Indexed OCR Text

Pages 361-380

الجزء الثامن عشر
٣٦١
٢٥ - سورة الفرقان
جُمعت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال - والتشديد للتكثير - ﴿دَعَوا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ١٣
هلاكًا، فيقال لهم: ﴿لا تَدْعُوا اليَومَ ثُبُورًا واحِدًا، وادعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ١٤ لعذابكم.
١ - ﴿قُلْ: أَذْلِكَ﴾ المذكورُ، من الوعيد وصِفة النار، ﴿خَيرٌ أم جَنَّةُ الخُلدِ الَّتِي وُعِدَ﴾
ها ﴿المُتَّقُونَ، كانَتْ لَهُم﴾ في عِلمه - تعالى - ﴿جَزاءَ﴾: ثوابًا ﴿ومَصِيرًا﴾ ١٥ :
مرجعًا، ﴿لَهُم فِيها ما يَشاؤُونَ خالِدِينَ﴾؟ حالٌ لازمة. ﴿كانَ﴾ وعدهم ما ذُكر ﴿عَلَى
رَبِّكَ وَعدَا مَسؤُولًا﴾ ١٦ يَسأله مَن وُعد به: ((رَبَّنا، وآَتِنا ما وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ))، أو
تسأله لهم الملائكة: ((رَبَّنَا، وأدخِلْهُم جَنّاتِ عَدنِ الَّتِي وَعَدْتَهُم)) .
٢- ﴿وَيَومَ نَحشُرُهُم﴾ - بالنون والتحتانيّة - ﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه من
الملائكة وعِيسى وعُزير والجِنّ، ﴿فَيَقُولُ﴾ تعالى - بالتحتانيّة والنون - للمعبودين
إثباتًا للحُجّة على العابدين: ﴿أأنتُم﴾، بتحقيقِ الهمزتين وإبدالِ الثانية ألفًا وتسهيلِها
وإدخالِ ألف بين المُسهَّلة والأخرى وتركِه، ﴿أضلَلتُم عِبادِي هُؤُلاءِ﴾: أوقعتموهم في
الضلال، بأمركم إيّاهم بعِبادتكم، ﴿أم هُم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ١٧ : طريقَ الحقّ بأنفُسهم؟
﴿قالُوا: سُبحانَكَ﴾: تنزيهًا لك عمّا لا يليق بك! ﴿ما كانَ يَنبَغِي﴾: يستقيم ﴿لَنا أن
نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ﴾ أي: غيرَك ﴿مِن أَولِياءَ﴾: مفعولٌ أوّل، ومن: زائدة لتأكيد النفي،
وما قبله الثاني، فكيف نأمر بعِبادتنا؟ ﴿ولَكِن مَتَّعتَهُم وآباءَهُم﴾ مِن قبلهم، بإطالة العُمر
وسَعة الرزق، ﴿حَتَّى نَسُوا الذُّكرَ﴾: تركوا الموعظة والإيمان بالقُرآن، ﴿وكانُوا قَوْمًا
بُورًا﴾ ١٨ : هَلگی.
سُورَةِ الفَرقِبان
الجزءُ الرَّحِب عَشَر
إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْلهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٣) وَإِذَا
أُلْقُوْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَا لِكَ ثُبُورًا ()
لَانَدْعُواْالْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا ◌ِشَقُلْ
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْجَنَّةُ الْخُدْدِ الَّتِى وَعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ
لَهُمْ جَزَآءُ وَمَصِيرًا (٥) لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُ ونَ خَلِينَّ
كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ﴿﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا
يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْعِبَادِى
هَؤُلَاءٍ أَمْ هُمْ ضَلُّواْالسَّبِيلَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ
يَطْبَغِى لَنَا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ
وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُوْلِذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا [٨] فَقَدْ
كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا
نَصْرَّأَ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا صَبِيرًا (@
وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ
الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقْ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ
لِبَعْضِ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونٌَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (@)
٣- قال تعالى: ﴿فَقَدِ كَذَّبُوكُم﴾ أي: كذّب المعبودون العابدين ﴿بِما تَقُولُونَ﴾ - بالفَوقانية - أنهم آلهة، ﴿فما يَستَطِيعُونَ﴾ - بالتحتانيّة
والفَوقائيّة - أي: لا هم ولا أنتم ﴿صَرفًا﴾: دفعًا للعذاب عنكم، ﴿ولا نَصرًا﴾: منعًا لكم منه. ﴿ومَن يَظلِمْ﴾: يُشركْ ﴿مِنكُم نُذِقْهُ عَذَابًا
كَبِيرًا﴾ ١٩ : شديدًا في الآخرة.
٤ - ﴿وما أرسَلْنَا قَبَلَكَ مِنَ المُرسَلِينَ إلّا إنَّهُم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ، ويَمِشُونَ في الأسواقِ﴾ - فأنت مِثلهم في ذلك، وقد قيل لهم مِثلُ ما قيل لك -
﴿وَجَعَلْنا بَعضَكُمْ لِبَعضٍ فِتْنَةً﴾: بليّة ابتُلي الغني بالفقير، والصحيح بالمريض، والشريف بالوضيع، يقول الثاني في كُلّ: مالي لا أكون كالأوّل
في كلّ - ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على ما تسمعون ممّن ابتُليتم بهم؟ استفهام بمعنى الأمر، أي: اصبروا - ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ٢٠ بمن يصبر وبمن يجزع.
(١) خير: أفضل. والجنة: الحديقة العظيمة. والخلد: البقاء أبدًا. ووعدها: بُشِّرَ بها. والمتقي: الذي يخاف الله ويطلب رضاه بالامتثال للأمر والنهي. وفي
علمه أي: هي مقدرة محققة. والمرجع: المسكن والمستقر. وما يشاء: ما يريد من النعيم. ولازمة: ثابتة فيهم. وعلى ربك: بسبب الوعد أوجبه على نفسه.
والمسؤول: المطلوب تحقيقه.
(٢) اليوم: الوقت. ونحشرهم: نخرج المشركين والنصارى واليهود من قبورهم، ونجمعهم للحساب. والتحتانية يريد القراءة ((يَحشُرُهُم)). وكذلك فيما يلي
قراءة ((فيَقُولُ)) و((فَقُولُ)). فهي قراءات ثلاث: بالياء في الأول والثاني، وبالنون فيهما، وبالنون في الأول مع الياء في الثاني. ويعبدون: يقدسون ويطيعون.
وإثباتًا للحجة: تقريرًا للمعبودين، ليقرّوا بكذب المشركين، ويثبتوا عليهم الافتراء بحجة صريحة، ويبرؤوا أنفسهم مما ادُّعي عليهم. وتركه أي: ترك الألف
وعدم إدخالها بين المسهلة والمحققة. وهو يعني أربع قراءات: التي أثبتناها، و((آنتُم)) بإبدال الثانية ألفًا، و((آنْتُم)) بجعل الهمزة الثانية بينَ بينٍ مع ألف زائدة
قبلها، و((أاَنتُم)) بدون ألف مزيدة. والضلال: الخروج عن طريق الإيمان. والعباد: جمع عبد. وفي قولهم ((سبحانك)) تعجب مما نُسب إليهم واتُّهموا به.
ونتخذ: نجعل. والأولياء: جمع ولي. وهو المعبود. وزيادة ((من)) هنا للتنصيص على عموم النفي مع تأكيد النفي. وما قبله الثاني: يعني ما يتعلق به ((من دون))
هو المفعول الثاني. ومتعتهم: أنعمت عليهم بلذائذ الحياة. والآباء: جمع أب. وهو الوالد ومافوقه من الجدود. والذكر: تذكر أدلة التوحيد للعظة والإيمان.
وكانوا: صاروا. والبور: الهلاك.
(٣) كذبوكم: أنكروا عليكم ادعاءكم. وبما تقولون أي: في قولكم. ويستطيعه: يقدر عليه. والتحتانية: الياء. والفوقانية يريد القراءة ((فما تَستَطِيعُونَ)).
والخطاب للعابدين المشركين. ويظلم: يضع الشيء في غير موضعه بعبادة المخلوقات. والخطاب فيه للمكلفين جميعًا. ونذيقه: نُنزل به. وفي الآخرة أي:
وفي الدنيا أيضًا.
(٤) انظر الآية ٧. وأرسلناه: بعثناه بالعقيدة والشريعة للعمل والتبليغ. وجعل: صيّر. وفتنة أي: امتحانًا، ليظهر المصلح من المفسد. وتصبر: تحبس نفسك
عن الضجر. وكان أي: ولايزال دون قيد زماني. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. والبصير: العالم المحيط بكل شيء.

٢٥ - سورة الفرقان
٣٦٢
الجزء التاسع عشر
سُورَةِ القُقِبَات
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَ نَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ
أَوْنَرَى رَبَّنَا لَقَدٍ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوَّ كَبِيرًا
◌َ يَوْمَ يَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَأَ بُشْرَى يَوْمَيٍِ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ
حِجْراً مَّحْجُورًا (٢٦) وَقَدِ مْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ
هَبَآءُ مَنُورًا ﴿ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
وَأَحْسَنُ مَقِيلًا () وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِلَالمَلَبِكَةُ
تَنْزِيلًا (® الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقّ لِلرَّحْمَن وَكَانَ يَوْمًا عَلَى
الْكَفِرِينَ عَسِيرًا ا وَيَوْمَ يَعَضُ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ
يَلَيْتَنِى أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٥) يَوَيِلَى لَيْنِ لَمْ أَقَّخِذْ
فُلَانَا خَلِيلًا ﴿ لَقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَ فِى
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُوْلًا (٦) وَقَالَ الرَّسُولُ
يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَمَّخَذُ واْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا (چ وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ فَبِيِّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِیًا
وَنَصِيرًا ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً
◌ٍوَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُنَّبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَرَتَّلْنَهُ تَرْنِيلًا
١- ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرِجُونَ لِقاءَنا﴾: لا يخافون البعث: ﴿لَولا﴾: هلّا
﴿أُنزِلَ عَلَينا الملائكةُ﴾، فكانوا رُسلّا إلينا، ﴿أو نَرَى رَبَّنَا﴾ فيُخبِرَنا بأنّ
الجزي٧
مُحمّدًا رسوله. قال تعالى: ﴿لَقَدِ استَكْبَرُوا﴾: تكبّروا ﴿في﴾ شأن ﴿أَنفُسِهِم،
وعَتَوا﴾: طغَوا ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ٢١ بطلبهم رُؤية الله - تعالى - في الدنيا.
و((عُتُوَّا)) بالواو على أصله، بخِلاف ((عُنِّيّ)) بالإبدال في ((مريم)). ﴿يَومَ يَرَونَ
الملائكةَ﴾ في جُملة الخلائق - هو يوم القيامة ونصبُه بـ ((اذكرْ)) مُقدّرًا - ﴿لا بُشرَى
يَومَئذٍ لِلمُجرِمِينَ﴾ أي: الكافرين، بخِلاف المؤمنين فلهم البُشرى بالجنّة،
﴿وَيَقُولُونَ: حِجرًا مَحجُورًا﴾ ٢٢، على عادتهم في الدنيا، إذا نزلت بهم شِدّة،
أي: عَوذًا مُعاذًا، يستعيذون من الملائكة.
٢- قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا﴾: عمَدنا ﴿إِلَى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ من الخير، كصدقة
وصِلة رحم وقِرى ضيف وإغاثة ملهوف في الدنيا، ﴿فجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ ٢٣ - هو
ما يُرى في الكُوَى التي عليها الشمس كالغُبار المُفرّق - أي: مِثْلَه في عدم النفع به، إذ
لا ثواب فيه لعدم شرطه، ويُجازَون عليه في الدنيا. ﴿أصحابُ الجَنّةِ يَومَئذٍ﴾: يومَ
القيامة ﴿خَيْرٌ مُستَقَرًّا﴾ من الكافرين في الدنيا، ﴿وأحسَنُ مَقِيلًا﴾ ٢٤ منهم، أي:
موضعَ قائلة فيها. وهي الاستراحة نصف النهار في الحرّ. وأُخذ من ذلك انقضاءُ
الحساب في نصف نهار، كما ورد في حديث.
٣- ﴿وَيَومَ تَشَفَّقُ السَّماءُ﴾ أي: كُلّ سماء، ﴿بِالغَمامِ﴾ أي معه - وهو غيم أبيض -
﴿وَنُزِّلَ المَلائكةُ﴾ من كُلّ سماء ﴿تَنزِيلًا﴾ ٢٥ هو يوم القيامة - ونصبُه بـ ((اذكرْ)) مُقدّرًا .
وفي قراءة بتشديد شين ((تَشَّقَّقُ)) بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها، وفي أُخرى: ((نُنْزِلُ)) بنونينِ الثانيةُ ساكنة وضمِّ اللام ونصبِ ((الملائكةَ)) -
﴿المُلكُ يَومَئذِ الحَقُّ لِلرَّحمُنِ﴾ لا يَشرَكه فيه أحد، ﴿وكانَ﴾ اليومُ ﴿يَومًا عَلَى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ٢٦: شديدًا بخلاف المؤمنين.
٤ - ﴿وَيَومَ بَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ المُشرك: عُقبة بن أبي مُعِيط، كان نطق بالشهادتين ثمّ رجع إرضاءً لأُبَيِّ بن خلف، ﴿عَلَى يَدَيهِ﴾ ندمًا وتحسّرًا في يوم
القيامة، ﴿يَقُولُ: يا﴾: للتنبيه ﴿لَيَتَنِيَ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ﴾ مُحمّدٍ ﴿سَبِيلًا﴾ ٢٧: طريقًا إلى الهُدى. ﴿يَا وَيَلَنَا﴾ - ألِفُه عِوض عن ياء الإضافة -
أي: ويلتي ومعناه: هَلكتي، ﴿لَيَتَنِي لَمْ أَّخِذْ فُلانًا﴾ أي: أُبَّ ﴿خَلِيلًا ٢٨. لَقَد أضَلَّنِي عَنِ الذِّكرِ﴾ أي: القُرآنِ، ﴿بعدَ إذ جاءَنِي﴾ بأن ردَّني عن
الإيمان به. قال تعالى: ﴿وكانَ الشَّيطانُ لِلإنسانِ﴾ الكافر ﴿خَذُولًا﴾ ٢٩، بأن يتركه ويتبرّأ منه عِند البلاء.
٥- ﴿وقالَ الرَّسُولُ﴾ مُحمّد: ﴿يَا رَبِّ، إنَّ قَومِيَ﴾ قُريشًا ﴿اَتَّخَذُوا هذا القُرآنَ مَهجُورًا﴾ ٣٠: متروكًا. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: كما جعلنا لك
عدوًّا من مُشركي قومك، ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيِّ﴾ قبلَك ﴿عَدُوًّا مِنَ المُجرِمِينَ﴾: المُشركين - فاصبر كما صبروا - ﴿وكَفَى بِرَبِّكَ هادِيًا﴾ لك،
﴿وَنَصِيرًا﴾ ٣١: ناصرًا لك على أعدائك!
٦- ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَولا﴾: هلّا ﴿نُزَّلَ عَلَيهِ القُرآنُ جُمْلَةً واحِدةً﴾، كالتوراة والإنجيل والزبور. قال تعالى: نزّلناه ﴿كَذْلِكَ﴾ مُتفرّقًا،
(١) لقاؤنا: الوصول إلى حسابنا بالبعث. وأُنزل: أُرسل. والملائكة: جمع مَلَك. ونرى: نبصر عيانًا. والأنفس: جمع نفس، أي: حقيقة الإنسان وذاته.
والكبير: العظيم المبالَغ فيه. وفي مريم أي: في الآيتين ٨ و٦٩. والبشرى: التبليغ بالخير. ويومئذ: يوم إذْ يرون الملائكة. والمجرم: من يقترف الجرائم
باختيار وعزم. ويقولون أي: المجرمون. والحجر: الاستعاذة والامتناع من الشر. والمعنى: حرامًا عليكم التعرضُ لنا، اتركونا. (٢) عمدنا: قصدنا. وعمل:
اكتسب وتحمل. والعمل: ما كان من نية أو قول أو فعل. وجعل: صيّر. والكوى: جمع كوة. وهي النافذة الصغيرة. وعليها الشمس أي: يمر منها ضوءُها .
ولعدم شرطه أي: لأنه لم يرافق شرط نفع العمل في الآخرة. وهو الإيمان والتوحيد. والأصحاب: جمع صاحب. والجنة: الحديقة العظيمة. ويومئذ: يوم إذْ
يستقرون فيها. وخير: أفضل. والمستقر: مكان الاستقرار. وأحسن: أكثر جمالًا. ونصف نهار: انظر ((المفصل)). (٣) اليوم: الوقت. وتشقق: تتقطع.
والسماء: مايحيط بالأرض من الأكوان العليا. ونزلوا: أنزل بعضهم وراء بعض. والمُلك: الحيازة والتصرف في الأمور. ويومئذ: يوم إذْ تشقق السماء.
والحق: الثابت. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. وكان أي: سيكون. والكافر: المكذب لله ورسوله. (٤) يعض: يضغط بأسنانه. وقُتل عقبة يوم بدر،
وقَتل النبي ◌َلا أَبيَّ بن خلف مبارزة يوم أحد. واتخذت: سلكت. وأتخذ: أجعل. والخليل: الصديق المطاع. وأضلني: كان سبب انصرافي. وجاءني: وصل
إليّ الذكر. وكان أي: ومايزال. والشيطان: من يوسوس بالشر من الإنس والجن. والإنسان: البشر. والخذول: مَن يتخلى عن غيره. (٥) اتخذوا: جعلوا.
وجعل: صيّر. والنبي: من بعثه الله للهداية إلى التوحيد والشريعة مع العمل. والعدو: المعادي. وكفى: بلغ الغاية في الكفاية والإغناء عن معونة الآخرين.
والهادي: المرشد إلى الحق. والنصير: المؤيد والمعين. (٦) انظر سبب النزول في المفصل. ونُزل: أَوحي. وجملة: دُفعة مجتمعة الأجزاء. وذلك أي:
التفريق. ويأتونك: يجابهونك. والمثل: العجيب من الأسئلة والاعتراضات. وجئناك به: أو حيناه إليك. والحق: القول الثابت الصادق. والأحسن: الأكثر
وضوحًا وكمالًا. والوجوه: جمع وجه. وشر: أكثر ضررًا. والمكان: موضع الإقامة الاستقرار.

الجزء التاسع عشر
٣٦٣
٢٥ - سورة الفرقان
﴿لِتُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: نُقوّيَ قلبك، ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرتِيلًا﴾ ٣٢ أي: أتينا به شيئًا بعد شيء
بتمهّل وتُؤدة، لتيسير فهمه وحفظه، ﴿ولا يأتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾، في إبطال أمرك، ﴿إلّا
جِئْنَاكَ بِالحَقِّ﴾ الدافع له، ﴿وأحسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٣٣: بيانًا. هم ﴿الَّذِينَ يُحشَرُونَ عَلَى
وُجُوهِهِم﴾ أي: يُساقون ﴿إِلَى جَهَنَّمَ. أُولَئِكَ شَرِّ مَكانَا﴾، هو جهنّم، ﴿وَأَضَلّ
سَبِيلًا﴾ ٣٤: أخطأُ طريقًا من غيرهم. وهو كُفرهم.
١- ﴿وَلَقَد آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراة، ﴿وَجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وَزِيرًا﴾ ٣٥:
مُعينًا، ﴿فقُلْنا: اذهَبا إِلَى القَومِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا﴾، أي: القِطِ فِرِعونَ وقومِه. فذهبا
إليهم بالرسالة فكذّبوهما، ﴿فَدَمَّرْناهُم تَدمِيرًا﴾ ٣٦: أهلكناهم إهلاكًا .
٢- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿قَومَ نُوحٍ، لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾، بتكذيبهم نوحًا لطول لَبثه فيهم، فكأنه
رُسل، أو لأنّ تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد،
﴿أغرَقْنَاهُم﴾: جواب ((لمّا))، ﴿وَجَعَلْنَاهُم لِلنّاسِ﴾ بعدهم ﴿آيَةَ﴾: عِبرة، ﴿وأعتَدْنا﴾
في الآخرة ﴿لِلِظّالِمِينَ﴾: الكافرين ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ ٣٧: مُؤلمًا، سِوى ما يحُلّ بهم في
الدنيا، ﴿و﴾ اذكرْ ﴿عادًا﴾ قومَ هودٍ، ﴿وَثَمُودًا﴾ قومَ صالح، ﴿وأصحابَ الرَّسِّ﴾ اسمُ
بئر - ونبيّهم قيل: شُعيب، وقيل: غيره - كانوا قُعودًا حولها فانهارت بهم وبمنازلهم،
﴿وقُرُونَا﴾: أقوامًا ﴿بَينَ ذُلِكَ كَثِيرًا﴾ ٣٨ أي: بين عاد وأصحاب الرسِّ.
سُورَة الفرقبات
الجزء السَّاعِ العَشر
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلََّ حِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًّاِ﴾
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُودِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ
مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴿ وَلَقَدْءَ اتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ
وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرًا ﴿ فَقُلْنَا أَذْهَبَآ إِلَى
الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِشَايَتِنَا فَدَفَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا ﴿ وَقَوْمَ
نُوحِ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ
ءَايَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ◌َجْ وَعَادًا وَثَمُودَأْ
وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (﴿ وَكُلَّا ضَرَبْنَا
لَهُ الْأَمْثَلِّ وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَشْبِيرًا ﴿ وَلَقَدْ أَنَوْ عَلَى الْقَرْيَةِ
الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْيَرَوْنَهَاأَبَلْ
كَانُوْلَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٢) وَإِذَا رَأَوْلَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ
إِلَّاهُزُوَا أَهَذَا الَّذِى بَعَبَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾ إِن كَادَ
لَيُضِلُنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (١) أَعَيْتَ
مَنْ أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (ا
٣- ﴿وَكُلَّا ضَرَبْنا لَهُ الأمثالَ﴾، في إقامة الحُجّة عليهم، فلم نُهلكهم إلّا بعد الإنذار،
﴿وَكُلَّا تَبَّرْنا تَتَبِيرًا﴾ ٣٩: أهلكنا إهلاكًا بتكذيبهم أنبياءهم. ﴿وَقَد أَوا﴾ أي: مرَّ كُفّار
مكّة ﴿عَلَى القَرْيةِ الَّتِي أُمطِرَتْ مَطَرَ السَّوءِ﴾: مصدرُ ساءَ، أي: بالحجارةِ. وهي عُظمَى قُرى قوم لوط، فأهلك الله أهلها لفِعلهم الفاحشة. ﴿أفلَم
يَكُونُوا يَرَونَها﴾ في سفرهم إلى الشام فيعتبرون؟ والاستفهام للتقرير. ﴿بَل كانُوا لا يَرْجُونَ﴾: يخافونَ ﴿نُشُورًا﴾ ٤٠: بعثًا فلا يُؤمنون.
٤- ﴿وإذا رأَوكَ إنْ﴾: ما ﴿يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤَا﴾: مهزوءًا به، يقولون: ﴿أهذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا﴾ ٤١ في دعواه، محتقرين له عن الرسالة؟
﴿إِنْ﴾: مُخفّفَةٌ من الثقيلة واسمها محذوف، أي: إنّه ﴿كادَ لَيُضِلُّنا﴾: ليَصرفنا ﴿عَن آلِهِتِنا، لَولا أن صَبَرْنا عَلَيها﴾ لصرفَنا عنها. قال تعالى:
﴿وسَوفَ يَعلَمُونَ، حِينَ يَرَونَ العَذابَ﴾ عيانًا في الآخرة: ﴿مَن أضَلَّ سَبِيلًا﴾ ٤٢: أخطأُ طريقًا؟ أهم أم المؤمنون؟
٥- ﴿أَرَأَيتَ﴾: أخبِرْني ﴿مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ أي: مَهوِيَّه؟ قُدّم المفعول الثاني لأنه أهمّ، وجملة من اتخذ: مفعول أول لـ ((رأيت))، والثاني:
(١) آتيناه: أعطيناه. وموسى: أعظم أنبياء بني إسرائيل. وجعلنا: صيرنا. وكان هارون نبيًا أيضًا. واذهبا إليهم: اقصداهم في مجالسهم. والقوم: الجماعة من
الناس يعيش المرء بينهم. وكذّبوا بها: أنكروها ولم يعتبروا بها. والآية: ماخلقه الله وفيه الدلالة على التوحيد والبعث. والقبط: سكان مصر من العرب
حينذاك .
(٢) نوح: نبي بعد آدم وشيث وإدريس. والرسل: جمع رسول. وأغرقناهم: أمتناهم خنقًا بالماء. وجعلناهم: صيّرنا إغراقهم. وأعتدنا: هيأنا. والعذاب:
التعذيب. والظالم: من يضع الشيء في غير موضعه. وعاد وثمود من العرب العاربة قبل الميلاد بآلاف السنين والآلاف. وفيما عدا الأصل والنسخ والفتوحات
والصاوي: ((وثَمُودَ)). وأصحابه: أهله المقيمون حوله. وشُعيب: نبي من العرب كان في مَدْيَنَ وما حولها أيام موسى. والقعود: جمع قاعد. والقرون: جمع
قرن. وهو مائة سنة. فالمراد: أهل تلك القرون. وكثيرًا انظر ((المفصل».
(٣) كلًّا: كلَّ مَن مضى من المهلكين. وضربنا: أوضحنا. والأمثال: جمع مَثَل. وهو القصة العجيبة تشبه حال من تُذكر له عظة وإرشادًا. والتتبير: التفتيت.
والقرية: البلدة. وأمطرت مطر السوء أي: جُزِيتْ رميَ حجارة من سجِيل. والسوء: ما يُكرَه ويَضر. والعظمى: الأكثر ضخامة وسعة. وهي مدينة سدوم، كان
لقوم لوط معها أربع مدن قرب حمص. ولوط: نبي في عهد عمه إبراهيم. والفاحشة: العمل الشنيع. وهو اللُّواط. ويرونها: يبصرون آثارها عيانًا. وكانوا
أي: ومازالوا .
(٤) انظر سبب النزول في المفصل. ورأوك: أبصروك. ويتخذ: يجعل. والهزء: السخرية. وفي المنحة: ((هزوًا)). وبعث: أرسله ليبلغ دعوته. وكاد: قارب.
وليصرفنا: ليصدنا. وفيما عدا خ: ((يصرفنا)). والآلهة: جمع إله. وهو ما يعبد ويطاع. وصبرنا: تجلدنا وتحملنا. وعليها: على عبادتها. ويعلم: يدري
بالیقین .
(٥) قيل: إن الآية نزلت في الحارث بن قيس السهمي، كان يعبد ما تهواه نفسه. البحر ٦: ٥٠١. واتخذ: جعل. وإله هو المعبود المطاع. والمهويّ: ما
يهواه الإنسان. وقول المحلي ((وجملة من اتخذ)) سهو، كأنه توهم أن ((من)) اسم استفهام مبتدأ خبره جملة: اتخذ. ومن: اسم موصول. وهو المفعول. و((لا))
يعني أن التقدير: لستَ وكيلًا عليه. ففوّض أمره إلينا، ولا يَحزنك كفره. وتحسب: تظن. وأكثرهم: أكثر من اتخذك هزؤًا وعبد هواه. وإنما خُص الأكثر لأن
البعض آمَنَ، وآخرين كانوا يعقلون الحق، ولا يتبعونه مكابرة وخوفًا على الرياسة. ويعقل: يدرك ويتدبر. والأنعام: جمع نعم. وهو الإبل والبقر والغنم.

٢٥ - سورة الفرقان
٣٦٤
الجزء التاسع عشر
سُورَة الفقدان،
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْيَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّا
كَالْأَنْعَّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَّ
الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
◌ْ ثُمَّقَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا جَ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ
لَكُمُ الَيِّلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا
وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُشْرَأَبَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، وَأَنَزَلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا (٨ْ لِنُحْسِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ.
مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا ( وَلَقَدْ صَرّفْنَهُ يَلْنَهُمْ
لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبِىَ أَكْثَرُ النَّاسِإِلََّ كُفُورًا ﴾ وَلَوْشِئْنَا
◌َبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا ﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ
وَهُوَ أَلَّذِى مَرَجَ
الخِـ
٠٠٠
وَجَهِدْهُم بِهِ، جِهَادًا كَبِيرًا هه
اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخَا
وَحِجْرًا فَّحْجُورًا () وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ.
نَسَبًّا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴿﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (@
﴿أفأنتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا﴾ ٤٣: حافظًا تحفظه عن اتباع هواه؟ لا. ﴿أم تَحسِبُ أنَّ
أكثَرَهُم يَسمَعُونَ﴾ سماعَ تفهّم، ﴿أو يَعْقِلُونَ﴾ ما تقول لهم؟ ﴿إِنْ﴾: ما ﴿هُم إلّا
كالأنعامِ، بَل هُم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٤٤: أخطأُ طريقًا منها، لأنها تنقاد لمن يتعهّدها، وهم
لا يُطيعون مولاهم المُنعِمَ عليهم.
١- ﴿أَلَم تَرَ﴾: تنظرْ ﴿إِلَى﴾ فِعلِ ﴿رَبِّكَ، كَيفَ مَدَّ الظُّلَّ﴾ من وقت الإسفار إلى وقت
طلوع الشمس، ﴿وَلَو شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾: مُقيمًا لا يزول بطلوع الشمس، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا
الشَّمسَ عَلَيهِ﴾ أي: الظلِّ ﴿دَلِيلًا﴾ ٤٥ - فلولا الشمس ما عُرف الظلّ - ﴿ثُمَّ
قَبَضْناهُ﴾ أي: الظلَّ الممدود ﴿إِلَينا قَبضًا يَسِيرًا﴾ ٤٦: خفيًّا بطُلوعِ الشمس؟ ﴿وهْوَ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾: ساترًا كاللباس، ﴿وَالنَّومَ سُباتًا﴾: راحة للأبدان بقطع
الأعمال، ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ ٤٧: منشورًا فيه لابتغاء الرزق وغيره.
٢- ﴿وَهْوَ الَّذِي أرسَلَ الرِّياحَ﴾، وفي قراءة: ((الرِّيحَ))، ﴿نُشُرًا بَيْنَ يَدَي
رَحْمِتِهِ﴾: مُتفرقةً قُدّامَ المطر - وفي قراءة بسكون الشين تخفيفًا، وفي أُخرى
ربع
بسكونها وفتح النون: مصدرًا، وفي أُخرى بسكونها وضمّ المُوحّدة بدلَ النون
أي: مُبشّراتٍ. ومُفرد الأُولى: نَشُورٌ كرسول، والأخيرةِ: بَشيرٌ - ﴿وأنزَلْنا مِنَ السَّماءِ
ماءً طَهُورًا﴾ ٤٨: مُطهِّرًا، ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ - بالتخفيف يستوي فيه المُذكّر
والمُؤنّث - ﴿ونُسقِيَهُ﴾ أي: الماءَ ﴿مِمّا خَلَقْنا أنعامًا﴾: إبلًا وبقرًا وغنمًا، ﴿وأناسِيَّ
كَثِيرًا﴾ ٤٩: جمع إنسان. وأصله («أناسِينُ)) فأُبدلت النون ياء وأُدغمت فيها الياء. أو
جمع إنسيّ.
٣- ﴿وَلَقَد صَرَّفْناهُ﴾ أي: الماءَ ﴿بَينَهُم لِيَذَّكَّرُوا﴾ - أصله ((يَتَذَكَّرُوا)) أُدغمت التاء في الذال. وفي قراءة: (لِيَذْكُرُوا)) بسكون الذال وضمّ الكاف -
أي: نعمةَ الله به، ﴿فَأبَى أكثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ٥٠: جُحودًا للنّعمة، حيثُ قالوا: مُطرنا بنَوء كذا. ﴿وَلَو شِئنا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيةٍ نَذِيرًا﴾ ٥١
يُخوِّف أهلها. ولكن بعثناك إلى أهل القُرى كُلّها نذيرًا، ليعظُم أجرك. ﴿فلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ في هواهم، ﴿وجاهِدْهُم بِهِ﴾ أي: بالقُرآنِ ﴿جِهادًا
گپِیرًا﴾ ٥٢.
٤- ﴿وَهْوَ الَّذِي مَرَجَ البَحرَينِ﴾: أرسلهما مُتجاورين، ﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾: شديد العُذوبة، ﴿وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾: شديد المُلوحة، ﴿وَجَعَلَ
بَينَهُما بَرزَخًا﴾: حاجزًا لا يختلط أحدهما بالآخر، ﴿وحِجرًا مَحجُورًا﴾ ٥٣ أي: سِترًا ممنوعًا به اختلاطهما، ﴿وَهْوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ
بَشَرًا﴾: من المنيّ إنسانًا، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾: ذا نسب ﴿وصِهرًا﴾: ذا صِهر، بأن يتزوّج ذكرًا كان أو أُنثى طلبًا للتناسل. ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ ٥٤:
قادرًا على ما يشاء. ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ أي: الكُفَّارُ ﴿مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنفَعُهُم﴾ بعبادته، ﴿ولا يَضُرُّهُم﴾ بتركها - وهو الأصنام - ﴿وكانَ الكافِرُ عَلَى
رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ ٥٥: مُعينًا للشيطان بطاعته.
(١) الظل: ما كان بين الظلمة والنور وقت صلاة الصبح. ومده: وسّعه. وشاء: أراد تثبيته. وجعل: صيّر. والدليل: المرشد. وقبضناه: محوناه. وخفيًا أي:
ببطء تبعًا لتدرج طلوع الشمس. والنوم: راحة البدن والعقل بغياب الإرادة والوعي. والسبات: القطع، أي: السكون به تكون راحة النفوس والأبدان.
والنشور: الإحياء واليقظة .
(٢) أرسل: أطلق. والرياح: جمع ريح. وهي الهواء المتحرك. وبين يديها: أمامها وقبلها. والرحمة: العطف بالإحسان. والموحدة: الباء. يريد قراءات
ثلاثًا غير ما أثبتناه، أُولاها (نُشْرًا))، والثانية (نَشْرًا))، والثالثة ((بُشْرًا)). وأنزل: أسقط. والسماء: السحاب. والبلدة: الأرض. والميت : الهامدة لانبات فيها.
والتخفيف: عدم تشديد الياء. ونسقيه: نروّي به. وخلقنا أي: أنشأناه. والأناسي: البشر.
(٣) صرفناه: فرّقناه في البلاد والأوقات والأحوال المختلفة. ويذكّروا: يستحضروا النعمة في أنفسهم، ويشكروا منعمها على رحمته بالقلب واللسان والعمل.
وأبى: امتنع. ومُطرنا أي: أن نزول المطر سببه نوءٌ معيَّن، لا أمرُ الله ورحمته. والنوء: يكون كلَّ ثلاثةَ عشرَ يومًا، حين يسقط نجم في المغرب مع الفجر،
ويطلع رقيبه - وهو نجم آخر يقابله - في المشرق. وشئنا: أردنا بعث النذر في جميع القرى. وبعثناهم: أرسلناهم في زمانك، ليكونوا معاونين لك. والقرية:
البلدة. والنذير: المهدد بالعذاب للكافرين. ولاتطعهم: تصبّر واثبت على مخالفتهم والدعوة المكلف بها. وجاهد: ابذل أقصى قدرتك. والكبير: العظيم
لا مثيل له.
(٤) البحر: ما اجتمع فيه ماء كثير. وأرسلهما: خلَّى بينهما. وعذب: ماؤه مستلذ. وملح: ماؤه مالح. وجعل: خلق. وحاجزًا: فاصلًا ملموسًا من الأرض.
والحجر: التنافر كالستر الحائل بين الشيئين. وهو غير ملموس، نحو ما في بحر واحد يفصل بين نوعين متدافعين من المياه. وخلق: أنشأ. وجعل: صيّر.
وذو النسب: الذكر تُنسب إليه القرابة. وذو الصهر: الأنثى ذات الصهر تكون قرابتها لذات مَحرم أو ذي محرم. والقدير: البالغ القدرة على مايشاء. ويعبد:
يقدس ويطيع. وعلى ربه: على عصيان الله.

الجزء التاسع عشر
٣٦٥
٢٥ - سورة الفرقان
١- ﴿وما أرسَلْناكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿إلّا مُبَشْرًا﴾ بالجنّة، ﴿ونَذِيرًا﴾ ٥٦: مُخوّفًا من
النار. ﴿قُلْ: ما أسألُكُم عَلَيهِ﴾: على تبليغ ما أُرسلت به ﴿مِن أجرٍ. إلّا﴾: لكن ﴿مَن
شاءَ أن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ٥٧: طريقًا بإنفاق ماله في مرضاته - تعالى - فلا أمنعه
من ذلك. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وسَبِّحْ﴾ مُلتبسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أي قل:
سُبحان الله والحمد لله. ﴿وكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ ٥٨: عالمًا! تعلّق به
((بذنوب)).
٢- هو ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ وما بَينَهُما، فِي سِتّةِ أيّامٍ﴾ من أيام
سَجْدَة
الدنيا، أي: في قدرها، لأنه لم يكن ثَمّ شمس ولا قمر - ولو شاء لخلقهنّ في
لمحة. والعُدول عنه لتعليم خلقه التثّبتَ - ﴿ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرشِ﴾ هو في
اللغة سرير الملك، ﴿الرَّحْمُنُ﴾: بدل من ضمير ((استوى)) أي: استواءً يليق به.
﴿فاسألْ﴾ - أيها الإنسان - ﴿بِهِ﴾: بالرحمن ﴿خَبِيرًا﴾ ٥٩ يُخبرك بصفاته. ﴿وإذا قِيلَ
لَهُمُ﴾ لكُفّار مكّة: ﴿اسجُدُوا لِلرَّحمنِ. قالُوا: وما الرَّحمنُ؟ أنَسجُدُ لِما تأمُرُنا﴾ -
بالفَوقائيّة والتحتانيّة والآمرُ مُحمّد - ولا نعرفه؟ لا. ﴿وزادَهُم﴾ هذا القول لهم
﴿نُفُورًا﴾ ٦٠ عن الإيمان.
سُوَرَةِ الفُقِبَارِ،
المالية القناعة عشر
وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لَ قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِهِ سَبِيلًا (® وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِذُنُوبٍ
عِبَادِهِ، خَبِيرًا (١٥) الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا
فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسَلْ بِهِ،
أَخَبِيرًا (٢) وَ إِذَاقِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْلِلَّحْمَنِ قَالُواْوَمَا الرَّحْمَنُ
(٢ تبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ
أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ؟
فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ثَ وَهُوَ
الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَأَنْ يَذَكَّرَ أَوْأَرَادَ
شُكُورًا ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ
هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوَأْسَلَمَّا [٣] وَالَّذِينَ
يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُخَدًا وَقِيَمَا [٣] وَالَّذِينَ يَقُولُونَ
﴿رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا
﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ
لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا لنا
٣- قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾: تعظّم ﴿الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ اثني عشر: الحَمَلَ
والثَّور والجَوزاء والسَّرطان، والأسد والسُّنبلة والمِيزان والعقرب، والقَوس والجَدْي
والدَّلو والحُوت - وهي منازل الكواكبِ السبعةِ السيّارةِ: المِرّيخ وله الحمل
والعقرب، والزُّهَرةِ ولها الثور والميزان، وعُطاردٍ وله الجوزاء والسنبلة، والقمرِ وله
السرطان، والشمسِ ولها الأسد، والمُشتري وله القوس والحوت، وزُحَلَ وله الجدي والدلو - ﴿وَجَعَلَ فِيها﴾ أيضًا ﴿سِراجًا﴾ هو الشمس،
﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ٦١ - وفي قراءة: ((سُرُجًا)) بالجمع، أي: نيّراتٍ، وخُصّ القمر منها بالذكر لنوع فضيلة - ﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ والنَّهارَ خِلْفةً﴾.
أي: يخلف كُلّ منهما الآخَر، ﴿لِمَن أرادَ أن يَذْكَّرَ﴾، بالتشديد والتخفيف كما تقدّم: ما فاته في أحدهما من خير فيفعلَه في الآخَر، ﴿أو أرادَ
شُكُورًا﴾ ٦٢ أي: شُكرًا لنعمة ربّه عليه فيهما .
٤- ﴿وعِبادُ الرَّحمُنِ﴾ - مُبتدأ وما بعده صِفاتٌ له إلى ((أُولئِكَ يُجزَونَ الغُرفةَ))، غيرَ المُعترض فيه - ﴿الَّذِينَ يَمِشُونَ عَلَى الأرضِ هَونًا﴾ أي:
بسكينة وتواضع، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ بما يكرهونه ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ ٦٣ أي: قولًا يَسلمون فيه من الإثم، ﴿والَّذِينَ يَبِيْتُونَ لِرَبِّهِم سُجَّدًا﴾ :
جمع ساجد، ﴿وقِيامًا﴾ ٦٤ بمعنى: قائمين أي: يُصلّون بالليل، ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا، اصرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ. إنَّ عَذابَها كانَ غَرَامًا﴾ ٦٥
(١) أرسلناك: بعثناك بالعقيدة والشريعة مع العمل. والمبشر: المبلغ بالخير. وأسأل: أطلب. وأجر: مكافأة بمال أو جاه. و((لكن)) يعني أن الاستثناء منقطع،
لأن مشيئة الإنسان ليست من جنس الأجر. وشاء: أراد. ويتخذ: يسلك. وإلى ربه: إلى طاعته. وتوكل عليه: استمر في اعتماد قلبك عليه وحده. والحي:
الدائم الوجود. وسبح: نزهْه عن النقصان في ذاته وصفاته وأفعاله. والحمد: الثناء على الفضل بأوصاف الكمال. وكفى: بلغ الغاية في الكفاية والإغناء عما
سواه. والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية عليها عقاب. والعباد: جمع عبد. وبه أي: بـ ((خبيرًا)).
(٢) خلق: أوجد من العدم. والسماوات: ما يحيط بالأرض من الأكوان العُلوية. وذكر أيام الدنيا غير صحيح. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٥٤ من سورة
الأعراف. وثَم أي: في ذلك الوقت. وعنه: عن خلقه ذلك في لمحة. والتثبت: التأني في الأمور. واستوى: علا وارتفع من دون تكييف أو تمثيل أو تعطيل،
يدبر ويخلق بقدرته. والعرش: كائن عظيم يحيط بالخلق كله. وهو غير السرير. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. ومن ضمير ((استوى)) يعني: من الضمير
المستتر فيه. ويليق به أي: يخالف ما يعرفه الخلق ويناسب عظمته وجبروته. واسأل: اطلب العلم. وبه أي: عنه. والخبير: العالم باليقين. واسجدوا: خُرّوا
على جباهكم ذلة وتقديسًا. انظر ((المفصل)). وتأمرنا: توجب علينا. والفوقانية: التاء. وبالتحتانية يريد القراءة ((يأمُرُنا)). و((لا)) يعني أن الاستفهام بالهمزة معناه
النفي والاستبعاد. وزادهم: أضاف إليهم. والنفور: الابتعاد.
(٣) جعل: خلق. والبروج: جمع بُرج. وهو فلك الكوكب السيّار يدور فيه. والسراج: ما يضيء بنفسه. والمنير: ما يكون له نور منعكس عن غيره.
والنيرات: المنيرات. وهي الكواكب السبعة المذكورة قبل، والقمر واحد منها. وذكر الشمس فيها للتغليب. وأراد: قصد. وقراءة التخفيف هنا ((يَذْكُرَ )). وما
تقدم أي: الآية ٥٠. وفيهما أي: في الليل والنهار.
(٤) العباد: جمع عبد. وما بعده أي: الأسماء الموصولة ((الذين)) الثمانية، في الآيات ٦٢-٧٤، صفات لـ ((عباد)). والمعترض: الجمل الاعتراضية ((ومن
يفعل ... متابًا)). ويمشي: يسير. وخاطبهم: كلمهم. والجاهل: الأحمق المؤذي. ويبيت: يدركه الليل. والقيام: جمع قائم. واصرفه: أبعده. والعذاب:
التعذيب. وساءت: بلغت الغاية في الضرر والبؤس. وأنفق: بذل المال. وعلى عيالهم أي: وعلى غيرهم أيضًا. ويسرف: يبذر. ط: ((يَقْتُرُوا)). وبضمه يريد
القراءة (يُقْتِرُوا)). ووسطًا: مقتصدًا معتدلًا. انظر سبب النزول في المفصل. ويدعون: يعبدون. والآخر: المغاير. والنفس: الإنسان الحي. وحرّمه: جعله
محرمًا. والحق: العدل. ويزنون: يستحلون الفروج بدون نكاح مشروع.

٢٥ - سورة الفرقان
٣٦٦
الجزء التاسع عشر
سُورَةِ القُرُونان
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ
أَثَامًا ثَ يُضَعَفْ لَهُ أُلْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْفِیهِ،
مُهَانًا (٦َّ إِلَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَا صَلِحًا
فَأُوْلَئِكَ يُدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا ® وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ
مَتَابًا ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُ واْبِاللَّغْوِ
مَنُّ واكِرَامًا ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُ واْبِشَايَتِ رَبِّهِمْ
لَمْ يَخِرُ واْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّاكِنَا قُرَةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٨) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا
صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَمَا لَهُ خَالِدِين
فِيهَأَ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦ قُلْ مَايَعْبَؤُاُبِكُرْرَِّ
لَوْلَادُ عَاؤُكُمْ فَقَدْكَتَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَا لَـ
سُورَةُ الشِّعر
أي: لازمًا، ﴿إِنَّها ساءَتْ﴾: بئستْ ﴿مُستَقَرًّا ومُقَامًا﴾ ٦٦ هي، أي: موضعَ استقرار
وإقامة! ﴿وَالَّذِينَ إذا أنفَقُوا﴾ على عِيالهم ﴿لَم يُسرِفُوا ولَم يَقْتِرُوا﴾ - بفتح أوله وضمّه
- أي: لم يُضيّقوا، ﴿وكانَ﴾ إنفاقهم ﴿بَينَ ذلِكَ﴾ الإسرافِ والإقتارِ ﴿قَوامًا﴾ ٦٧ :
وسطًا، ﴿وَالَّذِينَ لا يَدِعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الهُ﴾ قتلها
﴿إِلّا بِالحَقِّ، ولا يَزْنُونَ﴾ .
١- ﴿ومَن يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ أي: ما ذُكر من الثلاثة ﴿يَلقَ أثامًا﴾ ٦٨ أي: عُقوبة،
﴿يُضاعَفْ﴾ - وفي قراءة: ((يُضعَّفْ)) بالتشديد - ﴿لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيامةِ ويَخلُدْ
فِيهِ﴾، بجزم الفعلين بدلًا، وبرفعهما استئنافًا، ﴿مُهانًا﴾ ٦٩: حالٌ. ﴿إِلَّا مَن تابَ
وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ منهم ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِم﴾ المذكورةَ ﴿حَسَنَاتٍ﴾
في الآخرة - ﴿وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٧٠ أي: لم يزل مُتّصفًا بذلك - ﴿ومَن تابَ﴾
من ذُنوبه، غيرَ مَن ذُكر، ﴿وعَمِلَ صالِحًا فإنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتابًا﴾ ٧١ أي: يرجع إليه
رجوعا، فيجازیه خیرًا .
٢- ﴿وَالَّذِينَ لا يَشهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: الكذب والباطل، ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغوِ﴾ من
الكلام القبيح وغيره ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ ٧٢: مُعرضين عنه، ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا﴾:
وُعظوا، ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمَ﴾ أي: القُرآن، ﴿لَم يَخِرُوا﴾: يسقطوا ﴿عَلَيها صُمَّا
وعُميانًا﴾ ٧٣، بل خرّوا سامعين ناظرين منتفعين، ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، هَبْ لَنا مِن
أزواجِنا وذُرِّيّاتِنا﴾ - بالجمع والإفراد - ﴿قُرّةَ أعيُنٍ﴾ لنا بأن نراهم مُطيعين لك،
﴿واجعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ ٧٤ في الخير. ﴿أُولَئِكَ يُجزَونَ الغُرْفَةَ﴾: الدرجةَ في الجنّة،
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعة الله، ﴿وَيُلَقُّونَ﴾ - بالتشديد، والتخفيف مع فتح الياء - ﴿فِيها﴾: في الغُرفة ﴿تَحِيّةً وسَلامًا﴾ ٧٥ من الملائكة،
﴿خالِدِينَ فِيها، حَسُنَتْ مُستَقَرًّا ومُقامًا﴾ ٧٦: موضعَ إقامة لهم! ((وأولئك)) وما بعده: خبر ((عبادُ الرحمن)) المبتدأِ.
٣- ﴿قُلْ﴾ - يا مُحمّد - لأهل مكّة: ﴿ما﴾: نافية ﴿يَعبَأَ﴾: يكترث ﴿بِكُم رَبِّي، لَولا دُعاؤُكُم﴾ إياه في الشدائد، فيكشفها. ﴿فَقَد﴾ أي: فكيف
يعبأ بكم، وقد ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ الرسول والقُرآن؟ ﴿فَسَوفَ يَكُونُ﴾ العذاب ﴿لِزامًا﴾ ٧٧: مُلازمًا لكم في الآخرة، بعد ما يحُلّ بكم في الدنيا. فقُتل
منهم يوم بدر سبعون. وجواب (لولا)) دلَّ عليه ما قبلها .
سورة الشُّعَراء
٤- مكيّة إلّا ((والشعراء)) إلى آخرها فمدني، وهي مِائَتان وسبع وعشرون آية.
(١) يلقى: يصادف وينال. ويضاعف: يكرر ويغلظ. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس بالبعث للحساب. ويخلد: يستقر أبدًا أو مدة طويلة، بحسب ما
يستحق. وبرفعهما يريد القراءة (يُضاعَفُ ... ويَخلُدُ)). واستئنافًا: انظر ((المفصل)). والمهان: المحتقر. وتاب: اعترف بذنبه وندم على فعله وتعهد بتركه
وأصلح ما أفسد وطلب العفو. وعمل: اكتسب بنية أو قول أو فعل. والصالح: مايرضاه الله. ويبدلها حسنة: يمحوها ويثبت مكانها عملًا صالحًا. والغفور:
الكثير الستر للذنوب والتجاوز عنها. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان. وغير من ذكر أي: غير من ورد في الآيات ٦٨- ٧٠. ويتوب: يرجع. وإلى الله أي:
إلى طاعته .
(٢) يشهد: يقيم الشهادة، أي: الاعتراف والإقرار. ومروا به أي: صادفوه. وباللغو أي: بأهله. وغيره أي: الفعل القبيح. وكرامًا: جمع كريم، أي:
مكرِمين أنفسهم عن الخوض في اللغو أو متابعته. والصم: جمع أصم. والعميان: جمع أعمى. ومنتفعين: يعني أنهم يتوجهون إلى ما يستلزمه التدبر والوعي
والاتعاظ. وربنا أي: ياربنا. وهب لنا: ارزقنا. والأزواج: جمع زوج. وهو المرأة لزوجها، والرجل لامرأته. والذرية: النسل من البنين والبنات. وبالإفراد
يريد القراءة ((وذُرِّيَّتِنا)). والقرة: ما يُقَرُّ به، أي يكون سببًا للبرودة والطمأنينة. والأعين: جمع عين. وقرة الأعين كناية عن السرور والفرح. واجعل: صيّر.
والمتقي: من يتجنب غضب الله ويطلب رضاه. وإمامًا: قدوة. والإشارة بـ ((أولئك)) هي إلى المتصفين بما جاء في حيز الموصولات الثمانية: الذين. ويجزى:
يكافأ. والغرفة: أشرف الأماكن. والدرجة: المنزلة المتميزة. وصبروا: تجلدوا. ويلقّون: يُعطَون. وبالتخفيف يريد القراءة ((يَلْقَونَ)) أي: يجدون. والتحية:
الدعاء بالبقاء الطيب الدائم. والسلام: الدعاء بالسلامة من كل سوء. والخالد: المقيم أبدًا. وحسنت: بلغت الغاية في الخير والنعيم والبركة. وخبر: انظر
«المفصل».
(٣) الدعاء: التضرع. وكيف يعبأ بكم أي: محال أن يدوم اعتناؤه بكم. ودل عليه ما قبله: يعني أن التقدير: لولا دعاؤكم لما عَبأ بكم. والمعنى أن الله لم
ينتقم منهم عاجلًا بما يستحقون، ودفع عنهم كثيرًا من الشدائد والعذاب، بسبب دعائهم إياه.
(٤) إلى آخرها أي: إلى آخر السورة. فالآيات المدنية هي ذوات الأرقام ٢٢٤-٢٢٧.

الجزء التاسع عشر
٣٦٧
٢٦ - سورة الشعراء
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
١- ﴿طِسَمَ﴾ ١ الله أعلم بمُراده بذلك. ﴿تِلكَ﴾ أي: هذه الآياتُ ﴿آياتُ
الكِتابِ﴾: القُرآن - والإضافة بمعنى: مِن - ﴿المُبِينِ﴾ ٢: المُظهرِ الحقَّ من
الباطل.
نصف
لحِرْبُ
٢- ﴿لَعَلَّكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿باخِعٌ نَفسَكَ﴾: قاتلُها غمّ، من أجل ﴿ألّا يَكُونُوا﴾
أي: أهلُ مكّة ﴿مُؤمِنِينَ﴾ ٣. ولعلّ هنا: للإشفاق، أي: أشفِقْ عليها بتخفيف هذا
الغمّ - ﴿إِن نَشَأُ نُنْزِلْ عَلَيهِم مِنَ السَّماءِ آيَةً، فظَلَّتْ﴾ بمعنى المضارع أي تَظلَلْ، أي:
تدومُ ﴿أعناقُهُم لَها خاضِعِينَ﴾ ؛ فيُؤمنون. ولمّا وُصفَتِ الأعناقُ بالخُضوع الذي هو
الأربابها جُمعَتِ الصفةُ منه جمعَ العُقلاء - ﴿وما يأتِيهِم مِن ذِكرٍ﴾: قُرآنٍ، ﴿مِنَ
الرَّحْمُنِ مُحدَثٍ﴾: صفةٌ كاشفة، ﴿إِلّا كانُوا عَنْهُ مُعرِضِينَ ٥. فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ به،
﴿فَسَيأْتِيهِم أنباءُ﴾: عواقبُ ﴿ما كانُوا بِهِ يَستَهْزِئُونَ﴾ ٦.
٣- ﴿أَوَلَم يَرَوا﴾: ينظروا ﴿إِلَى الأرضِ، كَم أنبَتْنَا فِيها﴾ أي: كثيرًا، ﴿مِن كُلِّ زَوجِ
كَرِيمٍ﴾ ٧: نوعِ حسن؟! ﴿إِنَّ في ذُلِكَ لَاَيةً﴾: دلالة على كمال قُدرته - تعالى - ﴿وَمَا
كانَ أَكثَرُهُم مُؤَمِنِينَ﴾ ٨ في عِلم الله، تعالى - و((كان)) قال سيبويه: زائدة - ﴿وإنَّ رَبَّكَ
لَهْوَ العَزِيزُ﴾: ذو العِزّة ينتقم من الكافرين، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ٩ يرحم المؤمنين.
٤ - ﴿و﴾ اذكرْ - يا مُحمّد - لقومك ﴿إِذ نادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾، ليلة رأى النار والشجرة،
﴿أنٍ﴾ أي: بأنِ ﴿اثْتِ القَومَ الظّالِمِينَ﴾ ١٠ رسولًا، ﴿قَومَ فِرعَونَ﴾ معه ظلموا أنفسهم
بالكُفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم، ﴿ألا﴾ - الهمزة: للاستفهام الإنكاريّ -
﴿يَتَّقُونَ﴾ ١١ الله بطاعته فيوحّدونه؟ ﴿قالَ﴾ مُوسَى: ﴿رَبِّ، إنِّيَ أخافُ أن يُكَذِّبُونِ ١٢، ويَضِيقُ صَدرِي﴾ من تكذيبهم لي، ﴿ولا يَنطَلِقُ لِسانِي﴾
بأداء الرسالة، للعُقدة التي فيه - ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى﴾ أخي ﴿هارُونَ﴾ ١٣ معي - ﴿وَلَهُم عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، بقتل القبطيّ منهم، ﴿فأخافُ أن يَقْتُلُونِ﴾ ١٤ به.
٥- ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿كَلّ﴾ أي: لا يقتلونك، ﴿فاذهَبا﴾ أي: أنت وأخوك، ففيه تغليب الحاضر على الغائب، ﴿بِآياتِنا - إنّا مَعَكُم
مُستَمِعُونَ﴾ ١٥ ما تقولون وما يقال لكم. أُجرِيا مُجرى الجماعة - ﴿فائْتِيا فِرِعَونَ، فَقُولا: إنّا﴾ كُلَّ منّا ﴿رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ١٦ إليك، ﴿أنْ﴾
أي: بأن ﴿أُرسِلْ مَعَنا﴾ إلى الشام ﴿بَنِي إسرائيلَ﴾ ١٧. فأَتَياه فقالا له ما ذُكر.
٦- فـ ﴿ـقالَ﴾ فِرعون لمُوسَى: ﴿أَلَم نُرَبِّكَ فِينا﴾ أي: في منازلنا، ﴿وَلِيدًا﴾ صغيرًا، قريبًا من الولادة بعد فِطامه، ﴿وَلَبِثتَ فِينا مِن عُمُرِكَ
(١) الآيات: النصوص القرآنية. وبمعنى ((من)) يعني أن التقدير: آياتٌ من الكتاب.
(٢) يكونوا: يصيروا. والمؤمن: من يصدّق الله ورسوله. وأشفقْ: يعني أن الترجي هنا بمعنى الأمر، أي: ارحم نفسك، ولا تحمّلها ما لا تطيق. والغم:
الحزن الشديد. ونشاء: نريد تأييدك بمعجزة. وننزل: نسقط. وتدوم: انظر ((المفصل)). والأعناق: جمع عنق. والخاضع: المستجيب بذلة. ويأتيهم: يُتلى
عليهم. والذكر: ما يذكّر بالإيمان. ومن الرحمن: من عنده وبأمره. والرحمن: الكثير العطف بالإحسان. والمحدث: المتجدد نزولُه. والكاشفة: المفسرة
تكشف عن ماهية الموصوف. أي: أن الآيات يتجدد نزولها لا وجودها، لأن كلام الله غير مخلوق. وعنه: عن الإيمان به. والمعرض: المنصرف استصغارًا.
وكذبوا به: أنكروه. ويأتيهم: ينزل بهم. والأنباء: جمع نبأ. وهو الخبر العظيم. ويستهزئ: يسخر.
(٣) أنبت: أخرج. والمؤمن: من يصدّق الله ورسوله. و((زائدة)) كذا، وليس في كتاب سيبويه ما ذكر، مع أنه منسوب إليه في بعض كتب التفسير. وانظر
الكتاب ٢٨٩:١ - ٢٩٠. والمراد أن التقدير: ما أكثرهم مؤمنين، أي: لن يؤمن أكثرهم. والعزة: الغلبة. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان.
(٤) ناداه: دعاه ونبهه. وموسى: الرسول الذي أنزلت عليه التوراة. وائتهم: اذهب إليهم لتبليغ التوحيد. والظالم: المجاوز للحد بالكفر والعدوان. وقوم
فرعون هم العرب الأقباط. ويتقي: يتجنب غضب الله. ورب أي: ياربي. وأخاف: أخشى. ويكذبونِ: ينكروا رسالتي. ويضيق صدري: يعجز قلبي عن
الاحتمال. ولا ينطلق: يحتبس ويتلجلج فلا يفصح عن المقصود. والعقدة قيل: هي أثر حرقة بالنار في صِغره. وأرسل إليه: ابعث إليه من يبلّغه أنه رسول.
وذنب: عقوبة ذنب. ويقتلونِ: يزهقوا روحي. وبه: بسببه.
(٥) تغليب الحاضر أي: كان هارون في مصر، فغُلّب موسى في الخطاب وجعل الضمير له ولأخيه الغائب. والآية: الدلالة على الرسالة. ومستمعون أي:
بحضورنا. ومجرى الجماعة أي: للتعظيم. وائتياه: احضرا مجلسه. والرسول: المرسل بالتوحيد وتحرير بني إسرائيل. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق.
وأرسلهم: اسمح لهم بالذهاب. والشام أي: فلسطين. وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب.
(٦) نربيك: ننشئك بالرعاية والعطف. ولبثت: أقمت واطمأننت. وفينا: بيننا. والعمر: مدة الحياة. وفعلت: جنيت. والضال: البعيد الجهل. وفر: هرب.
ووهب: أعطى. وخفتكم: خشيت انتقامكم. وجعل: صيّر. والمرسل: المكلف بالدعوة والعمل. وتلك: إشارة إلى تعبُّد بني إسرائيل. والنعمة: ما يكون من
الإحسان. وتمن بها: تذكرها بالفخر. و((بيان لتلك)) يعني أن المصدر المؤول من ((أن عبدتَ)) بيان لاسم الإشارة، في ((تلك)). وأول الكلام أي: قبل ((وتلك)).
والإنكار: النفي.
المجرةُ النَّاع العشر
سُورَة الشِّجَاءُ
بِسْمِلَهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
طسّمّ أْ تِلْكَءَايَتُّ الْكِنَبِ الْمُّبِينِ ﴿ لَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ
﴿أَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿ إِن نَّشَأْ تُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ
أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ ﴿﴿ وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرِ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ
إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٣٥) فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوْمَا كَانُواْ
◌ِهِ- يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كُمْ أَنْبَثْنَا فِيَهَا مِنْ كَلِ زَوْج
كَرِيمٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٣) وَإِنَّ
◌َرَبَّكَ لَهُوَالْعَزِيزُالرَّحِيمُ ﴿ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىَ أَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَايَنَّقُونَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّ أَخَافُ
أَنْ يُكَذِّبُونِ ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِ فَأَرْسِلْ
إِلَى هَرُونَ ﴿ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( قَالَ
كَلَّا فَأَذْهَبَا بِثَايَئِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴿ فَأَتِيَا فِرْعَوْنَ
فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَابَنِي إِسْرَوِيلَ
﴿ قَالَ أَلَمْثُرَبِّكَ فِنَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِيْنَا مِنْ عُمُرَ سِنِينَ
وَفَعَلْتَ فَعُلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ

٢٦ - سورة الشعراء
٣٦٨
الجزء التاسع عشر
سُورَةِ الشِّحَاءُ
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
فَوَهَبَ لِى رَبِ حُكْمَا وَ حَعَلَنِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُها
(١) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
عَلَ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِي إِسْرَِّيلَ
٢٣
أَ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنْتَ مَّوقِنِينَ
(٢) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا تَسْتِعُونَ (جـ) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّءَابَآَبِكُمُ
اُلْأَوَّلِينَ ﴾ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْلَمَجْنُونٌ [َّ
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِنَ كُمْ تَعْقِلُونَ ﴿أَقَالَ
لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ قَالَ
أَوَّلَوْجِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ (٢) قَالَ فَأْتِ بِهِإِنِ كُنْتَمِنَ
الصَّدِقِينَ جَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (٣) ونزع يده.
فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ { قَالَ لِلْمَلَاٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحِرُ
عَلِيمٌ جَايُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِخْرِهِ، فَمَاذَا
تَأْمُرُونَ ﴿ قَالُواْأَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَبْعَثْ فِى الْمَدَآبِنِ خَشِينَ
﴿ يَأْتُوَكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ ﴿ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ
لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (١٦) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمٌ مُجْتَمِعُونَ (٦)
سِنِينَ﴾ ١٨ ثلاثين سنة، يلبَس من ملابس فرعون، ويركب من مراكبه، وكان يُسمّى
ابنه، ﴿وَفَعَلتَ فَعَلَتَكَ الَّتِي فَعَلتَ﴾ - هي قتلُهُ القِبطيَّ - ﴿وأنتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ ١٩ :
الجاحدين لنِعمتي عليك بالتربيةِ وعدم الاستعباد؟ ﴿قالَ﴾ مُوسَى: ﴿فَعَلتُها إذًا﴾ أي:
حينئذ، ﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ٢٠ عمّا آتاني اللهُ بعدها، من العلم والرسالة، ﴿فَرَرتُ
مِنكُمْ لَمّا خِفتُكُم، فوَهَبَ لِي رَبِّي حُكمًا﴾: عِلمًا، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المُرسَلِينَ ٢١. وتِلكَ
نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ - أصله: تمنُّ بها عليَّ - ﴿أَن عَبَّدْتَ بَني إسرائيلَ﴾ ٢٢: بيانٌ
لـ(تلك)) أي اتّخذتَهم عبيدًا، ولم تستعبدني؟ لا نعمةً لك بذلك لظُلمك باستعبادهم.
وقدّر بعضهم أوّلَ الكلام همزة استفهام للإنكار.
١- ﴿قَالَ فِرِعَونُ﴾ لمُوسَى: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ٢٣ الذي قلتَ: إنك رسوله، أي:
أيّ شيء هو؟ ولمّا لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته - تعالى - وإنما يعرفونه
بصِفاته، أجابه مُوسى - عليه الصلاة والسلام - ببعضها، ﴿قالَ: رَبُّ السَّماواتِ
والأرضِ وما بَينَهُما﴾ أي: خالقُ ذلك، ﴿إِن كُنتُم مُوقِنِينَ﴾ ٢٤ بأنه - تعالى - خالقُه
فآمنوا به وحده. ﴿قالَ﴾ فِرعون ﴿لِمَن حَولَهُ﴾، من أشراف قومه: ﴿ألا
تَستَمِعُونَ﴾ ٢٥ جوابه الذي لم يُطابقِ السؤالَ؟
٢ - ﴿قَالَ﴾ مُوسى: ﴿رَبُّكُم ورَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ٢٦. وهذا، وإن كان داخلًا فيما
قبله، يغيظ فرعون. ولذلك ﴿قالَ: إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرسِلَ إلَيكُم لَمَجِنُونٌ ٢٧. قالَ﴾
مُوسى: ﴿رَبُّ المَشرِقِ والمَغرِبِ وما بَينَهُما، إن كُنتُم تَعْقِلُونَ﴾ ٢٨ أنه كذلك فآمنوا به
وحده. ﴿قالَ﴾ فِرعون لمُوسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلّهَا غَيرِي لَأَجعَلَنَّكَ مِنَ المَسجُونِينَ﴾ ٢٩. كان سجنه شديدًا، يَحبس الشخص في مكان تحت
الأرض وحده، لا يُصِر ولا يَسمع فيه أحدًا. ﴿قالَ﴾ له مُوسى ﴿: أوَلَو﴾ أي: أتفعل ذلك ولو ﴿جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ﴾ ٣٠ أي: برهان بيِّن على
رسالتي؟ ﴿قَالَ﴾ فِرعون له: ﴿فائْتِ بِهِ، إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِینَ﴾ ٣١ فیه.
٣- ﴿فَألْقَى عَصاهُ، فإذا هِيَ ثُعبانٌ مُبِينٌ﴾ ٣٢: حيّة عظيمة، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾: أخرجها من جيبه، ﴿فإذا هِيَ بَيضاءُ﴾ ذات شُعاع ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ ٣٣،
خِلافَ ما كانت عليه من الأدمة. ﴿قَالَ﴾ فِرعون ﴿لِلمَلَأَ حَولَهُ: إنَّ هُذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٣٤ فائق في عِلم السِّحر، ﴿يُرِيدُ أن يُخرِجَكُم مِن أرضِكُم
بِسِحِرِهِ. فماذا تأمُرُونَ ٣٥؟ قالُوا: أرجِئُهُ وأخاهُ﴾: أخّرْ أمرهما، ﴿وابعَثْ في المَدائنِ حَاشِرِينَ﴾ ٣٦: جامعين، ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَارٍ عَلِيمٍ﴾ ٣٧،
يفضُل مُوسى في عِلم السِّحر.
٤- ﴿فَجُمِعَ السَّحَرةُ لِمِيقَاتِ يَومٍ مَعُلُومٍ﴾ ٣٨ - وهو وقت الضُّحى من يوم الزينة - ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ: هَل أنتُم مُجتَمِعُونَ ٣٩، لَعَلَّنَا نَبعُ السَّحَرةَ، إن
كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ٤٠؟ الاستفهام للحثّ على الاجتماع، والترجّي على تقدير غلبتهم، ليستمّروا على دِينهم فلا يتبعوا مُوسى.
(١) السماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والموقن: من يؤمن ويعتقد. وتستمعون: تصغون إلى كلامه، وتتنبّهون إلى إخلاله بالجواب. ولم يطابق أي:
أن السؤال كان بـ ((ما))، وجوابه جاء بذكر الصفة.
(٢) الآباء: جمع أب. ويطلق على الجد أيضًا. والأول: القديم. ورسولكم: من يزعم أنه مرسل إليكم. ومجنون: لايعقل السؤال، فيجيب عن غيره.
والمشرق: مكان الشروق. والمغرب: مكان الغروب. وتعقل: تدرك. واتخذ: جعل. والإله: المعبود المطاع. وأجعل: أصيّر. وجئتك به: أريتك إياه. وائت
به: أحضره. والصادق: من يقول الحق.
(٣) ألقاها: رماها. والمبين: الظاهر حقيقة. وأخرجها أي: بعد أن وضعها تحت إبطه. والجيب: فتحة في الثوب يدخل منها الرأس. والناظر: من يبصر.
والأدمة: السُّمرة التي كان عليها لون موسى. والملأ: السادة والأشراف. والساحر: من يخيل للحواس والعقول بالتمويه ما هو غير حقيقي. ويريد: يقصد.
ويخرجكم: يبعدكم ليكون له السيادة. وتأمرون: تطلبون في شأنه. وفيما عدا الأصل وخ وع وط: ((ارجِهْ)). وابعث: أرسل. والمدائن: جمع مدينة. وجامعين
أي: للسحرة. ويأتوك بهم: يُحضروهم لطاعتك. والسحار: العظيم السحر. ويفضل موسى أي: يتفوق عليه ويبطل سحره.
(٤) جُمعوا: جعلوا في مكان واحد. والسحرة: جمع ساحر. والميقات: الوقت المحدد. والمعلوم: المعيّن بين موسى وفرعون. ويوم الزينة: عيد لهم.
ونتبعهم: نستمر على موافقتهم في تأليه فرعون. وكانوا: صاروا. والغالبين: القاهرين لموسى والمستعلين بما يصنعونه من سحر. والحث: التحريض بإزعاج
وأمر، أي: اجتمعوا. والترجي يعني: بـ ((لعلّ)).

الجزء التاسع عشر
٣٦٩
٢٦ - سورة الشعراء
١- ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرعَونَ: أإنَّ﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وتسهيلِ الثانية،
وإدخالٍ ألف بينهما على الوجهين - ﴿لَنا لَأَجْرًا، إن كُنّا نَحنُ الغالِينَ ٤١؟ قالَ: نَعَم،
وإِنَّكُمْ إِذَا﴾ أي: حينئذ ﴿لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ٤٢.
٢ - ﴿قَالَ لَهُم مُوسَى﴾، بعد ما قالوا له ((إمّا أن تُلقِيَ، وإمّا أن نَكُونَ نَحنُ المُلِقِينَ)»:
﴿ألقُوا ما أنْتُم مُلِقُونَ﴾ ٤٣. فالأمر منه للإذن بتقديم إلقائهم، توسّلًا به إلى إظهار
الحق. ﴿فألقَوا حِبِالَهُم وعِصِيَّهُم، وقالُوا: بِعِزَةٍ فِرِعَونَ إِنّا لَنَحنُ الغالِبُونَ ٤٤. فألقَى
مُوسَى عَصاهُ، فإذا هِيَ تَلَقَّفُ﴾، بحذف إحدى التاءين من الأصل: تبتلعُ ﴿ما
يأفِكُونَ﴾ ٤٥: يقلبونه بتمويههم فيُخيّلون أنّ حبالهم وعصّيهم حيّاتٌ تسعى، ﴿فَأُلقِيَ
السَّحَرةُ ساجِدِينَ ٤٦، قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ٤٧، رَبِّ مُوسَى وهارُونَ﴾ ٤٨.
لعلمهم بأنّ ما شاهدوه من العصا لا يتأتَّى بالسِّحر.
الخِرَب
٣- ﴿قَالَ﴾ فِرعون. ﴿أَمَنْتُم﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وإبدالِ الثانية ألفًا -
﴿لَهُ﴾: لِمُوسى ﴿قَبلَ أن آذَنَ﴾ أنا ﴿لَكُمْ؟ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحِرَ﴾.
فعلّمكم شيئًا منه وغلبكم بآخَر. ﴿فَلَسَوفَ تَعلَمُونَ﴾ ما ينالكم منّي، ﴿لَأُقَطْعَنَّ أيدِيَكُم
وأرجُلَكُم مِن خِلافٍ﴾ أي: يدَ كُلّ واحد اليُمنى ورِجَلَه اليُسرى، ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُم
أجمَعِينَ ٤٩. قالُوا: لا ضَيرَ﴾: لا ضرر علينا في ذلك. ﴿إِنّا إِلَى رَبِّا﴾ بعد موتنا،
بأيّ وجه كان، ﴿مُنقَلِبُونَ﴾ ٥٠: راجعون في الآخرة. ﴿إِنّا نَطمَعُ﴾: نرجو ﴿أَن يَغْفِرَ
لَنَا رَبُّنا خَطايانا، أنْ﴾ أي: بأن ﴿كُنّا أوَّلَ المُؤمِنِينَ﴾ ٥١ في زماننا .
◌ُوْرَة الشَّجَاءْ
الجزء السابع عشر
لَعَلَّنَا ◌َتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْهُمُ الْغَلِينَ ﴿ فَلَمَّاجَآءَ السَّحَرَةُ
قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَا نَحْنُ الْغَلِينَ ﴾ قَالَ نَعَمْ
وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ ﴿ قَالَ لَهُم ◌ُوسَىَ أَلْقُوْمَآ أَنْتُمُلّقُونَ
﴿ فَأَلْقَوْحِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْبِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ
الْغَلِبُونَ ﴿ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
(٥) فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴿ قَالُوَاْءَامَنَّابِرَبِ الْعَلَمِينَ (٩)
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ ﴿قَالَءَامَنتُمْلَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ.
لَكَبِيُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُ قَطِّعَنَّ ◌َدِيَّكُ
أَوَأَرْجُلَكُ مِنْ خِلَفٍ وَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ قَالُواْلَا ضَيْرِّنَّا
إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥ْ إِنَا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّ
﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيّإِنَّكُ
أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ®]
مُتَبَعُونَ ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَابِنِ خَشِرِينَ (@) إِنَّ هَؤُلَاءِ
لَشِرْ ذِمَةٌقَلِيلُونَ ﴿ وَإِنَهُمْلَنَا لَغَيِظُونَ ( ٢٥) وَإِنَّا لَجَمِيعُ حَذِرُونَ
! فَأَخْرَحْنَهُمْ مِنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيرٍ (﴾
كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِي إِسْرَِّيلَ ﴿ فَأَتْبَعُوهُم ◌ُشْرِقِينَ
٤- ﴿وأوحَينا إِلَى مُوسَى﴾، بعد سنين أقامها بينهم، يدعوهم بآيات الله إلى الحقّ، فلم يزيدوا إلّا عُتَوًّا: ﴿أَنْ أسرٍ بِعِبادِيَ﴾ بني إسرائيل - وفي
قراءة بكسر النون ووصل همزة ((اسرِ» من سَرَى: لغة في أسرَى - أي: سِرْ بهم ليلاً إلى البحر. ﴿إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ﴾ ٥٢ : يتبعكم فرعون وجنوده،
فَلِجُون وراءكم البحر، فأُنجيكم وأُغرِقُهم. ﴿فأرسَلَ فِرِعَونُ﴾، حينٍ أُخبر بسيرهم، ﴿فِي المَدائنِ﴾ - قيل: كان له ألفُ مدينةٍ واثنا عشَرَ ألفَ
قريةٍ - ﴿حاشِرِينَ﴾ ٥٣: جامعين الجيش، قائلًا: ﴿إِنَّ هُؤُلاءِ لَشِرِذِمةٌ﴾: طائفة ﴿قَلِيلُونَ﴾ ٥٤ - قيل: كانوا ستَّمِائَةِ ألفٍ وسبعين ألفًا، ومُقدّمةُ
جيشه سبعُمِائَةِ ألفٍ، فقلّلهم بالنظر إلى كثرة جيشه - ﴿وإنَّهُم لَنا لَغَائِظُونَ﴾ ٥٥: فاعلون ما يغيظنا، ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾ ٥٦: مُتَيقظون. وفي
قراءة: ((حاذِرُونَ)): مُستعدّون.
٥- قال تعالى: ﴿فأخرَجْناهُم﴾ أي: فِرِعونَ وجنوده من مصرَ، ليلحقوا مُوسى وقومَه، ﴿مِن جَنّاتٍ﴾: بساتينَ كانت على جانبَي النيل،
﴿وَعُيُونٍ﴾ ٥٧ : أنهار جارية في الدُّور من النيل، ﴿وكُنُوزٍ﴾: أموال ظاهرة من الذهب والفِضّة - وسُمّيت كنوزًا لأنه لم يُعطَ حقُّ الله تعالى منها -
﴿ومَقامِ كَرِيم﴾ ٥٨: مجلس حسن للأمراء والوزراء، يحفّه أتباعهم - ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: إخراجُنا كما وصفنا. ﴿وأورَثناها بَنِي إسرائيلَ﴾ ٥٩ بعد
إغراق فرعون وقومه - ﴿فأتبَعُوهُم﴾: لحِقوهم ﴿مُشرِقِينَ﴾ ٦٠: وقتَ شُروق الشمس.
(١) بتحقيق ... الوجهين: يريد قراءات أربعًا: التي أثبتناها، و((أإِنَّ)، و((آإنَّ))، و((آإِنَّ). والأجر: المكافأة. والغالبين: المتغلبين. والمقرب: المفضل في
حسن المعاملة.
(٢) ما قالوا هو في الآية ١١٥ من سورة الأعراف. وألقوا: ارموا. والحبال: جمع حبل. والعصي: جمع عصا. والعزة: العظمة. وتسعى: تجري وتتواثب.
وأُلقي: طُرح على وجهه. وآمنًا به: عرفت قلوبنا توحيده. والعالم: الجنس الخلق. ويتأتى: يكون.
(٣) آمنتم: صدّقتم. وبإبدال الثانية يريد القراءة ((آمَنتُم)). مع مدّ مطوّل. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١٢٣ من سورة الأعراف. وآذن: أسمح. وعلمكم:
منحكم الخبرة. وتعلمون: تدركون يقينًا. وأقطع: آمر بالتقطيع. والأيدي: جمع يد. والأرجل: جمع رجل. وأصلبكم: أشد أصلابكم على الشجر بالمسامير
والحبال. وإلى ربنا: إلى لقائه وثوابه. ويغفره: يستره ويعفو عنه. والخطايا: جمع خطيئة. وهي الذنب المتعمَّد. والمؤمن: الذي يصدّق الله ورسوله.
(٤) أوحينا: بلّغنا على لسان جبريل. والعباد: جمع عبد. وبوصل الهمزة يريد القراءة ((أنِ اسْرٍ)). وفيما عدا الأصل والنسختين: ((أسر)). وأرسل: بعث.
والأعداد المذكورة هنا من خرافات الإسرائيليات. ويغيظ: يغضب. وجميع: جماعة مؤتلفة. ومستعدون أي: للحاق بهم وإهلاكهم.
(٥) جنوده: المسلحون للقتال. والعيون: جمع عين. والكنوز: جمع كنز. وزعم بعض القصاصين أن تلك الكنوز مدفونة في جبل المقطم. فالمصريون
المتأخرون مفتونون بالبحث عنها، بالحفر والجهد والمال ومتابعة الطلاسم والشعبذة. البحر ١٨:٧-١٩. وأورثناها بني إسرائيل أي: جعلنا ماذكر من النعم
ملكًا لهم. والمُشرِق: من صار في وقت الشروق.

٢٦ - سورة الشعراء
٣٧٠
الجزء التاسع عشر
سُورَةِ الشَّجَاءْ
الجُزءُ السَّاعِ المَشْرِ
فَلَمَّا تَرَّءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىَ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (بَ قَالَ
كَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِى سَيَهْدِينِ ﴿ فَأَوْحَيْنَآإِلَى مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ
بَعَصَاكَ الْبَحْرِّفَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلَّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٣
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّالْآَخَرِينَ ﴿ وَأَنْجَيِّنَا مُوسَى وَمَنْ مَّعَهُ: أَجْمَعِينَ (٥)
ثُمَّ أَغْرَقْنَا ◌ُلْآَخَرِينَ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم
مُؤْمِنِينَ ﴿ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ
تَبَأَإِبْرَاهِيمَ ﴿٢َ إِذْقَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ ﴾ قَالُواْ
نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَكِفِينَ ﴿٦ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْإِذْ
تَدْعُونَ ﴿ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْيَضُرُّونَ ﴿ قَالُواْبَلْ وَجَدْنَآءَابَاْءَنَا
كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿٨ قَالَ أَفَرَءَ يْتُمُمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٢٨٥] أَنْتُمْ
وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ٦َّفَإِنَّهُمْ عَدُوٌّلِ إِلََّ رَبَّ الْعَلَمِينَ
﴿الَّذِى خَلَقَتِى فَهُوَ يَّدِينِ (١٨) وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ
(٦) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِيْنِ ﴿ وَالَّذِى يُمِتُنِ ثُمَّ
يُحْيِينِ ﴿ وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَلِ خَطِيئَتِ يَوْمَ الِدِينِ
﴿ رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَاَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ
١- ﴿فَلَمّا تَراءَى الجَمعانِ﴾: رأى كُلّ منهما الآخَر ﴿قَالَ أصحابُ مُوسَى: إنّا
لَمُدرَكُونَ﴾ ٦١: يُدرِكنا جمع فِرعون، ولا طاقة لنا به. ﴿قالَ﴾ مُوسى: ﴿كَلّا﴾ أي:
لن يُدركونا. ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي﴾ بنصره، ﴿سَيَهدِينِ﴾ ٦٢ طريقَ النجاة.
٢- قال تعالى: ﴿فَأوحَينا إِلَى مُوسَى: أنِ اضرِبْ بِعَصاكَ البَحرَ﴾. فضربه ﴿فانفَلَقَ﴾:
انشقّ اثني عشرَ فِرقًا، ﴿فكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّودِ العَظِيمِ﴾ ٦٣: الجبل الضخم، بينها
مسالك سلكوها، لم يبتلّ منها سرجُ الراكب ولا لِيْدُه، ﴿وأزلَفْنا﴾: قرَّبنا ﴿ثَمَّ﴾:
هناك ﴿الآخَرِينَ﴾ ٦٤ فرعونَ وقومه، حتّى سلكوا مسالكهم، ﴿وأنجَينا مُوسَى ومَن
مَعَهُ أجمَعِينَ﴾ ٦٥، بإخراجهم من البحر على الهيئة المذكورة، ﴿ثُمَّ أغرَقْنا
الآخَرِينَ﴾ ٦٦ فرعونَ وقومه، بإطباق البحر عليهم، لمّا تمّ دُخولُهم البحرَ وخُروجُ بني
إسرائيل منه .
٣- ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾ أي: إغراقٍ فِرِعونَ وقومه ﴿لَآيَةً﴾: عِبرةً لِمَن بعدَهم، ﴿وما كانَ
أكثَرُهُم مُؤمِنِينَ﴾ ٦٧ بالله تعالى - لم يُؤمن منهم غيرُ آسيةَ امرأةٍ فِرعون، وحِزقيلَ
مؤمنِ آلِ فِرعون، ومريمَ بنتِ ناموسَى التي دلّت على عِظام يوسف. عليه السلام -
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ﴾، فانتقم من الكافرين بإغراقهم، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ٦٨ بالمؤمنين،
فأنجاهم من الغرق.
٤ - ﴿واتلُ عَلَيهِم﴾ أي: كُفّارِ مكّة ﴿نَبَأَ﴾: خبرَ ﴿إِبراهِيمَ﴾ ٦٩، ويبدل منه: ﴿إِذ قالَ
لِأَبِيهِ وقَومِهِ: ما تَعْبُدُونَ ٧٠؟ قالُوا: نَعبُدُ أصنامًا﴾، صرّحوا بالفعل ليعطفوا عليه:
﴿فَتَظَلُّ لَها عاِفِينَ﴾ ٧١ أي: نقيم نهارًا على عِبادتها. زادوه في الجواب افتخارًا به.
﴿قَالَ: هَل يَسمَعُونَكُم إذ﴾: حينَ ﴿تَدْعُونَ ٧٢، أو يَنفَعُونَكُم﴾ إن عبدتموهم، ﴿أو يَضُرُّونَ﴾ ٧٣ -كم إن لم تعبدوهم؟ ﴿قَالُوا: بَل وَجَدْنا آباءَنا
كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٧٤ أي: مِثلَ فِعلنا .
٥- ﴿قالَ: أفرأيتُم ما كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ٧٥ أنتُم وَآبَاؤُكُم الأقدَمُونَ ٧٦؟ فإنَّهُم عَدُوٌّ لِيَ﴾ لا أعبدهم، ﴿إلّا﴾: لكنْ ﴿رَبَّ العالَمِينَ﴾ ٧٧ فإني أعبده،
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهْوَ يَهِدِينٍ﴾ ٧٨ إلى الدِّين، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطعِمُنِي ويَسِقِينِ ٧٩، وإذا مَرِضتُ فهُوَ يَشِفِينِ ٨٠، والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحِينِ ٨١، والَّذِي
أطمَعُ﴾: أرجو ﴿أن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَومَ الدِّينِ﴾ ٨٢: الجزاءِ.
٦- ﴿رَبِّ، هَبْ لِي حُكمًا﴾: عِلمًا ﴿وألحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ٨٣ أي: النبيّين، ﴿واجعَلْ لِي لِسانَ صِدقٍ﴾: ثناءً حسنًا ﴿في الآخِرِينَ﴾ ٨٤ الذين
يأتون بعدي إلى يوم القيامة، ﴿واجعَلْنِ مِن وَرَثةِ جَنّةِ الَّعِيمِ﴾ ٨٥ أي: ممّن يُعطاها، ﴿واغفِرْ لِأَبِيَ - إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ ٨٦، بأن تتوب عليه
فتغفر له. وهذا قبل أن يتبيّن له أنه عدوّ لله، كما ذُكر فيَ سورة ((براءة)) - ﴿ولا تُخزِنِي﴾: تَفضحْني ﴿يَومَ يُبعَثُونَ﴾ ٨٧ أي: الناسُ.
(١) في المنحة: (تراء)). والجمع: الفئة المجتمعة. والأصحاب: جمع صاحب. وهم المرافقون. ويدركنا: يصل إلينا وينال ما يريد. ويهدين: يرشدني إلى
الخلاص منهم. (٢) انظر الآية ٥٢. واضرب: اصدم. والبحر: ماء البحرالأحمر. واثني عشر أي: بِعَدَد أسباط بني أسرائيل. والفرق: الطريق، كما قال ابن
عباس. تفسير ابن كثير ٣٢٥:٣. وقول المحلي ((بينها مسالك)) يفيد أن الفِرق هو القطعة العالية المنفصلة من الماء. وفيه نظر، لأن اثنتي عشرة قطعة يكون
بينها أحد عشر طريقًا لا اثنا عشر. فالفِرق هو المسلك نفسه، مرتفع كالطود العظيم، انشق عنه الماء وانحسر بانخفاض ييسِّر ارتفاع المسالك المذكورة.
واللبد: ما يوضع تحت السرج. وأنجيناهم: أنقذناهم. والهيئة المذكورة: الصفة التي ذُكرتْ لانفلاق البحر. وأغرقناهم: أهلكناهم خنقًا بالماء. (٣) العبرة:
العظة تنبّه من يفكر. ومن بعدهم أي: مِن الأمم. وأكثرهم: الغالبية العظمى من قوم فرعون. وهم الأقباط العرب. ومؤمن آل فرعون ذكر في الآية ٢٨ من
سورة غافر. ومريم هذه غير مريم بنت عمران. وأغفل المحلي السَّحَرة الذين آمنوا، ومنهم أقباط وفيهم السامري اللعين. والعزيز: الغلاب يذلّ لعزته من
عداه. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان. ومن الغرق أي: وجعل لهم مُلكًا وسيادة، بعد ذلة وهوان، ولكنهم لم يتعظوا فضلوا وأضلوا الناس. (٤) اتل:
اقصص. ويبدل منه: يعني أن ((إذ)): بدل من: نبأ. وقوم المرء: الجماعة يعيش بينها. وتعبدها: تقدسها وتستعين بها. والأصنام: جمع صنم. ونظل: نبقى.
ويسمعونكم: يدركون المسموعات. وتدعون: تنادونهم وتستعينون بهم. وينفع: يوصل الخير. ويضر: يوصل الشر. ووجد: أبصر. والآباء: جمع أب. ويطلق
على الوالد والجدود. ويفعلون: يعملون. (٥) أفرأيتم ما تعبدون أي: فهل أبصرتم وتفكرتم، فعرفتم أن ماتقدسونه باطل، وأنكم على ضلال؟ والعدو:
المعادي. والعالَم: الجنس من الخلق. وخلقني: أنشأني من العدم. ويهدي: يرشد ويوفق. ويطعم ويسقي ويشفي ويميت ويحيي أي: يقدّر لي ذلك وييسره.
وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية للتخفيف في المواضع الأربعة. والإحياء: البعث يوم القيامة. ومرضت: أصابني مرض. ويغفرها: يسترها ويعفو عنها.
والخطيئة: المعصية والذنب. واليوم: الوقت. (٦) رب أي: يا ربي. وهب لي: أعطني. وألحقني بهم أي: في العمل الصالح. واجعل: صيّر. والورثة:
جمع وارث. وهو الذي يملك الشيء. والجنة: الحديقة العظيمة. والنعيم: الحالة الحسنة. واغفر له: استر ذنبه ولا تؤاخذه. والضال: الخارج عن الهداية.
وبراءة: يعني الآية ١١٤ من سورة التوبة. واليوم: الوقت. ويبعث: يخرج للحساب.

الجزء التاسع عشر
٣٧١
٢٦ - سورة الشعراء
١- قال تعالى فيه: ﴿يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ ٨٨ أحدًا، ﴿إِلّ﴾، لكنْ ﴿مَن أتَى اللهَ
بِقَلبٍ سَلِيمٍ﴾ ٨٩ من الشِّرك والنِّفاق - وهو قلب المؤمن - فإنه ينفعه ذلك، ﴿وأُزِفَتِ
الجَنّةُ﴾: قُرِّتْ ﴿لِلمُتَّقِينَ﴾ ٩٠ فيرونها، ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ﴾: أُظهِرتْ
﴿لِلغاوِينَ﴾ ٩١: الكافرين، ﴿وَقِيلَ لَهُم: أينَ ما كُنتُم تَعْبُدُونَ ٩٢، مِن دُونِ اللهِ﴾
أي: غيرَه من الأصنام؟ ﴿هَل يَنصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم، ﴿أو يَنْتَصِرُونَ﴾ ٩٣
بدفعه عن أنفسهم؟ لا. ﴿فَكُبِكِبُوا﴾: أُلقُوا ﴿فِيها هُم والغاوُونَ ٩٤، وجُنُودُ إِيلِيسَ﴾:
أتباعُه ومن أطاعه من الجِنّ والإِنس ﴿أجمَعُونَ﴾ ٩٥.
٢- ﴿قالُوا﴾ أي: الغاوون، ﴿وَهُم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ٩٦ مع معبوديهم: ﴿تاللهِ، إنْ﴾:
مُخفّفةٌ من الثقيلة واسمها محذوف، أي: إنّه ﴿كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٩٧ : بيّن،
﴿إِذ﴾: حيثُ ﴿نُسَوِّيكُم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ٩٨ في العبادة، ﴿وما أضَلَّنا﴾ عن الهُدى
﴿إِّ المُجْرِمُونَ﴾ ٩٩ أي: الشياطينُ، أو أوّلونا الذين اقتدينا بهم! ﴿فما لَنا مِن
شافِعِينَ﴾ ١٠٠ كما للمؤمنين، من الملائكة والنبيّين والمؤمنين، ﴿ولا صَدِيقٍ
حَمِيمٍ﴾ ١٠١ أي: يُهمّه أمرنا. ﴿فَلَو أنَّ لَنَا كَرّةً﴾: رجعةً إلى الدنيا، ﴿فنَكُونَ مِنَ
المُؤمِنِينَ﴾ ١٠٢. (لو)) هنا: للتمني، ونكون: جوابه. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾ المذكورِ
من قِصّة إبراهيم وقومه ﴿لَآيَةً، وما كانَ أكثَرُهُم مُؤمِنِينَ ١٠٣، وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ
العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ١٠٤.
سُورَةِ الشَآءْ
الخبرةُ السَّاعِ عَشِيرٌ
وَاجْعَلِ لِى لِسَانَ صِدْقِ فِ الْآَخِرِينَ ﴿﴿ وَلَجْعَلِ مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ
النَّعِيمِ ﴿ وَأَغْفِرْ لِأَبِىَ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٦) وَلَا تُخْرِفِيَوْمَ
يُبْعَثُونَ ﴿هَيَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿ إِلَّ مَنْ أَنَى اللَّهَبِقَلْبٍ
سَلِيمٍ (٦) وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ (١) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ
﴿ وَقِيلَ لَمُ أَيْنَ مَا كُنْتُمْتَعْبُدُونَ (٦) مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ
أَوْيَنْنَصِرُونَ ﴿﴿ فَكُبْكِبُواْفِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٢٥) وَحُنُودُ إِيْلِيسَ
أَجْمَعُونَ ﴿﴿ قَالُواْوَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٢٦) تَلَّهِإِن كُنَّا لَفِى
ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴿ إِذْ نُوِّيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٨) وَمَآ أَضَلَنَآ
إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ جَ وَلَ صَدِيقٍ جَميع ◌ِالَّ
فَلَوْ أَنَّلَنَاكُرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٨٢) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةٌ وَمَا كَانَ
﴿أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِينَ (٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿ كَذَّبَتْ
قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ نُوُّ أَا نَّقُونَ
إِّ لَكُمْ رَسُولُّ أَمِيْنٌ (١٦) فَأَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٢٣) وَمَآ أَسْئَلُكُمْ
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَأَطِيعُونِ (٨) ﴾ قَالُواْ أَنُوْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
٣- ﴿كَذّبَتْ قَومُ نُوحِ المُرسَلِينَ﴾ ١٠٥ بتكذيبهم له، لاشتراكهم في المجيء
بالتوحيد، أو لأنه لطّول لَبثه فيهم كأنه رُسُلٌ - وتأنيثُ ((قوم)) باعتبار معناه وتذكيرُه
باعتبار لفظه - ﴿إذا قالَ لَهُم أخُوهُم﴾ نَسَبًا ﴿نُوحٌ: ألا تَتَّقُونَ﴾ ١٠٦ اللهَ. ﴿إِنِّي لَكُم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ١٠٧ على تبليغ ما أُرسلت به. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ
وأطِيعُونٍ﴾ ١٠٨ فيما آمركم به، من توحيد الله وطاعته - ﴿وما أسألُكُم عَلَيهِ﴾: على تبليغه ﴿مِن أجرٍ. إنْ﴾: ما ﴿أجرِيَ﴾ أي: ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى
رَبِّ العالَمِينَ ١٠٩ - فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونٍ﴾ ١١٠: كرّره تأكيدًا .
٤ - ﴿قالُوا: أنُؤمِنُ﴾: نُصدّق ﴿لَكَ﴾: لقولك، ﴿واتَّبَعَكَ﴾ - وفي قراءة: ((وأتباعُك)): جمع تابع مبتدأ - ﴿الأرذَلُونَ﴾ ١١١: السَّفَلة كالحاكة
(١) ينفع: يوصل خيرًا. والمال: ما يملك من النقد والزينة والمتاع. والبنون: جمع ابن. والمراد بهم هنا الذكور والإناث من الأولاد والحفدة. وأتاه: جاء
للقائه وحسابه. والقلب: موطن التدبر والاعتقاد والانفعال. والسليم: الصحيح الصافي المخلص. و((ذلك)) إشارة إلى سلامة القلب من الشرك والنفاق. وقربت
أي: أظهرت وهي قريبة. والمتقي: من يتجنب غضب الله وعقابه ويلزم الطاعة، بالامتثال للأمر والنهي. والجحيم: نار جهنم المتأججة. وقيل لهم أي:
خاطبتهم ملائكة العذاب. والاستفهام بـ ((أين)) للتوبيخ والتبكيت. وتعبده: تقدسه وتستعين به. والأصنام أي: وغيرها من المخلوقات. وينصر: يعين ويساعد.
وينتصر: يحمي نفسه. وفيها: في الجحيم. وهم أي: المعبودون من الخلق كانوا كالآلهة يقدسون. والغاوي: الضالّ المشرك. والجنود: جمع جُند. والجند:
واحده جندي. وإبليس: أبو الشياطين من الجن. وأجمعون أي: كلهم دون استثناء.
(٢) يختصمون: يتجادلون ويتنازعون. ومع معبوديهم أي: ومعبوديهم من الأصنام وغيرها وإيراد ((مع)) هنا لحن خلافًا للكسائي، لأن الفعل لا يحتاج إليها،
وإنما يحتاج إلى الواو بدلًا منها. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١٤٣ من سورة البقرة. والضلال: الخروج عن الحق. ونسويكم به: نجعلكم آلهة مثله فنقدسكم
ونطيعكم. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وأضلنا: أخرجنا ومنعنا. والمجرم: من يقترف الجرائم والمعاصي باختيار وعزم. والشافع:
الذي يطلب برُفعة مكانته دفع الأذى والضرر عن غيره. والصديق: الصادق المودة ينصر عند الشدائد. ونكون: نصير. والمؤمن: من يصدّق الله ورسوله
ويعرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وجوابه أي: جواب التمني. وانظر الآيتين ٦٧ و٦٨.
(٣) كذبته: أنكرت رسالته وجحدتها. والقوم: الجماعة من الناس رجالًا ونساء. ونوح: نبي بعد آدم وشيث وإدريس، كان قومه يعبدون الأصنام. والمرسَل:
من بعثه الله لتبليغ الدعوة مع العمل. وبتكذيبهم له: يعني أن تكذيب نوح وحده كتكذيب الرسل كلهم. وطول لبثه: طول إقامته للدعوة، إذ لبث فيها ألف سنة
إلّا خمسين. وتأنيث قوم: يعني اتصال فعله ((كذب)) بتاء التأنيث. وفي القوم معنى الجماعة، ولفظه مذكر. وأخوهم أي: هو من قبيلتهم. وتتقونه: تتجنبون
غضبه فتطيعونه. والأمين: المؤتمن لما عُرف به من الصدق والوفاء. وأطيعونِ: أطيعوني، أي: استجيبوا لما أطلبه منكم ونفذوه. وأسألكم: أطلب منكم.
والأجر: المكافأة. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. وتأكيدًا أي: لتأكيد المعنى، وللتنبيه على أمانته وزهده منفردين ومجتمعَين.
(٤) اتبعك: وافقك وأطاعك. والأرذلون: جمع أرذل. وهو الأقل جاهًا ونسبًا ومالًا وفكرًا، سريع الانقياد، لا يبالي ما يقول وما يقال له. والحاكة: مع
حائك. وهو ناسج القماش. والأساكفة: جمع إسكاف. وهو صانع الأحذية ومصلحها. يعنون: أن إيمان أتباعه لم يكن عن تدبر ونظر صحيح، لِما هم عليه
من السذاجة والضعف. وإنما كان طمعًا في الغنى والسيادة. فمحال أن يتساووا وإياهم. والعلم: المعرفة اليقينية. وكانوا أي: ومازالوا. ويعملون: يكتسبونه
من إيمان صادق وغيره. وحسابهم: محاسبتهم وجزاء ما في نفوسهم. وذلك أي: أن حسابهم على الله وحده، وأن السرائر خفية لا يعلمها غيره. خ:
((عيّبتموهم)). وفيما عداها وعدا الأصل وع: ((عبتموهم)). وما أنا بطارد المؤمنين أي: لا أبعدهم عني. انظر الآيات ٢٧ - ٣٠ من سورة هود. والنذير: المنذر
المهدد بعذاب الكافرين. أي: ولست محاسِبًا لأحد ولا مجازيًا له.

٢٦ - سورة الشعراء
٣٧٢
الجزء التاسع عشر
سُورَةِ الشَّجَاءْ
الجزء الثامن عشر
قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١) إِنْ حِسَابُهُمْإِلَّ عَلَى رَبِ
لَوْتَشْعُرُونَ ﴿ وَمَا أَنْبِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١٦) إِنْ أَنَا إِلََّ نَذِيرٌمُبِينٌ
(١٤) قَالُواْ لَيِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١٦) قَالَ
رَبِّ إِنَّقَوْمِى كَذَّبُونِ [١٦] فَأَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَجْنِى وَمَن
مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِينَ ﴿ فَجَنَهُ وَ مَن مَعَهُ فِ اَلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ اَلْبَاقِينَ (١٣) إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَاكَانَ
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٣٦) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَاُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (*) كَذَّبَتْ
عَادُ الْمُرْسَلِينَ (٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوَُّأَلَا نَتَّقُونَ (٦) إِّ لَكُمْ
رَسُولُّ أَمِينٌّ ٢٥ فَأَنَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٦) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع
ءَايَةٌ تَعْبَئُونَ (١٦) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
وَ إِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿ فَاتَّقُواْاللّهَ وَأَطِيعُونِ (٢٦)
وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٦) أَمَذَّكُمْ بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ ﴿
وَحَتَتٍ وَعُيُونٍ ﴿ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
قَالُواْسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَ عَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَعِظِينَ لـ
والأساكفة؟ ﴿قالَ: وما عِلمِي﴾: أيُّ عِلم لي ﴿بِما كانُوا يَعمَلُونَ ١١٢؟ إنْ﴾: ما
﴿حِسَابُهُم إلّا عَلَى رَبِّي﴾ فيُجازيهم - ﴿لَو تَشْعُرُونَ﴾ ١١٣ : تعلمون ذلك ما عيَّر تموهم
- ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤمِنِينَ ١١٤. إنْ﴾: ما ﴿أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ١١٥: بَيِّن
الإنذار.
١ - ﴿قَالُوا: لَئِنْ لَم تَنَهِ - يا نُوحُ﴾ عمّا تقول لنا - ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ١١٦
بالحِجارة أو بالشتم. ﴿قَالَ﴾ نوح: ﴿رَبِّ، إنَّ قَومِي كَذَّبُونِ ١١٧ . فافتَحْ بَيْنِي وَبَينَهُم
فَتْحًا﴾ أي: احكُم، ﴿وَنَجِّنِي ومَن مَعِي مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ ١١٨ .
٢- قال تعالى: ﴿فَأَنجَيناهُ ومَن مَعَهُ، في الفُلكِ المَشحُونِ﴾ ١١٩: المملوء من
الناس والحيوان والطير، ﴿ثُمَّ أغرَقْنا بَعدُ﴾: بعدَ إنجائهم ﴿الباقِينَ﴾ ١٢٠ من قومه.
﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَةً، وما كانَ أكثَرُهُم مُؤْمِنِينَ ١٢١، وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ
الرَّحِيمٌ﴾ ١٢٢ .
٣- ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ المُرسَلِينَ ١٢٣، إذ قالَ لَهُم أخُوهُم هُودٌ: ألا تَتَّقُونَ ١٢٤ . إنّي لَكُم
رَسُولٌ أمِينٌ ١٢٥. فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ١٢٦ . وما أسألُكُم عَلَيهِ مِن أجرٍ. إنْ﴾: ما
﴿أَجْرِيَ إلّا عَلَى رَبِّ العالَمِينَ ١٢٧. أتَبِئُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾: مكانٍ مُرتفع ﴿آيَةَ﴾: بناء
عَلَمًا للمارّة، ﴿تَعَبَثُونَ﴾ ١٢٨ بمن يمرّ بكم، وتسخرون منهم - والجملة: حال من
ضمير ((تبنون)) - ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾ للماء تحت الأرض، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ كأنّكم
﴿تَخْلُدُونَ﴾ ١٢٩ فيها لا تموتون، ﴿وإذا بَطَشتُم﴾ بضربِ أو قتلِ ﴿بَطَشْتُم
جَبّارِينَ﴾ ١٣٠ من غيرِ رأفة؟ ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ في ذلك، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ١٣١ فيما
أمرتكم به، ﴿واتَّقُوا الَّذِي أَمَذَّكُم﴾: أنعم عليكم ﴿بِما تَعلَّمُونَ ١٣٢، أمَدَّكُم بِأنعام وبَنِينَ ١٣٣، وجَنّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿وَعُيُونٍ﴾ ١٣٤ : أنهار.
﴿إِنِّيَ أخافُ عَلَيْكُم عَذابَ يَومٍ عَظِيمٍ﴾ ١٣٥، في الدنيا والآخرة، إن عصيتموني.
٤ - ﴿قالُوا: سَواءٌ عَلَينا﴾: مُسَتوِ عندَنا ﴿أَوَعَظتَ أم لَم تَكُن مِنَ الواعِظِينَ﴾ ١٣٦ أصلًا أي: لا نرعوي لوعظك. ﴿إِنْ﴾ ما ﴿لهذا﴾ الذي خوّفتنا
(١) قالوا أي: قوم نوح. وتنتهي: ترجع وتبتعد وتشاركنا في عبادة الأصنام. وتكون: تصير. والمرجوم: المقذوف حتى الموت أو المشتوم. و((لئن ... من
المرجومين)) تقدير التركيب فيه: نُقسمُ - لئن لم تنته تكنْ من المرجومين - لتكوننّ كذلك. ورب أي: ياربي. حذف حرف النداء مبالغة في التعظيم لِما يتضمنه
من معنى الأمر والتنبيه. وحذفت ياء المتكلم للتخفيف. وكذبون: كذبوني، أي: أصرّوا على تكذيبي وجحد ماجئت به من التوحيد. وإنما ذكر هذا ليبين أن
دعاءه عليهم لإصرارهم على الكفر، لا لتهديده بالرجم. وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية أيضًا للتخفيف. وافتح بيننا أي: افصل بيننا بِعَدلك، بما يستحقه
كل منا. يعني: أنزل العقوبة والهلاك بهم. ونجني: أنقذني بالخلاص من الهلاك الذي استحقه المشركون. فقد صبرنا كثيرًا على الكفر والعصيان، ولا أمل في
استجابتهم. والمؤمن: من عرف قلبه التوحيد ومايلزمه.
(٢) أنجينا: أنقذنا وخلصنا. ومن معه أي: من المؤمنين. انظر الآية ١١٨. والفلك: السفينة العظيمة التي صنعها نوح مع أصحابه. وأغرقناهم: أمتناهم خنقًا
بالماء. والباقين أي: من بقي من قومه على الكفر. وانظر الآيتين ٦٧ و٦٨ .
(٣) انظر الآيات ١٠٥-١٠٩. وعاد: من العرب العاربة، وهي الجيل الرابع بعد نوح، أقدم الأمم التي عرفت لها آثار حتى الآن، وكانت بلادها بين
حضرموت وعُمان. والمرسل: من بعث لتبليغ التوحيد والبعث مع العمل. وتكذيب الرسول الواحد يعني تكذيب الجميع، لأن دعوتهم واحدة. وهود: نبي من
العرب، ومن عاد أيضًا. وتتقون: تتجنبون غضب الله وتطلبون رضاه بالطاعة. وانظر الآيات ١٠٨- ١١٠. وتبنون: تشيدون وترفعون. وكل: لاستغراق أفراد
النكرة. والعَلَم: البناء العالي كالقصور والقلاع. وتعبث: تلعب وتتلهى بما فيه الشر والإيذاء. وحال يعني: في محل نصب. وضمير ((تبنون)) هو واو الجماعة.
وتتخذ: تبني وتعمل. والمصانع: جمع مصنع، اسم مكان لخزن الماء. وهي الصهاريج. ولعلكم أي: ليكون لكم الترجي. وتخلد: تعيش أبدًا. وإذا بطشتم:
إذا أردتم تعذيب الناس. والجبار: المتفرد بالعلو يستهين بالجميع. وما تعلمون أي: ما تعرفونه من أنواع النعم لديكم. والأنعام: جمع نَعَم. وهي الإبل والبقر
والغنم. والبنون: جمع ابن. وهم الأولاد من الذكور، خُصوا هنا بالذكر لأنهم سبب عزة المخاطَبين ومفاخرهم. والعيون: جمع عين. وأخاف: أتوقع
وأخشى. والعذاب: التعذيب عقوبة وتنكيلًا. واليوم: الوقت والزمن. والعظيم: الفظيع لامثيل له. وإنما وصف اليوم بهذا لما يكون فيه من العذاب
المستأصل. وعصيتموني: خالفتموني بالكفر والشرك وجحود النعم.
(٤) قالوا أي: قوم هود. وسواء: مستويان لا فرق بينهما. والواعظ: الناصح يبين عاقبة المخالفة. جعلوا دعوته وعظًا لارسالة، إذ لم يؤمنوا بصحة ما جاء
به. وفي ذلك استخفاف وتهكم. ولو عظك أي: لا نرتدع ولا نكف عما نحن فيه بسبب وعظك لنا. و((ما)) يعني أن ((إن)): حرف نفي. وخوفتنا به: ذكرتَه من
اليوم العظيم، وخِفتَه علينا. انظر الآية ١٣٥. وفي الأصل: ((خوفتنا منه)). وفي قرة العينين والمنحة: ((خُلْقُ)). والأولون: الماضون من الكَذَبة. وبالضم يريد
القراءة ((خُلُقُ)). يعني: العادة الظاهرة، من أنهم يعيشون ثم يموتون ولا يبعثون. وما بعدُ هو تفسير لهذه القراءة. و((من أن لا نبعث)) يعني: من اعتقاد أنه لا
نبعث. والمراد: لا نبعث بعد الموت ولا نعذب، كما زعمت. وفيه نفي المسبَّب للدلالة على نفي السبب للمبالغة. وكذبوه: أصرّوا على تكذيبه وإنكار ما
قاله. وبالعذاب أي: فيما توعّدهم من التعذيب. وأهلكنا: أفنينا واستأصلنا. والريح أي: التي أبادتهم واستأصلتهم جميعًا. وانظر الآيتين ٦٧ و٦٨.

الجزء التاسع عشر
٣٧٣
٢٦ - سورة الشعراء
به ﴿إِلّا خَلْقُ الأوَّلِينَ﴾ ١٣٧ أي: اختلاقهم وكذبهم - وفي قراءة بضمّ الخاء واللام،
أي: ما هذا الذي نحن عليه، من أنْ لا نُبعثُ، إلّا خُلق الأوّلين أي: طبيعتهم
وعادتهم - ﴿وما نَحنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨. فكَذَّبُوهُ﴾ بالعذاب، ﴿فأهلَكْناهُم﴾ في الدنيا
بالريح. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَةً، وما كانَ أكثَرُهُم مُؤْمِنِينَ ١٣٩، وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ
الرَّحِيمُ﴾ ١٤٠.
١- ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرسَلِینَ ١٤١، إذ قالَ لَهُم أخُوهُم صالِحٌ: ألا تَتَّقُونَ ١٤٢. إنِّي
لَكُمْ رَسُولٌ أمِينٌ ١٤٣. فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ١٤٤ . وما أسألُكُم عَلَيهِ مِن أجرٍ - إن﴾:
ما ﴿أجرِيَ إلّا عَلَى رَبِّ العالَمِينَ ١٤٥. أتُترَكُونَ فِيما هُهُنا﴾ من الخيرات
﴿آمِنِينَ ١٤٦، في جَنّاتٍ وعُيُونٍ ١٤٧، وزُرُوعِ ونَخْلٍ طَلِعُها ◌َضِيمٌ﴾ ١٤٨ : لطيف
لين، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ١٤٩ : بَطِرِين؟ وفي قراءة: ((فارِهِينَ)) :
حاذقين - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وأَطِيعُونٍ﴾ ١٥٠ فيما آمرُكم به، ﴿ولا تُطِيعُوا أمرَ
المُسرِفِينَ ١٥١، الَّذِينَ يُفسِدُونَ في الأرضِ﴾ بالمعاصي، ﴿ولا يُصلِحُونَ﴾ ١٥٢
بطاعة الله .
سُورَةِ الشَّجَاءْ
أَجْرَةُ السَّاعِ عَيْـ
إِنْ هَذَآ إِلَّا خُلُقُ اَ لْأَوَّلِينَ (٣٦) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
فَكَذَّبُوهُ
فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمُؤْمِنِينَ (١٦) وَإِنَّ
رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٦) إِذْقَالَ
إِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
لَهُمْ أَخُوهُمْ صَلِيُّ أَلَا نَتَّقُونَ
﴿ وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ
١٤٤)
فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٥) أَتُتْرَكُونَ فِى مَاهَهُنَآءَاِمِنِينَ لَ
فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٦)
وَزُرُوعِ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ لَ
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُوْتَّا فَرِهِينَ (٢٦) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِعُونِ
أَوَلَا تُطِيعُواْ أَمْرِ الْمُسْرِفِينَ (٦) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِ آلْأَرْضِ
وَلَا يُصْلِحُونَ (١٢) قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ (*) مَآ أَنْتَ
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (١٦) قَالَ
هَذِهِ، نَاقَةٌ لَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (٢٥) وَلَا تَمَسُّوهَا
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ
بِسُوَءٍ فَيَأْ خُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ لها
نَدِمِينَ ﴿ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ
٢- ﴿قَالُوا: إنَّما أنتَ مِنَ المُسَخَّرِينَ﴾ ١٥٣ الذين سُحِّروا كثيرًا، حتّى غُلب على
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
١٥٩
عقلهم. ﴿ما أنتَ﴾ أيضًا ﴿إِلّا بَشَرٌ مِثْلُنا. فائْتِ بِآيَةٍ، إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ١٥٤ في
رِسالتك. ﴿قَالَ: هَذِهِ ناقةٌ، لَها شِرِبٌ﴾: نصيب من الماء، ﴿وَلَكُمْ شِرِبُ يَومٍ
مَعُلُوم ١٥٥. ولا تَمَسُوها بِسُوءٍ، فيأخُذَكُم عَذابُ يَومٍ عَظِيمٍ﴾ ١٥٦ بعِظَم العذاب. ﴿فَعَقَرُوها﴾ أي: عقرها بعضهم برضاهم، ﴿فأصبَحُوا
نادِمِينَ﴾ ١٥٧ على عقرها، ﴿فأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ الموعود به فَهلكوا. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَةً، وما كانَ أكثَرُهُم مُؤمِنِينَ ١٥٨، وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ
الرَّحِيمُ﴾ ١٥٩.
(١) ثمود: من العرب العاربة أيضًا، اشتهرت باسم أبيها، وهي من العماليق الجبارين، أقدم الأمم التي عرف لها آثار حتى الآن، وكانت منازلها في الحجر
بوادي القرى بين الشام والحجاز. أخبار عبيد بن شرية ص ٣٧٠ -٣٩٦. وانظر الآيات ١٠٥- ١٠٩. والمرسل: من بعث لتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل.
وقال لهم أي: خاطبهم بالقول جهارًا، وكان تكذيبهم له فورًا من دون تفهم لما يدعو إليه، أو تأمل لما يقول. وذلك لخشية أن تتهدم مصالحم وما يطلبون من
الشهوات. وأخوهم أي: هو من قبيلتهم ويعيش بينهم. وصالح: نبي عربي. وتتركون: تُهملون دون موت وحساب وجزاء. وههنا: هذا المكان. والآمن:
المطمئن الهانئ. والجنة: البستان الكثير الشجر والنبات والمياه. والعيون: جمع عين. وهي النهر واليَنبوع. والزروع: جمع زرع. وهو ما يزرع من النبات
لحاجات البشر والحيوانات. والنخل: واحدته نخلة ثمرها الرُّطب والتمر. وخُص بالذكر بعد التعميم، لما هو عليه من الخير والفضل. والطلع: أول ما يظهر
من الثمر كنصل السيف، قبل أن يصير خُلالا ثم بَلحًا ثم بُسرًا ثم رُطَبًا ثم تمرًا. وتنحت: تحفر وتبري. والجبال: جمع جبل. وهو ما علا من الأرض
وصلب. والبيوت: جمع بيت. وهو مكان الإقامة والاستقرار. وكانت هذه البيوت للإقامة في الشتاء، وهنالك بيوت عادية للصيف. والحاذق: الماهر المتقن
لما يعمل. وفيما عدا الأصل وخ والمنحة: ((فيما أمرتكم به)). وانظر الآيات ١٠٨-١١٠. ولا تطيعوهم أي: لاتوافقوهم ولاتنقادوا لهم، يعني: خالفوهم
وامتثلوا أمر الله في الإيمان والطاعة والصلاح. والأمر: ما يوجب عليهم ويفرض بالإغراء أوالتهديد والقوة. والمسرفون: المفرطون في العناد والكفر
والطغيان، وهم كبار المشركين ورؤساؤهم. والمراد: لاتطيعوهم فيما يأمرون. ويفسد: يصنع الفساد والشر لنفسه وللآخرين باختيار وقصد. والأرض: المكان
الذي يعيشون فيه. ويصلح: يعمل ما يرضاه الله. وفي هذا توكيد لمعنى الإفساد، وإصرار على ذلك.
(٢) قالوا أي: أجابوه أيضًا خلال تكذيبهم له. والبشر: الإنسان العادي. ومثلنا: مماثل إيانا في البشرية تأكل وتشرب وتسعى لرزقك. فكيف تكون رسولًا؟
كأنهم يظنون أن يكون الرسول جنيًا أو من الملائكة. وائت بها: اصنعها وأحضرها. والآية: المعجزة الدالة على صحة دعواك، ترغم الناس على الخضوع
والامتثال. والصادق: من يقول الحق. والناقة: الأنثى من الإبل. ولها شرب أي: في يوم خاص بها لا تزاحمونها فيه. والشرب: ما يشرب. والمعلوم:
المحدد تعلمونه ولا تزاحمكم فيه أيضًا. ولا تمسوها بسوء: لا تسببوا لها ضررًا، كالضرب والعقر والإيذاء. ويأخذكم: ينزل بكم ويهلككم جميعًا. والعذاب:
التعذيب عقوبة وإهانة. والعظيم: الشديد لامثيل له. وبعظم العذاب أي: بسبب عظم العذاب الذي يقع فيه، لأنه فظيع مستأصِل، يكون وصف اليوم المذكور.
انظر آخر الآية ١٣٥. خ: ((معظم العذاب)). ع: ((لعظم العذاب)). وقد لزم القوم قسمة الماء هذه مدة من الزمن، ثم ضاقوا بها وبما يتطلبه الإيمان، من توحيد
وصلاح وأحكام، فنبذوا ذلك وحرض بعضهم بعضًا على العصيان والتحدي للنبي صالح. وعقرها: ضرب ساقها بالسيف لتقع إلى الأرض فتذبح. والذي فعل
ذلك هو قدار بن سالف، أحد الجزارين الأشقياء حينذاك. وساعده آخرون من أمثاله، برضا القبيلة الكافرة. وأصبح: صار. ونادمين: آسفين كارهين ما جرى
خوف العذاب، لا توبةً وطلبًا للمغفرة. وعلى عقرها: بسبب ذبحها. خ: ((بعقرها)). وأخذهم: عاقبهم وأهلكهم. والموعود به: الذي هددهم به النبي صالح.
وانظر الآيتين ٦٧ و ٦٨ .

٢٦ - سورة الشعراء
٣٧٤
الجزء التاسع عشر
سُِّوْرَة الشَّجَاءُ
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوطُ أَلَنَتَّقُونَ
(٢٠) فَنَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠) وَمَآ
(٦) إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ )
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (3) وَتَذَرُونَ مَاخَلَقَ لَكُمْرَبُّكُم
مِنْ أَزْوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (٦) قَالُوْلَيِن لَّْتَنْتَهِ يَلُوطُ
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَحِينَ
! قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُ مِنَ الْقَالِينَ
شـ
رَبِّ ◌َّحِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ [٣] فَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ, أَجْمَعِينَ (٧)
إِلَّا عَجُوزَا فِى الْغَبِينَ (١٦) ثُمَّدَفَّرْنَا الْآَخَرِينَ (٢٦) وَأَمَّطَرْنَا عَلَيْهِ
مَّطَرًّاً فَسَآءَ مَطَرُالْمُنْذَرِينَ ﴿٣) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ (٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿ كَذَّبَ أَصْحَبُ
لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٦) إِذْقَالَ لَهُمْ شُعَيْبُّ أَلَا نَتَّقُونَ (٤٦) إِنِّ لَكُمْ
رَسُولُ أَمِينٌ (١٦) فَاتَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٤٣] وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِ الْعَلَمِينَ (٣)﴾ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا
تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ أَوَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ لَّا
وَلَا تَبْخَسُوْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٢)
١- ﴿كَذَّبَتْ قَومُ لُوطِ المُرسَلِینَ ١٦٠، إذ قالَ لَهُم أخُوهُم لُوطٌ: ألا تَتَّقُونَ ١٦١. إنِّي
لَكُمْ رَسُولٌ أمِينٌ ١٦٢. فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ١٦٣ . وما أسألُكُم عَلَيهِ مِن أجرٍ. إن﴾: ما
﴿أجرِيَ إلّا عَلَى رَبِّ العالَمِينَ ١٦٤. أتأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ١٦٥ أي:
الناسِ، ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُم رَبِّكُم مِن أزواجِكُم﴾ أي: أقبالَهنّ؟ ﴿بَل أنتُم قَومٌ
عادُونَ﴾ ١٦٦ : مُتجاوزون الحلال إلى الحرام.
٢- ﴿قَالُوا: لَئِنْ لَم تَنَتَهِ - يا لُوطُ﴾ - عن إنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ
المُخرَجِينَ﴾ ١٦٧ من بلدتنا. ﴿قالَ﴾ لوط: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُم مِنَ القالِينَ﴾ ١٦٨ :
المُبغضِين. ﴿رَبِّ، نَجِّنِي وأهلِي مِمّا يَعمَلُونَ﴾ ١٦٩ أي: من عذابه.
٣- ﴿فَنَجَّيناهُ وأهلَهُ أجمَعِينَ ١٧٠، إلّا عَجُوزًا﴾ امرأتَه ﴿في الغابِرِينَ﴾ ١٧١ : الباقين
أهلكناها، ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ١٧٢: أهلكناهم، ﴿وأمطَرْنا علَيهِم مَطَرًا﴾:
حِجارة، من جُملة الإهلاك، ﴿فساءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ﴾ ١٧٣ مطرُهم! ﴿إِنَّ في
ذُلِكَ لَآيَةً، وما كانَ أكثَرُهُم مُؤمِنِينَ ١٧٤، وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ
ربع
الخزن
٣٨
الرَّحِيمُ﴾ ١٧٥ .
٤- ﴿كَذَّبَ أصحابُ الأَيْكةِ﴾ - وفي قراءة بحذفِ الهمزة وإلقاءِ حركتها على اللام
وفتحِ الهاء - هي غَيضة شجرة قربَ مَدْيَنَ ﴿المُرسَلِينَ ١٧٦، إذ قالَ لَهُم شُعَيبٌ﴾، لم
يقل ((أخوهم)) لأنه لم يكن منهم: ﴿أَلا تَتَّقُونَ ١٧٧. إنِّي لَكُم رَسُولٌ أَمِينٌ ١٧٨ . فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ١٧٩ . وما أسألُكُم عَلَيهِ مِن أجرٍ. إنْ﴾: ما
﴿أجرِيَ إلّا عَلَى رَبِّ العالَمِينَ ١٨٠. أَوْفُوا الكَيلَ﴾: أتِقُوه، ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخسِرِينَ﴾ ١٨١: الناقصين، ﴿وزِنُوا بِالقِسطاسِ
المُستَقِيمِ﴾ ١٨٢: الميزان السويّ، ﴿ولا تَبَخَسُوا النّاسَ أشياءَهُم﴾: لا تَنقُصوهُم من حقّهم شيئًا، ﴿ولا تَعثَوا في الأرضِ مُفسِدِينَ﴾ ١٨٣ بالقتل
وغيره - من ((عَثِيَ)) بكسر المُثلّثة: أفسدَ. ومفسدين: حال مُؤكِّدة لمعنى عاملها ((تعثوا)) - ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُم والجِبِلّةَ﴾: الخليقة
﴿الأوَّلِينَ﴾ ١٨٤ .
(١) القوم: الجماعة التي يقيم بينها لوط. وهو ابن أخي إبراهيم، جاء معه من العراق إلى فلسطين، ثم انتقل إلى مدينة سدوم قرب حمص للدعوة. وأخوهم
أي: مجاورهم في البلد وصهرهم وليس من نسبهم. وانظر الآيات ١٠٥-١٠٩. وتأتونهم: تزنُون بأدبارهم وتُفحشون. والذكران: جمع ذَكَر. والعالَم: مجموع
الجنس من الخلق، عُبِّرَ عنه بالجمع للمبالغة. وتذر: تهمل. وخلق: أوجد. والرب: السيد يرعى مصالح عبيده. والأزواج: جمع زوج، أي: الزوجة.
والأقبال: جمع قُبُل. وهو الفرج. والقوم: الجماعة من الناس.
(٢) المخرج: المطرود المبعد. والتقدير: نُقسِم - لئن لم تنته تكنْ من المخرجين - لتكونن منهم. والبلدة هي سدوم. ث: ((بلدنا)). وانظر الآيتين ٢٩
و١١٦. والعمل: ما يقوم به الإنسان من قول أو فعل. والمراد هو اللُّواطة، وما يلازم ذلك من الكفر والفساد، ويتصل به من الفواحش. والمبغضين أي:
والمنكرين المحاربين. ورب أي: ياربي. ونجني: أنقذني. وأهله: زوجته المؤمنه وابنتاه والمؤمنون. ويعملون: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل. ومن عذابه
يعني: مايستحقه عملهم من العقاب.
(٣) نجيناه: أنقذناه. وأجمعين أي: كلهم. والعجوز: التي بلغت سنًا عالية من العمر. وامرأته هذه كانت من المشركين، تبلغهم أخبار زوجها. والباقين أي:
في العذاب. والآخرون: المغايرون للذين نجَوا. وهم المشركون. وأمطر: أسقط وأنزل. وساء: بلغ الغاية في السوء والضرر. والمنذر: المهدَّد بالانتقام
لعصيانه. وانظر الآيتين ٦٧ و ٦٨ .
(٤) كذبه: أنكر قوله وجحده. والأصحاب: جمع صاحب. و((في قراءة ... الهاء)) فيه تلفيق بين قراءتين من عبارة البيضاوي، هما: ((الَيْكَةِ)) و((لَيْكَةَ)). فالأولى
حذفت منها الهمزة ونقلت حركتها إلى لام التعريف. و((هي غيضة شجر)) تفسير لهذه القراءة. والثانية - وهي التي يريدها المحلي - اسم عَلَم للبلدة التي فيها
القوم المذكورون. وعَبّر المحلي عن التاء بالهاء تجوزًا. والغيضة: المكان شجره كثير ملتف بعضه على بعض. ومَدْيَن: بلدة على ساحل البحر الأحمر محاذية
لتبوك. والمرسلون: كل الرسل. وشُعيب: نبي من العرب من ذرية مدينٍ بن إبرهيم. ومنهم: من قبيلتهم أو صهرهم، وهو من أهل مدين. وانظر الآيات
١٠٥- ١٠٩ و١٦١، والآيات ٨٥ من سورة الأعراف و٨٤ من سورة هود و٣٦ من سورة العنكبوت. والكيل: التقدير بالمكيال. وأتموه: اجعلوه تامًا إذا كلتم
لغيركم. والناقصين أي: للكيل وغيره من الحقوق. وزنوا: أدّوا حقوق غيركم. والأشياء: جمع شيء. وهو ما وجد أو ما يحتمل وجوده. والأرض أي:
البلاد. والمفسد: الذي يرتكب الشر بقصد وعزم. ومن عثي أي: مثل: رَضِيَ، وحال مؤكدة: يعني أن مفسدين: حال من الفاعل في ((تعثوا))، وتفيد توكيدًا
لمعنى هذا الفعل. وسقط ((تعثوا)) مما عدا الأصل والنسخ. واتقوه: تجنبوا غضبه والزموا الطاعة. وخلقكم: أنشأكم من نطفة. فإعدامكم أهون عليه.
والأولين: الماضين قبلكم من الأمم، صفة لـ ((الجبلة)) وصفت بما يوصف به العقلاء، لأنها بمعنى: الكثيرين من الناس.

الجزء التاسع عشر
٣٧٥
٢٦ - سورة الشعراء
١ - ﴿قالُوا: إنَّما أنتَ مِنَ المُسَخَّرِينَ ١٨٥، وما أنتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا، وإنْ﴾: مُخفّفة من
الثقيلة واسمها محذوف، أي: إنّه ﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِينَ ١٨٦. فأسقِطْ عَلَينا كِسْفًا﴾،
بسكون السين وفتحها: قطعةً ﴿مِنَ السَّماءِ، إن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ١٨٧ في
رِسالتك. ﴿قَالَ: رَبِّيَ أعلَمُ بِما تَعمَلُونَ﴾ ١٨٨، فيُجازيكم به. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُم
عَذابُ يَومِ الظُّلّةِ﴾. هي سحابة، أظلّتهم بعد حرّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا
فاحترقوا. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١٨٩ .
٢- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً، وما كانَ أكثَرُهُم مُؤْمِنِينَ ١٩٠، وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ
الرَّحِيمُ ١٩١، وإِنَّهُ﴾ أي: القُرآنَ ﴿لَتَنزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ ١٩٢، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ
الأمِينُ﴾ ١٩٣: جِبريل، ﴿عَلَى قَلِكَ، لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ ١٩٤،. بِلِسانِ عَرَبِيِّ
مُبِينٍ﴾ ١٩٥: بيّنِ - وفي قراءة بتشديدِ ((نَزَّلَ)) ونصبِ ((الرُّوحَ)) والفاعلُ الله - ﴿وَإِنَّهُ﴾
أي: ذِكرَ القُرآن المُنزّل على مُحمّد ﴿لَفِي زُبُرِ﴾: كُتبِ ﴿الأوَّلِينَ﴾ ١٩٦، كالتوراة
والإنجيل.
◌ُّوَرَة الشََّاءْ
الجزء التعامُ عَشَّر
◌َِّ قَالُوَأْ إِنَّمَآ أَنْتَ
وَأَتَّقُواْ ◌ٌلَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ أَلْأَوَّلِينَ
مِنَ الْمُسَخَرِينَ (٦َّا وَمَآ أَنَتَ إِلََّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ
اُلْكَذِبِينَ لاَثَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ
مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (بَثَ فَكَذَّبُوهُ
فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (ِيَ
إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
﴿اَلْعَزَبِزُ الرَّحِيمُ (١) وَإِنَّهُ لَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٦) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ
﴿اَلْأَمِينُ (٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٢٤) بِلِسَانٍ عَرَبِقٍ
◌ُبِينٍ (9) وَإِنَّهُ لَفِىِ زُبُرِآلْأَ وَّلِينَ (١٦) أَوَلَمْيَكُن لَّمْ ءَةً أَنْ يَعْلَمَهُ
عُلَمَوُ اْبَنِي إِسْرَّهَ يَ (١٦) وَلَوْنَزَّلْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (٦)
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْبِهِ، مُؤْمِنِينَ (٨٦) كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ
فِي قُلُوبٍ اُلْمُجْرِمِينَ ﴿﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَتَّى يَرَوَا اُلْعَذَابَ
الْأَلِيمَ ا فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠) فَيَقُولُواْ
هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢) أَفَرَءَيْتَ
إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ (٢٥ ثُرَجَاءَ هُم مَّا كَانُوا أَيُوعَدُونَ
٣- ﴿أُوَلَم يَكُن لَهُمْ﴾: لكُفّار مكّة ﴿آيَةً﴾ على ذلك ﴿أَن يَعلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي
إسرائيلَ﴾ ١٩٧، كعبد الله بن سلام وأصحابه ممَّن آمنوا؟ فإنهم يُخبِرون بذلك -
((ويكن)) بالتحتانيّة ونصب ((آيَةً))، وبالفَوقانيّة ورفع «آيَةٌ)) - ﴿وَلَو نَزَّلْناهُ عَلَى بَعضٍ
الأعجَمِينَ﴾ ١٩٨ : جمع أعجم، ﴿فَقَرَأْهُ عَلَيهِم﴾ أي: كُفّارِ مكّة، ﴿ما كانُوا بِهِ
مُؤمِنِينَ﴾ ١٩٩ آنفةً من اتّباعه. ﴿كَذْلِكَ﴾ أي: مِثْلَ إدخالنا التكذيبَ به بقراءة الأعجم،
﴿سَلَكْناهُ﴾: أدخلنا التكذيب به ﴿فِي قُلُوبِ المُجرِمِينَ﴾ ٢٠٠ أي: كُفّارِ مكّة، بقراءة النبيّ. ﴿لا يُؤمِنُونَ بِهِ، حَتَّى يَرَوَا العَذابَ الأَلِيمَ﴾ ٢٠١
المُلجئَ لهم - قيل: هو الموت - ﴿فِيأْتِيَهُم بَغْتَةً وهُم لا يَشعُرُونَ ٢٠٢، فَيَقُولُوا: هَل نَحنُ مُنظَرُونَ﴾ ٢٠٣: مُمهَلون لنُؤمن؟ فيقال لهم: لا .
٤- قالوا: متى هذا العذاب؟ قال تعالى: ﴿أفبِعَذابِنا يَستَعِلُونَ ٢٠٤؟ أَفَرَأَيتَ﴾: أخبرني، ﴿إِن مَتَّعْناهُم سِنِينَ ٢٠٥، ثُمَّ جاءَهُم ما كانُوا
يُوعَدُونَ﴾ ٢٠٦ من العذاب، ﴿ما﴾ استفهامية بمعنى: أيَّ شيء ﴿أَغَنَى عَنْهُم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ٢٠٧، في دفعِ العذاب أو تخفيفِه؟ أي: لم يُغْنِ.
﴿ وما أهلَكْنا مِن قَرْيةٍ إلّا لَها مُنذِرُونَ﴾ ٢٠٨: رُسل تُنذر أهلها، ﴿ذِكرَى﴾: عظةً لهم، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ ٢٠٩ في إهلاكهم بعد
إنذارهم.
(١) قالوا: انظر الآيتين ١٥٣ و ١٥٤. واسمها محذوف أي: ضمير الشأن. ونظن: نعتقد. والكاذب: من يدعي غير الحق. وأسقط أي: ادعُ الذي أرسلك أن
يسقط. وبفتحها يريد القراءة ((كِسَفًا)) أي: قِطَعًا. وهي جمع: كِسْفة. والصادق: من يقول الحق. وأعلم: أكثر إحاطة من الجميع. وتعملون: تكتسبونه
وتتحملون عقابه. وكذبوه أي: استمروا في تكذيبه. وأخذهم: عاقبهم وأهلكهم. وقد ذكر المفسرون ليوم الظلة أخبارًا مطولة، وقال في ذلك ابن عباس: من
حدثك ما عذاب يوم الظلة فقد كذب. البحر ٣٨:٧. واليوم: الوقت. والعظيم: الفظيع لا مثيل له.
(٢) انظر الآيتين ٦٧ و٦٨. والتنزيل: الوحي المنزَّل. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. ونَزَل: جاء مكلفًا بالتبليغ. والأمين: المؤتمن. وعلى قلبك أي:
عليك. وإنما خُص القلب بالذكر لأنه موضع الوعي والتثبيت والتمييز والاختيار. والمنذرون العرب: هود وصالح والشَّعَيبانِ - انظر المحبر ص ١٣١ -
وإسماعيل. واللسان: الكلام. والعربي: المنسوب إلى العرب. والفاعل الله يعني: نَزَّل اللهُ به الروحَ ومعه ما أُوحي إليك. والزبر: جمع زَبُّور. وهو الكتاب.
والأولون: الأمم المتقدمة.
(٣) الآية: العلامة والدلالة القاطعة. ويعلمه: يدريه يقينًا. والعلماء: جمع عالم بحقائق الكتب المنزلة. وعن ابن عباس أن أهل مكة بعثوا إلى الأحبار،
يسألونهم عن النبي ، فأجابوهم: ((هذا زمانه))، ووصفوا ما يكون عليه، فخلطوا في أمره، فنزلت الآية في ذلك. البحر ٤١:٧. وبنو إسرائيل: سلالة
يعقوب من أولاده. وعبد الله بن سلام كان من أحبار اليهود ثم أسلم. وأصحابه: أسد وأُسيد وثعلبة وابن يامين. وبالفوقانية يريد القراءة ((أوَلَم تَكُنْ لَهُم آيَةٌ)).
ونزلناه: أوحيناه. والأعجم: الذي لا يحسن العربية. وقرأ: تلا. ويؤمن به: يصدّقه. والأعجم هو المذكور في الآية ١٩٨. وفيما عدا الأصل والنسخ:
((الأعجمي)). والقلوب: جمع قلب. والمجرم: من يقترف الفساد باختيار وعزم. ويرى: يبصر عِيانًا. والملجئ لهم: الذي يضطرهم إلى الإيمان. ويأتيهم:
ينزل بهم. وبغتة: مفاجئًا. ولا يشعرون أي: يتلقّون بما يصرفهم عن العذاب. و((لا)) أي: لا تأخير ولا إمهال.
(٤) يستعجل به: يطلب وقوعه سريعًا. انظر ((المفصل)). والخطاب في ((أرأيت)) للنبي ﴿ ﴿ وكل قارئ وسامع، أي: أخبرني: أيَّ غَناء يغني عنهم تمتعُهم؟
ومتعناه: منحناه ما يتلذذ به. وسنين: عدة سنوات. وجاءه: حلّ به. ويوعدون: يهدَّدون به. ولم يغن: لم ينفعهم قط. يعني أن الاستفهام بـ ((ما)) معناه النفي.
وأهلك: أفنى. وقرية: مدينة. والمراد من فيها. وتنذر: تهدد بالانتقام ممن كفر. ولهم أي: لأهل القرية. وماكنا أي: ولانزال دون قيد زمني. والظالم: من
يتجاوز الحق والعدل، أي: ليس من شأننا الظلم أبدًا. بل العدل المطلق.

٢٦ - سورة الشعراء
٣٧٦
الجزء التاسع عشر
سُورَة الشَّجَاءْ
◌ِمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ (®] وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلََّ
لَهَا مُنْذِرُونَ جَذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ (٢) وَمَا نَنَزَّلَتْ بِهِ
الشَّيَاطِينُ ( وَمَا يَتْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (ج) إِنَّهُمْ
عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴿٢٦] فَلَ نَدْعُ مَعَ الَهِإِلَهَاءَآخَرَ فَتَكُونَ
مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (١) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ ﴿ وَأَخْفِضْ
جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِ
بَرِىٌّمِّمَّا تَعْمَلُونَ (٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢) الَّذِى
يَرَكَ حِينَ تَقُومُ ﴿ وَتَقَلُبَكَ فِ السَّجِدِينَ (٦) إِنَُّ هُوَالسَّمِيعُ
اَلْعَلِيمُ جَاهَلْ أَنَّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (١٦) تَنَزَلُ عَلَى
كُلِّ أَفَالكٍ أَشِمٍ ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُ هُمْ كَذِبُونَ [®
وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاؤُونَ (٩) أَلَمْتَرَأَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ
يَهِيمُونَ (®] وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٦) إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَذَكَرُواْاللَّهَ كَثِيرًا وَأَنْنَصَرُ وا مِنْ
بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْأَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
شُورَةُ التَّعْلِ
١- ونزل، ردًّا لقول المشركين، ﴿وما تَزَّلَت بِهِ﴾: بالقُرآن ﴿الشَّيَاطِينُ ٢١٠، وما
يَنْبَغِي﴾: يصلح ﴿لَهُم﴾ أن يَنزِلوا به، ﴿وَما يَستَطِيعُونَ﴾ ٢١١ ذلك. ﴿إِنَّهُم عَنِ
السَّمعِ﴾ لكلام الملائكة ﴿لَمَعِزُولُونَ﴾ ٢١٢: محجوبون بالشُّهب.
٢- ﴿فَلا تَدعُ مَعَ اللهِ إلَهَا آخَرَ، فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ ٢١٣، إن فعلت ذلك الذي
دعَوك إليه، ﴿وأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٢١٤ - وهم بنو هاشم وبنو المُطّلب. وقد
أنذَرَهُم جِهارًا. رواه البخاريّ ومسلم - ﴿واخفِضْ جَناحَكَ﴾: ألِنْ جانبك، ﴿لِمَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ ٢١٥: الموحّدين، ﴿فإن عَصَوكَ﴾ أي: عشيرتُك ﴿فَقُلْ﴾ لهم:
﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعمَلُونَ﴾ ٢١٦ من عبادة غير الله. ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ - بالواو والفاء - ﴿عَلَى
العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ٢١٧: فوّضْ إليه جميع أمرك، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ٢١٨ إلى
الصلاة، ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾ في أركان الصلاة، قائمًا وقاعدًا وراكعًا وساجدًا ﴿في
السّاجِدِينَ﴾ ٢١٩ أي: المُصلّين. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ٢٢٠ .
٣- ﴿هَلْ أُنَبِئْكُمِ﴾ - أي كُفّارَ مكّة - ﴿عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ ٢٢١؟ بحذف إحدى
التاءين من الأصل. ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفّاكٍ﴾: كذّاب ﴿أَثِيمٍ﴾ ٢٢٢: فاجر، مِثل
مُسيلِمةَ وغيره من الكهنة. ﴿يُلِقُونَ﴾ أي: الشياطينُ ﴿السَّمعَ﴾ أي: ما سمعوه من
الملائكة إلى الكهنة، ﴿وأكثَرُهُم كَاذِبُونَ﴾ ٢٢٣ يضمّون إلى المسموع كذبًا كثيرًا .
وكان هذا قبل أن حُجِبَتِ الشياطين عن السماء.
٤- ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ ٢٢٤ في شِعرهم، فيقولون به ويروونه عنهم. فهم
مذمومون. ﴿أَلَم تَرَ﴾: تعلمْ ﴿أَنَّهُم في كُلِّ وادٍ﴾ من أودية الكلام وفُنونه ﴿يَهِيمُونَ﴾ ٢٢٥: يمضون، فيُجاوزون الحدّ مدحًا وهجوًا، ﴿وأنَّهُم
يَقُولُونَ﴾: فَعَلْنا ﴿ما لا يَفْعَلُونَ﴾ ٢٢٦ أي: يكذبون؟ ﴿إِلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ﴾ من الشعراء، ﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ أي: لم يَشغلهم
الشعر عن الذكر، ﴿وانتَصَرُوا﴾ بهجوهم الكُفّارَ ﴿مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا﴾ بهجو الكُفّار لهم في جُملة المؤمنين، فليسوا مذمومين. قال الله تعالى: (لا
يُحِبُّ اللهُ الجَهرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَولِ إلّا مَن ظُلِمَ))، ((فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِما اعتَدَى عَلَيْكُمْ)). ﴿وسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ من الشعراء
وغيرهم (أيَّ مُنقَلَبٍ﴾: مَرجِع ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ ٢٢٧: يرجعون بعد الموت!
سورة النمل
مكية، وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية.
(١) قولهم أي: إن الشياطين يُلقون القرآن إلى الرسول، كما يأتون الكهنةَ بأخبار السماء في الجاهلية. فالمراد بالنفي أن القرآن وحي من عند الله، لا كما
زعموا. وتنزلت به: حملته وبلّغته. والشياطين: جمع شيطان، جنّيّ من سلالة إبليس يغري بالشر والضلال. ولا يستطيعون: لا يقدرون. والسمع: الإنصات.
وكلام الملائكة: ما يكون بينهم من أسرار. وبالشهب أي: لأنها تحرق من دنا لاستراق السمع. انظر الآية ١٨ من سورة الحجر.
(٢) تدعو: تعبد وتطيع. والإله: المعبود. وتكون: تصير. والمعذب: المستحق للعذاب. وأنذرهم: هددهم. والعشيرة: أهل الرجل الذين يستعين بهم.
والأقرب: كالأبناء والأعمام والعمات وأبنائهم. ورواه: انظر الأحاديث ٢٦٠٢ و٣٣٣٦ و٤٤٩٣ في البخاري و٣٤٨-٣٥٢ في مسلم. وألن جانبك: تواضع
وتلطف. واتبعك: استجاب لك. وعصوك: خالفوك، من المؤمنين عامة لا من العشيرة وحدها. والبريء: المتبرئ. وتعملون: تكتسبون وتتحملون. وتوكل
أي: دم على توكلكَ. وروي أنه لما نزلت الآية ٢١٤ عظم ذلك على الصحابة، فنزلت الآية ٢١٥ تطمئنهم. انظر لباب النقول. وبالفاء يريد القراءة «فتَوَكَّلْ)).
والعزيز: الغلاب يذل لعزته ما عداه. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة والمغفرة. ويراك: يكون معك فيبصرك ويرعاك. وإلى الصلاة أي: وغيرها. والتقلب:
التصرف. والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. والعليم: المبالغ في الإحاطة.
(٣) أنبئ: أُخبر. وتنزل: تفتري وتوسوس إيهامًا وتضليلًا. والشياطين: جمع شيطان. وهو مخلوق ناري يوسوس بالشر. ومسيلمة من بني حنيفة، تنبأ في
الجاهلية وتلقب برحمن اليمامة. ويلقي: يوسوس. وأكثرهم أي: أكثر الشياطين والكهنة. والكاذب: من يقول غير الواقع.
(٤) انظر سبب النزول في المفصل. والشعراء: جمع شاعر. وهو الذي ينظم الشعر ويتقنه. ويتبعه: ينقاد إليه. والغاوي: الضال. ويمضون: يعتسفون في كل
طريق على غير هداية. ويفعلون: يكتسبونه ويعملونه. وآمن: صدّق الله ورسوله. وعمل: اكتسب بقلبه ولسانه وفعله. والصالحات: ما رضيه الله. وذكروه:
استحضروا عظمته في قلوبهم وألسنتهم وأعمالهم. وانتصر: ردّ العدوان. وظلموا: اعتُدي عليهم. وقوله تعالى هو في الآيتين ١٤٨ من سورة النساء و١٩٤ من
سورة البقرة. ويعلم: يدرك عيانًا. وظلم: تجاوز حد الحق. وينقلب: ينتكس. ويرجعون يعني: ما سيصيرون إليه من ذلة وعذاب، خلاف ما هم عليه في
الدنيا من متاع وزينه.

الجزء التاسع عشر
٣٧٧
٢٧ - سورة النمل
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
رِبِسِْللهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ
١- ﴿طسَ﴾ الله أعلم بمُراده بذلك. (تِلكَ﴾ أي: هذه الآيات ﴿آياتُ
القُرآنِ﴾: آياتٌ منه، ﴿وكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ١: مُظهر للحقّ من الباطل - عطف
بزيادة صفة - هو ﴿هُدَى﴾ أي: هادٍ من الضلالة، ﴿وبُشرَى لِلمُؤمِنِينَ﴾ ٢:
نصف
الخِزْبُ
٣٨
المُصدّقين به بالجنّة، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿ويُؤْتُونَ﴾:
يُعطُون ﴿الزَّكَاةَ، وهُم بِالآخِرةِ هُم يُوقِنُونَ﴾ ٣: يعلمونها بالاستدلال. وأُعيد ((هم)) لمّا
فُصل بينه وبين الخبر.
٢- ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّا لَهُم أعمالَهُم﴾ القبيحةَ، بتركيب الشهوة، حتّى
رأوها حسنة - ﴿فَهُم يَعمَهُونَ﴾ ٤: يتحيّرون فيها، لقُبحها عِندنا - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُم
سُوءُ العَذَابِ﴾: أشدُّه في الدنيا القتلُ والأسر، ﴿وهُم في الآخِرَةِ هُمُ الأخسَرُونَ﴾ ٥،
لمصيرهم إلى النار المؤبّدة عليهم، ﴿وإِنَّكَ﴾ - خِطابٌ للنبيّ - ﴿لَتُلَقَّى القُرآنَ﴾: يُلقَى
عليك بشِدّة، ﴿مِن لَدُنْ﴾: من عِند ﴿حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ٦ في ذلك.
طسَّّ تِلْكَءَايَتُ الْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ﴿ هُدَى وَيُشْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَوَهُم
بِالْأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَهُمْ
أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴿﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ
وَهُمْ فِ اْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ : وَإِنَّكَ لَتُلَّقَى الْقُرْءَ انَ مِن
أَإِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنّ ◌َانَسْتُ نَارَاسَثَاتِيَكُمْ
الَّذُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
مِنْهَ بِخَرٍ أَوْءَاتِيَكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿مَافَلَمَّا
جَآءَ هَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِرَبِّ
﴿اَلْعَلَمِينَ ﴿﴿ يَمُوسَىّ ◌ِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَأَلْقِى عَصَاكْ
فَمَّا رَءَا هَا تَهْتَرُّ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَخَفْ
إِ لَ يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ (١) إِلََّ مَنْ ظَلَمَ نُرَّبَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ
سُوْءٍ فَإِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى حَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيْضَآءَ
مِنْ غَيْرِسُوءٌ فِى نِسْعِءَيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَاسِقِينَ
◌َ فَلَمَّا جَآءَتُهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ لَّ
٣- اذكرْ ﴿إِذْ قالَ مُوسَى لِأهلِهِ﴾ زوجته، عِندَ مسيره من مَدْيَنَ إلى مِصرَ: ﴿إِنِّيَّ
آنَستُ﴾: أبصرت من بعيدٍ ﴿نارًا، سآتِيكُم مِنها بِخَبَرٍ﴾ عن حال الطريق - وكان قد
ضلّها - ﴿أو آتِيكُم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾، بالإضافةِ للبيان وتركِها، أي: شُعلةِ نار في رأس
فتيلةٍ أو عُودٍ، ﴿لَعَلَّكُم تَصطَلُونَ﴾ ٧: تستدفئون من البرد. والطاء بدل من تاء
الافتعال، من: صَلي بالنار، بكسر اللام وفتحها. ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ﴾ أي: بأنْ
﴿بُورِكَ﴾ أي: باركَ اللهُ ﴿مَن في النّارِ﴾ أي: مُوسَى، ﴿ومَن حَولَها﴾ أي: الملائكةُ،
أو العكس - وباركَ: يتعدّى بنفسه وبالحرف. ويُقدَّر بعدَ ((في)): ((مكانٍ)) - ﴿وسُبحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ٨ من جُملة ما نُودي، ومعناه: تنزيهَ اللهِ
من السوء! ﴿يا مُوسَى، إنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿أنا اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ٩. وألقِ عَصاكَ﴾. فألقاها ﴿فَلَمّا رآها تَهَزُّ﴾: تتحرّك، ﴿كأنَّها جانٌ﴾: حيّة
خفيفة، ﴿وَلَّى مُدِرًا ولَم يُعَقِّبْ﴾: يَرجعْ.
٤- قال تعالى: ﴿يا مُوسَى، لا تَخَفْ﴾ منها - ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ﴾: عِندي ﴿المُرسَلُونَ﴾ ١٠ من حيّة أو غيرها. ﴿إِلَّا﴾: لكن ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾
نفسَه، (ثُمَّ بَدَّلَ حُسنًا﴾ أتاه ﴿بَعدَ سُوءٍ﴾ أي: تاب، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١١: أقبلُ التوبةَ وأغفر له - ﴿وأدخِلْ يَدَكَ في جَيِكَ﴾: طوق
قميصك، ﴿تَخْرُجُ﴾ خِلافَ لونها من الأُدمة، ﴿بَيضاءَ مِن غَيرِ سُوءٍ﴾: برصٍ، لها شُعاع يُغشّي البصر، آيَةً ﴿في تِسعِ آياتٍ﴾ مُرسَلًا بها ﴿إِلَى
فِرِعَونَ وقَومِهِ. إنَّهُم كانُوا قَومًا فاسِقِينَ﴾ ١٢ .
٥- ﴿فَلَمّا جاءَتْهُم آياتُنا مُبصِرةً﴾ أي: مُضيئة واضحة ﴿قالُوا: هذا سِحرٌ مُبِينٌ﴾ ١٣: بَيِّن ظاهر. ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ أي: لم يُقِرُّوا، (و) قد
﴿استَيقَنَّتْها أنفُسُهُمِ﴾ أي: تيقّنوا أنها من عِند الله، ﴿ظُلمًا وعُلُوًّا﴾: تكبّرًا عن الإيمان بما جاء به مُوسَى. راجعٌ إلى الجحد. ﴿فانظُرْ﴾ - يا
مُحمّد - ﴿كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُفسِدِينَ﴾ ١٤ التي علمتَها من إهلاكهم؟
(١) هاد: مرشد وموجّه. والبشرى: البشارة. ويعطونها: يؤدونها إلى مستحقيها. والآخرة: الحياة بالبعث للحساب. ويعلمونها بالاستدلال أي: يدركونها
بتدبر ما جاء في القرآن والسُّنّة، وما في الكون من أدلة قاطعة. و((لما فصل)) يعني أن ((هم)) الثاني أعيد توكيدًا للأول، يصل جملة الخبر بالمبتدأ، ويؤكد
مضمون الجملة الكبرى. (٢) زين: جمّل. والأعمال: جمع عمل. وتركيب الشهوة: ما جُعل في نفوسهم بالطبع، من رغبة جامحة. ويتحيرون: يترددون في
الاستمرار والترك. انظر ((المفصل)). والسوء: السيئ. والأخسرون: أشد الناس خسارة. وتلقاه: يوحَى إليك. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال الإحسان
للفعل وإتقان الأشياء. والعليم: المبالغ في الإحاطة. (٣) موسى: أعظم أنبياء بني إسرائيل. والنار: النور الوضاح. ومدين: انظر الآية ٨٤ من سورة هود.
وآتيكم: أُحضر لكم. والشهاب: الشَّعلة. والقبس: النار. وبتركها يريد القراءة ((بِشِهابٍ قَبَسٍ)). وبكسر اللام وفتحها: انظر ((المفصل)). وبورك: قُدّس وطهر.
ويتعدى بنفسه أي: ينصب المفعول به. وسبحان: انظر الآية ١ من سورة الإسراء. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. والشأن: الأمر والموضوع. والعزيز:
الغلاب لا يعجزه شيء. والحكيم: انظر الآية ٦. وألقها: اطرحها على الأرض. والخفيفة: السريعة بتوثب. وولى: هرب. (٤) لاتخف أي: لا تفزع
واطمئن. وعندي أي: في موقف المناجاة. والغفور: الكثير الستر للذنوب والعفو عنها. والرحيم: العظيم العطف بالعصمة للمؤمنين. وأدخلها: ضعها.
وطوق القميص: الفتحة يدخل منها الرأس. وتخرج أي: تظهر حين تسحبها. والأدمة: السُّمرة. ويغشّي البصر: يغطيه بنوره. والآية: المعجزة تحمل على
التصديق. والتسع: انظر الآية ١٠١ من سورة الإسراء. والفاسق: الخارج على الحق. (٥) الآيات: المعجزات والأدلة القاطعة. والسحر: ما يخيل للحواس
والعقول الساذجة بالشعبذة، ويوهمها خلاف الواقع. وبها: بالآيات المعجزة التي زعموا أنها سحر. واستيقن: أدرك إدراكًا قاطعًا. والنفس: القلب والعقل،
أي: علموا في أنفسهم. والظلم: مجاوزة حد المعقول. وراجع إلى الجحد: يعني أن الظلم والعلو علاقتهما بالجحد لا بالاستيقان. وانظر: تفكر وتدبر عظة
واعتبارًا. والخطاب لكل سامع أو قارئ. والعاقبة: النهاية والنتيجة. والمفسد: المقترف للفساد باختيار وعزم.
الجُرَةُ التَّاعِ عَشَرٌ
سُورَة النَّ

٢٧ - سورة النمل
٣٧٨
الجزء التاسع عشر
سُورَةِ التَّمْلَم
الجزء التَّاعِمِنَّة
أَوَجَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَأَنْظُرْكَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَقَدْءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا
وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِرِ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌّ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّطَّيْرِ
وَأُوتِنَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ وَحُشِرَ
لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِفَهُمْ يُوزَعُونَ (َ)
حَتَّى إِذَا أَتَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ
مَسَكِنَكُمْ لَ يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ، وَهُمْلَا يَشْعُرُونَ
أَ فَسَّمَ ضَاحِ كَا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىَ أَنْ أَشْكُرَ
نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا
تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادَِ الصَّلِحِينَ (١)
وَتَفَقَّدَ الظَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَآ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَمِنَ
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْلاً أَذْبَحَنَّهُ:
الْغَآيِينَ
أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ
أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبَاِنَبَإِيَقِينٍ
١- ﴿وَلَقَدْ آتَينا داوُدَ وسُلَيمانَ﴾ ابنه ﴿عِلمًا﴾، بالقضاء بين الناس، ومنطقِ الطير وغير
ذلك، ﴿وقالا﴾ شكرًا لله: ﴿الحَمدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾، بالنبوّة وتسخير الجِنّ والإنس
والشياطينِ، ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ١٥ . ووَرِثَ سُلَيمانُ دَاوُدَ﴾ النبوّةَ والعِلم،
﴿وقالَ: يا أيُّها النّاسُ، عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ أي: فهمَ أصواته، ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ
شَيءٍ﴾، يُؤتاه الأنبياءُ والمُلوك. ﴿إِنَّ هُذا﴾ المُؤتَى ﴿لَهْوَ الفَضلُ المُبِينُ﴾ ١٦: البَيِّن
الظاهر. ﴿وَحُشِرَ﴾: جُمع ﴿لِسُلَيمانَ جُنُودُهُ، مِنَ الجِنِّ والإِنسِ والطَّيرِ﴾ في مسير له،
﴿فَهُم يُوزَعُونَ﴾ ١٧ : يُجمعون ثمّ يُساقون.
٢- ﴿حَتَى إذا أتَوا علَى وادِ الثَّملِ﴾ - هو بالطائف أو بالشام، نمله صِغار أو كِبار -
﴿قَالَتْ نَمْلٌ﴾ ملِكة النمل، وقد رأت جُند سليمان: ﴿يا أيُّها النَّمَلُ، ادخُلُوا
مَساكِنَكُم، لا يَحطِمَنَّكُم﴾: يكِرنّكم ﴿سُلَيمانُ وجُنُودُهُ، وَهُم لا يَشْعُرُونَ﴾ ١٨
بهلاككم. ونُزّل النمل منزلة العُقلاء في الخِطاب بخطابهم. ﴿فَتَبَسَّمَ﴾ سُليمان ابتداء،
﴿ضاحِكًا﴾ انتهاء، ﴿مِن قَولِها﴾ وقد سمعه من ثلاثة أميال، حملته إليه الريح، فحبس
جُنده حين أشرف على واديهم حتّى دخلوا بيوتهم، وكان جنده رُكبانًا ومُشاة في هذا
المسير، ﴿وقالَ: رَبِّ، أَوْزِغْنِيَ﴾: ألهِمني ﴿أن أشكُرَ نِعْمتَكَ الَّتِي أنعَمتَ﴾ بها
﴿عَلَيَّ وعلَى والِدَيَّ، وأن أعمَلَ صالِحًا تَرضاهُ، وأدخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ
الصّالِحِينَ﴾ ١٩: الأنبياء والأولياء.
٣- ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾، ليرى الهُدهد الذي يرى الماء تحت الأرض، ويدلَّ عليه بنقره
فيها، فتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة، فلم يره ﴿فقالَ: مالِيَ لا
أَرَى الهُدهُدَ﴾ أي: أعَرَضَ لي ما منعني من رؤيته، ﴿أم كانَ مِنَ الغائبِينَ﴾ ٢٠، فلم أره لغَيبته؟ فلمّا تحقّقها. قال: ﴿لَأُعَذْبَنَّهُ عَذابًا﴾ أي: تعذيبًا
﴿شَدِيدًا﴾، بنتف ريشه وذنبه، ورميه في الشمس فلا يمتنع على الهوامّ، ﴿أو لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ بقطع حُلقومه، ﴿أو لَيَأْتِيَنِّي﴾ - بنون شديدة مكسورةٍ، أو
مفتوحةٍ يليها نون مكسورة - ﴿بِسُلطانٍ مُبِينٍ﴾ ٢١: برهان بيّن ظاهر على عُذره. ﴿فَمَكُثَ﴾ - بضمّ الكاف وفتحها - ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي: يسيرًا من
الزمان، وحضر لسُليمان مُتواضعًا برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه، فعفا عنه وسأله عمّا لقي في غيبته، ﴿فقالَ: أَحَطتُ بِما لَم تُحِطْ بِهِ﴾: أي:
اطّلعت على ما لم تطّلع عليه، ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ﴾ - بالصرف وتركه: قبيلة باليمن سُمّت باسم جدٍّ لهم باعتباره صُرِفَ - ﴿بِنَأْ﴾: بخبر
﴿يَقِينٍ ٢٢. إنِّي وَجَدْتُ امرأةً تَملِكُهُم﴾ أي: هي ملِكة لهم اسمها بلقيس، ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيءٍ﴾ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعُدّة، ﴿وَلَها
عَرشٌ﴾: سرير ﴿عَظِيمٌ﴾ ٢٣ طوله ثمانون ذِراعًا وعرضه أربعون ذِراعًا وارتفاعه ثلاثون ذراعًا، مضروب من الذهب والفضّة، مُكلّل بالدّرّ
والياقوت الأحمر والزَّبَرجَد الأخضر والزّمرّد، وقوائمه من الياقوت الأحمر والزَّبَرجَد الأخضر والزّمرّد، عليه سبعة أبواب، على كُلّ بيت باب
مغلق .
(١) آتينا: أعطينا. وداود وسليمان: نبيان من يهود بني إسرائيل. والعلم: الدراية اليقينية. والحمد: الثناء على النعم. وفضلنا: رفع منزلتنا. والعباد: جمع
عبد. وورثه النبوة: صارت له بعد وفاته. وعُلّمنا: عَلَّمني الله. والمنطق: النطق. والطير: واحده طائر. وقد أورد القصاصون، من الأعاجيب عن سليمان، ما
الله أعلم بصحته، وكثير منه يحتاج إلى نقل موثق. البحر ٥٩:٧- ٦٠. ومن كل شيء أي: مما يصلح لنا ونتمناه. ويؤتاه: يعطاه. وفيما عدا الأصل والنسخ:
((تؤتاه)). والفضل: الزيادة في الإنعام. والجنود: واحده جندي. والجن: مخلوقات نارية، واحدها جنيّ. (٢) أتوا: أشرفوا. والنمل: واحدته نملة . ع وط:
((وادِي النّملِ)). وتحديد المكان بالطائف هو الراجح لأن سليمان كان حينئذ في مسيره إلى الحج. والطائف: بلدة قريبة من مكة. وادخلوا: أسرعوا إلى
الدخول. والمساكن: جمع مسكن. وبخطابهم: بسبب مخاطبتهم كما يخاطَب العقلاء. وقولها: ماقالته. وذكر الأميال والحبس فيه نظر. وربٌّ أي: ياربّي.
حذف حرف النداء وياء المتكلم. وأشكرها: أستحضرها في نفسي، وأقابلها بالثناء والطاعة. وأنعمت: تكرمت. والوالدان: الأب والأم. وأعمل: أكتسب
وأتحمل. والصالح: ما أقره الشرع. وترضاه: تقبله وتثيب عليه. وأدخلني فيهم: اجعلني في جملتهم. والرحمة: العطف بالإحسان. والعباد: جمع عبد. (٣)
تفقدها: طلب ما فُقد منها. والهدهد: طائر يشبه الحمام، وفي رأسه قُنزُعة. وما ذكر من رؤيته للماء لم يرد به نص موثق. وكذلك كثير من التفصيلات التي
أوردها المحلي، في تفسير هذه الآية، هي خرافات إسرائيلية لا يعتد بها. وما ذكره المحلي من النتف تمثيل لبعض العذاب، وهو من الأقوال المتعارضة التي
أوردها القصاصون والمفسرون ولا صحة لأكثرها. البحر ٧: ٦٥. والهوام: الحشرات تدب على الأرض. ويأتيني: يُحضر لي. وبالشديدة يريد القراءة
(لَيَأْتِيَنَّنِي)). وبفتحها يريد القراءة ((فمَكَثَ)) أي: بقي الهدهد في غيابه. وجئتك: أحضرت لك. وبتركه يريد القراءة ((سَبّاً)). وصُرف أي: نوّن لأنه اسم علم
لمذكر. واليقين: الثابت. وبلقيس: بنت شُرَحبِيل أحدٍ ملوك العرب اليمانية. وأوتيت: انظر الآية ١٦. وسرير أي: سرير الملك. وباب مغلق يعني أن العرش
داخل سبعة بيوت متوالية في الصغر، ولكل منها باب يغلق ويقفل. ولذا قال ((عليه سبعة أبواب)). وروي: ((عليه سبعة مغاليق)). وكلاهما صواب في التعبير.
انظر ما بين الآيتين ٣٧ و٣٨ والبحر ٦٧:٧ وتفسير القرطبي ١٣ : ١٨٤ .

الجزء التاسع عشر
٣٧٩
٢٧ - سورة النمل
١- ﴿وَجَدتُها وقَومَها يَسجُدُونَ لِلشَّمسِ مِن دُونِ اللهِ، وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ أعمالَهُم،
فَصَدَّهُم عَنِ السَّبِيلِ﴾: طريق الحقّ، ﴿فَهُم لا يَهتَدُونَ ٢٤ ألّا يَسجُدُوا لِلِهِ﴾ أي: أن
يسجدوا له - فزيدتْ ((لا)) وأُدغم فيها نون ((أن)) كما في قوله تعالى: ((لِّلَا يَعلَمَ أهلُ
الكِتابِ)). والجملة في موضع مفعول (يهتدون)) بإسقاط ((إلى)) - ﴿الَّذِي يُخرِجُ
الخَبْءَ﴾: مصدرٌ بمعنى المخبوء من المطر والنبات، ﴿فِي السَّماواتِ
والأرضِ، ويَعلَمُ ما يُخْفُونَ﴾ في قُلوبهم، ﴿وما يُعلِنُونَ﴾ ٢٥ بألسنتهم. ﴿اللهُ
لا إِلَّهَ إلّا هُوَ، رَبُّ العَرشِ العَظِيمِ﴾ ٢٦. استئناف جملة ثناءٍ مُشتملٍ على عرش
ثلاثة أرباع
مُحُزْن
سَجْدَة
الرحمن، في مقابلة عرش بلقيس، وبينهما بون عظيم.
٢- ﴿قَالَ﴾ سُليمان للهُدهد: ﴿سَنَنظُرُ: أصَدَقتَ﴾ فيما أخبرتَنا به، ﴿أم كُنتَ
مِنَ الكاذِينَ﴾ ٢٧ أي: من هذا النوعِ؟ فهو أبلغ من: أم كذبتَ فيه. ثمّ دلّهم على الماء
فاستُخرج، وارتوَوا وتوضّؤوا وصلّوا. ثمّ كتب سُليمان كِتابًا صُورته: ((مِن عَبد اللهِ
سُلَيمانَ بنِ داوُدَ، إلى بِلِقِيسَ مَلِكةٍ سَبأٍ. بسمِ اللهِ الرَّحمُنِ الرَّحِيمِ. السَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ
الهُدَى. أمّا بَعدُ فلا تَعلُوا عَلَيَّ، وانْتُونِي مُسْلِمِينَ)). ثمّ طبعه بالْمِسك وختمه بخاتَمه،
ثمّ قال للهُدهد: ﴿اذهَبْ بِكِتابِي هُذا، فألقِّهْ إِلَيهِم﴾: إلى بِلقيس وقومها، ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾:
انصرِفْ ﴿عَنْهُم﴾ وقفْ قريبًا منهم، ﴿فانظُرْ: ماذا يَرجِعُونَ﴾ ٢٨ يردّون من الجواب؟
سُورَة النَّخْلَمَ
الجزء التاسع عشر
إِنِّى وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَهَا
عَرْشٌ عَظِيمٌ (® وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن
دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢ أَلَّ يَسْجُدُ واْلِلَّهِالَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٥اللَّهُ
لَ إِلَهَ إِلََّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ (٨)﴾ قَالَ سَنَظُرُ
أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ (®اذْهَب ◌ِّكِتَبِ هَذَا
فَأَلْقِهُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَنْظُرْ مَا ذَا يَرْجِعُونَ (٩) قَالَتْ يَيُّهَا
الْمَلَؤُاْ إِىْ أُلِّقِىَ إِلَ كِتَبُ كَرِيمُ (٦) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٦ ◌َلَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَّتُونِ مُسْلِمِينَ (٩)
قَالَتْ يَّأَيُّهَا الْمَلَؤُاْأَفْتُونِ فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمَ ا حَتّ
تَشْهَدُونِ ﴿ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُإِلَيْكِ
﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً
فَأَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ
أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [®
٣٥
وَإِى مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
٣- فأخذه وأتاها، وحولها جُندها، فألقاه في حَجرها. فلما رأته أُرعِدَت وخضعت
خوفًا، ثمّ وقفت على ما فيه، ثمّ ﴿قَالَتْ﴾ الأشراف قومها: ﴿يا أيُّها المَلَأُ، إِنِّيَ﴾ .
بتحقيقِ الهمزتين، وقلبِ الثانية واوًا - ﴿أُلقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ٢٩: مختوم. ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيمانَ، وإنَّهُ﴾ أي: مضمونَه ﴿بِسمِ اللهِ الرَّحْمُنِ
الرَّحِيمِ ٣٠. أنْ لا تَعلُوا عَلَيَّ، واثْتُونِي مُسلِمِينَ ٣١. قالَتْ: يا أيُّها المَلَأُ، أَفْتُونِي) - بتحقيق الهمزتين، وقلبِ الثانية واوًا - أي: أشيروا عليَّ
﴿فِي أَمَرِي. ما كُنتُ قاطِعةً أمرًا﴾: قاضيتَه، ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ٣٢: تَحضُرونِ. ﴿قَالُوا: نَحنُ أُولُو قُوَّةٍ، وأُولُو بأسٍ شَدِيدٍ﴾: أصحاب شِدّة في
الحرب، ﴿وَالأمرُ إلَيكِ. فانظُرِي ماذا تأمُرِينَ﴾ ٣٣نا؟ نُطِعْك. ﴿قَالَتْ: إِنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفسَدُوها﴾ بالتخريب، ﴿وجَعَلُوا أَعِزّةَ أهلِها
أذِلَةً، وكَذْلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٣٤ أي: مُرسلو الكتاب، ﴿وإنِّي مُرسِلٌ إِلَيهِم بِهَدِيّةٍ، فناظِرةٌ: بِمَ يَرجِعُ المُرسَلُونَ﴾ ٣٥ من قَبول الهديّة أو ردّها؟ إن كان
ملِكًا قبلها، أو نبيًّا لم يقبلها .
٤- فأرسلت خَدَمًا ذكورًا وإناثًا ألفًا بالسويّة، وخمسمِائَة لَبِنة من الذهب، وتاجًا مُكلّلًا بالجواهر، ومِسكًا وعنبرًا وغير ذلك، مع رسول بكتاب.
فأسرع الهُدهد إلى سُليمان يُخبره الخبر، فأمر أن تُضرب لَبِنات الذهب والفِضّة، وأن تُبسط من موضعه إلى تسعة فراسخَ میدانًا، وأن يبنوا حوله
حائطًا مُشرفًا من الذهب والفِضّة، وأن يُؤتى بأحسن دوابّ البرّ والبحر، مع أولاد الجِنّ، عن يمين الميدان وشِماله.
(١) يسجد: يخرّ على جبهته عبادة. وزينها: أغرى بها. والشيطان: من يغري بالباطل والشر من الإنس والجن. والأعمال: جمع عمل، ما يقومون به من
الشرك والضلال. وصد: منع. ويهتدي: يسترشد. وزيادة ((لا)) تفيد التوكيد، كأن الجملة التي هي فيها كُرِّرتْ مرتين. وقوله تعالى هو في الآية ٢٩ من سورة
الحديد. والجملة في موضع مفعول: انظر ((المفصل)). ويخرجه: ينشئه. ويعلمه: يحيط به. ويخفون: يضمرونه. ويعلنون: يجاهرون به. والإله: المعبود
بحق. وعرش الله هو غير الكرسي وأعظم منه بما لا يوصف. انظر الآية ٢٢ من سورة الأنبياء. والبون: الفرق.
(٢) ننظر: نتعرف لنعلم. واذهب: انطلق. وألقه: ارمه. وإلى بلقيس أي: في مكان يخصّها. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((أي بلقيس)). وانظره: تعرّفه
واستحضره في ذهنك لتنقله إلينا .
(٣) أرعدت: أصابها الاضطراب. ووقفت: اطلعت. والملأ: الأسياد يملؤون العيون مهابة والمجالس بأجسامهم. وبقلبها واوًا يريد القراءة ((المَلَأُ وِنّيَ)).
وألقي: رمي. وكريم: مكرّم معظّم لأنه مختوم. ومضمونه: المكتوب فيه. ولاتعلوا: لا تتكبروا كالجبابرة. وائتوني: جيئوني. ومسلمين: طائعين مؤمنين
بالتوحيد. وبقلبها واوًا يريد القراءة ((المَلَّأَ وَفْتُونِي)). والأمر: الشأن المهم. وتحضرونِ: تكونوا معي وتقرّوا تنفيذه. فلا أستبد بموضوع خطير دون رأيكم.
والبأس: الشجاعة. والأمر: الحكم والرأي. وانظري: تدبري. والملوك: جمع ملك. ودخلوا قرية أي: افتتحوا مدينة قهرًا. وأفسدوها: اشاعوا فيها الضرر.
وجعل: صيّر. والأعزة: جمع عزيز. وأهلها: المقيمون فيها. والأذلة: جمع ذليل.
(٤) التفصيلات المذكورة هنا، وفي تفسير الآيات ٣٧-٤٤، هي مما لا يلتفت إليه لأنه لم يرد في نص معتبر. قال ابن كثير: ((الله أعلم أكان ذلك أم لا .
وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات))، وقال أيضًا: ((الصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب)). وبالسوية أي: نصفهم ذكور والنصف إناث. وتُضرب: تصنع.
وتبسط: ترصف في الأرض كالبلاط. والفراسخ: جمع فرسخ. وهو مايكون فيه مسيرة يوم وثمن اليوم.

٢٧ - سورة النمل
٣٨٠
الجزء التاسع عشر
سُورَة التََّلَ
الجزء التقاعد عشر
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتْمُِّ ونَنِ بِمَالٍ فَمَآءَاتَمْنَِ اَللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ
ءَاتَّنكُمْ بَلْ أَنْتُمِبَدِ يَّتِكُمْنَفْرَحُونَ ﴿ أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأَنِيَنَّهُم
بِحُنٍُلَّا قِبَلَ لَمُ بِهَا وَنُخْرِ حَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ(٣) قَالَ
يَتُهَا الْمَلُواْأَيُّكُمْ يَأْتِنِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ
قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ الْجِنِ أَنَاْءَاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكٌ وَإِنِ
عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ (٦ قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِنَبِ أَنْءَائِيكَ
بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرُّفُكَ فَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا
مِن فَضْلِ رَبِى لِيَبْلُوَبِيَِّ أَشْكُرُ أَمْأَكْفُرُوَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّكَرِيمٌ ﴿قَالَ تَكْرُوَالَهَاعَرْشَهَا
نَظُرْ أَنَهَنَدِىّ أَمْتَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٩١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِلَ
أَهَكَذَا عَرْشُكِّ قَالَتْ كَنَّهُ هُوَّ وَ أُوتِينَالْعِلْوَ مِن قَبْلِهَا وَكنّا مُسِمِينَ
وَصَدَّهَامَا كَانَتَ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَ كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ
٤٢
قِيلَ لَهَا أَدْ خُلِ الضَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن
٤٣
سَاقَيْهَاأَ قَالَ إِنَّهُ صَرٌْ مُمَزَّدٌ مِّن قَوَارِيِرٌ قَالَتْ رَبِّ إِنِّىِ
ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (
١- ﴿فَلَمّا جاءَ﴾ الرسول بالهديّة، ومعه أتباعه، ﴿سُلَيمانَ قالَ: أَتُمِدُّونَنِي بِمالٍ؟ فَما
آتانِيَ اللهُ﴾ من النبوّة والمُلك ﴿خَيرٌ مِمّا آتَاكُم﴾ من الدنيا. ﴿بَل أنْتُم بِهَدِيْتِكُم
تَفْرَحُونَ﴾ ٣٦، لفخركم بزخارف الدنيا. ﴿ارجِعْ إِلَيهِم﴾ بما أتَيتَ به من الهديّة.
﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ﴾: لا طاقة ﴿لَهُم بِها، وَنُخرِ جَنَّهُم مِنها﴾ من بلدهم سبأٍ -
سُمّيت باسم أبي قبيلتهم - ﴿أذِلَةً وَهُم صاغِرُونَ﴾ ٣٧، إن لم يأتوني مُسلمين.
٢- فلمّا رَجَعَ إليها الرسول بالهديّة جعلت سريرها داخل سبعة أبواب داخل قصرها،
وقصرُها داخل سبعة قصور، وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حرسًا، وتجهّزت
للمسير إلى سُليمان، لتنظر ما يأمرها به. فارتحلت في اثني عشرَ ألفَ قَيلٍ، مع كل
قَيل ألوف كثيرة، إلى أن قرُبت منه على فرسخ شعر بها. ﴿قالَ: يا أيُّها المَلَّأَ، أيُّكُم﴾
- في الهمزتين ما تقدّم - ﴿يأتِيني بِعَرشِها قَبَلَ أن يأْتُونِي مُسلِمِينَ﴾ ٣٨ أي: منقادين
طائعين؟ فلي أخذُه قبل ذلك لا بعده. ﴿قَالَ عِفِرِيثٌ مِنَ الجِنِّ﴾ هو القويّ الشديد :
﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أن تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ الذي تجلس فيه للقضاء، وهو من الغداة إلى
نصف النهار، ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ أي: على حمله ﴿أَمِينٌ﴾ ٣٩ على ما فيه من
الجواهر وغيرها .
٣- قال سُليمان: أريد أسرع من ذلك. ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ المُنزَل،
وهو آصِفُ بنُ بَرْخَيا، كان صِدّيقًا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب:
﴿أَنا آتِيكَ بِهِ قَبَلَ أن يَرتَدَّ إلَيكَ طَرْفُكَ﴾، إذا نظرت به إلى شيء ما. قال له: انظر إلى
السماء. فنظر إليها ثمّ ردّ بطرفه، فوجده موضوعًا بين يديه. ففي نظره إلى السماء دعا
آصف بالاسم الأعظم أن يأتي الله به، فحصل بأن جرى تحت الأرض، حتى ارتفع عند كرسيّ سليمان. ﴿فَلَمّا رَآهُ مُستَقِرًّا﴾ أي: ساكنًا ﴿عِندَهُ
قالَ: هذا﴾ أي: الإتيان لي به ﴿مِن فَضْلِ رَبِّي، لِيَبْلُوَنِيَ﴾: ليختبرني ﴿أأشكُرُ﴾ - بتحقيقِ الهمزتين، وإبدالِ الثانية ألفًا، وتسهيلها، وإدخالٍ ألف
بين المسهّلة والأُخرى، وتركِه - ﴿أم أكفُرُ﴾ النِّعمة؟ ﴿ومَن شَكَرَ فإنَّما يَشكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: لأجلها، لأنّ ثواب شُكره له، ﴿ومَن كَفَرَ﴾ النِّعمة
﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٍّ﴾ عن شُكرِهِ، ﴿كَرِيمٌ﴾ ٤٠ بالإفضال على من يكفرها .
٤ - ﴿قَالَ: نَكِّرُوا لَها عَرشَها﴾ أي: غيّروه إلى حال تُنكره إذا رأته، ﴿نَنظُرْ: أتَهتَدِي﴾ إلى معرفته، ﴿أم تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهتَدُونَ﴾ ٤١ إلى معرفة
ما يُغيّر عليهم؟ قصد بذلك اختبار عقلها، لِما قيل له: إن فيه شيئًا. فغيّروه بزيادة أو نقص أو غير ذلك. ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ﴾ لها: ﴿أهْكَذا
عَرشُكِ﴾ أي: أمِثلُ هذا عرشك؟ ﴿قَالَتْ: كأنَّهُ هُوَ﴾ أي: فعرفته، وشَبّهت عليهم كما شبّهوا عليها، إذ لم يُقل: أهذا عرشك؟ ولو قيل (هذا))
قالت: نعم. قال سُليمان، لمّا رأى لها معرفة وعلمًا: ﴿وأُوتِينا العِلمَ مِن قَبلِها وكُنّا مُسلِمِينَ ٤٢. وصَدَّها﴾ عن عِبادة الله ﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ، مِن
دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه. ﴿إِنَّها كانَت مِن قَومٍ كافِرِينَ﴾ ٤٣.
٥- ﴿قِيلَ لَها﴾ أيضًا: ﴿ادخُلِي الصَّرحَ﴾. هو سطح من زُجاج أبيض شفّاف، تحته ماء جارٍ، فيه سمك اصطنعه سُليمان، لِما قيل له: إنّ ساقيها
ورجليها كقدمي حِمار. ﴿فَلَمّا رأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجّةً﴾ من الماء، ﴿وكَشَفَتْ عَن ساقَيها﴾ لتخوضه. وكان سُليمان على سريره في صدر الصرح، فرأى
(١) تمدونني: تساعدونني وتداهنوني. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((أتُمِدُّونَنٍ)) بحذف ياء المتكلم، تبعًا لرسم المصاحف. وآتاني: أعطانيه. وخير: أفضل.
وبهديتكم: بما يُهدى إليكم. وتفرحون: تُسرّون. وارجع: انصرف. ونأتيهم به: ندخله بلدهم. والجنود: واحده جندي. ونخرجهم: نطردهم وننفيهم.
والصاغر: المستعبد المهان. (٢) سبعة أبواب: انظر تعليقنا على تفسير الآية ٢٣. والقيل: القائد من اليمن. والملأ: مَن عند سليمان من الإنس والجن. وما
تقدم: يعني ما ذكر في تفسير الآية ٣٢. وقلب الثانية واوًا يعني ((المَلَأُ وَيُّكُم)). ويأتيني: يجيئني. ويأتوا: يحضروا. والجن: واحده جنّيّ. وآتيك به: أحضره
إلى مجلسك. والقوي: المستطيع للشيء. والأمين: الحافظ للأمانة. (٣) العلم: الدراية اليقينية. وآصف أحد بني إسرائيل. والصديق: المبالغ في الصدق.
ودُعي به: استغيث به. ويرتد: يرجع. والطرف: الجفن الأعلى. ورد بطرفه أي: رده. فالباء زائدة. وأسقط صاحب قرة العينين ((حتى ارتفع عند كرسي
سليمان)). والحق أن الانتقال كان بإذن الله. أما كيف حصل فالصحيح عدم التعيين، لأنه لم يرد خبر شرعي بذلك. وفضله: إحسانه وإكرامه. وأشكر: أقوم
بحق ذلك من الثناء بالقلب واللسان والعمل. والمحلي يريد أربع قراءات: التي أثبتناها، و((آشكُرُ))، و((أَشكُرُ))، و((آآشكُرُ)). وأكفرها: أقصّر في الحمد. ويشكر
لنفسه أي: يكون مردود شكره لنفسه. والغني: المستغني عما سواه. والكريم: الكثير الجود بالخير . (٤) ننظر: نعلم. وتهتدي: تستدل. وشيئًا أي: من
الضعف. وأوتي: أعطي. والعلم: معرفة الصواب. والمسلم: من استسلم لأمر الله. وصد: منع. وتعبده: تسجد له وتقدسه. (٥) حسبت: توهمت. واللجة:
الأمواج المضطربة. وكشفت: شمرت ثوبها. والساق: ما بين الركبة والكعب. والقوارير: جمع قارورة. ورب أي: ياربّي. وظلمتها: سببت لها ارتكاب
العصيان. وأسلمتُ: استسلمت. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. والنورة: مسحوق يستعمل لإزالة الشعر. وماذكر من التفصيلات هنا قال عن مثله ابن
كثير: ((هو منكر وغريب جدًا ... والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم)). وانظر فتح القدير ٤: ٢٠٠.
: