. أى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا فليوص(١).
والباء فى قوله: ﴿بالمعروف﴾ للملابسة، والجار والمجرور فى موضع الحال من الوصية.
والمراد بالمعروف هنا العدل الذى جاءت به الشريعة، بأن لا يتجاوز بالوصية الثلث، وأن
لا يوصى للاغنياء ويترك الفقراء أو يوصى للقريب ويترك الأقرب مع أنه أشد فقرًا ومسكنة ..
وقوله : ﴿حقا﴾ مصدر مؤكد للحدث الذى دل عليه ﴿كتب﴾ وعامله إما ﴿كتب﴾ أو فعل
محذوف تقديره حق أى: حق ذلك حقًّا.
وقوله: ﴿على المتقين﴾ صفة له. أى حقاً كائنًا على المتقين.
وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبًا فى الرضا به، لأن ما كان من شأن المتقى فهو أمر نفيس
جدير أن يتأسى به الناس، ومن أهمله فقد حرم من الدخول فى زمرتهم، وخسر بذلك خسارة
عظيمة .
قال بعض العلماء: وقد وردت هذه الآية فى الوصية للوالدين والأقربين، والمعروف عند
الأمة مند عهد السلف أن الوصية لا تصح لوارث، والوالدان لهما نصيب مفروض فى المواريث
ومقتضاه عدم صحة الوصية لهما؟
ويزيح هذا الاشكال من طريق التفسير أن فريقًا من أهل العلم وهم جمهور المفسرين ذهبوا
إلى أن الآية قد نسخ منها حكم الوصية للوارث. وإيضاح وجه النسخ أن آية المواريث نزلت
بعد آية الوصية فقامت مقامها فى الوصية للوارث ودل على هذا المعنى صراحة الحديث الشريف
وهو قوله وَله: ((إن الله أعطى كل ذى حق حقه، ألا لا وصية لوارث)).
وهذا الحديث وإن لم يبلغ مبلغ الحديث المتواتر الذى يصح نسخه للقرآن بنفسه، فقد امتاز
عن بقية أخبار الآحاد بأن الأمة تلقته بالقبول، وأخذوا فى العمل به من غير مخالف، فأخذ بهذا
قوة الحديث المتواتر فى الرواية واعتمدوا عليه فى بيان أن آية المواريث قامت بتقدير الأنصباء فى
الميراث مقام آية ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ فى الوصية للوارث. وروى البخارى فى صحيحه
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٤٤.

٣٧٧
سورة البقرة
عن ابن عباس - رضى الله عنه - قال: كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله
من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس،
وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
ومن أهل العلم من لم يستطيعوا أن يهملوا حديث ((لا وصية لوارث)) لاستفاضته بين الأمة
وتلقيهم له بالقبول، فقرروا العمل به وأبطلوا الوصية لوارث ولكنهم ذهبوا مع هذا إلى أن آية
الوصية للوالدين محكمة غير منسوخة وتأولوها على وجوه منها أن المراد من قوله : ﴿للوالدين﴾
الوالدان اللذان لا يرثان لمانع من الإِرث كالكفر والاسترقاق، وقد كانوا حديثى عهد بالإِسلام
يسلم الرجل ولا يسلم أبواه وقد أوصى الله بالإِحسان إليهما))(١).
ثم توعد - سبحانه - من يبدل الوصية بطريقة لم يأذن بها الله فقال - تعالى - : ﴿فمن بدله
بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾ .
بدله : غيره. وتغيير الوصية يتأتى بالزيادة فى الموصى به أو النقص منه أو كتمانه، أو غير ذلك
من وجوه التغيير للموصى به بعد وفاة الموصى.
سمعه : أى علمه وتحققه، وكنى بالسماع عن العلم لأنه طريق حصوله. والضمائر البارزة فى ...
((بدله وسمعه وإثمه ويبدلونه)) عائدة على القول أو على الكلام الذى يقوله الموصى والذى دل عليه
لفظ الوصية أو على الإيصاء المفهوم من الوصية، وهو الإيصاء أو القول الواقع على الوجه الذى شرعه
الله .
والمعنى : فمن غير الإِيصاء الذى أوصى به المتوفى عن وجهه، بعدما علمه وتحققه منه، فإنما
إثم ذلك التغيير فى الإِيصاء يقع على عاتق هذا المبدل، لأنه بهذا التبديل قد خان الأمانة،
وخالف شريعة الله، ولن يلحق الموصى شيئًا من الإِثم لأنه قد أدى ما عليه بفعله للوصية كما
يريدها الله - تعالى -.
وقد ختمت الآية بقوله - تعالى -: ﴿إن الله سميع عليم﴾ للإشعار بالوعيد الشديد الذى
توعد الله به كل من غير وبدل هذا الحق عن وجهه، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من
حيل الناس الباطلة، فهو - سبحانه سميع لوصية الموصى، عليم بما يقع فيها من تبديل
وتحريف.
ثم استثنى - سبحانه - حالة يجوز فيها التغيير فقال، ((فمن خاف من موص جنفًا أو إثماً
فأصلح بينهم فلا إثم عليه)).
(١) تفسير القرآن الكريم لفضيلة استاذنا المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين. مجلة لواء الإسلام السنة
الرابعة : العدد العاشر.
:

٣٧٨
المجلد الأول
خاف: من الخوف، وهو فى الأصل حالة تعترى النفس عند الانقباض من شر يتوقع
حصوله على سبيل الظن أو على سبيل العلم.
والجنف: الميل والجور. يقال: جنف فى وصيته وأجنف، مال وجار، فهو جنف وأجنف.
وقيل : أجنف مختص بالوصية وجنف فى مطلق الميل عن الحق. ويقال : جنف وجنف عن
طريقه جنفًا وجنوفًا.
والإِثم: العمل الذى يبغضه الله. يقال: أثم فهو آثم وأثيم.
قال بعضهم: والمراد بالجنف هنا : الميل عن الحق فى الوصية خطأ، بقرينة مقابلته بالإِثم
وهو الميل عن الحق فيها عمدًا.
هذا، ويرى جمهور العلماء أن هذه الآية الكريمة واردة فى الوصى يرى أن الموصِى قد حاد فى
وصيته عن حدود العدل، فللوصى حينئذ أن يصلح فيها بحيث يجعلها متفقة مع ماشرعه الله،
وهو فى هذه الحالة لا إثم عليه لأنه قد غير الباطل بالحق وعلى هذا الرأى يكون المعنى : أن
الوصى إذا رأى فى الوصية ميلا عن الحق خطأ أو عمدًا وأصلح بين الموصى لهم يردهم إلى الوجه
المشروع فلا إثم عليه فى التغيير فى الوصية. والضمير فى قوله: ﴿بينهم﴾ عائد على الموصَى لهم.
ويرى آخرون أن هذه الآية واردة فى شأن كل من يبغى الإصلاح من الناس، بأن يرى
الموصِى يوصِى، فظهر له - أى هذا المصلح - أن الموصِى قد جانب العدل والصواب فى وصيته،
فيأخذ فى الإصلاح، بأن يرشده بأن فعله هذا لا يتفق مع شريعة العدل التى أمر بها الله،
ويحاول قدر استطاعته أن يزيل ما حدث من خلاف بين الموصِى والموصَى لهم.
وعلى هذا الرأى يكون المعنى : إن خرج الموصٍى فى وصيته عن حدود العدالة، ورأى أمارات
ذلك منه من يريد الإصلاح من الناس، وتوقع أن شرًّا سيترتب على هذه الوصية التى فيها
جور، أو شاهد نزاعًا بين الموصى لهم بسبب ذلك، فلا إثم على هذا المصلح فى أن يصلح بين
الموصِى والموصَى لهم، وأن يرشد الموصى إلى سلوك طريق العدل والحق. وعليه فيكون الضمير
فى قوله: ﴿بينهم﴾ يعود على الموصى والموصى لهم.
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن سياق الآية يؤيده، إذ هى بمنزلة الاستثناء
من قوله - تعالى -: ﴿فمن بدله بعد ماسمعه﴾ .. وهذا إنما يكون بعد موت الموصِى لا فى
حياته .
وقوله : ﴿إن الله غفور رحيم﴾ تذييل أتى به - سبحانه - للوعد بالثواب للمصلح على
إصلاحه، فإن من يغفر الذنوب ويرحم المذنبين تكون مغفرته ورحمته أقرب إلى من يقصد
بعمله الإصلاح ولو اعتمد على ظن غالب أو أخطأ وجه الصواب فيما أتى من أعمال.

٣٧٩
سورة البقرة
وبهذا تكون الآيات الكريمة قد بينت للناس حكما آخر من أحكامها السامية، يتعلق بالوصية
فى الأموال، وفى هذا الحكم دعوة إلى التراحم والتكافل، وغرس لأواصر المودة والمحبة بين
الأبناء والآباء وبين الأقارب بعضهم مع بعض.
%
وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن القصاص وعن الوصية أتبعتهما بالحديث عن عبادة
عظيمة من العبادات التى جعلها الله - تعالى - ركنًا من أركان الإِسلام وهی صوم رمضان،
فقال - سبحانه - :
يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
أَيَّامًا مَّعْدُ ودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴿٨)
◌َِّ يضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرَاً فَهُوَ خَيْرٌ
لََّّ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌلَّكُمٌ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ { شَهُرُ
رَمَضَانَ الَّذِىَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِّلنَّاسِ
وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ
أَنَّامٍ أُخَرُّيُرِيدُ اللّهُبِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ
الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْاللَّهَ عَلَى مَا
هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(١٨٥
الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام، وهو فى اللغة : الإمساك وترك التنقل من حال إلى
حال، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى - مخبرًا عن مريم: ﴿إنى

٣٨٠
المجلد الأول
نذرت للرحمن صومًا﴾ أى: سكوتًا عن الكلام. وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب.
وتقول العرب : صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة.
أما الصيام فى عرف الشرع فهو - كما يقول الألوسى - إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه
مخصوص فى زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة.
وَقد فرض الله - تعالى - على المسلمين صيام شهر رمضان فى شهر شعبان من السنة الثانية
للهجرة، وعده النبى # أحد أركان الإسلام الخمسة، فقد روى البخارى - بسنده - عن ابن
عمر - رضى الله عنهما - قال: سمعت رسول الله وَلا يقول: بنى الإِسلام على خمس : شهادة
أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم
رمضان .
وأل فى الصيام للعهد الذهنى، فقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء فى الصحيحين
عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش والجاهلية)).
والتشبيه فى قوله - تعالى -: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ راجع إلى أصل إيجاب
الصوم وفريضته. أى: أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة، ولكن
بكيفية لا يعلمها إلا الله، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله وَّر يبين لنا فيه كيف كان صيام
الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية.
وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره، فقد روى عن مجاهد أنه قال : كتب الله -
عز وجل - صوم شهر رمضان على كل أمة.
وهذا القول ليس له دليل، ولذا قال القاضى أبو بكر بن العربى: المقطوع به أن التشبيه فى .
الفرضية خاصة، وسائر الوجوه مجرد احتمال.
ولفظ ((كما)) فى قوله - تعالى -: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ فى موضع نصب على
المصدر، أى: فرض عليكم الصيام فرضًا كالذى فرض على الذين من قبلكم.
ومن فوائد هذا التشبيه، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها - سبحانه - لأتباع
النبى وَله ولأتباع الرسل الذين سبقوه فى الدعوة إلى توحيد الله، وهذا مما يقتضى وفرة ثوابها،،
ودوام صلاحها.
كذلك من فوائده تسهيل هذه العبادة على المسلمين؛ لأن الشىء الشاق تخف مشقته على
الإِنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله.
والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة، حتى لا يكونوا