Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة البقرة والمعنى: ولئن جئت - يا محمد - اليهود ومن على طريقتهم فى الكفر بكل برهان وحجة، بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحول من قبلة بيت المقدس فى الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام، ما صدقوا به، لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة يزيلها الدليل، وإنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما فى كتبهم من أنك على الحق المبين. وما أنت - يا محمد - بتابع قبلتهم، لأنك على الهدى وهم على الضلال وفى هذه الجملة الكريمة حسم لأطماعهم، وتقرير لحقية القبلة إلى الكعبة، بعد أن أشاعوا بأن النبى وَّ لو ثبت على قبلتهم لكانوا يرجون أنه النبى المنتظر، فقطع القرآن الكريم آمالهم فى رجوع النبى تشير إلى قبلتهم، وأخبر بأنه ليس يتابع لها. ثم ذكر القرآن الكريم اختلاف أهل الكتاب فى القبلة، وأن كل طائفة منهم لا تتبع قبلة الطائفة الأخرى فقال تعالى: ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ أى: ما اليهود بمتبعين لقبلة النصارى ولا النصارى بمتبعين لقبلة اليهود، فهم مع اتفاقهم على مخالفتك، مختلفون فى باطلهم وذلك لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس. ثم ساق القرآن الكريم بعد ذلك تحذيرًا للأمة كلها من اتباع أهل الكتاب، وجاء هذا "التحذير فى شخص النبى ◌ّله فقال تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما جاءك من العلم إنك، إذًا لمن الظالمين). أى: لئن اتبعت - يا محمد - قبلتهم - على سبيل الفرض، والتقدير من بعد وضوح البرهان وإعلامى إياك بإقامتهم على الباطل، إنك إذًا لمن الظالمين لأنفسهم، المخالفين لأمرى. فالآية الكريمة : وعيد وتحذير للأمة الإسلامية من اتباع آراء اليهود المنبعثه عن الهوى والشهوة، وسيق الوعيد والتحذير فى صورة الخطاب للرسول ول﴿ الذى لا يتوقع منه أن يتبع أهواءُ أهل الكتاب، تأكيدًا للوعيد والتحذير، فكأنه يقول : لو اتبع أهواءهم أفضل الخليقة، وأعلاهم منزلة عندى، لجازيته مجازاة الظالمين، وأحق بهذه المجازاة وأولى من كانوا دونه فى الفضل وعلو المنزلة إن اتبعوا أهواء المبطلين وهم اليهود ومن كان على شاكلتهم من المشركين. قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم ولهم قبلتان، لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟. قلت: كلتا القبلتين باطلة، مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد فى البطلان قبلة واحدة))(١). (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٢٩. ٣٠٢ المجلد الأول - ثم بين القرآن الكريم أن أهل الكتاب يعرفون صدق الرسول وَله معرفة لا يخالطها شك فقال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). أى: أن أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون صدق رسالة النبى بَّر ويعرفون أن توجهه إلى البيت الحرام حق، كما يعرفون أبناءهم فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية، بالمعرفة الحسية فى أن كلا متهما يقين لا اشتباه فيه. قال الإِمام ابن كثير: ((يخبر الله أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاء به الرسول وَيه كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل فى صحة الشىء بهذا كما جاء فى الحديث أن رسول الله # قال لرجل معه صبى صغير ((إبنك هذا))؟ قال نعم يا رسول الله أشهد به، قال: ((أما إنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه)) ويروى عن عمر أنه قال ((لعبد الله بن سلام)) أتعرف محمدًا وَّرَ كما تعرف ولدك. قال نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين فى الأرض بنعته، وإنى لا أدرى ما كان من أم ولدى، فقبل عمر - رضى الله عنه - رأسه))(١). أى: وإن طائفة من أهل الكتاب مع ذلك التحقيق والإِيقان العلمى من أنك على حق فى كل شئونك ليتمادون فى إخفائه وجحوده، وهم يعلمون ما يترتب على ذلك الكتمان من سوء المصير لهم فى الدنيا والآخرة - ثم ثبت الله تعالى نبيه ويلي والمؤمنين، فأخبرهم بأن ما جاء به الرسول و ◌َر هو الحق الذى لاشك فيه. أى: اعلم - يا محمد - أن ما أوحى إليك وأمرت به من التوجه إلى المسجد الحرام. هو الحق الذى جاءك من ربك، وأن ما يقوله اليهود وغيرهم من المشركين هو الباطل الذى لا شك فيه، فلا تكونن من الشاكين فى كتمانهم الحق مع علمهم به» أو فى الحق الذى جاءك من ربك وهو ما أنت عليه فى جميع أحوالك ومن بينها التوجه إلى المسجد الحرام. والشك غير متوقع من الرسول *، ولذلك قال المفسرون إن النهى موجه إلى الأمة فى شخص نبيّهَا وَّر إذ كان فيها حديثو عهد بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروج به أهل الكتاب شبهًا تعلق بأذهان من لم يرسخ الإِيمان فى قلوبهم. وقد وضح ابن جرير - رحمه الله - هذا المعنى بقوله : فإن قال لنا قائل: ((أوكان النبى ◌َّار شاكا فى أن الحق من ربه أو فى أن القبلة التى وجهه الله إليها حق من الله - تعالى - حتى نهى عن شك فى ذلك فقيل له : ﴿فلا تكونن من الممترين﴾. قيل : ذلك من الكلام الذى تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهى للمخاطب به، والمراد به غيره (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٩٤. : ٣٠٣ سورة البقرة كما قال جل ثناؤه: ﴿يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ ثم قال ﴿واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ فخرج الكلام مخرج الأمر للنبى الهول والنهى له. والمراد به أصحابه المؤمنون به(١). - ثم قال تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات﴾. أى: ولكل أهل ملة فبلة يتجهون إليها فى عباداتهم، فسارعوا أنتم جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التى تكسبكم سعادة الدارين، والتى من جملتها التوجه إلى البيت الحرام. ثم ساق الله - تعالى - وعدًا لمن يطيع أمره، ووعيدًا لمن ينصرف عن الخير. فقال - تعالى -: ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا﴾. أى: فى أى بقعة يدرككم الأجل، وتموتون فيها، يجمعكم الله - تعالى - يوم القيامة. لتقفوا بين يديه للحساب، لأنه - سبحانه - قادر على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم حيث كنتم، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم، كما أنه - سبحانه - قدير على كل شىء، وما دام الأمر کذلك، فبادروا بالأعمال الصالحة شكرًا لربكم، وحافظوا على قبلتكم، حتى لا تضلوا كما ضل اليهود ومن على طريقتهم فى الكفر والعناد. ثم أكد - سبحانه - حكم التحويل، وبين عدم تفاوت الأمر باستقبال المسجد الحرام فى حالتى السفر أو الخضر. فقال - تعالى - : ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ ... أی : ومن أی موضع خرجت وإلی أی مکان آخر سرت، فول - یا محمد - وجهك عند صلاتك إلى المسجد الحرام، وإن هذا التوجه شطره لهو الحق الذى لا شك فيه عند ربك، فحافظوا على ذلك أيها المؤمنون وأطيعوا الله - تعالى - فی کل ما یأمركم به، ویتهاکم عنه، لأنه - سبحانه - ليس بساه عن أعمالكم، ولا بغافل عنها، ولكنه محصيها عليكم، وسيجازيكم الجزاء الذى تستحقونه عليها يوم القيامة. ثم كرر - سبحانه - الأمر للمؤمنين بأن يتجهوا فى صلاتهم إلى المسجد الحرام فقال : ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾. أى : ومن أى مكان خرجت - يا محمد - فول وجهك تلقاء المسجد الحرام، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولوا وجوهكم فى صلاتكم تجاهه ونحوه. ... (١) تفسير ابن جرير جـ ٢ ص ٢٧ . ٣٠٤ المجلد الأول وتلك هى المرة الثالثة التى تكرر فيها الأمر للمؤمنين بالتوجه إلى المسجد الحرام فى صلاتهم، وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن تحول القبلة كان أول نسخ فى الإِسلام - كما قال كثير من العلماء - فاقتضى الأمر تأكيده فى نفوس المؤمنين حتى يستقر فى مشاعرهم، ويذهب ما يثار حولها من شبهات أدراج الرياح، ولأن الله - تعالى - أناط بكل واحد من هذه الأوامر الثلاثة بالتحول ما لم ينط بالآخر من أحكام فاختلفت فوائدها، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه - دَالر وللمؤمنين. الزموا هذه القبلة لأنها هى القبلة التى ترضونها وترغبون فيها وطالما تمنيتموها، والزموها -ا أيضًا - لأنها هى القبلة التى لن تنسخ بعد ذلك. والزموها - كذلك - لأن لزومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين، وغيرهم من المعاندين والخاسرين. وقد اقترن هذا الأمر الثالث بالتوجه إلى المسجد الحرام فى هذه الآية الكريمة بحكم ثلاث. أولها: قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى﴾ والمراد من الناس اليهود ومن لف لفهم من المناوئين للدعوة الإِسلامية. والمعنى عليك - أيها النبى - ومن معك من المؤمنين أن تتجهوا فى صلاتكم إلى الكعبة المشرفة، لكى تقطعوا دابر فتنة اليهود وحجتهم فقد قالوا لكم وقت اتجاهكم إلى بيت المقدس. إذا كان لكم أيها المسلمون دين يخالف ديننا فلماذا تتجهون إلى قبلتنا، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة فاتجاهكم إلى المسجد الحرام من شأنه أن يزيل هذه الحجة التى قد تبدو مقبولة فى نظر ضعاف العقول. وقوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا﴾ استثناء من الناس، والمعنى: لئلا يكون لأحد من اليهود حجة عليكم، إلا المعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا حبًا لدين قومه، واشتياقًا لمكة، وهؤلاء لا تخافون مطاعنهم بل اجعلوا خوفكم منى وحدى ولا تقيموا لما يشاغبون به فى أمر القبلة وغيره وزنا، فإنى كفيل أن أرد عنكم كيدهم وأحبط سعيهم، فأنتم، أيها المؤمنون - ما توجهتم إلى بيت المقدس ثم إلى المسجد الحرام إلا بإذن ربكم وأمره، ففى الحالتين أنتم مطيعون لخالقكم - عز وجل -. وقد أحسن صاحب الکشاف فى شرحه للجملة الكريمة، وصرح بأنه يجوز أن يراد بالناس وبالذين ظلموا مشركو العرب فقال : ﴿إلا الذين ظلموا﴾ استثناء من الناس، ومعناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا ٣٠٥ سورة البقرة للمعاندين منهم، القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبًا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله، فإن قلت : أى حجة كانت تكون للمنصفين منهم لو لم يحول حتى احترز من تلك الحجة، ولم يبال بحجة المعاندين؟. قلت : كانوا يقولون ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور فى نعته فى التوراة؟ فإن قلت: كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟ قلت : لأنهم يسوقونه سياق الحجة، ويجوز أن يكون المعنى : لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض فى ترككم التوجه إلى الكعبة التى هى قبلة إبراهيم وإسماعيل أبى العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة، حين يقولون بداله فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دینهم))(١). وثانيها: قوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتی عليكم﴾ أى: ولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ ولتكون قبلتكم مستقلة عن قبلة اليهود وغيرهم، فالجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى -: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾. وثالثها : قوله - تعالى - : ﴿ولعلكم تهتدون﴾ أى: ولكى ترشدوا للصواب فى كل أموركم فما ضلت عنه الأمم من الحق هديناكم إليه، وخصصناكم به ولهذا كانت أمتكم خير أمة أخرجت للناس. والجملة الكريمة معطوفة على الجملة السابقة وهى قوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتى عليكم﴾. وبذلك تكون الآيات الكريمة التى نزلت فى شأن تحويل القبلة إلى المسجد الحرام قد ثبتت المؤمنين، ودحضت كل شبهة أوردها اليهود وغيرهم فى هذه المسألة. خامسًا: هذا، وفى ختام هذا المبحث نحب أن نجيب على السؤال الخامس، وهو: لماذا فصل القرآن الكريم الحديث عن تحويل القبلة فنقول : لقد شرع الله - تعالى - تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن صلى المسلمون إلى بيت المقدس فترة من الزمان، وكرر الأمر بتولية الوجوه إلى المسجد الحرام عند الصلاة، وأقام الأدلة الساطعة على أن ذلك التحويل هو الحق، وأتى بألوان من الوعيد لمن لم يتبع أوامره، وساق وجوهًا من التأكيدات تدل على عناية بالغة بشأنها. والمقتضى لهذه العناية وذلك التفصيل - مع أن التوجه إليها فرع من فروع الدين - هو أن التحويل من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. كان أول نسخ فى الإِسلام - كما قال بذلك کثیر (١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٢٤٠. ٠ ٣٠٦ المجلد الأول من العلماء - والنسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، فاقتضى الأمر بسط الحديث فى مسألة القبلة ليزدادوا إيمانًا على إيمانهم. م ولأن هذا التحويل - أيضًا - جاء على خلاف رغبة اليهود، فإنهم كانوا يحرصون على : استمرار المسلمين فى التوجه إلى بيت المقدس، لأنه قبلتهم، فلما حصل التحويل إلى المسجد الحرام، اتخذوا منه مادة للطعن فى صحة النبوة ليفتنوا ضعفاء العقيدة، وسلكوا لبلبلة أفكار المسلمين كل وسيلة. فزعموا أن نسخ الحكم بعد شرعه مناف للحكمة، ومباين للعقول، فلا يقع فى الشرائع الإلهية، وساقوا من الشبهات والمفتريات ما بينا بعضه عند تفسيرنا للآيات الكريمة. ويبدو أن شغبهم هذا، كان له آثاره عند ذوى النفوس المريضة وضعاف الإِيمان فلهذا كله أخذت مسألة القبلة شأنًا غير شأن بقية الأحكام الفرعية، فكان مقتضى الحال أن يكون الحديث عنها مستفيضًا، ومدعمًا بالأدلة والبراهين، وهذا ما راعاه القرآن الكريم عند حديثه عن مسألة القبلة، فلقد قرر وكرر، ووعد وتوعد، ووضح وبين، ليدفع كل شبهة، ولیجتث کل حجة، ويزيد المؤمنين إيمانًا على إيمانهم، وينهض بضعفاء الإِيمان إلى منزلة الراسخین فی العلم، ويهوى باليهود ومن حذا حذوهم فى مكان سحيق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن نعمة تحويل القبلة أتبعه بالحديث عن نعمة جليلة أخرى وهى نعمة ارسال الرسول فيهم لهدايتهم فقال - تعالى - : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (١٥) فَاذْكُرُونِيّ ١٥٢ أَذْكُرَّكُمْ وَأَشْكُرُواْلِى وَلَاتَكْفُرُونِ وقوله - تعالى -: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم﴾ .. إلخ متصل بما قبله، والكاف: للتشبيه وهى فى موضع نصب على أنها نعت لمصدر محذوف وما مصدرية، والتقدير: لقد حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام لأتم نعمتى عليكم إتمامًا مثل إتمام نعمتى عليكم بإرسال ! ٣٠٧ سورة البقرة الرسول 18ّ فيكم، إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ... ﴾. وقيل إن قوله - تعالى -: ﴿كما أرسلنا﴾ .. إلخ متصل بما بعده، فتكون الكاف للمقابلة، أى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين القويم، والخلق المستقيم ومنحتكم هذه النعمة فضلا منى وكرمًا، فاذكرونى بالشكر عليها أذكركم برحمتى وثوابى. وقوله: ﴿فيكم﴾ متعلق ((بأرسلنا)) وقدم على المفعول تعجيلا بإدخال السرور: وقوله: ﴿منكم﴾ فى موضع نصب، لأنه صفة لقوله: ﴿رسولا﴾ والمخاطبون بهذه الآية الكريمة هم العرب. وفى إرساله الرسول وسي﴿ فيهم وهو منهم نعمة تستوجب المزيد من الشكر، لأن إرساله منهم يسبقه معرفتهم لنشأته الطيبة وسيرته العطرة، ومن شأن هذه المعرفة أن تحملهم على المسارعة إلی تصدیقه والإيمان به، ولأن فی إرساله فیھم وهو منهم شرف عظیم لهم، ومجد لا یعد له مجد، حيث جعل - سبحانه - خاتم رسله من هذه الأمة، ولأن المشهور من حالهم الأنفة الشديدة من الانقياد، فكون الرسول منهم ادعى إلى إيمانهم به وقبولهم لدعوته. وقوله : ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾ صفة ثانية للرسول الخلية . والتلاوة : ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق، وأصله من الإِتباع ومنه تلاه، أى : تبعه. والمراد من الآيات: آيات القرآن الكريم، وتلاوتها قراءتها، فإن البصير بأساليب البيان العربى يدرك من مجرد تلاوة آيات القرآن كيف ارتفع إلى الذروة التى كان بها معجزة ساطعة. وفى هذه الجملة - كما قال الألوسى - ((إشارة إلى طريق إثبات نبوته - عليه الصلاة والسلام - لأن تلاوة الأمى للآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإِخبار بالمغيبات والمصالح التى ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أفوى دليل على نبوته))(١): : وعبر بقوله: ﴿يتلو)، لأن نزول القرآن مستمر، وقراءة النبى وَّ له متوالية، وفى كل قراءة يحصل علم المعجزات للسامعين. ويجوز أن يراد بالآيات : دلائل التوحيد والنبوة والبعث، وبتلاوتها التذكير بها حتى يزداد المؤمنون إيمانًا بصدقها . وقوله: ﴿ويزكيكم﴾ صفة ثالثة للرسول ◌َ ، أى: ويطهركم من الشرك، ومن الأخلاق الذميمة. وإذا أشرقت النفوس بنور الحق، وتحلت بالأخلاق الحميدة، قوبت على تلقى ما يرد عليها من الحقائق السامية. (١) تفسير الألوسى جـ ٢ ص ١٨ ط منير الدمشقى. : ٣٠٨ المجلد الأول وقوله: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة﴾ صفة رابعة للرسول واله. والمراد بالكتاب : القرآن، وتعليمه بيان ما يخفى من معانيه، فهو غير التلاوة، فلا تكرار بين قوله ﴿يتلو عليكم أياتنا﴾ وبين قوله ﴿ويعلمكم الكتاب﴾. والحكمة: ما يصدر عنه وَّر من الأقوال والأفعال التى جعل الله للناس فيها أسوة حسنة. قال بعضهم: وقدمت جملة ﴿ويزكيكم) هنا على جملة ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة﴾ عكس ما جاء فى الآية السابقة فى حكاية قول إبراهيم ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك وبعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم﴾ لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين، فقدم ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم وهى منفعة تزكية نفوسهم اهتمامًا بها، وبعثًا لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلا للبشارة بها. أما فى دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته فى الخارج، مع ما فى ذلك التخالف من التفنن))(١). وقوله - تعالى -: ﴿ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون﴾ صفة خامسة له وآله. أى: ((ويعلمكم مالم تكونوا تعلمونه ممالا طريق إلى معرفته سوى الوحى. ومما لم يكونوا يعلمونه وعلمهم إياه على وجوه استنباط الأحكام من النصوص أو الأصول المستمدة منها، وأخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وغير ذلك مما لم تستقل بعلمه عقولهم. ويهذا النوع من التعليم صار الدين كاملا قبل انتهاء عهد النبوة. ولقد كان العرب قبل الإسلام فى حالة شديدة من ظلام العقول وفساد العقائد ... فلما أكرمهم الله - تعالى - برسالة رسوله وير وتلا عليهم الآيات، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، خرج منهم رجال صاروا أمثالا عالية فى العقيدة السليمة، والأخلاق القويمة والأحكام العادلة، والسياسة الرشيدة لمختلف البيئات والنزعات. قال الآلوسي: وكان الظاهر أن يقول: ((ويعلمكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون)) . بحذف الفعل ((يعلمكم)) من الجملة الأخيرة، ليكون الكلام من عطف المفرد على المفرد، إلا أنه - تعالى - كرر الفعل للدلالة على أنه جنس آخر غير مشارك لما قبله أصلا، فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله ◌َ* نعمة عظيمة، ولولاه لكان الخلق متحيرين فى أمر دينهم لا يدرون ماذا يصنعون))(٢). (١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢ ص ٤٥ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور. (٢) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ١٩. ٣٠٩ سورة البقرة ثم أمر الله عباده بأن يكثروا من ذكره وشكره على ما أسبغ عليهم من نعم فقال : ﴿فاذكرونی أُذکرکم .. ﴾. ذكر الشىء: التلفظ باسمه، ويطلق بمعنى استحضاره فى الذهن، وهو ضد النسيان وذكر العباد لخالقهم قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح. فذكرهم إياه بألسنتهم معناه : أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه، ويقرءوا كتابه، مع استحضارهم لعظمته وجلاله. وذكرهم إياه بقلوبهم معناه أن يتفكروا فى الدلائل الدالة على ذاته وصفاته وفى تكاليفه وأحكامه، وأوامره ونواهيه، وأسرار مخلوقاته، لأن هذا التفكر يقوى إيمانهم، ويصفى نفوسهم . وذكرهم إياه بجوارحهم معناه : أن تكون جوارحهم وحواسهم مستغرقة فى الأعمال التى أمروا بها، منصرفة عن الأفعال التى نهوا عنها، ولكون الصلاة مشتملة على هذه الثلاثة سماها الله - تعالى - ذكرًا فى قوله: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ... ﴾. وقوله: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة فلذلك جزم. والمعنى : اذكرونى بالطاعة والاستجابة لما أمرتكم به والبعد عمانهيتكم عنه أذكركم بالرعاية، والنصرة، وصلاح الأحوال فى الدنيا، وبالرحمة وجزيل الثواب فى الآخرة. فالذكر فى قوله ((أذكركم)) مستعمل فيما يترتب على الذكر من المجازاة بما هو أوفى وأبقى، كما أن قوله ((فاذكرونى)) المراد به: اذكروا عظمتى وجلالى ونعمى عليكم، لأن هذا التذكر هو الذى يبعث على استفراغ الوسع فى الأقوال والأعمال التى ترضى الله. قال صاحب المنار: وقال الأستاذ الإِمام : هذه الكلمة - وهى قوله - تعالى - ﴿فاذكرونى أذكركم﴾ - من الله - تعالى - كبيرة جدًّا، كأنه يقول: إننى أعاملكم بما تعاملوننى به وهو الرب ونحن العبيد، وهو الغنى عنا ونحن الفقراء إليه. وهذه أفضل تربية من الله لعباده : إذا ذكروه ذكرهم بإدامة النعمة والفضل، وإذا نسوه نسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل(١))). هذا، وقد وردت أحاديث متعددة فى فضل الذكر والذاكرين، ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة قال: قال رسول الله و ﴿ يقول الله - تعالى -: أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه حین یذکرنى. فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى. وإن ذكرت فى ملأ ذكرته فى ملأ خير (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٣٢. - ٣١٠ المجلد الأول منهم. وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا. وإن تقرب إلى ذراعًا تقربت إلى باعا. وإن أتانى يمشي أتيته هرولة)). وروى مسلم عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة: أنهما شهدا على النبى وَّ أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله - تعالى - إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)). · قال الإِمام النووى: واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة فى التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحو ذلك، بل كل عامل الله - تعالى - بطاعة فهو ذاكر لله - تعالى -. وقوله - تعالى -: ﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾ معطوف على ما قبله. والشكر فى اللغة - كما يقول القرطبى - الظهور، ومنه قولهم : دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف. وحقيقته : عرفان الإِحسان وإظهاره بالثناء على المحسن، يقال شكره وشكر له كما يقال نصحه ونصح له. وأصل الكفر فى كلام العرب الستر والتغطية والجحود، ويستعمل بمعنى عدم الإِيمان فيتعدى بالباء فيقال : كفر بالله، ويستعمل بمعنى عدم الشكر - وهو المراد هنا - فيتعدى بنفسه، فيقال: كفر النعمة أى جحدها وكفر المنعم أى جحد نعمته ولم يقابلها بالشكر. والمعنى: اشكروا لى ما أنعمت به عليكم من ضروب النعم، بأن تستعملوا النعم فيما خلقت له، وبأن تطيعونى فى السر والعلن، وحذار من أن تجحدوا إحسانى إليكم، ونعمى علیکم فاسلبکم إياها. . قال - تعالى -: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾(١). وقدم - سبحانه - الأمر بالذكر على الأمر بالشكر، لأن فى الذكر اشتغالا بذاته - تعالى -، وفى الشكر اشتغالا بنعمته، والاشتغال بذاته أولى بالتقديم من الاشتغال بنعمته. وقوله ﴿ولا تكفرون﴾ تأكيد لقوله ﴿واشكروا لى﴾. وهذا تحذير لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقع فيه بعض الأمم السابقة التى ﴿كفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون﴾. وبعد أن أمر - سبحانه - عباده بذكره وشكره، وجه نداء إليهم بين لهم فيه ما يعينهم على ذلك، كما بين لهم منزلة الشهداء، وعاقبة الصابرين على البلاء فقال - تعالى - : (١) سورة إبراهيم الآية ٦. ٦ ٣١١ سورة البقرة يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ١٥٣١٠ ءَامَنُواْ أُسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ٠٠٠٠٠ وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيَةٌ وَلَكِن ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ لَّا تَشْعُرُونَ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴿١٦) الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوَاْإِنَّاللَّهِ وَ إِنَّإِلَيْهِ رَجِعُونَ ٥ٌ أَوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ زَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ lov هُمُ الْمُهْتَدُونَ الصبر: حبس النفس على احتمال المكاره، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع. والمعنى : يامن آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى فعل الطاعات وترك المعاصى، وعلى احتمال المكاره التى تجرى بها الأقدار، استعينوا على كل ذلك بالصبر الجميل وبالصلاة المصحوبة بالخشوع والإِخلاص والتذلل للخالق - عز وجل - فإن الإِيمان الذى خالط قلوبكم يستدعى منكم القيام بالمصاعب، واحتمال المكاره، ولقاء الأذى من عدو أو سفيه، ولن تستطيعوا أن تتغلبوا على كل ذلك إلا بالصبر والصلاة. ولقد استجاب النبى 18َ لهذا التوجيه الربانى، وتأسى به أصحابه فى ذلك، فقد أخرج الإِمام أحمد - بسنده - عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله # ((كان إذا حزبه أمر صلى))(١) : أى: إذا شق عليه أمر لجأ إلى الصلاة لله رب العالمين. وافتتحت الآية الكريمة بالنداء، لأن فيه إشعارًا بخبر مهم عظيم، فإن من شأن الأخبار العظيمة التى تهول المخاطب أن يقدم قبلها ما يهىء النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفجأها. ...... (١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٩٦. ـبـ شنبـ ٣١٢ : المجلد الأول ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، أن الله - تعالى - قد أمر بنى إسرائيل فى السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال : ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ إلا أنه - سبحانه - قال لهم: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال، ولم يقل - سبحانه - للمؤمنين ذلك فى الآية التى معنا، للإيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك. وقوله - تعالى -: ﴿إن الله مع الصابرين) بيان لحكمة الاستعانة بالصبر وهو الفوز والنصر. أى: إن الله مع الصابرين بمعونته ونصره، وتوفيقه وتسديده فهى معية خاصة، وإلا فهو - سبحانه - مع جميع خلقه بعلمه وقدرته. وقال - سبحانه -: ﴿إن الله مع الصابرين) ولم يقل ((مع المصلين)) لأن الصلاة المستوفية لأركانها وسننها وخشوعها لا تتم إلا بالصبر، فالمصلون بحق داخلون فى قوله - تعالى -: ﴿إِن الله مع الصابرين﴾. ولم يقل ((معكم)) ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم. قال الأستاذ الإِمام : إن من سنة الله : - تعالى - أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، لأنه - سبحانه - جعل هذا الصبر سببًا للظفر، إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذى هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته(١). ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتًا فقال: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات. بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾. قال ابن عباس - رضى الله عنهما - : نزلت هذه الآية فى قتلى غزوة بدر، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا : ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا. وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم طلبًا لمرضاة محمدُ من غير فائدة، فنزلت هذه الآية (٢). والسبيل : الطريق وسبيل الله : طريق مرضاته، وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و((أموات)) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: لا تقولوا هم (١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٣٧. (٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ١٢٣ . ..- ٣١٣ سورة البقرة أموات وكذلك قوله ((أحياء خبر لمبتدأ محذوف أى: هم أحياء. قال الألوسى: ((والجملة معطوفة على ((لا تقولوا)) اضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون فى حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء، لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا فى شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك أيضًا صحيحًا))(١). أى: لا تقولوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه إنهم أموات، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت، بل هم أحياء - فى عالم غير عالمكم كما قال - تعالى -: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتًا، بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾. وقوله : ﴿ولكن لا تشعرون﴾ أى: لا تحسون ولا تدركون حالهم بالمشاعر، لأنها من شئون الغيب التى لا طريق للعلم بها إلا الوحى. قال الألوسى ما ملخصه : ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا فى شأن الشهداء أموات، إما أن يكون دفعًا لإِيهام مساواتهم لغيرهم فى ذلك البرزخ ... وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون فى شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبدًا ... ثم قال: وقد اختلف فى هذه الحياة التى يحياها أولئك الشهداء عند ربهم: فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها فى هذه النشأة واستدلوا بسياق قوله - تعالى -: ﴿عند ربهم يرزقون﴾ وبأن الحياة الروحانية التى ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم. وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون لا ينافى ذلك .. وذهب البلخى إلى نفى الحياة عنهم وقال ؛ معنى ﴿بل أحياء﴾ إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء. فالآية على حد قوله - تعالى - ﴿إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم﴾ .. وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل، كما روى عن على أنه قال: ((هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة وآثارهم فى القلوب موجودة)). ثم قال: ((ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - فى غاية الضعف، بل نهاية البطلان، والمشهور ترجيح، القول الأول)). " (١) تفسير الآلوسى جـ ٢ ص ٢٠. ٣١٤ المجلد الأول والذى نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس، وهى أنهم فى حياة سارة، ونعيم مقيم عند ربهم، وهذه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال فى غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوى للموت حاصلا لهم، ونحن نؤمن بهذه الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله - تعالى - إلا أننا نفوض كيفيتها وكنهها إليه - سبحانه - إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق إلوحى، كما قال - تعالى -: ﴿ولكن لا تشعرون﴾ أى: لا تشعرون بحياتهم بعد مفارقتهم لهذه الدنيا، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب. وبعد أن طلب - سبحانه - من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال المكاره، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التى لا يمر فيها الإنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - ﴿ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات﴾. وقوله : ﴿ولنبلونكم﴾ من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير: والله لنبلونكم. وقوله: ﴿ولنبلونكم﴾ عطف على قوله: ﴿واستعينوا﴾ الخ، عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد : ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلى الأحوالكم : والتنوين فى قوله: ﴿بشىء﴾ للتقليل. أى بقليل من كل واحد من هذه البلايا والمحن وهى الخوف وما عطف عليه. وإنما قلل - كما قال الزمخشرى - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم فى كل حال لا تزايلهم، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين. و﴿الخوف﴾ غم يلحق النفس لتوقع مكروه، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لاهم له إلا إيذاؤها بما تكره. و﴿الجوع﴾ ضد الشبع، والمراد منه القحط، وتعذر تحصيل القوت، والحاجة الملحة إلى طعام . و ﴿الأموال﴾ جمع مال، وهو ما يملك مما له قيمة، وجرى للعرب عرف باستعماله فى النعم خاصة - وهى الإِبل والبقر والغنم -. ٣١٥ سورة البقرة و ﴿الثمرات﴾: جمع ثمرة وهى حمل الشجر، وقد تطلق على الشجر والنبات نفسه. والمعنى : ولنصيبنكم بشىء من الخوف وبشىء من الجوع، وبشىء من النقص فى الأنفس والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله - تعالى -. ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل فى غزوة الأحزاب. وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبى ◌َ* يشد الحجر على بطنه. وحدث لهم نقص فى أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله. وحدث لهم نقص فى أنفسهم بسبب قتالهمٍ لأعدائهم. ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيمانًا وتسليمًا لقضاء الله وقدره، واستمساكا بتعاليم دينهم وهذا البلاء وتلك الآلام لابد منها ليؤدى المؤمنون تكاليف العقيدة، كى تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا فى سبيلها من تكاليف، إذ العقائد الرخيصة التى لا يؤدى أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم، وحط من مراتبهم، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبى نزَلچر. قال الإِمام الرازى: وأما الحكمة فى تقديم تعريف هذا الابتلاء. أى الإِخبار به قبل ... وقوعه : ففيها وجوه : أحدها : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود. وثانيها : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب. وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا النبى وَالر وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل فى دلائله. ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع فى أعظم المحن بسبب المذهب الذى ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصرًا على ذلك المذهب : كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذاً رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه فى ذلك المذهب. ورابعها : أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه. فكان إخبارًا عن الغيب فكان معجزًا. ٣١٦ المجلد الأول وخامسها : أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعًا فى المال وسعة الرزق، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق. وسادسها: أن إخلاص الإِنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه. فكانت الحكمة فى هذا الابتلاء ذلك(١). ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر عاقبة الصبر، وجزائه الأسنى، فقال: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ . الخطاب فى قوله: ﴿وبشر﴾ للنبى وَّليل أو لكل من تتأتى منه البشارة. والجملة عطف على ((لنبلونكم)) عطف المضمون على المضمون أى: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر. و ﴿المصيبة﴾ اسم فاعل من الإصابة، والمراأ بها الآلام الداخلة على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن. و﴿راجعون﴾ من الرجوع بمعنى مصير الشىء إلى ما كان عليه، يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا ملكها مرة ثانية، وهو نظير العود والمصير. ٠٠٠ .. والمعنى: وبشر يا محمد بالرحمة العظيمة والإِحسان الجزيل، أولئك الصابرين الذين من صفاتهم أنهم إذا نزلت بهم مصيبة، فى أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم، أو غير ذلك، قالوا : بألسنتهم وقلوبهم على سبيل التسليم المطلق لقضاء الله والرضا بقدره ﴿إنا لله﴾ أى: إنا لله ملكا وعبودية، والمالك يتصرف فى ملكه ويقلبه من حال إلى حال كيف يشاء، ((وإنا إليه راجعون)) أى: وإنا إليه صائرون يوم القيامة فيجازينا على ما أمرنا به من الصبر والتسليم لقضائه عند نزول الشدائد التى ليس فى استطاعتنا دفعها. فقولهم: ﴿إِنا الله﴾ إقرار بالعبودية والملكية لله رب العالمين. وقولهم ((وإنا إليه راجعون)) إقرار بصحة البعث والحساب والثواب والعقاب يوم القيامة. وليست هذه البشارة موجهة إلى الذين يقولون بألسنتهم هذا القول مع الجزع وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وإنما هذه البشارة موجهة إلى الذين يتلقون المصائب بالسكينة والتسليم لقضاء الله لأول حلولها، يشير إلى هذا قوله - تعالى -: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا﴾ فإنه يدل على أنهم يقولون ذلك وقت الإصابة ((ويصرح بهذا قوله ﴿ ((الصبر عند الصدمة الأولى)). (١) تفسير الرازى جـ ٤ ص ١٦٨ طبعة عبد الرحمن محمد. ٣١٧ سورة البقرة وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى -: ﴿الذين إذا أصابتهم﴾ .. الخ وصف كريم لأولئك الصابرين، لأنها أفادت أن صبرهم أكمل الصبر، إذ هو صبر مقترن ببصيرة مستنيرة جعلتهم يقرون عن عقيدة صادقة أنهم ملك لله يتصرف فيهم كيف يشاء، ومن ربط نفسه بعقيدة أنه ملك لله وأن المرجع إليه، يكون بذلك قد هيأها للصبر الجميل عند كل مصيبة تفاجئه . قال القرطبى: جعل الله هذه الكلمات وهى قوله - تعالى -: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون) ملجأ لذوى المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعانى المباركة، فإن قوله ((إنا لله)) توحيد واقرار بالعبودية والملك وقوله ﴿وإنا إليه راجعون﴾ إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير: لم تعط هذه الكلمات نبيًّا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف))(١). هذا، ولا يتنافى مع الصبر ما يكون من الحزن عند حصول المصيبة، فقد ورد فى الصحيحين أن النبى ◌َ ر بكى عند موت ابنه إبراهيم وقال: العين تدمغ، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)). وإنما الذى ينافيه ويؤاخذ الإِنسان عليه، الجزع المفضى إلى إنكار حكمة الله فيما نزل به من بأساء أو ضراء، أو إلى فعل ما حرمه الإِسلام من نحو النياحة وشق الجيوب، ولطم الخدود. ثم بين - سبحانه - ما أعده للصابرين من أجر جزيل فقال : ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون﴾. ﴿أولئك﴾ اسم اشارة، أتى به - سبحانه - للتنبيه على أن المشار إليه هم الموصوفون بجميع الصفات السابقة على اسم الإِشارة، وأن الحكم الذى ورد بعد مترتب على هذه الأوصاف. و ﴿الصلوات﴾ جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء والعطف والمغفرة. وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخيرات فى الدنيا والآخرة. ﴿الرحمة) - كما هو مذهب السلف - صفة قائمة بذانه - تعالى - لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذى هو الإِحسان. وعطف - سبحانه - الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك الإِقبال منه على عباده إنعامًا واسعًا، وعطاء جزيلا فى الدنيا والآخرة. (١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ١٧٦ طبعة دار الكتب الطبعة الثانية سنة ١٣٧٣ هـ. ٣١٨ المجلد الأول وجاءت الرحمة مفردة على أصل المصادر وهو الإِفراد، والمقام فى الآية يذهب يذهن السامع إلى كثرة الإِنعام المترتب على الصبر الجميل. والجملة ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ استثنافية جواب عن سؤال تقديره: بماذا بشر الله الصابرين؟ فكان الجواب: أولئك عليهم صلوات ... إلخ. . والمعنى : أولئك الصابرون المحتسبون الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، عليهم مغفرة عظيمة من خالقهم، وإحسان منه - سبحانه - يشملهم فى دنياهم وآخرتهم ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ لطريق الصواب بالتسليم وقت صدمة المصيبة دون غيرهم ممن جزعوا عند صدمتها، حتى صدر عنهم ما لم يأذن به الله. هذا، وفى فضل الصبر والصابرين وردت آيات كثيرة، وأحاديث متعددة أما الآيات فيزيد عددها فى القرآن على سبعين آية منها قوله - تعالى - : ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ وقوله ﴿وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ وقوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ وقوله: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وأما الأحاديث فمنها ما جاء فى صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله وَ لآه يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيرًا منها إلا أجره الله فى مصيبته وأخلف له خيرا منها. قالت : فلما توفى أبو سلمة قلت : من خير من أبى سلمة : صاحب رسول الله؟ ثم عزم الله لى فقلتها : قالت : فتزوجنى رسول الله وَالخير . ومنها ما رواه الإِمام أحمد بسنده عن أبي سنان قال : دفنت ابنا لى. وإنى لفى القبر أخذ بيدی أبو طلحة ((يعنى الخولاني)) فأخرجنى وقال: ألا أبشرك؟ قال قلت: بلى. قال: حدثنى الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبي موسى الأشعرى قال: قال رسول الله وَلّ قال الله - تعالى - : يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال : نعم. قال فماذا قال؟ قال حمدك واسترجع. قال الله - تعالى -: ابنوا له بيتا فى الجنة وسموه بيت الحمد. ومنها ما رواه الشيخان عن أبى سعيد وأبى هريرة عن النبى وَ لإر قالٍ: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولاهم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه . ٣١٩ سورة البقرة إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى ثواب الاسترجاع وفى أجر الصابرين وفضلهم. ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَبِاللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّاللّهَ شَاكِرُ عَلِيهُ (١٥٨) قال الآلوسي : بعد أن أشار - سبحانه - فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان معالم الحج، فكأنه جمع بين الحج والغزو، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال. وقيل لما ذكر الصبر عقبه يبحث الحج لما فيه من الأمور المحتاجة إليه))(١). و ﴿الصفا﴾ فى اللغة: الحجر الأملس، مأخوذ من صفا يصفو إذا خلصَ، واحده صفاة فهو مثل حصى وحصاة ونوى ونواة. و﴿المروة﴾ فى أصل اللغة: الحجر الأبيض اللين، وقيل: الحصاة الصغيرة. وهما - أى الصفا والمروة - قد جعلا علمين لجبلين معروفين بمكة كانا على بعد ما يقرب من ألف ذراع من المسجد الحرام. والألف واللام فيهما للتعريف لا للجنس. ومع توسعة المسجد الحرام صارا متصلین به. و ﴿الشعائر﴾ جمع شعيرة، من الإِشعار بمعنى الإعلام، ومنه قولك شعرت بكذا، أى: علمت به . وكون الصفا والمروة من شعائر الله، ى: أعلام دينه ومتعبداته. تعبدنا الله بالسعى بينهما فى الحج والعمرة. وشعائر الحج ؛ معالمه الظاهرة للحواس، التى جعلها الله أعلاما لطاعته، ومواضع نسكه وعباداته، كالمطاف والمسعى والموقف والمرمى والمنحر. وتطلق الشعائر على العبادات التى تعبدنا الله بها فى هذه المواضع، لكونها علامات على الخضوع والطاعة والتسليم لله - تعالى -. (١) تفسير الآلوسي جـ ٢ ص ٣٤. ٣٢٠ المجلد الأول وأكدت الجملة الكريمة بإن لأن بعض المسلمين كانوا مترددين فى كون السعى بين الصفا والمروة من شعائر الله، وكانوا يظنون أن السعى بينهما من أحوال الجاهلية، كما سنبين بعد قليل. وقوله: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ تفريع على كونهما من شعائر الله وأن السعى بينهما فى الحج والعمرة من المناسك. والحج لغة: القصد مطلقًا أو إلى معظم. وشرعا: القصد إلى البيت الحرام فى زمان معين بأعمال مخصوصة. و﴿اعتمر﴾ أى: زار. والعمرة الزيارة مأخوذة من العمارة كأن الزائر يعمر البيت الحرام بزيارته. وشرعا الزيارة لبيت الله المعظم بأعمال مخصوصة وهى: الإِحرام والطواف والسعى بين الصفا والمروة. و﴿الجناح﴾ - بضم الجيم - الإِثم والحرج مشتق من جنح إذا مال عن القصد، وسمى الإِثم به للميل فيه من الحق إلى الباطل. و﴿يطوف﴾ أصلها يتطوف، فأبدلت التاء طاء، وأدغمت فى الطاء فصارت ((يطوف. والتطوف بالشىء كالطواف به، ومعناه: الإلمام بالشىء والمشى حوله. وقد فسر النبى - * - الطواف بالنسبة للكعبة بالدوران حولها سبعة أشواط. وفسره بالنسبة للصفا والمروة بالسعى بينهما سبعة أشواط كذلك. و((من)) فى قوله: ﴿فمن حج﴾ شرطية، ((وحج)) فى محل جزم بالشرط، و﴿البيت﴾ منصوب على المفعولية، وجملة ((فلا جناح عليه أن يطوف بهما)) جواب الشرط. والمعنى: إن الصفا والمروة من شعائر الله، أى: من المواضع التى يقام فيهما أمر من أمور دينه وهو السعى بينهما ﴿فمن حج البيت﴾ أى: قصده بالأفعال المعينة التى شرعها الله ﴿أو اعتمر﴾ أى: أتى بالعمرة كما بينتها تعاليم الإسلام ((فلا جناح عليه أن يطوف بهما)) أى: فلا إثم ولا حرج ولا مؤاخذة عليه فى الطواف بهما، لأنهما مطلوبان للشارع، ومعدودان من الطاعات. وهنا قد يقول قائل : إن بعض الذين يقرءون هذه الآية قد يشكل عليهم فهمها وذلك لأن قوله - تعالى -: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ يدل على أن الطواف بهما مطلوب شرعًا طلبا أقل درجاته الندب، وقوله - تعالى -: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ يقتضى رفع الأثم عن المتطوف بهما، والتعبير برفع الإِثم عن الشىء يأتى فى مقام الدلالة على إباحته، وإذن فما الأمر الداعى إلى أن يقال فى هذه الشعيرة : لا إثم على من يفعلها بعد التصريح بأنها من شعائر الله؟ وللإِجابة على هذا القول نقول. إن الوقوف على سبب نزول الآية الكريمة يرفع هذا