Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة البقرة بينهم، يريهم - سبحانه - أعمالهم السيئة يوم القيامة فتكون حسرات تتردد فى صدورهم كأنها شرر الجحيم. ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان عاقبة أمرهم فقال: ﴿وماهم بخارجين من النار﴾. أى: وماهم بخارجين من تلك النار التى عوقبوا بها بسبب شركهم، بل هم مستقرون فيها استقرارًا أبديًا، وقد جاءت الجملة اسمية لتأكيد نفى خروجهم من النار، وبيان أنهم مخلدون فيها كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾. وهكذا يسوق لنا القرآن ما يدور بين التابعين والمتبوعين يوم القيامة من تنصل وتحسر وتخاصم بتلك الطريقة المؤثرة، حتى لكأنك أمام مشهد مجسم، ترى فيه الصور الشاخصة حاضرة. وذلك لون من ألوان بلاغة القرآن فى عرضه للحقائق، حتى تأخذ سبيلها إلى النفوس الكريمة، وتؤتى ثمارها الطيبة فى القلوب السليمة. ثم وجه القرآن نداء عاما إلى البشر أمرهم فيه بأن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات، ونهاهم عن اتباع وساوس الشيطان فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْمِمَا فِى الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينُ ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُّكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ ١٦٩ ﴿كلوا﴾ صيغة أمر واردة فى معنى الإِباحة. ﴿والحلال﴾ ما أذن الله فى تناوله من مطعومات أو مشروبات. قال الرازى: وأصله من الحل الذى هو نقيض العقد، ومنه حل بالمكان إذا نزل، لأنه حل شد الارتحال للنزول، وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، وحل من إحرامه، لأنه حل عقدة الإِحرام .. ثم قال: واعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه - فى ذاته - كالميتة والدم ولحم الخنزير، وقد يكون حراما لوصف عارض كملك الغير إذا لم يأذن فى أكله - فحرمته لتعلق حق الغير به - فالحلال هو الخالى عن هذين القيدين))(١). (١) تفسير الفخر الرازى - بتصرف وتلخيص جـ ٥ ص ٢. ٣٤٢ المجلد الأول ﴿والطيب﴾: هو المستلذ المستطاب الذى تقبل عليه النفوس الطاهرة وتنبسط لتناوله، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر ولا موقع فى تهلكة، إذ القذر ينفر منه الطبع السليم، والموقع فى تهلكة يمجه العقل القويم. و﴿من﴾ فى قوله: ﴿مما فى الأرض﴾ للتبعيض، لأن بعض ما فى الأرض كالحجارة - مثلا - لا يؤكل، ولأنه ليس كل ما يؤكل يجوز أكله فلذلك قال: ﴿حلالا طيبًا .. ﴾. وقوله: ﴿حلالا﴾ مفعول به لقوله: ((كلوا)) أو حال مما فى الأرض، أى: كلوه حال كونه حلالا. أو صفة لمصدر محذوف، أى: كلوه أكلا حلالا . وقوله : ﴿طيبا﴾ صفة مقررة ومؤكدة لمعنى يستفاد من قوله: ﴿حلالا﴾ وهو طهارة المأكول وخلوه من القذارة، وعدم إيقاعه فى ضرر. قال الألوسى: ((وفائدة وصف الحلال بالطيب تعميم الحكم كما فى قوله - تعالى - : ﴿وما من دابة فى الأرض﴾ ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالات فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعم، بخلاف غير الموصوفة))(١). والمعنى : يأيها الناس لقد أباح الله لكم أن تأكلوا من كل ما تحويه الأرض من المطعومات التى أحلت لكم، والتى تستلذها النفوس الكريمة، والقلوب الطاهرة، فتمتعوا بهذه الطيبات فى غير سرف أو غرور، واشكروا الله - تعالى - على ما رزقكم من نعم. ولقد أمر الله عباده فى كثير من الآيات أن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾. وفى صحيح مسلم عن عياض المجاشعى أن رسول الله وَ لثر قال ذات يوم فى خطبته: ((ألا إن ربى أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومى هذا. يقول الله - تعالى - : كل مال ٤. نحلته - أى منحته - عبادى فهو لهم حلال، وإنى خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا .. )). وعن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبى ێر ﴿ياأيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيبا﴾ فقام سعد بن أبى وقاص فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى مستجاب الدعوة، فقال : يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذى نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام فى جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٣٨ طبعة منير الدمشقى. ٣٤٣ سورة البقرة من السحت والربا فالنار أولى به))(١). وليس من الورع ولا الزهد المرضى عنه شرعا ترك بعض المباحاث، فإن الله سوى فى المباح بين الفعل والترك، ومن يجعل ترك المباح من الورع، والورع مندوب، فكأنه يقول : إن الترك راجح على الفعل، وهو غير ما حكم الله به. وكان الحسن البصرى - وهو من أجل التابعين - يقوم عوج من يعدون من الزهد المحمود الامتناع عن تناول بعض المباحات كالأطعمة اللذيذة. يحكى عنه أنه شهد يوما وليمة، فرأى رجلا يرفع يده عندما قدمت الحلوى فقال له الحسن : كل يا لكع فلنعمة الله عليك فى الماء البارد أعظم من نعمته فى هذه الحلوى. ودخل عليه مرة أحد الزهاد فقال له الحسن : أتحب الخبيص - وهو طعام لذيذ - فقال الزاهد: لا أحبه ولا أحب من يحبه !! فأقبل الحسن على جلسائه وقال لهم: أترونه مجنونا. والخلاصة : أنه لا ورع فى ترك المباح الذى أحله الله من حيث فيه متعة للنفس، فذلك هو التنطع فى الدين، وإنما الورع فى ترك الإكثار من تناول تلك المباحات، لأن الإِكثار منها قد يؤدى إلى الوقوع فيما نهى الله عنه. هذا، وقد أورد بعض المفسرين آثارًا تدل على أن هذه الآية نزلت فى قوم معينين. قال الألوسى : نزلت فى المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقيل نزلت فى قوم من ثقيف وبنى عامر ابن صعصعة وخزاعة وبنى مدلج حيث حرموا التمر والاقط على أنفسهم(٢). والذى نراه أن الخطاب فى الآية لجميع المكلفين من البشر، وأنها واردة لتفنيد آراء الذين يحرمون على أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع على تحريمها، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم قال - تعالى - : ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾. الخطوات : جمع خطوة كغرفة وقيل جمع خطوة كقبضة، وهى فى الأصل ما بين القدمين عند المشى، وتستعمل على وجه المجاز فى الآثار. أى: كلوا أيها الناس من الطيبات التى أحلها الله لكم. ولا تتبعوا آثار الشيطان وزلاته (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٠٤ طبعة عيسى الحلبى. (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٢٨. ٣٤٤ المجلد الأول ووساوسه وطرقه التى يحرم بها الحلال ويحلل الحرام والتى يقذفها فى صدور بعض الناس فتجعلهم ينتقلون من الطاعات إلى المعاصى. وفى الجملة الكريمة استعارة تمثيلية، إذ أن السائر فى طريق إذا رأى آثار خطوات السائرين تتبع ذلك المسلك ظنًا منه بأن ما سار فيه السائر قبله إلا لأنه موصل للمطلوب، فشبه المقتدى الذى لا دليل معه سوى المقتدى به وهو يظن مسلكه موصلا، بالذى يتبع خطوات السائرين، وشاعت هذه الاستعارة حتى صاروا يقولون هو يتبع خطا فلان بمعنى يقتدى به. وقوله: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾ تعليل للنهى عن اتباع الشيطان و ((مبين)) من أبان بمعنى بان وظهر، وقيل: من أبان بمعنى أظهر، أى: مظهر للعداوة والمعنى: ((ولا تتبعوا خطواته لأن عداوته ظاهرة لكم بحيث لا تخفى على أى عاقل. وقوله - تعالى -: ﴿إِنما يأمركم بالسوء والفحشاء﴾ استئناف لبيان كيفية عداوته، وتفصيل لأنواع شروره ومفاسده. والسوء فى الأصل: مصدر ساءه يسوءه سوءًا ومساءة إذا أحزنه، والمراد به هنا، كل ما يغضب الله - تعالى - من المعاصى، لأنها تسوء صاحبها وتحزنه فى الحال أو المآل. والفحشاء والفاحشة والفحش: ما عظم قبحه مر الأقوال والأفعال. وروى عن ابن عباس أنه فسر السوء بما لا حد فيه، والفحشاء بما فيه حد. والأمر فى الأصل : الطلب بالقول، واستعمل فى تزيين الشيطان المعصية، لأن تزيينها فى . معنى الدعوة إليها . قال صاحب الكشاف: فإن قلت : كيف كان الشيطان آمرا مع قوله ﴿ليس لك عليهم سلطان﴾؟ قلت : شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتنى نفسى بكذا، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه، ولذلك قال: ﴿ولامرنهم فليبتكن . آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ وقال - تعالى -: ﴿إن النفس الأمارة بالسوء﴾ لما كان الإِنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت))(١). . وقوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ معطوف على ما قبله. أى: يأمركم الشيطان بالسوء والفحشاء، ويأمركم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون. (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢١٣. ٣٤٥ سورة البقرة والقول على الله بغير علم من مظاهره أن يقول قائل: لقد أحل الله كذا وحرم كذا بدون دلیل شرعی يعتمد عليه. قال الإِمام ابن القيم: ((والقول على الله بغير علم يعم القول عليه - سبحانه - فى أسمائه وصفاته وأفعاله، وفى دينه وشرعه، وقد جعله - سبحانه - من أعظم المحرمات، بل جعله فى المرتبة العليا منها، فقال - تعالى -: ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، والإِثم والبغى بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ وقال - تعالى - : ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع قليل ولهم عذاب أليم) فتقدم إليهم - سبحانه - بالوعيد على الكذب عليه فى أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه : هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال. وهذا بيان منه - سبحانه - أنه لا يجوز للعبد أن ييقول: هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أنه - سبحانه - أحله وحرمه))(١). وقال بعض العلماء : وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض الوقائع أحكامًا من طريق الاستنباط، قد يستندون فى ذلك إلى دليل يفيد الظن بالحكم، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به، فيكون إفتاؤه من قبيل القول على الله بغير علم، ويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظنى أصل انعقد عليه الإِجماع وأصبح مقطوعًا به، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع فى حقه أو حق من يتابعه هو الحكم الذى أداه إليه اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ فى العلم قائلا على الله ما لا يعلم)) (٢). هذا، ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى القرآن الكريم فى التحذير من الشيطان ووساوسه قوله - تعالى - : ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾. وقوله - تعالى -: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا﴾. وقوله - تعالى -: ﴿يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾. وقد أرشدنا النبى وهو إلى أن الإكثار من ذكر الله خير معين للإِنسان للتغلب على وساوس (١) من كتاب ((أعلام الموقعين)) لابن القيم. نقلا عن تفسير القاسمى جـ ٢ ص ٢٧٠. (٢) تفسير القرآن الكريم لفضيلة الإمام محمد الخضر حسين، مجلة لواء الإسلام. السنة الرابعة. العدد السادس. ء. ٣٤٦ المجلد الأول الشيطان فقال فى حديثه الطويل الذى رواه الترمذى والنسائى وابن حبان عن الحارث الأشعرى: ((وآمركم بذكر الله كثيرًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا فى أثره، فأتى حصنا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله. وبعد أن نهى - سبحانه - الناس عن إتباع خطوات الشيطان، وبين لهم مظاهر عداوته لهم، أردف ذلك ببيان حال طائفة من الناس لم يستمعوا لهذا النصح، بل اتبعوا خطوات الشيطان فقلدوا آباءهم فى الشرك والجهالة فقال - تعالى - : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْمَا أَنزَلَ اَللَّهُ قَالُواْبَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَتَنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَأْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآ ؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًاوَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) أى: وإذا قيل لأولئك الذين اقتفوا خطوات الشيطان، وقالوا على الله بدون علم ولا برهان، إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله من قرآن، أعرضوا عن ذلك وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء فالضمير فى قوله - تعالى -: ﴿لهم﴾ يعود على طائفة ممن شملهم الخطاب بقوله - تعالى - فى الآية السابقة : ﴿يأيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ وهم الذين لم يستجيبوا لنداء الله بل ساروا فى ركب الشيطان، واقتفوا آثاره، ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله﴾. القائل لهم ذلك هو النبى وَلير والمسلمون. والمراد بما أنزل الله: القرآن الكريم، وما أوحاه الله إلى نبيه وَلّر من هدايات. وعدل : - سبحانه - من خطابهم إلى الغيبة للتنبيه على أنهم لفرط جهلهم وحمقهم صاروا ليسوا أهلا للخطاب، بل ينبغى أن يصرف عنهم إلى من يعقله. و﴿بل﴾ فى قوله - تعالى -: ﴿بل نتبع﴾ للإضراب الإبطالى، أى: أضربوا عن قول الرسول لهم ﴿اتبعوا ما أنزل الله﴾ إضراب إعراض بدون حجة، إلا بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم من أمور الشرك والضلال. وقوله - تعالى -: ﴿أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ رد عليهم، وبيان لبطلان الاعتماد فى الدين على مجرد تقليد الآباء. والهمزة للاستفهام الإنكارى، والواو للحال، والمعنى: أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ٣٤٧ سورة البقرة والحال أن آباءهم لا يعقلون شيئًا من أمور الدين الصحيح، ولا يهتدون إلى طريق الصواب. قال الألوسى: وفى الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر، وأما أتباع الغير فى الدين بعد العلم - بدليل ما - أنه محق فاتباع فى الحقيقة لما أنزل الله - تعالى - وليس من التقليد المذموم فى شىء وقد قال - سبحانه - ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾(١). وبعد أن بين - سبحانه - فساد ما عليه أولئك المشركون المقلدون من غير نظر ولا استدلال، أردف ذلك بضرب مثل لهم زيادة فى قبيح شأنهم والزراية عليهم فقال - تعالى - : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ ◌ِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءَ وَنِدَآءَ صُمْ بُكُمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٧١ و﴿مثل﴾ الصفة والشأن، وأصل المثل بمعنى المثل: النظير والشبيه، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة، إذا كان لها شأن عجيب وفيها غرابة . و﴿ينعق﴾ من النعيق وهو الصياح. يقال: نعق الراعى بالغنم ينعق نعقًا ونعاقًا ونعقانًا، صاح بها وزجرها. والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد أى أن ثانيهما تأكيد للأول، وقيل : الدعاء للقريب والنداء للبعید. والظاهر أن المراد بهما نوعان من الأصوات. وأولهما : وهو الدعاء معناه: الصياح بالبهائم لتأتى. وثانيهما : وهو النداء معناه: الصياح بها لتذهب. قال الإِمام الرازى ما ملخصه: وللعلماء من أهل التأويل فى هذه الآية طريقان : أحدهما : تصحيح المعنى بالإِضمار فى الآية. والثانى: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار. (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٤١. ٣٤٨ المجلد الأول أما الذين أضمروا فذكروا وجوها : الأول: كأنه قال: ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذى ينعق، فصار الناعق الذى هو الراعى بمنزلة الداعى إلى الحق. وهو الرسول وَلتر وسائر الدعاة إلى الحق، وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها، ووجه الشبه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول ( وألفاظه، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها. الثانى : ومثل الذين كفروا فى دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق فى دعائه ما لا يسمع كالغنم وما يجرى مجراها من البهائم. فشبه الأصنام - فى أنها لا تفهم - بهذه البهائم، فإذا كان ولا شك أن من دعا بهيمة عد جاهلا، فمن دعا حجرًا أولى بالذم. والفرق بين هذا القول والذى قبله أن هاهنا المحذوف هو المدعو، وفى القول الذى قبله المحذوف هو الداعى. أما إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار فتقديره، ومثل الذين كفروا فى قلة عقولهم فى عبادتهم لهذه الأوثان كمثل الراعى إذا تكلم مع البهائم، فكما أنه يقضى على ذلك الراعى بقلة العقل فكذا ههنا. ثم قال - رحمه الله - ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرا لقلبه، وتضييقًا لصدره، حيث صيره كالبهيمة فيكون فى ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه فى التقليد))(١). وقوله - تعالى -: ﴿صم بكم عمى﴾ زيادة فى تبكيتهم وتقريعهم، أى: هم صم عن استماع دعوة الحق، بكم عن إجابة الداعى إليها، عمى عن آيات صدقها وصحتها، فهم لإعراضهم عن الهادى لهم إلى ما ينفعهم وينجيهم من العذاب صاروا بمنزلة من فقد حواسه، فأصبح لا يسمع ولا ينطق ولا يبصر وقوله : ﴿فهم لا يعقلون﴾ وارد مورد النتيجة بعد البرهان، بجانب كونه توبيخًا لهم، لأنهم بفقدهم أهم طرق الإِدراك وهما السمع والبصر، وأهم وسيلة للثقافة وهى استطلاع الحقائق من طريق المحاورة والتكلم، صاروا بعد كل ذلك بمنزلة من فقد عقله الاكتسابى، فأصبح لا يفقه شيئًا؛ لأن العقل الذى يكتسب به الإِنسان المعارف والحقائق يستعين استعانة كبرى بهذه الحواس الثلاث. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٨ بتصرف وتلخيص. ٣٤٩ سورة البقرة وبعد هذا البيان البليغ لحال الذين يتخذون من دون الله أندادًا، ولحال الكافرين المقلدين لآبائهم فى الضلال بدون تدبر أو تعقل، بعد كل ذلك وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين بينت لهم فيه - وفيها سيأتى بعده من آيات - كثيرًا من التشريعات والآداب والأحكام التى هم فى حاجة إليها فقال - تعالى - : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَارَزَقْنَّكُمْ وَأَشْكُرُوْلِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١٧) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّبِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلَ إِثْمَ عَلَيْ إِنَّ اللّهَ ١٧٣ غَفُورٌ رَّحِيمُ الطيبات من الأطعمة : المستلذات، ويجوز حملها على ما طاب من الرزق بتحليل الله له. وما رزقناكم: ما أوصلناه إليكم من الرزق، - وهو ما ينتفع به. أى: يا من آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلوا من ألوان الطيبات التى أحللناها لكم، ولا تتعرضوا لما حرمناه عليكم. وكان الخطاب هنا للمؤمنين خاصة، لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم وأحرى بالاهتداء، وأولى بالتكريم والتشريف. ومفعول ﴿كلوا﴾ محذوف، أى: كلوا رزقكم حال كونه بعض طيبات ما رزقناكم. ثم أمرهم - سبحانه - بشكره على هذه الطيبات التى أباحها لهم فقال: ﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾. وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة ﴿كلوا﴾. والشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم لموجدها، ووضعها فى الموضع الذى أمر به . أى: تمتعوا بنعم الله، واعترفوا له بها على وجه التعظيم، بأن تمتثلوا ما أمر به، وتجتنبوا ما نهى عنه، إن كنتم تخصونه بالعبادة حقًّا، وتفردونه بالطاعة صدقًا. ٣٥٠ المجلد الأول قال الألوسى: وجملة ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ بمنزلة التعليل لطلب الشكر، كأنه قيل: ((واشكروا له لأنكم تخصونه بالعبادة، وتخصيصكم إياه بالعبادة، يدل على أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه، وهى لا تتم إلا بالشكر، لأنه من أجل العبادات))(١). وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فكلوا واشكروا لله . ولقد أمر الله - تعالى - عباده أن يشكروه فى آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذاب لشديد﴾. وقال - تعالى -: ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربی غنی کریم﴾. وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى أن رسول الله وسلم قال: ((الطاعم الشاكر بمنزلة ... الصائم الصابر)) وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك عن النبى ◌َلقر أنه قال: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)) قال صاحب المنار: قال الأستاذ الإمام : لا يفهم هذه الآية حق فهمها إلا من كان عارفًا بتاريخ الملل عند ظهور الإِسلام وقبله، فإن المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقًا وأصنافًا، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها كالبحيرة والسائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم وكان المذهب الشائع فى النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله - تعالى - تعذيب النفس، وحرمانها من الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه، واعتقاد أنه لا حياة للروح إلا بذلك ... ثم قال: وقد تفضل الله على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا تعطى الجسد حقه والروح حقها، فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية، فلم نكن جسمانيين محضًّا كالأنعام، ولا روحانيين خلصا كالملائكة، وإنما جعلنا أناسى كملة بهذه الشريعة المعتدلة، فله الحمد والشكر والثناء الحسن))(٢). وقوله - تعالى -: ﴿إِنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ بيان لما حرمه الله - تعالى - علينا من المطاعم رعاية لمنفعتنا. و﴿الميتة﴾ فى عرف الشرع: ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غیر مشروعه، فيدخل فيها : المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وماعدا عليها السبع، ويدخل فى حكم الميتة ما قطع (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٤١. (٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٩٦. ٣٥١ سورة البقرة من جسم الحيوان الحى للحديث الذى أخرجه أبو داود والترمذى عن أبي واقد الليثى، أن رسول الله ﴾ قال: ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة)). وكان الأكل من الميتة محرمًا، لفساد جسمها بذبول أجزائه وتعفنها، ولأنها أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها. قال الألوسى : وأضاف - سبحانه - الحرمة إلى العين - مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التى هى من صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق بالأعيان - إشارة إلى حرمة التصرف فى الميتة من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده، حيث جعل العين غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ، وخرج عن حكم الميتة السمك والجراد، للحديث الذى أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر أن رسول الله وسلم قال: أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال وللعرف أيضًا، فإنه إذا ما قال القائل : أكل فلان الميتة لم يسبق الوهم إليهما نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافى وما مات من الجراد بغير سبب، واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة وتحريم ما لا نفس له سائلة خلافًا لمن أباحه))(١). والدم المحرم: ما يسيل من الحيوان الحى كثيرًا كان أم قليلا وكذلك يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته، وهو الذى عبر عنه القرآن بالمسفوح فى قوله - تعالى -: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحًا .. ﴾. والدم المسفوح: هو الدم الجارى المهراق من البهيمة بعد ذبحها. أما الدم المتبقى فى أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شىء فيه. قال القرطبى: وأما الدم فمحرم مالم تعم به البلوى، ومعفو عما تعم به البلوى. والذى تعم به البلوى هو الدم فى اللحم وعروقه ... وقد روت عائشة - رضى الله عنها - قالت: كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره)) لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة، والإِصر والمشقة فى الدين موضوع. وهذا أصل فى الشرع))(٢). وقد عرف عن بعض العرب فى الجاهلية أنهم كانوا يأخذون الدم من البهائم عند ذبحها، فيضعونه فى أمعائها ثم يشوونها بالنار ويأكلونها ويسمون ذلك بالفصيد. قال بعضهم : والحكمة فى تحريم الدم أنه تستقذره النفوس الكريمة، ویفضی شربه أو أكله إلى الإضرار بالنفس، وفضلا عن ذلك فإن تعاطيه يورث ضراوة فى الإِنسان، وغلظة فى الطباع (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٤١. (٢) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٢٢٢. ٣٥٢ المجلد الأول فيصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة التى جاءت لإِتمام مكارم الأخلاق. وحرمة الخنزير شاملة للحمه وشحمه وجلده. وإنما خص لحمه بالذكر، لأنه الذى يقصد بالأكل، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه. وبعض الفقهاء يرى أنه لا بأس من الانتفاع بشعر الخنزير فى الخرازة - أى: خياطة الجلود وغيرها -، وبعضهم كره ذلك. ومن الحكم فى تحريم لحم الخنزير قذارته، واشتماله على دودة تضر ببدن آکله وقد أثبت ذلك العلم الحديث. وما يقوله قوم من أن وسائل العلم الحديث قد تقدمت، وصار فى الإِمكان التغلب على ما فى لحم الخنزير من أضرار هذا القول مردود بأن العلم الحديث قد احتاج إلى ثلاثة عشر قرنًا ليكتشف آفة واحدة فى لحم الخنزير، فمن ذا الذى يجزم بأنه ليس هناك آفات أخرى فى هذا اللحم لم يعرفها العلم حتى الآن؟ إن الشريعة التى سبقت العلم الحديث بأكثر من ثلاثة عشر قرنًا أولى بالاتباع، وأجدر بالطاعة فيما أحلته وحرمته مما يقوله الناس، لأنها من عند الله العليم بشئون عباده، الخبير بما ينفعهم وبما يضرهم. وقوله: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ معطوف على ما قبله من المحرمات. و﴿أهل﴾ من الإِهلال، وهو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقًا، ومنه إهلال الصبى، والإِهلال بالحج. وكانوا فى الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم، وسمى ذلك إهلالا . فالمراد بما أهل به لغير الله : ما ذبح للأصنام وغيرها، ومنه ما يذبحه المجوسى للنار. ومنه عند جمهور العلماء : ذبائح أهل الكتاب إذا ذكر عليها اسم عزير أو عيسى، لأنها مما أهل به لغير الله .. وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقًا، لعموم قوله - تعالى - فى سورة المائدة وهى من آخر السور نزولا : ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ أى ذبائحهم، وهو - سبحانه - يعلم ما يقولون. وروى الحسن عن على - رضى الله عنه - أنه قال: إذا ذكر الكتلبى اسم غير الله على ذبيحته وأنت تسمع فلا تأكل، فإذا غاب عنك فكل، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. وقد روى البخارى عن عائشه - رضى الله عنها - قالت: إن قومًا قالوا للنبى وَّر: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندرى أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه. قالت : ٣٥٣ سورة البقرة وكانوا حديثى عهد بكفر. فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه، بل المحرم ما علم أن غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه. فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لاستقذار الأكل من هذه الثلاثة، أى : لعلة ذاتية فيها، أما تحريم ما أهل به لغير الله فليس لعلة فيه، ولكن للتوجه به إلى غير الله . وهى علة روحية تنافى سلامة القلب، وطهارة الروح، ووحدة المتجه فما ذکر علیه سوى اسم الله من الذبائح ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية، وفى ذلك حض للناس على إخلاص العبادة الله - تعالى -، وزجر لهم عن التقرب إلى أحد سواه. وقوله - تعالى -: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ بيان لحالات الضرورة التى يباح للإِنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات. و﴿اضطر﴾ من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشىء. يقال: اضطره إلى هذا الشىء. أى : أحوجه وألجأه إليه مأخوذ من الإِضرار، وهو حمل الإِنسان على أمر بكرهه، وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك. و﴿باغ﴾ من البغاء وهو الطلب. تقول: بغيته بغاء وبغيا وبغية أى: طلبته. و﴿عاد﴾ اسم فاعل بمعنى متعد، تقول. عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره فهو عاد، ومنه قوله - تعالى - فى شأن قوم لوط: ﴿بل أنتم قوم عادون﴾. و﴿غير﴾ منصوب على الحال من الضمير المستتر فى ﴿اضطر﴾ وهى هنا بمعنى النفى ولذا عطف عليها لا . والمعنى : فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات : حالة كونه غير باغ : أى غير طالب للمحرم وهو يجد غيره، أو غير طالب له لإشباع لذته، أو غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر، أو غير ساع فى فساد ﴿ولا عاد﴾ أى: وغير متجاوز ما يسد الجوع، ويحفظ الحياة ﴿فلا إثم عليه﴾ أى: فلا إثم عليه فى أكله من هذه المحرمات. وبهذا نرى لونا من ألوان سماحة الإسلام ويسره فى تشريعاته، التى أقامها الله - تعالى - على رفع الحرج، ودفع الضرر، قال - تعالى -: ﴿وما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾ وقال - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾. وقوله: ﴿إن الله غفور رحيم﴾ تذييل قصد به الامتنان. أى: إن الله - تعالى - موصوف بهذين الوصفين الجليلين، ومن كان كذلك كان من شأنه أن يعفو عن الخطايا، ويغفر الذنوب، ٣٥٤ المجلد الأول ويشرع لعباده ما فيه يسر لا ما فيه عسر. هذا، وظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى أنه ليس هناك محرم من المطعومات سوى هذه الأربعة، لكنا نعلم فى الشرع أن هناك مطعومات أخرى قد حرم على المسلم تناولها كلحوم الحمر الأهلية، فعلى هذا تكون لفظة ((إنما)) متروكة الظاهر فى العمل - كما قال الإِمام الرازى - أى: أن الحصر فيها غير مقصود وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنعام: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقًا أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾(١). ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة الذين يكتمون ما أمر الله بإظهاره وتوعدهم بأقسى ألوان العذاب فقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَنَا قَلِيلًا أُوْلَكَ مَايَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوأُ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةَ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴿) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّالَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقِبَعِيدٍ ٠ (١٧٦) الكتم والكتمان : إخفاء الشىء قصدًا مع تحقق الداعى إلى إظهاره. وقد تحدث القرآن - قبل هذه الآيات بقليل - فى قوله - تعالى - ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ عن المصير الأليم الذى توعد الله به أولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره، وأعاد الحديث عن سوء عاقبتهم هنا؛ لكى ينذرهم مرة بعد أخرى حتى يقلعوا عن هذه الرذيلة التى هى من أبشع الرذائل وأقبحها، ولكى يغرس فى قلوب الناس - وخصوصا (١) الآية ١٤٥. وراجع كتابنا ((تفسير سورة الأنعام)) فى معنى الآية ص ٣٠٨. ٣٥٥ سورة البقرة العلماء - الشجاعة التى تجعلهم يجهرون بكلمة الحق فى وجوه الطغاة لا يخافون لومة لائم، ويبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدًا سواه، ويبينون للناس ما أمرهم الله ببيانه بطريقة سليمة أمينة خالية من التحريف الكاذب، والتأويل الباطل. قال الإِمام الرازى: قال ابن عباس : نزلت هذه الآية فى رؤساء اليهود وأحبارهم. كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث الله نبيه محمدًا وَر خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمره - عليه السلام - وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية. ثم قال الإِمام الرازى: والآية وإن نزلت فى أهل الكتاب لكنها عامة فى حق كل من كتم شيئًا من باب الدين يجب إظهاره، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب))(١). والمراد بالكتاب، التوراة، أو جنس الكتب السماوية التى بشرت بالنبى وَّ . و﴿من﴾ فى قوله: ﴿من الكتاب﴾ بمعنى فى أى: يكتمون ما أنزل الله فى كتابه من صفة النبى ◌َلـ ونعته ووقت بعثته. وقيل للبيان، وهى حال من العائد على الموصول والتقدير: أنزل الله حال كونه من الكتاب والعامل فيه أنزل. وقوله : ﴿ويشترون به ثمنا قليلا﴾ معطوف على يكتمون. أى: يكتمون ما أنزل الله من الكتاب مما يشهد بصدق النبى وسلم ويأخذون من سفلتهم فى مقابل ذلك عرضًا قليلا من أعراض الدنيا. والضمير فى قوله: ﴿به﴾ يعود إلى ما أنزل الله، أو إلى الكتمان الذى يدل عليه الفعل ﴿يكتمون﴾ أو إلى الكتاب. ووصف هذا الثمن الذى يأخذونه فى مقابل كتمانهم بالقلة، لأن كل ما يؤخذ فى مقابلة إخفاء شىء مما أنزله الله فهو قليل حتى ولو كان ملء الأرض ذهبًا. وقوله - تعالى -: ﴿أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا النار﴾ وما عطف عليه، بيان للعذاب المهين الذى أعدلهم بسبب كتمانهم لما أمر الله بإظهاره وبيعهم دينهم بدنياهم. أى: أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا ما يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار كما قال - تعالى - فى حق أكلة مال اليتامى: ﴿إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرًا﴾. وفى هذه الجملة الكريمة تمثيل لحالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك الثمن القليل (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٥ ص ٢٨، بتصرف. ٣٥٦ المجلد الأول المفضى بهم إلى النار، بحالة من يأكل النار نفسها. ووجه الشبه بين الحالتين : أنه يترتب على أكل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء وشدة الألم، ما يترب على أكل النار ذاتها، إلا أن العذاب الحاصل من أكل النار يقع عندما تمتلىء منها بطونهم، والعذاب الحاصل من أكل المال الحرام يقع عند لقاء جزائه وهو الإِحراق بالنار. وجىء بإسم الإِشارة فى أول هذه الجملة لتمييز أولئك الكاتمين أكمل تمييز حتى لا يخفى أمرهم على أحد، وللتنبيه على أن ما ذكر بعد اسم الإشارة من عقوبات سببه ما فعلوه قبل ذلك من سیئات. وخص - سبحانه - بالذكر الأكل فى بطونهم من بين وجوه انتفاعهم بما يأخذونه من مال حرام، للإشعار بسقوط همتهم ودناءة نفوسهم حتى إنهم ليخفون ما أمر الله بإظهاره من حقائق وهدايات، نظير ملء بطونهم. وقوله: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ أى: لا يكلمهم كلاما تطمئن به نفوسهم، وتنشرح له صدورهم وإنما يكلمهم بما يخزيهم ويفجعهم بسبب سوء أعمالهم كقوله - لهم : ﴿اخسؤا فيها ولا تكلمون﴾. أو أن نفى تكليمه لهم كتابة عن غضبه عليهم، لأن من عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه، كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث. وقوله : ﴿ولا يزكيهم﴾ أى: ولا يطهرهم من دنس الكفر والذنوب بالمغفرة، من التزكية بمعنى التطهير. يقال: زكاه الله، أى: طهره وأصلحه. وتستعمل التزكية بمعنى الثناء، ومنه زكى الرجل صاحبه إذا وصفه بالأوصاف المحمودة وأثنى عليه، فيكون معنى ﴿ولا يزكيهم﴾ لا يثنى عليهم - سبحانه - ومن لا يثنى عليه الله فهو معذب . فهؤلاء الذين كتموا الحق نظير شىء قليل من حطام الدنيا، فقدوا رضا الله عنهم وثناءه عليهم وتطهيره لهم. ٠٠ ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء منقلبهم، وشدة ألم العذاب الذى ينالهم فقال - تعالى - ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أى. موجع مؤلم. قال الألوسى: وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى، لأنه لما ذكر - سبحانه - اشتراءهم بذلك - الثمن القليل - وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية، بدأ أولا فى الخبر بقوله: ﴿ما يأكلون فى بطونهم إلا النار﴾. وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله ثمنًا ٣٥٧ سورة البقرة قليلا، أنهم شهود زور وأحبار سوء، آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله و سلام والموه فقوبلوا بقوله - سبحانه -: ﴿ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾(١). ثم بين - سبحانه - ماهم عليه من جهل وغباء وسوء عاقبة فقال: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة﴾. الاشتراء : استبدال السلعة بالثمن. والمعنى: أولئك الذين تقدم الحديث عنهم وهم الكاتمون لما أنزل الله قد بلغ بهم الغباء وانطماس البصيرة أنهم باعوا الهدى والإِيمان ليأخذوا فى مقابلهما الكفر والضلال، وباعوا ما يوصلهم إلى مغفرة الله ورحمته ليأخذوا فى مقابل ذلك عذابه ونقمته، فما أخسرها من صفقة، وما أغبى هؤلاء الكاتمين الذين فعلوا ذلك نظير عرض من أعراض الدنيا الفانية، فخسروا بما فعلوه دنياهم وآخرتهم. وقوله - تعالى -: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ معناه: فما أدومهم على عمل المعاصى التى تؤدى بهم إلى النار حتى لكأنهم بإصرارهم على عملها يجلبون النار إليهم جلبًا. ويقصدون إليها قصدًا بدون مبالاة أو تفكر. والمراد من التعجب فى هذه الآية وأشباهها، الإِعلام بحالهم وأنه ينبغى أن يتعجب منها كل أحد، وذلك لأن المعنى الظاهر من الجملة التعجب من صبر أولئك الكفار على النار، والتعجب انفعال - يحدث فى النفس عند الشعور بأمر يجهل سببه وهو غير جائز فى حقه - تعالى - لأنه لا يخفى عليه شيء، ومن هنا قال العلماء: إن فعل التعجب فى كلام الله المراد منه التعجيب، أى : جعل الغير يتعجب من ذلك الفعل، وهو هنا صبرهم على النار، فيكون المقصود تعجيب المؤمنين من جراءة أولئك الكاتمين لما أنزل الله على اقترافهم ما يلقى بهم فى النار، شأن الواثق من صبره على عذابها المقيم. وشبیه بهذا الأسلوب فی التعجب - کما أشار صاحب الکشاف - أن تقول لمن یتعرض لما يوجب غضب السلطان : ما أصبرك على القيد والسجن فأنت لا تريد التعجب من صبره، وإنما تريد إفهامه أن التعرض لما يغضبه لا يقع إلا ممن شأنه الصبر على القيد والسجن، والمقصود بذلك تحذيره من التمادى فيما يوجب غضب ذلك السلطان. قال الجمل ما ملخصه وما فى قوله ﴿فما أصبرهم﴾ - وفى مثل هذا التركيب - فيها أوجه : أحدها : وهو قول سيبويه والجمهور أنها نكرة تامة غير موصولة ولا موصوفة وأن معناها التعجب فإذا قلت. ما أحسن زيدًا، فمعناه: شىء صير زيدًا حسنا. (١) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٤٤. ٣٥٨ المجلد الأول والثانى: وإليه ذهب الفراء: أنها استفهامية صحبها معنى التعجب، نحو: ((كيف تكفرون بالله)). والثالث : ويعزى للاخفش : أنها موصولة. والرابع ويعزى له أيضًا: أنها نكرة موصوفة وهى على هذه الأقوال الأربعة فى محل رفع بالابتداء وخبرها على القولين الأولين الجملة الفعلية بعدها، وعلى قولى الأخفش يكون الخبر محذوفًا(١). ثم بين - سبحانه - أن سبب استحقاقهم للعذاب الأليم، هو ارتكابهم لما نهى الله عنه عن قصد وسوء نية فقال: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق﴾. أى: ذلك العذاب الأليم حل بهم بسبب أن الله أنزل التوراة مصحوبة ببيان الحق الذى من جملته التبشير ببعثة النبى محمد بير فكتموا هم هذا الحق وامتدت إليه أيديهم الأثيمة بالتحريف والتأويل إيثارا لمطامع دنيوية على هدى الله الذى هو أساس كل سعادة. فاسم الإِشارة ﴿ذلك﴾ يعود على مجموع ما سبق بيانه من أكل النار، وعدم تكليم الله إياهم، وعدم تزكيتهم .. الخ. والباء فى قوله: ﴿بأن﴾ للسببية، والمراد بالكتاب: التوراة. ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الكاتمين للحق بقوله : ﴿وإن الذين اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد﴾. اختلفوا : خالف بعضهم بعضًا، وأصله من اختلاف الطريق، تقول اختلفوا فى الطريق. أى: جاء بعضهم من جهة والبعض الآخر من جهة أو جهات أخرى. ثم استعمل فى الاختلاف فى المذاهب والاعتقاد. m والكتاب : التوراة، أو التوراة والإنجيل،إذ يصح أن يراد جنس الكتاب والمقام يقتضى صرفه إلى هذين الكتابين، وقد أبعد فى التأويل من قال بأن المراد به القرآن لأن الحديث عن أهل الكتاب الذين كتموا ما فى كتبهم من بشارات بالرسول وس18 واختلافهم فى الكتاب من مظاهره : إيمانهم ببعضه وكفرهم بالبعض الآخر، وتحريفه عن مواضعه وتأويله على غير ما يراد منه .. والشقاق: الخلاف، كأن كل واحد من المختلفين فى شق غير الشق الذى يكون فيه الآخر، (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٤٠. ٠٠٠ ٣٥٩ سورة البقرة وإذا وصف الخلاف بالبعد فهم منه أنه بعيد عن الحق، يقال: قال فلان قولا بعيدًا، أى بعيدًا من الصواب. والمغنى : ذلك العذاب الأليم حل بأولئك الاشقياء بسبب كتمانهم لما أنزله الله فى كتابه من الحق، وإن الذين اختلفوا فى شأن ما أنزله الله فى كتبه فأظهروا منها ما يناسب أهواءهم وأخفوا ما لا يناسبها - لفى بعد شديد عن الحق والصواب : وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت ألوانا من العقوبات الأليمة التى توعد الله بها كل من يكتم أمرًا نهى الله عن كتمانه، لكى يقلع كل من يتأنى له الخطاب عن هذه الرذيلة وفاء للعهد الذى أخذه الله على الناس بصفة عامة، وعلى أولى العلم بصفة خاصة. ثم ساق القرآن الكريم آية جامعة لأنواع البر، ووجوه الخير، تهدى المتمسك بها إلى السعادة الدنيوية والأخروية فقال - تعالى - : هَلَيْسَ الْبِرَّأَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ كِنَّ اَلْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِيْنَ وَءَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِ هِمْ إِذَا عَهَدُوّاً وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧ ﴿البر﴾: اسم جامع لكل خير، ولكل طاعة وقرية يتقرب بها العبد إلى خالقه - عز وجل -. قال الراغب: ((البر - بفتح الباء - خلاف البحر، وتصور منه التوسع فاشتق منه البر - بكسر الباء - بمعنى التوسع فى فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله - تعالى - تارة نحو: ﴿إِنه هو البر الرحيم﴾ وإلى العبد تارة فيقال: بر العبد ربه، أى توسع فى طاعته فالبر من الله. ٣٦٠ المجلد الأول الثواب، ومن العبد الطاعة))(١). وتولية الوجوه قبل الشىء معناه: التوجه إليه بجعل الوجه متجها إلى جهته فلفظ ((قيل)) بمعنى جهة وهو منصوب على الظرفية المكانية. ﴿والمشرق﴾: الجهة التى تشرق منها الشمس، والمغرب: الجهة التى تغرب فيها. قال الإِمام الرازى: اختلف العلماء فى أن هذا الخطاب عام أو خاص. فقال بعضهم : أراد بقوله : ﴿ليس البر﴾ أهل الكتاب لما شددوا فى الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال - تعالى - ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله. وقال بعضهم : بل المراد مخاطبته المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام وقال بعضهم : بل هو خطاب للكل، لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشدد فى تلك القبلة حتى ظنوا أنه الفرض الأكبر فى الدين، فبعثهم الله - تعالى - بهذا الخطاب على أستيفاء جميع العبادات والطاعات، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقًا وغربًا، وإنما البر. كيت وكيت. وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه، فكأنه - تعالى - قال: ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر المطلوب هو هذه الخصال التى عدها))(٢). وهذا القول الثالث- الذى يرى أصحابه أن الخطاب للكل، والذى قال عنه الإِمام · الرازى: هذا أشبه بالظاهر - هذا القول، هو الذى تسكن إليه النفس؛ لأنه لا يوجد نص صحيح يخصص الخطاب لطائفة معينة من الناس ولأن المقصود من الآية الكريمة إنما هو إفهام الناس فى كل زمان ومكان أن مجرد تولية الوجه إلى قبلة مخصوصة ليس هو البر الكامل الذى يعنيه الإِسلام، وإنما البر الكامل يتأنى فى استجابة الإِنسان لتلك الخصال الشريفة التى اشتملت عليها الآية، تلك الخصال التى تجعل المستمسكين بها على صلة طيبة بخالقهم وعلى صلة طيبة بغيرهم، - كما سنبين ذلك عند تعليقنا على هذه الآية الكريمة -. والمعنى : ليس البر - الذى هو كل طاعة يتقرب بها الإِنسان إلى خالقه - فى تولية الوجه عند الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب، وإنما البر الذى يجب الاهتمام به لأنه يؤدى إلى السعادة والفلاح - يكون فى الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفى انفاق المال فى وجوه الخير، وفى اتباع ما ذكرته الآية الكريمة من خصال جليلة. هذا وقد قرأ حمزة وحفص عن عاصم ﴿ليس البر﴾ بنصب البر على أنه خبر ليس، واسمها (١) المفردات فى غريب القرآن ص ٤٠ للراغب الأصفهانى. (٢) تفسیر الفخر الرازى جـ ٥ ص ٣٨.