Indexed OCR Text

Pages 1-20

حَاشَيَّة
العارف بالله تعالى المعفور له
أَحَمَد بن محمّد الصّاوي المالكي الخلوَني
١١٧٥ - ١٢٤١ هـ
عَلى
تَفْتَشِيرِ الْجَلالِيْ
للإمَامَين العَظيمَين الجَلَاَ لَيْن المَحَلّى وَالجلال السُوهي
رَحِمُهَمَا الله تعَالى آَمِين
القرآن الكريم مَضْبُوط بالشكل الكَامِل
الجزء الثاني
الطبعة الأخيرة راجع تصحيحها
فضيلة الشيخ على محمّد الضباع
شيخ القراء والمقارئ بالديار المصريّة
دار الجميل
بَيروت

سميت بذلك الذكر الأنعام فيها من باب تسمية الكل
[ سورة الأنعام مكية ]
(٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
باسم الجزء وهذه السورة
نزلت جملة واحدة ماعدا
بِسْمِاللهِ الْعَزِ الرَّ
(سورة الأنعام)
مكية إلا (( وما قدروا الله)) الآيات الثلاث، وإلا ((قل تعالوا)) الآيات الثلاث
وهى مائة وخمس أوست وستون آية
(بِْمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ) وهو الوصف بالجميل ثابت (ثِهِ) وهل المراد
الإعلام بذلك للايمان به أو الثناء به أو هما احتمالات أفيدها الثالث قاله الشيخ فى سورة
الكهف ( الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأرْضَ) خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين
(وَجَعَلَ ) خلق (الظلُمَاتِ وَالنُّورَ) أى كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها وهذا
من دلائل وحدانيته (عُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) مع قيام هذا الدليل ،
الست آيات ونزل معها
سبعون ألف ملك ولهم
زجل بالتسبيح ونزلت
ليلا فأمر صلى الله عليه
وسلم بكتابتها حينئذ وحين
نزولها صار صلى الله عليه
وسلم يسبح ويسجد
حينئذ وكل ذلك تعظما
لشأنها لأن ما اشتملت
عليه من التوحيد وعدّة
( بربهم
جملة من الرسل وتبين الحلال من الحرام فى الأنعام لم يوجد فى غيرها ، وورد أنها فاتحة التوراة وخاتمتها قيل
آخرهود، وقيل آخر الإسراء وفيها آية نزلت ومعها أربعون ألف ملك وهى وعنده مفاتح الغيب الآية. وعن جابر أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال ((من قرأ ثلاث آيات من أوّل سورة الأنعام إلى - ويعلم ماتكسبون- وكل اللّه له أربعين ألف ملك يك بون
له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل. لك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحى فى
قلبه شيئا ضربه ضربة فيكون بينه وبينه سبعون حجابا فإذا كان يوم القيامة قال الله امش فى ظلى يوم لاظل إلاظلى وكل من ثمار
جنتى واشرب من الكوثر واغتسل من السلسبيل فأنت عبدى وأناربك)) (قوله لآيات الثلاث) أى إلى قوله تستكبرون (قوله
وإلا قل تعلوا) أى إلى قوله لعلكم تتقون هكذا مشى المفسر (قوله وهو) أى الحمد بالمعنى اللغوى، وأما بالمعنى الاصطلاحى فهو
فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما على الحامد أو غيره (قوله الوصف بالجميل ) زاد بعضهم على جهة التعظيم التبجيل
لاخراج التهكم كقوله تعالى - ذق إنك أنت العزيز الكريم - (قوله ثابت) قره إشارة إلى أن لله جار ومجرور متعاق محذوف
خبر المبتدأ الذى هو الحمد ( قوله وهل المراد به الاعلام بذلك) أى فتكون الجملة خبرية لفظا ومعنى، وقوله أوالثناء به: أى فهى
خبرية لفظا إنشائية معنى (قوله أوهما) أى فهى مستعملة فى حقيقتها ومجازها فالقصد إعلام العبيد للايمان به وإنشاء الثناء
به وهذا هو حمد القديم للقديم ، وأل فى الحمد يصح أن تكون الاستغراق أو الجنس أوالعهد واللام فى لله للاستحقاق (قوله قاله
الشبخ) أى الجلال لحلى (قوله الذى خلق) صفة الله وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية كأنه قيل الوصف بالجميل ثابت له لأنه
الخالق السموات والأرض والمراد بالسموات ماعلا يشمل العرش، والمراد بالأرض مأسفل فيشمل ما تحتها وقدّم السموات لأنها
أشرف من الأرض لكونها مسكن المطهرين لاغير والأرض وإن كان فيها الأنبياء لكنها احتوت على الأشرار والمعدين ولأنها
سابقة على الأرض كما فى سورة النازعات. قال تعالى - أأتم أشدّ خلقا أم السماء بناها - إلى أن قال - والأرض بمد ذلك دحاها -
ولامنافاة بين آية فصلت وبين آية النازعات فان الأرض خلقت أولا كرة ثم خلقت السموات من دخان كمادلت عليه آية فصات
ثم بنى السماء ورفعها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها، وإنا جمع السموات لاختلاف أجناسها، فان الأولى
من موج مكفوف، والثانية من مرمرة بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة ، والسادسة من ذهب
والسابعة من ياقوتة حمراء. وأما الأرض وإن كانت سبعا أيضا إلاأنها من جنس واحد، واختلف هل الأرض مداد وهو الصحيح
فالتعدد باعتبار أقطارها ، وقيل طباق كالسماء ، وأما السماء فهى طباق باتفق (قوله خاق) أشار بذلك إلى أن جعل بمعنى خاق
فتنصب مفعولا واحدا (قوله أى كل ظلمة) أى حسية كظلمة الليل والأجرام الكثيفة أو معنوية كالشرك والمعاصى (قوله
ونور) أى حسى كالشمس والقمر والنجوم أو معنوى كالاسلام (قوله لكثرة أسبابها) أى الظلمة وأما النور فسببه واحد لا يتعدد
لأنه إما معنوى وسببه الاسلام أو حسى وسببه المار (قوله ثم الذين كفروا) ثم للترتيب الرتب: أى فبعد أن عرفوا الحق سووا به

غيره فهو استبعاد لما وقع منهم ( قوله بربهم) يحتمل أنه متعلق بكثروا، وقوله يعدلون مفعوله محذوف قدره المفسر بقوله غيره
ومعناه القسوية كماقاله المفسر، ويحتمل أن بربهم متعلق بيعدلون والباء بمعنى عن، والتقلوير يميلون عن ربهم لغيره من العدول
وهو الميل عن طريق الهدى (قوله هو الذى خلقكم) هذا من جملة الأدلة على كونه مستحقا للحمد كأنه قيل الوصف بالجميل له
لالغيره لأنه خلق السموات والأرض والظلمات والنور ولأنه خلقكم الخ (قوله من طين) من لابتدا الغاية: أى مبتدئا نشأتكم
من طين (قوله بخلق أبيكم آدم منه) دفع بذلك ما يقال إنهم مخلوقون من النطفة لامن الطين ، فأجاب بأن الكلام على حذف
مضاف وذلك الطين الذى خلق منه آدم فيه من كل لون وعجن بكل ماء نخلق الله أولاده مختلفة الألوان والأخلاق فاختلاف
الألوان من اختلاف ألوان طينة أينهم واختلاف الأخلاق من اختلاف المياه التى عجنت بها تلك الطينة فما من أحد إلاوله جزء
سرى له من أبيه ، فالطبائع والأخلاق أصلها من آدم فنسبة الطين لأولاده باعتبار نشأتها منه وسريانها فيهم ، وقيل للحذف
فى الآية بل كلّ إنسان مخلوق من الطين لأنه ورد ((ما من مولود إلاويذر على نطفته شىء من تراب تربته)) فالنطفة عجنت
بذلك التراب فصدق على كل إنسان أنه مخلوق من الطين، وقيل إنه من الطين باعتبار أن النطفة ناشئة عن الغذاء وهو ناشىء
عن الطين (قوله ثم تقضى) يصح أن يكون بمعنى أظهر فثم للترتيب الزمانى: أى فبعد تمام خلقه يظهر أجله الملك الموكل بالرحم
أو بمعنى قدر فثم للترتيب الذكرى لأن التقدير هو الارادة المتعلقة بالأجل أولا فهى متقدّمة على وجوده فالترتيب فى الذكر فقط.
واعلم أن كل إنسان له أجلان: أجل ينقضى بموته ، وأجل ينقضى ببعثه فابتداء أجل الموت من حين وجوده وابتداء أجل البعث
للبار" لواصل للرحم ونقصه
٣)
من حين موته ومجموع الأجلين محتم لايزيد ولا ينقص ، وما ورد من زيادة العمر
(بِرَبِّمْ يَعْدِلُونَ) يسوون غيره فى العبادة ( هُوَ الَّذِى خَلَكُمْ مِنْ طِينٍ) بخلق أبيكم آدم
منه (ثُمَّ قَفَى أَجَلاً) لكم تموتون عند انتهائه (وَأَجَلٌ مُسَمَّى) مضروب (عِنْدَهُ) لبعثكم
(ثُمَّ أَنْتُمْ) أيها الكفار ( تَمْتَرُونَ) تشكون فى البعث بعد علمكم أنه ابتداً خلقكم ومن قدر
على الابتداء فهو على الإعادة أقدر ( وَهُوَ اللهُ) مستحق للعبادة ( فِىِ السَّمُوَاتِ وَفِ الْأَرْضِ
يَعْلَمُ سِرِّ كُمْ وَجَهْرَ كُمْ) ما تسرون وما تجهرون به بينكم (وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) تعملون
من خير وشر ،
للعامى القاطع للرحم قيل
محمول على البركة وعدمها
وقيل بتداخل أحدهما فى
الآخر فالطائع يزاد له فى
أجل الدنيا وبنقص من
أجل البرزخ وبالعكس
للعاصى وبه فسرقوله تعالى
- ومايعمر من معمر ولا
ينقص من عمره إلافى كتاب - ويؤيد ذلك ماحكى أن داود عليه السلام كان له صديق قد دنا أجله فأخبره جبريل بأنه لم يبق من
أجله إلا خمسون يوما فأخبر داود صديقه بذلك فتأهب حتى إذا جاء اليوم المتمم للخمسين أخذ غداءه وذهب لداود ليودعه فمرّ بفقير
فأعطاه غداءه فنزل جبريل على داود وأخبره أن الله زادفى عمره خمسين سنة بسبب صدقته فى ذلكاليوم فلماذهب إليه وجده مسرورا
فأخبره بذلك (قوله وأجل مسمى عنده) أجل مبتدأ ومسمى صفته وعنده خبره وأضيف له سبحانه لأنه لايعلم انتهاءه أحد غيره)
وأما أجل الدنيافهو فى على الك وبانقضائه يظهر المخلوقات أيضا (قوله لبعثكم) أى يقتهى إليه وماوراء ذلك لانهاية له (قوله ثم أتم
تمترون) أى ثم بعد ظهور تلك الآيات العظيمة تشكون فى البعث وتنكرونه، وأفاد المفسرأن هذه الآية ردّلما أنكروه من البعث
وما قبلهاردّ للشرك الواقع من الكفار (قوله فهو على الاعادة أقدر) هذا بحسب العادة الجارية بأن القادر على الانتداء قادر على الاعادة
بالأولى وإلا فالكل فى قبضة قدرته سواء لامزية للاعادة على الابتداء لأنه إذا أرادشيئا قال له كن فيكون (قوله وهو الله) مبتدأ
وخبر والضمير عائد على المنصف بالأوصاف المتقدمة وفى السموات وفى الأرض متعلق بوصف تضمنه ذلك العلم لأن الله موضوع للذات
الواجبة الوجود المستحقة لجميع المحامد فيكون المعنى وهو الله المستحق للعبادة فى السموات الخ، وهذا مادرج عليه المفسر وبذلك
يجاب عن آية - وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله - وقيل متعاق بنعت محذوف تقديره وهو الله المعبود فى السموات الخ على
حد قول ابن مالك * ومامن المنعوت والنعت عقل * يجوز حذفه، وقيل متعاق بيعلم والتقدير يعلم سركم وجهركم فى السموات
والأرض، وقيل متعاق بسركم وجهركم ولكن يلزم عليه تقديم معمول المصدر عليه إلا أن يقل يغتفر فى الظروف والمجرورات ما لا يغتفر
فى غيرها (قوله ويعلم ماتكسبون) إن قلت إن الكسب لايخرج عن السرّ والجهر والعطف يقتضى المغايرة. أجيب بأن المراد
بالكسب ما يترتب عليه من الثواب والعقاب، والمعنى يعلم أفعالكم وأقوالكم السرّية والجهرية ويعلم جزاءها من نواب وعقاب.

(قوله وما تأتيهم من آية) كلام مستأنف بيان لزيادة قبحهم وكفرهم بعد ظهور الآيات البينات (قوله من آيات ربهم) من
نبعيضية والآيات يحتمل أن يكون المراد بها القرآن فانيانها نزولها على رسول الله وعليه اقتصر المفسر، أو الكونية كالمعجزات
( لمراد باقيانها ظهورها والأحسن أن يراد ماهو أعمّ (قوله إلا كانوا عنها معرضين) الجملة حالية من الضمير فى تأتيهم ، وقوله
معرضين ضمنه معنى غافلين فعداء بعن وإلا فالاعراض بمعنى الترك لا يتعدّى بعن (قوله فقد كذبوا) تفريع على ماقبله وتفصيل
البعضه (قوله بالقرآن) أى وغيره من بقية المعجزات (قوله لما جاءهم) ظرف لقوله كذبوا (قوله فسوف يأتيهم) وعبد عظيم مرتب
على تكذييهم وهو لايتخلف لأن وعيد الكفار وعد حسن المؤمنين فهو وعد باعتبار ووعيد باعتبار آخر فعدم تخلفه باعتبار
كونه وعدا، قال تعالى - وكان حقا علينا نصر المؤمنين - (قوله أنباء) جمع نبأ وهو الخبر العظيم المزعج و جمعه إشارة إلى
تكرّر الجزاء لهم فى الدنيا ويوم القيامة (قوله ما كانوابه يستهزئون) ما اسم موصول وكانواصلته، والمعنى فسوف يأتيهم جزاء
الذى كانوايستهزئون به فى العاجل بالقتل والأسر والآجل بالعذاب الدائم فى النار (قوله ألم يروا) هذا إخبار من الله يبذل النصح
لهم ومع ذلك فلم يهتدوا والهمزة داخلة على محذوف تقديره أعموا ورأى إما بصرية وعليه درج المفسرحيث قال فى أسفارهم إلى
الشام وغيرها وعليه فقوله كم أهلكنا سدت مسد مفعولها أو علمية فتكون الجملة -تت مسدّ مفعوليها والأحسن الأول (قوله
لهم رحلتان رحلة فى الصيف للشام ورحلة فى الشتاء لليمن كمايأتى فى سورة قر یش
(٤)
وغيرها) أى كاليمن فانه كار
(قوله خبرية) أى وهى
(وَمَا تَأْتِيهِمْ) أى أهل مكة (مِنْ) زائدة (آيَةٍ مِنْ آيَاتٍ رَبِهِمْ) من القرآن (إِلاَ كَنُوا
عَنْهاَ مُعْرِضِنَ. فَقَدْ كَذَّبُوا بِْحَىّ) بالقرآن (لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاهُ) عواقب
(مَا كَنُواْ بِ يُسْتَهْزِ مُونَ. أَلَ يَرَوْا) فى أسفارهم إلى الشام وغيرها (كَمْ) خبرية بمعنى كثيراً
( أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنِ) أمة من الأمم الماضية (مَكَّنَّهُمْ) أعطيناهم مكانا
(فِي الْأَرْضِ) بالقوة والسعة (مَالَّ ◌ُمَكِّنْ) نعط (لَكُمْ) فيه التفات عن الغيبة (وَأَرْسَلْنَ
السماء ) المطر (عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً) متابعا (وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِمْ) تحت مساكنهم
(فَهْلَ كْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) بتكذيبهم الأنبياء (وَأَنْشَأْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاً آخَرِينَ. وَلَوْ تَزَّلْنَاَ
عَلَيْكَ كِتَابًا) مكتوبا (فِى قِرْ طَاسٍ) رق كما اقترحوه ( فَلَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) أبلغ من عاينوه
لأنه أنفى الشك (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ) ما (هذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ) تعنتا وعنادا،
مفعول مقدّم لأهلكنا
( قوله من قبلهم) أى قبل
وحودهم أو قبل زمانهم
كلام على حذف
مضاف ( قوله من قرن)
بيان لكم والقرن يطاق
على الأمة وعليه درج
ا!فسر ويطلق على الزمان
واختلف فى حده فقيل
مئة سنة وهو الأشهر ،
وقيل مائة وعشرون ،
( وقالوا
وقيل ثمانون، وقيل ستون، وقيل آر بعون، وقيل غير ذلك (قوله مكناهم) وصف للقرن وجمعه باعتبار معناه لأن
القرن اسم جمع كرهط وقوم لفظه مفرد ومعناه جمع (قوله بالقوّة والسعة) أى فى الدنيا حتى صارواذوى شهامة وغنى عظيم ومع ذلك
فلم تغن عنهم أموالهم ولا أنفسهم منّ الله شيئا (قوله فيه التفات عن الغيبة) أى ونكتته الاعتناء بشأن المخاط بين حيث خاطبهم
مشافهة (قوله وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) وصف ثان للقرن، وقوله وجعلنا الأنهار وصف ثالث له، والمعنى أن من مضى من
قبلكم من الأمم أعطيناهم القوة الشديدة فى الجسم والسعة فى الأموال والأولاد ومع ذلك فلم ينفعهم من ذلك شىء الا أمنواسطونى
الأولى منهم. قال الشاعر: لا يأمن الدهر ذو بنى ولوملكا جنوده ضاق عنها السهل والجبل (قوله وأنش أنامن بعدهم
قرنا) كلام مستأنف دفع به مايقال حيث هلك من هلك فقد خرب الكون. فأجاب بأنه كما أهلك جماعة أتى بغيرهم فانه قادر على
ذلك والقادر لا يعجزه شيء (قوا - قرنا) هنابالافراد وفى بعض الآيات بالجمع والمعنى واحد فان المراد به الجنس وجمع آخرين باعتبار معنى
القرن (قوله ولونزلنا) شروع فى بيان زيادة كفرهم وتسلية له صلى الله عليه وسلم على عدم إيمانهم به وهورد لقول النضر بن الحرث
وعبد الله بن أبى أمية ونوفل بن خويلد لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابانقرؤه ومعه أربعة من الملائكة يشهدون بأنك ما ق
(قوله مكتوبا) إشارة إلى أنه أطلق المصدر وأراد اسم المفعول (قوله قرطاس) "قراءة بكسر القاف لاغير ويجوز فى غير القرآن قح
لقاف وضمها ويقال قرطس كجعفر ودرهم ما يكتب فيه مطلقا ورقا أوغيره فتفسيره له بالرق بفتح الراء على الأفصح تفسير بالأخص
(قوله كما اقترحوه) أى اخترعوه من الآيات (قوله إن هذا إلاسحر مبين) إن نافية بمعنى ماوهذا مبتدأ وسحر خبره ومبين

صفته والجملة مقول القول (قوله وقالوا لولا أنزل عليه. (ك) هذا من جملة عنادهم وكفرهم (قوله فلم يؤمنوا) مرتب فى قوله
ولو أنزلنا فهو من تمة الشرط. والمعنى أن الله لو أجابهم بازال ملك ولم يؤمنوا لأهلكهم كمن قبلهم مع أنه قال: وما كان الله
ليعذبهم وأنت فيهم فعدم إجابتهم رحمة بهم (قوله واو جعلناه ملكا) رد لقولهم هلا كان رسولنا من الملائكة لامن البشر
(قوله أى على صورته) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف أى صورة رجل فالشبه فى الصورة فقط (قوله إذ لاقوّة
البشر على رؤية الملك) أى ولذلك كان يأتى الأنبياء على صورة رجل ولم ير الملك على صورته الأصلية أحد من البشر إلا رسول
الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرة فى الأرض عند غار حراء ومرة فى السماء عند سدرة المنتهى ليلة الاسراء (قوله وللبسنا)
جعله المفسر جواب شرط محذوف والواو داخلة على فعل الشرط المحذرف قدره بقوله ولو جعلناه رجلا والمناسب للمفسر الاقتصار
على ذلك ويحذف قوله ولو أنزلناه . ولبس فتح الباء يابس بكسرها خلط يخلط والتبس اختلط واشتبه، وأما لبس بكسر
الباء يلبس بفتحها سلك الثوب فى العنق (قوله ولقد استهزئ برسل من قبلك) أى فلا تحزن واصبر على أذاهم فان اللّه كافيك
شرهم (قوله فكذا يحيق بمن استهزأ بك) أى لكن لاعلى الوجه الذى حاق بهم من عموم العذاب بل يأخذ المتمرد بخصوصه
(٥) سيروا فى الأرض) هذا استشهاد على
وقد فعل الله له ذلك ، قال تعالى: إنا كفيناك المستهزئين (قوله قل
ما تقدم كأنه قيل إن ثم
تصدقوا خبرربكم بأنه
(وَقَالُوالَوْلاَ) هلا(أُ نْزِلَ تَلَيْهِ) على محمد صلى الله عليه وسلم (مَكٌ) يصدقه (وَلَوْ أَ نزَلْنَ مَلَكَا)
كما اقترحوا فل يؤمنوا (لَمُضِىَ الْأَمْرُ) بهلاكهم ( ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ) يمهلون لتوبة أو معذرة
كعادة الله فيمن قبلهم من إهلاكهم عند وجود مقترحهم إذا لم يؤمنوا (وَلَوْ جَمَلْنَاهُ) أى المنزل
إليهم (مَلَكَا ◌َجَعَلْنَاهُ) أى الملك (رَجْلاً) أى على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لاقوّة للبشر
على رؤية الملك (وَ) لو أنزلناه وجعلناه رجلا (لَسْنَا) شبهنا (عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) على أنفسهم
بأن يقولوا: ماهذا إلا بشر مثلكم (وَلَدِ اسْتُهْزِئْ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) فيه تسلية للنبي صلى الله عليه
وسلم (فَعَاقَ) نزل (ِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ) وهو العذاب فكدا يحيق
بمن استهزأْ بَك (قُلْ) لهم (سِرُوا فِ الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذّبِنَ) الرسل
من هلاكهم بالعذاب ليعتبروا (قُلْ لِمَنْ مَانِىِ السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ ◌ِ) إن لم يقولوه لا جواب غيره
(كَتَبَ) قضى (عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) فضلامنه وفيه تلطف فى دعائهم إلى الإيمان (لَيَجْمَعَنْكُمْ،
حاقبالذین سخرواو گذبوا
أنبياءهم العذاب فسيروا
وعاينوا آثارهم (قوله ثم
انظروا) أتى ثم لأنه
لا يحسن التفكر
والاستدلال ولا يتم إلا بعد
تمام السير ومعاينة الآثار
(قوله كيف) اسم استفهام
خبر كان وعاقبة اسمها
وإنماقدم الخبر عليها وعلى
.سمها لأن اسم الاستفهام
له الصدارة (قوله ليعتبروا) أى يتعظوا فبالسير والتفكر يحصل الاستدلال والنور التام. ومنهنا أخذت الصوفية السياحة
لأن من جملة مايعين على الوصول إلى الله والترقى إلى المعارف النظر والتفكر فى مدفوعاته قال تعالى: سنريهم آياتنا فى الآفاق
وفى أنفسهم حتم يتبين لهم أنه الحق (قوله قل لمن ما فى السموات والأرض) الجار والمجرور خبر مقدم وما اسم م وصول مبتدأ
مؤخر وفى السموات والأرض صلة الموصول والأصل قل ما فى السموات والأرض لمن؟ وإنما قدم الخبر لأن اسم الاستفهام له
الصدارة وهذه حجة قاطعة لا يمكن ردها أبدا (قوله قل له) أى تقرير لهم وتنبيه على أنه المتعين الجواب بالانفاق لقوله تعالى
ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله (قوله لاجواب غيره) فى معنى التفريع أو التعليل فالمناسب أن يقول
فلا أولأنه لاجواب غيره (قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة) أى ألزم نفسه الرحمة لأنه وعدبها ووعده لا يتخلف فهى واجبة
شرعا لاعقلا. والرحمة فى النعمة وهى عامة لكل مخلوق فى الدنيا قال تعالى: ورحمتى وسعت كل شىء، فمن رحمته إمهال العصاة
والكفار وترادف الرزق عليهم، وأما بعد استقرار الخلق فى الدارين فتختص الرحمة بأهل الجنة ويختص غضب الله بأهل
النار (قوله فضلا منه) رد بذلك على المعتزلة القائلين بأن الررحمة واجبة عقلا على الله يستحيل تخافها إذ هو نقص والنقص
عليه محال (قوله وفيه ناطف فى دعائهم إلى الإيمان) أى فى ذكر الرحمة بهذا العنوان فلا تقنطوا بل إذا تتم قبلكم (قوله
لجمعنكم) اللام موطئة لقسم محذوف وهو كلام مستأنف مؤكد بالقسم والنون إشارة إلى أن ذلك الأمر لابد منه.

(قوله إلى يوم القيامة) يحتمل أن إلى على بابها متعلقة بمحذوف تقديره ليجمعنكم فى القبور ويحشرنكم إلى يوم القيامة
ويحتمل أنها بمعنى اللام أو فى أو زائدة ( قوله لاريب فيه) أى فى الجمع يوم القيامة أو فى يوم القيامة الذى يحصل فيه الجمع
(قواه الذين خسروا أنفسهم) الذين مبتدأ وخسروا صلته وأنفسهم مفعول لخسروا وقوله فهم لا يؤمنون مبتدأ وخبر والجملة خبر
البتذا . إن قلت إن ظهر الآية أن عدم الايمان مسبب عن الخ ان مع أن الخسران مسبب عن عدم الايمان . أجيب
بأن المعنى الدين خسروا أنفسهم فى علم الله أى قضى عليهم بالخسران أزلا فهم لا يؤمنون فيما لايزال فالآية باعتبار ما فى على الله
وأما تسبب الخسران عن عدم الايمان فبحسب ما يظهر للعباد (قوله له ماسكن) هذا أيضامن جملة أدلة التوحيد زيادة فى التشنيع
على من كفر (قوله حل) أشار بذلك إلى أنه لاحذف فى الآية وعليه جمهور المفسرين فمعنى حل وجد فيشمل الساكن والمتحرك
وقيل إن سكن من السكون ضد الحركة وعليه ففى الآية حذف تقديره وما تحرك (قوله قل أغير الله) رد لقولهم له كيف تترك
دين آبائك وغير مفعول أول لأتخذ وقدمه اعتناء بنفى الغيرية ووليا مفعول ثان (قوله أعبده) تفسير لأتخذ فالمراد بالولى هنا
المعبود ويطاق بالاشتراك على معان منها المعبود ولا يكون إلا الله وهو معنى قوله تعالى: فالله هوالولى، الله ولىّ الذين آمنوا
ويطلق على القريب والصاحب وعلى المنهمك فى طاعة الله (قوله فاطر) بدل من لفظ الجلالة أو نعت. إن قلت إن فاطراسم
فاعل وإضافته لفظية لا تفيده التعريف ولفظ الجلالة أعرف المعارف وشرط النعت موافقته لمنعوته فى التعريف . أجيب
كان معناه التجدد والحدوث وأما هنا فهو من قبيل الصفة المشبهة فيكون
(٦)
بأن محل كون إضافته لفظية إن
وصفاثابتا له وهذه الجملة
كالدليل لما قبلها ( قوله
مبدعهما) أى موجدها
على غير مثال سبق ففاطر
من الفطرة وهى الخلقة
وفطر خلق وأنشأ قال
ابن عباس ماكنت
أدرى مامعنى فطر وفاطر
-ق اختصم إلىّ أعرابيان
فى بئر فقال أحدهما أنا
فطرتها أى أنشأتها
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ليجازيكم بأعمالكم (لاَ رَيْبَ) شك (فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)
بتعريضها العذاب مبتدأ خبره (نَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَلَهُ) تعالى (مَاسَكَنَ) حلَّ (فِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ)
أى كل شىء فهو ربه وخالقه ومالكه (وَهُوَ السَّمِيعُ) لما يقال (الْعَلِيمُ) بما يفعل (قُلْ)
لهم (أَغَيْرَ اللهِ أَنَّخِذُ وَلِيًّا) أعبده (فَاطِرِ السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضِ) مبدعهما (وَهُوَ يُطْعِمُ) بِزُق
(وَلَا يُطْعَمُ) يُرزق، لا (قُلْ إِّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) لله من هذه الأمة (وَ)
قيل لى (لاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِ كِينَ) به (قُلْ إِنِى أَخَفُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّ) بعبادة غيره (عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ) هو يوم القيامة (مَنْ يُصْرَفْ) بالبناء للمفعول أى العذاب وللفاعل أى الله والعائد
محذوف (عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) تعالى، أى أراد له الخير (وَذْلِكَ الْفَوْزُ المُبِينُ) النجاة الظاهرة
(و إن
وابتدأتها ( قوله أى يرزق) مسير بالأعم لآن المعنى يرزق مطعوما أو غيره فليس المراد
من الآية قصره على المطعوم (قوله ولا يطعم) أى لأن المرزوق محتاج لمن يرزقه وتنزه الله عن الاحتياج ( قوله أول من
أسلم) يحتمل أن من نكرة موصوفة جملة أسلم صفة، والمعنى أن أكون أول فريق أسلم أو اسم موصول وما بعدها صلة
والتقدير أول الفريق الذى أسلم وقوله أمرت أن أكون الح أى أمر نى ربى أن أكون أول المسلمين لأنه يجب عليه الايمان
بأنه رسول وبما جاء به من الشرع والأحكام فهو أول المسلمين على الاطلاق (قوله وقيل لى الخ) أشار بذلك إلى أن قوله ولا
نكونن معمول لقول محذوف والجملة معطوفة على جملة أمرت والمعنى أمرنى ربى بأن أكون أول من أسلم ونهانى بقوله ولا
تكونن من المشركين وهذه الجملة لازمة لما قبلها (قوله عذاب يوم عظيم) معمول لأخاف وجملة إن عصيت ربى شرطية
وجوابها محذرف دل عليه قوله أخاف وهى معترضة بين الفعل وهو أخاف ومعموله وهو عذاب ( قوله من يصرف عنه) من
اسم شرط ويصرف فعل الشرط ونائب الفاعل مستقر يعود على العذاب على القراءة الأولى والفاعل الله على القراءة الثانية وعنه جار
ومجرور متعاق يصرف وقوله فقد رحمه جواب الشرط وهو معنى قوله تعالى فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز (قوله وللفاعل)
أى والمفعول محذوف تقديره العذاب والمعنى من يصرف الله العذاب عنه يوم القيامة فقدرحمه وفى ذلك تعريض بأن الكفار لايرحمون
لأنه لا يصرف عنهم العذاب (قوله والعائد محذوف) الأوضح أن يقول والمفعول محذوف وهو ضمير يعود على العذاب لأن الضمير العائد
على من مذ كور بقوله عنه وأيضا لايحتاج للعائد إلا الموصول ومن هنا شرطية لاموصولة (قوله وذلك) أى النجاة يوم القيامة

(قوله ، إن يمسسك الى يضرّ) هذا تأييد من الله لرسوله فالمعنى لا تخشى لومهم بل بلغ ما أنزل إليك من ربك فان الله متولى أمرك
بيده الضرّ والنفع والمنع والاعطاء فهم عاجزون لايقدرون على إيصال ضرّ ولا جلب نفع (قوله كمرض وفقر) أى وغلبة واحتياج (قوله
فلا كاشف له ) جواب الشرط وفعله قوله يمسسك ولا نافية للجنس وكاشف اسمها مبنى معها على الفتح فى محل نصب وخبرهامحذوف
تقديره أحد، وقوله إلاهو إلا أداة حصر وهو بدل من الضمير المستثمر فى الخبر (قوله وإن يمسسك بخير) جواب الشرط محذوف
تقديره فلا رادّ لفضله كما فى آية يونس: وإن يردك بخير فلا راد لفضله (قوله فهو على كل شىء قدير) دليل لكل من الجملتين
(قوله ومنه مامسك به) أى من النبوّة وغيرها (قوله مستعليا) أشار بذلك إلى أن قوله فوق عبادة ظرف متعلق بمحذوف حال
من القاهر (قوله فوق عباده) أى فوقية مكانة لامكان ، والمعنى أنّ صفاته فوق صفات غيره لأنّ أوصافه كمالية وأوصاف غير
ناقصة فوصفه العز والعلم والاقتدار ووصف غيره الذل والجهل والعجز فكل وصف شريف كامل فهو لله و کل وصف خسیس
ناقص فهو لغيره (قوله وهو الحكيم فى خلقه) أى يضع الشىء فى محله (قوله الخبير) أى فيعامل كل شخص بما يليق به (قوله
ونزل لما قالوا) أى أهل مكة فقالوا يا محمد أرنا من يشهد لك بالرسالة فاننا سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه ليس لك
عندهم ذكر (قوله إيمنا) بقلب الهمزة الثانية ياء . قال ابن مالك:
عن المبتدأ ) أى الأصل شهادة
(٧)
كلة ان يسكن كآثر واثمن (قوله تمييز محوّل
ومدا بدل ثنىالهمز ینمن
أى شىء أكبر حذف
(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍ) بلاء كمرض وفقر (فَلاَ كَشِفَ) رافع (لَهُ إِلَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرِ)
كصحة وغنى (فَهُوَ عَلىِ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) ومنه مامستَك به ولا يقدر على رده عنك غيره (وَهُوَ
الْقَاهِرُ) القارد الذى لا يعجزه شيء مستعلياً (فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ) فى خلقه (الْخَبِيرُ)
ببواطنهم كظواهرهم. ونزل لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إيتنابمن يشهد لك بالنبوة فإن أهل
الكتاب أنكروك (قُلْ) لهم (أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَدَةً) تمييز محول عن المبتد! (قُلِ اللهُ) إن
لم يقولوه لاجواب غيره، هو (شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ) على صدقى (وَأُوحِىَ إِلَىَّ هُذَا الْقُرْ آنُ
لِاِ نْذِرَ كُمْ) أخوفكم يا أهل مكة (بِوَمَنْ بَلَغَ) عطف على ضمير أنذركم أى بلته القرآنمنالإنس
والجن (أَئِنَّكُمْ لَقَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ إِلهَةَ أُخْرَى) استفهام إنكارى (قُلْ) لهم (لاَ أَشْهَدُ)
بذلك (قُلْ إََِّ هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّفِى بَرِىٌ بِمَا تُشْرِ كُونَ) معه من الأصنام (الَّذِينَ آَتَيْنَهُمُ
الْكِتَبَ يَعْرِ فُونَهُ) أى محمداً بنعته فى كتابهم (كَمَايَعْرِ فُونَ أَبْنَاءَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) منهم
المضاف وأقيم المضاف إليه
مقامه وجعل مبتداوجعل
الضاف تمييزا (قوله قل الله)
مبتدأ خبره محذوف أى
أكبرشهادة، وقوله شهيد
خبر لحذوف قدره المفسر
فالكلام جماتان ويحتمل
أن الله مبتدأ خبره شهيد
فالكلام جملة واحدة (قوله
شهيد بينى وبينكم)
المراد بشهادة الله إظهار
المعجزات على يده فان
المعجزات منزلة منزلة قول الله: صدق عبدى فى كل مايبلغ عنى (قوله وأوحى إلىّ هذا القرآن) هذا دليل لشهادة الله، والمعنى
أن الله شهيد لأن هذا القرآن ناطق بالحجج القاطعة وهو من عنده فلا يرد كيف اكتفى منه عليه الصلاة والسلام بقوله: الله
شهيد مع أن ذلك لا يكفى من غيره والاقتصار على الانذار لأن الكلام مع الكفار وبنى أوحى للمجهول العلم بفاعله (قوله عطف
على ضمير أنذركم) أه ومن موصولة وبلغ صلتها والعائد محذوف والتقدير وأنذر الذى بلغه القرآن (قوله من الانس والجن)
أى إلى يوم القيامة وفيه دلالة على عموم رسالته واستمرارها من غير ناسخ إلى يوم القيامة (قوله أنكم لتشهدون) اللام لام
الابتداء زحلقت للخبر (قوله استفهام إنكارى) أى والمعنى لايصح منكم هذه الشهادة لأن المعبود واحد (قوله قل إنما هو
إله واحد) إنما أداة حصر وما كافة وهو مبتدأ وإله خبره وواحد صفته وهو زيادة فى الرد عليهم وهو من حصر المبتدأ فى الخبر
(قوله الذين آتيناهم الكتاب) أى اليهود والنصارى فالمراد بالكتاب التوراة والانجيل (قوله أى محمدا) تفسير للضمير فى
يعرفونه ويصح أن يرجع الضمير للقرآن أو لجميع ماجاء به رسول الله من التوحيد وغيره (قوله كما يعرفون أبناءهم) أى معرفة
كمعرفتهم لأبنائهم وهذا من التنزلات الربانية وإلا فهم يعرفونه أشدّ من معرفتهم لأبنائهم لما روى أن عمر بن الخطاب سأل
عبد الله بن سلام بعد إسلامه عن هذه المعرفة فقال ياعمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابنى ولأنا أشدّ معرفة بمحمد منى بأبى
فقال عمرٍ كيف ذلك؟ فقال أشهد أنه رسول الله حقا ولا أدرى ما تصنع النساء (قوله الذين خسروا أنفسهم) مبتدأ والجملة فت

الابن آتيناهم الكتاب ويؤيده قوله المفسر منهم (قوله فهم لايؤمنون) خبر المبتدأ وقرن الخبر بالكاملمافى المبتدأ من معنى الشرط وهو
العموم. والمعنى أن من سبق فى علم الله خسرانه فلايتأتى له الايمان فى الدنيا وذلك أن الله جعل لكل إنسان منزلا فى الجنة ومنزلا
فى النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار فى الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة فى النار وقد علمت مما تقدم
أن المؤمن واحد من ألف فتكون منازل الكفار الت ترثها المؤمنون فى الجنة لكل واحد تسعمالة منزل وتسعة وتسعون تضم
لمنزله ومنازل انؤمنين التى تركت لأهل النار منزل من ألف يزاد لهم فيؤخذ منه أن الجنة واسعة جداً (أن النار ضيقة جدًا لاسبا
مع عظم جسم الكافر فيها حيث يكون ضرسه كأحد قالى تعالى - وجنة عرضها السموات والأرض - وقال تعالى - وإذا ألقوا
منها مكانا ضيقامقرّنين - (قوله به) أى بمحمد أو بالله أو بالقرآن أو بماجاء به محمد (قوله أى لا أخد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام
إنكارى بمعنى النفى، والمعنى ليس أحد أظلم ممن فعل واحدا من الأمرين الافتراء والتكذيب فما بالك بمن جمع بينهما كالمشركين
وأهل الكتاب فان كلا منهما وقع منه الأمران (قوله إنه لا يفلح الظالمون) أى لا يفوزون بمطلوبهم، وقوله بذلك أى بسببماذكر
وهو الافتراء أو التكذيب (قوله ويوم نحشرهم) ظرف متعلق بمحذوف قدره المفسر والضمير فى نحشرلهم عائد على الخاق مسامهم
وكافرهم ويصح عوده على المشركين فقوله بعدذلك ثم نقول الذين أشركوا إظهار فى محل الاضمار زيادة فى التشنيع عليهم (قوله جميعا)
حال من ضمير نحشرهم (قوله ثم نقول) أتى بثم إشارة إلى أن السؤال بعد الحشر والحشر يطول على الكفار قدر خمسين ألف سنة
والمقصود من ذلك ردعهم وزجر هم لعلهم يؤمنون فى الدنيا فتأمنون من ذلك اليوم وهوله والقول إن كان على ألسنة الملائكة فظاهر وإن
قوله تعالى - ولا يكلمهم الله يوم القيامة - قد جاب بأن المعنى لا كامهم كلام رضا
(٨)
کان من الله مباشرة ورد علینا
ورحمة (قوله أين
شركاؤ كم) إن قلت مقتضى
هذه الآية أن الشركاء ليسوا
حاضرين معهم ومقتضى
قوله تعالى : احشروا الذين
ظلموا وأزواجهم
وما كانوا يعبدون من
دون اللّه أنهم خاضرون
معهم فكيف الجمع بينهما.
(فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) به (وَمَنْ) أى لا أحد (أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) بنسبة الشريك
إليه (أَوْ كَذَّبَ بِ يَاتِهِ) القرآن (إِنَّهُ) أى الثّأن (لاَ يُفْلِحُ الظَّالُونَ) بذلك (وَ) اذكر
(يَوْمَ نَحْثُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ ◌َقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَ كُوا) توبيخا (أيْنَ شُرَ كَاؤُ كُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ
تَزْمُمُونَ) أنهم شركاء له (ُثُمَّ لمَّ تَكُنْ) بالتاء والياء (فِتْنَتَهُمْ) بالنصب والرفع أى معذرتهم
(إِلاَّ أَنْ قَالُوا) أى قولهم (وَاللهِ رَبِّنا) بالجر نعت والنصب نداء (مَا كُنَّامُشْرِكِينَ) قال تعالى
(أَنْظُرْ) يامحمد (كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) بنفى الشرك عنهم (وَضَلَّ) غاب (عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَفْتُرُونَ)، على الله من الشركاء (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) إذا قرأت (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ
أجيب بأن هذا السؤال هنا واقع بعد التبرى "كائن من الجانبين وانقطاع ما بينهم من الأسباب والعلائق وأضيفوا لهم لأن أ كنة)
شركتها بتسميتهم ونقولهم قال تعالى - ما تعبدون من دونه إلاأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم - الآية (قوله أنهم شركاء لله) قدر • إشارة
إلى أن مفعولى تزعمون محذوفان وهذه الجملة سدت مسدهما (قوله بالتاء والياء) فعلى قراءة التاء يصح رفع فتنتهم اسم تكن
وإلا أن قالوا خبرها ونصبها خبر تكن مقدم وإلا أن قالوا اسمها مؤخر ويتعين جرّ ربنا وعلى قراءة الياء فليس إلا نصب فتنتهم
خبر يكن مقدم وإلا أن قالوا اسمهامؤخر ويتعين نصبر بنا فالقرا آت ثلاث وكلها سبعية خلافا لما يوعمه المفسر (قوله أى معذرتهم)
أى جوابهم وسماءفتنة لأنه كذب محض لا نفع به بل به الفضائح (قوله ماكنا مشركين) إن قلت كيف الجمع بين ماهنا وبين قوله
ولا يكتمون اللّه حديثا. قلت أولا ينكرون الاشراك ويحلفون على عدم وقوعه منهم ثم يستشهد الله الأعضاء فتنطق الجوارح حينئذ
يودون لوتسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا فهم أولًا يظنون أن إنكارهم نافع فين تشهد أعضاؤهم يمون أن لو كانوا تراباولم
يكتمواشيئا (قوله على أنفسهم) إنمانسبه لهم وان كان فى الحقيقة كذبا على الله لأن ضرره عاد اليهم (قوله من الشركاء) بيانلما (قوله
ومنهم من يستمع إليك) سبب نزولها أنه اجتمع أبو سفيان وأبو جهل والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية
ابن خاف والحرث بن عامر يستمعون القرآن فقالوا للنضر يا أباقتيبة ما يقول محمد؟ قال ما أدرى ما يقول غير أتى أراء يحرك لسانه ويقول
أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها فقال أبو سفيان
أفى أرى بعض ما يقول حقا فقال أبوجهل كلا لانقرّ شيء من هذا وفىرواية الموت أهون علينا من هذا وأفرد يستمع مراعاة للفظ
من وسيأتى فى يونس مراعاة معناها والحكمة فى مراعاة لفظها هنا أن ماهنا فى قوم قليلين وفيايأتى فى الكفار جميعا .

(تواه أكنة) جمع كفاك وهو الوعاء الجامع الذى يحفظ فيه الشىء ويجمع على أكثان والمراد بها هنا الغطاء السائر (قوله "
يسمعونه) أى القرآن (قوله حتى إذا جاءوك) حتى ابتدائية وقوله بجادلونك حال من الواو فى باءوك وقوله يقول الذين ◌ُغروا
جواب إذا (قوة كالأضاحيك) جمع أضحوكة بالضم وكذا الأعاجيب أى فالمشهور أن أساطير فى جمعه ومفرده كالأضاحيك
والأعاجيب (قولهوهم ينهون) أى إن الكفار ينهون عن اتباع النبي أو عن سماع القرآن (قوله أى عن اتباع النبى) أشار بذلك إلى أن الكلام
على حذف مضاف (قوله وقيل نزلت فى أبى طالب) أى وعليه جمع الضمبر باعتبار أتباعه (قوله كان: نهى عن أذاه) أى وكان يخاطب
النبي عليه الصلاة والسلام بقوله :
من خبر أديان البرية دينا
ولقد علمت (٧) بأن دين محمد
لولا لللامة أو حذارى سبة لوجدتنى سمعا بذاك مينا
فاصفع بأمرك ماعليك غضاضة حتى أوسد فى التراب رهينا
وهذا القول لابن عباس وعمرو بن دينار وسعيد بن جبير، والقول بأنها نزلت فى المشركين لجماعة منهم الكلى والحسن والأقرب لسياق
ماقبلها وما بعدها للعنى الأول فتأمل (قوله بذلك) أى باهلا كهم أنفسهم (قوله ولو ترى) المقصود من ذلك حكاية ماسيقع من
الكفار يوم القيامة وتسلية للنبى وأصحابه والمعنى لو تبصر بعينك يا محمد مايقع لهؤلاء فى الا خرة لرأيت أمرا عظيما تقلى به عن
(٩)
الدنیا فالخطاب لس دنا محمد كما قال المفسر . إن قلت هذا يقتصی أن رسول الله
لم يطلع على ذلك مع أنه لم
نخرج من الدنياحتى أحلا
أَ كِنَّةً) أغطية ل(أنْ) لا (يَفْتَهُوُهُ) يفهموا القرآن (وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا) صَحَماً فلا يسمعونه
سماع قبول (وَإِنْ يَرَوْا كُلّ آيَّةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَاَ حَتَّى إِذَا جَاهِوكَ يُجَدِ لُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِنْ) ما (هُذَا ) القرآن (إِلاَّ أَسَطِيرُ) أكاذيب (الْأَوَّبِينَ) كالأضاحيك والأعاجيب جمع
أسطورة بالضم (وَهُمْ يَتْهُوْنَ) الناس (عَنْهُ) عن اتباع النبى صلى الله عليه وسلم (وَيَنْأَوْنَ) يتباعدون
(عَنْهُ) فلا يؤمنون به، وقيل نزلت فى أبى طالب كان ينهى عن أذاء، ولا يؤمن به (وَإِنْ)ما
(يُهْلِكُونَ) بالنأى عنه ( إِلاَّ أَنْفُتَهُمْ) لأن ضرره عليهم (وَمَا يَشْمُرُونَ) بذلك (وَلَوْ ثَى)
يا محمد ( إِذْ وُقِفُوا) عرضوا (َى النَّارِ فَقَالُوا يَا) للتنبيه (لَيْقَنَاَ نَُةٌ) إلى الدنيا (وَلاَ نُكَذُبْ
◌ِآيَاتِ رَبَّنَا وَقَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) برفع الفعلين استئنافا ونصبهما فى جواب التمنى، ورفع
الأول ونصب الثانى، وجواب لو لرأيت أمراًعظيما، قال تعالى (بَلْ) للاضراب عن إرادة الإيمان
المفهوم من التمنى ( بَدَا) ظهر (لَهُمْ ،
بوقائع الدنيا والآخرة.
وأجيب بأن هذا قبل
إعلام الله له بالآخرة .
وأجيب أيضا بأن الخطاب
له والمراد غيره ، ورأى
إما بصرية وهو الأقرب
أوقلبية والمعنى لوصرفت
-كرك الصحيح فى تدير
حالهم لازددت يقينا ، ولو
يحتمل أنها حرف امتناع
فيكون قوله تری بمعنى
رأيت وإذا على بابها من
المعنى فيكون عبر بالماضى لتحقق الحصول ويحتمل أنها بمعنى إن الشرطية وإذ بمعنى إذا هيكون مستقبلا والأقرب الأول
(قوله للتنبيه) أى لدخولها على الحرف (قوله ليقنا نرد) ليت حرف تمن ونا اسمها وجملة : د خبرها (قوله برفع الفعلين
استئناف ) أى واقع فى جواب سؤال مقدر تقديره ماذا تفعلون لو رددتم فقوله ولا نكذب خبر لحذوف تقديره ونحن
لانكذب وكذا قوله وتكون (قوله وبنصبهما فى جواب التمنى) أى بأن مضمرة بعد واو المعية وأن ومادخلت عليه فى تأ ويل
مصدر معطوف على مصدر مصيد من الكلام السابق وتقدير الكلام فقالوا نتمنى على الله ردنا مع علم تكذيب منا وحصول إيمان
(قوله ورفع الأول) أى على الاستئناف وقوله ونسب الثانى أى بأن مضمرة وجوبا بعدواو المعية فى جواب التمنى وأن ومادخلت
عليه فى تأويل مصدر معطوف على مصدر مصيد من الكلام السابق تقديره نتمنى على الله ردنا مع كوننا من المؤمنين وجهة
ولا تكذب معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه فهذه قرا آت ثلاث وكلها سبعية وقرىء شذوذا بنصب الأول ورفع الثانى
وتوجيهه كما علمت (قوله للاضراب) أى الابطالى والمعنى ليس الأمر كما قالوا من أنهم لوردو! لا منوابل إنما حملهم على ذلك
فضحيتهم بشهادة أعضائهم .
(١) (قوله ولقد علمت الخ) كذا بالفسيخ التى با يدينا وبالوقوف على المقصد الأول من المواهب بعلم فيه أهمصحته.
[ ٢ - ماوى - ٣فى ]

(قوله ما كانوا يخفون) أى وهو الشرك. (ڤوله بقولهم) الباءسيية (قوله بشهادة جوارحهم) متغلق يبدا (قوله فحمنوا
ذلك) أى فرارا من العذاب لامحبة فى الايمان ( قوله لعادوا) جواب لو (قوله فى وعدهم بالايمان) أى الذى وقع منهم بالتمنى
(قوله وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا) يحتمل أنه معطوف على لعادوا فهو من جملة جواب أو ويحتمل أنه كلام مستأنف
فى خصوص منكرى البعث وهذا هو المتبادرمن المفسر وإن نافية بمعنى ما وهى مبتدأ وحياتنا خبره والمعنى أنهم قالوا ليس لنا
حياة غير هذه الحياة التى نحن فيها وما نحن بمبعوثين بعد الموت (قوله على ربهم ) أى عنى حسابه وسؤاله فالكلام على
حذف مضاف (قوله قال لهم) أى لمنكرى البعث الذين قالوا إن هى إلاحياتنا الدنيا (قوله على لسان الملائكة) دفع بذلك
ما يقال إن الله لا ينظر إليهم ولا يكلمهم (قوله قالوا بلى وز بنا) جواب مؤكد باليمين (قوله بما كنتم تكفرون) أى بسبب
الذى كنتم تكفرون به أو بسبب كفركم ( قوله غاية التكذيب) أى لا للخسران فانه لاغاية له (قوله الساعة ) المراد بها
مقدمات الموت فالمراد أن حزبهم الدائم يحصل لهم عند خروج أرواحهم (قوله بغتة) حال من فاعل جاءتهم والتقدير جاءتهم
جاءتهم حال كونهم مبغوتين ( قوله ياحسرتنا) ياحرف نداء وحسر:"!
(١٠)
مباغتة أو من مفعوله والتقدير
منادى منصوب بفتحة
ظاهرة لأنه مضاف لنا
مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ) يكتمون بقولهم: والله ربنا ماكنا مشركين بشهادة جوارحهم
فتمنوا ذلك (وَلَوْ رُدُّوا) إلى الدنيا فرضا (لَعَادُوا لَا نُهُوا عَنْهُ) من الشرك (وَإِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ) فى وعدم بالإيمان (وَقَالُوا) أى منكرو البعث (إِنْ) ما (مِىَ) أى الحياة (إِلّ
حَيَتُنَ الدُّنْيَ وَمَا نَحْنُ بِبْعُونِنَ. وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا) عرضوا (َى رَّبِهِمْ) (رأيت أمراً عظيما
(قَالَ) لهم على لسان الملائكة توبيخا (أَلَيْسَ هْذَا) البعث والحساب (بِالْحَقِّ قَالُوا بَى وَرَبًّا)
إنه لحق (قَالَ فَذُوقُوا الْتَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) به فى الدنيا (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذِّبُوا
بِلِقَاءِ اللهِ) بالبعث (حَتَى) غاية للتكذيب (إِذَا جَاءَ تُهُمُ السَّاعَةُ) القيامة (بَغْتَةً) فجأة (قَالُوا
يَاحَسْرَتَنا) هى شدة التألم ونداؤها مجاز أى هذا أوانك فاحضرى (قَلَى مَافَرَّْنا) قصرنا (فِيها)
أى الدنيا (وَهُمْ يَحْسِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) بأن تأتيهم عند البعث فى أقبح شىء صورة
وأنتنه ريحا فتركبهم (أَلاَ سَاء) بْس (مَايَزِرُونَ) يحملونه حملهم ذلك ( وَمَا الْخَيَاةُ الدُّنْيَا)
أى الاشتغال بها ( إِلاَّ لَعِبٌ وَلَمْوٌ)، وأما الطاعات ومايعين عليها فمن أمور الآخرة (وَلَدَّارُ
الآخِرَةُ) وفى قراءة ولدار الآخرة أى الجنة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الشرك (أَفَلاَ يَعْقِلُونَ)
بالياء والتاء ذلك فيؤمنون (قَدْ) التحقيق ( نَعْلَمُ،
(قوله هى شدة التألم )
أى التلهف والتحسر على
مافات ( قوله ونداؤها
مجاز) أى تنزيلالها منزلة
العاقللأنه لا ينادى حقيقة
إلا العاقل والمقصود التنبيه
على أن هذا الكافر
من شدة هوله لم يفرق
بين خطاب العاقل وغيره
ومثله ياويلنا فتأمل
( قوله على مافرطنا ) أى
من الأعمال الصالحة
فى الدنيا (قوله وهم يحملون
أوزارهم) الجملة حالية
من الواو فى قالوا (قوله
إنه
بأن تأتيهم الخ) ورد أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله
أحسن شىء صورة وأطيبه ريحا فيقول هل تعرفنى فيقول لا فيقول أنا عملك الصالح فاركبنى فقد طالما ركبتك فى الدنيا فذلك
قوله تعالى - يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا - يعنى ركبانا، وأما الكافر فيستقبله أقبح شىء صورة وأنتنهر يحا فيقول هل
تعرفنى فيقول لا فيقول أنا عملك الخبيث طالما ركبتنى فى الدنيا فأنا أركبد فذلك قوله تعالى-وهم يحملون أوزارهم على ظهورم -
( قوله أى الاشتغال فيها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف والمعنى أن الاشتغال فى الحياة الدنيا عن خدمة الله
وطاعته لعب ولهو وليس المراد أن مطلق الحياة الدنيا لعب ولهو بل ماقرب منها إلى اللهفهو مزرعة للآخرة، وما أبعد منها عنه
فهو حسرة وندامة (قوله خير للذين يتقون) أى لأن منافعها خالصة من الكدرات وعزها دائم (قوله أفلا يعقلون) الهمزة
داخلة على محذوف والفاء عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير ألا يتفكرون فلا يعقلون (قوله بالياء والتاء) أى فهما قراءتان
سبعيتان (قوله قد فعلم) المقصود من هذه الآية وما بعدها تسلية النبى صلى الله عليه وسلم على ماوقع من الكفار من التكذيب
وغيره وتهديد لهم لعلهم يرجعون وقد التحقيق نظير قوله تعالى - قد يعلم الله المعوقين -.

(قوله إنه ليحزنك) بكسر الهمزة لدخول اللام المعلقة لنعلم عن العمل فى حيزها، قال ابن مالك:
وكسروا من بعد فعل علقا باللام كاعلم إنه دونقى
وإن حرف توكيد والهاء اسمها واللام لام الابتداء زحلقت للخبر لئلا يتوالى حرفا تأكيد ويحزنك خبرها والذى فاعل حرن
ويقولون صلتها والعائد محذوف تقديره يقولونه والجملة من إن واسمها وخبرها فى محل نصب سدت مسد مفعولى نعلم فان التعليق
إبطال العمل لفظا لامحلا كما هو مقرر (قوله فانهم لا يكذبونك) الفاء للتعليل والمعنى لاتحزن من تكذبيهم لك واصبر ولاتكن
فى ضيق مما يمكرون فانهم لا يكذبونك فى الباطن بل يعتقدون صدقك وإنما تكذيبهم عناد وجحود (قوله فى السر) دفع
بذلك مايقال إن بين ماهنا وبين قوله ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون تنافيا. وحاصل الجواب أن المنفى التكذيب فى السر
والمثبت التكذيب فى العلانية ( قوله وفى قراءة بالتخفيف ) أى مع ضم الياء وسكون الكاف وهى سبعية أيضا ( قوله أى
لاينسبونك إلى الكذب) هذا يناسب كلا من القراءتين والمعنى لا يعتقدون تكذيبك باطنا، ولذا قال أبو جهل النبى صلى الله عليه
وسلم إنا لا نكذبك ولكن نكذب الذى جئت به (قوله وضعه موضع المضمر) أى زيادة فى التقبيح والتشنيع عليهم (قوله يجحدون)
الجحد الانكار مع العلم والمعنى أنهم أنكروا آيات الله مع علمهم بأن ماجاء به صدق ( قوله بكذبون ) أى فى العلانية (قوله
فيه تسلية) أى زيادة تسلية وذلك لأن البلوى إذا عمت هانت ( قوله فصبروا) الفاء سببية وصبروا معطوف على كذبت
وأوذوا) يصح عطفه على كذبت
(١١)
وقوله على ما كذبوا متعلق بصبروا والمعنى صبروا على تكذيهم ( قوله
والمعنى كذبت وأوذوا
فصبروا ويصح عطفه
إِنَّهُ) أى الشأن ( لَيَخْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ) لك من التكذيب ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ) فى
السرّ لعلمهم أنك صادق . وفى قراءة بالتخفيف أى لا ينسبونك إلى الكذب (وَلْكِنَّ
الظَّالِينَ) وضعه موضع المضمر ( بِآيَاتِ اللهِ) القرآن (يَمْحَدُونَ) يكذبون (وَلَقَدْ كُذِّيَتْ
رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) فيه تسلية النبى صلى الله عليه وسلم ( فَصَبَرُوا عَلى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى
أَنْيُهُمْ نَصْرُنَا) بإهلاك قومهم فاصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك قومك (وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ
اللهِ) مواعيده ( وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَبِىِ الْمُرْسَلِنَ) ما يسكن به قلبك (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ) عظم
(عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ) عن الإِسلام لحرصك عليهم ( فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَّاً) سرباً
(فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّا) مصعداً (فِ السَّماءِ،
على صبروا والمعنى كذبت
رسل فصبروا وأوذوا مع
حد ول الصبر منهم ويصح
عطفه على قوله ما کذبوا
والمعنى صبرواعلى تكذبيهم
وإيذائهم (قوله حتى أتاهم
نصرنا) غاية فى الصبر
والمعنى غاية صبرهم نصر
الله لهم (قوله مواعيده)
أى مواعيد الله بالنصر، قال تعالى - ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون - وقال تعالى - كتب الله لأغابن أنا
ورسلى (قوله ولقد جاءك) اللام موطئة لقسم محذوف وجاء فعل ماض والفاعل محذوف بعلم من السياق قدره المفسر بقوله ما يسكن
به قلبك وقوله من نبأ المرسلين بيان المحذوف ويحتمل أن من زائدة على مذهب الأخفش ونبأ المرسلين فاعل ويحتمل أن من اسم
بمعنى بعض مى الفاعل والمعنى ولقد جاءك بعض أخبار المرسلين الذين كذبوا وأوذوا فصبروا فتسلّ ولاتحزن فان الله ناصرك كما
نصرهم (قوله وإن كان كبر عليك إعراضهم) سبب نزولها أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف جاء لرسول الله صلي الله عليه وسلم
فى نفر من قريش فقالوايا محمدائتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل فانا نصدقك فأبى الله أن يأتيهم بآية مما افترحوا فأعرضوا عنه
فشق ذلك عليه لما أنه شديد الحرص على إيمان قومه فكان إذا سألوه آية يودأن ينزلها الله طمعا فى إيمانهم فنزلت وإن حرف شرط وكان
فعل ماض فعل الشرط واسمها ضمير الشأن وكبر فعل ماض وإعراضهم فاعله والجملة خبر كان والأقرب أن إعراضهم اسم كان مؤخر وجملة
كبر خبرها مقدم وفاعل كبر ضمير يعود على إعراضهم وهو وإن كان مؤخرا لفظا إلا أنه مقدم رتبة (قوله فان استطعت) هذه الجملة
شرطية وجوابها محذوف تقديره فافعل والشرط وجوابه جواب الشرط الأول والمعنى إن عظم عليك إعراضهم ولم تكتف بالمعجزات
التى ظهرت على يديك فان استطعت أن تأتيهم بآية فافعل (قوله سربا) بفتحات: شق فى الأرض والنفق السرب النافذ فى الأرض ومنه
النافقاء أحد أبواب جحرة اليربوع وذلك أن اليربوع يحفر فى الأرض سر باو يجعل له بابين أو ثلاثة: النافقاء والقاصعاء والرامياء ثم
يدقق بالحفر ما يقارب وجه الأرض فإذا نابه أمردفع تلك القشرة الدقيقة وخرج والمعنى إن شئت أن تتحيل على إنيان آية لقومك على طبق

ما الترحوا فافعل وهذا عتلب لرسول الله على التطق بإيمانهم وترق فه إلى المقام الأكمل الذى هو التسليم (قوله فتأتيهم بآية)
أى من تحت الأرض أو من فوق السماء (قوله هدائهم) أى جمبهم على الهدى (قوله ولكن لم يشأ ذلك) هذا استثناء
قبض القدم فيفتح نقيض التالى إن كان بينهما قساو كا هنا نظير لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا وقد أشار لمعنى
النقيجة بقوله فلم يؤمنوا وإلافالنقيجة فلم يجمعهم على الهدى (قوله فلاتكونن من الجاهلين) أى الدين لاتسليم لهم فلاتتعب
نفسك فى تطلب ما اقترحوه فانهم لا يؤمنون (قوله إنما يستجيب الذين يسمعون) هذا من جملة القسلية لرسول الله والمعنى لأنحزن
على عدم إيمانهم فانما يستجيب لك ويمتثل أمرهك ويقبل الواعظ الذين يسمعون سماع قبول والدين لايسمعون يبعثهم
فيجازيهم على ماصدر منهم فلنار أهل والجنة أهل، فمن خلق اله فيه الهدى انتفع بالمواعظ وآمن، ومن خلق فيه الضلال
فلاتزيده المواعظ والآيات إلاضلالا، وهذه الآية فى الحقيقة استدراك على قوله: ولو شاء الله لجعهم على الهدى، فالمعنى لم ينأ
جمعهم على الهدى بل قسم الخلق قسمين: قسم الجنة وقسم النار (قوله دعاءك إلى الايمان) هذا هو مفعول يستجيب والسين
والثناء لتأكيد الاجابة والمراد بالدين يسمعون من سبقت لهم السعادة فى الأزل فما بظهر منهم من الإيمان هو على طبق ماسبق
(قوله أى الكفار) أشار بذلك إلى أن قوله والموتى مقابل قوله الذين يسمعون (قوله يبعثهم الله) أى يحييهم وقوله فى الآخرة
الاحياء بعد الموت وهذا هو الأقرب، وقيل معنى يبعثهم يحيى قلوبهم بالايمان
(١٢)
إشارة الحشر وأن المراد بالبعث
فهو بشارة لرسول الله
بأن أعداءه يؤمنون
ولكن بردّه الحصر
للتقتم وأيضا من آمن
فهو داخل فى قوله الدین
يسمعون (قوله بأعمالهم)
الباء إما سببية أو بمنى
على والمراد بالأعمال
الكفر والمعاصى وقوله ثم
إليه يرجعون أى يوقفون
للحساب والجزاء وأما البعث
فهو الاحياء بعد الموت
فَأْنِهُمْ بِآيَةٍ) مما اقترحوا فاضل، المعنى أنك لا تستطيع ذلك فاصبر حتى يحكم الله (وَلَوْ شَاء
القُ) هدايتهم (بَعَهُمْ عَلَى الْمُدَى) ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِنَ)
بذلك (إِنَّا يَنْتَجِيبُ) دعاءك إلى الإيمان (الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) سماع تفهم واعتبار (وَاْلَوْنَى)
أى الكفار شبههم بهم فى عدم السماع (يَبْتُهُمُ اللهُ) فى الآخرة (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجُونَ) يردون
فيجازيهم بأعمالهم (وَقَالُوا) أى كفار مكة (لَوْلاَ) هلا (نُزَّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّ) كالناقة
والمصا والمائدة (قُلْ) لهم (إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزَّلَ) بالتشديد والتخفيف (آيَةَ) مما اقترحوا
(وَلْكِنَّ أَ كْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) أن نزولها بلاء عليهم لوجوب هلا كهم إن جحدوها (وَمَا مِنْ)
زائدة (دَابَةٍ) تمشى ( فِى الْأَرْضِ وَلاَ طَأْرٍ بَطِيرُ) فى الهواء ( يِنَتَيْهِ إِلاَّ أُمٌَ أُمْثَلُكُمْ)
فى
فتغايرا ( قوله وقالوا) هذا إنكار منهم لما جاء به من المعجزات
الباهرة حيث جعلوا ماجاء به سحرا وكهانة وطلبوا غيره ( قوله كالناقة والعصا) أى والنار لابراهيم وإلانة الحديد لداود وغير
ذلك من معجزات الأنبياء الظاهرة فنزلوا معجزاته صلى الله عليه وسلم منزلة العدم حتى طلبوا معجزة على صدقه ولكنهم من
حمى قلوبهم لم يفرقوا بين معجرانه ومعجزات غيره فان معجزاته أعلى وأجل ، قال العارف البرمى:
وإن قابلت لفظة لن ترانى بما كذب الفؤاد فهمت معنى وقال أيضا: وإن يك خاطب الأموات عيسى *
إلى آخر ماقال (قوله بالتشديد والتخفيف) أى فهما قراءتان سبعيتان ( قوله أن
فانّ الجذع حن له وأنا
نزولها الخ) هذه الجملة فى محل نصب مفعول يعلمون (قوله بلاء عليهم) أى امدم إيمانهم وانتفاعهم بها (قوله لوجوب
هلا كهم) أى بحسب جرى عادة الله بأن من اقترح آية وجاءته ولم يؤمن بها أهلكه الله فعدم إجابتهم لما اقتر حوارحمة بالأمة المحمدية جميعا
لأن الله منّ على نبيه ببقائها إلى يوم القيامة ولو أجاب المتعنتين بعين ماطلبوا لانقرضت الأمة كما انقرض من تعنت قبلهم
(قوله ومامن دابة) كلام مستأنف مسوق لبيان كمال قدرته فعالى وسعة علمه وتديره (قوله تمشى) قدره خاصا لدلالة . قابله وهو
قوله بطير عليه، قال العلماء جميع ما خلقه اللهعز وجل لا يخرج عن المشى والطيران وألحقوا حيوان البحر بالطير لأنه يسبح فى الماء
كما أن الطير يسبح فى الهواء (قوله فى الأرض) خصها بالذكر لأن المشاهد أقطع لحبة الخصم وإلا فسكان السماء كذلك
(قوله بجناحيه) صفة كاشفة نظير قوله: نظرت بعنى وسحبت بأذنى (قوله إلا أمم) أى هواتف وجماعات أمثالكم أى كل

نوع على صفة وطريقة وشكل كما أنّكم كذلك فمن الصواب العزيز والذليل والمرزوق بسهولة وبتعب والقوى والضعيف
والكبير والصغير والمتحيل فى الرزق وغير المتحيل كبنى آدم (قوله فى تدبير خلقها) أى وتصريفه فيها فى كل لحظة بجلب المنافع
لها ودفع المضار عنها ولطفه بها فلا يشغله شأن عن شأن، قال تعالى - ماخلقكم ولا بعشكم إلا كنفس واحدة - (قوله
وأخوالها) أى من إحيائها وإماتها وإعزازها وإذلالها ونحو ذلك وكذلك تعرف ربها وتوحده كما أتم تعرفون ربكم
وتوحدونه ولم يوجد كافر إلامن الجن والآدميين وإلا جميع المخلوقات عقلاء وغیرم مجبولون علی التوحید قال تعالى - وإن
من شيء إلا يسبح ؟/مده - وإنما كفر من كفر من الجن والإنس عنادا (قوله اللوح المحفوظ ) أى من الشيطان ومن
التغيير والتبديل، وهو من درة بيضاء فوق السماء السابعة طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب حيث أريد
بالكتاب اللوح المحفوظ فالعموم ظاهر فان فيه نبيان كل شىء ما كان وما يكون وماهو كائن، وقيل المراد بالكتاب القرآن
وعليه فالمراد بقوله مافرطنا فى الكتاب من شىء أى يحتاج إليه الخلق فى أمورهم (قوله ثم إلى ربهم يحشرون) أى يجمعون
وهذا بيان لأحوالهم فى الآخرة إثر بيان أحوالهم فى الدنيا (قوله فيقضى بينهم) أى الأمم عقلاء أو غيرهم (قوله للجماء)
أى وهى معدومة القرون وهذا كله لاظهار العدل حيث لم يترك غير العقلاء فكيف بالعقلاء فلابد من الحشر والحساب والجزاء
إما بالعدل وإما بالفضل (قوله والذين كذبوا بآياتنا) أى أعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها ( قوله فى الظلمات) هو معنى قوله فى
ولا اعتبار ولا يصل إلىم نور أبدا(قوله
(١٣)
الآية الأخرى عمى ، فهم صم القلوب عميها بكها فلايتأتى منهم انتفاع
الكفر) أى فهو ظلمات
فى تدبير خلقها ورزقها وأحوالها (مَا فَرَّطْنَا) تركنا (فِى الْكِتَابِ) اللوح المحفوظ (مِنْ)
زائدة (شَىْءٌ) فلم نكتبه ( ثُمَّ إِلَى رَّبِهِمْ يُخْشَرُونَ) فيقضى بينهم ويقتصُّ للجماء من
القرناء ثم يقول لهم كونوا ترابا (وَالَّذِينَ كَذِّبُوا بِيَتِنَا) القرآن (مُمٌ) عن سماعها سماع
قبول ( وَبُكْمٌ) عن النطق بالحق ( فِ التّلمَاتِ ) الكفر (مَنْ يٍَ اللهُ) إضلاله
( يُضْلِهُ وَمَنْ يَتَأْ) هدايته ( يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ) طريق (مُسْتَقِيمٍ) دين الاسلام (قُلْ)
يامحمد لأهل مكة (أَرَأَيْتَكُمْ) أخبرونى (إِنْ أَنَاَ كُمْ عَذَابٌ أَثِ) فى الدنيا (أَوْ أَتَشْكُمُ
السّاعَةُ) القيامة المشتملة عليه بغتة (أَغْرَ اللهِ تَدْعُونَ) لا (إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فى أن
الأصنام تنفعكم فادعوها
معنوية فمثل الكافركمثل
رجل أعمى أصم أبكم
فى ظلمات فلايهتدى إلى
مقصوده كما أن الكافر
كذلك ( قوله من يشأ.
الله يضلله ) هذا دليل
لما قبله ومفعول يشأ فى
كلّ محذوف قدره المفسر
بقوله إضلاله وبقوله
هدايته والمعنى أن الاضلال
والاهتداء بتقدير الله فمن أراد الله هدايته سهل له أسبابها وجعله منهمكا فى طاعته وإن وقعت منه معصية وفق التوبة منها ومن
أراد الله إضلاله حجبه عن نوره وتعسرت عليه أسباب الطاعة حتى لو وقعت منه طاعة تكون معلولة غير مقبولة وما فى هذه
الآية هو معنى قوله تعالى فى الآبة الأخرى - من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام - الآية (قوله قل يا محمد) أى على
سبيلى التخويف والتوبيخ على الكفر بالله (قوله أخبرونى) هكذا فسرت الرؤية فى هذه الآية ونظائرها بالاخبار والأصل
فى الرؤية العلم أوالا بصار فأطلق العلم أو الابصار وأريدلازمه وهو الاخبار لأن الانسان لا يخبر إلا بما علمه أو أبصره واستعملت
الهمزة التى هى فى الأصل لطلب العلم أو الابصار فى طلب الاخبار ففيه مجازان ورأى فعل ماض والتاء فاعل والكاف مفعول
أوّل على حذف مضاف والجملة الاستفهامية فى محل المفعول الثانى والتقدير أرأيتم عبادتكم غير الله هل تنفعكم، والمعنى
أخبرونى يا أهل مكة إن أناكم عذاب الله أو أنتكم الساعة بسرعة أتدعون إلها غير الله يكشف عنكم مانزل بكم وجواب
الاستفهام لا يدعون غير الله فاذا كان كذلك فهو أحق بأن يفرد بالعبادة (قوله إن أتاكم) جواب الشرط محذوف تقديره
فمن تدعون (قوله فى الدنيا) أى كالصاعقة والصيحة ( قوله المشتملة عليه) أى على العذاب لأن الكافر لا يشاهد من
حين موته إلا العذاب الدائم وأسهله خروج الروح (قوله بفتة ) أى سرعة ( قوله أغير الله تدعون ). الهمزة للاستفهام
الانكارى وغبر ممول لتدعون وهو صفة لموصوف محذوف والتقدير أتدعون إلها غير الله (قوله فادعوها) قدره إشارة
إلى أن جواب الشرط عذوف .

(قوله بل إياه) إضراب انتقالى عن النفى الذى علم من الاستفهام (قوله فى الشدائد) أى كالمرض والفقر وغير ذلك (قوله
إن شاء) جوابه محذوف لفهم المعنى ودلالة ماقبله عليه أى إن شاء أن يكشفه كشفه وإن لم يشأ كشفه فلا يكشفه فليست
إجابة الدعاء وعدا لايخلف وهذا مخصوص بدعاء الكفار ، وأما دعاء المؤمنين فهو مجاب بالوعد الذى لايخاف لكن على مايريد
الله إما بحين المطلوب أو بغيره فلامنافاة بين ماهنا وبين قوله تعالى: ادعونى أستجب لكم (قوله ونفسون ماشركون)
أى حين نزول الشدائد بهم لا يلتفتون إلى أصنامهم بل لا يدعون إلا الله (قوله ولقد أرسلنا) هذا تسلية لرسول الله صلى الله
عليه وسلم (قوله فكذبوهم) قدره إشارة إلى أن قوله فأخذناهم مرتب على محذوف (قوله يتضرّعون) من التضرّع وهو
التذلل والخضوع (قوله فهلا) أشار بذلك إلى أن لولا للتحضيض (قوله أى لم يفعلوا ذلك) أى التضرّع وأشار بذلك إلى
أن التحضيض بمعنى النفى (قوله مع قيام المقتضى له) أى وهو البأساء والضرّاء (قوله ولكن قست قلوبهم) أى لم يقع
منهم تضرّع ولاخضوع بل ظهر منهم خلاف ذلك بسبب قسوة قلوبهم (قوله فلم تلن للإيمان) أشار بذلك إلى أن القسوة
عنه الإيمان (قوله وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) أى
(١٤)
نشأ عنها الكفر كما أن التضرّع ينشأ
الذى كانوا يعملونه
(بَلْ إِيَّاهُ) لا غيره ( تَدْعُونَ ) فى الشدائد (فَيَكْشِفُ ماتَدْعُونَ إِلَيْهِ ) أن
يكشفه عنكم من الضر ونحوه ( إنْ شاء) كشفه (وَتَنْسَوْنَ) تركون (مَنُشْرِ كُونَ) .عه
من الأصنام فلا تدعونه ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ) زائدة (قَبْلِكَ) رسلا فكذبوهم
(فَأَخَذْنَهُمْ بِالْبَأْسَاءِ) شدة الفقر (وَالضَّرَّاءِ ) المرض (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) يتذللون
فيؤمنون ( فَلَوْلاَ) فهلا ( إذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَاَ) عذابنا (تَضَرَّعُوا) أى لم يفعلوا ذلك مع
قيام المقتضى له ( وَلُكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) فلم تلن للإيمان (وَزَبَّنَ لَمُهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ) من المعاصى فأصروا عليها (قَلَمًا نَسُوا) تركوا ( مَاذُ كِّرُوا) وُعظوا وخوفوا
(بِهِ) من البأساء والضراء فلم يتعظوا (فَتَحْنَاَ) بالتخفيف والتشديد (عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ
شَىْءٌ) من النعم استدراجًا لهم (حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) فرح بطر (أَخَذْنَهُمْ) بالعذاب
(بَغْتَةَ) جَأة ( فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) آيسون من كل خير (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَمُوا)
أى آخرم بأن استؤصلوا (وَاْحَمْدُ لِ رَبِّ الْعَالِينَ) على نصر الرسل وإهلاك الكافرين (قُلْ)
لأهل مكة (أَرَأَيْتُ) أخبرونى (إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ) أصمكم (وَأَبْصَارَ كُمْ) أَعماكم (وَخَ )
طبع (عَلَى قُلُوبِكُمْ) فلا تعرفون شيئا (مَنْ إِلٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيَكُمْ بِهِ) بما أخذه منكم ،
أوعملهم (قوله فأصرّوا
عليها) أى على المعاصى
ولم يتعظوا بما نزل بهم
من البأساء والضرّاء
( قوله بالتخفيف
والقشدید ) أى فهما
قراءتان سبعيتان ( قوله
حتى إذا فرحوا ) غاية
للفتح ، والمعنى أن من
خالف أمر الله وطنى
يستدرجه الله بالتم
ويمدّه بالعطايا الدنيوية
فاذا فرح بذلك كان
عاقبة أمره أخذه أخذ
عزيز مقتدر ( قوله فإذا
هم مبلسون) إذا فائية
بزعمكم
أی فاجأهم الابلاس بمعنى اليأس من كل خير
(قوله فقطع دابر القوم الذين ظلموا) الدابر التابع من خلف ، يقال دبر الولد والده ودبر فلان القوم: تبعهم ، فمعنى دابرهم
آخرهم وهو كناية عن الاستئصال فلذلك قال بأن استؤصلوا أى فلم يبق منهم أحد ( قوله والحمد له رب العالمين) هذا
حمد من اللّه لنفسه على هلاك الكفار ونصر الرسل وفيه تعليم المؤمنين أنهم يشكرون الله على ذلك إذ هو نعمة عظيمة (قوله
قل أرأيتم) هذا تنزل من الله سبحانه وتعالى لكفار مكة لاقامة الحجة عليهم قبل أخذهم (قوله أخبرونى) تقدم أن استعمال
رأى فى الاخبار مجاز وأصل استعمالها فى العلم أوفى الابصار وتقدم أنها تطلب مفعولين: الأول محذوف لدلالة مفعول أخذ وهو
-معكم وأبصاركم عليه فهو من باب التنازع أعمل الثانى وأضمر فى الأول وحذف لأنه فضلة والمفعول الثانى هو قوله من إله
غير الله الخ (قوله سمعكم) أفرده وجمع ما بعده لأن السمع مصدر لايثنى ولا يجمع كمانقدم فى البقرة (قوله وختم على قلوبكم)
المراد بالقلوب العقول ، أى أذهب عقولكم وصيركم كالبهائم فلانعقلون شيئا (قوله بما أخذه) أشار بذلك إلى أنه أفرد باعتبار
ماذكر ، والمعنى من إله غير الله بزعمكم يأتيكم بأى- واحدمهما أخذ منكم؟.

متعلق بقوله من إلى خبراته فالمناسب تقديمه (قوله انظر كيف نصرف الآيات) هذا تعجيب لرسول الله من عدم
اعتبارهم بتلك الآيات الباهرة وكيف منصوب على القشبيه بالحال. والمعنى انظر يا محمد تصريفنا الآيات على أى كيفية (قوله أرأيتكم)
أى أخبرونى والمفعول الأوّل الكاف على حذف مضاف أى أنفسكم والمفعول الثانى جملة الاستفهام (قوله عذاب الله) أى كالصيحة
والصواعق ( قوله ليلا أونهارا) لف ونشر مرتب وهذا التفسير لابن عباس ، وقيل البغتة الذى يأتى من غير سبق علامة
والجهر الذى يأتى مع سبق علامة كان كل بالليل أو بالتهار (قوله الكافرون) أشار بذلك إلى أن المراد هلاك سخط وغضب
فاندفع ما يقال إن المصيبة إذا أنت فلاتخص الكافر بل تم الطائع . فالجواب أن هلاك الكفار سخط وغضب وهلاك المؤمن إثابة
ورفع درجات والاستثناء مفرغ والاستفهام إنكارى بمعنى النفى كما أشار له المفسر (قوله ومانرسل المرسلين) هذا بيان لوظائف
المرسلين ، والمعنى أن المرسلين منصبهم البشارة لمن آمن والنذارة لمن كفر وليسوا قادرين على إيجاد نفع أوضرّ وإنما جعلهم
الله سببا لذلك (قوله فى الآخرة) احتراس لبيان أن عدم الخوف والحزن هو فى الآخرة فقط وأما الدنيا فهى محل الخوف
والحزن لأنها سجن المؤمن (قوله والذين كذبوا) مقابل قوله فمن آمن كأنه قال فالذين آمنوا وأصلحوا الخ وهذا يؤيد أن
فسقهم . والفسق الخروج عن
(١٥)
من موصولة ( قوله بما كانوا يفسقون ) الباء سببية ومامصدرية أى بسبب
بزعمكم (أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ) نبين (الْآيَاتِ) الدلالات على وحدانيتنا (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ)
يعرضون عنها فلا يؤمنون ( قُلْ) لهم (أُرَ أَيْتَكُمْ إِنْ أَتْيكُمْ عَذَابُ اللهِ بَشْتَةً أَوْ جَهْرَةً)
ليلا أو نهاراً (هَلْ يُهْلَكُ إلَّ الْقَوْمُ الَّالِمُونَ) الكافرون، أى ما يهلك إلا م (وَمَا نُرْسِلُ
الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُكَثِّرِينَ) مَن آمن بالجنة (وَمُنْذِرِ ينَ) مَن كفر بالنار (فَنْ آمَنَ) بهم (وَأَصْلَحَ)
عمله (فَلاَ خَوْفٌ عَلَّيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) فى الآخرةَ (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَ يَتِنَا يَشْهُمُ اْتَذَابُ
بِمَ كَانُوا يَفْقُونَ) يخرجون عن الطاعة (قُلْ) لهم (لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِى خَزَانُ اللهِ) التى
منها يرزق (وَلاَ) إنى (أَعْلَمُ الْغَيْبَ) ماغاب عنى ولم يوح إلىّ (وَلَآَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَكٌ)
من الملائكة (إنْ) ما (أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأْمَى) الكافر (وَالْبَصِيرُ)
المؤمن؟ لا (أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) فى ذلك فتؤمنون (وَأَنْذِرْ) خوّف (بِهِ) أى بالقرآن (الَّذِينَ
يَفُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ ) أى غيره (وَلِيٌّ) ينصرهم ( وَلاَ شَفِيْعٌ)
يشفع لهم وجملة النفى حال من ضمير يحشروا وهى محل الخوف والمراد بهم المؤمنون العاصون
( لَعَلُّمْ يَتَقُونَ ) الله بإقلاعهم عماهم فيه وعمل الطاعات (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَهُمْ ،
الطاعة كلا أو بعضا
فالكافر فاسق لخروجه
عن طاعة الله بالكلية
(قوله قل لا أقول لكم)
هذا مرتب على قوله :
وما نرسل المرسلين إلا
مبشرينومنذرين ، كأنه
قال ليس على الرسول إلا
البشارة والنذارة وليس
من وظيفته إجابتهم عما
سألوه عنه ولافعل
ماطابوه منه لأنه ليس
عنده خزان الله الخ
( قوله خزائن الله ) أى
لا أدّعى أن مقدورات الله
من أرزاق وغيرها مفوضة إلىّ حتى تطلبوا منى قلب الجبال ذهبا وغير ذلك (قوله ولا أعلم الغيب) أى ماغاب عنى من أفعال الله
حتى تسألونى عن وقت الساعة أووقت نزول العذاب (قوله ولا أقول لكم إنى ملك) أى حتى تكافونى بصفات الملائكة كالسعود
للسماء وعدم المشى فى الأسواق وعدم الأكل والشرب، وهذه الآية نزلت حين قالوا له: إن كنت رسولا فاطلب منه أن يوسع
علينا ويغنى فقرنا فأخبر أن ذلك بيد الله لا بيده بقوله: قل لاأقول لكم عندى خزائن الله، وقالوا له أيضا : أخبرنا بمصالحنا
ومضارّنا فى المستقبل حتى تتهيأ لذلك فتحصل المصالح ( تدفع المضارّ فقال لهم ولا أعلم الغيب فأخبركم بما تريدون وقالوا له: مالهذا
الرسول في كل الطعام ويمشى فى الأسواق ويتزوّج النساء؟ فقال لهم ولا أقول لكم إنى ملك (قوله أفلا تتفكرون) الهمزة
داخلة على محذوف والفاء عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير ألاتسمعون الحق فلانتفكرون (قوله فتؤمنون) معطوف على
تتفكرون وليس جوابا النُ وإلا لنصب (قوله وأنذر به الذين يخافون) محط الأمر قوله لعلهم يتقون، والمعنى أن إنذارك
لا ينفع إلا المؤمن العاصى الخائف ، وأما الكافر المعاند فلا ينفع فيه الإنذار فلا ينافى أنه مأمور بانذار كل مخالف أفاد الإنذار
أولا وإنما ذلك بيان الذين ينفع فيهم الانذار (قوله والمراد بهم) أى بالذين يخافون (قوله ولا تطرد الذين يدعون) أى
لاتبعدهم عن مجلسك ولاعن القرب منك (قوله بدعون) أى يعبدون.

(قوله بالغداة والعشئّ) خص هذين الوقتين لأن فى الأول صلاة الصبح وفى الثانى صلاة العصر وقد قيل إن كلا هى الصلاة
الوسطى (قوله لاشيئا) مفعول لحذوف تقديره لايريدون شيئا (قوله من أعراض الدنيا) يصح ضبطه بالعين المهملة وبالنين
المعجمة والثانى أولى لشموله للأموال وغيرها (قوله وهم الفقراء) أى كبار بن ياسر وبلال وصهيب (قوله وكان المشركون
طعنوا فبهم) هذا إشارة لسبب نزولها. وحاصله كما قال الخازن أنه جاء الأقرع بن حابس التيمى وعتبة بن حسن الفزارى
وعباس بن مرداس وهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم جالسا مع ناس من ضعفاء المؤمنين كعماربن ياسر
وصهيب وبلال فلما رأوهم حوله حقروهم وقالوا يارسول الله لوجلست فى صدر المسجد وأبعدت عنا هؤلاء ورائحة جبابهم
وكانت عليهم جبب من صوف شلها رائحة كريهة لمداومة لبسها لعدم غيرها لجالسناك وأخذنا عنك فقال النبيّ ما أنا بطارد
المؤمنين قالوا فانا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا فانّ وفود العرب تأتيك فنستحى أن ترانا مع هؤلاء
الأعبد فاذا نحن جئناك فأمهم عنا فاذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال نعم، قالوا فا كتب لنا عليك بذلك كتابا فأتى
بالصحيفة ودعا عليا ليكتب فنزل جبريل بقوله: ولا قطرد الذين يدعون ربهم الخ فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة
ثم دعانا وهو يقول: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكنا نقعد معه وإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله:
واصبر نفسك الآية فكان يقعد معنا بعد ذلك وندنو منه حتى كادت ركبنا تمس ركبته فإذا بلغ الساعة التى يريد أن يقوم فيها
ماعليك من حسابهم من شىء) هذا كالتعليل لما قبله ، والمعنى لا نؤاخذ
(١٦)
قنا وتركناه حتى يقوم اهـ (قوله
بذتر بهم ولا بمافى قلوبهم
إن أرادوا بصحبتك غير
وجه الله وهذا على فرض
تسليم ما قاله المشركون
وإلافقد شهدالله أوّلا لهم
بالاخلاص ومأنافية مهملة
وعليك جار ومجرور خبر
مقدم وشىء مبتدأ مؤخر
ومن صلة ومن حسابهم
متعلق بمحذوف حال
بِالْغَدَاةِ وَالْمَشِىِّ يُرِيِدُونَ) بعبادتهم (وَجْهَُ) تعالى لاشيئا من أعراض الدنيا وهم الفقراء،
وكان المشركون طعنوا فيهم وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه وأراد النبى صلى الله عليه وسلم ذلك
طمعاً فى إسلامهم (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ) زائدة (شَىْءٍ) إن كان بالمنهم غير مرضى
(وَمَا مِنْ حِسَابَكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ) جواب النفى ( فَتَكُونَ مِنَّ الّالِمِينَ) إن
فعلت ذلك (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا ) ابتلينا (بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) أى الشريف بالوضيع والغنى بالفقير بأن
قدمناه بالسبق إلى الإيمان (لِيَقُولُوا) أى الشرفاء والأغنياء منكرين (أَهْوَلاَء) الفقراء (مَنَّ
اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِناً) بالهداية أى لو كان ماهم عليه هدى ما سبقونا إليه ، قال تعالى (أَلَيْسَ اللهُ
بِأَعْلَ بِالشَّاكِرِينَ) له فيهديهم على (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ) لهم (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ
كتب
وهذا نظير قوله فى الآية الأخرى : ولا تزر وازرة وزر أخرى .
(قوله وما من حسابك عليهم من شىء) يقال فى إعرابها ماقيل فيما قبلها إلا أن قوله من حسابك بيان لقوله من شىء وليس
حلا وفى هاتين الجملتين من أنواع البديعردّ الصدر على العجز كقولهم، عادات السادات سادات العادات، والتتميم وإلا فأصل
التعليل قد حصل بالجملة الأولى (قوله جواب النفى) أى المرتب على النهى وقوله فتكون معطوفا على قوله فتطردهم (قوله إن
فعلت ذلك) أى طردهم (قوله وكذلك) الكاف فى محل نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير ومثل ذلك الفتون المتقدم من
أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمة ببعض (قوله والغنىّ بالفقير) أى ففتنة الغنى بالفقير لسبق الفقير إلى الإيمان وفتنة
الفقير بالغنى زينة الدنيا التى يتمتع فيها مع كفره (قوله بأن قدمناه بالسبق إلى الايمان) بيان لفتنة الأغنياء بالفقراء (قوله
ليقولوا) اللام يصح أن تكون لام كى أولام الصيرورة والعاقبة (قوله منكرين) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكارى
بمعنى النفى على سبيل التهكم ( قوله قال تعالى) أى ردًا عليهم (قوله بلى) جواب الاستفهام التقريرى (قوله وإذا جاءك)
هذا من تمة مانزل فى الفقراء (قوله الذين يؤمنون) وصفهم أوّلا بالعبادة وثانيا بالايمان إظهارا لمزاياهم (قوله فقل سلام
عليكم الخ) أى اذكر لهم هذه الآية إلى قوله: غفور رحيم فى وقت مجيبهم إليك، وهذا السلام يحتمل أنه سلام التحية
أمر أن يبدأهم به إذا قدموا عليه خصوصية لهم وإلافسنة السلام أن تكون أولا من القادم وعليه فتكون الجملة إنشائية ،
ويحتمل أنه سلام الله عليهم إ كراما لهم أمر بتبليغه لهم وعليه فتكون الجملة خبرية لفظا ومعنى وسلام مبتدأ وعليكم خبره
وسوف الابتداء بالنكرة كونه دعاء والدعاء من المسوغات.

(قوله كتب ربكم) أى الزم نفسه تفضلا منه وإحسانا (قوله وفى قراء بالفتح) أى وهى سنبغية أيضا، والحاصل أن القرآن
ثلاث فتحهما وكرهما وفتح الأولى وكسر الثانية وكلها سبعية، فأما الفتح فيهما فالأولى بدل من الرحمة والثانية فى محلّ رفع
مبتدأ والخبر محذوف : أى فغفرانه ورحمته حاصلان له، وأما الكسر فيهما فالأولى مستأنفة جىء بها كالتفسير لما قبلها والثانية
مستأنفة أيضا بمعنى أنها فى صدر جملة وقعت خبرا لمن الموصولة ، وأما على فتح الأولى وكسر الثانية فالأولى بدل والثانية استئناف
فتأمل فانه زبدة احتمالات كثيرة (قوله بدل من الرحمة) أى بدل شىء من شىء (قوله بجهالة) الجار والمجرور متعلق بمحذوف
حال من فاعل عمل، والتقدير عمل سوءا حال كونه جاهلا بما يترتب على معاصيه من العقاب غافلا عن جلال الله ، وفيه إشاره
إلى أن المؤمن لا يقع منه الذنب إلافى حال جهله وغفلته، وهذه الآية لا تخص الفقراء الذين كانوا فى زمنه صلى الله عليه وسلم بل
هى عامة لكلّ من تاب إلى يوم القيامة ولعموم بشارتها افتتح بها أبو الحسن الشاذلى حز به (قوله ولقستبين) معطوف على
محذوف قدّره المفسر بقوله ليظهر الحق فطريق الهدى واضحة وطريق الضلال واضحة لما فى الحديث ((تركتكم على الحجة
البيضاء ليلها كنهارهاونهارها كليلها لا يضل عنها إلاهالك)) (قونه وفى قراءة بالتحتانية) أى ورفع سبيل فالقرا آت ثلاث وكلها
(١٧)
سبعية فى الفوقانية الرفع والنصب وفى التحتانية الرفع لاغير (قوله خطاب للنبى)
أى والمعنى لتعلم سبيلهم
فتعاملهم بما يليق بهم
( قوله قل إنی نهيت) هذا
كَتَبَ) قضى (رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ) أى الشأن، وفى قراءة بالفتح بدل من الرحمة
(مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِهَلَةٍ) منه حيث ارتكبه (ثُمَّ تَبَ) رجع ( مِنْ بَعْدِهِ) بعد عمله
عنه ( وَأَصْلَعَ) عمله (فَإِنَّهُ) أى الله (غَفُورٌ) له (رَحِيمٌ) به ، وفى قراءة بالفتح أى فالمغفرة
له (وَكَذْلِكَ) كما بيَّنَا ما ذكر ( نُفُصِّلُ) بين (الآيَاتِ ) القرآن ليظهر الحق فيعمل به
(وَلِتَسْتَبِينَ) تظهر (سَبِيلُ) طريق (المُجْرِمِينَ) فتجتنب، وفى قراءة بالتحتانية وفى أخرى بالفوقانية،
ونصب سبيل خطاب النبى صلى الله عليه وسلم (قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَّدْعُونَ) تعبدون
(مِنْ دُونِ اللهِ، قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَ كُمْ) فى عبادتها (قَدْ ضَلْتُ إِذّا) إن اتبعتها (وَمَا أَنَا مِنَ
اُمْتَدِينَ. قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِنَّةٍ) بيان (مِنْ رَبِّ، وَ) قد (كَذَّبْتُمْ بِ) ربى حيث أشركتم (مَاعِنْدِى
مَأَتَسْتَمْجِلُونَ بِهِ) من العذاب (إِنٍ) ما (الْحُكْمُ) فى ذلك وغيره (إِلاَّ ◌ِ يَقْضِى) القضاء
(الْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) الحاكمين وفى قراءة يقصُّ أى يقول (قُلْ) لهم (لَوْ أَنَّ عِنْدِى مَا تَسْتَمْجِلُونَ
بِ لَُّقِىَالْأَمْرُ بْنِى وَيَيْنَكُمْ) بأن أعجله لكم وأستريح ولكنه عند الله (وَاللهُأَعْلَمُ بِالظَّالِنَ)
أمرمن الله لنبيه أن يخاطب
الكفار الذين طمعوا فى
دخول رسول الله ملی
الله عليه وسلم فی دنهم
ويرد عليهم بذلك (قوله
نهيت) أى نهانى ربى
بواسطة الدليل العقلى
والسمعى لدلالة كلّ
منهما على أن الله واحد
لاشريك له متصف بكل
کمال مستحيل عليه كل
نقص (قوله تعبدون)
هذا أحد إطلاقات الدعاء
وبه فسر فى غالب القرآن لأنه يشمل الطلب وغيره ( قوله قل لا أنبح أهواء كم) جمع هوی سمی بذلك لأنه يهوى بصاحبه إلى
المهالك وهذه الجملة تأكيد لما قبلها (قوله إذا) حرف جواب وجزاء ولا عمل لها لعدم وجود فعل تعمل فيه (قوله إن اتبعتها) أى
الأهواء وهو بيان لمعنى إذا (قوله وما أنامن المهتدين) تأكيد لما قبلها (قوله قل إنى على بينة) هذا زيادة فى قطع طمعهم الفاسد
و"عنى لا تطمعوا فى دخولى دينكم لأنى على بينة من ربى ومن كان كذلك كيف يخدع ويقبع الضلال، وهذا نظير قوله تعالى
- وذلك حجتناآتبناها إبراهيم على قومه - (قوله بيان) أى دليل واضح (قوله وكذبتم به) أى بوحدانيته والجملة حالية ويشير
لذلك تقدير المفسرقد (قوله ماعندى ما تستعجلون به) ما الأولى نافية والثانية موصولة وقوله من العذاب بيان لما الثانية، وسبب
نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم وكانوا يستعجلون به استهزاء كمافى آية الأنفال - وإثم
قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك - الآية (قوله يقضى الحق) قدّر المفسر القضاء إشارة إلى أنه منصوب على أنه صفة
المصدر محذوف، ومحتمل أنه ضمنه معنى ينفذ فعداه إلى المفعول به ويحتمل أنه منصوب بنزع الخافض: أى بالحق ( قوله وفى قراءة
بقص الحق) من قص الأثر: تتبعه، وقص الحديث: قاله (قوله لو أن عندى) أى لو كان الأمر مفوضا إلىّ (قوله ما تستعجلونيه)
أى من العذاب (قوله بأن أعجله) بيان لقوله لقضى الأمر والضمير عائد على ماتستعجلون
[ ٣ - مارى - ثانى ]

(قوله متى يعاقبهم) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضافين، والتقدير والله أعلم بوقت عقوبة الظالمين فلا يستعجلوا
ذلك فانه لاحق بهم إن لم يتوبوا وإنما تأخيره من حلم الله عليهم فاولا حلمه مابقى أحد ، قال تعالى - ولو اتبع الحقّ أهواءهم
لفسدت السموات والأرض ومن فيهنّ - فمن القبيح قول بعض العامة: حلمى اللّه يفتت الكبود. إن قلت مقتضى هذه الآية أنه
لو كان الأمر مفوّضاله فى تعذيبهم لعجله واستراح، ومقتضى ماورد من إنيان ملك الجبال يستشيره فى أنه يطبق ، ليهمّ الأخشبين
أنه لم يرض وقال («أرجو أن يخرج من ذرّيتهم من يؤمن بالله)) حصل التنافى. أجيب بأن ما فى الآية بالنظر لأصل البشرية
لأن البشر يتأثر بالضرّ والنفع، وما فى الحديث إنماهو رحمة من الله ألقاها عليه فرحمهم بها، قال تعالى - فبمارحمة من الله النت
لهم - فرجع الأمر لله فتدبر (قوله وعنده مفاتح الغيب) لمابین سبحانه وتعالى أوّلا أنه منفرد بايجاد كل شىء خيرا كان أوشرا
بقوله - إن الحكم إلالله - الآية بين ثانيا أنه منفرد بعلم الغيب بقوله - وعنده مفاتح الغيب - فهو كالدليل لماقبله كأنه قال العذاب
والرحمة بقدرة الله ولايعلم وقت مجىء ذلك إلا الله لأن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاهو وعنده خبر مقدم ومفاتح الغيب مبتدأ
مؤخر وتقديم الظرف يؤذن بالحصر وهو منصب على الجميع فلا ينافى أن بعض الأنبياء والأولياء يطلعه الله على بعض المغيبات
الحادثة . قال تعالى - عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلامن ارتضى من رسول - وأمامن قال إن نبينا أوغيره أحاط بالمغيبات
علما كما أحاط علم الله بها فقد كفر (قوله خزائنه) أشار بذلك إلى أن مفاتح جمع مفتح بفتح فكسر كمخزن ورنا ومعنى: العلوم
الخزينة ، وقوله أو الطرق: أى فهو جمع مفتح بكسر ففتح بمعنى الطرق التى توصل إلى تلك العلوم المخزونة الغيبية (قوله لا يعلمها)
أى الخزائن أو الطرق تفصيلا إلا هو ، وأما علمنا فيها فهو على سبيل الاجمال وهوتأكيد لما علم من تقديم الظرف (قوله علم
وتفعيل ما يحصل فيها (قوله الآية) أى وهى وينزل الغيث: أى المطر: أى لا يعلم
(١٨)
الساعة) أى وقت مجيئها
وقت مجيئه وعدد قطرانه
متى يعاقبهم ( وَعِنْدَهُ) تعالى (مَفَائِحُ الْغَيْبِ) خزائنه أو الطرق الموصلة إلى حلمه ( لاَ يَعْلَمُ)
إِلَّ هُوَ) وهى الخمسة التى فى قوله: إن الله عنده على الساعة الآية كما رواه البخارى (وَيَعْلَمُ مَا)
يحدث ( فِ الْبَرِّ) القفار ( وَالْبَعْرِ ) القرى التى على الأنهار (وَمَا تَشْقُطُ مِنْ) زائدة ( وَرَقَةٍ
إِلَ يَعْلَهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِ ظُمَاتِ الْأَرْضِ وَلاَ رَكْبٍ وَلاَ يَابِسٍ) عطف على ورقة (إِلاَّ فِ كِتَبٍ
مُبين) هو اللوح المحفوظ والاستثناء بدل اشتمال من الاستثناء قبله (وَهُوَ الذِى يَتَوَنَا كُمْ يِاثْنِ)
ونفع الناس به إلا الله
۔ ویعلم مافى الأرحام-أى
من كونه ذكرا أو أنثى
شقيا أو سعيدا يعيش أو
وت - وما تدری نفس
ماذا تكسب غدا - أى
يقبض
لا تعلم نفس ما يعرض لها فى المستقبل من خير أوشر وغير ذلك من الأحوال التى تطرأ
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكننى عن على مافى غد عمى
على الأنفس . قال الشاعر :
- وما تدرى نفس بأىّ أرض تموت - أى بأى محل يكون قبض روحها فيه أو دفنها فيه - إن الله عليم خبير - ببواطن الأشياء
كظواهرها وهذا التفسير لابن عباس. وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائنه الخفية فى الأرض، والأقرب والأتم أن المراد
بمفاتيح الغيب الأمور الغيبة الخفية جميعها كانت الخمسة أوغيرها (قوله ما يحدث فى البر) أى من خير وشر (قوله القرى التى على
الأنهار) أى فيعلم رزق أهلها وعددهم وغير ذلك ، وقال جمهور المفسرين: المراد البر والبحر المعروفان لأن جميع الأرض إمابر
أو بحر وفى كل عوالم وعجائب وسعها علمه وقدرته (قوله وما تسقط من ورقة) أي من الشجر إلا يعلمها : أى بعلم وقت سقوطها
والأرض التى تسقط عليها (قوله ولاحبة فى ظلمات الأرض) أى وهى التى يضعها الزارع النبات فيعلم موضعها وهل تنبت أولا،
وقيل المراد بالحبة التى فى الصخرة التى فى الأرض التى قالى فيها الله - يابنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فسكن فى صخرة
أو فى السموات أو فى الأرض يأت بها الله - وكل صحيح (قوله ولارطب ولايا بسن) عطف عام لأن جميع الأشياء إما رطبة
أو يابسة . فان قلت إن جميع هذه الأشياء داخل تحت قوله وعنده مفاتح الغيب فلم أفردها بالذكر؟. أجيب بأنه من التفصيل
بعد الاجمال وقدّم ذكر البر والبحر لما فيهما من جنس العجائب ثم الورقة لأنه يراها كل أحد لكن لا يعلم عددها إلا الله ، ثم
ماهو أضف من الورقة وهو الحبة ثم ذكر مثالا يجمع الكل وهو الرطب واليابس (قوله عطف على ورقة) أى الثلاثة
معطوفة على ورقة لكن لا يناسب تسليط السقوط عليها فيضمن السقوط بالنسبة للحبة والرطب واليابس معنى الثبوت (قوله
بدل اشتمال من الاستثناء قبله) أى وهو قوله إلا يعلمها وذلك لأن دائرة العلم أوسع من دائرة اللوح فذات الله وصفاته أحاط بها

العلم لا اللوح والكائنات وما يتعلق بها أحاط بها اللوح والعلم، وهذا على أن المراد بالكتاب اللوح كما أفاده المفسر وإن أرد
بالكتاب على الله يكون بدل كلّ من كل لزيادة التأكيد والإيضاح (قوله يقبض أرواحكم) ماذكره المفسر بناء على أن الانسان
له روحان روح تقبض بالنوم ونبقى روح الحياة فإذا أراد الله موته قبضهما جميعا وعليه جملة من المفسرين و يشهد له آية الزمر
قال تعالى - الله يتوفى الأنفس حين موتها - الآية ويقرّر هذا أحوال الأولياء لأن لهم حالة تسريح فيها أرواحهم وترى العجائب
كالنائم والمشهور أنها روح واحدة ويكون معنى يتوفا كم يذهب شعوركم لأنهم عرفوا النوم بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص
قهرا عليه تمنع حواسه الحركة وعقله الادراك (قوله ويعلم ماجرحتم بالنهار) أى لأنه الخالق الأفعال والحركات والسكنات فهو
المغير للأشياء ولا يتغير ، قال العارف :
لمن كان فى بحر الحقيقة راقى
ولى فى خيال الظل أكبر عبرة
شخوص وأشكال تمرّ وننقضى فتفى جميعا والمحرّك باقى
(قوله ثم يبعثكم) ثم فى كلّ للترتيب الربى لأن بعد النوم البعث بالايقاظ إلى انقضاء الأجل ثم بعده البعث بالاحياء من القبور
ثم الاخبار بما وقع من العباد (قوله ليقضى أجل) الجمهور على بناء يقضى المجهول وأجل نائب فاعل والفاعل محذوف إما عائد
على الله أو على الشخص ومعنى قضاء الشخص أجله استيفاؤه إياه وقرى* بالبناء للفاعل وأجلامفعوله والفاعل مستتر عائد على الله
(قوله فيجاز يكم به) أى إن خيرا خير وإن شرا فشر (قوله وهو القاهر) أى المستعلى الغالب على أمره الحاكم فلا معقب لحكمه
يعطى ويمنع ويصل ويقطع ويضرّ وينفع فلاراد لماقضى ولا ملجأ منه إلا إليه فهو المتصرف فى خلقه بجميع أنواع التصرفات
(١٩)
من إيجاد وإعدام وإعزاز وإذلال وغير ذلك (قوله فوق عباده) أى فوقية
مكانة أى شرف، ورفعة وعلوّ
قدر نلیق بهلافوقية مكان
يقبض أرواحكم عند النوم ( وَيَعْلَمُ مَاجَرَ ثُمْ) كستم (بِالَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) أى النهار
بردُّ أرواحكم (لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى) هو أجل الحياة (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ)بالبعث (ثُمَّ يُنُبُِّكُمْ
بِمّا كُنْمُ تَعْمَلُونَ) فيجازيكم به ( وَهُوَ اْقَاهِرُ) مستعليا (فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ
حَةٌ ) ملائكة تحصى أعمالكم (حَتّى إذَا جَاء أَحَدَ كُمُ اْلَوْتُ تَوَنَّتْهُ) وفى قراءة توفاء
(رُلُنا) الملائكة الموكَّلون بقبض الأرواح ،
لاستحاله انصافه به (قوله
ويرسل ) معطوف على
صلة أل كأنه قال زهوالدى
يقهر ويرسل وهذا من جملة
قهره سبحانه و تعالى(قوله
ملائكة تحمى أعمالكم)
أى من خير وشر لما ورد (( إن كل إنسان له ملكان ملك عن يمينه وملك عن شماله فاذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين حلا
وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال اصبر لعله يتوب منها فان لم يقب، منها كتبها صاحب الشمال)). قال العلماء:
يؤخر ست ساعات فلكية فإن تاب فيها لم تكتب هكذا قال المفسر ، وقيل المراد بالحفظة الملائكة الموكاون بحفظ ذوات العبيد
من الحوادث والآفات وهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وقيل المراد ماهو أعم وهو الأتمّ . إن قات إن الله هو الحافظ فلموكات
الملائكة يحفظ الشخص؟. أجيب بأن ذلك تكرمة لبنى آدم وإظهار لفضلهم، والحكمة فى كون الملائكة تكتب على الشخص
ماصدر منه أنه إذا علم ذلك ربما كان ذلك داعيا للخوف والانزجار عن فعل القبائح والمعاصى ( قوله حتى إذا جاء) حتى ابتدائية
والمعنى ينتهى حفظ الملائكة للأشخاص عند فراغ الأجل ، فالملائكة مأمورون بحفظ ابن آدم مادام حيا فاذا فرغ أجله فقد
انتهى حفظهم له (قوله الموت) أى أسبابه (قوله وفى قراءة توفاه) أى بالإمالة المحضة وهى ما كانت للكسر أقرب وهو إما ماض
وحذفت التاء لأنه مجازى التأنيث أو مضارع ويكون فيه حذف إحدى التامين (قوله رسلنا) أى أعوان ملك الموت الموكلون
بقبض الأرواح إن قلت قال تعالى - الله يتوفى الأنفس حين موتها - وقال فى الآية الأخرى - قل يتوفا كم ملك الموت
الذى وكل بكم - فكيف الجمع بين هاتين الآيتين وهذه الآية؟. أجيب بأن الله هو المتوفى حقيقة فاذا حضر أجل العبد اشتغلت
أعوان ملك الموت بانتزاعها من الجسد فاذا بلغت الحلقوم قبضها ملك الموت بيده فهو القابض لجميع الأرواح. إن قلت وره
فى بعض الأحاديث ((وتولّ قبض أرواحنا عند الأجل بيدك)). أجيب بأن معناه شهود الرب واستيلاء محبته على قلبه حتى يغيب
عن إحساسه فلا يشاهد ملك الموت حين قبض الروح وإن كان هو القابض لها وذلك فى أهل محبة الله ومن يموت شهيد حرب
أوغربقا أو حربقا ونحوم .

(قوله وهم لا يفرطون) هذه الجملة حالية من رسلنا أى والحال أنهم لايقصرون فى ذلك . فقدورد« ما من أهل بيت شعر ولا مدر
إلا وملك الموت يطوف بهم مرتين)). وورد أن الدنيا كاها بين ركبتى ملك الموت وجميع الخلائق بين عينيه ويداه يبلغان
المشرق والمغرب، وكل من نقد أجله يعرفه بسقوط صحيفته من تحت العرش عليها اسمه فعند ذلك يبعث أعوانه من الملائكة
ويتصرفون بحسب ذلك . وورد أن ملك الموت يقبض الروح من الجسد ويسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا، أو إلى
ملائكة العذاب إن كان كافرا ، ويقال معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب، فاذا قبض نفسا مؤمنة
دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء، وإذا قبض نفسا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب
فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها ثم يصعدون بها إلى السماء ثم تردّ إلى سجين، وروح المؤمن إلى جليين (قوله ثم ردّوا) معطوف
على توفته وأفرد أوّلا لأن التوفى يكون لكل شخص على حدة وجمع ثانيا لأن الردّ يكون للجميع (قوله مالكهم) دفع بذلك
ما يقال إن بين هذه الآية وآية - وأن الكافرين لامولى لهم - تنافيا. فأجاب بأن المراد بالمولى هنا المالك وبه هناك الناصر (قوله ألاله
بذلك١) وفى رواية أنه تعالى يحاسب الكل فى مقدار حلب شاة (قوله
(٢٠)
الحكم) أى لالغيره ( قوله لحديث
(وَهُمْ لاَ يُرُِّونَ) يقصرون فيما يؤمرون به (مُمَّ رُدُّوا) أى الخلق (إلَى اللهِ مَوْلَهُمُ)
مالكهم (الْحَقِّ) الثابت العدل ليجازيهم (أَلاَ لَهُ الْحَكْمُ) القضاء النافذ فيهم (وَهُوَ
أُسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) يحاسب الخلق كلهم فى قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك (قُلْ)
يا محمد لأهل مكة (مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ غَُّاتِ الْبَرِّ وَالْبَعْرِ) أهوالهما فى أسفاركم حين (تَدْعُونَهُ
تَضَرُّعاً) علانية ( وَخُفْيَةً) سراً تقولون (لَمُنْ) لام قسم (أَنْجَيْقَنَا) وفى قراءة أنجانا أى الله
(مِنْ هَذِهِ) الظلمات والشدائد ( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) المؤمنين (قُلِ) لهم (أَلْهُ
يُتَجِيكُمْ) بالتخفيف والتشديد (مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ) غمّ سواها (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ)
به (قُلْ هُوَ اْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَيْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) من السماء كالحجارة والصيحة
(أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) كالسف أو (يَلْبِسَكُمْ) يخلطكم ( شِيَعاً) فرنا مختلفة الأهواء
(وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) بالقتال قال صلى الله عليه وسلم لما نزلت (( هذا أهون وأيسر
ولما نزل ما قبله (أعوذ بوجهك)) رواه البخارى وروى مسلم حديث «سألت ربى أن لا يجمل
بأس أمتى بينهم فمتعنيها» وفى حديث لما نزلت ،
قل يا محمد) أى توبيخا
لهم وردعا (قوله أهو الهما)
أى فالظلمات كناية عن
الأهوال والشدائد التى
تحصل فى البر والبحر
ومامشى عليه المفسر أتمّ
لشمولها للحقيقة وغيرها
وقيل المراد بالظلمات
حقيقتها فظلمات البرّ هى
ما اجتمع من ظلمة الليل
وظلمة السحاب ، وظلمة
البحر ما اجتمع فيه من
ظلمة الليل وظلمة السحاب
وظلمة الرياح العاصفة
والأمواج الهائلة ( قوله
وخفية) الجمهور على ضم
ول
الخاء وقرأ أبو بكر بكسرها وقرأ الأعمش خيفة كالأعراف ( قوله لئن أنجيتنا من هذه)
الجملة فى محل نصب مقول القول كما قدره المفسر (قوله والشدائد) عطف تفسير ( قوله بالتخفيف والقشديد) أى وكل منهما
مع قراءة أنجيقنا بالتاء وأمامن قرأ أنجانا فيقرأ بالتشديد هنا لاغير فالقراءات ثلاث وكلها سبعية (قوله قل هو القادر ) هذا
بيان لكونه قادرا على الاهلاك إثر بيان أنه المنجىء من المهالك (قوله كالحجارة) أى التى نزلت على أصحاب الفيل وقوله
والصيحة أى صرخة جبريل التى صرخها على نمود قوم صالح ( قوله كالخسف ) أى الذى وقع لقارون ( قوله شيعا) منصوب
على الحال جمع شيعة وهى من يتقوّى بهم الانسان ويجمع على أشياع (قوله فرقا) جمع فرقة وهى الجماعة (قوله لما نزلت)
أى آية أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض (قوله أهون وأيسر) أى ما قبله وهو رضا بقضاء الله وإلا فقد استعاذ
منه أوّلا فلم يفد قوله ولما نزل ماقبله) أى قوله على أن يبعث عليكم الخ (قوله أعوذ بوجهك ) أى فقال مرتين مرة
عند نزول قوله عذابا من فوقكم ومرة عند نزول قوله أو من تحت أرجلكم (قوله فمنعنيها) أى منعنى هذه المسئلة بمعنى
أنه لم يجبنى فى هذه الدعوة لما سبق فى علمه من حصولها فكان أوّل ابتداء إذاقة البعض بأس البعض بعد موته صلى الله عليه
وسلم بخمس وعشرين سنة فى واقعة علىّ ومعاوية ومازالت الفتن تتزايد إلى يوم القيامة (قوله لما نزلت) أى هذه الآية