Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة الفاتحة
وفى هذه الأوصاف التى أجريت على الله تعالى، من كونه ربا للعالمين وملكا للأمر كله يوم
الجزاء، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به فى قوله: ﴿الحمد لله﴾ فى كل ذلك دليل على أنّ
من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه، بل لا يستحق ذلك على
الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له))(١).
والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإنسان وغرس الإيمان العميق فى قلبه،
لأنه إذا آمن بأن هناك يوما يظهر فيه إحسان المحسن وإساءة المسىء، وأن زمام الحكم فى ذلك
اليوم لله الواحد القهار، فإنه فى هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه، ويجتهد فى السير
على الطريق المستقيم
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإياكَ نَسْتَعِينَ﴾
كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريرًا للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها
وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن
الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نستعين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته،
وثبتت هيمنته على هذا الكون
ولفظ ((إيا)) ضمير منفصل، و((الكاف)) الملحقة به للخطاب.
والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة
الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى الذ .
قال ابن جرير: ((لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل
الذى وطئته الأقدام، وذللته السابلة معبدًا))(٢).
والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشىء والتمكن من فعله.
والمعنى : لك ياربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك،
فنحن نخصك بطلب الإعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد
سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير على كل شىء، والعليم ببواطن الأمور
وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.
وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: ﴿إياك نعبد﴾، لإفادة قصر العبادة عليه، وهو
ما يقتضيه التوحيد الخالص.
(١) ((فتح البيان جـ ١ ص ٢٩. الشيخ صديق حسن خان.
(٢) تفسير ابن جرير جـ ١ ص ١٩١.
٠٫٠٠٠

٢٢
المجلد الأول
وقال: ﴿نعبد﴾ بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة
المؤمنين، وللإشعار بأن المؤمنین المخلصین یکونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد
منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى آثار:
((المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم)).
وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية. وتقديم الوسائل سبب فى
تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر
لهم أداءها.
ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإنسان من
الأعمال الصالحة.
وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من
أسلوب إلى أسلوب. وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: ((فإن قلت: لم عدل عن
لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان. وهو قد يكون من
الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم ... وذلك على عادة
العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه. لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان
ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد : وقد
تختص مواضعه بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه
تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع
والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه
صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه ... ))(١).
هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء :
الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فالأول تبرؤ من الشرك،
والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله))(٢).
ثم بين - سبحانه - أن أفضل شىء يطلبه العبد من ربه، إنما هو هدايته إلى الطريق الذى
يوصل إلى أسمى الغايات، وأعظم المقاصد، فقال - تعالى - :
﴿اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم. غير المغضوب عليهم
ولا الضالین﴾،
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ١٣ طبعة بيروت.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٥ طبعة الحلبى.

٢٣
سورة الفاتحة
والهداية: هى الإِرشاد والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية، وتسند الهداية إلى الله وإلى
النبى وإلى القرآن، وقد يراد منها الإيصال إلى ما فيه خير، وهى بهذا المعنى لا تضاف إلى الله -
تعالى -.
قال أبو حیان فی البحر ما ملخصه : وقد تأتی بمعنی التبیین کما فى قوله - تعالى - ﴿وأما ثمود
فهديناهم﴾ أى بينا لهم طريق الخير. أو بمعنى الإِلهام كما فى قوله تعالى. ﴿قال: فمن ربكما
يا موسى؟ قال: ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى﴾. قال المفسرون معناه: ألهم
الحيوانات كلها إلى منافعها، أو بمعنى الدعاء كما فى قوله. تعالى: ﴿ولكل قوم هاد﴾ أى: داع.
والأصل فی هدی أن يصل إلى ثانی معمولیه باللام كما فى قوله. تعالی. ﴿إن هذا القرآن یهدی
للتى هى أقوم﴾ أو بإلى كما فى قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) ثم يتسع فيه
فيعدى إليه بنفسه ومنه: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾(١).
والصراط : الجادة والطريق، من سرط الشىء إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك لأنه يبتلع
المارين فيه، وتبدل سينه صاد على لغة قريش.
والمستقيم : المعتدل الذى لا اعوجاج فيه ..
وأنعمت عليهم: النعمة لين العيش وخفضه، ونعم الله كثيرة لا تحصى
﴿غير المغضوب عليهم﴾ الغضب هيجان النفس وثورتها، عند الميل إلى الانتقام، وهو ضد
الرضا. وإذا أسند إلى الله فسر بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه.
والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له - تعالى - لائقة بجلاله لا نعلم حقيقتها
مجردة عن اللوازم البشرية وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم.
والمعنى: اهدنا يا ربنا إلى طريقك المستقيم، الذى يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة،
ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك، وجنبنا يا مولانا طريق الذين غضبت عليهم من
الأمم السابقة أو الأجيال اللاحقة بسبب سوء أعمالهم وطريق الذين هاموا فى الضلالات،
فانحرفوا عن القصد، وحق عليهم العذاب.
وفى هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب، لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد
أن اعترفوا له - سبحانه - قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد، وأنه هو رب العالمين،
والمتصرف فى أحوالهم يوم الدين.
قال الإمام ابن كثير: وهذا أكمل أحوال السائل. أن يمدح مسئوله ثم يسأل حاجته وحاجة
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ١ ص ٢٥.

٢٤
المجلد الأول
إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا
أرشدنا الله إليه لأنه الأكمل(١).
وقد تكلم المفسرون كلامًا كثيرًا عن المراد بالصراط المستقيم الذى جعل الله طلب الهداية
إليه فى هذا السورة أول دعوة علمها لعباده. والذى نراه: أن أجمع الأقوال فى ذلك أن المراد
بالصراط المستقيم، هو ما جاء به الإسلام من عقائد وآداب وأحكام، توصل الناس متى
اتبعوها إلى سعادة الدنيا والآخرة، فإن طريق السلام هو الطريق الذى ختم الله به الرسالات
السماوية، وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل إلى النبى صل# أمر تبليغه وبيانه.
وقد ورد فى الأحاديث النبوية ما يؤيد هذا القول، ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد فى
مسنده، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله و 18 أنه قال: ((ضرب الله مثلا صراطا
مستقيما، وعلى جنبتى الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى
باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق
الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن
تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك
الداعى من فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل مسلم)).
والمراد بقوله - تعالى - ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أى: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين
على السیر فی سبیله، فإن العبد مفتقر إلى الله فی کل وقت لگی يثبته على الهداية، ویزیده منها،
ويعينه عليها. وقد أمر سبحانه المؤمنين أن يقولوا : ﴿ربنا لا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا
من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾.
وجملة ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ بدل من الصراط المستقيم.
ولم يقل : اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنيًا عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن
صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.
وقال: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم) ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن
الدين فى ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه - تعالى - فى قوله :
﴿أنعمت عليهم﴾ لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم
من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.
قال بعض العلماء : (وإنما اختار فى البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين:
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٦.
:

٢٥
سورة الفاتحة
أولهما : هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن
الطريق الموصل إلى ساحة الرضا فى ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد فى مثل هذا المقام
ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذى وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء
والصديقون والشهداء والصالحون.
وثانيهما : أن من خواطر المؤمل فى نعيم ربه أن يكون تمام أنسه فى رفقة من الناس صالحين،
وصحب منهم محسنين)(١).
. وقوله - تعالى - ﴿غير المغضوب عليهم) بدل من ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ وأتى فى وصف
الإِنعام بالفعل المسند إلى الله - تعالى - فقال: ﴿أنعمت عليهم﴾ وفى وصف الغضب باسم
المفعول فقال : ﴿غير المغضوب عليهم) وفى ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به
أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ویتحامی أن یسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن کان کل
من الإِحسان والعقاب صادرًا منه، ومن شواهد هذا قوله - تعالى - حكاية عن مؤمنى الجن
﴿وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا﴾(٢).
وحرف (لا) فى قوله ﴿ولا الضالين﴾ جىء به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير.
والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبى صل فى
حديث رواه الإمام أحمد فى مسنده وابن حبان فى صحيحه.
ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق
ولكنهم تركوه عنادًا وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون فى الضلالات
دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.
وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم
عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالین، فکان جدیرًا بأن يوضع فى
مقابلته قبل الضالين.
قال العلماء : ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها (آمين) ومعناه اللهم استجب وليس
هذا اللفظ من القرآن بدليل أنه لم يثبت فى المصاحف والدليل على استحباب التأمين ما رواه
الإمام أحمد وأبو داود والترمذى عن وائل بن حجر قال: سمعت النبى ◌َه قرأ ﴿غير المغضوب
عليهم ولا الضالين) فقال: (آمين) مد بها صوته.
(١) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة الأستاذ الشيخ حامد محيسن بمجلة الأزهر السنة ٢٢ العدد ١٣ ص ٨٨٥
(٢) تفسير سورة الفاتحة لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين بمجلة لواء الإسلام العدد الأول
من سنة الأولى ص ١٠

٢٦
المجلد الأول
وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله و فر قال: ((إذا أمن الإِمام فأمنوا، فإن من
وافق تأمينه تأمين الملائكه غفر الله له ما تقدم من ذنبه)).
هذا، وقد أفاض العلماء فى الحديث عما اشتملت عليه سورة الفاتحة من آداب وعقائد
وعبادات وأحكام، ومن ذلك قول ابن كثير.
(اشتملت هذه السورة الكريمة، وهى سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذکر
أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى
سؤاله والتضرع إليه والتبرى من حولهم وقوتهم، إلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية،
وتنزيهه عن أن يكون له شريك أو نظير، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو
الدين القويم وتثبيتهم عليه، واشتملت على الترغيب فى الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم
القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب
عليهم والضالون)(١).
وقال بعض العلماء : سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هى مناط الدين.
أحدها: علم الأصول وإليه الإِشارة بقوله ﴿الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم﴾،
ومعرفة النبوات وإليه الاشارة بقوله: ﴿أنعمت عليهم﴾ ومعرفة المعاد وإليه الاشارة بقوله
﴿مالك يوم الدين﴾.
وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات وإليه الإِشارة بقوله (إياك نعبد﴾
وثالثها: علم الأخلاق، وإليه الإِشارة بقوله ﴿وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم﴾.
ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السابقة السعداء منهم والأشقياء، وهو المراد
بقوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٠.

:
٢٧ ٠
سورة البقرة
سورة البقرة
سورة البقرة أطول سورة فى القرآن الكريم، فقد استغرقت جزءين ونصف جزء تقريبًا من
ثلاثين جزءًا قسم إليها القرآن. وتبلغ آياتها ستًا وثمانين ومائتى آية. وقيل سبع وثمانون ومائتا
آیة .
وسميت بذلك لأنها انفردت بذكر قصة البقرة التى كلف قوم موسى بذبحها بعد أن قتل
فيهم قتيل ولم يعرفوا قاتله.
وهى مدنية بإجماع الآراء، وقد ابتدأ نزولها بعد هجرة النبى # إلى المدينة، وقد نزل
معظمها فى السنوات الأولى من الهجرة، واستمر نزولها إلى قبيل وفاة النبى صل* بفترة قليلة.
وكانت آخر آية من القرآن نزولا منها، هى قوله - تعالى - :
﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾.
مناسبتها لسورة الفاتحة : هناك مناسبة ظاهرة بين السورتين، لأن سورة الفاتحة قد اشتملت
على أحكام الألوهية والعبودية وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم اشتمالا إجماليًا، فجاءت
سورة البقرة ففصلت تلك المقاصد، ووضحت ما اشتملت عليه سورة الفاتحة من هدايات
وتوجیهات.
فضلها : وقد ورد في فضل سورة البقرة أحاديث متعددة، وآثار متنوعة منها ما جاء فى مسند
أحمد وصحيح مسلم والترمذى والنسائى عن أبى هريرة أن رسول الله # قال: لا تجعلوا
بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذى تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان.
وروى ابن حبان فى صحيحه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله #1 (إن لكل شىء
سنام وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها فى بيته لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها
فى بيته نهارًا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام).
وروى الترمذى والنسائي وابن ماجه عن أبى هريرة قال: (بعث النبى وَل# بعثًا، وهم ذوو
عدد فاستقرأ كل واحد منهم عما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا فقال:
ما معك يا فلان؟ فقال: معى كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال :
نعم. قال. اذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعنى أن أتعلم سورة
البقرة إلا أنى خشيت ألا أقوم بها. فقال رسول الله #* اقرأوا القرآن وتعلموه، فإن مثل القرآن

٢٨
المجلد الأول
لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب أوكى أى أغلق - على مسك.
قال القرطبى : وهذه السورة فضلها عظيم، وثوابها جسيم، ويقال لها فسطاط القرآن،
وذلك لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها(١).
مقاصدها : عندما نفتح كتاب الله فنطالع فيه سورة البقرة بتدبر وعناية، نراها فى مطلعها
تنوه بشأن القرآن الكريم، وتصرح بأنه حق لا ريب فيه، وتبين لنا أن الناس أمام هدايته على
ثلاثة أقسام :
قسم آمن به وانتفع بهداياته فكانت عاقبته السعادة والفلاح.
﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾.
وقسم جحد واستكبر واستحب العمی علی الهدى، فأصبح لا يرجى منه خير ولا إيمان،
فكانت عاقبته الحرمان والخسران.
﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾.
ثم فصلت السورة الحديث عن قسم ثالث هو شر ما تبتلى به الأمم وهم المنافقون الذين
يظهرون خلاف ما يبطنون. وقد تحدثت السورة عنهم فى ثلاث عشرة آية، كشفت فيها عن
خداعهم، وجبنهم، ومرض قلوبهم، وبينت ما أعده الله لهم من سوء المصير، ثم زادت فى
فضيحتهم وهتك سرائرهم فضربت مثلين لحيرتهم واضطرابهم، قال - تعالى - :
﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين. يخادعون الله والذين آمنوا
وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾.
إلى أن يقول: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شىء قدير﴾.
. ثم وجهت السورة نداء إلى الناس جميعًا دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده وأقامت لهم الأدلة
الساطعة على صدق هذه القضية، وتحدثهم - إن كانوا فى ريب من القرآن - أن يأتوا بسورة من
مثله. وبينت لهم أنهم لن يستطيعوا ذلك لا فى الحاضر ولا فى المستقبل.
ثم ختم الربع الأول منها ببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم جنات تجرى من
تحتها الأنهار، جمعت لذائذ المادة والروح، وهم فيها خالدون. ثم قررت السورة الكريمة أن الله
-تعالى- لا يمتنع عن ضرب الأمثال بما يوضح ويبين دون نظر إلى قيمة الممثل به فى ذاته أوعند
(١) تفسير القرطبى جـ ١ ص ١٥٢.

٢٩
سورة البقرة
الناس، كما قررت أن المؤمنین يقابلون هذه الأمثال بالإِيمان والإذعان، أما الكافرون فيقابلونها
بالاستهزاء والإِنكار.
: وقد ويخت السورة بعد ذلك أولئك الكافرين على كفرهم، مع وضوح الدلائل على
وحدانية الله فى أنفسهم وفى الآفاق فقالت :
﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم، ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون. هو
الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعًا، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل
شىء عليم﴾.
ثم ذكرت السورة بعد ذلك جانبا من قصة آدم، وقد حدثتنا فيه عن خلافة آدم فى الأرض،
وعما كان من الملائكة من استفسار بشأنه - وعن سكن آدم وزوجه الجنة، ثم عن خروجهما منها
بسبب أكلهما من الشجرة المحرمة.
﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل فى الأرض خليفة، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها
ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إنى أعلم ما لا تعلمون﴾ .. الخ
الآيات الكريمة.
هذا، وقد عرفنا قبل ذلك أن سورة البقرة نزلت بالمدينة بعد أن هاجر المسلمون إليها،
وأصبحت لهم بها دولة فتية، وكان يجاورهم فيها عدد كبير من اليهود الذين كان أحبارهم
يبشرون. بمبعث النبى 1. فأخذت السورة الكريمة تتحدث عنهم - فى أكثر من مائة آية -
حديثًا طويلا متشعبا ...
فنراها فى أواخر الربع الثانى توجه إليهم نداء محببًا إلى نفوسهم، ندعوهم فيه إلى الوفاء
بعهودهم، وإلى الإِيمان بنبى الله محمد ﴿ فتقول:
﴿يا بنی إسرائیل اذكروا نعمتی التی أنعمت علیکم، وأوفوا بعهدی أوف بعهدكم وإیای
فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به، ولا تشتروا بآياتى ثمنًا
قليلا وإياى فاتقون﴾.
ثم تذكرهم فى الربع الثالث بنعم الله عليهم، وبموقفهم الجحودى من هذه النعم، تذكرهم
بنعمة تفضيلهم على عالمى زمانهم، وبنعمة إنجائهم من عدوهم، وبنعمة فرق البحر بهم،
وبنعمة عفو الله عنهم مع تكاثر ذنوبهم، وبنعمة بعثهم من بعد موتهم، وبنعمة تظليلهم
بالغمام، وبنعمة إنزال المن والسلوى عليهم. الخ.

٣٠
المجلد الأول
ولقد كان موقف بنى إسرائيل من هذه النعم يمثل الجحود والعناد والبطر، فكانت نتيجة ذلك
أن.
﴿ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله﴾.
ثم تحدثت السورة بعد ذلك حديثًا مستفيضًا عن رذائلهم وقبائحهم ودُعواهم الباطلة،
والعقوبات التى حلت بهم جزاء كفرهم وجحودهم.
فنزاها فى الربع الرابع تذكر لنا تنطعهم فى الدين وإلحافهم فى المسألة عندما قال لهم نبيهم
موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾. ثم تذكر قسوة قلوبهم فتقول على سبيل التوبيخ
لهم :
﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر
منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء. وإن منها لما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل
عما تعملون﴾.
ونراها فى الربع الخامس تحدثنا عن تحريفهم للكلم عن مواضعه عن تعمد وإصرار،
وتتوعدهم على ذلك بسوء المصير:
﴿فویل للذین یکتبون الكتاب بأیدیهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلاً،
فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾.
ثم تحدثنا عن قولهم الباطل: ﴿لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة﴾.
وترد عليهم بما يبطل حجتهم، وعن نقضهم لعهودهم ومواثيقهم مع الله ومع الناس ومع
أنفسهم، وعن عدائهم لرسول الله، وعن جحودهم للحق بدافع الحسد والعناد فتقول :
﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين
كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. بئسما اشتروا به أنفسهم أن
يكفروا بما أنزل الله بغيًّا، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباءوا بغضب على
غضب وللكافرين عذاب مهين﴾.
ثم نراها فى الربع السادس تحكى لنا نماذج من مزاعمهم الباطلة، ومن ذلك زعمهم أن
الجنة خالصة لهم من دون الناس، ثم ترد عليهم بما يخرس ألسنتهم، وبصور جبنهم وحرصهم
.. المشين على أية حياة حتى لو كانت ملطخة بالذل والهوان.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ فيقول :
﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم

٣١
سورة البقرة
صادقين. ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ولتجدنهم أحرص الناس على
حياة، ومن الذين أشركوا، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما هو بمزحزحه من العذاب أن
يعمر والله بصير بما يعملون﴾.
ثم تسوق لنا نماذج من سوء أدبهم مع الله، وعداوتهم لملائكته؛ ونبذهم كتاب الله،
واتباعهم للسحر والأوهام.
ثم نراها فى الربع السابع تقص علينا بعض الصور من المجادلات الدينية، والمخاصمات
الكلامية، التى استعملوها مع النبى ﴿ لحرب الدعوة الاسلامية، كجدالهم فى قضية النسخ،
وفى كون الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وفى كون القرآن ليس معجزة - فى
زعمهم - وإنما هم يريدون معجزة كونية .. الخ.
وقد رد القرآن عليهم بما يزهق باطلهم، ويزيد المؤمنين إيمانًا على إيمانهم.
وكما ابتدأٍ القرآن الحديث معهم ابنداء محببا إلى نفوسهم ﴿يا بنى إسرائيل﴾، فقد اختتمه
- أيضًا - بالنداء نفسه، لكى يستحثهم على الإيمان فقال:
﴿يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين. واتقوا يومًا
لا تجزى نفس عن نفس شيئًا، ولا يقبل منها عدل، ولا تنفعها شفاعة، ولا هم ينصرون﴾.
ثم أخذت السورة بعد ذلك فى الربع الثامن منها تحدثنا عن الكلمات التى اختبر الله بها نبيه
إبراهيم، وعن قصة بناء البيت الحرام، وعن تلك الدعوات الخاشعات التى كان إبراهيم
وإسماعيل يتضرعان بها إلى خالقهما وهما يقومان بهذا العمل الجليل.
﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة
لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم﴾.
ثم أخذت تقيم الحجج الباهرة، والأدلة الساطعة على أن إبراهيم ما كان يهوديًا ولا نصرانيًا
ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وعلى أن يعقوب قد وصى ذريته من بعده أن يعبدوا الله وحده
ولا يشركوا به شيئًا.
ثم ختمت تلك المحاورات والمجادلات التی أبطلت بها دعاوی أهل الكتاب الباطلة، ببیان
سنة من سنن الله فى خلقه، هذه السنة تتلخص فى بيان أن كل إنسان سيجازى بحسب عمله
يوم القيامة، إن خیرًا فخير وإن شرا فشر، وأن اتکال اليهود - أو غيرهم - على أنهم من نسل
الأنبياء أو الصالحين دون أن يعملوا بعملهم لن ينفعهم شيئًا. فقال - تعالى - :
﴿تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.

٣٢
المجلد الأول
ثم عادت السورة فى الربع التاسع منها إلى الحديث عن الشبهات التى أثارها اليهود عند
تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وقد رد القرآن عليهم بما يدحض هذه
الشبهات، ويهوى باليهود ومن حذا حذوهم فى مكان سحيق، قال - تعالى - :
﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب
يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) إلى أن يقول: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر
المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره، لئلا يكون للناس عليكم حجة،
إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى، ولأتم نعمتى عليكم ولعلكم تهتدون﴾.
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد فصلت الحديث عن بنى إسرائيل تفصيلا يحمل المسلمين
على العظة والاعتبار، ويعرفهم طبيعة أولئك القوم الذين خسروا أنفسهم حتى يأخذوا حذرهم
منهم، وينفروا من التشبه بهم.
أما المقدار الباقى من السورة الكريمة - وهو أكثر من نصفها بقليل - فعندما نراجعه بتفكر
وتدبر، نراه زاخرًا بالتشريعات الحكيمة، والآداب العالية، والتوجيهات السامية.
نرى السورة الكريمة فى هذا المقدار منها تحدثنا فى الربع العاشر منها عن بغض شعائر الله التى.
تتعلق بالحج، وعن الأدلة على وحدانية الله.
﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. إن فى خلق السموات والأرض واختلاف
الليل والنهار، والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء
فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين
السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾.
ثم بعد أن تصور لنا بأسلوب بليغ مؤثر حسرة المشركين يوم القيامة وهم يتبادلون التهم،
ويتبرأ بعضهم من بعض، بعد كل ذلك توجه نداء عامًا إلى الناس، تأمرهم فيه أن يقيدوا
أنفسهم بما أحل الله .. وأن يبتعدوا عن مجارمه فتقول:
﴿يأيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين.
إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾.
فإذا ما وصلنا إلى الربع الحادى عشر منها، رأيناها تسوق لنا فى مطلعه آية جامعة لألوان
البر، وأمهات المسائل الاعتقادية والعملية وهى قوله - تعالى - :
﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر
والملائكة والكتاب والنبيين﴾. إلخ.

٣٣
سورة البقرة
ثم أتبعت ذلك بالحديث عن القصاص، وعن الوصية، وعن الصيام وحكمته، وعن الدعاء
وآدابه، ونهت المسلمين فى ختامها عن مقارفة الحرام فى شتى صوره وألوانه فقالت:
﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام، لتأكلوا فريقًا من أموال الناس
بالإِثم وأنتم تعلمون﴾.
وفى مطلع الربع الثانى عشر حكت بعض الأسئلة التى كان المسلمون يوجهونها إلى النبى
وَ﴿، وأجابت عنها بطريقة حكيمة تدعوهم إلى التدبر والاتعاظ، ثم حضت المسلمين على
الجهاد فى سبيل الله، ونهتهم عن البغى والاعتداء. استمع إلى القرآن وهو يحرض المؤمنين على
القتال ويرسم لهم حدوده وآدابه فيقول :
﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث
ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد
الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم. كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله
غفور رحيم. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على
الظالمين﴾ .
ثم فصلت السورة الحديث عن الحج، فتحدثت عن جانب من آدابه وأحكامه، وحضت
- المسلمين على الإكثار من ذكر الله، وأن يتجنبوا التفاخر بالأحساب والأنساب، وأن يرددوا فى
دعائهم قوله - تعالى - :
﴿ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾.
وفى الربع الثالث عشر نراها تبين لنا ألوان الناس فى هذه الحياة، وأن منهم من يسعى فى
الإِفساد وإهلاك الحرث والنسل، فإذا ما نصح أخذته العزة بالإثم، وتمادى فى طغيانه وإفساده،
وأن منهم من يبيع نفسه عن طواعية واختيار ابتغاء مرضاة الله.
﴿ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رءوف بالعباد﴾.
ثم تبين لنا بأن الناس جميعًا كانوا أمة واحدة، وأن هذه الحياة مليئة بالمصائب والمحن
والفتن، وأن العاقل هو الذى يقابل كل ذلك بإيمان عميق، وصبر جميل، حتى يفوز برضى الله
يوم القيامة، ويظفر بنصره فى الحياة الدنيا.
﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء
وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب﴾.
ثم تحدثنا السورة الكريمة فى الربعين الرابع عشر والخامس عشر حديثًا جامعًا عن النكاح

٣٤
المجلد الأول
وما يتعلق به من أحكام، فحدثتنا عن الإِيلاء وعن الطلاق. وعن الرضاع، وعن العدة، وعن
الخطبة، وعن غير ذلك مما يتعلق بهذا الشأن، ثم ختمت حديثها بهذه الآية الكريمة :
﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾.
ثم عادت السورة فى الربع السادس عشر منها إلى الحديث عن الملأ من بنى إسرائيل :
﴿الذين قالوا لنبى لهم: ابعث لنا ملكًا نقاتل فى سبيل الله﴾.
فساقت لنا قصتهم بأسلوب زاخر بالعظات والعبر، التى من أهمها أن الدين هو أساس العزة
والمنعة، وأن الشدائد من شأنها أن تصهر النفوس فتجعلها تتجه إلى معالى الأمور، وأن الأمير
يجب أن يكون له من قوة العقل وقوة الجسم وسعة العلم، وكمال التجربة - ما يقود به أمته إلى
صالح الأمور، وأن العاقل هو الذى يسلك الوسائل السليمة لبلوع غايته الشريفة، ثم يفوض
الأمور بعد ذلك إلى الله.
وفى الربع السابع عشر منها أفاضت فى الحديث عن مظاهر قدرة الله ووحدانيته، وأقامت
على ذلك من الأدلة ما يشفى الصدور، ويطمئن القلوب، ويزيد المؤمنين إيمانًا، استمع إلى آية
الكرسى وهى تصور عظمة الله وقدرته فنقول
﴿الله لا إله هو الحى القوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما فى السموات، وما فى الأرض، من
ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشىء من علمه
إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم﴾.
وبعد هذا الحديث عن مظاهر قدرة الله ساقت السورة فى أواخرها أنماطًا من التوجيهات التى
تسعد المجتمع، وتنزع الأحقاد من قلوب الأفراد، فقد حضت المسلمين فى جملة من آيانها على
الإِنفاق والإِحسان، وضربت لذلك أروع الأمثال ونهتهم عن المن والأذى، وصرحت بأن
الكلمة الطيبة للسائل خير من العطاء الذى تتبعه الإِساءة.
﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، والله غنى حليم).
ثم بعد أن عقدت مقارنه مؤثرة بين من ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وبين من ينفقونها
رثاء الناس، بعد كل ذلك مدحت الفقراء الذين يتعففون عن السؤال، ولا يلجأون إليه
إلا عند الضرورة القصوى فقالت :
﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تتفقون
إلا ابتغاء وجه الله، وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. للفقراء الذين أحصروا
فى سبيل الله لا يستطيعون ضربًا فى الأرض يحسبهم الجاهلى أغنياء من التعفف، تعرفهم

٣٥
سورة البقرة
بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا، وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾
ثم حذرت السورة بعد ذلك المؤمنين من التعامل بالربا، ووصفت آكليه بصفات تنفر منها
القلوب، وتعافها النفوس، ووجهت إلى المؤمنين نداء أمرتهم فيه بتقوى الله، وأنذرتهم بحرب
من الله لهم إن لم يتوبوا عن التعامل بالربا فقالت :
﴿يأيها الذين آمنوا الله اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتُم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا
بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون﴾.
ثم تحدثت بعد ذلك عن الديون والرهون، فصاغت للمؤمنين دستورًا هو أدق الدساتير
المدنية فى حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل، ثم ختمت السورة حديثها الجامع
عن العقائد والشرائع والآداب والمعاملات، بذلك الدعاء الخاشع :
﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرًّا كما حملته على الذين من
قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على
القوم الكافرين﴾.
تلك هى سورة البقرة، أرأيت وحدتها فى كثرتها؟ أعرفت اتجاه خطوطها فى لوحتها؟ أرأيت
كيف التحمت لبناتها وارتفعت سماؤها بغير عمد تسندها؟ أرأيت كيف ينادى كل عضو فيها
بأنه قد أخذ مكانه المقسوم وفقًا لخط جامع مرسوم، رسمه مربى النفوس ومزكيها، ومنور
العقول وهاديها ومرشد الأرواح وحاديها. فتالله لو أن هذه السورة رتبت بعد تمام نزولها، لكان
جمع أشتاتها على هذه الصورة معجزة، فکیف وکل نجم منها کان یوضع فی رتبته من فور نزوله،
وكان يحفظ لغيره مكانه انتظارًا لحلوله. وهكذا كان ما ينزل منها معروف الرتبة، محدد الموقع
قبل أن ينزل.
لعمرى لئن كانت للقرآن فى بلاغة تعبيره معجزات، وفى أساليب ترتيبه معجزات، وفى
نبوءاته الصادقة معجزات، وفى تشريعاته الخالدة معجزات، وفى كل ما استخدمه من حقائق
العلوم النفسية والكونية معجزات لعمرى إنه فى ترتيب آياته على هذا الوجه لهو معجزة
المعجزات(١).
وبعد : فهذا عرض سريع لأهم مقاصد سورة البقرة، قدمناه بين يديها لنعطى القارئ
الكريم صورة متميزة عنها. ومن هذا العرض نرى أنها بجانب احتوائها على أصول العقائد،
وعلى كثير من أدلة التوحيد، قد وجهت عنايتها إلى أمرين اقتضتهما حالة المسلمين، بعد أن
(١) من كتاب ((النبأ العظيم)) ص ٢٠٨ لفضيلة الدكتور محمد عبد الله دراز.

٣٦
المجلد الأول
أصبحت لهم دولة بالمدينة يجاورهم فيها عدد كبير من اليهود.
أما الأمر الأول فهو توجيه الدعوة إلى بنى إسرائيل، ومناقشتهم فيما كانوا يثيرونه حول
الرسالة الإسلامية من مؤامرات. وإماطة اللثام عن تاريخهم المظلم، وأخلاقهم المرذولة حتى
يحذرهم المسلمون.
وأما الأمر الثانى فهو التشريع للدولة الإسلامية الفتية، وقد رأينا أن سورة البقرة فى النصف
الثانى منها قد تحدثت عن تلك الجوانب التشريعية حديثًا مفصلا منوعًا تناول أحكام القصاص،
والوصية، والصيام والاعتكاف والحج، والعمرة، والقتال، والنكاح، والإنفاق فى سبيل الله.
والمعاملات المالية. إلى غير ذلك من التشريعات التى سبق الحديث عنها. والآن فلنبدأ فى تفسير
السورة الكريمة فنقول - وبالله التوفيق - :

٣٧
سورة البقرة
تفسير سورة البقرة
:
بِسْمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
الَّأْ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَاَرَيْبَ فِهِ هُدى
لِّلْتَّقِينَ ﴿٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ
وَمَّارَزَقْتَمْ يُفِقُونَ ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّ أُنزِلَ
"إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلِ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (
٤
أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ
٥
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
سورة البقرة من السور التى ابتدئت ببعض حروف التهجى.
وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة أو أربعة
أو خمسة.
فالسور التى بدأت بحرف واحد ثلاثة وهی سور ص، ق، ن.
والسور التى بدأت بحرفين تسعة وهى: طه، يس، طس، ﴿وحم﴾ فى ست سور هى:
غافر، فصلت، الزحرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف.
والسور التى بدأت بثلاثة أحرف ثلاث عشرة سورة وهى: ﴿ألم﴾ فى ست سور: البقرة،
وآل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة و﴿الر﴾ فى خمس سور هى : يونس، هود،
يوسف، الحجر، إبراهيم و﴿طسم﴾ فى سورتين هما: الشعراء، القصص.
وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما. الرعد، ﴿المر﴾، والأعراف، ﴿المص﴾،
وسورتان - أيضًا - بدئتا بخمسة أحرف وهما: مريم ﴿كهيعص﴾، والشورى ﴿حم عسق﴾.

٣٨
المجلد الأول
فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة.
هذا، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها
بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم فى رأيين رئيسين :
الرأى الأول يرى أصحابه: أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه الذى
استأثر الله بعلمه.
وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى رواياته - كما ذهب إليه الشعبى، وسفيان
الثورى، وغيرهم من العلماء، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح
السور فقال: إن لكل كتاب سرًّا، وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور. ويروى عن ابن
عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها. وعن على - رضى الله عنه - أنه قال: ((إن لكل
كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى)). وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه قال :
((سر الله فلا تطلبوه)).
ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم
للناس، لأنه من المتشابه، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثله كمثل المتكلم
بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها ..
وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس، فالرسول الهدى
كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض أصحابه المقربين - ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعًا
فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور.
وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأى يضيق المجال عن ذكرها
أما الرأى الثانى فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه
الذى استأثر الله بعلمه.
وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة، من
أهمها ما يأتي :
١ - أن هذه الحروف أسماء السور، بدليل قول النبى وص له (من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن
يصبح) وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة ﴿ص﴾ وسورة ﴿يس﴾.
ولا يخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرًا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه
الفواتح، والغرض من التسمية رفع الاشتباه.

٣٩
سورة البقرة
٢ - وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انفضاء سورة وابتداء
أخرى.
٣ - وقيل: إنها حروف مقطعة، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته،.
أصلها : أنا الله أعلم.
فمثلا
٤ - وقيل: إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال، والتى
أوصلها السيوطى فى ((آلإتقان)) إلى أكثر من عشرين قولا.
٥ - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح
بعض السور للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب
من هذه الحروف التى يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإِتيان
بسورة من مثله، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها
بمراحل شاسعة، وفضلا عن ذلك فإن تصدير السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار
المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر، لأنه يطرق أسماعهم فى
أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها،
فيستمعوا حكما وحججًا قد تكون سببًا فى هدايتهم واستجابتهم للحق.
هذه خلاصة لأراء العلماء فى الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن
أراد مزيدًا لذلك فليرجع - مثلاً - إلى كتاب ((الإتقان)) للسيوطى، وإلى كتاب ((البرهان))
للزركشي، وإلى تفسير الالوسی.
ثم قال - تعالى -: ﴿ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين﴾.
﴿ذلك﴾ اسم إشارة واللام للبعد حقيقة فى الحس، مجازًا فى الرتبة، والكاف للخطاب،
والمشار إليه - على الراجح - الكتاب الموعود به وي 98 فى قوله - تعالى - ﴿إنا سنلقى عليك قولا
ثقيلا﴾ .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أخبرنى عن تأليف ﴿ذلك الكتاب﴾ مع ﴿ألم) قلت :
إن جعلت ﴿ألم﴾ اسمًا للسورة ففى التأليف وجوه. أن يكون ﴿ألم﴾ مبتدأ و﴿ذلك﴾ مبتدأ
ثانيًا، و﴿الكتاب﴾ خبره. والجملة خبر المبتدأ الأول.
ومعناه أن ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب فى مقابلته ناقص، وأنه
الذى يستأهل أن يسمى كتابًا، كما تقول: هو الرجل، أى: الكامل فى الرجولية، الجامع
لما يكون فى الرجال من مرضيات الخصال.

٤٠
المجلد الأول
وإن جعلت ﴿ألم﴾ بمنزلة الصوت، كان ((ذلك)) مبتدأ خبره ((الكتاب))، أى: ذلك الكتاب
المنزل هو الكتاب الكامل(١) ... اهـ ملخصًا.
وقيل: المشار إليه ﴿ألم﴾ على أنه اسم للسورة والمراد المسمى.
و﴿الكتاب﴾ مصدر كتب كالكتب، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة. واستعمل
بعرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأريد به هنا المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه
التى يتألف منها فى الخط، تسمية للشىء باسم ما يؤول إليه.
و(الريب) فى الأصل مصدر رابه الأمر إذا حصل عنده فيه ريبة، وحقيقة الريبة، قلق
النفس واضطرابها، ثم استعمل فى معنى الشك مطلقًا. وقال ابن الأثير: الريب هو الشك مع
التهمة .
و(هدى). مصدر هداه هدى وهداية وهدية - بكسرها - فهدى، ومعناه الدلالة الموصلة
إلى البغية، وضده الضلال.
و(المتقون) جمع متق، اسم فاعل من اتقى وأصله اوتقى - بوزن افتعل - من وقى الشىء
وقاية، أى: صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه.
والمعنى: ذلك الكتاب الكامل، وهو القرآن الكريم، ليس محلا لأن يرتاب عاقل أو منصف
فى أنه منزل من عند الله، وأنه هداية وإرشاد للمتقين الذين يجتنبون كل مكروه من قول أو
فعل، حتى يصونوا أنفسهم عما يضرها ويؤذيها.
وكانت الإِشارة بصيغة البعيد، لأنه سامى المنزلة أينما توجهت إليه، فإن نظرت إليه من
ناحية تراكيبه فهو معجز للبلغاء، وإن نظرت إليه من ناحية معانيه فهو فوق مدارك الحكماء،
وإن نظرت إليه من ناحية قصصه وتاريخه فهو أصدق محدث عن الماضين، وأدق محدد لتاريخ
السابقين، فلا جرم أن كانت الإشارة فى الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن
هذا القرآن، وقد شاع فى كلام البلغاء تمثيل الأمر الشريف بالشىء المرفوع فى عزة المنال، لأن
الشىء النفيس عزيز على أهله، فمن العادة أن يجعلوه فى مكان مرتفع بعيد عن الأيدى.
وصحت الإشارة إلى الكتاب وهو لم ينزل كله بعد، لأن الإشارة إلى بعضه كالإِشارة إلى
الكل حيث كان بصدد الإنزال، فهو حاضر فى الأذهان، فشبه بالحاضر فى العيان.
ونفى عنه الريب على سبيل الاستغراق مع وقوع الريب فيه من المشركين حيث وصفوه بأنه
(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٣٣.