Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة البقرة
ثم ساق القرآن للنبى ◌َ﴿ ما يسلبه ويثبته فقال:
إِنَّا أَرْسَلْتَكَ
بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَلَا تُشْتَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ (
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَّى تَّعَ مِلَتْهُمُّ قُلْ إِنَّ
هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْهُدَىْ وَلَبِنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَاءَ هُمْ بَعْدَ الَّذِى جَآءَ
مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ الَهِ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ ﴿٣) الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ
اُلْكِتَبَ يَتْلُونَهُ(حَقَّ تِلاَوَتِهِ، أَوْلَبِكَ يُؤْمِنُونَبِهِ،وَمَنيَكفرْبهِ،
ے
١٢
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
وقوله: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا﴾ معناه: إنا أرسلناك يا محمد بالدين الصحيح
المشتمل على الأحكام الصادقة، لتبشر بالثواب من آمن وعمل صالحًا، وتنذر بالعقاب من كفر
وعصى .
وصدرت الآية الكريمة بحرف التأكيد، لمزيد الاهتمام بهذا الخبر، وللتنويه بشأن الرسول
وجىء بالمسند إليه ضمير الجلالة، تشريفًا للنبى و﴿ فكأن الله - تعالى - يشافهُه بهذا.
الكلام بدون واسطة، ولذا لم يقل له إن الله أرسلك.
وقوله: ﴿بالحق﴾ متعلق بأرسلناك. واالحق: مأخوذ من حق الشىء، أى: وجب وثبت،
ويطلق الحق على الحكم الصادق المطابق للواقع، ويسمى الدين الصحيح حقًا لاشتماله على
الأحكام الصادقة . .
وقوله: ﴿بشيرًا ونذيرًا﴾ حالان، والبشير: المبشر، وهو المخبر بالأمر السار للمخبر به الذى
لم يسبق له علم به. والنذير: المنذر، وهو المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه ..
وجملة ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ معطوف على جملة ﴿إنا أرسلناك﴾.
والجحيم : المتأجج من النار. وأصحابها: الملازمون لها. والسؤال: كناية عن المؤاخذة
واللوم.
رون يهلاترد

٢٦٢
المجلد الأول
والمعنى : لا تذهب نفسك عليهم حسرات یا محمد، فإن وظيفتك أن تبشر وتنذر ولست بعد .
ذلك مؤاخذًّا ببقاء الكافرين على كفرهم، ولست مسئولا عن عدم اهتدائهم ﴿فإنما عليك
البلاغ وعلينا الحساب﴾.
وفی وصفهم بأنهم أصحاب الجحيم، إشعار بأنهم قد طبع على قلوبهم، فصاروا لا يرجى
منها الرجوع عن الكفر.
وفى هذه الجملة مع قوله: ((بشيرًا ونذيرًا)) تسلية للرسول ◌َل حيث لم يؤمن به أولئك
الجاحدون المتعنتون .
ثم بين القرآن موقف أهل الكتاب من الدعوة الإسلامية فقال: ﴿ولن ترضى عنك اليهود
ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾.
الملة: الطريقة المسلوكة، ثم جعلت اسما لما شرعه الله لعباده على لسان نبيه ليتوصلوا إلى
السعادة الدائمة، وقد تطلق على ما ليس حقًّا من الأديان المنحرفة أو الباطلة، كما حكى القرآن
عن يوسف عليه السلام - أنه قال :
﴿إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون﴾.
وأفرد القرآن الملة فقال - تعالى - ملتهم - ((مع أن لكل من اليهود والنصارى ملة خاصة،
لأن الملتين بالنظر إلى مخالفتهما لدين الإِسلام وما طرأ عليهما من التحريف بمنزلة واحدة، فاتباع
إحداهما كاتباع الأخرى فى قلة الانتفاع به.
ومعنى الغاية فى قوله: ((حتى تتبع ملتهم الكناية عن اليأس من اتباع أهل الكتاب الشريعة
الإِسلام، لأنهم لما كانوا لا يرضون إلا بإتباعه وَ ر ملتهم وكان اتباع النبى ◌َّ لملتهم
مستحيلا، فقد صار رضاهم عنه كذلك مستحيلا، فالجملة الكريمة مبالغة فى الإِقناط من
إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه.
ثم لقن الله - تعالى - نبيه - ﴿ل الجواب فقال: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾.
: .
وهدى الله : دينه والهدى، بمعنى الهادى إلى طريق الفلاح فى الدنيا والآخرة. أى: ما أنت
عليه يا محمد من هدى الله الحق الذى يضعه فى قلب من يشاء هو الهدى الحقيقى لا ما يدعيه
هؤلاء من الأهواء.
وإيراد الهدى معرفًا بأل مع اقترانه بضمير الفصل ((هو)) يفيد قصر الهداية على دين الله،
وينفى أن يكون فى دين غير دين الله هدى. وإذا كانت الهداية مقصورة على الدين الذى جاء به
محمد 18. فكيف يطمع أهل الكتاب فى أن يتبع ملتهم؟

٢٦٣
سورة البقرة
ثم حذر القرآن من اتباع أهل الكتاب فقال : ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من
العلم، مالك من الله من ولى ولا نصير﴾.
اللام فى قوله: ﴿ولئن﴾ تشعر بأن فى الجملة قسمًا مقدرًا روعى فى صدرها ليفيد تأكيد
ما تضمنته من أن متبع أهواء أهل الكتاب لا يجد من الله وليًا ولا نصيرًا.
والأهواء: جمع هوى، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق الصادرة من شهوات فى
أنفسهم. والعلم: الدين: وسمى علمًا لأنه يعلم بالأدلة القاطعة.
والولى: القريب والحليف. والنصير: كل من يعين غيره على من يناوئه ويبسط إليه يده
بسوء .
والمعنى : ولئن اتبعت - يا محمد - آراءهم الزائفة، بعد الذى جاءك من العلم بأن دين الله
هو الإِسلام، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة، مالك من الله من ولى يلى أمرك
ولا نصیر يدفع عنك عقابه.
وإنما أوثر خطابه وَيه بذلك ليدخل دخولا أوليًا من اتبع أهواءهم بعد الإِسلام من المنافقين
تمسكًا بولايتهم، وطمعًا فى نصرتهم.
وبعد أن ذكر القرآن فى الآيات السابقة أحوال الكافرين من أهل الكتاب أخذ فى بيان حال
المؤمنين، فقال :
﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾.
أى: يقرءونه قراءة حقة، مصحوبة بضبط لفظه، وتدبر معانيه، ولا شك أن ضبط لفظه
يقتضى عدم تحريف ما لا يوافق أهواء أهل الكتاب، كالجمل الواردة فى نعت رسول الله وله
وأن تدبره يستدعى اتباعه والعمل به.
وجملة : ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ حال من الضمير (هم) أو من الكتاب وهذه الحال من قبيل
الأحوال التى تلابس صاحبها بعد وقوع عاملها، فإنهم إنما يتلون الكتاب بعد أن يؤتوه. وهى
التى تسمى بالحال المقدرة أى: مقدرًا وقوعها بعد وقوع عاملها.
والمراد بالذين أوتو الكتاب، مؤمنو أهل الكتاب. والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل. أوهم
أصحاب النبى ◌َ﴿ والكتاب: القرآن.
وأجاز بعضهم أن تكون الآية سيقت مدحًا لمن آمن من أهل الكتاب بالقرآن، فيكون
الضمير فى يتلونه القرآن.
وقوله : ﴿أولئك يؤمنون به﴾ خبر عن قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾.

٢٦٤
المجلد الأول
وفى ذكر الإِشارة ووضعه فى صدر الجملة المخبر بها، زيادة تأكيد لإثبات إيمانهم.
وفى هذه الجملة تعریض بأولئك المعاندین الذین کانوا یسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد
ما عقلوه، فكأن الآية التى معنا تقول: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ وكان من حالهم أن قرءوه
- حق قراءته، يؤمنون به إيمانا لا ريبة فيه، بخلاف المعاندين المحرفين للكلم عن مواضعه.
ثم بين - سبحانه - عاقبة الكافرين يكتبه فقال: ﴿ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾ .
والكفر بالكتاب يتحقق بتحريفه وانكار بعض ما جاء فيه، أى ومن يكفر به فأولئك هم
الخاسرون فى الدنيا حيث لا يعيشون فيها عيش المؤمنين وهم الخاسرون فى الآخرة، إذ سيفوتهم
ما أعده الله لعباده من نعيم دائم، ومقام كريم.
وكما بدأ القرآن حديثه مع اليهود بندائهم بأحب أسمائهم إليهم، فقد اختتمه - أيضًا -
بهذا النداء فقال :
يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُ واْنِعْمَتِىَ الَّتِىّ
أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١٣) وَأَتَّقُواْ يَوْمًا
لَا تَجْرِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا
١٢٣)
شَفَعَةٌ وَلَهُمْ يُنْصَرُونَ
ففى هاتين الآيتين تكرير لتذكير بنى إسرائيل بما سبق أن ذكروا به فى صدر الحديث معهم فى
هذه السورة، وذلك لأهمية ما ناداهم من أجله وأهمية الشىء تقتضى تكرار الأمر به إبلاغا فى
الحجة وتأكيدًا للتذكرة.
قال القاضى: ولما صدر القرآن قصة بنى إسرائيل بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر من
إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها، كرر ذلك وختم به الكلام معهم، مبالغًا فى النصح
وإيذانًا بأنه فذلكة القضية، والمقصود من القصة.
هذا وبعد أن ذكر الله - تعالى - فى الآيات السابقة نعمه علی بنی إسرائيل، وبين كيف كانوا
يقابلون النعم بكفر وعناد، ويأتون منكرات فى الأقوال والأعمال، وختم الحديث معهم بإنذار
بالغ. ,وتذكير بيوم لا يغنى فيه أحد عن أحد شيئًا، بعد كل ذلك واصل القرآن حديثه عن

٢٦٥
سورة البقرة
قصة إبراهيم - عليه السلام - لأنهم هم والمشركون ينتمون إليه ويقرون بفضله، فقال -
تعالى - :
وَإِذِابْتَلَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ
فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَّا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيٌ قَالَ لَا
(١٢٤)
يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ
والابتلاء : الاختبار. أى. اختبره ربه - تعالى - بما كلفه به من الأوامر والنواهى، ومعنى
اختبار الله - تعالى - لعبده، أن يعامله معاملة المختبر مجازًا، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه
- تعالى - لعلمه المحيط بالأشياء والله - تعالى - تارة يختبر عباده بالضراء ليصبروا. وتارة
بالسراء ليشكروا وفى كلتا الحالتين تبدو النفس البشرية على حقيقتها.
وفى إسناد الابتلاء إلى الرب إشعار للتالى أو السامع بأنه ابتلاه بما ابتلاه به تربية له، وتقوية
لعزمه، حتى يستطيع النهوض بعظائم الأمور.
وقد اختلف المفسرون فى تعيين المراد بالكلمات التى اختبر الله بها نبيه إبراهيم - عليه
السلام - على أقوال كثيرة.
قال ابن جرير: ((ولا يجوز الجزم بشىء مما ذكروه منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو
إجماع. قال: ولم يصح فى ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذى يجب التسليم له،
ولعل أرجح الآراء فى المراد بهذه الكلمات، أنها الأوامر التى كلفه الله بها، فأتى بها على أتم
وجه)).
وقوله: ﴿فأتمهن﴾ أى أتى بهن على الوجه الأكمل، وأداهن أداء تامًا يليق به - عليه
السلام - ولذا مدحه الله بقوله : ﴿وإبراهيم الذى وفى﴾.
وجىء بالفاء فى ﴿فأتمهن﴾ للدلالة على الفور والامتثال. وذلك من شدة العزم، وقوة
اليقين.
وفى إجمال القرآن لتلك الكلمات التى امتحن الله بها إبراهيم، وفى وصفه له بأنه أتمهن،
إشعار بأنها من الأعمال التى لا ينهض بها الا ذو عزم قوى يتلقى أوامر ربه بحسن االطاعة
وسرعة الامتثال.
وقدم المفعول وهو لفظ إبراهيم؛ لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم الرب إلى اسمه
مع مراعاة الإِيجاز، فلذلك لم يقل وإذ ابتلى الله ابراهيم.

٢٦٦
المجلد الأول
وجملة ﴿قال إنى جاعلك للناس إمامًا﴾ مستأنفة لبيان ما من الله به على إبراهيم من الكرامة
ورفعة المقام، بعد أن ذكر - سبحانه - أنه عامله معاملة المختبر له، إذ كلفه بأمور شاقة
فأحسن القيام بها.
جاعلك : من جعل بمعنى صير. والإِمام : القدوة الذى يؤتم به فى أقواله وأفعاله.
والمراد بالإِمامة هنا: الرسالة والنبوة، فإنهما أكمل أنواع الإِمامة، والرسول أكمل أفراد هذا
النوع، وقد كان إبراهيم - عليه السلام - رسولا يقتدى به الناس فى أصول الدين ومكارم
الأخلاق.
وقال: ﴿إنى جاعلك للناس إمامًا﴾ ولم يقل: ((إنى جاعلك للناس رسولا، ليكون ذلك
دالا على أن رسالته تنفع الأمة المرسل إليها بطريق التبليغ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق
الاقتداء، فان إبراهيم - عليه السلام - قد رحل إلى آفاق كثيرة، فانتقل من بلاد الكلدان إلى
العراق، وإلى الشام، وإلى الحجاز، وإلى مصر وكان فى جميع منازله أسوة حسنة لغيره.
وقد مدح القرآن إبراهيم فى كثير من آياته، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع
ملة إبراهيم حنيفا﴾.
وجملة ﴿قال ومن ذريتى﴾ واقعة موقع الجواب عما من شأنه أن يخطر فى نفس السامع، فكأنه
قال: وماذا كان من إبراهيم عندما تلقى من ربه تلك البشارة العظمى؟ فكان الجواب أن
إبراهيم قد التمس الإِمامة لبعض ذريته أيضًا.
أى: قال إبراهيم: واجعل يارب من ذريتى أئمة يقتدى بهم.
وقد رد الله - تعالى - على قول إبراهيم بقوله: ﴿قال لا ينال عهدى الظالمين﴾.
وإنما قال إبراهيم ومن ذريتي ولم يقل وذريته، لأنه يعلم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر
بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يقتدى بهم فلم يسأل ما هو غير مألوف عادة، لأن
سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء.
أى: قال الله لإبراهيم : قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا يصيب عهدى
الذى عهدته إليك بالإِمامة الذين ظلموا منهم، فالعهد هنا بمعنى الإِمامة المشار إليها فى قوله :
﴿جاعلك للناس إمامًا﴾.
وفى هذه الجملة الكريمة إيجاز بديع، إذ المراد منها إجابة طلب إبراهيم من الإِنعام على بعض
ذريته بالإِمامة كما قال - تعالى - :
﴿وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب﴾ ولكنها تدل صراحة على أن الظالمين من ذريته ليسوا

٢٦٧
سورة البقرة
أهلا لأن يكونوا أئمة يقتدى بهم، وتشير إلى أن غير الظالمين منهم قد تنالهم النبوة، وقد نالت
من ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء.
قال - تعالى -: ﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾.
ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن مكانة البيت الحرام، وعن قصة بنائه، وعن الدعوات
الخاشعات التى كان إبراهيم يتضرع بها إلى الله عند رفعه البيت فقال :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ
وَأَمْنَّا وَأَتَّخِذُواْ مِنْ مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرُهِعْمَ
وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ
الشُّجُودِ (٥)، وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدَاءَإِنَّا وَأَرْزُقْ
أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ قَالَ وَمَنَكَفَرَ
فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَالْمَصِيرُ!
وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَانَقَبَّلْ
رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ
٢٧
مِنَّاْ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿
لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاً
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثَّ فِيهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكْبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَنِبُ الْحَكِيمُ (
١٢٩
وقوله - تعالى -: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا﴾ معطوف على قوله - تعالى - :
﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه﴾.

٢٦٨
المجلد الأول
وجعلنا : بمعنى صيرنا. والبيت: المقصود به الكعبة، إذ غلب استعمال البيت فيها حتى
صار اسما لها.
ومثابة للناس : مرجعًا للناس يرجعون إليه من كل جانب، وهو مصدر میمی من ثاب القوم
إلى المكان رجعوا إليه. فهم يثوبون إليه ثوبًا وثوبانا، أو معاذا لهم يلجأون إليه أو موضع ثواب
یثابون بحجه واعتماره.
والأمن: السلامة من الخوف، وأمن المكان : اطمئنان أهله به، وعدم خوفهم من أن ينالهم
فيه مكروه فالبيت مأمن، أى موضع أمن. وأخبر - سبحانه - بأنه جعله أمنا ليدل على كثرة
ما يقع به من الأمن حتى صار كأنه نفس الأمن.
وكذلك صار البيت الحرام محفوظًا بالأمن من كل ناحية، فقد كان الناس فى الجاهلية
يقتتلون ويعتدى بعضهم على بعض من حوله، أما أهله فكانوا فى أمان واطمئنان. قال تعالى :
﴿أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم﴾ وقال - تعالى -: ﴿فيه آيات
بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾.
وقد أقرت تعاليم الإسلام هذه الحرمة للبيت الحرام على وجه لا يضيع حقًا ولا يعطل حدًا،
وزادت فى تكريمه وتشريفه بأن جعلت الحج إليه فريضة على كل قادر عليها.
قال الإمام ابن كثير: ((ومضمون ما فسر به العلماء هذه الآية أن الله تعالى يذكر شرف البيت
وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس. أى: جعله محلا تشتاق إليه الأرواح
وتحن إليه ولا تقضى منه وطرًا ولو ترددت إليه فى كل عام استجابة من الله - تعالى - لدعاء
خليله إبراهيم فى قوله تعالى: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم﴾ ويصفه - تعالى - بأنه
جعله أمنا من دخله أمن ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا، وقال عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له :
﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ الاتخاذ: الجعل، تقول اتخذت فلانًا صديقًا أى:
جعلته صديقًا. والمقام فى اللغة: موضع القدمين من قام يقوم، ومقام إبراهيم : هو الحجر
الذى كان إبراهيم يقوم عليه عند بناء الكعبة لما ارتفع الجدار، وهو - على المشهور - تحت
المصلى المعروف الآن بهذا الاسم.
ومعنى اتخاذ مصلى منه : القصد إلى الصلاة عنده. فقد ورد فى الحديث الصحيح الذى رواه
الإِمام مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَل# طاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام
رکعتین)».

٢٦٩
سورة البقرة
ومن العلماء من فسر مقام إبراهيم بالمسجد الحرام، ومنهم من أطلقه على الكعبة لأن
إبراهيم كان يقوم عندها لعبادة الله تعالى.
قال الإِمام ابن كثير: ((وقد كان هذا المقام - أى الحجر الذى يسمى مقام إبراهيم - ملصقًا
بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلى الحجر على يمين الداخلُ من
الباب فى البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل - عليه السلام - لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى
جدار الكعبة .. ثم قال: وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر - رضى الله عنه -
ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة(١):
ثم قال - تعالى -: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين
والركع السجود﴾.
عهدنا: أمرنا وأوحينا، و﴿أن﴾ مفسرة المأمور به أو الموصى به المشار إليه بقوله: ﴿عهدنا﴾
أى: أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى.
وأضاف - سبحانه - البيت إليه للتشريف والتكريم ومعنى تطهيره: صيانته من كل
ما لا يليق ببيوت الله من الأقذار والأرجاس والأوثان وكل ما كان مظنة للشرك، فالمقصود
تطهيره من كل رجس حسى ومعنوى.
والطائفين : جمع طائف من طاف يطوف طوفًا وطوافًا إذا دار حول الشىء والمراد بهم:
المتقربون إلى الله بالطواف حول الكعبة.
والعاكفين: جمع عاكف، من عكف على الشىء عكوفًا إذا أقام عليه ملازمًا له، والمراد
بهم: المقيمون فى الحرم بقصد العبادة، ويدخل فى العبادة مدارسة العلوم الدينية وما يساعد
على فهمها.
والركع السجود : الركع جمع راكع، والسجود: جمع ساجد.
والركوع والسجود من هيئات الصلاة وأركانها، فمعنى ((والركع السجود)) المصلون.
فالآية الكريمة جمعت أصناف العابدين فى البيت الحرام: وهم الطائفون وإن لم يكونوا
مقيمين، كمن يأتون لحج أو عمرة ثم ينصرفون.
والعاكفون الذين يقيمون فى الحرم بقصد الإكثار من العبادة فى المسجد الحرام. والمصلون
يتقربون إلى الله بالصلوات سواء أكانت فرائض أم نوافل.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ١٧٠.

٢٧٠
المجلد الأول
ولم يعطف السجود على الركع، لأن الوصفين متلازمان ولو عطف لتوهم أنهما وصفان
مفترقان .
ثم ساق القرآن بعد ذلك نماذج من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال :
﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدًا آمنً﴾ أى: أضرع إليك يا إلهى أن تجعل الموضع
الذی فیه بیتك مکانا یأنس إليه الناس، ویأمنون فیه من الخوف، ويجدون فيه كل ما يرجون من
أمان واطمئنان.
والمشار إليه بقوله: ﴿هذا﴾ مكة المكرمة. والبلد كل قطعة من الأرض عامرة أو غامرة.
والمقصود بالدعاء إنما هو أمن أهله لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد، وإنما يلحقان أهل
البلد.
قال الإِمام الرازى: وإنما قال هنا ﴿بلدا آمنا﴾ على التنكير، وقال فى سورة إبراهيم ﴿رب
· اجعل هذا البلد آمنا﴾ على التعريف لوجهين :
الأول: أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدًا، كأنه قال: اجعل هذا
الوادى بلدًا آمنًا. والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذى
صيرته بلدًا ذا أمن وسلامة.
الثاني: أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدًا، فقوله: ﴿اجعل هذا بلدًا آمنا﴾
تقديره : أجعل هذا البلد بلدًا آمنًا كقولك: كان اليوم يومًا حارًا، وهذا إنما تذكره للمبالغة فى
وصفه بالحرارة، لأن التنكير يدل على المبالغة فقوله : رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا معناه:
اجعله من البلدان الكاملة فى الأمن. وأما قوله: ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾ فليس فيه إلا
طلب الأمن لا طلب المبالغة(١).
٠
أما الدعوة الثانية التى توجه بها إبراهيم إلى ربه من أجل أهل مكة فقد حكاها القرآن فى
قوله :
﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾.
أى: كما أسألك يا إلهى أن تجعل هذا لبلد بلدًا آمنا. أسألك كذلك أن ترزق المؤمنين من
أهله من الثمرات ما يسد حاجاتهم، ويغنيهم من الاحتياج إلى غيرك.
وقوله: ((ارزق)» مأخوذ من رزقه يرزقه إذا أعطاه ما ينتفع به من مأكول وغيره ..
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١ ص ٤٧٦.

٢٧١
سورة البقرة
والثمرات : جمع ثمرة، وهى ما يحمله شجر أو زرع أو غيره من النبات. وإنما طلب
ابراهيم - عليه السلام - من الله أن يجعل مكة بلدا آمنًا، وأن يرزق أهلها من الثمرات بما
يغنيهم لأن البلد إذا امتدت إليه ظلال الأمن، وكانت مطالب الحياة فيه ميسرة، أقبل أهله على
طاعة الله بقلوب مطمئنة وتفرغوا لذلك بنفوس مستقرة.
وقال فى دعائه: ﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ لأن أهل مكة قد يكون من بينهم
كافرون، فأراد تخصيص المؤمنين منهم بدعائه، لذا أتبع قوله : ﴿وارزق أهله﴾ بقوله: ﴿من
آمن منهم﴾ على وجه البدل فصار المعنى وارزق المؤمنين من أهله على ما تقتضيه القاعدة العربية
من أن البدل وهو هنا ﴿من آمن﴾ هو المقصود بطلب الرزق.
وخص إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصًا على شيوع الإِيمان بين سكان مكة، لأنهم
إذا علموا أن دعوة إبراهيم إنما هى خاصة بالمؤمنين تجنبوا ما يبعدهم عن الإِيمان، أو أنه خص
المؤمنين بذلك تأدبًا مع الله - تعالى - إذ سأله سؤالا أقرب إلى الإِجابة، ولعله استشعر من رد
الله عليه عموم دعائه السابق إذ قال: ﴿ومن ذريتي﴾ فقال: ﴿لا ينال عهدى الظالمين) أن غير
المؤمنين ليسوا أهلا لإجراء رزق الله عليهم.
واقتصر على ذكر الإِيمان بالله واليوم الآخر فى التعبير عن المؤمنين لأن الإِيمان بالله واليوم
الآخر لا يقع على الوجه الحق إلا إذا صاحبه الإِيمان بكتب الله ورسله وملائكته.
ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال: ﴿قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى
عذاب النار وبئس المصير﴾.
الضمير فى ﴿قال﴾ يعود إلى الله - تعالى - ومن فى قوله ﴿ومن كفر﴾ منصوب بفعل مقدر
دل عليه ((فأمتعه)). والمعنى: قال الله وأرزق من كفر وايراد المتكلم قولا من عنده معطوفًا على
قول متكلم آخر مألوف فى اللغة العربية، ويحسن موقعه عندما يقتضى المقام إيجازًا فى القول،
ولولا هذا العطف لكان المعنى متطلبًا لأن يقال: قال الله أرزق من آمن ومن كفر.
و﴿أمتعه﴾: من التمتع وهو إعطاء ما ينتفع به. و﴿قليلا﴾: وصف لمصدر محذوف فى
النظم، والمعنى: أمتعه تمتيعًا قليلا. ووصف التمتع فى الدنيا بالقلة، لأنه صائر إلى نفاد
وانقطاع .
و ﴿أضطره﴾ أى الجثة وأسوقه بعد متاعه فى الدنيا إلى عذاب لا يمكنه الإِنفكاك عنه وجملة
((ثم أضطره إلى عذاب النار)) احتراس من أن يغتر الكافر بأن تخويله النعم فى الدنيا يؤذن برضا
الله فلذلك ذكر العذاب هنا.

٢٧٢
المجلد الأول
﴿وبئس﴾ فعل يستعمل لذم المرفوع بعده، وهو ما يسميه النحاة بالمخصوص بالذم،
ووردت هنا لذم النار المقدرة فى الجملة، والمعنى: بئس المصير النار. أى أنها مصير سىء كما قال
تعالى فى آية أخرى.
﴿إِنها ساءت مستقرًا ومقامًا﴾.
وقد أفادت الآية الكريمة أن الله يرزق الكافر فى الدنيا كما يرزق المؤمن وإذا كان إمتاع المؤمن
بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير، فإمتاع الكافر بالرزق له حكم منها استدراجه المشار
إليه بقوله تعالى :
﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة فى الرزق وحرم منها
الكافرين لكان هذا التخصيص سائقا للكافرين إلى الإِيمان على وجه يشبه الإلجاء. وقد قضت
حكمته - تعالى - أن يكون الإِيمان اختياريًا حتى ينساق الإِنسان من طريق النظر فى أدلة عقلية
يبصر بها أقوام ولا يبصر بها آخرون.
ثم حكى القرآن دعوة ثالثة تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد
من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾.
القواعد : جمع قاعدة، وهى أساس البناء الموالى للأرض، وبها يكون ثبات البناء. ورفعها:
إبرازها عن الأرض بالبناء عليها. والمراد بالبيت الكعبة.
والتقبل: القبول، وقبول الله للعمل أن يرضاه أو يثيب عليه.
والمعنى : واذكر يا محمد ما صدر من الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل فقد كانا وهما
يقومان يرفع قواعد الكعبة يتضرعان إلى ويقولان : يا ربنا تقبل منا أقوالنا وأعمالنا، إنك أنت
السميع العليم.
وتصدير الدعاء بندائه - سبحانه - باسم الرب المضاف إلى ضميرهما مظهر من مظاهر
خضوعهما، وإجلالهما لمقامه، والخضوع له - سبحانه -، وإجلال مقامه من أسنى الآداب التى
تجعل الدعاء بمقربة من الاستجابة.
وعبر بالمضارع فقال: ﴿وإذ يرفع﴾ مع أن رفع القواعد كان قبل نزول الآية، وذلك
ليخرجه فى صورة الحاضر فى الواقع لأهميته.
وختما دعاءهما بذكر اسمين من أسمائه الحسنى، ليؤكد أن رجاءهما فى استجابة دعائهما
وثيق، وأن ما عملاه ابتغاء مرضاته جدير بالقبول. لأن من كان سميعًا عليًا بنيات الداعين
وصدق ضمائرهم، كان تفضله باستجابة دعاء المخلصين فى طاعته غير بعيد.

٢٧٣
سورة البقرة
ثم حكى القرآن جملة من الدعوات الخاشعات، التى توجه بها إبراهيم وإسماعيل إلى الله -
تعالى - فقال: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ :
مسلمين من الإِسلام، وهو الخضوع والإِذعان، وقد كانا خاضعين لله مذعنين فى كل حال،
وإنما طلبا الثبات والدوام على ذلك، والإِسلام الذى هو الخضوع لله بحق إنما يتحقق بعقيدة
التوحيد، وتحرى ما رسمه الشارع فى العبادات والمعاملات، والإِخلاص فى أداء ما أمر به،
واجتناب ما نهى عنه.
وقوله : ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ معناه: واجعل يا ربنا من ذريتنا أمة مخلصة وجهها
إليك، مذعنة لأوامرك ونواهيك.
ومن (من) للتبعيض، أو للتعيين كقوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم﴾. وإنما خص
الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع؛ ولأن صلاح الذرية
مرغوب فيه طبعًا، والدعاء لهم بالصلاح مرغب فيه شرعًا، وقد حكى القرآن من دعاء
الصالحين قوله - تعالى - :
﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا﴾
﴿وأرنا مناسكنا﴾ أى: علمنا شرائع ديننا وأعمال حجنا، كالطواف والسعى والوقوف. أو
متعبداتنا التى تقام فيها شرائعنا، كمنى، وعرفات، وتحوهما.
والمناسك: جمع منسك - بفتح السين وكسرها - بمعنى الفعل وبمعنى الموضع من النسك -
مثلثة النون وبضمها وضم السين - وهو غاية العبادة والطاعة، وشاعت تسمية أعمال الحج
بالمناسك كالطواف والسعى وغيرهما.
﴿وتب علينا﴾ تسند التوبة إلى العبد فيقال: تاب فلان إلى الله ومعناها الندم على ما لابس
من الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، ورد المظالم إن استطاع، أو نية ردها إن
لم يستطع وتسند إلى الله فيقال: تاب الله على فلان، ومعناها حينئذ توفيقه إلى التوبة، أو قبولها
منه. فمعنى ﴿وتب علينا﴾ وفقنا للتوبة أو تقبلها منا.
والتوبة تكون من الكبائر والصغائر، وتكون من ترك ما هو أولى أو من تقصير يؤدى إلى خطأ
فى الاجتهاد، وعلى أحد هذين الوجهين، تحمل التوبة التى يسأل الأنبياء والمرسلون ربهم قبولها
أو التوفيق لها.
﴿إنك أنت التواب الرحيم﴾ التواب: كثير القبول لتوبة المنيبين إليه، وقبول توبتهم يقتضى
عدم مؤاخذتهم بما يأتونه من سيئات، ثم بعد تخلصهم من عقوبة الخطيئة أو المعاتبة عليها
ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم بإحسان.
٠
1

٢٧٤
المجلد الأول
وإبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد طلبا قبول توبتهما صراحة فى قولهما ﴿وتب علينا﴾
ولوحا إلى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم، إذ الرحمة صفة من أثرها الإِحسان، فكأنهما قالا :
تب علينا وارحمنا، وهذا من أكمل آداب الدعاء وأرجاها للقبول عند الله تعالى.
ثم ختم إبراهيم وإسماعيل دعواتهما بتلك الدعوة التى فيها خيرهم فى الدنيا والآخرة،
فقالا - كما حكى القرآن عنهما :
﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك
أنت العزيز الحكيم﴾.
الضمير فى قوله : ﴿منهم﴾ يعود إلى الذرية أو الأمة المسلمة فى قوله: ﴿ومن ذريتنا أمة
مسلمة لك﴾.
والرسول : من أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه: وتلاوة الشىء: قراءته والمراد بقوله تعالى :
﴿يتلو عليهم آياتك﴾ يقرؤها عليهم قراءة تذكير وفى هذا إيماء إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع.
والآيات : جمع آية، والمراد بها ما يشهد بوحدانية الله، وبصدق رسوله مقر فيما يبلغه عنه،
أو المراد بها آيات القرآن الكريم فهو يتلوها عليهم ليحفظوها بألفاظها كما نزلت، ويتعبدوا
بتلاوتها، وليعرفوا من فضل بلاغتها وروعة أساليبها وجهًا مشرقا من وجوه إعجازها.
والكتاب : القرآن، وتعلمه یکون ببیان معانیه وحقائقه، ليعرفوا ما أقامه لهم من دلائل
التوحيد وما اشتمل عليه من أحكام وحكم ومواعظ وآداب.
والحكمة : العلم النافع المصحوب بالعمل الواقع موقعه اللائق به. ووضعها بجانب
الكتاب يرجح أن المراد بها السنة النبوية المطهرة التى تنتظم أقوال النبى وَّر وأفعاله، إذ
بالكتاب وبالسنة يعرف الناس أصلح الأعمال، وأعدل الأحكام وأسنى الآداب، وتنفتح لهم
طرق التفقه فى أسرار الدين ومقاصده.
ويزكيهم : أى يطهرهم من أرجاس الشرك ومن كل ما لا يليق التلبس به ظاهرًا أو باطنًا.
يقال: زكاه الله، أى طهره وأصلحه، ومنه زكاة المال لتطهره بها، وأصل الزكاة - بالمد - النماء
والزيادة، يقال. زكا الزرع زكاء وزكوا، أى نما.
والمعنى: ونسألك ياربنا أن تبعث فى الأمة المسلمة، أو فى ذريتنا رسولا منهم يقرأ عليهم
آياتك الدالة على وحدانيتك، ويعلمهم كتابك بأن يبين لهم معانيه، ويرشدهم إلى مافيه من
حكم ومواعظ وآداب، كما يهديهم إلى الحكمة التى تتمثل فى اتباع سنة نبيك - والتى بها يتم
التفقه فی الدین ومعرفة أسراره وحکمه ومقاصده، والتی یکمل بها العلم بالكتاب إنك يامولانا
أنت العزيز الحكيم.

٠٢٧٥
سورة البقرة
أى القادر الذى لا يغلب على أمره، العالم الذى يدبر الأمور على وفق المصلحة، ومن كان
قادرًا على كل ما يريد، عليما بوجوه المصالح، كانت استجابته قريبة من دعاء الخير الصادر عن
إخلاص وابتهال.
٠٠٠
وقد جاء ترتيب هذه الجمل فى أسمى درجات البلاغة والحكمة؛ لأن أول تبليغ الرسالة
يكون بتلاوة القرآن ثم بتعليم معانيه، ثم بتعليم العلم النافع الذى تحصل به التزكية والتطهير
من كل ما لا يليق التلبس به فى الظاهر، أو الباطن.
وقد سأل إبراهيم وإسماعيل ربهما أن تكون بعثة الرسول فى ذريتهما فيكون أمر الإِيمان قريبا
منهم، فإن نشأته بينهم، ومعرفة سيرته قبل الرسالة وشهادتهم له بالصدق والأمانة، وكل ذلك
يحمل العقلاء على المبادرة إلى تصديقه فيما يبلغه عن ربه.
ولقد حقق الله تعالى دعوة هذين النبيين الكريمين، فأرسل فى ذريتهما رسولا منهم، وهو محمد
وَي أرسله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا.
وقد أخبر ◌َ ر أنه دعوة إبراهيم، فقال: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عیسى بى، ورؤيا
أمى التى رأت، وكذلك أمهات المؤمنين يرين).
ثم عرض القرآن بعد ذلك بالجاحدين والمعاندين الذين تركوا الحق الواضع الذى هو ملة
إبراهيم فقال :
وَمَن يَرْغَبُ عَن
مِّلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَاً
وَإِنَّهُ, فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَِّحِينَ (١) إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُ : أَسْلِمّ
قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَهِمُ بَذِهِ
٠١٣١١٠
وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الْذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿٢) أَمَ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ
الْمَوْتُ إِذْقَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْنَعْبُدُ
١

٢٧٦
المجلد الأول
إِلَهَكَ وَ إِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا
ج تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا
وَحِدًا وَغَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ◌َّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ
١٣٤
قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ معناه: لا أحد من الناس
يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها إلى الشرك بالله، إلا من امتهن نفسه، واستخف بها وظلمها
بسوء رأيه حيث ترك طريق الحق إلى طريق الضلالة.
يقال رغب فى كذا إذا أراده، ورغب عن كذا إذا كرهه وانصرفت عنه نفسه والملة فى الأصل
الطريقة، وغلب إطلاقها على أصول الدين من حيث إن صاحبها يصل عن طريقها إلى دار
السلام وسفه نفسه امتهنها واستخف بها.
ثم بين الله - تعالى - منزلة نبيه إبراهيم - عليه السلام - وخطأ من يرغب عن طريقته المثلى
فقال تعالى: ﴿ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين﴾ أى: ولقد اخترناه
للرسالة وهداية الناس وإرشادهم فى الدنيا، وإنه فى الآخرة لمن الصالحين المستقيمين على
الطريقة المثلى. فمن يرغب عن ملة من هذا شأنه إلى غيرها من طرق الضلال لا يماثله أحد فى
سفهه وسوء رأيه.
ثم بين الله تعالى كمال استقامة إبراهيم التى رفعته إلى المنازل العليا فقال تعالى ﴿إذ قال له
ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ أى: اصطفى الله - تعالى - إبراهيم لأنه أمره بطاعته
وإسلام وجهه إليه فى كل حال فبادر إلى الامتثال وقال ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ أى: أخلصت
دينى الله الذى فطر الخلق جميعًا. كما حكى عنه القرآن الكريم نحو هذا القول فى قوله تعالى :
﴿إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾.
وبعد أن بين الله - تعالى - أن إبراهيم - عليه السلام - كان كاملا فى نفسه، أتبع ذلك
ببيان أنه كان - أيضًا - يعمل على تكميل غيره، ودعوته إلى توحيد الله تعالى. فقال
- سبحانه - : ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن
إلا وأنتم مسلمون﴾.
الضمير فى ((بها)) يعود إلى الملة ذكرت قبل ذلك فى قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة
إبراهيم﴾ والمعنى: ووصى إبراهيم بنيه باتباع ملته ويعقوب كذلك أوصى بنيه باتباعها، فقال

٢٧٧
سورة البقرة
كلْ منهما لأبنائه : يابنى إن الله اصطفى لكم دين الإِسلام، الذى لا يقبل الله دينا سواه ﴿ فلا
تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ أى: فَاثبتوا على الإِسلام. واستقيموا على أمره حتى يدرككم الموت
وأنتم مقيمون على هذا الدين الحنيف.
ثم أنكر القرآن الكريم على اليهود افتراءهم على يعقوب وزعمهم أنه كان على اليهودية التى
أقاموا عليها تاركين دين الإسلام فقال تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال .
لبنيه ما تعبدون من بعدى﴾.
روى أن اليهود قالوا للنبى في ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية، فنزلت هذه
لآية الكريمة(١)
والمعنى: ماكنتم - يامعشر اليهود- حاضرين وقت أن أشرف يعقوب على الموت، ووقت
أن قال لبنیه حينئذ ﴿ما تعبدون من بعدی﴾ فکیف تدعون أنه کان علی الیھودیة التی أنتم علیھا
وأنه أوصى بها بنيه؟ ومراد يعقوب - عليه السلام - من هذا السؤال أخذ الميثاق عليهم بالثبات
على ملة أبيهم إبراهيم من بعده، لكى يسعدوا فى دنياهم وأخراهم، وقد أجابوه بما يدل على
رسوخ إيمانهم إذ قالوا: ﴿نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا ونحن
له مسلمون﴾.
وهذا الجواب يتضمن أنهم متمسكون بملة إبراهيم - عليه السلام - وهى ملة لا تثليث فيها
ولا تشبيه بمخلوق، وإنما هى إفراد الله - تعالى - بالعبودية والاستسلام له بالخضوع والانقياد.
ثم حذر الله - تعالى - أهل الكتاب من ترك طاعته اتكالا على انتسابهم الآباء كانوا أنبياء أو
صالحين فقال تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا
يعملون﴾ .
الإِشارة (بتلك) إلى إبراهيم وبنيه، أى أن إبراهيم وذريته، أمة قد مضت وانقرضت، لها
جزاء ما كسبت من خير أو شر، ولا تسألون يوم القيامة عن أعمالهم فى الدنيا فلا يقال لكم على
وجه المحاسبة لم عملوا كذا وإنما ستسألون عن أعمالكم وحدها فأصلحوها وحسنوها، وآمنوا
بمحمد ﴿ الذى هو دعوة إبراهيم - عليه السلام - وعلى دينه وملته.
فالآية الكريمة واردة لتقرير سنة من سنن الله العامة فى خلقه وهى أن لكل نفس وحدها
ثواب ما كسبت من خير وعليها وحدها يقع عقاب ما اكتسبت من شر. وبذلك تكون الآيات
(١) أسباب النزول للنيسابورى طبعة الحلى ص ٢٢.

٢٧٨
المجلد الأول
الكريمة قد بينت بوضوح لبنى إسرائيل وغيرهم أن ملة إبراهيم الإِسلام وأنه هو ويعقوب
- عليهما السلام - قد أوصيا أبناءهما بأن يثبتوا على هذه الملة حتى الموت، وأن أبناء يعقوب قد
عاهدوه عند موته أن يستمروا على ملته وملة إبراهيم عليهما السلام.
وهذا الذى بينته الآيات الكريمة يطابق ما دعاهم إليه محمد يطير وهو الإِيمان بالله - تعالى -
وتصديق رسوله واتباع تعاليم الإِسلام.
وفى القرآن الكريم آيات أخرى صرحت بأن الإِسلام اسم للدين الذى دعا اليه كل
الأنبياء، وانتسب إليه أتباعهم، فنوح قال لقومه: ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾(١).
وموسى قال لقومه: ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾(٢)
والحواريون قالوا لعيسى - عليه السلام -: ﴿آمنا بالله وآشهد بأنا مسلمون﴾(٣).
بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن أشرقت قلوبهم لدعوته وقالوا : ﴿آمنا به
إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ (٤).
وإلى هنا تكون قد ذكرنا بعض الآيات الكريمة التى أرشدت إلى أن ماجاء به محمد وَله
يطابق ما جاء به الأنبياء السابقون، فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوا، لأن كفرهم به كفر بجميع
الرسل السابقين.
وقبل أن نختم هذا الموضوع ننبه إلى مسألة مهمة. وهى أن ما جاء به النبى وَّ يطابق - كما
قلنا - ما جاء به الأنبياء قبله فى أصول الدين وكلياته كتوحيد الله - تعالى - واختصاصه
بالعبادة، وتصديق الأنبياء السابقين فيما أتوا به عن الله - تعالى - والإِيمان بالبعث وما يكون فيه
من نعيم وعذاب والحض على مكارم الأخلاق، أما ماعدا ذلك مما يتعلق بتفاصيل العبادات
وأحكام المعاملات فإن الشرائع تختلف فيه بوجه عام حسب ما يتناسب وحالة الأمة التى بعث
الله لها رسولا من لدنه كما قال تعالى ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾.
ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بما لم يكن موجودًا فى الشرائع السابقة، ومن مظاهر ذلك
أن القرآن الكريم أعلن للناس، أن محمدًا وَّ من مميزات شريعته أنها أحلت للناس كل
الطيبات وحرمت عليهم كل الخبائث ووضعت عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم
وشرعت لهم أمورًا تتعلق بعباداتهم ومعاملاتهم امتازت باليسر والتخفيف.
(١) سورة يونس الآية ٧٢.
(٣) سورة آل عمران الآية ٥٢ .
(٢) سورة يونس الآية ٨٤.
(٤) سورة القصص الآية ٥٣.

٢٧٩
سورة البقرة
ويعجبنى فى هذا المقام قول فضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز: (يجب أن
يفهم - أن تعديل الشريعة المتأخرة للمتقدمة - ليس نفضًا لها، وإنما وقوفًا بها عند وقتها
المناسب وأجلها المقدر.
مثل ذلك كمثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل فى الطور الأول من حياته، فقصر
غذاءه على اللبن، وجاء الثانى من مرحلته التالية فقرر له طعامًا لينًا، وطعامًا نشويًا خفيفًا،
وجاء الثالث فى المرحلة التى بعدها فأمر له بغذاء قوى كامل.
لا ريب أن ها هنا اعترافًا ضمنيًّا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقًا كل التوفيق فى
علاج الحالة التى عرضت عليه، نعم إن هناك قواعد صحية عامة فى النظافة والتهوية والتدفئة
ونحوها، لا تختلف باختلاف الأسنان فهذه لا تعديل فيها ولا تبديل، ولا يختلف فيها طب
الأطفال والناشئين عن طب الكهول الناضجين.
هكذا الشرائع السماوية، كلها صدق وعدل فى جملتها وتفصيلها، وكلها يصدق بعضها
بعضًا من ألفها إلى يائها، ولكن هذا التصديق على ضربين.
تصديق للقديم مع الإِذن ببقائه واستمراره، وتصديق له مع إبقائه فى حدود ظروفه الماضية،
ذلك أن التشريعات السماوية تحتوى على نوعين من التشريعات.
(تشريعات خالدة) لا تتبدل بتبديل الأصقاع والأوضاع (كالوصايا التسع ونحوها).
و(تشريعات موقوتة) بآجال طويلة أو قصيرة، فهذه تنتهى بانتهاء وفنها. وتجىء الشريعة
التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة.
فشريعة التوراة - مثلا - عنيت بوضع المبادىء الأولية لقانون السلوك (لا تقتل).
(لا تسرق) فطابعها البارز تحديد الحقوق وطلب العدل والمساواة.
وشريعة الإنجيل تجىء بعدها فتقرر هذه الأمور، ثم تترقى فتزيد آدابًا مكملة (أحسن إلى
من أساء إليك).
وأخيرًا تجىء شريعة القرآن فتراها تقرر كلا المبدأين فى نسق واحد ﴿إن الله يأمر بالعدل
والإِحسان﴾.
هـ
هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة، ولبنات متراكمة فى بنيان الدين
والأخلاق وسياسة المجتمع. وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أن أكملت البنيان وملأت ما بقى
فيه من فراغ وأنها فى الوقت نفسه كانت بمثابة حجر الزاوية الذى يمسك أركان البناء.
وصدق رسول الله وَّر حين صور الرسالات السماوية فى جملتها أحسن تصوير فقال: ((مثلى

٢٨٠
المجلد الأول
ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بينًا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به
ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين))(١).
وبذلك يتبين لنا أن مطابقة الشريعة الإسلامية لغيرها من الشرائع السابقة إنما هى فى
الأصول والكليات، لا فى الفروع والجزئيات.
ثم حكى القرآن بعد ذلك لونًا من ألوان مزاعم أهل الكتاب ورد عليها بما يبطلها فقال :
٠
وَقَالُواْ كُونُواْ هُوَدَّا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُ واْقُلْ بَلْ مِلَّةَ إِثْهِمَ
حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٢) قُولُوْءَامَنَا بِلَّهِ وَمَا
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَ إِزَهِمَ وَإِسْمِعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ
١٣٦
مِن رَّيِّهِمْ لَا نُفَرِقُ بَيِّنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَ وَأَ قَإِنَوَلَوْ فَإِّما
هُمْ فِى شِقَانٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أَصِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَهُ.
(٣٧
﴾ قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِ اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ
١٣٨
عَبِدُونَ
وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (٥) أَمْ
نَقُولُونَ إِنَّ إِنْرَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
(١) من بحث قيم المرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز موضوعه (موقف الإسلام من الأديان الأخرى
وعلاقته بها) نشر بمجلة لواء الإسلام العدد ١١ السنة ١١ ص ٦٨، وكان فضيلته قد أعد هذا البحث لإلقائه فى
الندوة العالمية للإِسلاميات، التى انعقدت فى لاهور فى أواخر سنة ١٩٥٧، إلا أن المنية عاجلته قبل الإنتهاء من
الندوة - فرحمة الله عليه ورضوانه ..