Indexed OCR Text

Pages 461-480

الجزء الثالث والعشرون
٤٦١
٣٩ - سورة الزُّمَر
١- ﴿اللهُ نَزَّلَ أحسَنَ الحَدِيثِ، كِتَابًا﴾: بدلٌ من ((أحسنَ))، أي: قُرآنًا، ﴿مُتَشابِهًا﴾
أي: يُشبه بعضه بعضًا في النظم وغيره، ﴿مَثانِيَ﴾: ثُنِيَ فيه الوعد والوعيد وغيرهما،
﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾: ترتعد عِند ذِكر وعيده ﴿جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَونَ رَبَّهُم، ثُمَّ تَلِينُ﴾: تطمئنٌ
﴿جُلُودُهُم وقُلُوبُهُم إِلَى ذِكرِ اللهِ﴾ أي: عِند ذِكر وعده. ﴿ذلِكَ﴾ أي: الكتاب ﴿هُدَى
اللهِ، يَهدِي بِهِ مَن يَشاءُ، ومَن يُضلِلِ اللهُ فما لَهُ مِن هادٍ ٢٣. أَفَمَن يَتَّقِي﴾: يلقَى
﴿بِوَجِهِهِ سُوءَ العَذابِ يَومَ القِيامَةِ﴾ أي: أشدَّه، بأن يُلقى في النار مغلولةً يداه إلى
عُنقه، كمن أمِنَ منه بدُخول الجنّة؟ ﴿وقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: كُفّارِ مكّة: ﴿ذُوقُوا ما كُنتُم
تَكِبُونَ﴾ ٢٤ أي: جزاءه.
٢ - ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِ﴾ رُسلَهم، في إتيان العذاب، ﴿فأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا
يَشْعُرُونَ﴾ ٢٥: من جهةٍ لا تخطر ببالهم، ﴿فَأذاقَهُمُ اللهُ الخِزْيَ﴾: الذّلّ والهوان، من
المسخ والقتل وغيرهما، ﴿في الحَياةِ الدُّنيا. ولَعَذابُ الآخِرةِ أكبرُ. لَو كانُوا﴾ أي
المُكذّبون ﴿يَعلَمُونَ﴾ ٢٦ عذابها ما كذّبوا .
سُورَةِ الزّوَزُ
الجزء الثَّالِ وَالْفِرُنَّ
أَفَمَن شَرَحَ الَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَاِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِ، فَوَيْلٌ
لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَتِكَ فِ ضَلَلِ مُبِينٍ
اللَّهُنَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبَا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ
جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّتَلِيِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِيَهْدِى بِهِ، مَن يَشَلَةٌ وَمَنْ
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿ أَفَمَنْ يَنَّفِى بِوَجْهِهِ، سُوّءَ
اَلْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلَّلِينَ ذُوقُواْ مَاكُمْ تَكْسِبُونَ
﴿﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ
لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَأَذَا قَهُمُ اللَّهُ الْخِزْىَ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ وَلَعَذَابُ
الْآخِرَةِأَ كْبَ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى
هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا
غَيْرَ ذِى عَوَجَ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ (٢٦) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَاَ رَّجُلًافِيهِ
شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمَّا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا
اْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦) إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَّتُونَ
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [®
٣- ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا﴾: جعلنا ﴿لِلنَّاسِ في هذا القُرآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢٧
يتّعظون، ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾: حالٌ مُؤكِّدة، ﴿غَيرَ ذِي عِوَجَ﴾ أي: ◌َبسٍ واختلاف،
﴿لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ ٢٨ الكُفر. (ضَرَبَ اللهُ﴾ للمُشرك والمُوخِّد ﴿مَثَلًا رَجُلًا﴾: بدلٌ من
(مثلًا))، ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾: متنازعون سيّئَةٌ أخلاقُهم، ﴿وَرَجُلًا سالِمًا﴾:
خالصًا ﴿لِرَجُلِ. هَل يَستَوِيانِ مَثَلًا﴾؟ تمييزٌ، أي: لا يستوي العبد لجماعة والعبد
الواحد. فإنّ الأوّل إذا طلَبَ منه كُلٌّ من مالكيه خِدمته، في وقت واحد، تحيّر فيمن
يخدمه منهم. وهذا مَثل للمُشرك، والثاني مَثل للمُوحِّد، ﴿الحَمدُ للهِ﴾ وحدَه، ﴿بَل أكثَرُهُم﴾ أي: أهلِ مكّة ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٢٩ ما يصيرون إليه من
العذاب فيُشركون.
٤ - ﴿إِنَّكَ﴾ - خِطاب للنبيّ - ﴿مَيِّتُ وإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾ ٣٠: ستموت ويموتون، فلا شماتة بالموت - نزلتْ لمّا استبطؤوا موته وَّهِ - ﴿ثُمَّ إنَّكُم﴾
(١) روي أن الصحابة قالوا: يارسول الله، حدثنا حديثًا حسنًا. فنزلت هذه الآية، توجههم إلى القرآن الكريم. المستدرك ٢: ٣٤٥ والمطالب العالية ٣٤٣:٣.
ونزل: أوحى بلسان جبريل على مراحل. والحديث: ما يُتكلم به. والنظم: التركيب الكريم للكلام في عبارات وآيات وسور. وغيره أي: كصحة المعنى
والبلاغة والإعجاز والدلالة على الخير والصلاح. والمراد من هذا كله الانسجامُ والانتظام والتوافق والإحكام. والمثاني: جمع مَثنّى. وثُنِي: عطف بعضه على
بعض. وغيرهما أي: كالأمر والنهي، والثواب والعقاب، والقصص والأحكام والعلوم والمعارف الخالدة. والجلود: جمع جلد، يراد به الجسم كله. أما
التواجد والتساقط فافتعال غير لائق بالمؤمنين. فقد روي أن ابن عمر، لما رأى ساقطًا لسماع القرآن، قال: إنا لنخشى الله وما نسقط. هؤلاء يدخل الشيطان
في جوف أحدهم. وعندما علمتْ أسماء بنت أبي بكر أن أحدهم خر مغشيًا عليه من سماع القرآن قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. البحر ٤٢٣:٧.
والقلوب: جمع قلب. والذكر: ما يذكّر في الآيات. والهدى: ما يهدي به. ويشاء: يريد هدايته لما في اختياره من الصواب واستعداده للخير. ويضل: يصرف
قدراته إلى ما يناسب اختياره الفاسد واستعداد للضلال. ويوم القيامة: وقت قيام الناس بالبعث للحساب. والظالم: من تجاوز الحق. وتخصيص كفار مكة هنا
غير مناسب، إذ المراد جميع الكافرين. وذوقوا: تحسسوا وقاسوا. وتكسب: تجمع من نية أو قول أو فعل. (٢) كذبه: أنكره. وأتاهم: نزل بهم. ولا
يشعر: لا يتوقع لغفلته عن العذاب. وأذاقهم: أنزل بهم. وغيرهما أي: أنواع الإهلاك والاستئصال. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((وغيره)). والدنيا: الأقرب
إليهم وهم فيها. والآخرة: البعيدة عنهم وهي الحياة يوم القيامة. وأكبر: أعظم من عذاب الدنيا وأشد. ويعلم: يدرك باليقين. (٣) جعلنا: أوضحنا. والمثل:
الأمر العجيب الواضح يذكر لبيان ما يشبهه. وحال مؤكدة أي: أن ((قرآنًا)) حال منصوبة تؤكد ((القرآن)). وذو أي: صاحب. ونفي العوج يستلزم تَوكيد الاستقامة
والوضوح والانسجام. ويتقيه: يحفظ نفسه منه. وضرب: أوضح. والشركاء: جمع شريك. وهو المشارك في الملك. وسالمًا لرجل أي: مملوكًا لواحد.
ويستويان مثلًا أي: يكونان متساويين في التسلط والتصرف. وتمييز: يعني أنه تمييز محول عن الفاعل، والتقدير: لا يستوي مثلاهما. وجاز التعبير بالمفرد عن
المثنى، لأنه لبيان الجنس. والحمد: الثناء بالجميل على المنعم. وأهل مكة أي: وغيرها من المشركين. و((مايصيرون ... فيشركون)) الأولى أن يقول:
لا يدركون وضوح هذا المثل وظهوره، للتفريق بين العبوديتين، فيشركون ويكذبون. الفتح القدير ٦٤٩:٤. (٤) الميت: من هو في الحياة وسوف يموت.
واستبطؤوا موته أي: أن المشركين كانوا ينتظرون موته، ليتخلصوا مما يدعوهم إليه، فأخبرهم الله - تعالى - أن الموت يعمهم جميعًا، ولا شماتة للفاني
بالفاني. وعند ربكم: في مقام الحساب. وتختصمون: تتنازعون. وأظلم: أكثر جورًا ومجاوزة للحق. وكذب عليه: تقوّل ما هو باطل. وكذّب به: أنكره.
والصدق: الحق لاشك فيه. خ: ((القرآن)). وجاءه: أتاه وبلغه. وجهنم: اسم علم لدار العذاب يوم القيامة. والكافر: المكذب الله ورسوله. وبلى أي: حقًّا
فيها مقام لهم لينالوا جزاء كفرهم. يعني أن الاستفهام بالهمزة معناه التحقيق، لأنها للنفي ونفيَ النفي تحقيق، أو معناها تقرير المخاطبين. وإنما ذكر الجواب
عنهم لأنه لاجواب غيره. ومآل المعنيين واحد، لأن الأول تثبيت لما بعد النفي، والثاني طلب إقرار ما بعد النفي أيضًا. الفتوحات ٦٠١:٣. وفي هذا وعيد
وتهديد، وبيان أن الغلبة في الاختصام تكون للمؤمنين.

٣٩ - سورة الزُّمَر
٤٦٢
الجزء الرابع والعشرون
سُورَةِ النَّّ
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَىاَللَّهِوَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ
إِذْ جَاءَهُ: أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِّلْكَافِرِينَ ( وَالَّذِى
٣٣
جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
لَهُمْ مَّايَشَآءُونَ عِندَ رَبِهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُالْمُحْسِنِينَ
لِيُكَفِرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَتَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ
بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْيَعْمَلُونَ ﴿ أَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ
عَبْدَةٌ، وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَن يُضْلِلِ
اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُضِلٍ
أَلَيْسَ اللَّهُبِعَزِيزِ ذِى أَنِقَامِ ﴿ وَلَبِنِ سَأَلْتَّهُمْ مَنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَءَ يْتُم مَّا تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللهُ بِضُرِهَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِّوَّةٍ
أَوْأَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْبِىَ
اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِلُونَ ﴿ قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ
عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِ عَمِلُ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ (
الجزء ٤ ٣
الجنوب ٤٧
أيها الناس، فيما بينكم من المظالم، ﴿يَومَ القِيامةِ عِندَ رَبَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ٣١.
فمَن﴾ أي: لا أحدَ ﴿أظلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ بنسبة الشريك والولد إليه،
﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدقِ﴾: بالقُرآن ﴿إِذ جاءَهُ؟ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثوَى﴾: مَأْوَى
﴿لِلكافِرِينَ﴾ ٣٢؟ بلى.
١- ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو النبيّ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم المؤمنون - فالذي بمعنى :
الذين - ﴿أُوْلَئِكَ هُمُّ المُتَّقُونَ﴾ ٣٣ الشِّركَ، ﴿لَهُم ما يَشاؤُونَ عِندَ رَبِّهِم. ذلِكَ جَزاءُ
المُحسِنِينَ﴾ ٣٤ لأنفسهم بإيمانهم، ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنهُم أسوَأَ الَّذِي عَمِلُوا، ويَجزِيَهُم
أجرَهُم بِأحسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ ٣٥. أسوأُ وأحسنُ بمعنى: السّئ والحَسَن.
﴿أَلَيسَ اللهُ بِكافٍ عَبدَهُ﴾ أي: النبيَّ؟ بلى، ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ - الخِطاب له - ﴿ بِالَّذِينَ
مِن دُونِهِ﴾ أي: الأصنام، أن تقتله أو تَخبِله، ﴿ومَن يُضلِلِ اللهُ فما لَهُ مِن هادٍ ٣٦، ومَن
يَهدِ اللهُ فما لَهُ مِن مُضِلُّ. أَلَيسَ اللهُ بِعَزِيزٍ﴾: غالب على أمره، ﴿ذِي انتقامٍ﴾ ٣٧ من
أعدائه؟ بلى.
٢- ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿سألتَهُم: مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ؟ لَيَقُولُنَّ: اللهُ.
قُلْ: أفرَأَيْتُم ما تَدْعُونَ﴾: تعبدون ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: الأصنامَ؟ ﴿إن أرادَنِيَ اللهُ
بِضُرِّ، هَل هُنَّ كاشِفاتٌ ضُرَّهُ﴾؟ لا، ﴿أو أرادَنِي بِرَحْمةٍ، هَل هُنَّ مُمسِكاتٌ رَحْمَتَهُ﴾؟
لا. وفي قراءة بالإضافة فيهما. ﴿قُلْ: حَسِيَ اللهُ. علَيهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ٣٨: يثق
الواثقون .
٣- ﴿قُلْ: يا قَومِ، اعمَلُوا عَلَى مَكانِتِكُم﴾: حالتكم. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ على حالتي. ﴿فَسَوفَ تَعلَّمُونَ ٣٩ مَن﴾: موصولةٌ مفعولُ العِلم ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ
يُخزِيهِ، ويَحِلُّ﴾:َ ينزل ﴿عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ٤٠: دائم، هو عذاب النار. وقد أخزاهم الله ببدر.
(١) جاء به: أتى به وصاحبه. والصدق: الحق لاشك فيه، وهو القرآن الكريم. وصدق به: آمن به واتبعه. وبمعنى الذين أي: هو للجنس يراد به الكثرة.
ولذلك تعدد العائد عليه، ثم عُبِّرَ عنه بالجمع نظرًا إلى معناه. وأولئك أي: الجائي والمصدقون. والمتقي: المتجنب للشيء يحفظ نفسه منه. وما يشاؤون: ما
يريدونه من المنافع ودفع المضار، في الآخرة. وعند ربهم: من فضله يوم القيامة، وفي المنزلة العالية المقربة بالجنة. والجزاء: المكافأة. والمحسن: من
يكتسب أفضل الأعمال مخلصًا التوحيد. ويكفّر: يعفو ويصفح. وعملوا: اكتسبوه من نية أو قول أو فعل. ويجزي: يكافئ. والأجر: الثواب. وإنما فسَّر
الأسوأ والأحسن بالسيئ والحسن، ليعم العفوُ جميعَ السيئات، والثوابُ جميعَ الحسنات. فاللفظ صيغته التفضيل ومعناه الوصف المجرد، للمبالغة في ذلك.
وفي لباب النقول أن المشركين قالوا: ((لتكفّنَّ عن شتم آلهتنا، أو لنأمرنّها فلتخبِلنّك))، فنزلت الآيات ٣٦-٤٠. والكافي: من يغني عن الاستعانة بغيره.
والعبد: المملوك خلقًا وتعبدًا. انظر الآية ٣٢ لمعنى ((بلى)) في الموضعين. ويخوف: يهدد. ودونه: غيره. وتخبله: تفسد عقله أو بدنه. وفي الأصل:
((وتُخبّله)). ويضله: يوجه قدراته بحسب اختياره للضلال والحيرة وبما يناسب استعداده الخبيث. والهادي: المرشد إلى الحق والموفق فيه. وذلك لمن كان فيه
استعداد للخير والصلاح. والانتقام: معاقبة العاصي والمعتدي.
(٢) لام قسم: صوابه: لام موطئة لجواب القسم المحذوف. والتقدير: واللهِ - لئن سألتهم يقولوا - ليقولُنَّ. فقد حذف أيضا جواب الشرط لدلالة جواب
القسم عليه. وفي هذا احتباك بين التركيبين، وإيجاز وتوكيد بتكرار الجملة مقدرة ومذكورة. وسألتهم: استخبرتهم للاعتراف بما يعلمون. وخلق: أوجد.
والسماوات: ما يحيط بالأرض من جو وأجرام وعوالم عُلوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا. وإنما كان المذكور جوابهم، لوضوح البرهان على تفرد الله
بالخلق. وأرأيتم أي: أخبروني. يعني: تفكروا وتدبروا لتخبروني. ومن دونه: غيره. وأرادني به: قدّره لي. والضر: الشدة والبلاء. وكاشفات: مزيلات.
وعُبِّرَ عن المعبودات بضمير الإناث تحقيرًا لها. والرحمة: العطف بالنعمة. وممسكات: مانعات. وفي هذا رد وتكذيب لِما خوّفوا به في الآية ٣٦. وروي أن
النبي وَ﴿ لما سألهم ذلك قالوا: ((لا تدفع شيئًا قدّره الله، ولكنها تشفع))، فنزلت بقية الآية. تفسير القرطبي ٢٥٩:١٥. وبالإضافة يريد القراءة ((كاشِفاتُ ضُرِّهِ))
و((مُمسِكاتُ رَحْمتِهِ))، بإضافة اسم الفاعل إلى مفعوله في المعنى. وحسبي: كافيّ في جميع الأمور، بجلب النفع وكشف الضر، يغنيني عن غيره. و((يثق
الواثقون)»: في تفسير البغوي ٤: ٨٠: ((يثق به الواثقون))، أي: به وحده لا بغيره.
(٣) قل أي: للمشركين والكافرين. وهذا يعني أن المأمور رسول مكلف، لا كما يزعم الكافرون. وتكراره قبل وبعدُ يفيد المبالغة في التوكيد. والقوم:
الجماعة من الناس. وياقوم أي: ياقومي. حذفت ياء المتكلم للتخفيف. واعملوا: اكتسبوا باختيار وقصد ما شئتم من نية أو قول أو فعل. والأمر فيه معنى
التهديد. وعلى مكانتكم أي: ملابسيها ومصاحبين لها. يعني: على غرار حالتكم وما فيكم من استعداد واختيار. وسوف: لتوكيد وقوع الفعل في المستقبل،
وإن تأخر. وتعلمون: تعرفون عيانًا باليقين. وموصولة مفعول العلم أي: اسم موصول في محل نصب مفعول به لـ ((تعلم)). ويأتية: ينزل به في الدنيا.
والعذاب: التعذيب عقوبة وتنكيلًا. ويخزي: يهين ويذل في الدنيا. وببدر أي: في غزوة بدر، حين هزموا وقتل من قتل منهم، وأسر من أسر.

الجزء الرابع والعشرون
٤٦٣
٣٩ - سورة الزُّمَر
١- ﴿إِنّا أَنزَلْنَا عَلَيكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ﴾: مُتعلّق بـ («أنزل)). ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فِلِنَفْسِهِ﴾
اهتداؤه، ﴿وَمَن ضَلَّ فإنَّما يَضِلُّ عَلَيها، وما أنتَ عَلَيهِمِ بِوَكِيلٍ﴾ ٤١، فتُجبرَهم على
الهُدى. ﴿اللّهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوتِها، و﴾ يتوفّى ﴿الَّتِي لَم تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ أي:
يتوفّاها وقت النوم، ﴿فيُمسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيها المَوتَ، ويُرسِلُ الأُخرَى إِلَى
أجَلٍ مُسَمَّى﴾ أي: وقتِ موتها. والمُرسَلةُ نفْسُ التمييزِ، تبقى بدونها نفْس الحياة،
بخلاف العكس. ﴿إِنَّ في ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَاتٍ﴾: لدلالاتٍ، ﴿لِقَوم
يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤٢، فيعلمون أنّ القادر على ذلك قادر على البعث. وقُريش لم يتفكّروا
في ذلك.
٢- ﴿أم﴾: بل ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: الأصنامَ آلهةً ﴿شُفَعَاءَ﴾ عند الله،
بزعمهم. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أ﴾ يشفعون ﴿وَلَو كانُوا لا يَملِكُونَ شَيئًا﴾، من الشفاعة
وغيرها، ﴿ولا يَعْقِلُونَ﴾ ٤٣ أنكم تعبدونهم ولا غير ذلك؟ لا. ﴿قُلْ: لِلّهِ الشَّفاعةُ
جَمِيعًا﴾ أي: هو مُختصّ بها، فلا يشفع أحد إلّا بإذنه، ﴿لَهُ مُلكُ السَّماواتِ
والأرضِ، ثُمَّ إِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ ٤٤.
سُورَةِ الزّھ
القَرُقَ الَخْشُونَ
إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ آَهْتَدَى
فَلِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم
بِوَكِيلٍ
اُللَّهُ يَتَوَفَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى
لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّىَّ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَاتٍ
لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ أَمِ أَتَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ
قُلْ أَوَّلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ()
قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ
قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن
دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿قُلِ اللَّهُمَّفَاطِرَ السَّمَوَتِ
وَاَلْأَرْضِ عَلِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ
فِي مَا كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿ وَلَوْأَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ
مَا فِ اْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لَأَفْتَدَوْبِهِ،ِمِن سُوْءِ الْعَذَابِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَالَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْيَحْتَسِبُونَ (ج)
٣- ﴿وإذا ذُكِرَ اللهُ وَحدَهُ﴾ أي: دُونَ آلهتهم ﴿اشمَأَزَّتْ﴾: نفرت وانقبضت ﴿قُلُوبُ
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرةِ، وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أي: الأصنامُ ﴿إذا هُم
يَسْتَبْشِرُونَ ٤٥. قُلِ: اللَّهُمَّ﴾ بمعنى: يا أللهُ، ﴿فَاطِرَ السَّماواتِ والأرضِ﴾: مُبدعَهما،
﴿عالِمَ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾: ما غابَ وما شُوهد، ﴿أنتَ تَحكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِیما کانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ ٤٦ من أمر الدِّين، ((اهدِني لِما اختُلفَ فيه منَ الحقّ)). ﴿ولو أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرضِ جَمِيعًا، ومِثْلَهُ مَعَهُ، لافتَدَوا بِهِ مِن سُوءٍ
العَذَابِ يَومَ القِيامةِ، وبَدا﴾: ظهرَ ﴿لَهُم مِنَ اللهِ ما لَم يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ٤٧ : يظنّون، ﴿وَبَدَا لَهُم سَيِّئَاتُ ما كَسَبُوا، وحاقَ﴾ نزل ﴿بِهِم ما كانُوا بِهِ
يَستَهْزِئُونَ﴾ ٤٨ أي: العذابُ.
(١) أنّا أنزلنا .. بالحق: انظر الآية ٢. والناس: جميع البشر. واهتدى: استرشد واتبع الحق. وضل: تحير وخرج عن الحق. والوكيل: الموكول إليه الأمر،
يُسأل عنه ويحاسب عليه. وفي هذا تسلية للنبي ومة. يعني: لست مأمورًا بحملهم على الإيمان، لأن القبول والرفض مفوضان إليهم، والله مالك الإرشاد
والتوفيق، كما يملك التصرف في الأرواح، ولكل شيء قدره بما يناسبه من الحكمة. ويتوفاها: يقبضها عن الأبدان، فيموت صاحبها. والأنفس: جمع نفس.
وهي الروح. يعني أن للإنسان نفسين: إحداهما يحيا بها الإنسان وبفقدها يموت، والثانية يتصرف بها في اليقظة وبفقدها ينام أو يغمى عليه. فتوفيها يعني النوم
أو الإغماء. والأولى بالنسبة إلى الثانية كالشمس وشعاعها. وهذا من قول ابن عباس. وانظر الآية ٦٠ من سورة الأنعام. والموت: مفارقة روحه للجسد.
ويمسكها أي: لا يردها إلى جسدها. وقضى: حكم. وعليها أي: على صاحبها. ويرسلها: يردها إلى الجسد. والأخرى: المغايرة، أي: روح من لم يقض
عليه بالموت بعد. والمسمى: المعين بعلم الله. والتمييز: الإدراك والوعي في اليقظة. وسقط ((التمييز)) من خ. وتبقى بدونها نفس الحياة أي: تبقى الروح في
جسم الإنسان مع فقد نفْس التمييز بالنوم. وبخلاف العكس: يعني أن نفْس التمييز لاتبقى إذا ذهبت الروح. والمذكور أي: التوفي والإمساك والإرسال. وفيما
عدا النسخ: ((دلالات)). ويتفكر: يتدبر الأدلة لمعرفة الحق من الباطل. وقريش أي: وغيرها من المشركين والملحدين.
(٢) اتخذ: جعل. ومن دونه: غيره. والشفعاء: جمع شفيع. وهو من ينصر غيره لدفع ضر وجلب منفعة. ولو: حرف زائد لازم معناه التعميم وانتهاء الغاية
في الدناءة، أي: على كل حال حتى حال عجزهم عن الملك والعقل. ويملكه: يحوزه ويتصرف فيه. ويعقل: يفكر ويدرك. وجميعًا أي: مجموعة كاملة.
والملك: الحيازة والتصرف. والسماوات: ما يحيط بالأرض. والمراد أيضًا: ما في السماوات والأرض من الخلق. وثم: عاطفة للترتيب مع التراخي في
الرتبة، إذ الرجوع بالبعث أشد على الكافرين من العبودية. وإليه: إلى لقاء ما وعدكم من البعث والحشر. وترجعون: تردون للحساب والجزاء.
(٣) ذُكِرَ اللهُ أي: ورد اسمه. والقلوب: جمع قلب. ولا يؤمن: ينكر ويجحد. والآخرة: الحياة بعد الموت بالبعث للحساب. ومن دونه: غيره. و((إذا)) الثالثة:
رابطة لجواب الشرط، حرفية جوابية للمفاجأة والحال، أي: فاجأ استبشارُهم ذكرَ الأصنام، لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حق الله. ويستبشر: يمتلئ قلبه
سرورًا. والعالم: المحيط بالغَ الإحاطة. وغاب أي: عن إدراك الخلق وحواسهم. وتحكم: تفصل وتقضي في الدنيا والآخرة. والعباد: جمع عبد.
ويختلفون: يتنازعون ويتخاصمون. و((اهدني ... الحق)) هذا من حديث هو ذو الرقم ٧٧٠ في صحيح مسلم. وفي لباب النقول أن الآية ٤٥ نزلت بعد قراءةٍ
الرسول (18 سورة ((النجم)) عند الكعبة، وفرح المشركين بذكر آلهتهم فيها. وانظر الحديث ١٠٢١ في البخاري. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((لما اختلفوا فيه من
الحق)). وفي الآيتين ٤٧ و٤٨ وعيد بالغ، وَتَسلية للنبي ﴿ وأصحابه، بما هو نتيجة الدعاء في الآية ٤٦. وظلم: تجاوز الحق. والكفرُ أشنع الظلم. والمثل:
ماهو بمقدار الشيء، أي: مماثل له في ذلك. وافتدوا به: طلبوا بدفعه إنقاذ أنفسهم. والسوء: الشديد القبح يحزن الإنسان. والعذاب: التعذيب. واليوم:
الزمن. والقيامة: قيام الناس بالبعث للحساب. ومن الله أي: من حسابه وعقوباته. والسيئة: العمل القبيح من الذنوب والمعاصي. والمراد جزاؤه وعقابه.
وكسبوا: عملوه باختيار وعزم من نية أو قول أوفعل. ونزل أي: وأحاط من كل جانب. ويستهزئ: يسخر، والعذاب: تفسير لـ ((ماكانوا به يستهزئون)).

٣٩ - سورة الزُّمَر
٤٦٤
الجزء الرابع والعشرون
الْجُزْء الدَّارِوَ الحَشِرُنَ
سُورَةِ الزّوَّ
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ،
يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّدَ عَانَا ثُمَ إِذَا خَوَّلْنَهُ
نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦َقَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَ
عَنْهُمْ مَّا كَانُواْيَكْسِبُونَ (٥) فَأَصَابَهُمْ سَبِّئَاتُ مَاكَسَبُواْ
وَالَّذِينَ ظَلَمُوْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ
أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَيَبْسُطُ الْرِزْقَ
وَمَاهُمْ بِمُعْجِرِينَ
٥٢
لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْ مِ يُؤْمِنُونَ
ربع
الحزب
٤٧
قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُوا مِن
رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وَأَنِيبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوْلَّهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
٥٣
اٌلْعَذَابُ ثُمَّلَا نُصَرُونَ (٥) وَأَتَّبِعُواْأَحْسَنَ مَا أُنزِلَ
إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَتَى
عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِ جَنَّبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ
١- ﴿فإذا مَسَّ الإنسانَ﴾: الجنسَ ﴿ضُرِّ دَعانا، ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ﴾: أعطَيناه ﴿نِعْمَةٌ﴾:
إنعامًا ﴿مِنّا قالَ: إنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلم﴾ من الله بأني له أهل. ﴿بَل هِيَ﴾ أي: القَولةُ
﴿فِتْنَةٌ﴾: بليّة يُبتلى بها العبد، ﴿ولكِنَّ أكثَرَهُمْ لا يَعلَمُونَ﴾ ٤٩ أنّ التخويل استدراج
وامتحان. ﴿قَد قالَها الَّذِينَ مِن قَبِلِهِم﴾ من الأمم، كقارونَ وقومه الراضين بها، ﴿فما
أغنَى عَنْهُم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ٥٠، فأصابَهُم سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: جزاؤها .
﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هُؤُلاءِ﴾ أي: قُريشٍ ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا، وما هُم
بِمُعجِزِينَ﴾ ٥١: بفائتين عذابَنا. فقُحطوا سبعَ سنينَ ثمّ وُسّع عليهم. ﴿أُوَلَمْ يَعلَمُوا أَنَّ
اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: يُوسّعه ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ امتحانًا، ﴿ويَقدِرُ﴾: يُضيّقه لمن
يشاء ابتلاء؟ ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَاتٍ لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥٢ به.
٢- ﴿قُلْ: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسرَفُوا عَلَّى أنفُسِهِم، لا تَقِطُوا﴾، بكسرِ النون
وفتحِها، وقُرئ بضمّها: تيأسوا ﴿مِن رَحْمةِ اللهِ - إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
لمن تاب من الشّرك، ﴿إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ٥٣ - وأنِيبُوا﴾: ارجِعوا ﴿إِلَى رَبِّكُم،
وأسلِمُوا﴾: أخلصوا العمل ﴿لَهُ، مِن قَبلِ أن يأتِيَكُمُ العَذَابُ - ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ ٥٤
بمنعه، إن لم تتوبوا - ﴿واتَّبِعُوا أحسَنَ ما أُنزِلَ إِلَيْكُم مِن رَبِّكُمْ﴾ هو القُرآن، ﴿مِن قَبَلِ
أن يأتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً، وأنتُم لا تَشعُرُونَ﴾ ٥٥ قبل إتیانه بوقته.
٣- بادروا قبل ﴿أن تَقُولَ نَفسٌ: يا حَسرَتا﴾ - أصله ((يا حسرِي)) - أي: ندامتي
﴿عَلَى ما فَرَّطتُ في جَنبِ اللهِ﴾ أي: طاعته، ﴿وإنْ﴾: مُخفّفةٌ من الثقيلة، أي: وإنّي
(١) مسه: أصابه. عُبِّرَ بالمس عن ذلك للدلالة على أنه يسير بالنسبة إلى ما سيكون يوم القيامة. والجنس: يعني أن ((أل)) في الإنسان هنا جنسية للاستغراق،
أي: هو إطلاق على الجنس بما يفعله غالب أفراده. والظاهر أن أل: عهدية ذكرية، لأن المراد بالإنسان هنا المشركون المذكورون في الآيات ٤٣-٤٥، والفاء
تفيد الاستئناف وترتيب ما بعدها، من تناقضهم واضطرابهم، على ما مر في الآيات من قبح اعتقادهم وسلوكهم. وانظر تفسير الآيات ٥٠- ٥٢. وعليه فالآيات
٤٦-٤٨ اعتراضية. والضر: ما يؤذي. ودعانا: نادانا مستغيئًا لكشف الضر. وأوتيت: أعطيت. والعلم: الإحاطة التامة. وبل: حرف استئناف معناه الإضراب
لإبطال زعم الكافر أنه أهل للنعم، و((القولة)) من التلخيص أي: مقالة الإنسان عن النعمة. والظاهر أن الضمير ((هي)) عائد على النعمة. فهي الامتحان.
وأكثرهم: الغالبية العظمى منهم. وهذا يعني أن بعضهم يعرف ولكنه يكابر تعنتًا. ويعلم: يدرك ويعي الحق من الباطل. وامتحان أي: ليظهر الصالح من
الفاسد. وقالها أي: قال مثلها. وقارون: طاغية كان في عهد موسى. انظر الآيات ٧٦-٧٩ من سورة القصص. والراضين بها أي: أن قوم قارون رضوا
بمقالته، فكأنهم قالوها أيضًا. وأغنى: منع. وأصابه: نزل به. وانظر الآية ٤٨. وظلم: تجاوز الحد لأنه كفر. وقحطوا: أصابهم القحط انتقامًا. والهمزة
حرف استفهام لطلب التصديق معناه الإنكار التوبيخي، لتقريعهم على الجهل والانغماس في الضلال. والرزق: ماييسر للمخلوق من الحاجات. ويشاء: يريد
أن يوسع عليه. وذلك: ما ذكر من التوسعة والتضييق. وانظر آخر الآية ٤٢. والآيات: الدلائل المبينة الواضحة. والقوم: الجماعة من الناس. وبه أي: بالله.
(٢) هذه الآية مدنية، نزلت في بعض المشركين، ومنهم وحشيٍّ قاتل حمزة، ومَن فُتن من المسلمين في مكة حين قصدوا الهجرة فارتدوا، تبشر بقبول التوبة
والصلاح. الحديثان ٤٥٣٢ في البخاري و١٢٢ في مسلم. والراجح أن الآيات ٥٣-٧٠ كلها نزلت لهذه الأسباب. انظر المستدرك ٢: ٤٣٥ ومجمع الزوائد
٦١:٦ وتفاسير الطبري ٢٤: ١٠-١١ والبغوي ٤: ٨٣-٨٤ والخازن ٦٦:٦-٦٧ والقرطبي ٢٦٨:١٥ والواحدي ص ٣٨٩-٣٩١ والدر المنثور ٣٣١:٥. وقل
أي: يا محمد لهم: ربكم المحسن إليكم يقول. والعباد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا. وفي هذه الإضافة تشريف. وأسرفوا: أفرطوا في
الجناية. والأنفس: جمع نفس. وهي الإنسان بروحه وجسده. وبفتحها يريد القراءة ((لا تَقنَطُوا)). وبضمها يريد القراءة ((لاتَقنُطُوا)). والرحمة: العطف بالإحسان
والنعم. وفي إضافتها التفات من التكلم إلى الغَيبة. ويغفرها: يسترها ولا يؤاخذ عليها. والذنوب: جمع ذنب. وهو العمل القبيح عليه عقاب. ومن الشرك
أي: ومن المعاصي. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة والمغفرة لعباده المؤمنين. ويأتيكم: يصيبكم. والعذاب: التعذيب في الدنيا أو الآخرة. وتنصرون:
يُدفع عنكم العذاب. واتبعوه: استجيبوا له واعملوا به. وأنزل: أوحي. ومن ربكم: من عنده وبأمره. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه.
والقرآن: تفسير لـ ((الأحسن))، أي: أحِلّوا حلاله وحرّموا حرامه. وكله حسن، ليس بعضه أحسن من بعض. والبغتة: المفاجأة أي: مفاجئًا. وتشعر: تقدّر.
وبوقته: بوقت مجيئه. أي: أنتم غافلون عن إتيانه، فهو أشد في الضرر. (٣) بادروا: أسرعوا بالتوبة والعمل الصالح. وهو تقدير من ابن كثير ٤: ٦٢ تفسيرًا
للآية ٥٤، نقله المحلي على غير تحقيق. والظاهر أنه لاحاجة إلى هذا التقدير، لأن المصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله، أي: كراهةً أن تقول.
انظر: ((المفصل)). وفيما عدا الأصل والنسخ: ((فبادروا)). وتقول أي: تجاهر بالقول يوم القيامة. ونفس أي: إنسان. يعني بعض البشر وهم الكافرون.
وفرطت: ضيعت. وجنبه أي: ما يجب له من الحق. والساخر: المستهزئ. وهداني: أرشدني ووفقني. وبالطاعة أي: للأمر والنهي. وفي ث وع وإحدى
النسخ: ((بألطافه)). وكنت: صرت. والمتقي: المتجنب بلزوم الإيمان والصلاح. وترى: تبصر عيانًا. ومن قبل الله أي: من جهته، تقول الملائكة ذلك لتوبيخ
الكافر وإنكار ما ادعاه. وبلى: حرف جواب لرد النفي. فالشرط الامتناعي في الآية ٥٧ يفيد نفي الهداية، كأن الكافر قال: ما هداني الله. فكان الجواب: بلى
قد هديتك بمجيء الآيات، أي: قد أرشدتك بذلك فأبيتَ. وجاءتك: وصلت إليك وبُلّغتها. و((أي القرآن وهي)) تلفيق بين عبارتي تفسير البغوي ٤: ٨٦
والتلخيص. وفي الأخير: ((آيات القرآن وهي)). فلعل المراد: آيُ القرآنِ. وكذبت بها: أنكرتها وجحدتها. والكافر: المكذب لله ورسوله.

الجزء الرابع والعشرون
٤٦٥
٣٩ - سورة الزُّمَر
﴿كُنتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ ٥٦ بدِينه وكِتابه. ﴿أو تَقُولَ: لَو أَنَّ اللهَ هَدانِي﴾، بالطاعة
فاهتدَيت، ﴿لَكُنتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ٥٧ عذابَه. ﴿أو تَقُولَ، حِينَ تَرَى العَذابَ: لَو أنَّ لِي
كَرّةَ﴾: رجعة إلى الدنيا، ﴿فَأَكُونَ مِنَ المُحسِنِينَ﴾ ٥٨ المؤمنين. فيقالَ له من قِبَل الله :
﴿بَلَى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ أي: القُرآنُ، وهي سبب الهِداية، ﴿فَكَذِّبتَ بِها واستَكبَرتَ﴾:
تكبّرت عن الإيمان بها، ﴿وكُنتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ٥٩.
١ - ﴿وَيَومَ القِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾، بنسبة الشريك والولد إليه، ﴿وُجُوهُهُم
مُسْوَدّةٌ - أَلَيسَ في جَهَنَّمَ مَثوَى﴾: مأوّى ﴿لِلْمُتَكَبِرِينَ﴾ ٦٠ عن الإيمان؟ بلى -
﴿وَيُنَجِّي اللهُ﴾ من جهنّم ﴿الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ الشِّركَ، ﴿بِمَفازتِهِم﴾ أي: بمكان فوزهم من
الجنّة، بأن يُجعلوا فيه، ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هُم يَحْزَنُونَ ٦١ - اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ،
وهْوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ﴾ ٦٢: متصرّف فيه كيف يشاء، ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّماواتِ
والأرضِ﴾ أي: مفاتيحُ خزائنهما من المطر والنبات وغيرهما - ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ
اللهِ﴾: القُرآن ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ٦٣. متّصل بقوله: ((وينجّ الله الذين اتقوا)) إلى
آخره، وما بينهما اعتراض.
سُورَةِ الزّو
الجزء الـ
أَوْتَقُولَ لَوْأَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَأَنَّ لِ كَرَّةً فَأَكُونَ
مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( بَلَى قَدْ جَآءَتكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا
وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةُ أَلَيْسَ فِى
جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَّبِينَ ﴾ وَيُنَجِى اَللَّهُ الَّذِينَ أَثَقَوْاْ
بِمَفَازَ تِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْءُ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ (٦اللَّهُ
خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ◌َّلَّهُ مَقَالِيدُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْبِعَايَتِ اللَّهِ أُوْلَكَ
هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُأَيُّهَا
اَلْجَهِلُونَ ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَيِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ (٥ بَلِ اللَّهَ
فَأَعْبُدْ وَكُن مِنَ الشَّكِرِينَ ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ،
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ
مَطْوِنَتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
TV
٢- ﴿قُلْ: أفغَيرَ اللهِ تأمُرُونِيَ أعبُدُ، أيُّها الجاهِلُونَ﴾ ٦٤؟ غيرَ: منصوب بـ ((أعبدُ))
المعمولِ لـ ((تأمروني))، بنون واحدة، وبنونين بإدغام وفكّ. ﴿وَقَد أُوحِيَ إلَيكَ، وإِلَى
الَّذِينَ مِن قَبِلِكَ﴾: واللهِ ﴿لَئِنْ أشرَكتَ﴾ - يا مُحمّد - فَرْضًا ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ،
ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ٦٥. بَلِ اللّهَ﴾ وحدَه ﴿فَاعْبُدْ، وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ٦٦ إنعامَه عليك. ﴿وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما عرَفوه حقّ معرفته،
أو ما عظّموه حقّ عظمته، حين أشركوا به غيره، ﴿والأرضُ جَمِيعًا﴾: حالٌ أي: السبع ﴿قَبضتُهُ﴾ أي: مقبوضة له، أي: في مُلكه وتصرّفه ﴿يَومَ
القِيامةِ، والسَّماواتُ مَطوِيّاتٌ﴾: مجموعات ﴿بِيَمِينِهِ﴾: بقُدرته. ﴿سُبحانَهُ وتَعالَى عَمّا يُشِرِكُونَ﴾ ٦٧ معه!
(١) اليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس بالبعث للحشر والحساب والجزاء. وترى: تبصر عيانًا باليقين. والخطاب لكل قارئ أو سامع. وكذبوا عليه: تقوّلوا
واختلقوا الأكاذيب. والوجوه: جمع وجه. ومسودة: شديدة السواد من اللعنة والهول. والمتكبر: المتعالي المتعاظم. وينجي: ينقذ. واتقوه: تجنبوه ولزموا
الإيمان والتوحيد. وبمفازتهم أي: بجعلهم في المفازة. ولا يمسه: لا يناله. والسوء: القبيح المؤذي. ويحزن: يتألم. والخالق: المنشئ من العدم. والمقاليد:
جمع مِقلاد. والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم عُلوية. انظر الآية ٣٨. والخاسر: من ضيع ماله ونفسه. أي: ما أعظم خسارتَهم! وفيما عدا الأصل
والنسخ: اتقوا الخ.
(٢) روي أن المشركين قالوا للنبي مهله: ((استلم بعض آلهتنا، ونؤمن بإلهك))، فنزلت الايات تسفه آراءهم، وتبين فرط غبائهم، وتحث على التوحيد. الدر
المنثور ٣٣٤:٥. وغير الله أي: المغاير له. وتأمروني: تطلبون مني. ث: ((تأمرونّي)). وأعبد: أقدس. والجاهل: من لا يميز الحق من الباطل. ومنصوب أي:
مفعول به مقدم. فالمصدرُ المؤول من ((أن)) المحذوفة وما بعدها هو المعمول لـ ((تأمر))، لا الفعلُ ((أعبد)). وقول المحلي ((المعمول لتأمروني)) فيه تسامح. انظر
((المفصل)). وبنونين بإدغام وفك يريد ثلاث قراءات لا أربعًا: ما أثبتنا، و((تأمُرُونِّيَ))، و((تأمُرُونَني)). وأوحي: أنزل وفرض. والذين من قبلك أي: الأنبياء.
وأشركت: عبدت مع الله بعض مخلوقاته. وقول المحلي ((يامحمد)) الصواب أن المخاطب، بعد لفظ الجلالة، هو كل واحد من الأنبياء. قال البيضاوي:
((وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد)). وفرضًا أي: على سبيل افتراض المحال، إذ الأنبياء معصومون من الشرك. ويحبط: يفسد. والعمل: ما يكتسب من نية
وقول وفعل. وتكون: تصير. والخاسر: من ضيّع ما كان له وما ينتظره من الخير. واعبده: استمر على تقديسه وطاعته. وكن: دم على ما أنت عليه.
والشاكر: من يستحضر النعم في نفسه، ويثني على منعمها بالقلب واللسان والعمل. وفي الحديث ٣٢٣٨ من الترمذي أن يهوديًا تساءل عن تصرف قبضة الله في
الكون، فنزلت الآية ٦٧ تحقق ذلك. وفي الحديثين ٤٥٣٣ من البخاري و٢٧٨٦ من مسلم أن الآية قرئت ولم تنزل لذلك. فهي إذًا نازلة قبل. وقدَرَه: عرف
عظمته وقام له بما يستحق. والحق: الثابت اللازم. والأرض أي: كل أجزائها البادية والخفية. ولذلك فسرت بالسبع. وذكر هذا العدد لا يعني التحديد بل
الكثرة والتعظيم، أو ربما أريد به القارات، وهي سبع لا خمس. انظر تفسير القرطبي ١٧٦:١٨. وجميعًا: انظر الآية ٤٤. وحال أي: من الأرض. ومقبوضة
له أي: في قبضته مطواع لإرادته وقضائه. ويمينه أي: يده كما يليق بجلاله، من دون تمثيل أو تكييف أو تعطيل. وتفسير اليمين بالقدرة تأويل للمعنى. واليوم:
الزمن. والقيامة: قيام الناس بالبعث للحساب. وإنما خص يوم القيامة، مع أن القبض والجمع ثابتان في الدنيا أيضًا، للرد على المشركين ما زعموه من شفاعة
آلهتهم لهم. وذكر الأرض والسماوات يعني الخلق كله أيضًا. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. وسبحانه: تنزيهًا له عما لا يليق بعظمته وجلاله، أي:
ما أبعد مَن هذه عظمتُه وقدرته عن إشراكهم! وتعالى: ترفع وتعاظم. ومعه أي: ما يجعلونه مشاركًا له في الألوهية من المخلوقات.

٣٩ - سورة الزُّمَر
٤٦٦
الجزء الرابع والعشرون
◌ُسِوَرَةِ الزّوَّ
وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ
إِلَّا مَن شَآءَ اللَّه ◌ُمَّنُفِيخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَاهُمْ قِيَامٌ يُنْظُرُونَ
﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِتُورِرَتِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِاْتَّ
بِالنَّبِيِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِآلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
(﴿ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (3)
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَاجَآءُوهَا
فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا أَلَمَّ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُ
يَتْلُونَ عَلَيْكُمْءَايَتِ رَبِكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُواْبَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ
﴿ قِيلَ آَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فِئْسَ مَثْوَى
اٌلْمُتَكَبِرِينَ ﴾ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْرَبَهُمْ إِلى
الْجَنَّةِزُ مَرَّا حَتَّى إِذَا جَاءُ وهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَمْ
خَزَنَتُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ
نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٌ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
VE
١- ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ النفخةَ الأُولى، ﴿فصَعِقَ﴾: مات ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في
الأرضِ إلّا مَن شاءَ اللهُ﴾، من الحُور والولدان وغيرهما، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخرَى، فإذا
هُم﴾ أي: جميع الخلائق الموتى ﴿قِيامٌ يَنظُرُونَ﴾ ٦٨: ينتظرون ما يُفعل بهم،
﴿وأشرَقَتِ الأرضُ﴾: أضاءت ﴿بِنُورِ رَبِّها﴾، حين يتجلّى الله لفصل القضاء،
﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾: كِتاب الأعمال للحِساب، ﴿وجِيءَ بِالنَِّّينَ والشُّهَداءِ﴾ أي: أُمّة
مُحمّد يشهدون للرُّسل بالبلاغ، ﴿وقُضِيَ بَينَهُم بِالحَقِّ﴾ أي: العدل، ﴿وَهُم لا
يُظْلَمُونَ﴾ ٦٩ شيئًا، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أي: جزاءه، ﴿وَهُوَ أَعلَمُ﴾ أي:
عالمٌ ﴿بِما يَفْعَلُونَ﴾ ٧٠، فلا يحتاج إلى شاهد.
٢- ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعُنف ﴿إِلَى جَهَنَّمَ، زُمَرًا﴾: جماعاتٍ في تفرقة. ﴿حَتَّى إذا
جاؤُوها فُتِحَتْ أبوابُها﴾: جواب ((إذا))، ﴿وقالَ لَهُم خَزَنتُها: أَلَم يأْتِكُم رُسُلٌ مِنكُم،
يَتْلُونَ عَلَيَكُمْ آيَاتٍ رَبِّكُمْ﴾: القُرآنَ وغيره، ﴿ويُنذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَومِكُم هذا؟ قالُوا: بَلَى،
ولكِن حَقَّتْ كَلِمةُ العَذابِ﴾، أي: ((لأملأنَّ جَهَنَّمَ)) الآيةَ، ﴿عَلَى الكافِرِينَ ٧١. قِيلَ:
ادْخُلُوا أبوابَ جَهَنَّمَ، خالِدِينَ﴾: مُقدِّرينَ الخُلودَ ﴿فِيها. فِئْسَ مَنوَى﴾: مأوى
﴿المُتَكَبِّرِينَ﴾ ٧٢ جهنّمُ!
٣- ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُم﴾ بلُطف ﴿إِلَى الجَنّةِ زُمَرًا. حَتَى إذا جاؤُوها وفُتِحَت
أبوابُها﴾ - الواو فيه للحال بتقدير ((قد)) - ﴿وقالَ لَهُم خَزَنتُها : سَلامٌ عَلَيْكُم. طِيتُم﴾
حالًا. ﴿فادخُلُوها خالِدِينَ﴾ ٧٣ مقدِّرين الخُلودَ فيها. وجواب ((إذا)) مقدّرٌ أي:
دخلوها - وسَوقُهم وفتحُ الأبواب قبل مجيئهم تكرمةٌ لهم، وسوقُ الكُفّار وفتحُ أبواب جهنّم عِند مجيئهم، ليبقى حرّها إليه، إهانةٌ لهم -
﴿وقالُوا﴾: عطف على (دخلوها)) المُقدّرِ: ﴿الحَمْدُ لِلِهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعدَهُ﴾ بالجنّة، ﴿وأورَثَنَا الأرضَ﴾ أي: أرض الجنّة، ﴿نَتَبَوّأُ﴾: ننزل ﴿مِنَ
الجَنّةِ حَيثُ نَشاءُ﴾. لأنها كُلّها لا يُختار فيها مكان على مكان. ﴿فَنِعمَ أجرُ العامِلِينَ﴾ ٧٤ الجنّةُ!
(١) نفخ فيه: دفع الهواء بقوة للتصويت. والصور: ما يصوّت به فيزلزل الكائنات ويبيد الحياة، مخلوق عظيم لا يُعرف قدره. ومَن أي: الأحياء من الخلق.
وشاء: أراد له ألّا يموت. وغيرهما أي: بعض الملائكة المقربين، يموتون جميعًا بين النفختين. وأُخرى: نفخةً ثانيةً. والقيام: جمع قائم، لما فيه من الحياة
والفزع. وينتظرون أي: وعيونهم شاخصة من الهول. والأرض هنا هي غير أرضنا هذه، يخلقها الله يوم القيامة. والنور: ما يبدد الظلمات ويمحق الباطل.
وإضافته إلى الرب للتعظيم والتفخيم. فهو خالقه ومالكه. ويتجلى: يظهر للخلق فيراه بعضهم عيانًا. والقضاء: الحكم بالعدل. ووُضع: أُحضر ليَرى كلٌّ في
يده سجل أعماله. وجيء بهم: أحضروا ليشهدوا على الأمم بما فعلت. والنبي: من بلّغ بالدعوة إلى التوحيد والشريعة. والشهداء: جمع شهيد. وهو الذي يُقرّ
بما يعلم. وأمة محمد يشهدون: يعني أنهم يذكرون ما بلّغهم القرآن، من عمل الرسل والأمم المكذبة. وكذلك شأن الملائكة الحفظة والمؤمنين الصالحين من
الأمم المتقدمة، يشهدون بما عرفوا من أحوال الكافرين. وقضي: حكم. ويظلم: يجار عليه بنقص حسناته أو زيادة سيئاته. ووفيت: أعطيت حقها كاملًا.
والنفس: المخلوق المكلف. وعملت: اكتسبت وتحملت. وقوله ((عالم)) فيه نظر، والظاهر أن التفضيل وارد هنا، أي: أكثر إحاطة وحفظًا من الشهود والكتاب
وأصحاب الأعمال. ولا يحتاج أي: وإنما تَشهد الكتب والشهود تذكيرًا للمنكرين وإلزامًا بالحجة.
(٢) سيق: دفع. والزمر: جمع زُمْرة. وجاؤوها: وصلوا إليها. وفتحت: أزيل إغلاقها. والأبواب: جمع باب، وهي الطرق المؤدية إلى النار. وجواب إذا :
يعني أن جملة ((فتحت أبوابها)): جواب الشرط غير الجازم، خلافًا لما سيذكر في الآية ٧٣. وقال لهم: خاطبهم. والخزنة: جمع خازن، زبانية العذاب.
ويأتكم رسل: يجيئوا إليكم ويبلغوكم. والرسل: جمع رسول. وهو المكلف بالتبليغ للعقيدة والشريعة مع العمل. ومنكم أي: بشر من جنسكم. ويتلو: يقرأ
ويبين. وينذر: يهدد. ولقاؤه: مقابلته وحضوره. واليوم: الزمن. وحقت: وجبت. والكلمة: العبارة. والآية ذكرنا المراد بها في التعليق على تفسير الآية ١٩.
وقيل أي: قالت الزبانية لهم. وادخلوها: مروا من الأبواب. والخالد: المقيم أبدًا. ومقدرين: يعني أن ((خالدين)): حال مقدرة عن الفاعل في ((ادخلوا))،
منصوبة بالياء لأنها جمعُ مذكرٍ سالمٌ. وبئس: بلغ الغاية في البؤس والسوء والشقاء. والمتكبر: من يترفع عما يجب عليه. و((جهنم)) يعني أن هذا هو
المخصوص بالذم.
(٣) انظر الآيتين ٧١ و٧٢. وسيق: دعي للسير والتوجه. واتقوه: تجنبوا غضبه ولزموا الطاعة. والجنة: البستان العظيم. والواو أي: التي قبل («فتحت)).
والخزنة: ملائكة الرحمة. وسلام أي: السلامة من كل مكروه. وطبتم حالًا: طابت حالُكم وحسنتْ في الاعتقاد والعمل. وفي المنحة: ((طبتم حالًا ومآلًا)).
وفيما عداها وعدا الأصل والنسخ: ((طبتم حال)). وفي الأصل: ((تكرمةً)) و((إهانةً)). وهو يناسب عبارة التلخيص التي اختصرها المحلي هنا. وفي قرة العينين:
(تكرمةً)). وإليه: إلى وقت الفتح. وفيما عدا الأصل وث: ((إليهم)). والحمد: الثناء بالجميل على المنعم. وصدقنا: أخبرنا بما هو صدق وحققه فعلًا.
والوعد: التعهد بخير. وأورثنا: ملّكنا للتصرف والاستمتاع. ونشاء: نريد أن نتبوأ. ونعم: بلغ الغاية في الخير والنعيم والسعادة. والأجر: الثواب والمكافأة.
والعامل أي: القائم بالطاعة والإخلاص.

الجزء الرابع والعشرون
٤٦٧
٤٠ - سورة غافر
١- ﴿وَتَرَى المَلائكةَ حافِينَ﴾: حالٌ ﴿مِن حَولِ العَرشِ﴾ من كُلّ جانب منه،
﴿يُسَبِّحُونَ﴾: حالٌ من ضمير ((حافّين))، ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: ملابسين للحمد، أي:
يقولون: سبحان الله وبحمده، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾: بين جميع الخلائق ﴿بِالحَقِّ﴾ أي:
العدل، فيُدخِلُ المؤمنين الجنّة، والكافرين النار، ﴿وقِيلَ: الحَمدُ للهِ رَبِّ
العالَمِينَ﴾ ٧٥. خُتِمَ استقرارُ الفريقين بالحمد من الملائكة.
الْخِزْبُ
سورة غافر
٢- مكية إلّا ((الذين يجادلون)) الآيتين، خمس وثمانون آية.
بِسْمِ الَهِ الََّنِ الرّحمةِ
٣- ﴿حمّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿تَنزِيلُ الكِتابِ﴾: القُرآنِ مبتدأٌ ﴿مِنَ اللهِ﴾: خبرُه،
﴿العَزِيزِ﴾ في مُلكه ﴿العَلِيمِ﴾ ٢ بخلقه، ﴿غافِرِ الذَّنبِ﴾ للمؤمنين ﴿وقابِلِ الثَّوبِ﴾
لهم: مصدرٌ، ﴿شَدِيدِ العِقَابِ﴾ للكافرين أي: مُشدِّدِهِ، ﴿ذِي الطَّولِ﴾ أي: الإنعام
الواسع - وهو موصوف على الدوام بكُلّ من هذه الصفات. فإضافة المُشتقّ منها
للتعريف كالأخيرة - ﴿لا إِلَّهَ إلّا هُوَ إِلَيهِ المَصِيرُ﴾ ٣: المَرجِع.
٤ - ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ﴾: القُرآن ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكّة. ﴿فلا يَغرُرْكَ
تَقَلَُّهُم في البِلادِ﴾ ٤ للمعاش سالمين. فإنّ عاقبتهم النار. ﴿كَذَّبَت قَبَلَهُم قَومُ نُوحٍ،
والأحزابُ﴾ كعادٍ وثمودَ وغيرِهما ﴿مِن بَعدِهِم، وهَمَّتْ كُلَّ أَمّةٍ بِرَسُولِهِم لِيأخُذُوهُ﴾ :
يقتلوه، ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدخِضُوا﴾: يُزيلوا ﴿بِهِ الحَقَّ، فأخَذتُهُم﴾ بالعِقاب،
﴿فَكَيفَ كانَ عِقَابٍ﴾ ٥ لهم؟ أي: هو واقع موقعَه. ﴿وكَذْلِكَ حَقَّتْ كَلِمةُ رَبِّكَ﴾،
أي: (لَأَمَلَأَنَّ جَهَنَّمَ)) الآيةَ، ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أنَّهُم أصحابُ النّارِ﴾ ٦: بدل من ((كلمة)).
مُخْرَةُ القَرُوَ الْخَشِرُنَّ
وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
رَبِّهِمَّ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِاَلْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ (
شُورَة ◌َآفا
) غَافِرِ
حَمَ تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (Q
الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابٍ ذِى الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ مَا يُحَدِلُ فِىّءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّهُمْ فِ الْبِلَدِ ﴿﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوُجِ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌّ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِمْ
لِيَأْخُذُوهُ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْ حِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمَّ
فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ ﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ النَّارِ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ
وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْحِيم
٥- ﴿الَّذِينَ يَحمِلُونَ العَرشَ﴾: مبتدأٌ ﴿ومَن حَولَهُ﴾: عطفٌ عليه (يُسَبِّحُونَ﴾: خبرُه ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِم﴾: مُلابسين للحمد، أي يقولون: سُبحانَ الله
(١) ترى: تبصر عيانًا يا محمد. والملائكة: جمع ملَك، مخلوقات نورانية معصومة مطهرة. وحافين: محدقين ومحيطين بصفوف منتظمة، جمع حافّ. وحال
أي: من الملائكة. والعرش: أعظم مخلوقات الله يحيط بالكون، ولا يعلمه البشر على حقيقته إلّا بالاسم. ويسبح: ينزه اللهَ عما لا يليق به. وحال أي: من
الضمير المستتر في: حافين. والحمد: الثناء بالجميل على المنعم. وملابسين للحمد أي: مصاحبين له في تسبيحهم. وقضي: انظر الآية ٦٩. والخلائق:
الإنس والجن. وفي ع وقرة العينين: ((فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار)). وفيما عداهما وعدا الأصل وخ: ((فيدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار)).
والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. ومن الملائكة أي: ومن المؤمنين أيضًا، على ما كان من الحق والعدل. انظر الآية ٧٤. (٢) قول المحلي ((الذين)) كذا
من التلخيص. وهو خطأ صوابه: ((إنّ الذين))، إذ المراد هو الآيتان ٥٦ و٥٧، لا الآيتان ٣٥ و٣٦. الفتوحات ٢:٤ والإتقان ٣١:١. (٣) التنزيل: الوحي
على لسان جبريل. ومبتدأ: يعني ((تنزيل)). ومن الله: من عنده وبأمره. وخبره: يعني أن الجار والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف. والعزيز: الغلاب لما عداه
لا يعجزه شيء. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء. والغافر: الساتر والماحي. والذنب: ما يخالف الشرع من العمل ويقتضي العقوبة. والقابل: المتقبل
بالرضا. والتوب: التوبة، مصدر للفعل: تابَ، أي: اعترف بذنبه وندم على فعله وتعهد بتركه وطلب المغفرة. والعقاب: جزاء العصيان. وذي الطول: صاحبه
المتفرد به. وهو أي: الله. والإله: المعبود بحق. والمرجع أي: بالبعث بعد الموت للحساب والجزاء. (٤) قيل: إن الآيات نزلت في الحارث بن قيس، كان
أحد المستهزئين والمكابرين، ويعرف بصاحب الأوثان من الحجارة، لأنه إذا مر بحجر أحسن من الذي عنده أخذه يعبده، وألقى الذي عنده. الدر المنثور
٣٤٦:٤. وهي تعم أيضًا كفار مكة وغيرها. ويجادل: يخاصم بالمقدمات الباطلة للتكذيب. وكفر: كذّب الله ورسوله. ولا يغررك: لا يخدعك ويصرفك عن
حقيقة الأمر. والتقلب: التصرف بالتجارة والأموال. والبلاد: جمع بلد. والأحزاب: جمع حزب. وهو الجماعة تتحزب على رأي أو زعيم. وبعدهم: بعد
قوم نوح. وهمت به: قصدت إيذاءه. والأمة: الجيل من الناس على دين واحد. والرسول: من كلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. ويأخذه: يأسره
ويتمكن منه. وجادلوا: خاصموا الرسول. والباطل: ما لا ثبات له. والحق: الأمر الثابت، وهو التوحيد والبعث. وأخذتهم: انتقمت منهم. وبالعقاب:
بالجزاء. وحقت: وجبت. وكلمته: تهديده بوجوب التعذيب. والآية: نحو ذات الرقم ١١٩ من سورة هود. والأصحاب: جمع صاحب. (٥) العرش: أعظم
مخلوقات الله. والذين يحملونه: المكلفون بحفظه وتدبره يحفّون به. وهم أعلى طبقات الملائكة المقربين. ومبتدأ: يعني أن ((الذين)): مبتدأ خبره جملة
(يسبحون)). ومن حوله: المحدقون به من الملائكة. وعطف عليه أي: أن ((مَن)): معطوف على ((الذين)). والتسبيح إشارة إلى الإجلال، والتحميد إشارة إلى
الإكرام. ويستغفر: يطلب ستر الذنوب والعفو عنها. ووسعه: أسبغ عليه ولم يضق به. والرحمة: العطف بالإحسان. والعلم: الإحاطة التامة مع الحفظ.
واغفر له: استر ذنبه ولا تؤاخذه به. وتاب: اعترف بذنبه وتعهد بتركه وطلب المغفرة. واتبعه: سار فيه. وقهم: احفظهم وجنبهم. وأدخلهم: يسر لهم
الدخول. والجنة: الحديقة العظيمة. ووعدتهم: تعهدت لهم بها. وصلح: كان في نيته وقوله وفعله كما أمر الشرع. وعطف على هم أي: أن ((مَن)): معطوف
على الهاء من (هم)). والآباء: جمع أب. وهو الوالد أو الجد. وذكر الآباء هنا يقتضي الأمهات أيضًا. والأزواج: جمع زوج، أي: الزوجة. وفيه اقتضاء
الرجال أيضًا. والذرية: السلالة. والعزيز: الغلاب لا يعجزه شيء. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. وقهم: احفظ=

٤٠ - سورة غافر
٤٦٨
الجزء الرابع والعشرون
نموآآنَفِ
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَذِّنٍ أَِّى وَعَدَتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ
مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّبِّئَاتِ
يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَةٌ وَذَلِكَ هُوَالْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اُللَّهِ أَ كْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ
أَنْفُسَكُمْ إِذْتُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ )
قَالُواْرَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَاِذُنُوِنَا
◌َ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ
فَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِّن سَبِيلٍ
اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ ، تُؤْمِنُواْ فَاَ لْحُكْمُ لَّهِ
الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴿ هُوَالَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزُِّ
لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُذِبُ
فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْكَرِهَ الْكَفِرُونَ
رَفِيعُ الْذَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِيُذِرَ يَوْمَ النَّلَقِ ﴿ يَوْمَ هُمْ بَرِزُونٌ لَا يَخْفَ
عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ اللَّ
وبحمده، ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ - تعالى - ببصائرهم أي: يُصدّقون بوحدانيته، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، يقولون: ﴿رَبَّنَا، وَسِعتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وعِلمًا﴾ أي: وسعَ رحمتُك
كُلَّ شيء وعِلمُك كُلَّ شيء. ﴿فاغفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ من الشِّرك، ﴿واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾:
دِينَ الإسلام، ﴿وَقِهِم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ٧: النار - ﴿رَبَّنَا - وأدخِلْهُم جَنّاتِ عَدنٍ﴾:
إقامةٍ ﴿الَّتِي وَعدتَهُم، ومَن صَلَحَ﴾: عطفٌ على ((هم)) في ((وأدخلهم)) أو في
((وعدتهم))، ﴿مِن آبائهِم وأزواجِهِم وَذُرِّاتِهِم - إنَّكَ أنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٨ في صُنعه
- ﴿وَقِهِمِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: عذابَها. ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَومَئذٍ﴾: يوم القيامة ﴿فَقَد
رَحِمتَهُ، وَذُلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ ٩.
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَونَ﴾ من قِبَل الملائكة، وهم يمقتون أنفسَهم عِند دُخولهم
النارَ: ﴿لَمَقْتُ اللهِ﴾ إياكم ﴿أكبَرُ مِن مَقْتِكُم أنفُسَكُم، إذ تُدعَونَ﴾ في الدنيا ﴿إِلَى
الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ١٠. قالُوا: رَبَّنَا، أمَتَّنا اثنَتَينِ﴾: إماتتينِ، ﴿وأحبَيتَنا اثنَتَينِ﴾:
إحياءتين لأنهم، وكانوا نطفًا، أمواتٌ فَأُحيُوا ثمّ أُمِيتوا ثمّ أُحيُوا للبعث، ﴿فاعتَرَفْنا
بِذُنُوبِنا﴾: بكُفرنا بالبعث. ﴿فَهَل إلَى خُرُوجِ﴾ من النار، والرجوع إلى الدنيا لنُطيع
ربّنا، ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ ١١: طريق؟ وجوابهم: لَا. ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: العذابُ الذي أنتم فيه
﴿بِأَنَّهُ﴾ أي: بسبب أنه في الدنيا ﴿إذا دُعِيَ اللهُ وَحدَهُ كَفَرْتُم﴾ بتوحيده، ﴿وإن يُشرَكْ
بِهِ﴾: يُجعل له شريك ﴿تُؤمِنُوا﴾: تُصدّقوا بالإشراك. ﴿فالحُكمُ﴾ في تعذیبکم ﴿ للهِ
العَلِيِّ﴾ على خلقه، ﴿الكَبِيرِ﴾ ١٢ : العظيم.
٢- ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُم آياتِهِ﴾: دلائلَ توحيده، ﴿وَيُنْزِلُ لَكُم مِنَ السَّماءِ رِزقًا﴾ بالمطر،
﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾: يتّعظ ﴿إلّا مَن يُنِيبُ﴾ ١٣: يرجع عن الشِّرك - ﴿فادعُوا اللهَ﴾: اعبدوه، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشِّرك، ﴿وَلَو كَرِهَ
الكافِرُونَ﴾ ١٤ إخلاصَكم فيه - ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ أي: اللهُ عظيم الصفات، أو رافع درجات المؤمنين في الجنّة، ﴿ذُو العَرشِ﴾: خالقُه، ﴿يُلقِي
الرُّوحَ﴾: الوحيَ ﴿مِن أمرِهٍ﴾ أي: قوله ﴿عَلَى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، لِيُنذِرَ﴾: يُخوِّفَ المُلقَى عليه الناسَ ﴿يَومَ التَّلاقِ﴾ ١٥، بحذف الياء وإثباتها :
يوم القيامة لتلاقي أهل السماء والأرض، والعابد والمعبود، والظالم والمظلوم فيه، ﴿يَومَ هُم بارِزُونَ﴾: خارجون من قُبورهم، ﴿لا يَخْفَى علَى
اللهِ مِنْهُم شَيءٌ: لِمَنِ المُلكَ اليَومَ﴾؟ يقوله تعالى، ويُجيب نفسَه: ﴿لِهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ١٦ أي: لخلقه. ﴿اليَومَ تُجزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، لا
ظُلمَ اليَومَ. إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ١٧ يُحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، لحديث بذلك.
=الآباء والأزواج والذريات. والسيئة: المعصية من العمل. ويومئذ: يوم إذْ تجازي الناس بأعمالهم. ورحمته: عطفت عليه فأحسنت إليه. وذلك: يعني ماذكر
من الغفران ودخول الجنة والوقاية من العذاب. والفوز: النجاة والظفر. والعظيم: الذي لامثيل له. (١) كفر: كذّب الله ورسوله. وينادى: يدعى باسمه
للتقريع والمبالغة في التعذيب. والملائكة: جمع ملّك. وهم الزبانية ملائكة العذاب. وهم أي: الذين كفروا. ويمقتونها: يكرهونها أشد الكره. ومقت الله
إياهم: كرهه الشديد لهم في الدنيا وإرادة الانتقام منهم. وأكبر: أعظم. والأنفس: جمع نفس. وهي هنا الأمارة بالسوء. وتدعى: تُحض. والإيمان: إقرار
القلب بالتوحيد. وتكفرون: تأبون الإيمان، وتختارون الكفر والعصيان. وإحياءتين: إحياءة الأجِنّة وإحياءة البعث. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((لأنهم نطفًا
أموات)). خ: ((لأنهم كانوا نطفًا أمواتًا)). واعترف: أقرّ. والذنوب: جمع ذنب. وهو ما يؤاخذ عليه، من النية والقول والعمل. وبالبعث أي: وبغيره كالتوحيد
والشريعة. والخروج: النجاة. و((لا)) أي: لاسبيل إلى الرجوع إلى الحياة الدنيا. ودعي وحده أي: أفرد بالألوهية وذكر وحده. وكفرتم: كذّبتم وجحدتم.
والشريك: ما يجعل مشاركًا في الألوهية من الخلق، كالأصنام والحيوان والبشر. والحكم: القضاء. والعلي: البالغ في علو الرتبة ما دونه كل مخلوق.
والعظيم أي: العظيم الكبرياء. فهو يحكم بالعدل ولا يعوقه عما يريده شيء. (٢) يريكم: يبصركم عيانًا في أعاجيب الكون والحياة. وينزل: يطلق ويرسل.
وفي ث والفتوحات والصاوي والمطبوعات: ((يُنَزِّلُ)). والسماء: السحاب. والرزق: ما ييسَّر للخلق من المتاع. وعن الشرك أي: إلى التوحيد والإخلاص.
ومخلصين له: جاعلين له وحده. والدين: الطاعة والعبادة. وكره: اغتاظ وأبغض. والكافر: من كذّب الله ورسوله. وفيه: في الدين. وفي المنحة:
(إخلاصكم له)). وفيما عداها وعدا الأصل وقرة العينين: ((إخلاصكم منه)). والدرجة: المنزلة والمقام. والعرش: المخلوق الأعظم الذي يحيط بسائر
المخلوقات، ولا يعرف حقيقته إلّا المولى - تعالى - وهو صاحبه يستوي عليه استواء يليق بعظمته وجلاله. وخالقه أي: ومالكه ومدبره. ويلقيه: ينزله
ويوحيه. ويشاء: يريد أن يكلفه بالدعوة. والعباد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا. والملقى عليه هو النبي أو الرسول. واليوم: الوقت. وحذف
الياء للتخفيف. وبإثباتها يريد القراءة ((التَّلاقِي)). ويخفى: يغيب. ومنهم: من أعمالهم وأحوالهم وسرائرهم. والملك: الحيازة والتصرف والقهر. واليوم: هذا
الوقت. والواحد: المتفرد بالألوهية. والقهار: البالغ التحكم والتسلط. ولخلقه أي: المبالغ في تذليلهم وإخضاعهم لإرادته. وتجزى: تكافأ. وبما كسبت
أي: بما يقابل ما تحملته بالقلب واللسان والعمل. والظلم: مجاوزة الحق بنقص الثواب أو زيادة العقاب. والسريع: العاجل جدًا. والتقدير: سريعٌ حسابُه.
والحساب: المحاسبة والحكم بالجزاء. و((من أيام الدنيا)) كذا، وهو فهم غير صحيح للحديث المذكور. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٢٠٢ من سورة البقرة.

الجزء الرابع والعشرون
٤٦٩
٤٠ - سورة غافر
١- ﴿وَأَنذِرْهُم يَومَ الآزِفِةِ﴾: يوم القيامة - أزِفَ الرحيلُ: قَرُبَ - ﴿إِذِ القُلُوبُ﴾ ترتفعُ
خوفًا ﴿لَدَى﴾: عِندَ ﴿الحَناجِرِ، كاظِمِينَ﴾: مُمتلئين غمًّا، حالٌ من ((القلوب)) عُوملت
بالجمع بالياء والنون مُعاملة أصحابها، ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ﴾: مُحبّ، ﴿ولا
شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ ١٨. لا مفهومَ للوصف إذ لا شفيع لهم أصلًا: ((فما لَنا مِن شافِعِينَ))، أوْ
له مفهومٌ بناء على زعمهم أنّ لهم شفعاء، أي: لو شفَعوا فرْضًا لم يُقبلوا.
٢- ﴿يَعلَمُ﴾ أي: اللهُ ﴿خائنةَ الأعيُنِ﴾، بمُسارقتها النظرَ إلى مُحرَّم، ﴿وما
تُخفِي الصُّدُورُ﴾ ١٩ : القُلوب، ﴿واللهُ يَقضِي بِالحَقِّ، والَّذِينَ يَدِّعُونَ﴾:
يعبدون أي: كُفّارُ مكّة - بالياء والتاء - ﴿مِن دُونِهِ﴾، وهم الأصنام، ﴿لا
يَقضُونَ بِشَيءٍ﴾. فكيف يكونون شُركاء لله؟ ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم،
﴿الَبَصِيرُ﴾ ٢٠ بأفعالهم.
ثلاثة ارباع
الخرب
٤٧
٣- ﴿أَوَلَم يَسِيرُوا في الأرضِ، فَيَنظُرُوا: كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِم؟ كانُوا
هُم أشَدَّ مِنْهُم﴾ - وفي قراءة: ((مِنكُمْ)) - ﴿قُوّةً، وآثارًا في الأرضِ﴾ من مصانعَ
وقُصورٍ، ﴿فَأخَذَهُمُ اللهُ﴾: أهلكهم ﴿بِذُنُوبِهِم، وما كانَ لَهُم مِنَ اللهِ مِن واقٍ﴾ ٢١
عذابَه. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم كانَتْ تأتِيهِم رُسْلُهُم بِالبَيِّناتِ﴾: بالمُعجزات الظاهرات،
﴿فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ. إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٢٢ .
٤- ﴿وَلَقَد أرسَلْنا مُوسَى بِآيَاتِنا، وسُلطانٍ مُبِينٍ﴾ ٢٣: بُرهانٍ بَيِّنٍ ظاهر، ﴿إِلَى فِرِعَونَ
وهامانَ وقارُونَ، فقالُوا﴾: هو ﴿ساحِرٌ كَذّابٌ ٢٤. فلَمّا جاءَهُم بِالحَقِ﴾: بالصِّدق
نُسُورَة ◌َفِلا
الجزء التَارِو الخَشِرُمَّا
الْيَوْمَ تُحْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ لَأُظُلْمَ الْيَوْمَّ إِنَّ
اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿ وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِالْقُلُوبُ
لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ
يُطَاعُ ﴿ يَعْلَمُ خَابِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ
وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ
بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥َ ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى
اُلْأَرْضِ فَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ
كَانُواْ هُمْ أَشَدَّمِنْهُمْ قُوَّةً وَءَآثَارًا فِى الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُاللَّهُ
◌ِدُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَانَت تَّأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَغِنَتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهَ إِنَّهُ.
قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَتِنَا
وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ
فَلَمَّا جَآءَ هُمْ بِالْحَقِّ مِنْ
فَقَالُواْ سَحِرُ كَذَابٌ
عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ وَأَسْتَحْيُواْ
نِسَآءَ هُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلََّ فِ ضَلَالٍ
٢٥
(١) أنذرهم: خوّف الكافرين. والآزفة: القريبة الدانية من الخلق، مهما تأخرت، لأن كل آت قريب. والقلوب: قلوبهم، جمع قلب. وأل: نائبة عن ضمير
الغائبين في الموضعين. والحناجر: جمع حَنجَرة. وهي مجرى النفَس في الرقبة. خ: ((غمًا وحزنًا)). وعوملت بالجمع بالياء: يعني أنها جعلت كالعقلاء.
والأولى أن ((كاظمين)): حال من أصحاب القلوب، أي الضمير الذي نابت عنه ((أل))، كما ذكرنا. وللظالمين أي: للكافرين. والشفيع: من يُتوسل به ليدفع
الشر أويجلب الخير. ويطاع: تُقبل شفاعته. ولا مفهوم للوصف: يعني أن جملة ((يطاع)) ليست قيدًا لشفيع، والمراد نفي الشفعاء لهم إطلاقًا، أي: لا شفيع لهم
ليطاع. وله مفهوم: يعني أن الجملة قيد افتراضي للموصوف، نظرًا إلى ما يتوهمه المشركون من شفاعة الأصنام لهم.
(٢) يعلم: يحيط بالغَ الإحاطة. والخائنة: المخالفة للشرع. والأعين: جمع عين. ومحرم أي: ماحرّم الشرع النظر إليه. خ: ((المحرم)). وتخفي: تستر عن
الغير. والصدور: جمع صدر. ويقضي: يحكم بين الجميع في الدنيا والآخرة. والحق: العدل الكامل. وكفار مكة أي: وغيرها أيضًا. وبالتاء يريد القراءة
(تَدعُونَ)). والخطاب للمشركين. ومن دونه أي: غير الله. والشيء: ما هو موجود أو محتمل وجوده أو متوهم. والسميع: العالم بالمسموعات والأسرار.
والبصير: المدرك للأحداث في الكون كله. وهذا خلاف ما عليه المعبودات، وفيه وعيد وتهديد، وتعريض بتلك المعبودات.
(٣) في الآيتين تهديد بأحوال الدنيا، وتمهيد لما سيرد من إهلاك فرعون. ويسيروا: يتنقل المشركون للتجارة وغيرها. والأرض: ماحول مكة من البلاد.
وينظر: يرى ويتدبر ليتعظ. والعاقبة: النهاية. وهم أي: الأقوام المهلكة. وأشد: أكثر وأظهر. ومنهم أي: من المشركين. وفي قراءةِ ((منكم)) التفات من الغيبة
إلى الخطاب للمواجهة بالقصور والتهديد. والقوة: القدرة على التصرف. خ: ((منهم قوة وفي قراءة منكم)). والآثار: جمع أثر. وهو ما يخلفه الإنسان من عمل
مادي ظاهر. والمصانع: ما يُصنع من القلاع والحصون والسدود. والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية تقتضي العقوبة. وما كان أي: ليس. ومن الله أي: من
انتقامه. والواقي: المانع الحامي. وعذابَ: مفعول ((واقٍ)). وذلك أي: الإهلاك. وتأتيهم: تجيئهم وتبلغهم. والرسل: جمع رسول. وهو المكلف بتبليغ
العقيدة والشريعة مع العمل. وأصل الجمع ((رُسُل)) فسكنت السين للتخفيف. وكفر: كذّب وأنكر. والقوي: الكامل القدرة على كل شيء. والشديد: العنيف
لامثيل له. والعقاب: الانتقام من العصاة. والتقدير: شديدٌ عقابُه.
(٤) موسى: أعظم أنبياء بني إسرائيل. وأرسله: بعثه وكلفه الدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. والآيات: المعجزات القاهرة كالعصا واليد. وفرعون:
ملك مصر حينذاك. وهامان: وزيره ومعينه على الطغيان. وقارون: سيد غني من أقرباء موسى. وساحر أي: يوهم في معجزاته العيون والعقول بما يخالف
الواقع. وكذاب: كثير الاختلاق فيما ادعاه من تكليفه الرسالة. وجاءهم: أتاهم وبلغهم. واقتلوهم أي: أعيدوا عليهم القتل الذي تركتموه. والأبناء: جمع
ابن. والنساء: جمع نسوة، أي: الإناث. والكيد: المكر وتدبير سوء الصنيع. والكافر: المكذب الجاحد للتوحيد والبعث. وهلاك أي: ضياع وبطلان فلا
يغني شيئًا ولا يدفع نقمة الله. وذروني: لا تنصحوني بعدم قتله. ويدعوه: يستعين به. وربه: إلهه ومرسله بزعمه. وأخاف: أخشى. ويبدله: يزيله ويضع غيره.
وتتبعونه أي: أنتم تصيرون تابعين له. انظر ((المفصل)) وتفسير الآية ٢٦٨ من سورة البقرة. ويُظهر: يصنع ويشيع. والأرض يعني مصر. والفساد: السوء
والشر. وفي قراءة يريد القراءتين ((أو أن يُظهِرَ))، ((وأن يَظهَرَ ... الفَسادُ). وسمع ذلك أي: سمع رغبة فرعون في قتله. وعذت: استعنت وتحصنت. والرب:
الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وكل: لاستغراق أفراد النكرة. والمتكبر: المتعاظم في نفسه مع حقارته. ولا يؤمن به: يكذبه. واليوم: الزمن.
ويوم الحساب أي: البعث والنشور والجزاء.

٤٠ - سورة غافر
٤٧٠
الجزء الرابع والعشرون
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ: إَِّ أَخَافُ
ـة
أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ
وَقَالَ مُوسَىٌّ إِنِّ عُذْتُ بِرَبِّ وَرَبِّكُمْ مِّنْ كُلِّ مُتَكٍِ
() وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ
لَايُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ
فِرْعَوْنَ يَكْثُمُ إِيمَنَهُ: أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِىَ
اللَّهُ وَقَدْجَآءَ كُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِنِيَكُ كَذِبًا
فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى
يَعِدُ كُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (®َيَقَوْمِ
لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِ الْأَرْضِ فَمَن يَنْصُرُنَا مِنْ
بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَأَقَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّ مَآ أَرَى وَمَآ
أَهْدِيكُمْ إِلَّسَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿ وَقَالَ الَّذِىّءَامَنَ يَقَوْمِ إِّ
أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَخْزَابِ (جَ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوجِ
وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِ هِمْ وَمَا ◌َللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ؟
وَيَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿ يَوْمَ تُوَلَّونَ مُدْبِرِينَ
مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصٍِ وَ مَن يُصْلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍله
﴿مِن عِندِنا قالُوا: اقْتُلُوا أبناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، واستَحِيُوا﴾: استَبْقُوا ﴿نِساءَهُم - وما
كَيدُ الكافِرِينَ إلّا فِي ضَلالٍ﴾ ٢٥: هلاك - ﴿وقالَ فِرْعَونُ: ذَرُونِيَ، أقتُلْ مُوسَى﴾
لأنهم كانوا يكفّونه عن قتله، ﴿وَلْيَدعُ رَبَّهُ﴾ ليمنَعه منّي. ﴿إِنَِّ أخافُ أن يُبَدِّلَ
دِينَكُم﴾ من عِبادتكم إياي فتّبعونه، ﴿وأن يُظهِرَ في الأرضِ الفَسادَ﴾ ٢٦ من قتل
وغيره. وفي قراءة: ((أوْ))، وفي أُخرى بفتح الياء والهاء وضمِّ الدال. ﴿وقالَ مُوسَى﴾
لقومه، وقد سمع ذلك: ﴿إِنِّي عُذتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم، مِن كُلِّ مُتَكَبِرٍ لا يُؤمِنُ بِيَومِ
الحِسابِ﴾ ٢٧.
١- ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ، مِن آلِ فِرِعَونَ﴾ قيل: هو ابن عمّه، ﴿يَكتُمُ إيمانَهُ: أتَقتُلُونَ
رَجُلَا أنْ﴾ أي: لأن ﴿يَقُولَ: رَبِّيَ اللهُ. وقَد جاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمُعجزات
الظاهرات ﴿مِن رَبِّكُم، وإِن يَكُ كاذِبًا فعلَيهِ كَذِبُهُ﴾ أي: ضررُ كذبه، ﴿وإن یَكُ صادِقًا
يُصِبْكُم بَعضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ به من العذاب عاجلًا؟ ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهدِي مَن هُوَ
مُسرِفٌ﴾: مُشرك، ﴿كَذّابٌ﴾ ٢٨ : مُفْتٍ. ﴿ يَا قَومٍ، لَكُمُ المُلكُ اليَومَ ظاهِرِينَ﴾:
غالبين حالٌ، ﴿في الأرضِ﴾ أرض مِصرَ. ﴿فَمَن يَنصُرُنا مِن بأسِ اللهِ﴾: عذابه، إن
قتلتم أولياءه، ﴿إن جاءَنا﴾؟ أي: لا ناصرَ لنا. ﴿قَالَ فِرعَونُ: ما أُرِيكُم إلّا مَا أَرَى﴾
أي: ما أُشيرُ عليكم إلّا بما أُشير به على نفسي - وهو قتل مُوسى - ﴿وما أَهدِيكُم إلّ
سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ٢٩ : طريقَ الصواب.
٢ - ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ: يَا قَومِ، إنِّيَ أخافُ عَلَيْكُمْ مِثلَ يَومِ الأحزابِ﴾ ٣٠ أي: يومٍ حزب بعد حزب، ﴿مِثْلَ دأُبٍ قَومِ نُوحٍ وعادٍ وَثَمُودَ، والَّذِينَ
مِن بَعدِهِم﴾ - مِثلَ: بدل من ((مِثلَ)) قبله - أي: مِثلَ جزاءِ عادةٍ مَن كفر قبلكم، من تعذيبهم في الدنيا، ﴿وما اللهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِلعِبادِ ٣١، ويا قَوم
إِنِّيَ أخافُ عَلَيْكُم يَومَ التَّنادِ﴾ ٣٢، بحذف الياء وإثباتها، أي: يومَ القيامة يكثُر فيه نداءُ أصحابِ الجنّة أصحابَ النار وبالعكس، والنداءُ بالسعادة
لأهلها وبالشقاوة لأهلها، وغيرُ ذلك، ﴿يَومَ تُوَلَّونَ مُدبِرِينَ﴾ عن موقف الحِساب إلى النار، ﴿مَا لَكُم مِنَ اللهِ﴾ أي: من عذابه ﴿مِن عاصِمٍ﴾:
مانع. ﴿ومَن يُضلِلِ اللهُ فما لَهُ مِن هادٍ﴾ ٣٣ .
(١) قال أي: صرح بالقول جهارًا. والرجل هنا هو غير المذكور في سورة القصص. ومؤمن أي: يصدّق الله وموسى ويتبع أمرهما. والآل: الأهل، أي:
الأقرباء. وابن عمه أي: ابن عم فرعون من القبط. ويكتم: يخفي عن الناس. وإيمانه: اعتقاده بالتوحيد وما يلزمه من تصديق موسى ورسالته. وتقتلونه أي:
تريدون قتله. والرجل: الإنسان الذكر. ويقول: يصرح بالقول اعتقادًا. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. والله: لفظ الجلالة اسم علم
للمعبود بحق وحده والواجب الوجود المستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. وجاءكم: أتاكم وبصّركم عيانًا. انظر الآية ٢٥. ومن
ربكم: من عند ربكم وبأمره. والكاذب: من يدعي ما هو باطل لا أصل له. والصادق: من يقول الحق الذي لاشك فيه. ويصيبكم: ينزل بكم ويخصكم.
وبعضه: جزء منه. ويعدكم: يعدكم إياه، أي: يُوعدكم ويخوّفكم. وتقدير ((به)) فيه نظر لأن الفعل يتعدى إلى مفعولين مباشرة، ثانيهما محذوف كما قدرنا. ولا
يهديه أي: يوجه قدراته إلى ما يناسب اختياره الفاسد واستعداده الخبيث، ويتركه فيما اختار لنفسه، فلا يرشده إلى الحق ولا يوفقه فيه. والمسرف: المستغرق
في الشر والفساد بإصرار وانهماك. والإشراك أفظع ذلك. ومفتر أي: يدعي ما هو باطل لا أصل له. وفي هذا تلطفٌ لئلا يقتلوا موسى، وتقريبٌ للنصيحة مع
الاستدراج كي يتدبروا الحقيقة، واحتمالُ توجه الإسراف والكذب إلى فرعون بالتعريض أيضًا. ويا قوم أي: ياقومي. حذفت ياء المتكلم للتخفيف. والقوم:
جماعة الإنسان يعيش بينهم وهو منهم. والمراد هنا السادة من الأقباط العرب. والملك: السلطان والتصرف والقهر لبني إسرائيل. واليوم: هذا الزمن. وحال:
يعني أن ظاهرين: حال من الضمير في ((لكم))، منصوبة بالياء لأنها جمعُ مذكرٍ سالمٌ. وينصر: يعين وينقذ. وأولياءه أي: الذين يعتمدون عليه ويولّونه أمورهم.
خ: ((أولياء الله)). وجاءنا: نزل بنا بأس الله. وأريكم: أَعلمكم وأُحمّلكم. وأرى أي: أعرفه وأعتقده. وأهدي: أعرّف وأُعلم.
(٢) الذي آمن: هو المؤمن المذكور في الآية ٢٨. ويا قوم: انظر الآية ٢٩. وأخاف: أخشى وأتوقع. ومثله أي: مايشبهه من الأهوال المستأصلة. ويوم
الأحزاب: الوقائع التي أُهلكت فيها الأمم المكذبة. واليوم: الوقيعة، اسم جنس يدل على الكثرة بإضافته إلى الجمع. والأحزاب: جمع حزب. وهو الجماعة
من الناس يتعصبون لمذهب أو زعيم. والدأب: العادة المستمرة. ونوح: نبي بعد آدم وشيث وإدريس، غرق مكذبوه بالطوفان. وعاد: قوم النبي هود. وثمود:
قوم النبي صالح. والقومان من العرب العاربة أقدم الأمم التي عُرفت لها آثار باقية. والذين من بعدهم: قوم لوط وغيره من الأنبياء. وما يريد ظلمًا أي: بل
يريد العدل وجزاء كل بما يستحق. فهلاكهم كان عدلًا منه. ونفي إرادة الظلم أبلغ من نفي وقوعه. والعباد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا.
والتناد: التنادي، أي: أن يكون نداء متبادل، دعاء بالأسماء بين أفراد أوفئات. وحذفت الياء للتخفيف ومراعاة الفواصل. وبإثباتها يريد القراءة ((التَّنَادِي)).
وتولون: تنصرفون وتندفعون. والمدبر: الهارب يوجه ظهره لما كان يواجهه قبل. ويضله: يصرف قدراته إلى مايناسب اختياره السيئ واستعداده الخبيث، فلا
ييسرله الهداية، ويدعه في طريق الفساد. والهادي: المرشد إلى طريق الحق والخير، يوصل إليه ويوفق فيه. انظر الآية ٣٦ من سورة الزمر.

الجزء الرابع والعشرون
٤٧١
٤٠ - سورة غافر
١- ﴿وَلَقَدْ جاءَكُم يُوسُفُ مِن قَبلُ﴾ أي: قبلِ مُوسى - وهو يُوسفُ بنُ يعقوبَ في
قولٍ، عُمِّر إلى زمن مُوسى، أو يُوسفُ بنُ إبراهيمَ بنِ يُوسفَ بنِ يعقوبَ في قولٍ -
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمُعجزات الظاهرات، ﴿فما زِلِتُم في شَكِّ مِمّا جَاءَكُم بِهِ. حَتَّى إذا
هَلَكَ قُلتُم﴾ من غير برهان: ﴿لَن يَبعَثَ اللهُ مِن بَعدِهِ رَسُولًا﴾ أي: فلن تزالوا كافرين
بُيُوسفَ وغيرِهِ. ﴿كَذْلِكَ﴾ أي: مِثْلَ إضلالكم ﴿يُضِلُّ اللهُ مَن هُوَ مُسرِفٌ﴾: مُشرك
﴿ مُرتابٌ﴾ ٣٤: شاّ فيما شهدتْ به البيّنات. ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ﴾:
مُعجزاته مُبتدأٌ، ﴿بِغَيرِ سُلطانٍ﴾: بُرهانٍ ﴿أتاهُم، كَبُرَ﴾ جِدالُهم، خبرُ المُبتدأ ﴿مَقْتًا
عِندَ اللهِ وعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا! كَذْلِكَ﴾ أي: مِثلَ إضلالهم ﴿يَطَبَعُ﴾: يختِم ﴿اللّهُ﴾ بالضلال
﴿عَلَى كُلِّ قَلبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ ٣٥. بتنوينِ (قلبٍ)) ودُونِهِ. ومتى تكبِّر القلب تكبَّر
صاحبه، وبالعكس. ((وكُلّ)) على القراءتين لعُموم الضلال جميعَ القلب، لا لعُموم
القلوب.
٢- ﴿وقالَ فِرِعَونُ: يا هامانُ، ابنِ لِي صَرحًا﴾ بناءً عاليًا، ﴿لَعَلِّيَ أبلُغُ الأسبابَ ٣٦،
أسبابَ السَّماواتِ﴾: طُرقَها المُوصلةَ إليها، ﴿فَأَطَّلِعُ﴾ - بالرفع عطفًا على (أبلغُ))،
وبالنصب جوابًا لـ ((ابنِ)) - ﴿إِلَى إِلّهِ مُوسَى. وإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أي: مُوسى ﴿كاذِبًا﴾ في أنّ
له إلّهَا غيري. قال فرعون ذلك تمويهًا. ﴿وَكَذْلِكَ زُيِّنَ لِفِرِعَونَ سُوءُ عَمَلِهِ، وصَدَّ عَنِ
السَّبِيلِ﴾: طريق الهُدى - بفتح الصاد وضمِّها - ﴿وما كَيدُ فِرِعَونَ إلّا في تَبَابٍ﴾ ٣٧:
خسار.
وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُـ
يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَازِلْتُمْ فِ شَكٍ
مِّمَّاجَآءَ كُمْ بِهِ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ
مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
مُرْتَابٌ ﴿ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِى ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيِرِ سُلْطَانٍ
أَتَنَهُمْ كَبُرَ مَقْتًّا عِندَاللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ
يَطَبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ
يَهَمَنُّ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ ﴿أَسْبَبَ
السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَ إِ لَأَظُنُّهُ كَذِبًا
وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوْءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
﴿ وَقَالَ الَّذِىّ
وَمَاكَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابِ
ءَامَنَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِ كُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ
يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَحُ وَإِنَّالْآَخِرَةَ هِىَ
دَارُ الْقَرَارِ جَ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهاً
وَمَنْ عَمِلَ صَالِ حًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَفِيهَاِبِغَيْرِحِسَابٍ
٣- ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ: يا قَوم، اتَّبِعُونِيَ﴾، بإثباتِ الياء وحذفِها، ﴿أهدِكُم سَبِيلَ
الرَّشادِ﴾ ٣٨. تقدّمَ. ﴿يا قَوم، إنَّما هذِهِ الحَياةُ الدُّنيا مَتاعٌ﴾: تَمتُّعٌ يزول، ﴿وإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ القَرارِ ٣٩، مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فلا يُجزَى إلّا مِثلَها،
ومَنْ عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوَ أُنثَى، وهْوَ مُؤمِنٌ، فَأُولَئِكَ يُدخَلُونَ الجَنَّةَ﴾، بضمّ الياء وفتح الخاء وبالعكس، ﴿يُرَقُونَ فِيها بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ ٤٠:
رِزْقًا واسعًا بلا تَبِعة.
(١) جاءكم: أتى أسلافكم نبيًّا ليبلغكم أيضًا. وعمّر: مُدّ عمره. وقول المحلي ((يوسف)) كذا. وما ذكره المفسرون هو أن المعمَّر فرعونُ يوسفَ، لا يوسفُ
نفسه. وفي المنحة: ((عَمِرَ)). وسقط ((عُمّر إلى زمن موسى)) من خ. وتعليقًا على ((إبراهيم)) في حاشية الأصل: (لعله إفرائيم)). انظر تفسير القرطبي ١٥ : ٣١٢.
وما زلتم: بقيتم واستمررتم. والمراد هو الأسلاف والمخاطبون. والشك: التردد والكفر. وهلك: مات. وقلتم أي: أسلافكم وأنتم بعدهم. ويبعث: يرسل.
والرسول: من يكلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. ويضله: يوجه قدراته بحسب اختياره الفاسد واستعداده الخبيث، فيقضي عليه بدوام مخالفة
الحق. وفي الأصل: ((شاك فيما شهد به من البينات)). ويجادلون: يخاصمون ويمارون مكابرة. ومعجزاته أي: وما في القرآن من عقيدة وشريعة وأخبار وعلوم
ومعارف. ومبتدأ: يعني أن ((الذين)): مبتدأ خبره جملة (كبر)). وبغير: بدون. وأتاهم: وصل إليهم بوحي أو علم يقيني. وكبر: بلغ الغاية في الكبر والضخامة.
والمقت: الكره الشديد من الله ومن المؤمنين. وعند الله: في حكمه وقضائه. وآمن: صدّق الله ورسوله. والقلب: موطن التدبر والإدراك والعواطف.
والمتكبر: من يتعاظم بما ليس فيه. والجبار: المتعالي عن قبول الحق. وبدونه يريد القراءة «قَلبِ مُتَكَبِرٍ)) بالإضافة. ولا لعموم القلوب أي: لا لعموم الضلال
جميعَ القلوب. يعني أن قلب المتكبر لم يبق فيه محل يقبل الهداية. وهذا هو مآلُ معنى الآية في قراءة التنوين، وليس مدلولَ تركيبها الذي يعني جميع قلوبٍ
المتكبرين. ولذا كان المراد هو المعنيين معًا. فالأول عموم القلوب بدليل التركيب، والثاني عموم أجزاء كل قلب بدليل أن الطبعَ إذا أصاب الشيء ناله كلَّه
لابعضه. انظر ((المفصل)) والبحر ٧: ٤٦٥. ط: لا لعموم القلب.
(٢) هامان: وزير فرعون ومعينه على الكفرِ والطغيان. وابنٍ: شيّد وارفع. وانظر الآية ٣٨ من سورة القصص. وأبلغها: أصل إليها. وأطلع إليه: أنظر إليه
وأتعرف أحواله. وبالنصب يريد القراءة ((فأطَّلِعَ)). وجوابًا لابن أي: جوابًا للطلب. والإله: المعبود. وأظن: أعتقد. والكاذب: من يقول ما هو غير حقيقي.
وكذلك: مثلَ ذلك التزيين لقوله المذكور. انظر الآية ٦. وزين له: حسّنَ الشيطان وجمّل له مغريًا. والسوء: القبيح المنكر. والعمل: ما يقوم به الإنسان من نية
أو قول أو فعل. وصد: صرف الناس ومنعهم. وبضمها يريد القراءة ((وصُّدَّ))، أي: صُرِفَ، صَرفه الشيطان ومنعه. والكيد: المكر والخداع لإبطال آيات موسى
ودعوته. انظر آخر الآية ٢٥ .
(٣) الذي آمن: هو المؤمن المذكور قبل. انظر الآية ٣٠. واتبعوني: اعملوا بنصيحتي واقتدوا بي في الإيمان والطاعة. وحذفها: يعني حذف ياء المتكلم
للتخفيف، يريد القراءة ((اتَّبِعُونِ)). وأهدي: أدل وأُبلّغ. وتقدم أي: ما ورد في آخر الآية ٢٩. والحياة: العيش بالروح والجسد. والدنيا: الأقرب إلى الناس
لأنهم يعيشون فيها. والمتاع: ما يُنتفع به ويرغب فيه. والآخرة: البعيدة عنهم. وهي الحياة في يوم القيامة. والدار: مكان النزول. والقرار: الإقامة الدائمة بلا
انتقال ولا تحول. وعمل: اكتسب في الدنيا من نية أو قول أو فعل. والسيئة: المعصية فيها الشر والإيذاء للإنسان وغيره. ويجزى: يكافأ ويعاقب في دار
القرار. ومثلها أي: ما يقابلها ويماثلها في القدر. والصالح: ما يرضاه الله والشرع الحنيف. والمؤمن: الذي اعترف قلبه بالتوحيد وما يلزمه. ويُدخَل: يقدَّر له
الدخول وييسر. والجنة: البستان العظيم فيه الشجر والقصور والنعيم. وبالعكس أي: بفتح الياء وضم الخاء، يريد القراءة ((يَدخُلُونَ)). ويُرزق: يهيأ له ما
يحتاج إليه. وبغير: بدون. وبلا تبعة أي: لاتبعة عليهم فيما يعطون من النعيم، ولا يترتب عليهم تكاليف من ذلك، لأنه عطاء فضلٍ وتكرم بغير محاسبة.

٤٠ - سورة غافر
٤٧٢
الجزء الرابع والعشرون
سُؤْرَةِ سَفِاع
الجزءُ القَائِى الحـ
وَيَقَوْمِ مَالِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى
النَّارِ ﴾ تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَالَيْسَ
لِى بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِالْغَفَّرِ جْ لَاجَرَوَ
أَنَّمَا تَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَاوَلَا فِي الْآخِرَةِ
وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى اللَّهِ وَنَّ الْمُسْرِفِنَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ
جَ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمَّ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى
فَوَقَدْهُ اُللَّهُ سَيِّئَاتٍ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بَِالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اٌلْعَذَابِ النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ
ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّاُلْعَذَابِ ﴿ وَإِذْيَتَحَاُّونَ فِى
النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَوُاْلِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوَ إِنَّاكُنَّا
لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ
(٣) قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوْاْ إِنَّا كُلُّ فِيهَآ إِنَّ اللَّهَ
قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ
جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّايَوْمًامِنَ الْعَذَابِ
١- ﴿ويا قَوم، مالِيَ أدعُوكُم إلَى النَّجاةِ، وتَدعُونَنِيَ إِلَى النَّارِ ٤١؟ تَدْعُونَنِي
الحِرِبُ
لِأكفُرَ بِاللهِ، وَأُشرِكَ بِهِ ما لَيسَ لِي بِهِ عِلمٌ، وأنا أدعُوكُم إلَى العَزِيزِ﴾: الغالب
على أمره، ﴿الغَفّارِ﴾ ٤٢ لمن تاب. ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًّا ﴿أَنَّ ما تَدعُونَِيَ إِلَيهِ﴾
لأعبدَه ﴿لَيسَ لَهُ دَعْوةٌ في الدُّنيا﴾ أي: استجابةُ دعوةٍ ﴿ولا في الآخِرةِ، وأنَّ
مَرَدَّنا﴾: مَرجِعَنا ﴿إِلَى اللهِ، وأنَّ المُسرِفِينَ﴾: الكافرين ﴿هُم أصحابُ النّارِ ٤٣ .
فسَتَذْكُرُونَ﴾، إذا عاينتم العذاب، ﴿ما أَقُولُ لَكُم، وأُفَوِّضُ أَمْرِيَ إِلَى اللهِ. إنَّ اللهَ
بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ٤٤. قال ذلك لمّا توعّدوه بمُخالفته دِينَهم.
٢- ﴿فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ به من القتل، ﴿وحاقَ﴾: نزل ﴿بِآلِ فِرِعَونَ﴾: قومِه
معه ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ ٤٥: الغرقُ، ثُمَّ ﴿النّارُ يُعرَضُونَ عَلَيها﴾ يُخوَّفون بها، ﴿غُدُوًّا
وعَشِيًّا﴾ صباحًا ومساءً، ﴿وَيَومَ تَقُومُ السّاعةُ﴾ يقال: ﴿ادْخُلُوا﴾ - يا ﴿آلَ فِرْ عَونَ﴾،
وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الخاء: أمرٌ للملائكة - ﴿أَشَدَّ العَذابِ﴾ ٤٦ عذابَ
جهنّم .
٣- ﴿وَ﴾ اذكرْ ﴿إِذْ يَتَحاجُونَ﴾: يتخاصم الكُفّار ﴿في النّارِ، فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ
استكبَرُوا: إنّا كُنّا لَكُم تَبَعًا﴾: جمع تابع. ﴿فَهَل أَنْتُم مُغْنُونَ﴾: دافعون ﴿عَنّا
نَصِيبًا﴾: جزءًا ﴿مِنَ النّارِ ٤٧؟ قالَ الَّذِينَ استَكبَرُوا: إنّا كُلُّ فِيها. إنَّ اللهَ قَد حَكَمَ بَيْنَ
العِبادِ﴾ ٤٨، فأدخَلَ المؤمنين الجنّة والكافرين النار.
٤- ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنِ جَهَنَّمَ: ادعُوا رَبَّكُم، يُخَفِّفْ عَّا يَومًا﴾ أي: قَدْرَ يوم
﴿مِنَ العَذابِ ٤٩. قالُوا﴾ أي: الخزنة تهكّمًا: ﴿أوَلَم تَكُ تأتِيكُمْ رُسْلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات الظاهرات؟ ﴿قَالُوا: بَلَى﴾ أي: فكفروا بهم.
﴿قالُوا: فادعُوا﴾ أنتم. فإنّا لا نشفع لكافر.
(١) تكرار النداء فيه توكيد وتعطف وإيقاظ للمنادى، ومبالغة في التوبيخ على ما يقابلون به النصيحة. وأدعو: أُرشد وأهدي وأحض. والنجاة: الخلاص
بالإيمان من الانتقام والتعذيب. والنار أي: التعذيب فيها للكفر والعصيان. وأكفر به: أنكر ألوهيته وتوحيده. وأشرك به: أجعل له شريكًا في الألوهية
والعبادة. والعلم: الدراية اليقينية. والغفار: العظيم الإظهار للجميل والستر للقبيح مع العفو. ولا جرم: لا قطع ولا منع، أي: ثبَتَ حقًّا. وتدعونني إليه:
تطلبون مني عبادته، كفرعون وأصنامه. وفيما عدا الأصل والنسخ وقرة العينين: ((ليس له دعوة أي استجابة دعوة في الدنيا)). والمرجع: الرجوع يوم القيامة
بالبعث. وإلى الله أي: إلى لقاء ما وعد به من الحساب والجزاء، لا إلى شفاعة المعبودات، ولا إلى الفناء النهائي. والمسرف: من جاوز الحد بسبب كفره
وعصيانه. والأصحاب: جمع صاحب. وهو من يلازم الشيء ولا يفارقه. والنار: نار جهنم. وتذكرونه: تستحضرونه وتعلمون صدقه، فتندمون حين لا ينفع
الندم. وما أقول لكم أي: ما أمرتكم به ونهيتكم عنه. وأفوض أمري إليه: أتوكل عليه وحده، وأعتمد في تصريف جميع شؤون حياتي. والبصير: المدرك لكل
شيء من الظواهر والخفايا، فيحفظ من يشاء ويُهلك من يشاء. والعباد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا. وقال ذلك: يعني أنه قال الجملتين
الأخيرتين، حين هددوه بالقتل لأنه خالف شركهم.
(٢) وقاه: جنبه وحفظه. والسيئة: القبيحة الشنيعة. ومكر: كاد ودبر من الضرر والإيذاء. والسوء: السيئ القبيح. والعذاب: التعذيب. والغرق أي: والقتل
والإحراق وخسارة كل شيء. وقول المحلي (ثُمَّ)) من التلخيص باقتضاب وتصحيف، والعبارة هناك: ((الغرق هنا والنار ثَمَ)). فالمراد بـ (ثَمّ)) الإشارة إلى عالم
البرزخ بعد الموت، إذ تُعرض أرواح الكافرين على النار إلى يوم القيامة. ويخوّفون بها: يهددون برؤيتها قبل يوم القيامة. وذلك مستفاد من الأحاديث ١٣١٣
و٣٠٦٨ و٦١٥٠ في البخاري و٢٨٦٦ في مسلم. ع: ((يحدقون بها)). وفيما عداها وعدا الأصل: ((يحرقون بها)). وصباحًا ومساء أي: في كل ذلك الوقت.
وتقوم: تحصل. والساعة: وقت القيام بالبعث للحساب والجزاء. ويقال أي: تقول زبانية جهنم لفرعون وقومه. وادخلوه: صيروا فيه وقاسوا هوله. والقراءة
المذكورة يريد بها ((أدخِلُوا)). والأشد: الأقوى والأعنف ليس له مثيل.
(٣) اذكر أي: لقومك تهديدًا، ولنفسك والصحابة بشارة. والضعفاء: ضعفاؤهم، جمع ضعيف. وهو الذي استضعفه السادة وأغروه بالكفر. واستكبروا:
ترفعوا بسيادتهم أن يستجيبوا للإيمان. و((جمع تابع)) من التلخيص والبيضاوي، والصواب أنه اسم جمع نحو: خادم وخَدَم. والتابع: من يقلد غيره وينقاد إليه.
وانظر الآية ٢١ من سورة إبراهيم. وكل: لاستغراق الأفراد، أي: كلنا نحن وأنتم. وحكم: قضى بما يجب. يعني: فلن يغني أحد عن أحد شيئًا. والعباد:
جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدا.
(٤) النار: نارجهنم. والخزنة: جمع خازن، الزبانية الموكلون بالتعذيب. وجهنم: اسم علم لدار العذاب يوم القيامة. وادعوه: أرجوه وتوسلوا إليه.
ويخفف: يدفع ويقلل. وعنا: أصله ((عَنْنا)) أدغمت النون الأولى في الثانية. وقدر يوم أي: من أيام الدنيا. وتأتيكم: تجيء إليكم لتبلّغكم. والرسل: جمع
رسول. وهو من يبعث لتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل. والسين في الجمع مضمومة سكنت للتخفيف. ولكافر أي: لمن كذّب الله ورسوله ومات على ذلك.
وفيما عدا الأصل والنسخ: للكافرين.

٤٠ - سورة غافر
٤٧٣
الجزء الرابع والعشرون
١- قال تعالى: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا فِي ضَلالٍ﴾ ٥٠: انعدام. ﴿إِنّا لَنَنصُرُ رُسْلَنا
والَّذِينَ آمَنُوا، في الحَياةِ الدُّنيا، ويَومَ يَقُومُ الأشهادُ﴾ ٥١: جمع شاهد، وهم الملائكة
يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكُفّار بالتكذيب، ﴿يَومَ لا يَنفَعُ﴾ - بالياء والتاء -
﴿الظّالِمِينَ مَعذِرتُهُم﴾: عُذرهم لو اعتذروا، ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: البُعد من الرحمة،
﴿وَلَهُم سُوءُ الدّارِ﴾ ٥٢ الآخرةِ، أي: شدّةُ عذابها .
٢- ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الهُدَى﴾: التوراةَ والمُعجزاتِ، ﴿وأورَثْنَا بَنِي إسرائيلَ﴾ من بعد
مُوسَى ﴿الكِتابَ﴾ ٥٣ التوراةَ، ﴿هُدَى﴾: هاديًا، ﴿وذِكرَى لِأُولِي الألبابِ﴾ ٥٤ :
تذكرةً لأصحاب العُقول. ﴿فاصبِرْ﴾ - يا مُحمّد. ﴿إِنَّ وَعدَ اللهِ﴾ بنصر أَوليائه
﴿حَقٌّ﴾، وأنت ومن تبعك منهم - ﴿واستَغْفِرْ لِذَنِكَ﴾ لِيُستَنَّ بكِ، ﴿وسَبِّخْ﴾: صلِّ
مُلتبسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ، بِالعَشِيِّ﴾ وهو من بعد الزوال، ﴿والإبكارِ﴾ ٥٥ الصلواتِ
الخمسَ .
٣- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ﴾: القُرآن، ﴿بِغَيرِ سُلطانٍ﴾: بُرهان ﴿أتاهُم،
إنْ﴾: ما ﴿في صُدُورِهِم إلّا كِبْرٌ﴾: تكبّر وطمع أن يعلوا عليك، ﴿ما هُم بِبالغِيهِ.
فاستَعِذْ﴾ من شرِّهم ﴿بِاللهِ. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم، ﴿البِصِيرُ﴾ ٥٦ بأحوالهم.
٥٧
خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَءَامَنُواْوَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَلَا الْمُسِىُّ قَلِيلًا مَّانَتَّذَكَّرُونَ
٥٨
ونزل في مُنكري البعث: ﴿لَخَلقُ السَّماواتِ والأرضِ﴾ ابتداءً ﴿أكبَرُ مِن خَلقِ النّاسِ﴾
مرّة ثانية - وهي الإعادة - ﴿ولَكِنَّ أكثَرَ النّاسِ﴾ أي: الكُفّارَ ﴿ لا يَعلَمُونَ﴾ ٥٧ ذلك.
فهم كالأعمى، ومن يعلمُه كالبصير، ﴿وما يَستَوِي الأعمَى والبَصِيرُ، و﴾ لا ﴿الَّذِينَ
آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ﴾ - وهو المُحسن - ﴿ولا المُسِيءُ﴾. فيه زيادة ((لا)). ﴿قَلِيلًا
ما يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٥٨ : يتّعظون، بالياء والتاء، أي: تذكُّرُهم قليلٌ جِدًّا. ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيبَ﴾: شكّ ﴿فِيها، ولُكِنَّ أكثَرَ النّاسِ لا يُؤمِنُونَ﴾ ٥٩
بها .
سوآآَفِ
قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَتِّ قَالُواْ
بَلَى قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَادُ عَلَوْ اُلْكَفِرِينَ إِلَّ فِ ضَلَالٍ
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَلَمْمُ
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (*) وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى
اُلْهُدَى وَأَوْرَتْنَا بَنِىّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ
جْ هُدِّى
﴿ فَأُصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
وَذِكْرَى لِأَوْلِ الْأَلْبَبِ
حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ بِالْعَشِيِّ
وَالْإِبْكَرِ ◌ّ إِنَّالَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّءَايَتِ
اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمْ إِنِ فِ صُدُورِهِمْ إِلََّ كِبْرٌ
مَّاهُمْ بِبَلِغِيةٍ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِإِنَهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ ﴿ لَخَلَّقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ
(١) الدعاء: الاستغاثة والرجاء. وانعدام أي: لا ينفع ولا يجاب كأنه لم يكن. وننصرهم: نعينهم على أعدائهم ونغلّبهم عليهم بالحجة والظفر والانتقام. وآمن:
صدّق الله ورسوله واعترف قلبه بالتوحيد وما يلزمه. والحياة: العيش بالروح والجسد. والدنيا: الأقرب إلى الناس لأنهم يعيشون فيها. واليوم: الوقت.
ويقوم: يحضر ويقف. والشاهد: من يذكر حقيقة ما يعرف للفصل في الأمور. والملائكة أي: والأنبياء والمؤمنون وجوارح الناس، كل يشهد بما يعلم.
وينفع: يفيد في جلب خير أو دفع ضرر. ولا ينفع: لا يُقبل لأنه باطل. وبالتاء يريد القراءة ((لا تَنفَعُ)). والظالم: المتجاوز للحق. والكفرُ أشنع ذلك. والمعذرة:
الحجة للتبرؤ، أي: طلب رفع الملامة والعقاب. والسوء: انظر الآية ٣٧. والدار: مكان الإقامة والاستقرار. وفي النسخ: أشد عذابها. (٢) في الآيتين تقرير
لِما ذكر قبل من نصرة الرسل، ببيان غلبة موسى وبني إسرائيل على فرعون وجنوده، بعدما مضى من قصتهم في الآيات ٢٣-٤٦. وفي هذا بشارة وتسلية للنبي
* عما يلقاه من الكافرين. وآتيناه: أعطيناه وكلفناه الرسالة. والهدى: ما يرشد إلى الحق والصلاح. وأورثناهم: جعلنا بينهم ما يتوارثونه خلّف عن سلف،
بعد أن كانوا في ذلة وهوان. وبنو إسرائيل: اليهود ذرية يعقوب من أبنائه. وذكرى: تذكرة لِما يمكن أن ينسى. وأولو: واحده ذو. والواو بعد الهمزة زائدة في
الرسم اصطلاحًا. والألباب: جمع لب. وهو موطن التدبر والإدراك والعواطف. والعقول أي: السليمة من الانحراف والفساد. واصبر: استمر على تحمل
مشاق الدعوة. والوعد: التعهد بما هو محبوب. والحق: الصدق الواقع لاشك فيه. واستغفر: دم على طلب السَّتر والعفو. والذنب: ما يؤاخذ عليه. وليستن
بك أي: ليصير الصبر والاستغفار سنّة لأمتك. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((متلبسًا)). والحمد: الثناء بالجميل على المنعم. والرب: الخالق المالك المتفرد
يرعى مصالح خلقه. والصلوات: مفعول مطلق للفعل: صلِّ. وهذا تفسير للتسبيح في العشي والإبكار، أي: الصلوات الخمس. (٣) روي أن يهود المدينة
قالوا: ((لستَ صاحبنا، بل هو المسيح بن داود - يعنون المسيح الدجال - يبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، يرجع إلينا
مُلكَنا)). فنزلت الآية تبين سبب جدالهم وما سيؤولون إليه. لباب النقول. ويجادل: يماري بالباطل ويخاصم. وبغير: بدون. وأتاهم: وصل إليهم بوحي أو
علم يقيني. والصدور: جمع صدر، يكون فيه القلب موطن العواطف والإدراك والتدبر. وبالغيه: مدركي غايته، أي: التعاظم والرياسة والاستعلاء. واستعذ
به: الجأ إليه وتحصن به وحده. والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. والبصير: المدرك للأحداث. وبأحوالهم أي: فهو الذي يستطيع حفظك ونصرك،
وإفساد مكرهم وما يكيدون. ومنكري البعث: بعض مشركي المدينة. والحكم عامّ في الآيتين أيضًا لكل جاحد ملحد. والخلق: الإيجاد من العدم.
والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا. وابتداء أي: من غير سابق مادة. وأكبر: أعظم وأشق بحسب ما تعارفه الناس
من الأعمال، وإن كان بالنسبة إلى الله - تعالى - لاتفاوت بين الابتداء وغيره. والكفار: المنكرون للبعث. وفيما عدا الأصل وخ والمنحة: ((كفار مكة)).
ولا يعلم: لا يدرك. ويستويان: يكونان متماثلين في القدرة أو العمل أو القيمة. والأعمى: الغافل عن التمييز بين الحق والباطل. والبصير: من يستبصر الأمور
ويميز ما بينها من خلاف. وآمن: صدّق الله ورسوله. وعمل: اكتسب بالنية أو القول أو الفعل. والصالحات: الأعمال التي يرضاها الله. والمسيء: من
قبحت نيته وقوله وعمله. وفيه: في ((لا المسيء)). يعني أن لا: حرف زائد لتوكيد النفي في ((ما)). وبالتاء يريد القراءة ((تَتَذَكَّرُونَ)) بالالتفات إلى الخطاب
بالتوبيخ، لإظهار العنف الشديد والإنكار البليغ. ويتعظون أي: الكافرون بما يُعرض عليهم من الأدلة والحقائق. و((قليل جدًا)) تفسير لـ ((قليلًا ما)»، لأن ما:
حرف زائد لتوكيد القلة. والساعة: وقت البعث للحساب. وفيها: في مجيئها كما قدّر لها. ولا يؤمن بها: لا يصدق أنها واقعة لامحالة. وانظر آخر الآية ٥٧ .

٤٠ - سورة غافر
٤٧٤
الجزء الرابع والعشرون
سُِّوْرَة ◌َفِل
إِنَّالسَّاعَةَ لَنِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّأَكْثَرَالنَّاسِِ
لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكِْرُونَ عَنْعِبَادَتِسَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ
فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَّاً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (١) ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّهُوَ فَنَّى تُؤْفَكُونَ
٦٢
◌َ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْبِثَايَتِ الَّهِ يَجْحَدُونَ
اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَآءَ
بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ
الطَّيِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُ
اٌلْعَلَمِينَ ﴿ هُوَ الْحَىُّ لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ فَأَدْعُوهُ
﴿ قُلّ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ
إِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِلَمَّاجَآءَ فِيَ
اَلْبِيِّنَتُ مِن رَّبِ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
١- ﴿وقالَ رَبُّكُمُ: ادعُونِيَ، أستَجِبْ لَكُم﴾ أي: اعبدوني أُثِيْكم. بقرينةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَستَكبِرُونَ عَنِ عِبادِي سَيَدخُلُونَ﴾ - بفتح الياء وضمّ الخاء وبالعكس - (جَهَنَّمَ
داخِرِينَ﴾ ٦٠: صاغرين. ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسِكُنُوا فِيهِ، والنَّهَارَ مُبصِرًا﴾ -
إسنادُ الإبصار إليه مجازيّ لأنه يُصَر فيه - ﴿إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ، ولَكِنَّ أكثَرَ
النّاسِ لا يَشكُرُونَ﴾ ٦١ الله فلا يُؤمنون. ﴿ذُلِكُمُ اللهُ رَبُّكُم، خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، لا إلّهَ إلّا
هُوَ. فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٦٢: فكيف تُصرفون عن الإيمان، مع قيام البُرهان؟ ﴿كَذَلِكَ
يُؤْفَكُ﴾ أي: مِثلَ أفْكِ هؤلاء أُفِكَ ﴿الَّذِينَ كانُوا بِآيَاتِ اللهِ﴾: مُعجزاته
﴿يَجْحَدُونَ﴾ ٦٣ .
٢- ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرضَ قَرَارًا، والسَّماءَ﴾ سقفًا ﴿بِناءً، وصَوَّرَكُم
فأحسَنَ صُوَرَكُم، ورَزَقَكُم مِنَ الطَِّّاتِ. ذُلِكُمُ اللهُ رَبُّكُم - فتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ ٦٤
- هُوَ الحَيُّ، لا إلَهَ إلّا هُوَ. فادْعُوهُ﴾: اعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشِّرك:
﴿الحَمْدُ لِهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ٦٥.
ربع
الخِزّب
٤٨
٣- ﴿قُلْ: إِنِّي نُهِيتُ أن أعبُدَ الَّذِينَ تَدعُونَ﴾: تعبدون ﴿مِن دُونِ اللهِ، لَمّا
جاءَنِيَ البَيِّنَاتُ﴾: دلائل التوحيد ﴿مِن رَبِّي، وأُمِرتُ أن أُسلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ
٦٦. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِنِ تُرابٍ﴾، بخلق أبيكم آدمَ منه، ﴿ثُمَّ مِن نُطْفٍ﴾: مَنِيٍّ، ﴿ثُمَّ
مِن عَلَقةٍ﴾: دم غليظ، (ثُمَّ يُخْرِجُكُم طِفلًا﴾ بمعنَى: أطفالًا، ﴿ثُمَّ﴾ يُبقيكم ﴿لِتَبلُغُوا
أَشُدَّكُم﴾: تكامُلَ قوّتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين، (ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾. بضمّ
الشين وكسرها - ﴿ومِنكُم مَن يُتَوَفَّى مِن قَبلُ﴾ أي: قبلِ الأَشُدّ والشيخوخة - فَعَلَ ذلك بكم لتعيشوا ﴿ولِتَبلُغُوا أجَلًا مُسَمَّى): وقتًا محدودًا،
(١) عن النعمان بن بشير أن النبي وَ﴿ل قال: ((الدُّعاءُ هُوَ العِبادةُ))، ثم قرأ هذه الآية. الحديث ٣٣٦٩ في الترمذي. ولهذا قيل: إن ((ادعوني أستجب لكم))
معناه: اعبدوني أُثِيْكم، أي: أكافئكم بالخير والنعيم. وبقرينة أي: بدلالة تتمة الآية على هذا لمقصود، وتعيين المراد من المعنى. وفيما عدا الأصل وخ:
((بقرينة ما بعده)). ويستكبر: يترفع ويتمنع. وبالعكس أي: بضم الياء وفتح الخاء. يريد القراءة ((سَيُدخَلُونَ)). وصاغرين: أذلاء محتقرين. وجعل: خلق وأوجد.
والليل: مدة غروب الشمس بما فيها من الظلام. وحذف بعده ((مظلمًا)) لدلالة ((مبصرًا)) عليه. وتسكن: تستقر وتستريح بالهدوء والنوم. والنهار: مدة الشروق
بما فيها من الضياء والنشاط. ومبصرًا: مضيئًا يُبصِر الأحياء فيه ما يحتاجون إليه. وحُذف بعدُ ((لتسعوا فيه)) بدلالة ((لتسكنوا فيه)). ففي التعبير إيجاز بليغ
بالاحتباك. والفضل: التفضل والإحسان بالنعم. ويشكره: يستحضر نعمه في نفسه ويذكرها، ويثني عليه بالقلب واللسان والعمل. وذلكم أي: المذكور
باستجابة الدعاء وخلق الليل والنهار والتفضل. والخالق: الموجد من العدم. والإله: المعبود بحق. ومع قيام البرهان أي: مع ثبوت البراهين على وجوب
الإيمان والتوحيد. وفي الأصل: ((بعد قيام البرهان)). والأفك: الصرف والإضلال. ط: ((مثل إفك هؤلاء إفك)). ويجحد بها: يكذبها وينكرها.
(٢) جعل: صيّر. والقرار هو المستقر للإقامة في الدنيا، مصدر بمعنى اسم المكان للمبالغة. والسماء: ما يحيط بالأرض من الجو والأجرام والعوالم العُلوية.
والسقف: ما يعلو الأبنية كالغطاء لها. وبناء أي: كالقبة المضروبة من غير عمد. وفيما عدا الأصل وخ: ((والسماء بناء سقفًا)). وصوركم: أنشأ صوركم على
غير مثال واحد. وأحسنَها: جعلها حسنة بانتصاب القامة وتناسب الأعضاء، والقدرة على مزاولة الصنائع واكتساب الكمالات. والصور: جمع صورة. وهي
الشكل والهيئة والبنيان. ورزقكم: هيأ لكم ما تحتاجون إليه ويسره. والطيب: ما يستلذ طعمه وملبسه ومكسبه، ويكون فيه الخير. وذلكم أي: المذكور بالجعل
والتصوير والرزق. وتبارك: تعاظم وتعالى عما لا يليق به، وكثر خيره وثبَتَ. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. فالعالمون: كل المخلوقات. والحي:
المتفرد بالحياة الحقيقية الدائمة لا أول لها ولا انقضاء. والمخلص: المجرِّد المصفِّي. والدين: العبادة. والحمد: الثناء الجميل على الفضل.
(٣) روي أن بعض مشركي مكة قالوا: ((يامحمد، ارجع عما تقول، وعليك بدين آبائك وأجدادك))، فنزلت هذه الآية ترد عليهم مادعوا إليه. الدر المنثور
٣٥٧:٥ ولباب النقول. وقل أي: لمشركي مكة وأمثالهم. ونهيت: مُنعت وحُرّم عليّ بأمر الله وهدايته. وأعبد: أقدس وأطيع. ودونه أي: غيره. وجاءنى:
أوحي إليّ وتبيّن لي. ولم يتصل الفعل بتاء التأنيث لأن الفاعل مؤنث مجازي، وللفصل بينه وبين الفعل. ومن ربي أي: من عنده بالوحي والإلهام. وأُمرت:
وَجب عليّ وأُلزمت. وأسلم: أخلص وأنقاد بالرضا وأفوض أمري. وخلق: أوجد وأنشأ. والتراب: ما تفتت من وجه الأرض. وخلقُ آدم منه: يعني أن أصل
ذريته من ذلك أيضًا. ويخرجكم: ييسر خروجكم من الأرحام. والطفل: اسم جنس يطلق على المفرد والجمع. وتبلغه: تدركه وتصل إليه. وتكون: تصير.
والشيوخ: جمع شيخ. وهو الذي قارب سن الستين. وكسرها: كسر الشين لمناسبة الياء بعدها، يريد القراءة («شِيُوخًا)). ويتوفى: تُسترد روحه من جسده.
والشيخوخة أي: والطفولة وغيرها أيضًا، إذ قد يتوفى الإنسان في رحم أمه أو كهولته. وذلك أي: ماذكر من الخلق وما كان بعده، من الإخراج والبلوغ
والصيرورة. والوقت المحدود هو مدة العمر لكل إنسان. وتعقل: تتفكر وتتدبر لتدرك ما يجب من الاعتقاد والعمل. ويحيي: يخلق الحياة بيث الروح في
الجسد. ويميت: يخلق الموت بنزع الروح من الجسد. وكن أي: احدُث وتحقّق. ويكون: يحدث ويتحقّق. وبفتحها يريد القراءة ((فيَكُونَ)). وعقب الإرادة:
يعني أن المرادَ يحصل لمجرد الإرادة، وأن القول ((كن)) تمثيلٌ لتأثير قدرته - تعالى - في إيجاد المخلوقات، وتصويرٌ للسرعة في الوجود، من غير أن يكون
هناك أمر ولا مأمور.

الجزء الرابع والعشرون
٤٧٥
٤٠ - سورة غافر
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦٧ دلائل التوحيد فتؤمنون. ﴿هُوَ الَّذِي يُحيِي ويُمِيتُ. فإذا قَضَى
أمرًا﴾: أراد إيجادَ شيء ﴿فإنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ. فَيَكُونُ﴾ ٦٨ - بضمّ النون، وفتحها
بتقدير ((أن)) - أي: يُوجَد عقبَ الإرادة التي هي معنى القول المذكور.
١- ﴿أَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آياتِ اللهِ﴾: القُرآن، ﴿أَنَّى﴾: كيف
﴿يُصرَفُونَ﴾ ٦٩ عن الإيمان، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ القرآن، ﴿وبِما أرسَلْنا بِهِ
رُسْلَنا﴾ من التوحيد والبعث. وهم كُفّار مكّة؟ ﴿فَسَوفَ يَعلَمُونَ﴾ ٧٠ عقوبة تكذیبھم،
﴿إِذِ الأغلالُ في أعناقِهِم﴾ - إذ: بمعنى إذا - ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾: عطف على ((الأغلالُ))
فتكون في الأعناق، أو مبتدأ خبرُه محذوف، أي: في أرجُلهم، أو خبرُه
﴿يُسْحَبُونَ﴾ ٧١ أي: يُجرّون بها ﴿في الحَمِيمِ﴾ أي: جهنّمَ، ﴿ثُمَّ فِي النّارِ
يُسجَرُونَ﴾ ٧٢ : يُوقَدونَ.
نيودَةَفِع
الجزء الثّارَة الْخَشْرُ
هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّمِنْ عَلَقَةٍ ثُمَ
يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا
شُيُوخَأَ وَ مِنْكُمْ مَّن يُنَوَى مِن قَبْلٌ وَلِنَبْلُغُواْ أَجَلَا مُسَنَّى
هُوَ الَّذِى يُحِىءٍ وَيُمِيثٌ فَإِذَا
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ®
قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿ أَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ
يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ أَنَّ يُصْرَفُونَ *الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
إِذِالْأَغْظَلُ فِي أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ
فِى الْحَمِيمِ ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴿٨ ثُمَّقِلَ لَهُمْ أَيْنَ
مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ
مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ
نَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ الْكَفِرِينَ
VE
ذَلِكُمْ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِالْقِ وَبِمَاكُتُمْ
تَمْرَحُونَ ◌ّ أَدْ خُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ
مَثْوَى الْمُتَكَتِرِينَ ﴿ فَأَصْبِرُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا
نُرِيَنَكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْنَتَوَقَّيَّنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ()
٢ - ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُم﴾ تبكيتًا: ﴿أينَ ما كُنتُم تُشْرِكُونَ ٧٣، مِن دُونِ اللهِ﴾ معه؟ وهي
الأصنام. ﴿قالُوا: ضَلُّوا﴾: غابوا ﴿عَنّا﴾ فلا نراهم. ﴿بَل لَم نَكُنْ نَدعُو مِن قَبْلُ
شَيْئًا﴾. أنكروا عِبادتهم إياها. ثمّ أُحضرتْ، قال تعالى: ((إنَّكُم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونٍ
اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)) أي: وَقودُها - ﴿كَذْلِكَ﴾ أي: مِثلَ إضلال هؤلاء المُكذّبين ﴿يُضِلِّ
اللهُ الكافِرِينَ﴾ ٧٤ - ويقال لهم أيضًا: ﴿ذُلِكُم﴾ العذاب ﴿بِما كُنتُمْ تَفْرَحُونَ في
الأرضِ، بِغَيرِ الحَقِّ﴾ من الإشراك وإنكار البعث، ﴿وبِما كُنتُم تَمَرَحُونَ﴾ ٧٥ تتوسّعون
في الفرح. (ادْخُلُوا أبوابَ جَهَنَّمَ، خالِدِينَ فِيها. فِئْسَ مَثوَى﴾: مأوى ﴿المُتَكَبِرِينَ﴾ ٧٦!
٣- ﴿فاصْبِرْ. إنَّ وَعدَ اللهِ﴾ بعذابهم ﴿حَقِّ. فإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ - فيه ((إن)) الشرطيّة مدغمة، وما: زائدة تؤكّد معنى الشرط أوّلَ الفعل، والنونُ تؤكّد
آخرَه - ﴿بَعضَ الَّذِي نَعِدُهُم﴾ به من العذاب في حياتك، وجوابُ الشرط محذوف أي: فذاكَ، ﴿أو نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل تعذيبهم، ﴿فَإِلَينا
يُرجَعُونَ﴾ ٧٧ فنُعذّبهم أشدّ العذاب. فالجواب المذكور للمعطوف فقط.
(١) الهمزة للتعجيب، أي: ألا تعجب إلى هؤلاء، في جدالهم وانصرافهم؟ وترى: تنظر. ويجادل: يماري بالباطل ليدفع الحق. ويُصرف: يدفع. وكذب به:
أنكره. وأرسلنا: بعثنا للدعوة. والرسل: جمع رسول. ويعلم: يدرك عِيانًا. والأغلال: جمع غُلّ. وهو طوق من الحديد يجمع اليدين إلى العنق. والأعناق:
جمع عنق. وبمعنى إذا: يعني أن ((إذ)): عُبِّرَ بها عن المستقبل، للمبالغة في تحقق ما بعدها كأنه وقع فيما مضى، والتقدير: يعلمون وقتَ الأغلالُ في أعناقهم،
أي: وقت عقابٍ تكذيبهم. الدر المصون ٤٩٤:٩. ولا حاجة إلى تقدير ((عقوبة تكذيبهم)) قبلُ. والسلاسل: جمع سلسلة. وهي حلقات من الحديد متواصلة.
والعطف على ((الأغلال)»: يعني أن ((في أعناقهم)) هو في نية التأخير بعد: السلاسل. وخبره يسحبون: يعني أن الجملة في محل رفع خبر، وحذف (بها)) بعدها
لقوة الدلالة عليه. والحميم: الماء الحار جدًا يشوي الأجسام. وتفسير ((الحميم)) بجهنم سهو من اقتضاب عبارة التلخيص، إذ جاء فيه: ((يُجرّون بالسلاسل
ويَجرّونها في جهنم))، والمراد أن الحميم هو في جهنم. ويوقدون أي: كما يوقد الحطب والحجارة.
(٢) قيل أي: تقول الملائكة. وقد عُبِّرَ بالأفعال الماضية عن المستقبل لتحقق وقوعها. والتبكيت: التعنيف. وتشركون: تجعلونه شريكًا في الألوهية
والتقديس. ودونه: غيره. والأصنام أي: وغيرها من المخلوقات. وندعو: نعبد. ومن قبل: من قبلِ هذا الوقت. وقوله تعالى هو في الآية ٩٨ من سورة
الأنبياء. وهؤلاء: يعني المذكورين في الآيات ٦٩-٧٤. ويضلهم: يحيّر المكذبين للتوحيد والبعث، فيجعلهم يترددون في أمورهم، ويلجؤون إلى الكذب
والمكابرة. ويقال لهم أي: تقول لهم ملائكة العذاب توبيخًا. وتفرح: تُظهر السرور الشديد. والأرض: موطن الحياة الدنيا. وغير الحق هو الباطل والعصيان.
وادخلوها: مرّوا منها إلى الداخل. والخالد: المقيم أبدًا. وبئس: بلغ الغاية في السوء والشر والضرر. والتعبير عن ((جهنم) بالمثوى تهكم واستهزاء. وهو
مذموم مرتين: الأولى في جنسه هذا، والثانية في اختصاصه بعد لتقدير المبتدأ: هي. والمتكبر: المتعالي عن الإيمان والطاعة. وفي هذا غاية التهديد والوعيد.
(٣) اصبر: دم على تحمل المشاق في الدعوة. والوعد: التهديد. والحق: الصدق يحصل فعلًا. وفي هذا تأنيس للنبي وَّل بتحقيق النصر، إذ هو في غاية
الصبر ولا يحتاج إلى مزيد. ونريك: نبصّرك عيانًا. و((فذاك)) أي: فذاك هو المراد المقضيّ. وليس مثل هذا التقدير وافيًا بالجواب، لأنه غير مترتب عليه ترتب
الجواب على شرطه. ونتوفاك: نقبض روحك الشريفة. وفي ط وبعض المطبوعات: ((نتوفينك أي قبل تعذيبهم)). وإلينا: إلى ميعاد حسابنا يوم القيامة، لا إلى
الفناء النهائي أو الآلهة المزعومة. ويرجعون: يُردون بالبعث والنشور بعد الموت. و((للمعطوف فقط)) كذا، وهو مردود لأن رجوعهم إلى الحساب ليس مترتبًا
على وفاته قبل عذابهم، ولأن جواب الشرطين واحد محذوف، وما جاء في صورة الجواب هو سبب للمحذوف. والتقدير: مهما يكن لهم في الدنيا فنحن نُقِرّ
عينك، ونريك عذابهم الشديد يوم القيامة، لأن إلينا مرجعهم. انظر الآيتين ٤٦ من سورة يونس و٤٠ من سورة الرعد.

٤٠ - سورة غافر
٤٧٦
الجزء الرابع والعشرون
سُورَة ◌َفِل
الجزء الرزِالْخَشِمَّـ
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَاْرُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ
وَمِنْهُمْ مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ
بِشَايَةٍإِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَاجَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ
هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٦) اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ
لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُونَ ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا
مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى
اَلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿ وَيُرِيَكُمْءَايَتِهِ، فَأَتَّ ءَايَتِ
اٌللَّهِ تُكِّرُونَ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُ وا كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُّوْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ
قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْيَكْسِبُونَ
فَلَمَّاجَآءَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْبِمَا عِندَهُم
مِنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿فَلَمَّا
رَأَوْ بَأَّسَنَا قَالُوَاْءَامَنَّابِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنَابِمَا كُنَّابِهِ،
مُشْرِكِينَ (٣) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْبَأْسَنَّ سُنَّتَ
اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ (@)
١- ﴿وَلَقَد أرسَلْنا رُسُلًا مِن قَبَلِكَ، مِنهُم مَن قَصَصْنا عَلَيكَ، ومِنهُم مَن لَم نَقصُصْ
عَلَيكَ﴾ - رُوي أنه تعالى بعث ثمانيةَ آلافِ نبيّ: أربعةَ آلافِ نبيّ من بني إسرائيلَ،
وأربعةَ آلافٍ من سائر الناس - ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ﴾ منهم ﴿أن يأتِيَ بِآيَةٍ إلّا بإذنِ اللهِ﴾،
لأنهم عبيد مربوبون، ﴿فإذا جاءَ أمُرُ اللهِ﴾، بنُزول العذاب على الكُفّار، ﴿قُضِيَ﴾ بين
الرسل ومُكذّبيها ﴿بِالحَقِّ، وَخَسِرَ هُنالِكَ المُبطِلُونَ﴾ ٧٨ أي: ظهر القضاء والخُسران
للناس، وهم خاسرون في كُلّ وقت قبل ذلك.
٢- ﴿اللّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنعامَ﴾، قيل: الإبلُ خاصّةً هنا. والظاهر: والبقرُ والغنمُ،
﴿لِتَركَبُوا مِنها - ومِنها تَأْكُلُونَ ٧٩، ولَكُم فِيها مَنافِعُ﴾ من الدَّرّ والنسل والوبر
والصوف - ﴿وَلِتَبِلُغُوا عَلَيها حاجةً في صُدُورِكُم﴾ هي حمل الأثقال إلى البلاد،
﴿وَعلَيها﴾ في البرّ ﴿وَعلَى الفُلكِ﴾: السفن في البحر ﴿تُحمَلُونَ ٨٠، ويُرِيكُمْ آيَاتِهِ.
فأيَّ آياتِ اللهِ﴾ الدالّةِ على وحدانيّته ﴿تُنكِرُونَ﴾ ٨١؟ استفهام توبيخ. وتذكير ((أيّ)
أشهرُ من تأنیثه.
٣- ﴿أَفْلَم يَسِيرُوا في الأرضِ، فَيَنظُرُوا: كَيفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم؟ كانُوا أكثَرَ
مِنْهُم وأشَدَّ قُوّةً، وآثارًا في الأرضِ﴾ من مصانعَ وقصور، ﴿فما أغنَى عَنْهُم ما كانُوا
يَكْسِبُونَ ٨٢. فَلَمّا جاءَتْهُم رُسْلُهُم بِالبَيِّناتِ﴾: المُعجزات الظاهرات ﴿فَرِحُوا﴾ أي:
الكُفّارُ، ﴿بِما عِندَهُم﴾ أي: الرسلِ ﴿مِنَ العِلمِ﴾، فَرَحَ استهزاء وضحك منكرين
له، ﴿وحاقَ﴾: نزل ﴿بِهِم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٨٣ أي: العذابُ، ﴿فَلَمّا رأَوا بأسَنا﴾ أي: شِدّة عذابنا ﴿قَالُوا: آمَنّا بِاللهِ وَحدَهُ، وكَفَرْنا بِما كُنّا
بِهِ مُشرِكِينَ ٨٤. فَلَم يَكُ يَنفَعُهُم إيمانُهُم لَمّا رَأَوا بأسَنا، سُنَّةَ اللهِ﴾ - نصبُه على المصدر بفعل مقدَّر من لفظه - ﴿الَّتِي قَد خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾
في الأُمم، ألّا ينفعَهم الإيمان وقت نزول العذاب، ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ ٨٥: تبيّنَ خُسرانُهم لكُلّ أحد، وهم خاسرون في كُلّ وقت قبل
ذلك .
(١) في الآية بشارة للمؤمنين بالنصر، وتهديد للكافرين بعذاب الدنيا والآخرة. وأرسلنا: انظر الآية ٧٠. وقصصنا: سردنا أخبارهم وأسماءهم في القرآن
وغيره. وتحديد عدد الأنبياء هو من حديث ضعيف. انظر تفسير الآية ١٦٤ من سورة النساء. وهذا لا يعني أن النبي و 98 لم يعرف بالوحي عددهم وأسماءهم،
إذ النفي هنا يختص بما مضى قبل نزول هذه الآية، ولايعم جميع الأحوال. تفسير الآلوسي ١٣٤:٢٤. والمراد أن الأنبياء جميعًا لم يستجيبوا لما اقترحه
أقوامهم من المعجزات، لأن الله أعلم بما يصلح من ذلك، وما هو مَطالِبُ عنادٍ وتعنت. وماكان: ما صح وما استقام. ويأتي بآية: يصنع معجزة. وإذنه: أمره
وإرادته. وجاء: وقع وتحقق. والأمر: القضاء. وقضي: حكم. والحق: العدل. وخسر: أضاع ما كان لديه أو يتوقعه. وهنالك: حين نزول العذاب.
والمبطل: من يلزم الباطل ويعاند باقتراح الآيات تعنتًا ومكابرة. وهم خاسرون أي: المبطلون. وفي كل وقت: يعني أن الخسران يتحقق فعلًا للجميع، ويظهر
بعد أن كان ملتبسًا بمظاهر كاذبة من قبل.
(٢) جعل: خلق. والأنعام: جمع نعَم. وتخصيصه بالإبل لأن المنافع المذكورة هنا خاصة بها. وعمومه للبقر والغنم أيضًا لأن في بعضها من هذه المنافع
الشيء الكثير. وتأكلون أي: وتشربون. والمنافع: جمع منفعة. وهي المتعة والزينة. والدر: مايدر من اللبن. وتبلغ: تدرك وتنال. والحاجة: ما يطلبه الإنسان
ويفتقر إليه. والصدور: جمع صدر، أي: القلب موطن التدبر والإرادة والعواطف. والفلك: واحده من لفظه. وتحمل: ترفع للركوب. ويريكم: يبيّن لكم.
وتنكر: تكذّب. والتوبيخ: التقريع مع الزجر والنهي، أي: كيف تنكرونها، وهي واضحة لا يمكن إنكار شيء منها؟ فدعوا ما أنتم عليه والزموا الطاعة. وأشهر
من تأنيثه: يعني أن ((أي)) لم تؤنث، مع إضافتها إلى مؤنث، لأن التذكير أشهر فيها بسبب إبهامها، إذ التأنيث أصل في المشتقات، وقليل في أسماء الأجناس.
فهو أقل في المبهمات. الكشاف ١٨١:٤.
(٣) يسير: يتنقل للتجارة والارتحال. وينظر: يرى ويتدبر. والعاقبة: النهاية. وأكثر: أوفر عددًا. وأشد: أعنف وأمتن. والقوة: القدرة على نيل المراد.
والآثار: جمع أثر. وهو ما يبقى ظاهرًا من نتائج العمل. وأغنى: دفع البلاء. ويكسبون: يعملونه ويصنعونه. وجاءتهم: أتتهم تبلّغهم. والرسل: انظر الآية
٧٠. وفرح: أظهر السرور الكثير. والعلم: المعرفة اليقينية بالتوحيد والبعث. ونزل أي: محيطًا من كل جانب. ويستهزئ: يسخر. والعذاب: ماتوعدهم به
الرسل من الانتقام، إن أصروا على الكفر. ورأوه: أبصروه عيانًا في الدنيا، وهو نازل بهم. وآمن: صدّق بقلبه وتيقن. وكفر به: أنكره. والمشرك: من يجعل
مع الله مثيلاً له في الألوهية من المخلوقات. ولم يك: لم يصح ولم يستقم. وينفع: يفيد في دفع الانتقام. والسُّنّة: الطريقة النافذة دائمًا. وعلى المصدر أي:
مفعول مطلق لبيان النوع والتوكيد. وخلت: مضت واستمر وقوعها. وفي عباده أي: في عقابهم. والعباد: جمع عبد. وخسر: انظر تعليقنا على آخر الآية ٧٨
وتفسيره. وهنا: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان مجازي للمبالغة متعلق بـ ((خسر)). واللام: حرف زائد لتوكيد البعد مبالغة
في التهويل ودفعًا لتوهم الإضافة. والكاف: حرف خطاب يفيد معنى البعد.

الجزء الرابع والعشرون
٤٧٧
٤١ - سورة فُصّلَتْ
سورة حمّ السجدة
مکیة، ثلاث وخمسون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ
١- ﴿حمّ﴾ ١ الله أعلم بمُراده به. ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ﴾ ٢: مبتدأٌ ﴿ كِتابٌ﴾:
خبرُه، ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: بُيِنتْ بالأحكام والقصص والمواعظ، ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾: حالٌ
من ((كتاب)) بصفته، ﴿لِقَوم﴾: مُتعلّق بـ («فصّلت)) ﴿يَعلَمُونَ﴾ ٣: يفهمون ذلك - وهم
العرب - ﴿بَشِيرًا﴾ صفةُ ((قُرآنًا)) ﴿ونَذِيرًا، فأعرَضَ أكثَرُهُم، فَهُم لا يَسمَعُونَ﴾ ؛ سماعَ
قَبول، ﴿وقالُوا﴾ للنبيّ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾: أغطية ﴿مِمّا تَدعُونا إلَيْهِ، وفي آذانِنا
وَقْرٌ﴾: ثِقل، ﴿ومِن بَيْنِنا وبَينِكَ حِجَابٌ﴾: خِلاف في الدِّين. ﴿فَاعمَلْ﴾ على دِينك.
﴿إِنَّنَا عامِلُونَ﴾ ٥ على دِيننا .
٢- ﴿قُلْ: إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم، يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ. فاستَقِيمُوا
إِلَيهِ﴾ بالإيمان والطاعة، ﴿واستَغفِرُوهُ. ووَيلٌ﴾: كلمةُ عذاب ﴿لِلمُشرِكِينَ ٦،
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وهُم بِالآخِرةِ هُم﴾: تأكيد ﴿كافِرُونَ ٧. إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَهُم أجرٌ غَيْرُ مَمِنُونٍ﴾ ٨: مقطوعٍ.
نَصْف
الخزب
٤٨
سُورَةِ فُصلب
◌ُورَةٌ فُضْلَتْ
حمّ (١) تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ كِنَبُّ فُصِّلَتْ
ءَايَتُهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ جَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ
أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ
مِّمَّاتَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيّءَاذَانِنَا وَقْرٌوَ مِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ
فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ
أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ فَاسْتَقِيمُوْاْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ
لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ
هُمَّ كَفِرُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ
قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ
أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ جا
الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنَدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾
وَجَعَلَ فِيَهَارَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ
أَرْبَعَةٍ أَيَّامِ سَوَاءٌلِلسَّآِينَ ثَاثُمَ سْتَوَىَّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ
فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْتِيَا طَوْعًا أَوَكَرُهَا قَالَتَّآ أَتَيْنَا طَآَبِعِينَ
٣- ﴿قُلْ: أإِنَّكُم﴾ - بتحقيقِ الهمزة الثانية وتسهيلِها، وإدخالِ ألف بينها بوجهيها وبين
الأُولى - ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرضَ في يَومَينٍ﴾ الأحد والاثنين، ﴿وتَجعَلُونَ لَهُ
أندادًا﴾: شُركاءَ؟ ﴿ذَلِكَ رَبُّ﴾: مالكُ ﴿العالَمِينَ﴾ ٩: جمع عالَم - وهو ما سِوى
الله. وجُمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون، تغليبًا للعُقلاء - ﴿وَجَعَلَ﴾: مُستأنفٌ ولا
يجوز عطفه على صلة ((الذي)) للفاصل الأجنبيّ، ﴿فِيها رَواسِيَ﴾: جِبالًا ثوابتَ ﴿مِن فَوقِها، وبارَكَ فِيها﴾ بكثرة المياه والزروع والضروع،
﴿وَقَدَّرَ﴾: قسَّم ﴿فِيها أقواتَها﴾ للناس والبهائم، ﴿في﴾ تمام ﴿أربَعةِ أيّامٍ﴾، أي: الجَعلُ وما ذُكر معه في يوم الثلاثاء والأربعاء، ﴿سَواءٌ﴾:
منصوب على المصدر، أي: استَوتِ الأربعة استواءً لا يزيد ولا ينقص، ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ ١٠ عن خلق الأرض بما فيها.
٤- ﴿ثُمَّ استَوَى﴾: قصد ﴿إِلَى السَّماءِ، وهْيَ دُخانٌ﴾: بُخار مُرتفع، ﴿فقالَ لَها ولِلأرضِ: اثْتِيا﴾ إلى مُرادي منكما، ﴿طَوعًا أو كَرهَا﴾: في
موضع الحال، أي: طائعتَينِ أو مُكرَهتَينِ. ﴿قالتا: أتَينا﴾ بمَن فينا ﴿طائعِينَ﴾ ١١. فيه تغليب المُذكّر العاقل، أو نُزِّلتا لخِطابهما منزلته.
﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ - الضمير يرجع إلى السماء، لأنها في معنى الجمعِ الآيلةِ إليه - أي: صَيَّرها ﴿سَبِعَ سَماواتٍ، فِي يَومَينٍ﴾ الخميس والجمعة، فرغ
(١) تنزيل أي: مُنزَّل. ومن الرحمن: من عنده وبأمره. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة والمغفرة. و(مبتدأ)) مراد به:
تنزيل، والخبر: كتاب. والآيات: النصوص القرآنية. والعربي: المنسوب إلى العرب، أي: نزل بلغتهم الفصيحة المعهودة، لتيسير قراءته وفهمه والعمل به.
والحال هنا: قرآنًا. وبصفته أي: بسبب وصف ((كتاب)) بجملة ((فصلت آياته)). فقد صار شبه معرفة. انظر الدر المصون ٩: ٥٠٥-٥٠٦. وذلك أي: تفصيل
الآيات. وخص العرب هنا بمقصد التفصيل، وإن كان ذلك للناس جميعًا، لأنهم يفهمونه بلا واسطة، وغيرهم لا يفهمه إلّا بواسطتهم. وهذا إكرام لهم وذكر
خالد. والبشير: المبشِّر بالنعيم لمن آمن. والنذير: المهدِّد بالعذاب لمن كفر. وأعرض: امتنع عن فهمه. والقلوب: جمع قلب. والأكنة: جمع كنان.
وتدعونا: توجهنا. والآذان: جمع أذن. والحجاب: الحاجز الغليظ يمنع التفاهم. واعمل أي: استمر وحدك. وعاملون: مستمرون لانستجيب لك. (٢) بشر
أي: إنسان. ومثلكم: واحد منكم مماثل إياكم في البشرية، ولست من جنس آخر ليكون بيننا مانع من التواصل. ويوحى: ينزل بأمر الله وييسر له الحفظ
والتبليغ. والإله: المعبود بحق. والواحد: المتفرد بالألوهية ولا مثيل له. واستقيموا: توجهوا واستسلموا. واستغفروه: اطلبوا منه ستر ذنوبكم والعفو عنها.
وكلمة عذاب يعني: دعاء بالتعذيب والهلاك. والمشرك: من جعل مع الله شريكًا في الألوهية. ويؤتون الزكاة: يؤدون النفقات التي تطهر أموالهم وأنفسهم.
والآخرة: الحياة بالبعث بعد الموت. وتأكيد أي: تأكيد لفظي لـ ((هم)). والكافر: المنكر الجاحد. وعمل: اكتسب بقلبه أو لسانه أو فعله. والصالح: ما يرضاه
الله. والأجر: المكافأة. (٣) تسهيلها: جعلها بين الهمزة وبين الياء. وبوجهيها أي: في حالتي التحقيق والتسهيل. فالقراءات أربع: ما أثبتنا، و((أاِنَّكُم))،
و ((آإِنَّكُمْ))، و((وآإِنَّكُم)). وتكفرون به: تجحدون وحدانيته في الألوهية. وخلق: أوجد، أي: قضى أن يكون ذلك. والمراد باليوم أقل من اليوم المعروف في
الدنيا. تفسير الآلوسي ١٥٤:٢٤. وتعيين الأحد والاثنين من الإسرائيليات، وفي حديث ضعيف أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٤٣. والصواب أيضًا أن
اليومين المذكورين هما السبت والأحد. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧ من سورة هود. وكذلك شأن الثلاثاء والأربعاء فيما سيذكر من تفسير الآية التالية،
والخميس والجمعة فيما سيرد من تفسير الآية ١٢. فتكون الأيام الستة من السبت إلى الخميس، لامن الأحد إلى الجمعة. وتجعل: تظن. والأنداد: جمع ند.
وذلك أي: الخالق. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. وجعل: قضى أن يكون ذلك. والرواسي: جمع الراسي. وبارك: جعل الخيرات كثيرة. والأقوات:
جمع قوت. وهو ما يحتاج إليه المخلوق. (٤) قصد أي: وقضى بإرادته الخلقَ. وهذا تأويل للمعنى، والأولى أن يقال في تفسير ((استوى)): استواء يليق
بجلاله وعظمته، من دون تمثيل أو تعطيل. والسماء: مايحيط بالأرض من الأجرام العُلوية. والطوع: الانقياد برضا. والكره: الانقياد بالقهر. وأتينا: انظر=

٤١ - سورة فُصّلَتْ
٤٧٨
الجزء الرابع والعشرون
الجزءُ الشَّارِوَ الْعَشِرُبّ
سُورَةٍ فُصلب
فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا
وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَا ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِ
اَلْعَلِيمِ ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرَتُّكُمْ صَعِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةِ
عَادٍ وَثَمُودَ (٣) إِذْجَآءَ تُهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ
خَلِفِهِمْ أَلََّ تَعْبُدُ وَأَإِلَّا اللَّهَ قَالُواْلَوْسَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَتَمِكَةً
فَإِنَّا بِمَا أُرْ سِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبِرُوا فِى
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِثَايَتِنَا يَحْحَدُونَ
! فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى أَيَّامِ نَّحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ
عَذَابَ الْخِرِيِ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ
لَا يُنْصَرُونَ ﴿ وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى
اُلْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
وَيَوْمَ يُحْشَرُ
﴿ وَنَّيِّنَا الَّذِينَءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ
أَعْدَآءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِفَهُمْ يُوزَعُونَ (٢٦) حَتَّى إِذَا مَاجَآءُ وهَا شَهِدَ
عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُو ◌ْيَعْمَلُونَ
منها في آخر ساعة منه، وفيها خلقَ آدم - ولذلك لم يقل هنا ((سواء)). ووافق ما هنا
آياتٍ خلق السماوات والأرض في ستّة أيام - ﴿وأوحَى فِي كُلِّ سَماءِ أمرَها﴾ الذي
أمر به مَن فيها مِن الطاعة والعبادة، ﴿وَزَيَّنَا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصابِيحَ﴾: بنجوم،
﴿وحِفظًا﴾: منصوبٌ بفعله المقدَّر، أي: حفظناها من استراق الشياطين السمعَ
بالشُّهب. ﴿ذُلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ في مُلكه، ﴿العَلِيمِ﴾ ١٢ بخلقه.
١ - ﴿فإن أعرَضُوا﴾ أي: كُفّارُ مكّة عن الإيمان، بعد هذا البيان، ﴿فَقُلْ: أنذَرتُكُم﴾:
خوَّفتكم ﴿صاعِقةً مِثلَ صاعِقةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ ١٣ أي: عذابًا يُهلككم مِثل الذي أهلكهم،
﴿إِذ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيدِيهِم، ومِن خَلِفِهِم﴾ أي: مُقبلين عليهم ومُدبرين عنهم،
فكفروا كما سيأتي - والإهلاك في زمنه فقط - ﴿أنْ﴾ أي: بأن ﴿لا تَعْبُدُوا إلّا الله.
قالُوا: لَو شاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائكةً. فإنّا بِما أُرسِلْتُم بِهِ﴾ على زعمكم ﴿كافِرُونَ﴾ ١٤.
٢- ﴿فَأمّا عادٌ فاستكبَرُوا في الأرضِ، بِغَيرِ الحَقِّ، وقالُوا﴾ لمّا خوِّفوا بالعذاب:
﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوّةً﴾؟ أي: لا أحدَ. كان واحدهم يقلعِ الصخرة العظيمة من الجبل،
يجعلها حيث يشاء. ﴿أَوَلَم يَرَوا﴾: يعلموا ﴿أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُم هُوَ أَشَدُّ مِنهُم قُوّةً؟
وكانُوا بِآيَاتِنا﴾ المُعجزات ﴿يَجْحَدُونَ ١٥، فأرسَلْنا عَلَيهِم رِبِحًا صَرصَرًا﴾: باردة
شديدة الصوت بلا مطر، ﴿في أيّامِ نَحِساتٍ﴾، بكسر الحاء وسكونها: مشؤوماتٍ
عليهم، ﴿لِنُذِيقَهُم عَذابَ الخِزْىٍ﴾: الذلّ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنيا - ولَعَذابُ الآخِرةِ
أخزَى﴾: أشدُّ، ﴿وَهُم لا يُنصَرُونَ﴾ ١٦ بمنعه عنهم - ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيناهُم﴾: بيّا
لهم طريقَ الهُدى، ﴿فَاسْتَحَبُّوا العَمَى﴾: اختاروا الكُفر ﴿عَلَى الهُدَى، فأخَذَتْهُم صاعِقةُ العَذابِ الهُونِ﴾: المُهين ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ١٧ ،
ونَجَّينا﴾ منها ﴿الَّذِينَ آمَنُوا، وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١٨ اللهَ.
٣- ﴿و﴾ اذكر ﴿يَومَ يُحشَرُ﴾ - بالياءِ، والنونِ المفتوحة وضمِّ الشين وفتح الهمزة - ﴿أعداءُ اللهِ إِلَى النّارِ، فَهُم يُوزَعُونَ﴾ ١٩: يُساقون. ﴿حَتَّى
إذا ما﴾: زائدةٌ ﴿جاؤُوها شَهِدَ عَلَيهِم سَمعُهُم وأبصارُهُم وجُلُودُهُم، بِما كَانُوا يَعمَلُونَ ٢٠، وقالُوا لِجُلُودِهِم: لِمَ شَهِدتُم عَلَينا؟ قالُوا: أنطَقَنَا اللهُ
الَّذِي أنطَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾ أي: أراد نُطقَه.
= ((المفصل)). والخميس والجمعة صوابهما: الأربعاء والخميس. ثم كان خلق آدم يوم جمعة، لا الذي يلي خلق السماوات، بل بعده بألوف القرون. وما هنا
أي: عدد الأيام في الآيات ٩- ١٢. فهي ستة أيام توافق ما جاء في بعض الآيات. وأوحى: خلق. والأمر: الشأن اللازم. وزينها: جمّلها. والدنيا: الأقرب
إلى الأرض. والمصابيح: جمع مصباح. وهو ما يضيء وينير. والحفظ: الوقاية. وذلك: ماذكر في الآيات ٩-١٢ من الخلق والتكوين. والتقدير: الإبداع
المتقن بلا زيادة أو نقصان. والعزيز: الغلاب لكل أمر لا يعجزه شيء. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء قبل وجوده وبعده.
(١) أعرضوا: امتنعوا. والصاعقة: الصوت العنيف يزلزل الأرض، مع نار تسقط من السماء تحرق. وعاد: قوم النبي هود. وثمود: قوم النبي صالح. وكان
هذان النبيان من العرب العاربة بين نوح وإبراهيم. وجاءتهم: وصلت إليهم وبلّغتهم. والرسل: جمع رسول. وبين أيديهم أي: أمامهم. والأيدي: جمع يد.
وإيراد الأمام والخلف يعني شمول جميع الجهات أيضًا. وكما سيأتي يعني: في الآيات ١٥- ١٨. وفي زمنه أي: أن إهلاك كفار قريش يكون في حياة النبي
وَّثة. وتعبد: تقدس وتطيع. وشاء ربنا أي: أراد إرسال مبلّغ. خ: ((لو شاء الله)). وأنزل: بعث وكلف. والملائكة: جمع ملّك. وأرسلتم به: كلفتم بالدعوة
إليه. وکافرون به: منكرون لإرسالکم وجاحدون.
(٢) استكبر: طلب التعاظم عن الإيمان. والحق: الاستحقاق استحقاقهم. وأشد: أعظم. والقوة: القدرة. وخلقهم: أنشأهم على هذه القوة الظاهرة.
ويجحد: يكفر. وأرسل: أطلق. والريح: الهواء العنيف. والأيام: جمع يوم. وبسكونها يريد القراءة ((نَحْساتٍ)). ونذيقه: ننزل به. والآخرة: البعيدة بعد
الموت. وأشد: لما فيها من الذل والهوان. وينصر: يدفع عنه ما يضره. والعمى: فقد البصيرة. والهدى: الرشاد إلى الحق. وأخذت: عاقبت. ويكسبون:
يعملونه من الكفر والتكذيب. ونجيناه: أنقذناه. وآمن: صدّق الله ورسوله. ويتقيه: يتجنب غضبه بطاعة الأمر والنهي.
(٣) بالنون يريد القراءة (نَحشُرُ)). والفاعل ضمير العظمة. وفتح الهمزة أي: همزة آخر الاسم التالي. يريد القراءة ((أعداءَ». والأعداء: جمع عدو. وهو
المعادي، أي: الكافر من الأمم كلها. وإلى النار أي: لأجل دخول جهنم بعد الحساب. وزائدة أي: لتوكيد ارتباط الجواب بالشرط، أي: تحقيق وقوع
الشهادة حين السوق إلى النار. وجاؤوها: قربوا منها ليدخلوها. وشهد: أقر واعترف بما يعلمه. والأبصار: جمع بصر. والجلود: جمع جلد. وهو غشاء
الجسم، يراد به هنا أعضاء الإنسان كلها. ويعملون: يكتسبونه من المعاصي. ولم شهدتم أي: ما الذي حملكم على هذه الشهادة؟ وقالوا: تكلموا وأجابوا
جهارًا. وعُبِّرَ بجمع العقلاء لِما كان من الشهادة والكلام، وهما من صفات العقلاء. وأنطقنا: خلق فينا القدرة على الكلام. والشيء: ماهو موجود أو محتمل
الوجود. وأراد نطقه: يعني أن ((كل شيءٍ) مقيدٌ هنا بإرادة الله له النطقَ، وليس مطلقًا. فـ ((شيء)»: موصوف بصفة محذوفة يدل عليها السياق.

الجزء الرابع والعشرون
٤٧٩
٤١ - سورة فُصّلَتْ
١- ﴿وَهْوَ خَلَقَكُمْ أوَّلَ مَرّةٍ، وإِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ ٢١ - قيل: هو من كلام الجلود. وقيل:
هو من كلام الله - تعالى - كالذي بعده. وموقعه تقريبُ ما قبله، بأنّ القادرَ على
إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادرٌ على إنطاق جُلودكم وأعضائكم -
﴿وما كُنتُم تَستَتِرُونَ﴾، عند ارتكابكم الفواحش، من ﴿أَن يَشْهَدَ عَلَيكُمْ سَمِعُكُم ولا
أبصارُكُم ولا جُلُودُكُم﴾، لأنكم لم تُوقنوا بالبعث، ﴿ولكِن ظَنَتْتُم﴾ عند استاركم ﴿أَنَّ
اللهَ لا يَعلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعمَلُونَ ٢٢، وذُلِكُم﴾: مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ»: بدل منه:
﴿الَّذِي ظَنَتُم بِرَبَّكُم﴾: نعت البدلِ، والخبرُ: ﴿أرداكُم﴾ أي: أهلككم،
ثلاثة أرباع
الْخِرْبُ
٤٨
﴿فأصبَحْتُم مِنَ الخاسِرِينَ ٢٣. فإن يَصِرُوا﴾ على العذاب ﴿فَالنّارُ مَثوَى﴾:
منزل ﴿لَهُم، وإن يَسْتَعْتِبُوا﴾: يطلبوا العُتبى أي: الرضا ﴿فما هُم مِنَ
المُعتَبِينَ﴾ ٢٤ : المَرضِيِّينَ.
٢- ﴿وَقَيَّضْنا﴾: سيّبنا ﴿لَهُم قُرَناءَ﴾ من الشياطين، ﴿فَزَيَّنُوا لَهُم ما بَيْنَ أيدِيهِمِ﴾ من
أمر الدنيا واتّباع الشهوات، ﴿وَمَا خَلفَهُم﴾ من أمر الآخرة، بقولهم: لا بعثَ ولا
حِساب، ﴿وَحَقَّ عَلَيهِم القَولُ﴾ بالعذاب - وهو ((لَأْملَأَنَّ جَهَنَّمَ)) الآيَةَ - ﴿فِي﴾ جُملة
﴿أُمَمِ قَد خَلَتْ﴾: هَلَكَت ﴿مِن قَبَلِهِم مِنَ الجِنِّ والإنسِ - إنَّهُم كانُوا خاسِرِينَ ٢٥ -
وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، عِند قِراءة النبيّ وََّ: ﴿لا تَسمَعُوا لِهذا القُرآنِ، والغَوا فِيهِ﴾:
ائتوا باللّغط ونحوه، وصيحوا في زمن قراءته، ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ٢٦ فيسكت عن
القِراءة.
سورة فصلت
الجمعُ التَّارِى الْخَشِرُونَ
وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَفَنَا اللَّهُ الَّذِىّ
أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْ جَعُونَ(١)
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ
وَلَاَ جُلُودُ كُمْ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّاللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ
﴿ وَذَلِكُمْ ظَتُّكُالَّذِى ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم
فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ وَإِن
مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾
يَسْتَعْتِبُواْ فَمَاهُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (@) وَقَيَضْنَا لَهُمْ
قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوْلَهُمْ مَّابَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ
الْقَوّلُ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِِّ إِنَّهُمْ
كَانُواْ خَسِرِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ وْلَا تَسْمَعُوْلِهَذَا الْقُرْءَانِ
وَالْفَوْاْفِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ عَذَابًا
شَدِيدًا وَلَنَجْزِ يَهُمْ أَسْوَ الَّذِى كَانُو ◌ْيَعْمَلُونَ (٦) ذَلِكَ جَزَآءُ
أَعْدَاءِ الَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيَهَ دَارُ اٌ لْخُلِّ جَزَاءُ بِمَا كَانُوْبِاَلْنَا ◌َجْحَدُونَ
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْرَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الِنّ
وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
٣- قال تعالى فيهم: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا، ولَنَجْزِيَنَّهُم أسوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ ٢٧ أي: أقبحَ جزاءِ عملهم. ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب
الشديد وأسوأ الجزاء ﴿جَزاءُ أعداءِ اللهِ﴾ - بتحقيقِ الهمزة الثانية وإبدالِها واوًا - ﴿النّارُ﴾: عطفُ بيان لِ «جزاء)» المُخبرِ به عن «ذلك))، ﴿لَهُم فِيها
دارُ الخُلدِ﴾ أي: إقامةٍ لا انتقال منها، ﴿جَزاءً﴾: منصوبٌ على المصدر بفعله المُقدّر، ﴿بِما كانُوا بِآيَاتِنا﴾: القُرآن ﴿يَجِحَدُونَ ٢٨. وقالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ في النار: ﴿رَبَّنا، أرِنا اللَّذَينِ أضَلَانا مِنَ الجِنِّ والإنسِ﴾ أي: إبليسَ وقابيلَ، سَنّا الكُفر والقتل، ﴿نَجعَلْهُما تَحتَ أقدامِنا﴾ في النار،
﴿لِيَكُونا مِنَ الأسفَلِينَ﴾ ٢٩ أي: أشدَّ عذابًا منّا .
(١) اختصم ثلاثة مشركين بجانب الكعبة، فقال أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ قال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع لم يسمع. وقال
الثالث: إن سمع منه شيئًا سمعه كله. فنزلت الآيتان ٢٢ و٢٣. الأحاديث ٤٥٣٨-٤٥٤٠ و٧٠٨٣ في البخاري و٢٧٧٥ في مسلم. وخلق: أوجد. وأول مرة
أي: في الحياة الدنيا. وإليه أي: إلى لقاء حسابه وجزائه. وترجعون: تردون بالبعث. وتقريب ما قبله يعني: أنه يقرّب ما قبله إلى العقول. وتستترون:
تستخفون من أنفسكم. وظننتم: اعتقدتم. ويعلمه: يحيط به ويحفظه. وتعمل: تكتسب من النية والقول والفعل. وأصبح: صار. والخاسر: الذي ضيع ما لديه
وما يتوقع. ويصبر: يتجلد ويتحمل. والمرضيُّون: الذين قُبلتْ توبتهم ورُضيَ عنهم. وفي الأصل: ((المَرضيّن)). ولعل الصواب: ((المُرضَين)) أي: المجابين إلى
ما يرضيهم ويلبي رغباتهم.
(٢) سببنا أي: قدّرنا وهيأنا. والقرناء: جمع قرين. وهو النظير يقارن ويلازم. وزينه: جمّله وأغرى به. وبين أيديهم أي: أمامهم. والأيدى: جمع يد.
وحق: وجب وثبَتَ. والقول: ماقيل، أي: الحكم والقضاء. والآية هي ذات الأرقام ١١٩ من سورة هود و١٣ من سورة السجدة و٨٥ من سورة ص.
والجملة: الجماعة. والأمم: جمع أمة. وهلكت: استؤصلت فيما مضى. والجن: واحده جنّيّ. وهو المخلوق من النار. والإنس: البشر واحده إنسيّ.
وكانوا أي: وسيبقون. وخاسرين: أشقياء أضاعوا ما لديهم وما يتوقعون من المتع والزينة. وكفروا: كذّبوا الله ورسوله. ولا تسمع: لاتنصت ولا تنتبه. والقرآن:
المقروء. ولعلكم: ليكون لكم الترجي والتوقع. وتغلبون: تتغلبون على مقصده وتميتون ذكره. ويسكت أي: ولا يفهم السامعون ما يريد فلا يستجيبون له.
(٣) نذيقهم: ننزل بهم ونخصهم. والشديد: العنيف لامثيل له. ونجزيهم: نعاقبهم. ويعملون: يكتسبونه بالنية أو القول أو الفعل. والجزاء: المكافأة.
والأعداء: جمع عدو. وهو المعادي يحارب الإسلام والمسلمين. والهمزة الثانية يعني الهمزة الأولى من ((أعداءٍ)). وبإبدالها يريد القراءة ((جَزاءُ وَعْداءٍ)). والنار
أي: عذابها. وعطف بيان لجزاء أي: مذكور بعد ما هو عامّ لبيان جنسه وتوضيح المقصود به مع التوكيد. والدار: مكان النزول للاستقرار. وعلى المصدر
أي: مفعول مطلق. وبفعل مقدر يعني: يُجزَون. والأولى أن يكون المقدر: مَجزِيِّينَ. وأصح منهما أن جزاء: مفعول مطلق للمصدر ((جزاءُ))، فيه معنى التوكيد
وبيان النوع. ويجحدون: يكفرون. وربنا: ياربنا. حذف حرف النداء مبالغة في التعظيم، لِما فيه من معنى الأمر والتنبيه. وأرنا: بصّرنا عيانًا. والمراد: أحضر
لنا لنرى. وأضلنا: سبب لنا الخروجَ عن الحق واتباعَ الباطل. وإبليس: رمز الموسوسين بالكفر والشر. وقابيل: ابن آدم، قتل أخاه هابيل. فهو رمز المجرمين
الداعين إلى القتل والعصيان. ونجعلهما: نضعهما. والأقدام: جمع قدم. وهي ما يطأ الإنسان به الأرض وغيرها. ويكون: يصير. والأسفل: الأكثر انخفاضًا
وذلة. وعذابًا أي: وإهانة وتحقیرًا .

٤١ - سورة فُصِّلَتْ
٤٨٠
الجزء الرابع والعشرون
الجزء التَّارِوَ الْعَشِرُونَ
نورة فصلت
إِنَّالَّذِينَ قَالُوْرَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ
اُلْمَلَبِكَةُ أَلََّتَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ
نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوَةِ
الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ ◌َ
الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ
(٤ تُلامِّنْ غَفُورٍ تَحِيم
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ
إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِّئَةُ
آدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ.
وَلِىٌّ حَمِيمٌ (٨) وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتُهَاَ
إِلَّاذُوحَظٍ عَظِيمٍ ® وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ
جَ وَمِنْ ءَايَتِهِ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُ واْلِشَّمْسِ
وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُ واْلِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنْتُمْ
إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبِرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ
رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ ﴾
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللهُ، ثُمَّ استَقامُوا﴾ على التوحيد، وغيره ممّا وجب عليهم،
﴿تَزَّلُ عَلَيهِم الملائكةُ﴾ عِند الموت ﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿لا تَخافُوا﴾ من الموت وما
بعده، ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلّفتم من أهل وولد، فنحن نخلفكم فيهم، ﴿وأبشِرُوا
بِالجَنّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ ٣٠. نَحنُ أَولِياؤُكُم في الحَياةِ الدُّنيا﴾ أي: نحفظكم فيها،
﴿وفي الآخِرَةِ﴾ أي: نكون معكم فيها حتّى تدخلوا الجنّة، ﴿وَلَكُم فِيها ما تَشْتَهِي
أنفُسُكُم، ولَكُم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ٣١: تطلبون، ﴿نُزُلًا﴾: رِزقًا مُهيّاً، منصوبٌ بـ
((جُعِلَ)) مُقدّرًا، ﴿مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ٣٢ أي: اللهِ.
٢- ﴿ومَن أحسَنُ﴾ أي: لا أحدً أحسن ﴿قَولَا مِمَّن دَعا إلَى اللهِ﴾ بالتوحيد، ﴿وَعَمِلَ
صالِحًا، وقالَ: إِنَّنِي مِنَ المُسلِمِينَ ٣٣؟ ولا تَستَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ في
جزئيّاتهما، لأنّ بعضها فوق بعض. ﴿ادفَعْ﴾ أي: السيّئَةَ ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخَصلة التي
﴿هِيَ أحسَنُ﴾، كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو، ﴿فإذا الَّذِي
بَينَكَ وبَينَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٍّ حَمِيمٌ﴾ ٣٤ أي: فيصير عدوُّك كالصديق القريب، في
محبّته، إذا فعلتَ ذلك. فالذي: مُبتدأ، وكأنّه: الخبر، وإذا: ظرف لمعنى التشبيه.
٣- ﴿وما يُلَقّاها﴾ أي: يُؤتَى الخَصلةَ التي هي أحسنُ ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا، وما يُلَقّاها
إلّا ذُو حَظّ﴾: ثوابٍ ﴿عَظِيمِ ٣٥. وإمّا) - فيه إدغام نون ((إن)) الشرطيّة في
((ما)» الزائدة - ﴿يَنْزَغَنَّكَ مِنَّ الشَّيطانِ نَزْغٌ﴾ أي: إن يصرفْك عن الخَصلة
وغيرها من الخير صارفٌ ﴿فاستَعِذْ بِاللهِ﴾: جوابُ الشرط، وجوابُ الأمر
محذوف، أي: يدفعْه عنك. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول، ﴿العَلِيمُ﴾ ٣٦ بالفِعل.
٤- ﴿ومِن آيَاتِهِ اللَّيلُ والنَّهَارُ والشَّمسُ والقَمَرُ - لا تَسجُدُوا لِلشَّمسِ ولا لِلقَمَرِ، واسجُدُوا لِهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ أي: الآياتِ الأربعَ، ﴿إِن كُنتُم إيّاهُ
(١) روي أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق، لأنه آمن بالتوحيد والنبوة، وقال: ربنا الله وحده لا شريك له، ومحمد عبده ورسوله. الواحدي ص
٣٩٤. وربنا الله أي: لارب ولا معبود لنا إلّا الله .. واستقام: دام واستمر. وتتنزل عليهم أي: تبشرهم وتطمئنهم. والملائكة: جمع ملّك. و((عند الموت))
الراجح أن المراد: في كل حين من الحياة الدنيا وفي البرزخ والآخرة. انظر تفسير الآلوسي ١٨٦:٢٤-١٨٧. وتخاف: تغتم لما يتوقع من المكروه. وتحزن:
تغتم لفوات ما ذهب. وأبشر: افرح واسعد. والجنة: البستان العظيم. وتوعدون: يُتعهد لكم بها. والأولياء: جمع ولي. وهو القرين يتولى الحفظ والمعونة.
والدنيا: الأقرب إلى الناس لأنهم يعيشون فيها. والآخرة: الحياة بالبعث بعد الموت. وتشتهي أي: ترغب فيه. والأنفس: جمع نفس. وهي الضمير. والنزل:
ما يُحضّر للضيف إكرامًا له. و((جُعل مقدرًا)) مقتضب من الوجيز، حيث جاء فيه: ((أي جعل الله ذلك رزقًا لهم مهيّأ)». فهو تفسير معنى، ظنه المحلي توجيهًا
للإعراب. ونزلًا: حال موطئة عن ((ما)) و((ما)) التي قبلها أيضًا. انظر ((المفصل)). ومنه أي: من عنده وبأمره في المراتب العالية المقربة. والغفور: الكثير السترِ
للذنوب والعفو عنها. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة والمغفرة.
(٢) أحسن: أجمل. ولا أحد: يعني أن الاستفهام بـ ((من)) هو النفي والاستبعاد. وقولًا أي: مايكون باللسان أو الإشارة أو التوجيه. ودعا: حث وحض.
وإلى الله: إلى طريقه المستقيم. وعمل: اكتسب بالنية أو القول أو الفعل. والصالح: ما يرضاه الله. والمسلم: من استسلم إلى الله في جميع شؤونه.
وتستوي: تكون متساوية في القيمة والجزاء. والحسنة: السجية النافعة. والسيئة: المعاملة الضارة. وفوق بعض أي: في القيمة والفائدة أو الضرر. فالمراد:
لا يساوي بعضُ الحسنات بعضَها، ولا بعضُ السيئات بعضَها أيضًا. فكيف تساوي السيئة الحسنة؟ محال ذلك. وادفع: قابل وعامل. وأحسن أي: ما أمكنها أن
تكون أفضل من غيرها بين المعاملات. وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان، كان عدوًا للمسلمين، فلانَ لهم بمصاهرة النبي ◌َّ له، ثم أسلم بعد ذلك
فصار وليًا حميمًا. تفسير البغوي ١١٥:٤. و((ظرف)) هذا على جعل ((إذا)) الفجائية اسمًا. والراجح أنها حرف جواب وجزاء يفيد المفاجأة والحال، أي: فاجأ
الإحسانَ صيرورةٌ العدو کالصديق.
(٣) يلقى: يعطى ويمنح. والتي هي أحسن: يعني أن الضمير المتصل في ((يلقاها)) يعود على مقابلة الإساءة بالإحسان. هذا قول جمهور المفسرين. وقيل:
الضمير مراد به التوحيد أو الجنة. والراجح أنه يعود على أمرين: التي هي أحسن، وصيرورة العدو وليًا حميمًا. إذ ليس الإحسان بمصلح نفسَ العدو، إلّا إذا
كان فيه استعداد لذلك، أي: هو من الذين صبروا وذو حظ عظيم أيضًا. وصبر: تجلد وتحمل، أي: كان من شأنه الصبر والموادعة. والحظ: النصيب من
الخلق الكريم. والعظيم: الكبير لامثيل له. والزائدة أي: لتوكيد ارتباط الجواب بالشرط. والشيطان: من يغري بالشر من الجن أو الإنس. فما كان من الجن
هو خاص بالمسلمين، وما كان من الإنس يكون لهم أيضًا وللنبي و 1988، إذ سلطان الجن عليه محال. ويصرفك: يدفعك بالوسوسة أو الغيبة والنميمة. واستعذ:
استعن وتحصّن من شر الشيطان. والسميع: المدرك للمسموعات مهما كانت خفية. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء.
(٤) الآيات: الأدلة على الألوهية والوحدانية. وتسجد: تحني ظهرك وركبتيك لتضع جبهتك على الأرض. وخلق: أوجد من العدم. وتعبد: تقدس وتوحد.
واستكبروا: تعاظموا وامتنعوا. وعند ربك: في المنزلة المقربة الرفيعة. ولا يملون أي: من العبادة والطاعة. وترى: تبصر عيانًا. والخاشعة: المتطامنة
الهامدة. وأنزل: أسقط. وانتفخت أي: أنها ترتفع قبل تصدعها لظهور النبات. يعني أنك تراها أيضًا مهتزة منتفخة. وأحياها: خلق فيها الحياة. والموتى:
جمع ميت. وهو من فارقت روحه جسده. والشيء: ما هو موجود أو محتمل الوجود. والقدير: البالغ القدرة على ما يشاء.