Indexed OCR Text
Pages 281-300
الجزء الرابع عشر
٢٨١
١٦ - سورة النحل
١- ﴿إِنَّ إِبراهِيمَ كانَ أُمّةً﴾: إمامًا قُدوة جامعًا لخِصال الخير، ﴿قانِتًا﴾: مُطيعًا ﴿ للهِ
حَنِيفًا﴾: مائلًا إلى الدِّين القيّم، ﴿ولَم يَكُ مِنَ المُشرِكِينَ ١٢٠، شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ،
اجتَباهُ﴾: اصطفاه ﴿وهَداهُ إلَى صِراطٍ مُستَقِيم ١٢١، وآتيناهُ﴾ - فيه التفات عن الغَيبة -
﴿فِي الدُّنيا حَسَنةً﴾ هي الثناء الحسن، في كُلّ أهل الأديان، ﴿وإنَّهُ في الآخِرةِ لَمِنَ
الصّالِحِينَ﴾ ١٢٢ الذين لهم الدرجات العُلى، ﴿ثُمَّ أوحَينا إلَيكَ﴾ - يا مُحمّد - : ﴿أنِ
اتّبعْ مِلّةَ﴾: دِينَ ﴿إِبراهِيمَ حَنِيفًا، وما كانَ مِنَ المُشرِكِينَ﴾ ١٢٣. كُرّر ردًّا على زعم
اليهود والنصارى أنهم على دينه.
٢- ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبتُ﴾: فُرض تعظيمه ﴿عَلَى الَّذِينَ اختَلَفُوا فِيهِ﴾ على نبيّهم - وهم
اليهود، أُمروا أن يتفرّغوا للعبادة يومَ الجُمعة، فقالوا: لا نُريده. واختاروا السبتَ،
فَشُدّد عليهم فيه - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُم يَومَ القِيامةِ، فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١٢٤
من أمره، بأن يُثيب الطائع ويُعذّب العاصي بانتهاك حُرمته.
٣- ﴿ادعُ﴾ الناسَ - يا مُحمّد - ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾: دِينه، ﴿بِالحِكْمَةِ﴾: بالقُرآن،
﴿والمَوعِظةِ الحَسَنةِ﴾: مَواعظِ القرآن أو القولِ الرقيق، ﴿وجادِلْهُم بِالَّتِي﴾ أي:
بالمُجادلة التي ﴿هِيَ أحسَنُ﴾، كالدعاء إلى الله بآياته، والدعاء إلى حُججه. ﴿إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أعلَمُ﴾ أي: عالمٌ ﴿بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وهُوَ أعلَمُ بِالمُهتَدِينَ﴾ ١٢٥ فيُجازيهم.
وهذا قبل الأمر بالقتال.
سُورَة المَحْلِ
الجزء التَّارعِ عَشَر
ثُمَّإِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْالسُّوْءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَ تَابُوْ مِنْ
بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِ هَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
إِنَّإِبْرَهِيوَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَالِلَّهِ حَنِيفًا وَلَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
شَاكِرًا لّأَنْعُمِّهِ اجْتَبَنَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيٍ
(١٦) وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ
ثُمَّأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ
اُخْتَلَفُواْفِيَةٍ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بََّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا
كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٦) أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِ لْهُمْ بِأَلَتِى هِىَ أَحْسَنَّ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْبِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُعِبِهِ، وَلَيِنِ صَبَّرْتُمْ
لَهُوَخَيْرٌ لِّلِصَّبِينَ ﴿ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِّ
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَاتَكُ فِ ضَيْقِ مِّمَّا يَمْكُرُونَ
﴿ إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ قَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ
٤- ونزل، لمّا قُتْلَ حمزةُ ومُثِّلَ به، فقال وَّهِ وقد رآه: ((لأُمثِّلَنَّ بِسَبعِينَ مِنهُم مَكانَكَ)): ﴿وإن عاقَبْتُم فعاقِبُوا بِمِثلِ ما عُوقِبْتُم بِهِ - ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ عن
الانتقام ﴿لَهْوَ﴾ أي: الصبرُ ﴿خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ١٢٦. فَكَفَّ ◌ََّ وكَفَّر عن يمينه. رواه البزار - ﴿واصْبِرْ، وما صَبرُكَ إلّا بِاللهِ﴾: بتوفيقه، ﴿ ولا
تَحْزَنْ عَلَيهِم﴾ أي: الكُفّارِ، إن لم يُؤمنوا لحِرصك على إيمانهم، ﴿ولا تَكُ في ضَيقٍ مِمّا يَمكُرُونَ﴾ ١٢٧ أي: لا تهتمَّ بمكرهم. فأنا ناصرك
عليهم. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ الكُفرَ والمعاصيَ، ﴿والَّذِينَ هُم مُحسِنُونَ﴾ ١٢٨ بالطاعة والصبر، بالعون والنصر.
(١) المشرك: الذي يعبد مع الله بعض المخلوقات. والشاكر للنعم: من يستحضرها في ذهنه ويثني على صانعها بقلبه ولسانه وعمله. والأنعم: جمع نعمة.
وهي الإكرام بالحال الحسنة. واصطفاه: اختاره نبيًا وخليلًا. وهداه: أرشده ووفقه فيما يناسب استعداده الطيب. والصراط: الطريق الواضح. والمستقيم:
المعتدل. وهو دين التوحيد. وآتيناه: أعطيناه. والصالح: من صلَحت جميع أعماله خالصة لوجه الله. وأوحينا: أنزلنا على لسان جبريل، ويسّرنا الحفظ
والتبليغ. واتَّبِعها: اعمل بما فيها. والنصارى أي: ومشركي العرب. وأهل الكتاب نُسب إليهم الشرك في أكثر من آية، لعبادة غير الله.
(٢) اختلفوا فيه: خالفوا الأمر في تعيين اليوم للعبادة. وانظر الآية ١٦٣ من سورة الأعراف. وشدد عليهم أي: من شأن يوم السبت، في التعظيم والتفرغ
للعبادة فيه، بترك الصيد وما أشبهه من الأعمال. وقد زعم اليهود أن تعظيم هذا اليوم هو من شرع إبراهيم، وهم يتبعونه، فجاءت الآية تبين أن فرض تعظيمه
كان في عهد موسى، بعد إبراهيم الذي كان يعظم يوم الجمعة، كما في الإسلام. ويحكم: يقضي بالحق والعدل. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من
قبورهم بالبعث للحساب والجزاء.
(٣) ادعهم: حضّهم على الاستجابة. والسبيل: الطريق الواضح. والحكمة: القول المحكم الصحيح، والدليل الموضّح للحق والمُزيل للشُّبه. والموعظة:
النصح والأمر بالطاعة، مع بيان العواقب. والحسنة: اللطيفة بالترغيب والترهيب. وجادلهم: حاورهم وحدثهم. والأحسن: الأكثر رفقًا ولينًا، بإيثار الوجه
الأيسر والمقدمات المرغبة. وإنما خُص الاسم الموصول وصلته بالذكر، بدلًا من ((الحسنى))، للإشارة إلى وجوب التلطف والموادعة، مع الصبر وطول الأمل
والرجاء للخير. وأعلم: محيط بما خفي أو ظهر. وضل عنه: انحرف عنه وخرج عليه. والمهتدين: المسترشدين إلى الحق والطاعة. وهذا: يعني أن حكم
التلطف منسوخ بآيات قتال المشركين العرب، في أوائل سورة التوبة. والراجح أن الآية محكمة، ولا تُعارِض الأمر بقتال المعتدي. الناسخ والمنسوخ
٤٨٧:٢.
(٤) الحديث في المستدرك ١٩٧:٣ وفي إسناده ضعف. انظر مجمع الزوائد ١١٩:٢ وتفسير ابن كثير ٥٧٣:٢. والراجح أن الأنصار هم الذين هددوا بالانتقام
المضاعف، فنزلت الآية توجه إلى الصبر والاعتدال. انظر الحديث ٣١٢٨ في الترمذي و٣٥٩:٢ و٤٤٦ في المستدرك. ومُثّل به: شُوّه بقطع أعضائه. ومكانك
أي: ثأرًا بما فعلوه بك. وكان ذلك يوم غزوة أحد. وروي أن الآية هذه نزلت ثلاث مرات. انظر ((المفصل)). وعاقبتم: أردتم المجازاة. وبمثله: بما يماثله
دون زيادة للتشفي. وعوقبتم به: ما صُنع بكم من السوء. وصبرتم: تجلدتم وتحملتم. وخير: أكثر نفعًا من الانتقام. وكف: رجع عما أقسم عليه. وكفّر عن
يمينه: أدّى كفّارة قسمه. والصبر: حبس النفس وتحمل الشدائد. ولا تحزن: لاتغتم وتتألم. والضيق: احتباس النفس بالهم والحسرة. ويمكرون: يكيدون
ويدبرون العدوان. واتقَوها: تجنبوها وحفظوا أنفسهم منها بامتثال طاعة الله. والمحسن: الذي: يعبد الله مستحضرًا رقابته وجلاله.
١٧ - سورة الإسراء
٢٨٢
الجزء الخامس عشر
سُورَةُ الإِسْرَاء
بِسِْللهِ الَّحْمِالرَّحِيمِ
سُبْحَنَ الَّذِىَّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ ، لَيْلاَمِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ مَايَِّنَأَإِنَّهُ.
هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَهُ
هُدَى لِبَنِىَ إِسْرَّهِ يلَ أَلََّتَنَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا ﴾﴾
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا في
سورة الإسراء
مكية إلّا ((وإن كادوا ليفتنونك)) الآياتِ الثمانَ، مِائَةٌ وعشرُ آيَات
أو إحدى عشْرةً.
بِسْمِ أَلَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمِيةِ
١- ﴿سُبحانَ﴾ أي: تنزيه ﴿الَّذِي أسرَى بِعَبدِهِ﴾ مُحمّد ﴿لَيلًا﴾ - نصبٌ على الظرف.
والإسراء: سير الليل، وفائدةُ ذكره الإشارةُ بتنكيره إلى تقليل مُدّته - ﴿مِنَ المَسجِدِ
الحَرامِ﴾ أي: مكّةَ ﴿إِلَى المَسجِدِ الأقصَى﴾: بيت المقدس لبُعده منه، ﴿الَّذِي بارَكْنا
حَولَهُ﴾ بالثمار والأنهار، ﴿لِتُرِيَّهُ مِن آياتِنا﴾: عجائب قُدرتنا! ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١ أي: العالِمُ بأقوال النبيّ وأفعاله، فأنعم عليه بالإسراء
المُشتمل على اجتماعه بالأنبياء، وعُروجه إلى السماء، ورؤية عجائب الملكوت، ومناجاته له تعالى. فإنه وَ﴿ قال:
٢ - ((أُتِيتُ بالبُراق - وهو دابّةٌ أبيضُ فَوقَ الحِمارِ ودُونَ البَغلِ، يَضعُ حافِرَهُ عِندَ مُنتَهَى طَرْفِهِ - فرَكبتُهُ فسارَ بِي حَتَّى أَتَّيتُ بَيْتَ المَقدِسِ، فَرَبّطتُ
الدابّةَ بالحلقةِ الَّتِي تَربِطُ فِيها الأنبياءُ، ثُمّ دَخَلتُ فصَلَّيْتُ فِيهِ رَكعتَينِ، ثُمّ خَرَجتُ فَجاءَنِي جِبرِيلُ بإناءٍ مِن خَمرٍ وإناءٍ مِن لَبَنِ، فَاختَرتُ اللَّبِنَ. قالَ
جِبريلُ: أَصَبتَ الفِطرةَ.
٣- قالَ: ثُمّ عَرَجَ بِي إلى السَّماءِ الدُّنيا، فاستفتحَ جِبِيلُ. قِيلَ: مَن أنتَ؟ قالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحمّدٌ. قِيل: وقَد أُرسِلَ إِلَيهِ؟
قالَ: أُرسِلَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنا فإذا أنا بآدمَ، فَرَحّبَ بي ودَعا لي بِخَيرٍ. ثُمّ ◌ُرِجَ بنا إلى السّماءِ الثَّانِيةِ فَاسْتَفْتَحِ جِبرِيلُ، فَقِيلَ: مَن أنتَ؟ فقال: جِبِيلُ.
قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحمّدٌ. قِيلَ: وقَد بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بابنّي الخالةِ: يحيَى وعِيسَى، فَرَخَّبَا بِي وَدَعَوَا لي بِخَيرٍ.
ثُمّ عُرِجَ بنا إلى السّماءِ الثّالثةِ فَاستَفتحَ جِبرِيلُ، فقِيلَ: مَن أنتَ؟ قالَ: جِبرِيلُ. فَقِيلَ ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحمّدٌ. فَقِيلَ: وقَد أُرسِلَ إلَيهِ؟ قَالَ: قَّد
أُرسِلَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بُيُوسُفَ، وإذا هُو قَد أُعطِيَ شَطرَ الحُسنِ، فَرَحّبَ بِي ودَعا لي بِخَيرٍ. ثمّ عُرِجَ بنا إلى السّماءِ الرّابعةِ فاستفتحَ جِبِرِيلُ،
فِقِيلَ: مَن أنتَ؟ قالَ: جِبرِيلُ. فَقِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحمّدٌ. فقِيلَ: وقَد أُرسِلَ إِلَيهِ؟ قالَ: قَد بُعِثَ إلَيهِ. فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بإدرِيسَ، فَرَحّبَ بِي
ودَعا ليٍ بِخَيرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السّماءِ الخامِسَةِ فاستَفْتَحَ جِبرِيلُ، فقِيلَ: مَن أنتَ؟ قالَ: جِبرِيلُ. فقِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحمّدٌ. فقيل: وقَد
أُرسِلَ إلَيهِ؟ قالَ: قَد بُعِثَ إلَيهِ. فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بهارُونَ، فَرَحَبَ بي ودّعا لي بخَيرٍ. ثُمّ عُرِجَ بنا إلى السّماءِ السّادِسةِ فاستفتحَ جِبرِيلُ، فَقِيلَ: مَن
أنتَ؟ فقالَ: جِبرِيلُ. فَقِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحمّدٌ. فقِيلَ: وقَد بُعِثَ إليه؟ قالَ: قد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بُمُوسَى، فَرَحِّبَ بي ودَعا لي
بِخَيرٍ. ثُمّ ◌ُرِجَ بنا إلى السّماءِ السّابِعةِ فاستَفتَحِ جِبرِيلُ، فقِيلَ: مَن أنتَ؟ قالَ: جِبرِيلُ. فَقِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحمّدٌ. قِيلَ: وقَد بُعِثَ إِلَيْهِ؟
قال: قَد بُعِثَ إليه. فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بإبراهِيمَ، فإذا هو مُستَنَدّ إلى البَيتِ المَعُمُورِ، وإذا هو يَدخُلُه كُلَّ يَومٍ سَبِعُونَ ألفَ مَلَكِ، ثُمّ لا يَعُودُونَ إِلَيهِ.
٤- ثُمّ ذَهَبَ بي إلى سِدرةِ المُنتَهَى، فإذا أوراقُها كآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمرُها كالقِلالِ، فَلَمّا غَشِيَها مِن أمرِ اللهِ مَا غَشِيَها تَغَيَّرَتْ، فما أحَدٌ مِن خَلقٍ
اللهِ - تعالَى - يَستَطِيعُ أن يَصِفَها مِن حُسنها. قال: فأوحَى اللهُ إليَّ ما أوحَى، وفَرَضَ عليَّ فِي كُلِّ يَومٍ ولَيلةٍ خَمسِينَ صَلاةٌ.
(١) التنزيه: التبعيد من السوء. وبعبده أي: بالشخص الكريم روحًا وجسدًا. وروي أنه لما وصل النبي لة إلى المراتب الرفيعة في المعراج أوحى الله إليه:
((يامُحَمّدُ، بِمَ أُشَرْفُكَ))؟ قال: ((يا رَبِّ، بِنِسبتِي إِلَيْكَ بِالعُبُودِيّةِ)). فأنزل الله هذه الآية. البحر ٦: ٥. وذكره أي: ذكر ((ليلًا)). والحرام: المحرّم يمنع فيه كثير
مما يجوز في غيره، والأقصى: البعيد جدًا. وباركنا حوله: أدمنا خيرات ما يحيط به. ونريه: نبضّره يقينًا، وإنه أي: الله تعالى. والسميع: البالغ السمع لما له
صوت، مهما خفي. والبصير: البالغ العلم والإحاطة بالغيب والشهادة.
(٢) الحديث منقول من تفسير الطبري ٥:٣. والعروج: الصعود. وأتيت بالبراق: أتاني به جبريل. والدابة: الحيوان. والبغل: ابن الفرس من الحمار.
والطرف: البصر، أي: يصل حافره إلى نهاية ما يدركه بصره. وذلك في الخطوة الواحدة. والحلقة: التي في باب المسجد. وأصبت الفطرة: اخترت ما هو
علامة الإسلام والاستقامة، وهو ما فُطر عليه الخلق بحسب الخلقة الخالصة من الشوائب.
(٣) عرج بي: أصعدني البراق. والدنيا: التي هي أقرب السماوات إلى الأرض، واستفتح: طرق ليُفتح له الباب. وقيل أي: قال المَلَّك الموثَّل على الباب.
وأرسل إليه: أوحي إليه بالصعود والدخول. وعُرج بنا أي: بي وبجبريل. وابنا الخالة أي: كلاهما ابن خالة الآخر. وعيسى هو ابن بنت خالة يحيى، وشطر
الحسن: نصف حقيقة الحسن من حيث هي. والبيت المعمور: بيت عظيم هو كعبة السماء، يزوره الملائكة للطواف والصلاة. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٤
من سورة الطور.
(٤) ذهب بي: أوصلني جبريل. وسدرة المنتهى: شجرة عظيمة، ينتهي عندها عِلم الملائكة، ولا يستطيعون تجاوزها. انظر الآية ١٤ من سورة النجم.
والقلال: جمع قُلّة. وهي الجرّة. وغشيها: حل فيها وجللها. وأمره أي: قضاؤه. وقال أي: قال النبي ﴿. فلفظ ((قال)) زيادة من الراوي. وهو أنس بن
مالك. وما أوحى أي: من الأسرار العجيبة التي لاتعرفها الملائكة والأنبياء، وبعضها لم يؤذن لي بإظهاره للناس. وعليّ أي: وعلى أمتي.
تتمة ٢٨٢
١٧ - سورة الإسراء
الجزء الخامس عشر
١- فنزَلتُ حتَّى انْتَهَيتُ إلى مُوسَى، فقالَ: ما فَرَضَ رَبُّكَ على أُمَّتِكَ؟ قلتُ: خَمسِينَ
صَلاةٌ فِي كُلِّ يَومٍ ولَيلةٍ. قالَ: ارجِعْ إلى رَبِّكَ فاسألُهُ التَّحْفِيفَ، فإنّ أُمّتَكَ لا تُطِيقُ
ذلِكَ، وإنّي قَد بَلَّوَتُ بَنِي إسرائيلَ وخَبَرَتُهُم. قَالَ: فَرَجَعتُ إلى رَبِّي فَقُلتُ: أَيْ رَبِّ،
خَفْفْ عَنِ أُمَّتِي. فَحَطَّ عَنّي خَمسًا. فَرَجَعتُ إلى مُوسَى. قَالَ: ما فَعَلتَ؟ فَقُلتُ: قَد
حَطَّ عَنّي خَمسًا. قَالَ: إِنَّ أُمّتَكَ لا تُطِيقُ ذلِكَ. فارجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسألُهُ التَّحْفِيفَ
لأمّتِكَ. قالَ: فَلَم أزَلْ أَرجِعُ بَيْنَ رَبِّي وبَيْنَ مُوسَى، ويَحُطُّ عَنّي خَمسًا خَمسًا، حتَّى
قالَ: يا مُحمّدُ، هِيَ خمسُ صَلَواتٍ فِي كُلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، بِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ. فتلكَ خَمسُونَ
صلاةً. ومَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسِّنَةً، فإنْ عَمِلَها كُتَبَتْ لَهُ عَشْرًا. ومَن هَمَّ
بِسَيِّئَةٍ وَلَم يَعمَلْها لَم تُكتَبْ، فإنْ عَمِلَها كُتَبَتْ سَيِّئَةً واحِدةً.
وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيَ إِسْرَاءِيلَ فِىِ الْكِنَبِ لَتُفْسِدُنَّفِ اَلْأَرْضِ
مَرَّتَيْنٍ وَلَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَثْنَا
عَلَيْكُمْ عِبَادًالَنَّ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍفَهَا سُواْ خِلَلَ الذِيَارِ
وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا: ( ثُمَّرَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَقْوَلٍ وَبَنِيِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَغِيرًا
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَهَاأَ فَإِذَا جَآءَ
وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُلُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ
كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِسُنَّبِرُوا مَا عَلَوْ أَ تَبْبِيرًا ؟
٢- فَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيتُ إلى مُوسَى، فأخبَرَتُهُ فقالَ: ارجِعْ إلى رَبِّكَ، فاسألُهُ النَّحْفِيفَ لأُمَّتِكَ. فإنّ أُمّتَكَ لا تُطِيقُ ذلِكَ. فَقُلتُ: قَد رجَعتُ إلى ربِّي
حَتَّى استَحْيَيتُ)). رواه الشيخان واللفظ لمسلم. وروى الحاكم في ((المُستدركُ)) عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللهِالَ: ((رأَيتُ رَبِّي، عَزَّ وجَلَّ)).
٣- قال تعالى: ﴿وَآتَينا مُوسَى الكِتابَ﴾: التوراة، ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِيَنِي إسرائيلَ﴾، لِـ ﴿ألّا يَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾ ٢: يُفوّضون إليه أمرهم -
وفي قراءة: (تَتَّخِذُوا)) بالفَوقائيّة التفاتًا. (أن)) زائدة والقول مضمر. يا ﴿ذُرَِّةَ مَن حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ في السفينة. ﴿إِنَّهُ كانَ عَبدًا شَكُورًا﴾ ٣: كثيرٌ
الشكر لنا، حامدًا في جميع أحواله - ﴿وَقَضَينا﴾: أوحَينا ﴿إِلَى بَني إسرائيلَ، في الكِتابِ﴾: التوراةِ، ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرضِ﴾ أرض الشام
بالمعاصي ﴿مَرّتَيْنِ، ولَتَعْلُنَّ عُلُوَّا كَبِيرًا﴾ (٤: تبغُونَ بغيًا عظيمًا.
٤- ﴿فإذا جاءَ وَعَدُ أُولاهُما﴾: أُولى مَرّتَي الفسادِ ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبادَا لَنا، أُولِي بأسٍ شَدِيدٍ﴾: أصحابَ قُوّةٍ في الحرب وبطشٍ، ﴿فجاسُوا﴾:
تردّدوا لطلبكم ﴿خِلالَ الدّيارِ﴾: وسْطَ دياركم ليقتلوكم أو يَسْبُوكم، ﴿وكانَ وَعِدًا مَفْعُولًا﴾ ٥. وقد أفسدوا الأولى بقتلِ زكرياءَ، فُبُعث عليهم
جالوتُ وجنوده، فقتلوهم وسبّوا أولادهم وخرّبوا بيت المقدس. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرّةَ﴾: الدَّولة والغَلَبة ﴿عَلَيهِم)، بعد مِائَة سنة بقتل جالوت،
﴿وَأَمْدَدْناكُم بِأَمْوالِ وَبَنِينَ، وجَعَلْنَاكُمْ أكثَرَ نَفِيرًا﴾ ٦: عشيرة.
٥- وقلنا: ﴿إن أحسَنُمَ﴾ بالطاعة ﴿أحسَنْتُم لِأَنفُسِكُم﴾، لأنّ ثوابه لها، ﴿وإن أسأتُم﴾ بالفساد ﴿فَلَها﴾ إساءتُكم. ﴿فإذا جاءَ وَعدُ﴾ المرّةِ
﴿الآخِرةِ﴾ بعثناهم، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُم﴾: يحزنوكم بالقتل والسبي حُزنًا، يظهر في وجوهكم، ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسجِدَ﴾ بيتَ المقدس فيُخرّبوه،
﴿كَمَا دَخَلُوهُ﴾ وخرّبوه ﴿أُوَّل مَرّةٍ، ولِيُتَبِرُوا﴾: يُهلِكوا ﴿مَا عَلَوا﴾: غلبوا عليه (تَتَبِيرًا﴾ ٧: إهلاكًا. وقد أفسدوا ثانيًا بقتل يحيى، فُبُعث عليهم
بُختَنَصَّرُ، فقتل منهم ألوفًا وسبّى ذَرّيّتهم وخرّب بيت المقدس. وقلنا في الكتاب: ﴿عَسَى رَبُّكُم أن يَرَحَمَكُم﴾، بعد المرّة الثانية إن تُبتم، ﴿وإن
(١) نزلت أي: إلى السماء السادسة. وبلوتهم: اختبرتهم فلم يطيقوا ذلك. وحط: أسقط. و((حتى قال)) القولُ بعده إلى آخر الفقرة هو حديث قدسي، من كلام
الله - تعالى - في غير القرآن الكريم، وهمّ بحسنة: نواها وعزم أن يفعلها، وهمّ بسيئة: نواها وحدث نفسه بها. (٢) الصواب أن لفظ الحديث هو لابن كثير
عن المسند ١٤٨:٣-١٤٩، بخلاف يسير، والخلاف لروايات الشيخين كثير جدًا. انظر ((المفصل)). وقد روى هذا الحديث عشرون من الصحابة، وهو من
المتواتر في المسانيد عنهم ومعروف في كل أقطار الإسلام. وحديث ابن عباس في المستدرك ٣٦٢:٢ و٤٦٩، وفي طبيعة هذه الرؤية خلاف. فقد روي عن
ابن عباس أنها كانت بالقلب، والثابت عن السيدة عائشة أنها قالت: ((مَن حدّثكَ أن محمدًا * رأى ربه فقد كذب)). تعني الرؤية بالعين. الأحاديث ٤٥٧٤
و٦٩٤٥ في البخاري و٢٨٧ في مسلم. وقد سئل النبي *: هل رأيتَ ربك؟ فقال: ((رأيتُه بِفُؤادِي، ولَم أَرَهُ بِعَيني). وقال أيضًا بصيغة الإنكار: ((نُورٌ، أَنَّى
أراءُ»؟ (٣) آتيناه الكتاب: أعطيناه إياه في ألواح، وجعلناه: صيّرنا التوراة. والهدى: المرشد إلى الحق. وبنو إسرائيل: قوم موسى وهم اليهود من ذرية
يعقوب. ويتخذوا: يجعلوا. والفوقانية: التاء. والذرية: النسل والسلالة. وحملناه: للنجاة من الغرق. ومن كان مع نوح: أهله والمؤمنون. فالذرية هي من
سلالة أولئك جميعًا، لا من أبناء نوح وحدهم. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٤٠ من سورة هود. وما جاء في الآية ٧٧ من الصافات، والحديث ٣٢٢٨-٣٢٢٩
في الترمذي وغيره، فيه بحث يؤيد ما ذهبنا إليه. المحرر ٤٧٧:٤ والبحر ٣٦٤:٧ والكشاف ٤٨:٤ وفتح القدير ٤: ٥٦١ وتفسيرا القرطبي ٨٩:٢٥ والآلوسي
١٤٥:٢٣ ومروج الذهب ٥١:١-٥٢. والشكر: استحضار النعم والثناء على المنعم، والراجح أن المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ. وقضينا: أنفذنا في
القضاء المحتوم. وتفسد: تشيع الشر. والعدد هنا ليس مرادًا به تحديد إفسادين فحسب - انظر تعليقنا على الآية ١٠٤ - وإنما هو مثال سريع لإفساد اليهود
المتكرر، لأنهم شياطين البشر في العالم. والأرض: الأرض كلها حيثما وجد يهودي صهيوني. (٤) جاء: حان. والوعد: وقت ما أوعدوا به. وبعثنا:
سلطنا. والعباد: جمع عبد. والديار: جمع دار. وكان أي: وعدُ أولاهما. ومفعولًا: مقضيًا لابد منه. وجالوت: أحد ملوك العماليق العرب. ورددنا: نعيد.
وقد قتل داودُ جالوتَ في الحرب. وأمددناكم: أعنّاكم. والأموال: جمع مال، والبنون: جمع ابن. وجعلنا: صيّرنا. والنفير: جمع نَفْر، وهم القوم يسرعون
إلى العون. (٥) أحسنتم: جعلتم أعمالكم مع الشرع. وأسأتم: خالفتم الأمر والنهي. والآخرة: المرة الثانية من الفساد. ويسوءه: يُلحق به ما يُقبّحه.
والوجوه: جمع وجه، ويدخلوه: يقتحموه بالقوة. ويُختنصَّر: ملك من البابليين العرب كان قبل عيسى، ومقتل يحيى كان بعد رفع عيسى. فالصواب أن المقتول
في عهد بختنصر هو شعياء. ويرحمكم: يعطف عليكم بالنجاة من العدو والعذاب. والكتاب: اللوح المحفوظ. وعدتم: رجعتم مرة أخرى. وعدنا: رجعنا
تكافئكم. وقُريظة والنَّضير من اليهود ، غدروا بالمسلمين ونقضوا العهود، وعليهم: على من بقي من اليهود في حماية المسلمين. وجعل: صيّر، وحصيرًا:
ذات حصر وحّبس، يعني: مكان ذلك لاخلاص منه ولا مهرب.
١٧ - سورة الإسراء
٢٨٣
الجزء الخامس عشر
سُورَةِ الأَسْراء
عَسَى رَبُّكُمْأَنْ يَرْحَكُمْوَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَحَعَلْنَا جَهَنَمَلِلْكَفِرِينَ
حَصِيرًا (٣) إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِىِ هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ
اُلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا
وَأَنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَالَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
وَيَدْعُ الْإِنسَنُ بِالشَّرِّدُ عَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَنُ عَجُولًا
وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَاءَايَةَ الَتِلِ وَجَعَلْنَآءَايَةَ
النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
السِّينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلاً ( وَكُلَّ
إِنسَانِ أَلْزَمْنَهُ طَكِرَهُ، فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا
يَلْقَتُهُ مَنْشُورًا (٣ آقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
أَ مَّنِ آَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ
١٤
عَلَيْهَاً وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ وَمَا كُنَامُعَذِّبِينَ حَتَّى ◌َبْعَثَ
رَسُولًا (®)وَ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ فَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبها فَفَسَقُواْ فِهَا
فَحَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَقَّرْنَهَا تَدْمِيْرًا (٨) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ
الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُورٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَيْ بَصِيرًا
عُدتُم﴾ إلى الفساد (عُدْنا﴾ إلى العُقوبة. وقد عادوا بتكذيب مُحمّد ◌َّه فسُلّط عليهم
بقتل قُرِيظَةَ، ونفي النضير، وضرب الجِزية عليهم، ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلكافِرِينَ
حَصِيرًا﴾ ٨: مَحبِسًا وسِجنًا .
١- ﴿إِنَّ هذا القُرآنَ يَهدِي لِلَّتِي﴾ أي: للطريقة التي ﴿هِيَ أقوَمُ﴾: أعدَلُ وأصوَبُ،
﴿وَيُبَشِّرُ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصّالِحَاتِ أنَّ لَهُم أجرًا كَبِيرًا ٩، و﴾ يُخبرُ ﴿أَنَّ الَّذِينَ
لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرةِ أعتَدْنا﴾: أعددنا ﴿لَهُم عَذابًا ألِيمًا﴾ ١٠: مُؤلمًا، هو النار،
﴿وَيَدْعُ الإنسانُ بِالشَّرِّ﴾ على نفسه وأهله، إذا ضَجِرَ، ﴿دُعاءَهُ﴾ أي: كدُعائه له
﴿بِالخَيرِ، وكانَ الإنسانُ﴾، الجنس، ﴿عَجُولًا﴾ ١١ بالدُّعاء على نفسه، وعدم النظر
في عاقبته.
٢ - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ والنَّهَارَ آيَتَينِ﴾ دالّتين على قُدرتنا، ﴿فَمَحَونا آيَةَ اللَّيلِ﴾: طمسْنا
نورها بالظلام لتسكنوا فيه - والإضافة للبيان - ﴿وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبصِرَةً﴾ أي:
مُبَصَرًا فيها بالضوء، ﴿لِتَبَتَغُوا﴾ فيه ﴿فَضْلًا مِن رَبُّكُمْ﴾ بالكسب، ﴿وَلِتَعلَمُوا﴾ بهما
﴿عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ للأوقات، ﴿وَكُلِّ شَيءٍ﴾ يُحتاج إليه ﴿فَصَّلْناهُ
تَفْصِيلًا﴾ ١٢ : بيّاه تبيينًا، ﴿وَكُلَّ إنسانٍ الزَمْناهُ طائرَهُ﴾: عمله ﴿في عُنُقِهِ﴾. خُصّ
بالذكر لأنّ اللزوم فيه أشدّ. وقال مجاهد: ما من مولود يُولد إلّا وفي عُنقه ورقة،
مكتوب فيها شقيّ أو سعيد. ﴿ونُخرِجُ لَّهُ يَومَ القِيامَةِ كِتَابًا﴾ مكتوبًا فيه عمله، ﴿يَلقاهُ
مَنشُورًا﴾ ١٣: صفتان لـ ((كتابًا))، ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفَى بِنَفْسِكَ اليَومَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾ ١٤: مُحاسِبًا!
٣- ﴿مَنِ اهْتَدَى فإِنَّما يَهتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، لأنّ ثواب اهتدائه له، ﴿ومَن ضَلَّ فإنَّما يَضِلُّ عَلَيها﴾، لأنّ إثمه عليها، ﴿ولا تَزِرُ﴾ نفسٌ ﴿وازِرةٌ﴾: آثمةٌ،
أي: لا تحملُ ﴿وِزرَ﴾ نفسٍ ﴿أُخرَى، وما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ أحدًا ﴿حَتَّى نَبعَثَ رَسُولًا﴾ ١٥، يُبيّنُ له ما يجب عليه، ﴿وإذا أرَدْنا أن نُهلِكَ قَرْيةً أَمَرْنا
مُتْرَفِيها﴾: مُنعَّميها بمعنى رؤسائها، بالطاعة على لسان رسلنا، ﴿ففَسَقُوا فِيها﴾: فخرجوا عن أمرنا، ﴿فَحَقَّ علَيها القَولُ﴾ بالعذاب، ﴿فَدَمَّرْناها
تَدمِيرًا﴾ ١٦ : أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها. ﴿وكَم﴾ أي: كثيرًا ﴿أهلَكْنا مِنَ القُرُونِ﴾: الأُممِ، ﴿مِن بَعدِ نُوحٍ! وكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ
خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ١٧: عالمًا ببواطنها وظواهرها! وبه يتعلّق: بذنوب.
(١) القرآن: الكتاب الذي أوحي على محمد ﴾. ويهدي: يرشد من بلغهم. ويبشّر: يخبر بما يُسعِد. ويعمل: يكتسب من نية أو قول أو فعل. والصالح: ما
يرضاه الشرع. والأجر: الثواب. ولا يؤمن: ينكر. والآخرة: الحياة بالبعث للحساب. ونزلت الآية ١١، كما قال ابن عباس وآخرون، تذم ما يفعله الناس من
الدعاء بالشر حين الغضب. البحر ١٣:٦. وانظر ((المفصل)). ويدع: يدعو، حذفت الواو في الرسم تخفيفًا. ويدعو به: يطلب حصوله بإلحاح. والإنسان: كل
إنسان. عُبِّرَ عن الجميع بما هو الغالب في الناس. والشر: ما يضر. وضجر: اضطرب من الغم. وله أي: لنفسه. والخير: ما ينفع. والجنس: جنس الناس،
إذ لا يخلو أحد من العجلة. والعجول: الذي يسارع إلى ما يخطر بباله أو يريده. وعاقبته: ما يترتب على الدعاء.
(٢) جعل: صيّر. وآيتين: علامتين بما فيهما من الانتظام والتعاقب والاختلاف والتناقض والخير، تحملان على الاعتبار للإيمان. ومحوناها: خلقناها على
حال الظلام. وللبيان أي: للتبيين. والمبصِرة: المضيئة يكون مَن فيها مدركًا للمرئيات. وتبتغوا: تتوصلوا إلى استبانة تصرفكم. والفضل: التفضل بالنعم. ومن
ربكم: من عنده وبأمره. وتعلم: تدرك بالاستدلال. والعدد: ما يُعدّ. وألزمناه: ألصقنا به. وعمله: ما صدر عنه لا يفارقه. والعنق: الرقبة. وقول مجاهد هنا
تفسير آخر للطائر، والمراد به ما قُدّر على الإنسان من عمل في حياته، يختاره بحسب ما لديه من استعداد فيحاسب عليه، أو يكون على غير اختياره فيغتفر له.
ونخرج: نُظهِر: واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس بالبعث للحساب. ويلقاه: يراه بعينيه. والمنشور: المفتوح. واقرأه: تتبع ما فيه قراءة ووعيًا. وكتابك:
سِجلّ أعمالك أُحصيتْ لك. وكفى: أغنى عن غيره وجاء بما هو واف لا زيادة فيه ولا نقصان. واليوم: هذا اليوم الذي هو زمن الآخرة .
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. واهتدى: استرشد إلى الخير. وضل: انحرف عن الخير إلى الكفر. والوزر: ثقل الذنوب. والأُخرى: المغايرة. وما كنا
أي: وما نزال بدون قيد زماني. ومعذبين: منتقمين بعذاب استئصال ودمار، كما جرى للأمم المكذبة الغابرة. ونبعثه: نكلفه بتبليغ الدين ولزوم الطاعة.
وأردنا: شئنا. ونهلك قرية: ندمر مدينة ومن فيها من الكافرين. وأمرناهم: بلّغناهم وأوجبنا عليهم. وحق: وجب. والقول: وعيدُ الله وتهديده، أي: قولنا .
والقرون: جمع قرن. وخُصّ نوح بالذكر لأنه أول رسول كذبه قومه. والذنوب: جمع ذنب. والعباد: جمع عبد. والعلم بالبواطن تفسير للخبير، وبالظواهر
تفسير للبصير. وبه أي: بـ ((خبيرًا)) لقربه. وعبارة السيوطي على خلاف ذلك. انظر ((المفصل)).
الجزء الخامس عشر
٢٨٤
١٧ - سورة الإسراء
١- ﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ بعمله ﴿العاجِلةَ﴾ أي: الدنيا ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ، لِمَن نُرِيدُ﴾
التعجيلَ له: بدلٌ من ((له)) بإعادة الجارّ، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ﴾ في الآخِرة ﴿جَهَنَّمَ،
يَصلاها﴾: يدخلها ﴿مَذْمُومًا﴾: ملومًا، ﴿مَدحُورًا﴾ ١٨: مطرودًا عن الرحمة، ﴿ومَن
أرادَ الآخِرةَ، وسَعَى لَها سَعيَها﴾: عمل عملها اللائق بها، ﴿وهْوَ مُؤْمِنٌ﴾: حالٌ،
﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعيُهُم مَشكُورًا﴾ ١٩ عند الله، أي: مقبولًا مُثابًا عليه. ﴿كُلَّ﴾ من
الفريقينِ ﴿نُمِدُّ﴾: نُعطي، ﴿هُؤُلاءِ وهُؤُلاءِ﴾: بدلٌ، ﴿مِن﴾: متعلّقٌ بـ ((نُمدّ)) ﴿عَطاءٍ
رَبِّكَ﴾ في الدنيا، ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ﴾ فيها ﴿مَحِظُورًا﴾ ٢٠: ممنوعًا عن
أحد. ﴿انظُرْ: كَيفَ فَضَّلْنا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ في الرِّزق والجاه؟ ﴿وَلَلآخِرةُ
رع
الخِزَبُ
٢٩
أكبَرُ﴾: أعظم ﴿دَرَجاتٍ، وأكبرُ تَفضِيلاً﴾ ٢١ من الدنيا. فينبغي الاعتناء بها
دونها. ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلّهَا آخَرَ، فَتَقْعُدَ مَذمُومًا مَخِذُولًا﴾ ٢٢: لا ناصر
لك.
سُورَة الأسماء
مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ
جَعَلْنَا لَهُجَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْ حُورًالْهَ وَمَنْ أَرَادَ
اْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ
سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ® كُلُّاَ نُّمِّتُ هَتُؤُلَاءٍ وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ
رَبِّكَّ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٦) أَنْظُرْكَيْفَ فَضَّلْنَا
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا
﴿الَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَ اخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومَا تَّخْذُولًا (٦)
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَا إِلَّ إِيَّاهُ وَيِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُ هُمَا أَوْكِلَا هُمَا فَلَا تَقُل ◌َّهُمَا
أُفٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا لَّا وَأَخْفِضْ
لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَرَبََّانِ
صَغِيرًا (٥)َزَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْإِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ
﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا ﴾ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ
وَاُلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿ إِنَّالْمُبَذِّرِينَ
كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا (٦)
٢- ﴿وَقَضَى﴾: أمَرَ ﴿رَبُّكَ أن﴾ أي: بأن ﴿لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، و﴾ أن تُحسنوا
﴿بِالوالِدَينِ إحسانًا﴾ بأن تَبَرُّوهما. ﴿إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما﴾: فاعل ﴿أو
كِلاهُما﴾ - وفي قراءة: ((يَبلُغانٌ)) فأحدهما: بدل من ألفه - ﴿فلا تَقُلْ لَهُما: أَنَّ﴾،
بفتح الفاء، وكسرِها مُنوّنًا وغيرَ منوّن: مصدرٌ بمعنى تَبًّا وقُبحًا، ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾:
تَزْجُرْهما، ﴿وقُلْ لَهُما قَولًا كَرِيمًا﴾ ٢٣: جميلًا ليّنًا، ﴿واخفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾:
ألِن لهما جانبَكَ الذليلَ ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: لرقّتك عليهما، ﴿وقُلْ: رَبِّ، ارحَمْهُما
كَما﴾ رحِماني حين ﴿رَبَّانِي صَغِيرًا ٢٤. رَبُّكُم أعلَمُ بِما في نُقُوسِكُم﴾، من إضمار
البرّ والعُقوق. ﴿إِن تَكُونُوا صالِحِينَ﴾: طائعِينَ لله ﴿فإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾: الرجّاعِينَ إلى طاعته ﴿غَفُورًا﴾ ٢٥، لِما صدر منهم في حقّ الوالدَينِ من
بادرة، وهم لا يُضمرون عقوقًا .
٣ - ﴿وَآتِ﴾: أعطِ ﴿ذا القُربَى﴾: القرابةِ ﴿حَقَّهُ﴾، من البِرّ والصِّلة، ﴿والمِسكِينَ وابنَ السَّبِيلِ، ولا تُبَذِّرْ تَبَذِيرًا﴾ ٢٦ بالإنفاق في غير طاعة الله -
(١) في الآيتين ١٨ و١٩ دليل على إرادة الإنسان واختياره، وأن الله - تعالى - يُمدّ كلّا في توجّهه لينال حسابه بعد، كما سيرد في الآية ٢٠. ويريد العاجلة:
يطلب باختياره وعمله متاع الحياة القريبة، ويؤثره على نعيم الحياة الآخرة. وعجلناه فيها: حققناه في الدنيا. وما نشاء أي: ما نريد حصوله. وبدل: يعني أن
((لمن)): بدل من ((له)). وجعلنا: صيّرنا. وجهنم: اسم علم للنار التي أعدت للكافرين. ويدخلها أي: ويقاسي أهوالها. وأراد الآخرة: طلب ثواب الدار
الآخرة وآثره على متاع الدنيا. ولها: لأجلها. والمؤمن: الذي عرف قلبه التوحيد وما يلزم عنه. والفريقان: من يطلب العاجلة ومن يطلب الآخرة. والعطاء:
ماقدّر ويُسّر من الرزق. وانظر: تفكّر وتدبّر. وفضلناه: ميّزناه وجعلناه أكثر مُلكًا. والدرجات: التفاوت في نيل الجزاء. وبها دونها أي: بالآخرة من دون
الدنيا. يعني أن يكون ما يُقصد في الدنيا، من عمل ومتاع وزينة، مرتبطًا بالإيمان وخالصًا لثواب الآخرة. ولا تجعل: لا تتخذ. والإله: المعبود المطاع.
وآخر: ثانيًا مغايرًا للمولى، تعالى. وتقعد: تصير في الدنيا والآخرة. والمذموم: من يلومه الصالحون. والمخذول: المُهمَل تُرك بلا عون. (٢) الرب:
الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ما يملك. وتعبد: تقدس وتطيع. والوالدان: الأب والأم. وكذلك الجد والجدة. ويبلغه: يصل إليه. وعندك: في رعايتك
أو حياتك. والكبر: السن العالية من الكهولة وغيرها. وإنما ذكر قيدا العندية والكبر على سبيل الغالب، من أحوال الناس في التهاون بالوالدين، إذا كانا
عندهم أو صارا في عجز. والمراد عموم النهي في كل حال. وأحدهما: الواحد منهما. ومن ألفه أي: من الألف قبل النون. ولهما: لكليهما معًا أو لواحد
منهما. وذكر السيوطي هنا ثلاث قراءات: ما أثبتنا، و((أَفَّ))، و(أَفِّ)). والنهي عن التضجر يستلزم النهي عن غيره، مما يكون فيه عدم الاحترام أو البرِّ، أي: لا
تقل لهما هذه الكلمة، فضلًا عما يزيد عليها. وتبًا: خسرانًا. والنهر والزجر: الصياح بشدة وغلظة. ورب أي: ياربي. وارحمهما: اعطف عليهما بالعون
والإكرام. ورباني: غذاني وعطف عليّ. والصغير: العاجز بجسمه وعقله وقدراته. وأعلم: أكثر اطلاعًا منكم. والنفوس: جمع نفس، أي: ما يحوي
الأحاسيس والعواطف والنيات. وتكونوا: في حال المعاملة للأبوين والمتابعة لشؤونهما. والصالح: من كان عمله كما أمر الله. وكان أي: وما يزال دون حد
من الزمان. وإلى طاعته: بالتوبة والاستغفار. والغفور: الكثير الستر للذنوب والصفح عنها. خ: ((في حقوق الوالدين)). والبادرة: الزلة عند الغضب. (٣) ذو
القربى: الملازم للقرابة بالنسب أو الرحم. وحقه: ما يتعيّن له شرعًا عليك من الحقوق. والمسكين: من لايملك شيئًا. وابن السبيل: المسافر البعيد عن بلده،
وهو في حاجة إلى المساعدة. والتبذير: إتلاف المال في الترف والكماليات والمعاصي والمفاخر والمباهاة. والإخوان: جمع أخ. وهو المصاحب والمقارن
في الدنيا والآخرة. والشياطين: جمع شيطان. وهو إبليس وذريته من الجن، ومن يوسوس بالشر من الناس. والكفر: التكذيب والجحود، أي: عدم الشكر
على النعم. وتعرض: تنصرف بوجهك إلى شيء آخر. انظر سبب النزول في المفصل. والرحمة: العطف بالإحسان. ومن ربك: من عنده وبأمره. وترجوها :
تتأمل حصولها. وتجعل: تصيّر. ومغلولة: كالمشدودة تمنعك من التصرف والعطاء. والعنق: الرقبة. وفيما عدا الأصل: ((كل المسك)). وتبسطها: تمدها
وتفتحها. والإنفاق: بذل المال. وتقعد: تصير. والملوم: الذي يذمه الخلق والخالق. وراجع للثاني: يعني أن الثاني - وهو البسط كل البسط - سبب لكون
الإنسان محسورًا، والأول - وهو جعل اليد مغلولة - سبب لكونه ملومًا. والخير في الاقتصاد والاعتدال. والرزق: ما يُعطاه المخلوقُ من المتاع والزينة.
ويشاء: يريد التوسعة عليه أو التضييق. وكان أي: ومايزال دون قيد بالزمان. والعباد: جمع عبد.
١٧ - سورة الإسراء
٢٨٥
الجزء الخامس عشر
سُسِوَرَةِ الأَسَاءُ
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ◌َيْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا
مَّيْسُورًاِ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا
كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا (٦) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيْ أَبَصِيرًا ﴿ وَلَا تَقْتُلُواْ
أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ نَخْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ
خِطْئًا كَبِيرًا ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزَّإِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ
سَبِيلًا ﴾ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَاللَّهُإِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن
قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف ◌ِفِ
اٌلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِ إِلَّ يِلَّى
هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْبِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْئُولًا ﴿ وَأَوْفُوْاُلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِمِّ
ذَلِكَ خَيْرٌوَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (® وَلَا نَقْفُ مَا لَيَسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُْ
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٦)
وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ
اَلْجِبَالَ طُولًا جَاكُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّتُهُ عِندَرَيِّكَ مَكْرُوهَا [٦]
﴿إِنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: على طريقتهم، ﴿وكانَ الشَّيطانُ لِرَبِّهِ
كَفُورًا﴾ ٢٧: شديد الكُفر لنِعمه. فكذلك أخوه المُبذّر - ﴿وإمّا تُعرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ أي:
المذكورِينَ، من ذِي القُربَى ومَن بعده، فلم تُعطهم، ﴿ابتِغَاءَ رَحْمٍ مِن رَبِّكَ تَرجُوها﴾
أي: لطلب رِزق تنتظره، يأتيك فتُعطيهم منه، ﴿فَقُلْ لَهُم قَولَا مَيسُورًا﴾ ٢٨: ليّنًا
سهلًا، بأن تَعِدَهم بالإعطاء عند مجيء الرزق، ﴿ولا تَجعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾
أي: لا تُمسكها عن الإنفاق كُلّ الإمساك، ﴿ولا تَبسُطُها﴾ في الإنفاق ﴿كُلَّ البَسطِ،
فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ - راجعٌ للأوّل - ﴿مَحسُورًا﴾ ٢٩: مُنقطعًا لا شيء عندك. راجعٌ
للثاني. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبسُطُ الرِّزقَ﴾: يُوسّعه ﴿لِمَن يَشاءُ، ويَقْدِرُ﴾: يُضيّقه لمن يشاء.
﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ٣٠: عالمًا ببواطنهم وظواهرهم، فيرزقهم على حسَب
مصالحهم .
١- ﴿وَلا تَقْتُلُوا أولادَكُمِ﴾ بالوأد ﴿خَشْيَةَ﴾: مخافةَ ﴿إِملاقٍ﴾: فقر - ﴿نَحنُ نَرَزُقُهُم
وإيّاكُم. إنَّ قَتَلَهُم كانَ خِطْئًا﴾: إثمًا ﴿كَبِيرًا﴾ ٣١: عظيمًا - ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾.
أبلغُ مِن: لا تأتوه. ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾: قبيحًا ﴿وساءَ﴾: بئسَ ﴿سَبِيلًا﴾ ٣٢: طريقًا
هو! ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إلّا بِالحَقِّ - ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فقَد جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾:
لوارثه ﴿سُلطانًا﴾: تسلّطًا على القاتل. ﴿فلا يُسرِفْ﴾: يتجاوزِ الحدَّ ﴿في القَتلِ﴾،
بأن يقتل غيرَ قاتله، أو بغير ما قَتل به. ﴿إِنَّهُ كانَ مَنصورًا ٣٣ - ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيم
إلّا بِالَّتِي هِيَ أحسَنُ، حَتَّى يَبلُغَ أَشُدَّهُ، وأَوفُوا بِالعَهدِ﴾، إذا عاهدتم الله أو الناس -
﴿إِنَّ العَهِدَ كانَ مَسؤُولاً﴾ ٣٤ عنه - ﴿وَأَوْفُوا الكَيلَ﴾: أتِمُّوه ﴿إذا كِلتُم، وزِنُوا بِالقِسطاسِ المُستَقِيمِ﴾: الميزان السويّ. ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وأحسَنُ
تأوِيلًا﴾ ٣٥: مالًا .
٢- ﴿وَلا تَقْفُ﴾: تَتْبعْ ﴿مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ. إنَّ السَّمعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾: القلب ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسؤُولًا﴾ ٣٦ صاحبُه: ماذا فَعل به؟ ﴿ولا
تَمِشِ في الأرضِ مَرَحًا﴾ أي: ذا مرح بالكِبْر والخُيلاء - ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرضَ﴾: تثقُبَها حتّى تبلغَ آخِرِها بكِبرِك، ﴿وَلَن تَبَلُغَ الحِبالَ
طُولًا﴾ ٣٧. المعنى: إنك لا تبلغ هذا المبلغ. فكيف تختال؟ ﴿كُلُّ ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿كانَ سَيِّئَةً عِندَ رَبِّكَ مَكَرُوهًا ٣٨. ذُلِكَ مِمّا أوحَى إِلَيْكَ﴾،
يا مُحمّد، ﴿رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾: المواعظ - ﴿ولا تَجعَلْ مَعَ اللهِ إلَهَا آخَرَ، فتُلقَى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدحُورًا﴾ ٣٩: مطرودًا عن رحمة الله.
(١) انظر الآية ١٥١ من سورة الأنعام. والأولاد: الأبناء والبنات، جمع ولد. والوأد: دفن الولد وهو حي. ونرزقهم: نيسر ما يحتاجون إليه في حياتهم.
وفي الأصل والنسختين وقرة العينين والمنحة وبعض المطبوعات: ((خطأ)). ولا تقربوه: تجنبوا مقدماته، كالخلوة والتغزل واللمس والنظر والقبلة. والزنى:
مجامعة المرأة بدون عقد شرعي. وكان أي: وما يزال. وساء: بلغ الغاية في القبح والسوء والشر. وسبيلًا: طريقًا واضحًا إلى الفساد وعذاب النار. والنفس:
الإنسان الحي. وحرم: منع قتلها. والحق: العدل الذي يوجب القتل، لأمثال المرتد والزاني المحصَن والقاتل للمؤمن المعصوم عمدًا. والمظلوم: الذي
لا يحق قتله. وجعل: صيّر. والحد: ما بيّه الشرع من الحكم. وغير قاتله: غير من قَتل المظلوم. وإنه أي: الولي الوارث للقتيل. والمنصور: المؤيّد بالشرع
والتيسير عند الحكام. والنهي عن القرب هو لأولياء اليتيم. والمال: ما اجتمع في المُلك من متاع وزينة. واليتيم: الطفل توفي والده. والتي هي أحسن: تنميةُ
المال والإنفاقُ على صاحبه بالمعروف. ويبلغ: يدرك. والأشُد: مرحلة الرشد واكتمال العقل. وأوفوا به: أدّوه تامًا. والعهد: ما يتعهد الإنسان بالتزامه.
ومسؤولًا: محاسَبًا صاحبه. والكيل: تحديد ما يقاس مقداره بالمكيال من المبيعات. والسوي: القويم العادل. وذلك: إتمامُ الكيل والوزنُ العادل. وخير:
أكثر نفعًا من مكاسب الظلم في الكيل والوزن. وأحسن: أجمل وأهنا. ومالًا: عاقبةً في الدنيا والآخرة.
(٢) العلم: الإدراك والمعرفة. والفؤاد: العقل الذي يدرك. وهو القلب يمدّ الدماغ بماء الحياة. انظر البحر ٣٧٨:٦. ومسؤولًا أي: للحساب والجزاء.
يعني: كل أولئك عنه تُسأل أنت. وتمشي: تسير وتتنقل حيث كنت. والمرح: شدة السرور. وتبلغ: تدرك. والجبال: جمع جبل. والمذكور: ما ورد في
الآيات ٢٢-٣٧، مما نُهي عنه أو أُمر بتركه. وهو أربع وعشرون خصلة. وكان أي: وما يزال. والسيئة: العمل القبيح، أي: ما حرمه الله. وفي ث وط
والمنحة والمطبوعات: ((سَيِّئُّهُ)). وعند ربك: في حكمه وشرعه. والمكروه: البغيض يعاقَب فاعله. والإشارة بـ ((ذلك)) إلى الآيات ٢٢-٣٨. وأوحى: أنزله إليك
على لسان جبريل ويسر حفظه وتبليغه. والحكمة: معرفةُ الحق لذاته والخير للعمل به، والإتقانُ لوضع الأمور في مواضعها. وتلقى: ترمى بالقهر والهوان.
وعن ابن عباس أن الآيات الثماني عشرة ٢٢-٣٩ كانت في ألواح موسى، عشر آيات من التوراة. تفسير الآلوسي ١٥: ١١٠. ومطرودًا: انظر الآيتين ١٨ و٢٢.
وقد كرر هنا للدلالة على أن التوحيد هو مبدأ الأمر ومنتهاه، وبدونه لا يصح عمل، وليبنى عليه ما يلي من الإنكار والتوبيخ.
الجزء الخامس عشر
٢٨٦
١٧ - سورة الإسراء
١ - ﴿أفأصفاكُم﴾: أخلصكم - يا أهل مكّة - ﴿رَبُّكُم بِالبَنِينَ، واتَّخَذَ مِنَ المَلائکةِ
إناثًا﴾: بناتًا لنفسه بزعمكم؟ ﴿إِنَّكُم لَتَقُولُونَ﴾ بذلكَ ﴿قَوْلًا عَظِيمًا ٤٠. ولَقَد
صَرَّفْنا﴾: بيّنّا ﴿في هذا القُرآنِ﴾، من الأمثال والوعد والوعيد، ﴿لِيَذْكَّرُوا﴾: يتّعظوا،
﴿وَما يَزِيدُهُم﴾ ذلك ﴿إِلّا نُفُورًا﴾ ٤١ عن الحقّ.
٢- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَو كَانَ مَعَهُ﴾ أي: اللهِ ﴿آلهةٌ، كَما تَقُولُونَ، إِذَا لابتَغَوا﴾: طلبُوا
﴿إِلَى ذِي العَرشِ﴾ أي: اللّهِ ﴿سَبِيلًا﴾ ٤٢ ليُقاتلوه. ﴿سُبحانَهُ﴾: تنزيهًا له، ﴿وتَعالَى
عَمّا يَقُولُونَ﴾، من الشُّركاء، ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا ٤٣! تُسَبِّحُ لَهُ﴾: تُنزّهُه ﴿السَّماواتُ السَّبعُ
والأرضُ ومَن فِيهِنَّ، وإن﴾: ما ﴿مِن شَيءٍ﴾ من المخلوقات ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ﴾، مُلتبسًا
﴿بِحَمْدِهِ﴾ أي يقول: سُبحانَ اللهِ وبحمده، ﴿ولَكِن لا تَفْقَهُونَ﴾: لا تفهمون
﴿تَسْبِيحَهُم﴾، لأنه ليس بلُغتكم. ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ٤٤، حيثُ لم يُعاجلكم
بالعُقوبة .
سُورَةِ الأَسَاءُ
إِذَالِكَ مِمَّا أَوْحَىّ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ الَّهِإِلَهَا
ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِ جَهَتََّ مَلُوْمًا مَّدْ حُورًا (٦) أَفَأَ صْفَكُوْرَبُّكُمْ
بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَئِكَةِ إِنَّا إِنَّكُمْلَتَقُولُونَ قَولًاً عَظِيمًا (3)
وَلَقَدْ صَرَّفْتَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلََّ نُفُورًا
قُل لَوْكَانَ مَعَدُرْ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّ بْنَغَوْ إِلَى ذِى الْعَرِْ سَبِيلًا
﴿بَ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُوَّ كَبِيرًا (٢٦) تُسَيِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ
السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنِفِيهِنَّ وَإِنِ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسِمُ بِهِ وَلَكِنْ
إِلَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٢) وَإِذَا قَرَأْتَ
﴿اَلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا
مَسْتُورًا (٢) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّمَاذَانِهِمْ
وَقْرَأْ وَ إِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَ أَدْبَرِ هِمْ نُفُورًا
﴿) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىّ
إِذْ يَقُولُ الَِّمُونَ إِن تَنَّبِعُونَ إِلََّرَجُلًا مَّسْحُورًا (٦) أَنْظُرْ
﴿كَيْفَ ضَرَبُوْلَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (ّ
وَقَالُواْأَعِذَا كُنَّا عِظَمَا وَرُفَنَا أَعِنَا لَمَبْعُوتُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
٣- ﴿وَإِذا قَرَأْتَ القُرآنَ جَعَلْنا بَينَكَ وبَينَ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخِرةِ حِجَابًا مَستُورًا﴾ ٤٥
أي: ساترًا لك عنهم، فلا يرونك - نزل فيمن أراد الفتك به وجه له - ﴿وَجَعَلْنا عَلَى
قُلُوبِهِم أكِنَّةَ﴾: أغطية، ﴿أن يَفقَهُوهُ﴾: من أن يفهموا القُرآن، أي: فلا يفهمونه،
﴿وفي آذانِهِم وَقْرًا﴾: ثِقَلًا فلا يسمعونه، ﴿وإذا ذَكَرَتَ رَبَّكَ في القُرآنِ وَحدَهُ وَلَّوا، عَلَى
أدبارِهِم نُفُورًا﴾ ٤٦ عنه. ﴿نَحنُ أعلَمُ بِما يَستَمِعُونَ بِهِ﴾: بسببه من الهُزء، ﴿إِذ
يَسْتَمِعُونَ إِلَيكَ﴾: إلى قراءتك، ﴿وإذ هُم نَجْوَى﴾: يتناجون بينهم أي: يتحدّثون،
﴿إِذ﴾: بدلٌ من ((إذ)) قبله ﴿يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ في تناجيهم: ﴿إن﴾: ما ﴿تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسحُورًا﴾ ٤٧: مخدوعًا مغلوبًا على عقله.
٤- قال تعالى: ﴿انظُرْ: كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمثالَ﴾ بالمسحور والكاهن والشاعر، ﴿فَضَلُّوا﴾ بذلك عن الهُدى، ﴿فلا يَستَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ٤٨ :
(١) الصواب أن هذه الآية نزلت فيمن قال من المشركين: ((الملائكة بنات الله))، وهم عدة قبائل منهم بعض قريش. فقد جعلوا الملائكة إناثًا، وزعموا أنهم
بنات الله، ثم عبدوهم أيضًا. فكانوا في ضلال مركب. والبنون: الذكور من الأولاد، جمع ابن. واتخذ: صنع. والملائكة: جمع ملّك. والإناث: جمع
أنثى. و((بناتًا)) أجاز الكوفيون نصب جمع المؤنث السالم بالفتحة، على لغة قليلة لبعض العرب. الارتشاف ٤١٩:١. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((بناتٍ)).
وذلك أي: الاعتقادُ بنسبة الأولاد إلى الله، وتأليهُ الملائكة. وعظيمًا: مبالِغًا في القبح. وبيّنًا: أوضحنا مرارًا. ويزيدهم: يضيف إليهم. وذلك أي: التصريف
والتبيين. والنفور: البعد والفرار.
(٢) الآلهة: جمع إله. وهو المعبود المطاع بحق. وتقولون: تزعمون. وذو العرش: صاحبه متفردًا به. والعرش هنا: الملك والسلطان والربوبية. والسبيل:
الطريق والوسيلة. ويقاتلوه أي: ويفسدوا حكمه، كما يكون بين الملوك. وتعالى: تعظم وتنزه. ويقولون: يزعمونه. ومن الشركاء أي: من وجودهم. والكبير:
العظيم لاحد له. والسماوات: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. ومن فيهن أي: من في السماوات والأرض وبينهما من المخلوقات. والحمد: الثناء على
الفضل والإحسان. والصواب، كما في الوجيز، أن المراد بالتسبيح هنا الدلالة على حكمته وتنزّهه من الأسواء، وأن المخلوقات كلها تدل على ذلك بما فيها
من العجائب، ولكن المشركين لا يستدلون ولا يعتبرون. فالتسبيح لغير العاقلين هو بلسان الحال لابلسان المقال. وكان أي: ولا يزال بدون قيد من الزمان.
والحليم: ذو العفو المطلق والصفح عن الذنب، والمتأني عند الغضب مع قدرة وقوة وتمكن. والغفور: الكثير السترِ للذنوب والصفح عنها .
(٣) قرأت: تلوت. والقرآن أي: بعض آياته. وجعل: صيّر. ولا يؤمنون: ينكرون. والآخرة: الحياة بالبعث للحساب والجزاء. والحجاب: الحاجز يخفي ما
وراءه. ونزل: يعني أن الآيات ٤٥-٤٨ نزلت فيهم. وفي البيضاوي أن الحجاب هنا معنوي، يحول دون فهم المشركين لِما في الآيات من الحق والهداية.
انظر ((المفصل)). والقلوب: جمع قلب. والأكنة: جمع كِنان. وهو الغطاء. والآذان: جمع أذن. وذكرتَ ربك: تلوت آيات التوحيد. ووحده: متفردًا
متوحّدًا. وولوا: ابتعدوا. والأدبار: الظهور، جمع دبر. يعني: مدبرين منقلبين. والنفور: جمع نافر. وهو المبتعد الهارب. انظر الآية ٥ من سورة فصلت.
وروي أن المشركين كانوا في دعوة للطعام، وقرأ عليهم النبي ◌َّه بعض الآيات، ودعاهم إلى الإسلام، فصاروا يتهامسون أنه مجنون أو مسحور أو شاعر.
فنزلت الآيتان، لفضح أسرارهم ووعيدهم بما يستحقون. الوجيز ١: ٤٨٠. وأعلم: أدرى وأكثر إحاطة. وبما يستمعون به أي: بالطريقة التي ينصتون بها إلى
القرآن. والنجوى: المتحدثون سرًا بينهم، جمع نجيّ. والظالم: من يضع الأمور في غير مواضعها. وأشنع ذلك هو الكفر. وتتبعون: توافقون وتطيعون، أي:
إن اتبعتموه فإنما تطيعون من فَقَدَ عقله.
(٤) انظر أي: تفكر وتأمل. وضربوا: جعلوا. والأمثال: جمع مَثَل. وهو الشَّبَه. وضلوا: ضاعوا وانحرفوا. ولا يستطيعونه: لايقدرون عليه لِما هم عليه من
الحيرة والجهل. وقالوا: انظرالآية ٥ من سورة الرعد. وكنا: صرنا. والعظام: جمع عظم. وهو القصب في الجسم يكون عليه اللحم. والرفات: الأجزاء
المفتتة كالتراب. والمبعوث: الذي يحييه الله للحساب والجزاء. والخلق: المخلوق. والجديد: المستحدث مرة ثانية. وكونوا: صيروا. والحجارة: جمع
حجر. والحديد: المعدن الصلب المعروف. أي: ولو كنتم أبعد عن الاتصال بالبشرية، حجارة أوحديدًا، لرّد الله إليكم الأرواح وجدّد فيكم الحياة حين=
١٧ - سورة الإسراء
٢٨٧
الجزء الخامس عشر
سُورَةِ الأَسْجَاءُ
﴿ قُلْ كُنُوْحِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥)أَوْخَلْقًامِمَّا يَصْبُفى
صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَّ قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّقَّ
فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَّقُلْ عَسَى أَن
يَكُونَ قَرِيبًا لا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ،
◌َوَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٢) وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْالَّتِىِ هِىَ
أَحْسَنُّ إِنَّالشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْهُمْإِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ
عَدُوَّا قُّبِينًا بَارَبُّكُمْأَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْيَرَ حَمْكُمْأَوْإِن يَشَأْ
يُعَذِّبَكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَرَبُّكَ أَعْلَمُ
بِمَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيْنَ عَلَى بَعْضِ
وَءَاتَيْنَا دَاوُرِدَ زَبُورًا (٥ّ قُلِ أَدَّعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلَا
يَمْلِكُونَ كَثْفَ الُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٦ أُوْلَكَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٦).
وَإِنِ مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوْهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيمَةِ
أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا(٥)
بالخِلّة ومُحمّدٍ بالإِسراء، ﴿وَآتَينا داوُدَ زَبُورًا﴾ ٥٥.
طريقًا إليه؟ ﴿وقالُوا﴾ منكرينَ للبعث: ﴿أإذا كُنّا عِظَامًا وَرُفاتًا أإنّا لَمَبعُوتُونَ
خَلْقًا جَدِيدًا ٤٩؟ قُلْ﴾ لهم: ﴿كُونُوا حِجارةً أو حَدِيدًا ٥٠، أو خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ
نصف
الخِزْبَ
٢٩
في صُدُورِكُم﴾: يعظم عن قَبول الحياة، فضلًا عن العِظام والرُّفات. فلا بُدّ
من إيجاد الروح فيكم. ﴿فَسَيَقُولُونَ: مَن يُعِيدُنا﴾ إلى الحياة؟ ﴿قُلِ: الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾:
خلقكم ﴿أوَّلَ مَرّةٍ﴾ ولم تكونوا شيئًا، لأنّ القادر على البدء قادر على الإعادة. بل هي
أهون. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾: يُحرّكون ﴿إِلَيْكَ رُؤُوسَهُم﴾ تعجّبًا، ﴿وَيَقُولُونَ﴾ استهزاءً:
﴿مَتَى هُوَ﴾ أي: البعثُ؟ ﴿قُلْ: عَسَى أن يَكُونَ قَرِيبًا ٥١، يَومَ يَدْعُوكُم﴾: يُناديكم من
القُبور، على لسان إسرافيل، ﴿فَتَستَجِيبُونَ﴾: فتجيبون دعوته من القُبور، ﴿بِحَمدِهِ﴾:
بأمره - وقيل: وله الحمد - ﴿وَتَظُّونَ: إن﴾ ما ﴿لَبِثُم﴾ في الدنيا ﴿إِلّا قَلِيلًا﴾ ٥٢،
لهول ما ترون.
١- ﴿وَقُلْ لِعِبادِي﴾ المُؤمنين، ﴿يَقُولُوا﴾ للكُفّار الكلمةَ ﴿الَّتِي هِيَ أحسَنُ - إنَّ
الشَّيطانَ يَنزَغُ﴾: يُفسد ﴿بَينَهُم. إنَّ الشَّيطانَ كانَ لِلإِنسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ٥٣: بيِّنَ
العداوة - والكلمة التي هي أحسن هي: ﴿رَبُّكُمْ أَعلَمُ بِكُم. إِن يَشَأْ يَرَحَمْكُم﴾ بالتوبة
والإيمان، ﴿أو إن يَشَأْ﴾ تعذيبَكم ﴿يُعَذِّبْكُم) بالموت على الكُفر. ﴿وما أرسَلْنَاكَ
عَلَيهِم وَكِيلًا﴾ ٥٤، فتُجبرَهم على الإيمان - وهذا قبل الأمر بالقتال - ﴿وَرَبُّكَ أَعلَمُ
بِمَن فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾، فيخصّهم بما شاء على قدر أحوالهم، ﴿ولَقَد فَضَّلْنا
بَعضَ النَِّيِّينَ عَلَى بَعضٍ﴾، بتخصيص كُلّ منهم بفضيلة، كُمُوسى بالكلام وإبراهيمَ
٢- ﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿ادعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهةٌ ﴿مِن دُونِهِ﴾، كالملائكة وعِيسى وعُزير. ﴿فلا يَملِكُونَ كَشفَ الضُّرِّ عَنكُم، ولا تَحوِيلاً﴾ ٥٦ له
إلى غيركم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ـهم آلهةً ﴿يَبْتَغُونَ﴾: يطلبون ﴿إِلَى رَبِّهِم الوَسِيلَةَ﴾: القُربة بالطاعة، ﴿أَيُّهُم﴾: بدل من واو ((يبتغون»، أي:
يبتغيها الذي هو ﴿أَقَرَبُ﴾ إليه، فكيف بغيره؟ ﴿وَيَرِجُونَ رَحْمتَهُ، ويَخافُوَنَ عَذابَهُ﴾ كغيرهم. فكيف يدعونهم آلهة؟ ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ
مَحذُورًا ٥٧، وإن﴾: ما ﴿مِن قَرْيةٍ﴾ - أُريدَ أهلُها - ﴿إِلَّا نَحنُ مُهلِكُوها، قَبَلَ يَوم القِيامةِ﴾ بالموت، ﴿أو مُعَذَّبُوها عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالقتل وغيره -
﴿كانَ ذلِكَ في الكِتابِ﴾: في اللوح المحفوظ ﴿مَسطُورًا﴾ ٥٨: مكتوبًا - ﴿وما مَنَّعَنا أن نُرسِلَ بِالآياتِ﴾، التي اقترحها أهل مكّة، ﴿إلّا أن كَذَّبَ
بِها الأوَّلُونَ﴾، لمّا أرسلناها، فأهلكناهم. ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذّبوا بها واستحقّوا الإهلاك. وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر مُحمّد،
﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ الّاقَةَ﴾ آيَةً ﴿مُبصِرةٌ﴾: بيّنة واضحة، ﴿فَظَلَمُوا﴾: كفروا ﴿بِها﴾ فأُهلكوا. ﴿وما نُرسِلُ بِالآياتِ﴾: بالمُعجزات ﴿إلّا تَخْوِيفًا﴾ ٥٩
للعباد ليؤمنوا .
=يشاء. والخلق: المخلوق. والصدور أي: القلوب التي تدرك وتعي، جمع صدر. ويعيدنا: يقدر أن يبعثنا. وأول مرة: في أول زمن خلقتم فيه. وهي: يعني
الإعادة. والرؤوس: جمع رأس. وعسى: وجب وتحقق. ويكون: يحصل ويقع. وإسرافيل: ملك عظيم، ينفخ في الصور للبعث. والأصح أن المنادي هو
جبريل، مع نفخ إسرافيل في الصور. والحمد: الثناء الجميل على الفضل. و((له الحمد)) الراجح في الحمد هنا أن المخاطَبين - وهم المشركون المنكرون
للبعث - يوافقون طلب الداعي ويلبون نداءه، فيُبعثون من قبورهم، حامدين الله على كمال قدرته، يثنون عليه وحده بإيمان وصدق، حين لا ينفعهم ذلك لأنهم
ماتوا على الكفر. وتظنون: تتيقّنون. ولبثتم: أقمتم ومكثتم. وفي الدنيا أي: أحياء وأمواتًا في القبور.
(١) حكم الآية يعم كل كلام وزمان ومكان فيه حكومات غير إسلامية. والعباد: جمع عبد. انظر سبب النزول في المفصل. والأحسن: الأنفع. والشيطان:
إبليس وأعوانه من الجن والإنس. والعدو: المعادي. والكلمة أي: المجموعة من الكلام. وأعلم بكم: أدرى منكم. ويشاء: يريد رحمتكم أو تعذيبكم.
ويرحمكم: يعطف عليكم بالإحسان. وأرسلناك: بعثناك للعمل والتبليغ. ووكيلًا: كفيلاً بهدايتهم. وفضلناه: ميزناه بما ليس في غيره من النعم. والخلة:
المودة الخالصة. وآتى: أعطى. وداود: من أنبياء بني إسرائيل. والزبور: كتاب أوحاه الله، فيه مائة وخمسون سورة، كلها دعاء وتمجيد ومواعظ.
(٢) انظر أسباب النزول في المفصل. وادعوهم: استغيثوا بهم. وزعمتم: ادعيتم. ومن دونه: من غير الله. ولا يملك: لا يستطيع بنفسه. والكشف: الإزالة.
والضر: ما كان من الأذى. والتحويل: التبديل. ويدعونهم: يسميهم المشركون كذبًا. والقربة: التقرب، أي: فهم يتضرعون إليه في طلب الرضا. وأقرب
إليه: إلى طاعته. والمراد بهؤلاء هم الملائكة. ويرجون: يتمنون. والرحمة: العطف بالإحسان. ومحذورًا: مخوفًا. والقرية: البلدة. ومهلكوها: نفني أهلها
حتف الأنف. ومعذبوها: نعذب أهلها. وذلك: ما ذكر من الإهلاك والتعذيب. ومكتوبًا: مسجلًا بقدر. ومنعنا أي: كان سبب تركنا. ونرسل بها: نحققها.
والآية: المعجزة. وكذب بها: أنكرها. والأولون: الأمم المستأصَلة بالعذاب. وآتينا: أعطينا. وثمود: من العرب العاربة قوم النبي صالح. والناقة: الأنثى من
الإبل. انظر الآيات ٦١-٦٨ من سورة هود. والآية: المعجزة. والظلم: مجاوزة الحد. وكفروا بها أي: أنكروها بسبب عقرها. والتخويف: التهديد بالعذاب.
الجزء الخامس عشر
٢٨٨
١٧ - سورة الإسراء
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قُلْنا لَكَ: إِنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ علمًا وقُدرة، فهم في قبضته.
فبلّغْهم ولا تخف أحدًا، فهو يعصمك منهم. ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيناكَ﴾ عِيانًا،
ليلة الإسراء، ﴿إِلَّّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾: أهل مكّة، إذ كذّبوا بها وارتدّ بعضهم لمّا أخبرهم
بها، ﴿وَالشَّجَرَةَ المَلعُونَ في القُرآنِ﴾ - وهي الزقّوم التي تنبت في أصل الجحيم -
جعلناها فتنة لهم، إذ قالوا: النار تُحرق الشجر. فكيف تُنبته؟ ﴿ونُخَوِّفُهُم، فما
يَزِيدُهُم﴾ تخويفنا ﴿إِلّا طُغيانًا كَبِيرًا﴾ ٦٠.
٢ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قُلْنا لِلمَلائكةِ: اسجُدُوا لِدَمَ﴾ سُجودَ تحيّة بالانحناء. ﴿فِسَجَدُوا
إلّا إبليسَ، قالَ: أَأَسجُدُ لِمَن خَلَقتَ طِينًا﴾ ٦١؟ نصبٌ بنزع الخافض أي: من طين.
﴿قَالَ: أَرَأيتَكَ﴾ أي: أخبِرْني ﴿هذا الَّذِي كَرَّمتَ﴾: فضّلت ﴿عَلَيَّ﴾ بالأمر بالسجود
له، ((وأنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ)). ﴿لَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿أَخَّرَتَنِيَ إِلَى يَومِ القِيامةِ،
لَأَحْتَنِكَنَّ﴾: لأستأصلنّ ﴿ذُرِّيَتَهُ﴾ بالإغواء، ﴿إِلّا قَلِيلاً﴾ ٦٢ منهم ممّن عصمتَه.
سُورَةِ الأَسَاءُ
وَمَا مَنَعَنَآ أَنْ تُرْسِلَ بِآلْأَيَتِ إِلَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَتِ
إِلَّا تَخْوِفًا (٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا
جَعَلْنَالرُّهُيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ
فِي الْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلَّا طَغْيَنًا كَبِيرًا
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِآَّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ
قَالَ ءَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينً ا قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى
كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ
ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٣ قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ
جَهَنَّمَ جَزَّآؤُ كُمْ جَزَآءَ مَّوْفُورًا [٣] وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ
مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ
فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُ هُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا
غُرُورًا(٦) إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى
بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٥َُّرَّبِّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ
فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهَِّ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
٣- ﴿قَالَ﴾ تعالى له: ﴿اذهَبْ﴾ مُنظَرًا إلى وقت النفخة الأُولى - ﴿فمَن تَبِعَكَ مِنْهُم
فإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُم﴾ أنت وهم ﴿جَزاءَ مَوفُورًا﴾ ٦٣: وافرًا كاملًا - ﴿واستَفْزِزْ﴾:
استخِفَّ ﴿مَنِ استَطَعتَ مِنهُم بِصَوتِكَ﴾: بدُعائك، بالغِناء والمزامير وكُلّ داع إلى
المعصية، ﴿وأجلِبْ﴾: صِحْ ﴿عَلَيهِم بِخَيلِكَ وَرَجْلِكَ﴾ - وهم الرُّكَّاب والمُشاة في
المعاصي - ﴿وشارِكُهُم في الأمْوالِ﴾ المُحرّمة كالربا والغصب ﴿والأولادِ﴾ من
الزنى، ﴿وَعِدْهُم﴾ أن لا بعث ولا جزاء - ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ﴾ بذلك ﴿إِلّا غُرُورًا﴾ ٦٤ : باطلًا - ﴿إِنَّ عِبادِي﴾ المُؤمنين ﴿لَيسَ لَكَ عَلَيهِم
سُلطانٌ﴾: تسلّط وقُوّة، ﴿وكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ ٦٥: حافظًا لهم منك!
٤ - ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُرجِي﴾: يُجري ﴿لَكُمُ الفُلكَ﴾: السُّفن ﴿فِي البَحرِ، لِتَبَتَغُوا﴾: تطلبوا ﴿مِن فَضِلِهِ﴾ تعالى بالتجارة - ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُم
رَحِيمًا﴾ ٦٦ في تسخيرها لكم - ﴿وإذا مَسَكُمُ الضُّرُّ﴾: الشِّدّة ﴿في البَحرِ﴾، خوفَ الغرق، ﴿ضَلَّ﴾: غاب عنكم ﴿مَن تَدعُونَ﴾: تعبدون من
الآلهة فلا تدعونه، ﴿إِلّا إيّاهُ﴾ تعالى - فإنكم تدعونه وحده لأنكم في شِدّة لا يكشفها إلّا هو - ﴿فَلَمّا نَجَاكُم﴾ من الغرق وأوصلكم ﴿إِلَى البَرِّ
أعرَضتُم﴾ عن التوحيد. ﴿وكانَ الإنسانُ كَفُورًا﴾ ٦٧: جَحودًا للنِّعم.
(١) قلنا لك: بلّغناك بالوحي. وأحاط بهم أي: هو قاهرهم على ما يريد. وجعلنا: صيّرنا. والرؤيا: ما يُرى بالعين. وأريناك: جعلناك تنظر بعينيك. والفتنة:
الامتحان لتمييز الصالح من الفاسد. والملعونة: المطرود من رحمة الله آكلُ ثمارها. ورُوي أن المشركين، لما خوفهم الله في بعض الآيات بشجر الزقوم في
جهنم، سخروا وقال أبو جهل: إن الزقوم هو الثريد بالزُّبد. أما والله لئن أمكنَنا منه لنَتَزْقَّمَنّه تزقُّمًا. فنزلت الآية تسجل ذلك عليهم. الواحدي ص ٢٩٦.
ونخوفهم: نهددهم. ويزيدهم: يضيف إليهم. والطغيان: التمادي في العصيان. والكبير: الضخم جدًا .
(٢) الملائكة: جمع ملَك. وإبليس: أبو شياطين الجن. وخلقت: أوجدت. وأخبر: أعلم. فالاستفهام معناه الدعاء. و((أنا خير)) هذا في الآيتين ١٢ من سورة
الأعراف و٧٦ من سورة ص. وأخرتني: أجلت موتي. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((أخَّرتَنِ)) بحذف ياء المتكلم للتخفيف، وهو واجب في رسم المصاحف.
واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من القبور للحساب. وأستأصِل: أُهلِكُ. والذرية: ما يكون من النسل.
(٣) اذهب: امض لشأنك الذي اخترته. والمُنظَر: المؤخَّر. والنفخة الأولى يكون بها نهاية الحياة الدنيا. وتبعك: أطاعك. واستطعت: تتمكن من إضلاله.
وداع: سبب. وصح عليهم: تصرّف فيهم بكل ما تقدر عليه. والخيل: واحده الفرس. والمراد من يركبها. والرَّجْل: واحده راجل. وهو الماشي. وذكرُ
الراكبين والمشاة يراد به جميع المضلَّلين من الإنس والجان. وشاركهم فيها: كن لهم مشاركًا. فأنت مماثل لهم في ذلك. والأموال: جمع مال. وهو ما
يملك من المتاع والزينة. والأولاد: جمع ولد. وعدهم: وسوسْ لهم واحملْهم على الاعتقاد الكاذب. والشيطان: إبليس. والغرور: تزيين الخطأ. والعباد:
جمع عبد. وكفى: يكفي ويغني عن غيره، يمنع إبليس من إغواء الصالحين المخلصين.
(٤) يجريها: ييسّر جريانها. والفلك: مفرده من لفظه. والبحر: ما كان فيه ماء كثير، كالنهر والبحيرة وغيرهما. والفضل: التفضل بالنعم. وكان أي: وما
يزال بدون قيد زماني. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان والإنعام. ومسكم: أصابكم. وغاب عنكم: ذهب عن خواطركم ولم يبق له في نفوسكم ذكر.
وتدعون: تدعونه بالتقديس والطاعة والاستعانة. ونجاكم: أنقذكم وخلصكم. والبر: الأرض اليابسة. وأعرضتم: ولّيتم وانصرفتم إلى تقديس المخلوقات
وعبادة غير الله. والإنسان: جنس البشر، لأن كل واحد لايكاد يؤدي شكر النعم. وجحودًا أي: هذه سجيته المتأصلة، ينسى النعم ويجحدها.
١٧ - سورة الإسراء
٢٨٩
الجزء الخامس عشر
◌ُوَرَةِ الأَسْرَاءُ
وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُهُ فِي الْبَحْرِضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَا تَجَدْكُمْ
إِلَى الْبَرِّأَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَنُ كَفُورًا (٦)أَفَأَ مِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ
بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّأَ وْيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّلَا تَجِدُ واْلَكُمْ
وَكِيلًا (٨َّ أَوْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ
عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الْرِّيجِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّلَا تَجِدُواْ
لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ يَبِيعًا ﴿٤﴾ وَلَقَذْكَرَّمْنَا بَنِيَّدَمَ وَحَلْنَهُ
فِ الْبَرِّوَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى
يَوْمَ نَدْعُواْكُلَّ أَنَاسٍ
كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ®
◌ِإِمَمٍِ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَعِينِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ
كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿ وَمَنْ كَانَ فِىِهَذِهِ.
أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٨)وَ إِن كَادُواْ
لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ.
وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنْنَكَ لَقَدْكِدْتَّ
وَإِذَا لََّتَّخَذُوَ خَلِيلًا
تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٨) إِذَّا لَأَذَقْنَكَ ضِعْفَ
اُلْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا
١- ﴿أفأمِنْتُم أن نَخسِفَ بِكُم جانِبَ الْبَرِّ ﴾ أي: الأرضِ كقارونَ، ﴿أو نُرسِلَ عَلَیکُم
حاصِبًا﴾ أي: نرميَكم بالحصباء كقوم لُوط، (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُم وَكِيلًا﴾ ٦٨: حافظًا
منه؟ (أم أمِنْتُم أن نُعِيدَكُم فِيهِ﴾ أي: في البحر ﴿تارةً﴾: مرّة ﴿أُخرَى، فتُرسِلَ عَلَيكُم
قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ أي: ريحًا شديدة لا تمرّ بشيء إلّا قصفته فتَكسِرَ فُلكَكُم،
﴿فَتُعْرِفَكُمْ بِما كَفَرْتُم﴾: بكفركم، (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَينا بِهِ تَبِيعًا﴾ ٦٩ :
ناصرًا وتابعًا، يُطالبنا بما فعلنا بكم؟
ثلاثة أرباع
الخُزْبِّ
٢٩
٢- ﴿وَلَقَد كَرَّمْنا﴾: فضّلنا ﴿بَنِي آدَمَ﴾، بالعِلم والنُّطق واعتدال الخَلق وغير
ذلك، ومنه طهارتهم بعد الموت، ﴿وحَمَلْنَاهُم فِي الْبَرِّ﴾ على الدوابّ، ﴿والبَحرِ﴾
على السُّفن، ﴿وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وفَضَّلْنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقْنَا﴾ كالبهائم
والوحوش ﴿تَفْضِيلاً﴾ ٧٠. فـ ((مَن)) بمعنى: ما، أو على بابها وتشمل الملائكة،
والمراد تفضيل الجنس، ولا يلزم تفضيل أفراده إذ هم أفضل من البشر غيرَ الأنبياء.
٣- اذكرْ ﴿يَومَ نَدعُو كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم﴾: بنبيّهم، فيقال: يا أُمَّ فُلانٍ. أو بكتاب
أعمالهم فيقال: يا صاحب الخير، يا صاحب الشرّ - وهو يوم القيامة - ﴿فَمَنْ أُوتِيَ﴾
منهم ﴿كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، وهم السُّعداء أولو البصائر في الدنيا، ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ
كِتَابَهُم، ولا يُظْلَمُونَ﴾: يُنقصون من أعمالهم ﴿فَتِيلًا﴾ ٧١: قدر قِشرة النواة، ﴿ومَن
كانَ فِي هُذِهٍ﴾ أي: الدنيا ﴿أعمَى﴾ عن الحقّ ﴿فَهْوَ فِي الآخِرةِ أعمَى﴾ عن طريقٍ
النجاة وقراءةِ الكتاب، ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٧٢: أبعدُ طريقًا عنه.
٤- ونزل في ثقيفٍ، وقد سألوه ◌َ﴿ أن يُحرّم واديهم وألّوا عليه: ﴿وإنْ﴾: مُخفّفَةٌ ﴿كادُوا﴾: قاربوا ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾: لَيَستَزِلّونكَ ﴿عَنِ الَّذِي
أَوحَينا إلَيكَ، لِتَقْتَرِيَ عَلَينا غَيْرَهُ، وإِذَا﴾ لو فعلتَ ذلك ﴿لاتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا ٧٣، ولولا أن ثَبَتْنَاكَ﴾، على الحقّ بالعِصمة، ﴿لَقَد كِدتَ﴾: قاربتَ
﴿تَرَكَنُ﴾: تميل ﴿إِلَيهِم شَيئًا﴾: رُكونًا ﴿قَلِيلاً﴾ ٧٤، لشِدّة احتيالهم وإلحاحهم. وهو صريح في أنه وَّ لم يركَن ولا قارب. ﴿إِذَا﴾ لو ركنتَ
﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعفَ﴾ عذابِ ﴿الحَياةِ، وضِعفَ﴾ عذابِ ﴿المَماتِ﴾ أي: مِثْلَي ما يُعذّب به غيرُك في الدنيا والآخِرة، ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ علَينا
نَصِیرًا﴾ ٧٥: مانعًا منه.
(١) أمنتم: سلمتم وزال خوفكم. ونخسفه: نصيّره تحت الصخور والتراب أو الماء. وجانب البر: الجزء الذي أنتم فيه. وقارون: من قوم موسى، أهلكه الله
بالخسف. ونرسل: نوجّه. والحاصب: الريح ترمي بالحجارة الصغار. وتجد: ترى. ونعيدكم: نجعلكم. والتارة: المدة. والأُخرى: المغايرة. والريح:
الهواء المتحرك. ونغرقكم: نميتكم خنقًا بالماء. وفي الأصل: ((فتُغرِقَكُم)). وفيما عداه وعدا خ وع والفتوحات: ((أن يُعِيدَكُم ... فيُرسِلَ ... فيُغرِقَكُم)).
والكفر: الجحود للنعم والتكذيب لله ورسوله.
(٢) كرمناهم: جعلناهم أصحاب شرف ومحاسن. وبنو آدم: البشر. والطهارة بعد الموت تعني أن نجاسة الكافرين معنوية. وهذا مذهب الشافعي.
وحملناهم: جعلنا لهم ما يُحملون عليه. ورزقناهم: خلقنا لهم. والطيب: ما يُستلذ من الطعام والمتاع. وفضلناهم: ميزناهم بمنزلة أظهر وأرفع. وخلقناه:
أوجدناه من العدم. و((هم)) يعني الملائكة. وغير الأنبياء: يعني أن تفضيل جنس البشر على أجناس المخلوقات لا يلزم عنه تفضيل كل إنسان على الملائكة،
لأنه لا يفضلهم غيرُ الأنبياء. وهذا إن كانت ((مَن)) للعاقل مع تغليبه على غيره. وإن كانت بمعنى ((ما)) فهي لغير العاقل، ولا تشمل الملائكة أيضًا. وبه يكون
جنس البشر مفضلًا على كثير من البهائم والوحوش، لاعلى جميعها .
(٣) ندعوهم: نناديهم للحساب والجزاء. وأناس: واحده إنسان. وكل أناس أي: كل أمة. والإمام: من يُقتدى به. وبنبيهم أي: باسم نبيهم. وأوتيه: أعطيه،
أي: استطاع أخذه. وكتابه: الصحائف التي سُجلت فيها أعماله. واليمين: اليد اليمنى، وهي رمز الكرامة. ويقرؤونه: يتلون ما فيه. وفتيلًا أي: ظلمًا بقدر
الفتيل في الدقة. و((قشرة النواة)) كذا. وهو سهو. انظر تفسير الآية ٤٩ من سورة النساء. وأعمى: فاقد البصيرة والرشد. وهو الضال يصرّ على العصيان حتى
الموت. فهو لا يقرؤه قراءة سرور، ويغتم به ويتمنى ألّا يكون. وأضل أي: من نفسه في الدنيا. وعنه: عن طريق النجاة .
(٤) ثقيف: قبيلة من هوازن هزمت في غزوة حنين، وأسلمت بعد ذلك. انظر سبب النزول في المفصل. ومخففة أي: حذفت نونها الثانية. وقاربوا أي: في
زعمهم وتوهمهم، حين رجوا أن توافقهم في ضلالهم. ويستزلّونك: يضلونك ويجعلونك تنزلق. وفيما عدا الأصل وخ: ((ليستنزلونك)). والذي أوحينا: ما
أنزلناه في القرآن ويسرنا حفظه وتبليغه. وتفتري: تختلق. وإذًا أي: حين ذلك. ولا تخذوك خليلًا أي: واللهِ ليجعلُنّك صديقًا مصافيًا. وثبتناك: رسّخناك.
والمعنى: امتنع قربك ذلك لوجود تثبيتنا. وأذقناك: أنزلنا بك. ولا تجد: انظر الآية ٦٨. وفي حديث مرفوع، أن النبي * لما نزلت هذه الآية صار يقول بعد
ذلك: ((اللَّهُمَّ، لا تَكِلنِي إلى نَفسِي طَرْفَةَ عَينٍ)). حاشية الكشاف ٦٨٥:٢ .
الجزء الخامس عشر
٢٩٠
١٧ - سورة الإسراء
١- ونزل، لمّا قال له اليهود: ((إن كنتَ نبيًّا فالحقْ بالشام، فإنها أرضُ الأنبياء)»:
﴿وإنْ﴾: مُخفّفةٌ ﴿كَادُوا لَيَستَفِزُّونَكَ مِنَ الأرضِ﴾ أرض المدينة، ﴿لِيُخرِجُوكَ مِنها،
وإذَا﴾ لو أخرجوك ﴿لا يَلْبَثُونَ خَلفَكَ﴾ فيها ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٧٦، ثمّ يُهلَكون، ﴿سُنَّةَ مَن
قَد أرسَلْنا قَبَلَك، مِن رُسْلِنا﴾ أي: كسُنّتنا فيهم، من إهلاك من أخرجهم، ﴿ولا تَجِدُ
لِسُنّتِنا تَحوِيلًا﴾ ٧٧: تبديلًا.
٢- ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمسِ﴾ أي: من وقت زوالها، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيلِ﴾: إقبال
ظُلمته أيَّ: الظُّهرَ والعصرَ والمغرِبَ والعِشاءَ، ﴿وَقُرآنَ الفَجرِ﴾: صلاةَ الصُّبح - ﴿إِنَّ
قُرْآنَ الفَجرِ كانَ مَشهُودًا﴾ ٧٨: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار - ﴿ومِنَ اللَّيلِ
فَتَهَجَّدْ﴾: فصَلِّ ﴿بِهِ﴾: بالقُرآن، ﴿نافِلَةً لَكَ﴾: فريضةً زائدة لك دُون أُمّتك، أو فضيلةً
على الصلوات المفروضة. ﴿عَسَى أن يَبعَثَكَ﴾: يُقيمَك ﴿رَبُّكَ﴾ في الآخرة ﴿مَقَامًا
مَحمُودًا﴾ ٧٩: يحمَدك فيه الأوّلون والآخرون. وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء.
سُورَةِ الأسماء
وَإِن كَادُواْلَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا
وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٦) سُنَّةَ مَن قَدْ
أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَّاً وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [٣] أَقِمِ
الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّإِنَّ
قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًّا ﴿ وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْبِهِ،
ـنَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا [٩] وَقُل رَّبِّ
◌َأَدْخِلِ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِىِ مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِمِن
الَّدُنْكَ سُلْطَنَّا نَصِيرًا ﴿ وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ
﴿إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَاهُوَ شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الََّلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٢) وَإِذَا
﴿أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَاِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ يَتُوسًا
﴿ قُلْ كُلٌ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، فَرَبْكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى
سَبِيلًا ﴿ا وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوَجْ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَتِى
وَمَا أُوتِتُرِ مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٥ْ وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَّذْهَبَنَّ
بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّلَا تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا
٣- ونزل لمّا أُمر بالهِجرة: ﴿وقُلْ: رَبِّ، أدخِلْنِي﴾ المدينةَ ﴿مُدخَلَ صِدقٍ﴾: إدخالًا
مَرْضيًّا، لا أرى فيه ما أكره، ﴿وأخرِجْنِي﴾ من مكّةَ ﴿مُخرَجَ صِدقٍ﴾: إخراجًا لا
ألتفت بقلبي إليها، ﴿واجعَلْ لِي مِن لَدُنكَ سُلطانًا نَصِيرًا﴾ ٨٠: قُوّة تنصرني بها على
أعدائك. ﴿وَقُلْ﴾ عِند دُخولك مكّة: ﴿جاءَ الحَقُّ﴾: الإسلامُ، ﴿وَزَهَقَ الباطِلُ﴾:
بَطَلَ الكُفر. ﴿إِنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ ٨١: مُضمحلًا زائلًا. وقد دَخَلَهَا وَه «وحَولَ
البَيتِ ثلثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فجَعَلَ يَطعُنُها بعُودٍ في يَدِهِ، ويَقُولُ)) ذلك، حَتّى سَقَطَتْ. رواه الشيخان.
٤ - ﴿وَنُنْزِلُ مِنَ﴾: للبيان ﴿القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ﴾ من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ به، ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ﴾: الكافرين ﴿إِلَّا خَسارًا﴾ ٨٢
لكُفرهم به، ﴿وإذا أنعَمْنا عَلَى الإنسانِ﴾ الكافر ﴿أعرَضَ﴾ عن الشُّكر، ﴿ونَأَى بِجانِهِ﴾: ثنى عِطفه مُتبخترًا، ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: الفقر والشِّدّة
﴿كانَ يَؤُوسًا﴾ ٨٣: قَنوطًا من رحمة الله. ﴿قُلْ: كُلِّ﴾ منّا ومنكم ﴿يَعمَلُ عَلَى شاكِلتِهِ﴾: طريقته. ﴿فَرَبُّكُمْ أَعلَمُ بِمَن هُوَ أهدَى سَبِيلًا﴾ ٨٤:
طريقًا فيُثيبه.
٥ - ﴿وَيَسألُونَكَ﴾ أي: اليهودُ ﴿عَنِ الرُّوحِ﴾ الذي يحيا به البدن. ﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿الرُّوحُ مِن أمرِ رَبِّي﴾ أي: عِلمِه لا تعلمونه، ﴿وما أُوتِيتُم مِنَ
(١) الحق به: توجه إليه. والراجح أن الآيات ٧٦ -٨٠ مكية، وكانت قريش تحاول إخراج النبي عليه بالقوة. انظر لباب النقول وتعليقنا على تفسير الآية ٨٠.
ويستفزونك: يزعجونك. ويلبث: يبقى. وفي قرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((خِلافَكَ)). والسُّنّة: الطريقة المستقرة. والرسل: جمع رسول. ولا تجد:
لا ترى. ونفي الوجدان يعني: ليس لسُنّتنا تغيير لتجده، إذ لكل شيء قدر محدد وزمن معين.
(٢) أقم الصلاة: أدّها كما فُرضتْ. والمراد بذلك هو الاستمرار. والدلوك: التحول من وسط السماء. والغسق: سواد الليل. والفجر: انكشاف ظلمة الليل.
وتشهده أي: لأنهم يتعاقبون على الإنسان وقت صلاة الصبح فيحضرونها جميعًا. وتهجد: اسهر للصلاة. وبالقرآن أي: بتلاوته في الصلاة. والفريضة: ما يلزم
القيام به. والفضيلة: المندوب إليه زيادة. وعسى: وجب وتحقق. والمقام: القيام. والمحمود: الذي يذكر بالشكر. والقضاء يعني: وقت الفصل بين الناس.
(٣) روي أنه لما عزم كفار قريش، على إخراج النبي ◌ّ ر من مكة، أراد الله ألّا يكون منهم ذلك، فأمره بالهجرة، وأنزل الآية. الواحدي ص ٢٩٩. وهذا
يعني أن الآية مكية، خلافًا لِما نص عليه السيوطي في مستهل تفسير السورة. ورب أي: ياربي. والمرضي: الذي يرضاه الله ويطمئن فاعله. و((لا ألتفت بقلبي))
فيه نظر، لأن النبي ◌َّ بقي متشوقًا إلى مكة وما فيها. انظر ((المفصل)). واجعل: صيّر. ومن لدنك: من عندك وبأمرك. والنصير: من النصر. وجاء: ظهر.
و((الشيخان)) كذا، ولفظ الحديث هو من تفسير الخازن ١٧٩:٤، خلافًا لما جاء في الأحاديث ٢٣٤٦ و٤٠٣٦ و٤٤٤٣ في البخاري و١٧٨١ في مسلم.
(٤) ننزل: نوحي. والشفاء: الشافي، أي: يكشف علل القلوب في العقيدة والفكر والخُلق. والرحمة: العطف بالهداية. ويزيدهم: يضيف إليهم. والخسار:
ضياع مكاسب الدنيا والآخرة. وأنعم: تفضل بالخير. والإنسان: جنس البشر، لأنه قلّ أن يقدّر أحد نعمَ الله حق قدرها. وأعرض: امتنع. وعطف الإنسان:
أحد طرفيه. والمتبختر: المتكبر. ومسه: نزل به. والشر: ما فيه ضرر. وكان: صار. ويعمل: يتصرف باختيار. وشاكلته: مُشابهته من الاستعداد، وما ألفه من
الأخلاق. وأعلم: أكثر دراية به من نفسه. وأهدى: أكثر رشادًا إلى الحق .
(٥) انظر سبب النزول في المفصل. ويسأل: يطلب الجواب. والروح: حقيقةُ ماتقوم به حياة البدن. وفي تفسير الروح سبعون قولًا. والواجب التزام ما جاء
في الآية هذه، أن حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه ولا تدركه العقول. وأوتيتم: أعطيتم. والعلم: المعرفة للحقائق. وشئنا: أردنا إذهابه، كما فعلنا بالكتب=
١٧ - سورة الإسراء
٢٩١
الجزء الخامس عشر
سُورَةِ الأَسْجَاءُ
إِلَّا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا لِهَاقَل
لَِّ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْحِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْبِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ
لَا يَأْتُوُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٣) وَلَقَدْ
صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَ أَكْثَرُ النَّاسِ
إِلََّ كُفُورًا (﴾ وَقَالُواْلَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَلَنَا مِنَ
اُلْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٢) أَوْتَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّنْ تَّخِيلٍ وَعِنَبٍ
فَنُفَجِّرَاً لْأَنْهَرَ خِلَهَا تَفْجِيرًا ( أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا
زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْتَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَتِكَةِ قَبِيلًا (®
أَوْيَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْتَرْقَى فِ السَّمَاءِ وَلَن تُؤْمِنَ
لِرُفِيِّكَ حَتَّى تُنْزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبَا نَفْرَؤُمُّقُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ
كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْجَاءَ هُمُ
اُلْهُدَىّ إِلَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرَّارَ سُولًا ﴿ قُل لَّوْكَانَ
فِي الْأَرْضِ مَلَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَسِنِّينَ لَغَزَلْنَا عَلَيْهِمِ
مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكَارَسُولًا ﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبيرًا بَصِيرًا
العِلم إلّا قَلِيلًا﴾ ٨٥ بالنسبة إلى عِلمه تعالى. ﴿وَلَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ
بِالَّذِيَ أوحَينا إِلَيكَ﴾ أي: من القُرآنِ، بأن نمحوه من الصدور والمصاحف، ﴿ثُمَّ لا
تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا ٨٦. إلّا﴾ لكن أبقَيناه ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ. إنَّ فَضلَهُ كانَ عَلَيكَ
كَبِيرًا﴾ ٨٧: عظيمًا، حيثُ أنزله عليك، وأعطاك المَقام المحمود وغير ذلك من
الفضائل. ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ والجِنُّ عَلَى أن يأتُوا بِمِثلِ هذا القُرآنِ﴾، في
الفصاحة والبلاغة، ﴿لا يأْتُونَ بِمِثلِهِ، ولَو كانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهِيرًا﴾ ٨٨: مُعينًا. نزل
ردًّا لقولهم: (لَو نَشاءُ لَقُلنا مِثلَ هُذا)).
١- ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾: بيّنًا ﴿لِلنّاسِ، في هذا القُرآنِ، مِن كُلِّ مَثَلِ﴾: صفةٌ لمحذوف،
أي: مَثلًا من جِنس كُلِّ مَثل ليتّعظوا، ﴿فأَبَى أكثَرُ النّاسِ﴾ أي: أهلِ مكّة ﴿إلّا
كُفُورًا﴾ ٨٩: جُحودًا للحقّ، ﴿وقالُوا﴾ عطفٌ على ((أبى)): ﴿لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ
لَنا مِنَ الأرضِ يَنْبُوعًا﴾ ٩٠: عينًا ينبَعُ منها الماء، ﴿أو تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾: بُستانٌ ﴿مِن
نَخِيلٍ وعِنَبٍ، فتُفَجِّرَ الأنهارَ خِلالَها﴾: وَسْطَها ﴿تَفجِيرًا ٩١، أو تُسقِطَ السَّماءَ كَما
زَعَمْتَ عَلَينا كِسَفًا﴾: قِطَعًا، ﴿أو تأتِيَ بِاللهِ والمَلائكةِ قَبِيلًا﴾ ٩٢: مُقَابَلةٌ وعِيانًا
فنراهم، ﴿أو يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِن زُخرُفٍ﴾: ذهب، (أو تَرقَى﴾: تصعدَ ﴿فِي السَّماءِ﴾
بسلّم، ﴿وَلَن نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ - لو رقِيتَ فيها - ﴿حَتَّى تُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ منها ﴿كِتابًا﴾، فيه
تصديقك ﴿نَقْرَؤُهُ. قُلْ﴾ لهم: ﴿سُبحانَ رَبِّي﴾! تعجّبٌ. ﴿هَل﴾: ما ﴿كُنتُ إلَّا بَشَرًا
رَسُولاً﴾ ٩٣ كسائر الرسل؟ ولم يكونوا يأتون بآية إلّا بإذن الله.
٢- ﴿وَمَا مَنَعَ النّاسَ أن يُؤمِنُوا، إذ جاءَهُمُ الهُدَى، إلّا أن قالُوا﴾ أي: قولُهم
منكرين: ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٩٤، ولم يَبعث ملَكًا؟ ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَو كانَ في الأرضِ﴾ بدلَ البشر ﴿مَلائكةٌ، يَمِشُونَ مُطمَئِنِينَ، لَنَزَّلْنا عَلَيهِم
مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ٩٥، إذ لا يُرسَل إلى قوم رسول إلّا من جِنسهم، ليُمكِنَهم مُخاطبتُه والفهم عنه. ﴿قُلْ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَينَكُمْ﴾
على صِدقي! ﴿إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ٩٦: عالمًا ببواطنهم وظواهرهم.
=المنزلة قبلك. وأوحينا: أنزلناه على لسان جبريل للتبليغ والعمل، ويسرنا حفظه. ولا تجد: لا تلقى. والوكيل: المتسلط تُوكل الأمور إليه. والرحمة:
العطف بالإحسان. ومن ربك: من عنده وبأمره. والفضل: التفضل بالخير. واجتمعت: اتفقت. والإنس والجن أي: وسائر المخلوقات. ويأتون به:
يصنعونه. ومثله: شبيهه. وكان: صار. وقولهم في الآية ٣١ من سورة الأنفال.
(١) الناس: البشر. ومَثَل أي: معنى بديع يشبه الأمثال في غرابته. وصفة: يعني أن ((من كل)): متعلقان بصفة مقدرة للمفعول المحذوف. وأبى: أنكر ولم
يقبل. و((أهل مكة)) الظاهر تعميم الحكم ليشمل الكافرين في ذلك الوقت، ويُلحَق بهم مَن يكون من الكافرين إعلامًا بما يحصل من المستقبل. وعن ابن عباس
أن رؤساء قريش عاتبوا النبي وَله، لتسفيه عقائدهم وشتم آلهتهم، وأغرَوه بالمُلك والمال والجاه، فأجابهم أنه رسول يبلغ الدعوة ولا يحيد عنها. فطلبوا منه
أن يأتيهم بالمعجزات: تفجير الينابيع، وجعل الجبال ذهبًا، وخلق الحدائق والبساتين، وإحضار الملائكة تشهد له بالصدق، وإنزال كتب تقرأ وفيها
تصديقه ... وإلّا فلْيُسقط عليهم السماء انتقامًا وعقابًا. فنزلت هذه الآيات ردًا لمطالبهم، وبيانًا أن الرسول ليس له مثل ذلك، لأنه مكلف بالتبليغ والإرشاد.
الواحدي ص ٣٠٠-٣٠٣ ولباب النقول. ونؤمن لك: نصدّقك فيما تدعو إليه. وتفجر: تشقق وتجري. والأرض: أرض مكة. وتكون: تصير. والنخيل:
الشجر ثمره التمر. والعنب: شجر ثمره الكرمة. والأنهار: جمع نهر. وهو المجرى العظيم للماء. وفي الأصل وع: ((وسَطها)). وتسقط: تُلقي. والسماء: ما
يحيط بالأرض من عوالم علوية. وكما زعمت: كما ادعيت بتهديدك لنا من قبل. والكسف: واحدته كِشْفة. ط: ((كِسْفًا)). وتأتي به: تحضره. والملائكة: جمع
ملَك، مخلوقات نورانية معصومة مطهرة. وقبيلًا: مقابلًا ومواجِهًا لنا. ويكون: يصير. والبيت: ما يبنى للإقامة. وفي السماء: في معارجها والسبل التي تؤدي
إليها. وفي ط وقرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((على السلم)). ونؤمن: نصدّق نبوتك. والرقي: الصعود. وتنزل علينا: تلقي إلينا. والكتاب: الصحف فيها
كتابة. ونقرؤه: نتلو ما كُتب فيه. وسبحانه: تنزيهًا له وتقديسًا عما لا يليق به مما تقترحون وتتصورون. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه.
والبشر: الإنسان. والرسول: المرسَل للعمل والتبليغ، لاسلطان له فيما يتعنتون ويعاندون ويقترحون. وسائر الرسل: جميع باقيهم. وهم الذين مضوا قبله.
(٢) منعهم: كفّهم وصرفهم. والناس: كفار مكة. ويؤمنوا: تعترف قلوبهم بالتوحيد وما يتصل به. وجاءهم: أتاهم ووصل إليهم بالوحي من عند الله.
والهدى: الإرشاد إلى الحق والخير في الدنيا والآخرة. وقالوا: تكلموا بألسنتهم معتقدين جازمين. وأبعثَه: أأرسلَه مكلّفًا بالعمل والتبليغ. أي: محال أن يكون
الرسول من البشر. وقل لهم أي: أجبهم من قِبَلنا عما أنكروه من إرسال البشر. والأرض: موطن الحياة الدنيا. ويمشون: يتصرفون كما تتصرفون في الأرض.
ومطمئنين: مقيمين ومستقرين، يلزمهم ما يلزم المكلفين من عبادات وأحكام، وليس لهم صعود إلى السماء، ليعلموا ما يجب علمه. ونزلنا: أرسلنا. وفي قرة
العينين وبعض المطبوعات: ((يمكنهم)). وكفى: بلغ الغاية في الكفاية والاستغناء عما سواه. والشهيد: الشاهد والمُثبت أني رسول بلّغتكم ما كُلّفت به، وأنكم
تعاندون وتكابرون. وكان أي: وما يزال دائمًا أبدًا. والعباد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وقهرًا وتعبدًا.
الجزء الخامس عشر
٢٩٢
١٧ - سورة الإسراء
١- ﴿وَمَن يَهدِ اللهُ فَهْوَ المُهتَدِي، ومَن يُضلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُم أَولِياءَ﴾ يهدونهم ﴿مِن
دُونِهِ. ونَحشُرُهُم يَومَ القِيامَةِ﴾ ماشين ﴿عَلَى وُجُوهِهِم، عُميًا وبُكمًا وصُمَّا، مأواهُم
جَهَنَّمُ، كُلَّمَا خَبَتْ﴾: سكن لهبها ﴿زِدْناهُم سَعِيرًا﴾ ٩٧: تلقّبًا واشتعالًا. ﴿ذُلِكَ
جَزاؤُهُم بِأَنَّهُم كَفَرُوا بِآيَاتِنا، وقالُوا﴾ منكرين للبعث: ﴿أإذا كُنّا عِظامًا وَرُفاتًا،
أَإِنا لَمَبعُوتُونَ خَلقًا جَدِيدًا ٩٨؟ أوَلَم يَرَوا﴾: يعلموا ﴿أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ
السَّماواتِ والأرضَ﴾، مع ◌ِظمهما، ﴿قَادِرٌ عَلَى أن يَخلُقَ مِثْلَهُم﴾ أي:
الأناسيّ في الصِّغر؟ ﴿وجَعَلَ لَهُم أجَلًا﴾ للموت والبعث ﴿لا رَيبَ فِيهِ، فأَبَی
الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ ٩٩: جُحودًا له. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَو أَنْتُم تَملِكُونَ خَزائنَ
رَحْمَةِ رَبِّيَ﴾، من الرِّزق والمطر، ﴿إِذَا لَأمسَكُم﴾: لبخلتم ﴿خَشْيَةَ الإنفاقِ﴾: خوفَ
نفادها بالإنفاق فتفتقروا. ﴿وكانَ الإنسانُ قَتُورًا﴾ ١٠٠: بخيلًا.
٢- ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى تِسعَ آيَاتٍ بَيِّناتٍ﴾: واضحات. وهي اليد والعصا والطوفان،
والجراد والقُمّل والضفادع، والدم أو الطمس، والسِّنينُ ونقص الثمرات. ﴿فاسألْ﴾ -
يا مُحمّد - ﴿بَنِي إسرائيلَ﴾ عنه سُؤالَ تقريرٍ للمُشركين على صِدقك - أو فقلنا له:
اسألْ. وفي قراءة بلفظ الماضي - ﴿إِذ جاءَهُم، فقالَ لَهُ فِرعَونُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ - يا
مُوسَى - مَسحُورًا﴾ ١٠١: مخدوعًا مغلوبًا على عقلك.
سُورَةِ الأَسْرَءُ
وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِّوَ مَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَمْ أَوْلِيَآءَ
مِن دُونِهِ، وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْمًا
وَصُمَّا مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّةٌ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا
ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِقَايَئِنَا وَقَالُوَاْ أَءِذَا كُنَا عِظَمًا
وَرُفَتَّا ◌َءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًّا جَدِيدًا لَ ﴾ أَوَلَمْ يَرَوْأَنَّ اللَّهَ
الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَاً لََّرَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلََّ كُفُورًا()
قُل لَّوْأَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَابِنَ رَحْمَةٍ رَبِ إِذَا لَأَمْسَكُ خَشْيَةً
اُلْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَنُ قَتُورًا (٦) وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ
ءَيَتٍ بَيِنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّ يِلَ إِذْ جَاءَ هُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ
﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ
إِنِّي لَأَظْتُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا
هَؤُلَاءِ إِلََّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّ لَأَظُنُكَ
يَفِرْ عَوْنُ مَثْبُورًا (٣٦ فَأَرَادَأَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِّنَ اْلْأَرْضِ
﴿فَأَغْرَقْنَهُ وَ مَن مَّعَهُ جَمِيعًا (٦) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِي إِسْرٌِّيلَ
أُسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَاجَ وَعْدُ اُلْآَخِرَةِ حِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا
٣- ﴿قَالَ: لَقَد عَلِمتَ: مَا أَنزَلَ هُؤُلاءِ﴾ الآياتِ ﴿إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ والأرضِ
بَصائرَ﴾: عِبَرًا، ولكنّك تعاند، وفي قراءة بضمّ التاء، ﴿وإنّي لَأَظُنُّكَ - يا فِرِعَونُ - مَثبُورًا﴾ ١٠٢: هالكًا، أو مصروفًا عن الخير. ﴿فأرادَ﴾
فرعون ﴿أن يَستَفِزَّهُم﴾: يُخرجَ مُوسى وقومَه ﴿مِنَ الأرضِ﴾ أرض مصر، ﴿فأغرَقْنَاهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا ١٠٣، وقُلْنا مِن بَعدِهِ لِبَنِي إسرائيلَ: اسكُنُوا
الأرضَ. فإذا جاءَ وَعدُ الآخِرَةِ﴾ أي: الساعةِ ﴿جِئنا بِكُم لَفِيفًا﴾ ١٠٤ : جميعًا أنتم وهم.
(١) يهديه: يوجّه قدراته إلى الإيمان، لأنه يعلم ما في استعداده من الخير وتقبل الصلاح. والمهتدي: المسترشد للحق، لا تستطيع المخلوقات أن تضله.
وفيما عدا الأصل وخ وع: ((المُهتَدِ)) بحذف الياء، وهو واجب تبعًا لرسم المصاحف. ويضله: يصرف قدراته إلى عدم قبول الإيمان، تحقيقًا لاختياره السيئ
وما لديه من استعداد للشر والعصيان. وتجد: ترى. والأولياء: جمع ولي. وهو الذي يتولى الأمور ويرعى المصالح. ومن دونه: من غير الله. ونحشرهم:
نبعثهم للحساب. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من القبور بالبعث. والوجوه: جمع وجه. وماشين على وجوههم أي: يُسحبونٍ مقلوبين عليها.
والعمي: جمع أعمى. والبكم: جمع أبكم. وهو الذي لا ينطق. والصم: جمع أصم. والمأوى: مكان الالتجاء. وجهنم: اسم علم للنار أُعدت للكافرين.
وزدناهم: أضفنا إليهم. والجزاء: العقاب. وكفروا: كذّبوا. والآيات: آيات القرآن الكريم والأدلة على التوحيد والبعث. وكنا: صرنا. والعظام: جمع عظم.
وهو اللوح الذي عليه اللحم من الجسد. والرفات: الحطام المتفتت كالتراب. انظر الآية ٥ من سورة الرعد. والمبعوث: الذي يعود إلى الحياة بعد الموت.
والخلق: الإيجاد من العدم. والجديد: المستحدث مرة ثانية. وخلقها: أوجدها من العدم. وقادر عليه: متمكن منه. ومثلهم أي: أنفُسَهم. والمراد أن يعيد
خلقهم بأنفسهم بعد الموت. والأناسيّ: الناس، جمع إنسيّ. وجعل: صيّر. ولهم أي: لموتهم هم وغيرهم، ولبعثهم من القبور. والأجل: الوقت المعيّن
المقدّر. والريب: الشك. وأبى: امتنع. والظالم: من يتجاوز الحق. ولو أنتم أي: لو تملكون، يعني: تنفردون بالتصرف. والخزائن: جمع خزانة. والرحمة:
العطف بالإحسان. والإنفاق: بذل المال في الدنيا على النفس والغير. والنفاد: الفناء. وتفتقروا: يضيق عيشكم.
(٢) آتيناه: أعطيناه تأييدًا له وإعجازًا لقومه. والآيات: الخوارق المعجزة تحمل الناس على الإيمان. والواضحات: الظاهرات الدلالة على صدقه. والقمّل:
السوس ينخر الحبوب والثمار. والضفادع: جمع ضِفدع. والدم أي: سيلان الدماء في مياههم أو بالرُّعاف. والطمس: محق الأموال. والسنين: الجدب في
سنوات متوالية، جمع سَنة، على لغة من يعرب الجمع بالحركات. انظر الآيات ١٣٠-١٣٣ من سورة الأعراف. واسألهم: اطلب منهم الجواب. وإسرائيل:
لقب يعقوب. وبنوه: ذريته من أبنائه اليهود. وللمشركين أي: لأجل المشركين. و((اسأل)) المخاطَب هو موسى، أي: فقلنا: اسأل فرعونَ السماح ببني
إسرائيل. وبلفظ الماضي يريد القراءة: ((فسالَ)) بمعنى: فسألَ. والمراد: فسألَ موسى فرعونَ بني اسرائيل، أي: طلبهم منه لينقذهم من الظلم، ويذهب بهم إلى
الشام. انظر الآية ١٠٥ من سورة الأعراف. وهذه قراءة عند السيوطي غير شاذة كما في الإتقان ١٦٨:١. وجاءهم: أتاهم للتبليغ والدعوة. وفرعون ملك مصر
في عهد موسى. وأظن: أعلم. ومغلوبًا أي: سُحرتَ فتغلّب السحر على عقلك، واختل كلامك.
(٣) أنزل: خلق. والبصائر: جمع بصيرة، أي: ما يكون حجة قاطعة. خ: ((تعاندني)). وبضم التاء يريد قراءة ((عَلِمتُ)) أي: تحقّقتُ. وضمير المتكلم
لموسى. وأظن: أعلم باليقين. وأراد: قصد وعزم. ويخرجهم: يشردهم بالقتل والطرد. وأغرقناه: أمتناه خنقًا بماء البحر. ومن معه أي: قومه من القبط
العرب الذين يعبدونه. وبعده أي: بعد إغراقه. والأرض: أرض الشام ومصر. واسكنوها: اتخذوها موطنًا. وجاء: حصل. والوعد: وقت ما وُعد الناس به
من البعث. والظاهر أن الآخرة هنا هي آخر مرة مما ذكر في الآية ٤. وجئنا بكم: أحضرناكم إلى فلسطين لتكون نهاية مفاسدكم بجهاد المسلمين.
١٧ - سورة الإسراء
٢٩٣
الجزء الخامس عشر
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَّلٌ وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّمُبَشِيرًا وَنَذِيرً ()
وَقُرْءَانَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّْنَهُ نَنِيلًا (٦)
قُلْ ءَامِنُواْبِ أَوْلَا تُؤْمِنُوْ إِنَّالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَايُنْلَى
عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (٤٢) وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَآ إِنْ كَانَ
وَعْدُرَيْنَا لَمَفْعُولًا ◌َْ وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُ هُمْ
خُشُوعًا ® (٢٠) قُلِ آَدْ عُواْ اللَّهُ أَوِادْعُوا الرَّحْمَنَّأَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغْ
بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١) وَقُلِ اَلْحَمْدُ لِلّهِالَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْيَكُن
لَّهُ شَرِيِكٌ فِى الْمُلْكِ وَلَوْ يَكُن لَّهُ, وَلِيٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّمُتَكْبِرً ◌ّا
١- ﴿وبِالحَقِّ أَنزَلْناهُ﴾ أي: القُرآنَ، ﴿وبِالحَقِّ﴾ المُشتمل عليه ﴿نَزَلَ﴾ كما أُنزل، لم
يعترِهِ تبديل، ﴿وما أرسَلْناكَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿إلّا مُبَشِّرًا﴾ مَن آمن بالجنة،
﴿وَنَذِيرًا﴾ ١٠٥ مَن كفر بالنار، ﴿وَقُرآنًا﴾: منصوب بفعل يُفسّره: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾: نزّلناه
مُفرّقًا في عشرين سنة أو وثلاثٍ، ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَى مُكَثٍ﴾: مهل وتُؤَدَةٍ
ليفهموه، ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ ١٠٦ شيئًا بعد شيءٍ على حسَب المصالحِ.
٢- ﴿قُلْ﴾ لكُفّار مكّة: ﴿آمِنُوا بِهِ أو لا تُؤمِنُوا﴾. تهديد لهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ
أُوتُوا العِلمَ مِن قَبْلِهِ﴾: قبل نُزوله - وهم مُؤمنو أهل الكِتاب - ﴿إِذا يُتَلَى
عَلَيهِم يَخِرُّونَ لِلأذقانِ سُجَّدًا ١٠٧، ويَقُولُونَ: سُبحانَ رَبِّنا﴾: تنزيهًا له عن
خُلف الوعد! ﴿إِنْ﴾: مُخفّفَةٌ ﴿كَانَ وَعدُ رَبِّنا﴾ بنزوله وبعث النبيّ ﴿لَمَفْعُولًا ١٠٨ .
ويَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ، يَبِكُونَ﴾: عطف بزيادة صفة، ﴿وَيَزِيدُهُم﴾ القُرآن
﴿خُشُوعًا﴾ ١٠٩ : تواضعًا لله.
٣- وكان ﴿ يقول: ((يا أللهُ يا رَحمنُ)). فقالوا: ينهانا أن نعبد إلّهينٍ، وهو يدعو إلّهًا آخَر معه. فنزلَ: ﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿ادعُوا اللهَ، أوِ ادْعُوا
الرَّحْمنَ﴾ أي: سمّوه بأيّهما، أو نادُوه بأن تقولوا: يا الله يا رحمن. ﴿أيًّا﴾: شرطيّةٌ ﴿مَا﴾: زائدة أي: أَّ هذَينِ (تَدعُوا﴾ فهو حسنٌّ، دلّ على
هذا: ﴿فَلَهُ﴾ أي: فلمُسمّاهما ﴿الأسماءُ الحُسنَى﴾ وهذان منها. فإنها كما في الحديث: ((اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إِلَّ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحِيمُ، المَلِكُ
القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ، العَزِيزُ الجَبّارُ المُتكَبِّرُ الخالِقُ البارِئُّ المُصَوِّرُ، الغَفّارُ القَهَارُ الوَهَابُ الرَّزَّاقُ الفَتَاحُ العَلِيمُ، القابِضُ الباسِطُ
الخافِضُ الرّافِعُ المُعِزُّ المُذِلُّ، السَّمِيعُ البَصِيرُ الحَكَمُ العَدلُ، اللَّطِيفُ الخَبِيرُ الحَلِيمُ العَظِيمُ الغَفُورُ الشَّكُورُ، العَلِيُّ الْكَبِيرُ الحَفِيظُ المُقِيتُ
الحَسِيبُ الجَلِيلُ الكَرِيمُ الرَّقِيبُ الْمُجِيبُ، الواسِعُ الحَكِيمُ الوَدُودُ المَجِيدُ، الباعِثُ الشَّهِيدُ الحَقُّ الوَكِيلُ القَوِيُّ المَتِينُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ، المُحصِي
المُبدِئُّ المُعِيدُ المُحيِي المُمِيتُ الحَيُّ القَيُّومُ، الواجِدُ الماجِدُ الواحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ، القادِرُ المُقتَدِرُ المُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ، الأوّلُ الآخِرُ الظاهِرُ الباطِنُ
الوالي المُتعالي، البَرُّ التَّوَابُ المُنَقِمُ العَفُوُّ الرَّؤُوفُ، مالِكُ المُلكِ ذُو الجَلالِ والإكرامِ، المُقسِطُ الجامِعُ الغَنِيُّ المُغْنِي المائِعُ الضّارُّ النَّافِعُ،
النُّورُ الهادِي البَدِيعُ الباقِي الوارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ)). رواه الترمذيّ. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجَهَرْ بِصَلاتِكَ﴾: بقراءتك فيها فيسمعَك المُشركون،
فيسبوك ويسبّوا القُرآن ومَن أنزله، ﴿ولا تُخافِتْ﴾: تُسِرَّ ﴿بِها﴾ لينتفع أصحابك، ﴿وابتَغٍ﴾: اقصِدْ ﴿بَيْنَ ذُلِكَ﴾ الجهرِ والمُخافتةِ
﴿سَبِيلًا﴾ ١١٠: طريقًا وسَطًا.
٤- ﴿وَقُلِ: الحَمدُ للهِ الَّذِي لَم يَتَّخِذْ وَلَدًا، ولَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ﴾: في الأُلوهيّة، ﴿وَلَم يَكُنْ لَهُ وَلِيٍّ﴾ ينصره ﴿مِنَ﴾ أجل ﴿الذُّلِّ﴾ أي:
لم يَذِلَّ فيحتاجَ إلى ناصر. ﴿وَكَبْرُهُ تكبِيرًا﴾ ١١١: عظّمه عظمة تامّة، عن اتّخاذ الولد والشريك والذلّ وكُلّ ما لا يليق به. وترتيب الحمد على
ذلك للدلالة على أنه المُستحقّ لجميع المحامد، لكمال ذاته وتفرّده في صِفاته. وروى الإمام أحمد في ((مُسنده)) عن مُعاذ الجُهنيّ عن رسول الله
(١) الحق الأول: الحكمة المقتضية للتبليغ. وأنزلنا: أوحينا، والحق الثاني: ما يتضمنه القرآن. وأرسلناك: بعثناك. والمبشر: المبلغ بالخير. والنذير: المنذر
المهدد. وتقرؤه: تتلوه وتبلّغ مافيه، والناس: البشر، ونزّلناه أي: مفرَّقًا لا دُفعة واحدة. (٢) آمنوا: صدّقوا ما جئت به. انظر (المفصل)). وأوتوه: أُعطُوه.
والعلم: المعرفة اليقينية. ويخر: يسقط بسرعة، الأذقان: جمع ذَقَّن، والسُّجَّد: جمع ساجد. وخلف الوعد: الإخلال به. والوعد: التعهد بما سيكون.
ومفعولًا: محقّقًا. والصفة هي البكاء. ويزيدهم: يضيف إليهم. (٣) انظر سبب النزول في المفصل وتفسير الآية ١٨٠ من سورة الأعراف. وزائدة يعني:
لتوكيد الجملة الشرطية. ومسماهما أي: من دعي بهما. والأسماء: جمع اسم. والحسنى: أحسن الأسماء وأفضلها. وهذان أي: أن هذين الاسمين من تلك
الأسماء الحسنى. والملك: المالك لكل الخلق. والقدوس: الكامل التنزه. والمؤمن: الذي يُطمئن عبادَه. والمهيمن: الرقيب. والبارئ: المنشئ لما يريد.
والمصور: المسوّي لصور المخلوقات. والفتاح: الذي ييسر النعم. والقابض: المضيق للرزق. والباسط: الموسّع له. والحكم: الذي لامرد لقضائه.
واللطيف: العليم بخفيات الأمور. والشكور: المعطي الثوابَ الجزيل، والمُقيت: المتكفل بأقوات الخلق. والواسع: الذي لايُحَدّ غناه. والشهيد: الدائم
الحضور والعلم. والحق: الثابت وجودُه. والمعيد: الخالق للأشياء بعد فنائها. والقيُّوم: الدائم القيام بتدبير الخلق. والواجد: العالم بكل شيء. والماجد:
الكامل الشرف والفعل. والصمد: السيد يُقصد في الحوائج. والأول: القديم بلا ابتداء. والآخر: الباقي بلا انتهاء. والظاهر: الذي يظهر وجوده بآياته.
والباطن: المستتر عن العيون والبصائر، والبَرّ: المحسن. وذو الجلال والإكرام: المستحق للإجلال والإعظام وحده. والمقسط: الكامل العدل. والجامع:
الذي يحشر الخلق. والبديع: المنفرد بخلق الكون على غير مثال سابق. والحديث ٣٥٠٢ في الترمذي بلفظ مخالف لبعض ما ههنا. وعن ابن عباس أن النبي
* كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته، وكلما سمع المشركون القرآن سبوه ومن أنزله ومن جاء به، فنزلت الآية. الأحاديث ٤٤٤٥ و٧٠٥٢ و٧٠٨٧ و ٧١٠٨
في البخاري و٤٤٦ في مسلم. وتجهر: تُظهر صوتك عاليًا. (٤) الحمد: الثناء على الفضل والإحسان. ولم يتخذ ولدًا أي: لاولد له. والشريك: المشارك
في الألوهية. والولي: الناصر المعين. ومن أجله: بسبب حدوث شيء منه. والنفي في المواضع الثلاثة يفيد الاستمرار. انظر ((المفصل)). والتكبير أبلغ لفظة
عند العرب في معنى التعظيم والإجلال. وترتيب الحمد على ذلك: جعلُ الحمدِ مترتبًا على نفي النقائص الثلاث المذكورة في الآية. وروى أي: في المسند
٤٣٩:٣-٤٤٠. واللفظ هنا تلفيق بين حديثين، وهو حديث ضعيف. انظر مجمع الزوائد ٥٢:٧ وضعيف الجامع تحت الرقم ١٩. ومعاذ الجهني صحابي
جليل، والحديث رواه ابنه سهل عنه، وسهل هذا كان لَيِّن الحديث. وآية العز: الآية التي يترتب عزّ القارئ ورفعته على قراءتها والمواظبة عليها.
تتمة ٢٩٣
١٨ - سورة الكهف
الجزء الخامس عشر
* أنه كان يقول: ((آيةُ العِزْ: الحَمدُ لِلّهِ الَّذِي لَم يَتَّخِذْ وَلَدًا، ولَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في
المُلكِ)) إلى آخر السورة. والله - تعالى - أعلم.
٠٠٠
بِسِاللَّهِالرَّحْمِ الرَّحِيمِ
١- قال مُؤلّفه: هذا آخِر ما كمّلتُ به تفسير القرآن الكريم الذي ألّفه الشيخ
الإمام العلامة المُحقّق جلال الدين المحلّيّ الشافعيّ. رضي اللهُ عنه. وقد
أفرغتُ فيه جُهدي وبذلت فكري فيه، في نفائس أراها - إن شاء الله تعالى - تُجدي،
وألّفتُه في مُدّةٍ قدرٍ مِيعاد الكليم، وجعلتُه وسيلة للفوز بجنّات النعيم. وهو في الحقيقة
مُستفاد من الكتاب المُكمَّل، وعليه في الآي المتشابهة الاعتمادُ والمُعوَّل. فرحم الله
امرأً نظر بعين الإنصاف إليه، ووقف فيه على خطأ فأطلعني عليه. وقد قلتُ:
لِما أبدَيتُ، مَعْ عَجزِي وضَعِفِي
حَمِدتُ اللهَ رَبِّي، إذْ هَدانِي
اْحَمْدُ لِلّهِالَّذِىَ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ وَلَوْ يَجْعَل لَّهُ عِوَمَاً ﴾﴾
فَّمَالِبُنَذِّرَ بَأْسَاشَدِدًا مِن لَُّنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنَ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَّكِتِينَ
فِيهِ أَبَدًّا (٢) وَمُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ الَهُ وَلَدَافُّ
ومّن لِي بالقَبُولِ، ولَو بِحَرفٍ؟
فمَن لِي بالخّطا، فأُرَدَّ عَنْهُ؟
هذا، ولم يكن قطّ في خَلَدي أن أتعرّض لذلك، لعلمي بالعجز عن الخوض في هذه المسالك. وعسى الله أن ينفع به نفعًا جمًّا، ويفتح به
قُلوبًا غُلْفًا وأعيُنَا عُميًا وآذانًا صُمَّا. وكأنّي بمن اعتاد بالمطوّلات، وقد أضرب عن هذه التكملة وأصلها حسمًا، وعدل إلى صريح العِناد ولم
يوجّه إلى دقائقها فهمّا: ((ومَن كانَ في هُذِهِ أعمَى فهْوَ في الآخِرةِ أعمَى)). رزقنا الله به هداية إلى سبيل الحقّ وتوفيقًا، واطّلاعًا على دقائق كلماته
وتحقيقًا، وجعلنا به ((مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا))!
٢- وفُرغ من تأليفه يومَ الأحد عاشر شوّال سنة سبعين وثمانيمائة، وكان الابتداء فيه يوم الأربعاء مُستهلّ رمضان من السنة المذكورة. وفُرغ من
تبيضه يوم الأربعاء سادس صفر سنة إحدى وسبعين وثمانيمائة، على يد مؤلفه العلّامة جلال الدين بن عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
٣- [قال الشيخ الإمام العالم العلامة المحقّق المدقّق، جلال الدين المحلّيّ، تعمّده الله برحمته وأسكنه فسيح جنّته]:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَيِ الرَّحَةِ
وصلّى الله على سيِّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم
سورة الكهف
٤- مكية إلّا ((واصبر نفسك)) الآية، مِائَّةٌ وعشرُ آيَات أو خمسَ عشْرةً.
بِمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَةِ
٥- ﴿الحَمدُ﴾، هو الوصف بالجميل، ثابت ﴿لِلّهِ﴾ تعالى - وهل المُراد الإعلامُ بذلك للإيمانِ به، أو الثناءِ به، أو هما؟ احتمالاتٌ، أفيَدُها
(١) مؤلفه أي: جلال الدين السيوطي، و(من كان)) في الآية ٧٢ من سورة الإسراء. و(مع الذين)) في الآية ٦٩ من سورة النساء. (٢) زاد بعد هذه الفقرة في
بعض النسخ والمطبوعات: (قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الخطيب الطوخي: أخبرني صديقي العلامة كمال الدين المحلي، أخو شيخنا الإمام
جلال الدين المحلي - رحمهما الله - أنه رأى أخاه الشيخ جلال الدين المذكور في النوم، وبين يديه صديقنا الشيخ العلامة المحقق جلال الدين السيوطي
مصنّف هذه التكملة، وقد أخذ الشيخ هذه التكملة في يده، وتصفّحها وقال لمصنّفُها المذكور: أيُّهما أحسنُ، وضعي أو وضعُك؟ فقال: وضعي. فقال: انظر.
وعرض عليه مواضع فيها، وكأنه يشير إلى اعتراض عليه فيها بلطف، ومصنّف هذه التكملة كلما أورد عليه شيئًا يجيبه، والشيخ يبتسم ويضحك.
قال شيخنا الإمام العلامة جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، مصنف هذه التكملة: الذي أعتقده وأجزم به أن الوضع الذي وضعه الشيخ
جلال الدين المحلي - رحمه الله تعالى - في قِطعته أحسنُ من وضعي أنا بطبقات كثيرة. كيف، وغالب ما وضعته هنا مقتبس من وضعه، ومستفاد منه؟ لامرية
عندي في ذلك. وأما الذي رُئي، في المنام المكتوب أعلاه، فلعل الشيخ أشار به إلى المواضع القليلة التي خالفتُ وضعه فيها لنكنة، وهي يسيرة جدًا، ما
أظنها تبلغ عشرة مواضع، منها أنّ الشيخ قال في سورة ص: ((والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه)). وكنت تبعته أوّلًا، فذكرت هذا الحدّ في سورة
((الحِجر»، ثم ضربت عليه لقوله تعالى: ((ويَسألُونَّكَ عَنِ الرُّوحِ. قُلِ: الرُّوحُ مِن أمرِ رَبِي)) الآيةً. فهي صريحة أو كالصريحة، في أن الروح من علم الله - تعالى
- لانعلمه. فالإمساك عن تعريفها أولى. ولذا قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في جمع الجوامع: ((والروح لم يتكلم عليها محمد ﴿، فتُمسك عنها). ومنها
أنّ الشيخ قال في سورة الحج: ((الصابئون: فرقة من اليهود)». فذكرت ذلك في سورة (البقرة»، وزدت: ((أو النصارى)» بيانًا لقول ثان. فإنه المعروف خصوصًا
عند أصحابنا الفقهاء، وفي ((المنهاج)): ((وإن خالفَتِ السامرةُ اليهودَ، والصابئون النصارى، في أصل دينهم حَرُمْنَ)). وفي شرحه: أنّ الشافعي - رضي الله عنه
- نص على ((أن الصابئين فرقة من النصارى)). ولا أستحضر الآن موضعًا ثالثًا. فلعل الشيخ - رحمه الله تعالى - يشير إلى مثل هذا. والله أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب). وحَرُمْنَ أي: حَرُمَت نساء السامرة والصابئة وذبائحهم على المسلمين. (٣) سقط ((قال الشيخ ... جنته)) من الأصل، ومع بعض
السطرين التاليين من ط والفتوحات والصاوي والمنحة والمطبوعات. (٤) اصبر نفسك يعني: الآية ٢٨. وسقط ((أو خمس عشرة)) من خ. (٥) روي أن بعض
أهل الكتاب تدارسوا أمر الدعوة وقرئ عليهم شيء من القرآن، فخشعوا وقالوا: «هذا وقت نبوة المذكور في التوراة، وهذه صفته ووعدُ الله به واقع لا
محالة))، فنزلت هذه الآيات. البحر ٨٨:٦. وأنزله: أوحاه على لسان جبريل. ويجعل: يصيّر. والشديد: القوي العنيف، ومن لدنه: من عنده وبأمره . =
سُورَةُ الكَهْف
١٨ - سورة الكهف
٢٩٤
الجزء الخامس عشر
سُورَةِ الْجَمَفْ
مَّالَهُمْ بِهِ، مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِّبَابِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ
أَفْوَهِهِمَّ إِنْ يَقُولُونَ إِلََّ كَذِبًا (٥)فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ
عَلَىْءَ اثَرِهِمْ إِنْ لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا ﴿ إِنَا
جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْأَيُهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
} وَإِنَّالَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدً اجُرًُّا (٨ْ أَمْ حَسِبْتَ
أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِكَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا عَجَبًا
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْرَبَّنَآءَائِنَا مِن لَّدُنَكَ رَحْمَةً
وَهِىْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىَّءَ اذَانِهِمْ فِى
اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (٩) ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَوَ أَىُّ الْحِزْبَنِ
أَحْصَى لِمَا لِئُواْ أَمَدًا (٣) نَّحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِآلْحَقِّ
إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْبِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى [٣] وَرَبَطْنَا
عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْقَامُواْ فَقَالُواْرَتُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
لَنْ تَّدْعُواْ مِن دُونِ إِلَهَا لَقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطَالِ هَؤُلاءِ
قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِءَالِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم
بِسُلْطَانٍ بَيْنٍّ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ؟
الثالث - ﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ﴾ مُحمّد ﴿الكِتابَ﴾: القُرآن، ﴿وَلَم يَجعَلْ لَهُ﴾ أي:
فيه ﴿عِوَجًا﴾ ١: اختلافًا وتناقُضًا - والجملة: حال من الكتاب - ﴿فَيِّمَا﴾:
مستقيمًا، حالٌ ثانية مؤكّدة، ﴿لِيُنذِرَ﴾: يُخوّفَ الكتابُ الكافرين ﴿بَأْسًا﴾: عذابًا
﴿شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾: من قِبَلِ الله، ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصّالِحَاتِ أنَّ لَهُم
أجرًا حَسَنًا ٢، ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ ٣ - هو الجنة - ﴿ويُنذِرَ﴾ مِن جُملة الكافرين ﴿الَّذِينَ
قالُوا: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا٤. ما لَهُم بِهِ﴾: بهذا القول ﴿مِن عِلمٍ، ولا لِآَبائِهِم﴾ من قبلهم
القائلين له. ﴿كَبُرَتْ﴾: عظُمت ﴿كَلِمَةٌ، تَخرُجُ مِن أفواهِهِم﴾! كلمة: تمييز مُفسِّر
للضمير المُبهم، والمخصوصُ بالذمّ محذوف، أي: مقالتُهم المذكورةُ. ﴿إِن﴾: ما
﴿يَقُولُونَ﴾ في ذلك ﴿إِلّا﴾ مقولًا ﴿كَذِبًا﴾ ٥.
١- ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾: مُهلِكٌ ﴿نَفسَكَ علَى آثارِهِم﴾: بعدَهم أي: بعدَ تولّيهم عنك،
﴿إِن لَم يُؤمِنُوا بِهِذَا الحَدِيثِ﴾: القُرآنِ، ﴿أَسَفًا﴾ ٦: غيظًا وحُزنًا منك، لِحِرصك
على إيمانهم. ونصبُه على المفعول له. ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الأرضِ﴾، من الحيوان
والنبات والشجر والأنهار، وغير ذلك ﴿زِينَةً لَها، لِنَبِلُوَهُم﴾: لنختبرَ الناس ناظِرِينَ
إلى ذلك: ﴿أَيُّهُم أحسَنُ عَمَلًا﴾ ٧ فيه أي: أزهدُ له؟ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما علَيها
صَعِيدًا﴾: فُتاتًا ﴿جُرُزًا﴾ ٨: يابسًا لا يُنْبِتُ.
٢- ﴿أم حَسِبتَ﴾ أي: أظَننتَ ﴿أَنَّ أصحابَ الكَهفِ﴾: الغار في الجبل،
﴿وَالرَّقِيمِ﴾: اللوحِ المكتوبِ فيه أسماؤهم وأنسابُهم - وقد سئل ◌َّ عن قِصّتهم -
﴿كانُوا﴾ في قِصّتهم ﴿مِن﴾ جُملة ﴿آياتِنا عَجَبًا﴾ ٩: خبرُ ((كان)) وما قبله حال، أي:
كانوا عجبًا دُون باقي الآيات، أو أعجبَها؟ ليس الأمر كذلك. اذكرْ ﴿إِذ أوَى الفِتْيَةُ إِلَى الكَهفِ﴾: جمعُ فَتَّى - وهو الشابّ الكامل - خائفين على
إيمانهم من قومهم الكُفّار، ﴿فقالُوا: رَبَّنَا، آتِنا مِن لَدُنكَ﴾: من قِبَلِك ﴿رَحْمَةً، وهَيِّئُ﴾: أصلحْ ﴿لَنا مِن أمرِنا رَشَدًا﴾ ١٠: هِداية. ﴿فِضَرَبْنا عَلَى
آذانِهِم﴾ أي: أنَمْناهم، ﴿في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ١١: معدودة، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُم﴾: أيقظناهم، ﴿لِنَعلَمَ﴾ عِلمَ مُشاهَدة: ﴿أيُّ الحِزبَينِ﴾: الفريقين
المُختلفين في مُدّة لَبثهم ﴿أحصَى﴾: فعلٌ بمعنى ضَبَطَ، ﴿لِما لَبِثُوا﴾: للَبثهم: مُتعلّق بما بعده، ﴿أَمَدًا﴾ ١٢ : غاية؟
٣- ﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَأَهُم بِالحَقِّ﴾: بالصِّدق. ﴿إِنَّهُم فِتْيَةٌ، آمَنُوا بِرَبِّهِم وزِدْناهُم هُدَى ١٣، ورَبَطْنا عَلَى قُلُوبِهِم﴾: قوّيناها على قول الحقّ،
=ويبشرهم: يبلغهم الخبر السار. ويعمل: يكتسب. والصالحات: الأعمال حسنها الشرع. والأجر: الثواب. والحسن: الجميل. والماكث: المقيم. والأبد:
الزمن غير المتناهي. والمنذرون: اليهود والنصارى، لِما زعموا في عُزير والمسيح. واتخذه: صنعه لنفسه. والعلم: المعرفة اليقينية. أي: يقولون ذلك افتراء.
والآباء: جمع أب. والمراد هم الآباء والأجداد. والقائلين أي: ((اتخذ الله ولدًا)). والمراد بالكلمة هنا كلام مركب. وتخرج: تلفظ. والأفواه: مفرده فُوهٌ.
وهو الفم. ومقالتهم المذكورة يعني أن التقدير: كبرت الكلمةُ كلمةً، أي: ما أكبرها كلمة مكذوبة مختلقة، ليس لها مثيل في الأكاذيب! وفي ذلك أي: في
إشراكهم وادعائهم أن الله اتخذ ولدًا. والمقول هنا: القول. والكذب: المكذوب. (١) الآثار: جمع أثر. والمراد: على أثر إعراضهم. ويؤمن: يصدّق
ويستجيب. والمفعول له: يعني أن ((أسفًا)): مفعول لأجله. وجعلنا: صيّرنا. والزينة: التجميل بما يرغب الناس. والاختبار هنا ليظهر المحسن من المسيء.
وناظرين إليه أي: ملتفتين إلى ما على الأرض للاعتبار أو الاغترار. وأحسن: أجود. والعمل: ما يكون في القلب واللسان والجوارح. وفيه: في الاستفادة منه
والاعتبار به. وأزهد له: أقل اغترارًا بما على الأرض، لاستخدامه في سبيل الخير. وجاعلون: مصيّرون. وعليها: على الأرض. والفتات: ما يضمحل بالريح
ويتلاشى. (٢) الأصحاب: جمع صاحب. والآيات: المعجزات تخالف سنن الكون. والعجب: المُعجِب. و((ليس)) يعني أن الاستفهام المضمن في ((بل))
للإنكار، مع النهي للنبي ◌َلول عن التعجب ولمن سأله. أي: لا تظن أن قصتهم عجيبة بالنسبة إلى غيرها من الآيات العظيمة. وأوى إليه: التجأ إليه. والفتية:
جمع قلة للفتى. وكانوا سبعة بعد عيسى، هربوا بدينهم من مدينتهم، للنجاة من الشرك. وللقصاصين أخبار مضطربة في تفصيلات ذلك، ولم يرد في الحديث
الصحيح شيء منها. فلاحاجة إلى الرجم بالغيب وتقبل الأساطير. وآتنا: أعطنا. والرحمة: العطف بالإحسان. وهيئ: يسّر. وأمرنا: شأننا الذي صرنا إليه.
وهداية: تثبيتًا على الإيمان والأعمال الصالحة. وضربنا: أوجدنا حجابًا. والمراد: استجبنا دعاءهم وقضينا عليهم النوم، وسببناه بضرب الحجاب على
أسماعهم. والآذان: جمع أذن. ومعدودة: كثيرة. وعلم المشاهدة أي: لنُظهر لهم ويشاهَد ويحصل لهم ما علمناه، من ضبطهم مدة لبثهم في النوم.
والفريقان: القسمان من أهل الكهف. انظر الآية ١٩. وضبط أي: أتقن الحسبة وأحكمها وحفظها حفظًا بليغًا. وفي الأصل والصاوي وقرة العينين: ((فعل
بمعنى أضبط)). وصوابه: ((أفعَل بمعنى أضبط)). وهذا تفسير آخر، يعني أنه اسم تفضيل: أيهم أكثر ضبطًا وحفظًا؟ ولبثوا: أقاموا في الكهف نائمين. ومتعلق
بما بعده أي: من حيث المعنى. انظر ((المفصل)). والغاية: مدة الزمن. (٣) نقص: نسرد بالتفصيل. وفي ط والصاوي وقرة العينين والمنحة والمطبوعات:
((نقص نقرأ عليك)). والنبأ: الخبر العظيم. وآمنوا به: اعتقدوا وحدانيته. وزدناهم: أضفنا إليهم. والهدى: الإرشاد إلى الحق. وقاموا أي: انتصبوا على
أقدامهم ولم يسجدوا للأصنام. وندعوه: نعبده ونطيعه. والإله: المعبود بحق وحده. وفرضًا: افتراضًا ذهنيًا لافعلًا. وقومهم: الجماعة التي يعيشون معها.
واتخذوا: صيّروا. ويأتون به: يحضرونه حقيقة. وأظلم: أكثر تجاوزًا للحق. وافترى: اختلق وكذب. واعتزلتموهم: خالفتم ما هم عليه من الكفر .=
الجزء الخامس عشر
٢٩٥
١٨ - سورة الكهف
﴿إذا قامُوا﴾ بين يدي ملكهم وقد أمرهم بالسُّجود للأصنام، ﴿فقالُوا: رَبُّنَا رَبُّ
السَّماواتِ والأرضِ، لَن نَدعُوَ مِن دُونِهِ﴾ أي: غيرَه ﴿إِلَّهَا. لَقَد قُلْنا إذًا
شَطَطًا﴾ ١٤ أي: قولًا ذا شططٍ أي: إفراطٍ في الكُفر، إن دعونا إلّهًا غير الله -
ربع
الخِزِبْ
تعالى - فَرْضًا. ﴿هُؤُلاءِ﴾: مبتدأ ﴿قَومُنا﴾: عطف بيان ﴿اَّخَذُوا مِن دُونِهِ
آلِهةً. لَولا﴾: هلّ ﴿يَأْتُونَ عَلَيهِم﴾: على عِبادتهم ﴿بِسُلطانٍ بَيِّنٍ﴾: بحُجّة
ظاهرة. ﴿فَمَن أَظَلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ ١٥ بنسبة
الشريك إليه، تعالى؟ قال بعض الفِتية لبعض: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُم وما يَعْبُدُونَ إلّ اللهَ
فاتُوُوا إِلَى الكَهفِ، يَنْشُرْ لَكُم رَبُّكُم مِن رَحْمتِهِ، ويُهَيِّى لَكُم مِن أمرِكُم مِرِفَقًا﴾ ١٦،
بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس: ما ترتفقون به من غَداء وعَشاء.
١- ﴿وَتَرَى الشَّمسَ إذا طَلَعَت تَزَّاوَرُ﴾: بالتشديد والتخفيف: تميل ﴿عَن كَهفِهِم ذاتَ
اليَمِينِ﴾: ناحيتَه، ﴿وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُم ذاتَ الشِّمالِ﴾: تتركهم وتتجاوز عنهم فلا
تُصيبهم البتّةَ، ﴿وَهُم فِي فَجْوةٍ مِنْهُ﴾: مُتّسع من الكهف، ينالهم برد الريح ونسيمها .
(ذلِكَ﴾ المذكور ﴿مِن آياتِ اللهِ﴾: دلائلَ قُدرته. ﴿مَن يَهدِ اللهُ فَهْوَ المُهتَدِي، ومَن
يُضلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرشِدًا ١٧ . وتَحسِبُهُم﴾ - لو رأيتَهم - ﴿أيقاظًا﴾ أي: منتبهِينَ،
لأنّ أعينهم مُفتّحة، جمع يَقِظ بكسر القاف، ﴿وهُم رُقُودٌ﴾: نيام جمعُ راقد، ﴿وُقَلِبُهُم
ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾، لئلّا تأكل الأرض لُحومهم، ﴿وكَلِبُهُم باسِطْ ذِراعَيهِ
بِالوَصِيدِ﴾: بفِناء الكهف - وكانوا إذا انقلبوا انقلب معهم، وهو مثلهم في النوم
واليقظة - ﴿لَوِ الطَّلَعتَ عَلَيهِم لَوَلَّيتَ مِنْهُم فِرارًا، ولَمُلِئتَ﴾ - بالتخفيف والتشديد -
﴿مِنْهُم رُغْبًا﴾ ١٨، بسُكون العين وضمّها. منعهم الله بالرعب من دُخول أحد عليهم.
سُورَةِ الْجَمَفْ
وَإِذِ آَعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَايَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأُوٍُإِلَى الْكَهْفِ
يَنْشُرْ لَكُمْرَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَِّى لَكُ مِنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا
﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ
اَلْيَمِينِ وَ إِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ
مِنْةٌ ذَلِكَ مِنْءَايَتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَاَلْمُهْتَّدِّ وَمَن
يُضْلِلْ فَلَنِ تَجِدَلَهُ وَلِيَّاقُرْشِدًا { وَتَحْسَبُهُمْ أَنْقَاظًا
وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِّ وَكَلْبُهُم
بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدَّ لَوْاْطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ
أَ وَكَذَلِكَ بَعَتْنَهُمْ
فِرَارًا وَلَمُلِثْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا
لِيَتَسَآءَلُواْبَيْنَهُمْ قَالَ قَابِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمٌ قَالُوْلِتْنَا
يَوْمَا أَوْبَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْ
أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِإلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْأَيُّهَا أَزْكَى
طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَ
بِكُمْ أَحَدًا [٧َ إِنَّهُمْإِن يَظْهَرُ واْعَلَيْكُمْيَرْجُمُوَكُمْ
أَوْيُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوْاْ إِذَا أَبَدًا
٢- ﴿وَكَذْلِكَ﴾: كما فعلنا بهم ما ذكرنا، ﴿بَعَثْنَاهُم﴾: أيقظناهم، ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُم﴾ عن حالهم ومُدّة لَبثهم. ﴿قَالَ قائلٌ مِنْهُم: ◌َم لَبِثُم؟ قالُوا :
لَبِثْنَا يَومًا أو بَعضَ يَومٍ﴾. لأنهم دخلوا الكهف عِند طُلوع الشمس وبُعِثُوا عِند غُروبها، فظنّوا أنه غُروب يوم الدخول. ثمّ ﴿قالُوا﴾ مُتوقّفين في
ذلك: ﴿رَبُّكُم أعلَمُ بِّما لَبِثُم. فابعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرْقِكُم﴾، بسكون الراء وكسرها: بفِضّتكم ﴿هَذِهِ إِلَى المَدِينةِ﴾ - يقال: إنها المُسمّاة الآن
طَرَسُوسَ بفتح الراء - ﴿فَلْيَنظُرْ: أيُّها أزكَى طَعامًا﴾: أُّ أطعمة المدينة أحلّ؟ ﴿فَلْيأْتِكُم بِرِزقٍ مِنْهُ، ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ١٩ . إنَّهُم إن
=ويعبدون: يقدسون ويطيعون من الأصنام والمخلوقات. وائووا إليه: التجئوا إليه واستقروا فيه. وينشر: يبسط ويوسع. والرحمة: العطف بالإحسان. ويهيئ:
ييسر. والأمر: الشأن والحال. وبالعكس يريد القراءة: ((مَرفِقًا)). وترتفقون به أي: تنتفعون به. (١) ترى: تبصر عيانًا، أي: لو راقبت أحوالهم لرأيت. وطلعتْ:
ظهرت. وبالتخفيف يريد القراءة: (تَزاوَرُ)). فالأصل ((تَتَزاوَرُ)) سكنت التاء الثانية وأبدلت زايًا وأدغمت في الزاي بعدها، في القراءة الأولى، وفي القراءة الثانية
حذفت التاء للتخفيف. وذات اليمين أي: نحو يمين الكهف. وغربت: دنت الشمس من المغيب. وذات الشمال أي: نحو شمال الكهف. والظاهر أن الكهف كان
جنوبيًا، فالشمس تصادف يمينه صباحًا وشِماله قبل الغروب، وتدخله ظهرًا دون أن تتوجه إليهم وتنال منهم. هذا ما قلته منذ سنوات تقديرًا. وقد تيسّر لي زيارة
الكهف منذ أشهرٍ، فشاهدته كما قلت، وصلّت في المسجد قربه. والحمد لله. وتصيبهم: تصل إليهم. والبتّة أي: قطعًا. ويهدي أي: يرشده إلى الحق والخير.
والمهتدي: المخلص في إيمانه. وفيما عدا النسخ والوجيز والتلخيص: ((المهتدِ)) بحذف الياء للتخفيف اتّباعًا لرسم المصاحف. وإنما جاز إثبات الياء لبيان القراءة
التي اختارها المحلي. ويضلل: يدغْه في الكفر ولا يرشده. ولن تجد: لن ترى. والولي: من يتولى أمر الآخرين. والمرشد: الذي يدل على الخير. وتحسب:
تتوهم. وأيقاظ: جمع يَقِظ. ومفتحة أي: كالمتنبهين. وفي ط وقرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((منفتحة)). ونقلبهم: نقدّر لهم التقلب. واليمين: يمينهم.
والشمال: شمالهم. وباسط ذراعيه: مسترخٍ على الأرض نائمًا. وفيما عدا الأصل وخ: ((ذراعيه يديه بالوصيد بفناء الكهف وكانوا إذا انقلبوا انقلب وهو مثلهم)).
وفناء الكهف: المكان المتسع أمامه. واطلعت عليهم: نظرت إليهم. ووليت: أعرضت بوجهك وهربت. والفرار: الهرب. وملئت: امتلأت نفسك. وبالتشديد
يريد القراءة: ((ولَمُلِّئْتَ)). وبضمها يريد القراءة ((رُعُبًا)). وإنما ورد عن القرّاء السكونُ والضم مع تخفيف اللام من «مُلِئتَ)). (٢) كذلك بعثناهم أي: جعلنا بعثهم آيَةً
مثل جعلنا إنامتَهم هذه المدةَ المتطاولة آيَةً. ويتساءلون: يسأل بعضهم بعضًا. وكم لبثتم: كم يومًا بقيتم في النوم؟ وقالوا أي: السّة المسؤولون. ودخلوا الكهف:
يعني أنهم ناموا يوم دخولهم. والمشهور أنهم مكثوا في الكهف عدة أيام قبل نومهم. فكان على المحلي أن يقول: ((ناموا)). وقد اضطرب المفسرون في تفاصيل
قصة هؤلاء، فأوردوا كثيرًا مما لم يثبت في القرآن أو أقوال الأنبياء. البحر ١٠٩:٦. وبعض اليوم: قطعة من زمنه. ومتوقفين في ذلك: متلبثين في تقدير المدة،
ليردوا الأمر إلى علم الله. وربكم أعلم أي: أنتم لا تعلمون، وإنما العالم هو الله. وابعثوا: أرسلوا. وبكسرها يريد القراءة: ((بِوَرِقِكُم)). والمراد هنا هو الفضة
المضروبة عملة للتداول. وطرسوس: بين مرسين وأضنة قرب ساحل البحر، وكانت في عهدهم تسمى أفسوس. وينظر: يتدبر ويعلم. وأحل يعني: بالطهارة
والتجرد من الظلم والشرك. وفي ط والفتوحات والصاوي والمطبوعات: ((أي أيّ أطعمة المدينة أحل)). ويأتيكم به: يجيء به إليكم. والرزق: ما يتيسر للإنسان من
الحاجات. ويتلطف: يتكلف اللطف في المعاملة. ولا يشعر: لا يعمل ما يؤدي إلى الشعور. وبكم: بما أنتم عليه من العقيدة. وضمير الغائبين يعود على أهل
المدينة. ويظهروا عليكم: يطلعوا على أمركم. والرجم: الرمي بالحجارة. ويعيدوكم: يصيروكم بالقوة. والملة: الدين من عقيدة وشريعة. وتفلحوا: تظفروا بخير.
١٨ - سورة الكهف
٢٩٦
الجزء الخامس عشر
◌ُِوَرَةِ الحَمَفْ
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوْ اْأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ
السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَتَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمَّ فَقَالُواْ
ابْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَتَّاتَّبُهُمْ أَعْلَمُ بِهِمَّ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىّ
أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا (٨سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ
رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْرَحْمًا
بِالْغَيْبٍ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل ◌َتَّبِّ أَعْلَمُ
بِعِدَتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارٍ فِيهِمْ إِلَّ مِرَآءَ ظَاهِرًا
وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَدًا ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ
إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ا إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُرُ رَبَّكَ
إِذَا نَسِيتٌ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَارَشَدًا
وَلَبِثُوْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُ واْتِسْعًا
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِعَالَبِئُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
٢٥
أَبْصِرْبِهِ، وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَإٍِ وَلَا يُشْرِكُ
فِ حُكْمِهِ: أَحَدًا (٦) وَآَتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ
رَبِّكَ لَأَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ، مُْتَحَدًا ()
يَظهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُم﴾: يقتلوكم بالرجم، ﴿أو يُعِيدُوكُم في مِلّتِهِم، ولَن تُفْلِحُوا
إذَا﴾، أي: إن عدتم في مِلّتهم، ﴿أَبَدًا﴾ ٢٠.
١- ﴿وَكَذْلِكَ﴾: كما بعثناهم، ﴿أَعثَرْنا﴾: أطلعْنا ﴿عَلَيهِم﴾ قومَهم والمؤمنين،
﴿لِيَعَلَّمُوا﴾ أي: قومُهم ﴿أَنَّ وَعدَ الهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ﴾، بطريق أنّ القادرَ على إقامتهم
المُدّة الطويلة وإبقائهم على حالهم بلا غِذاء قادرٌ على إحياء الموتى، ﴿وأنَّ السّاعَةَ لا
رَيبَ﴾: لا شكّ ﴿فِيها، إذ﴾: معمول لـ ((أعثرنا)) ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ أي: المؤمنون
والكُفّار ﴿بَينَهُم أمرَهُم﴾: أمر الفِتية في البناء حولهم، ﴿فقالُوا﴾ أي: الكُفّار: ﴿ابنُوا
عَلَيهِم﴾ أي: حولهم ﴿بُنيانًا﴾ يسترهم. ﴿رَبُّهُم أعلَمُ بِهِم. قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى
أمرِهِم﴾: أمر الفتية وهم المؤمنون: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم﴾: حولهم ﴿مَسجِدًا﴾ ٢١ يُصلَّى
فيه. وفُعل ذلك على باب الكهف.
٢- ﴿َسَيَقُولُونَ﴾ أي: المُتنازعون في عدد الفِتية في زمن النبيّ، أي: يقول بعضُهم:
هم ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُم كَلِبُهُم. ويَقُولُونَ﴾ أي: بعضُهم: ﴿خَمْسٌ سادِسُهُم كَلِبُهُم﴾ .
والقولان لنصارى نجرانَ ﴿رَجمًا بِالغَيبِ﴾ أي: ظنًّا في الغَيبة عنهم. وهو راجع إلى
القولينِ معًا، ونصبُه على المفعول له أي لِظنّهم ذلك. ﴿ويَقُولُونَ﴾ أي: المؤمنون:
﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُم كَلِبُهُم﴾. الجملة من مبتدأ وخبرٍ: صفةُ ((سبعة)) بزيادة الواو، وقيل:
تأكيدًا ودلالةً على لصوق الصفة بالموصوف. ووصفُ الأوّلَينِ بالرجم دُون الثالث
دليلٌ على أنه مرْضيّ وصحيح. ﴿قُلْ: رَبِّيَ أعلَمُ بِعِدّتِهِم، ما يَعلَّمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. قال
ابن عبّاس: ((أنا من القليل)). وذكرَهم سبعةً. ﴿فلا تُمارٍ﴾: تجادلْ ﴿فِيهِم إلّا مِراءً
ظاهِرًا﴾ بما أُنزل عليك، ﴿ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾: تطلبِ الفُتيا ﴿مِنْهُم﴾: من أهلِ الكتاب اليهودِ ﴿أَحَدًا﴾ ٢٢ .
٣- وسأله أهل مكّة عن خبر أهل الكهف، فقال: ((أُخبِرُكُم بِهِ غَدًا)). ولم يقل: ((إن شاءَ اللهُ))، فنزل: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ﴾ أي: لأجل شيء: ﴿إِنِّي
فاعِلٌ ذُلِكَ غَدًا﴾ ٢٣ أي: فيما يُستقبل من الزمان. ﴿إِلّا أن يَشاءَ اللهُ﴾ أي: إلّا مُلتبسًا بمشيئة الله - تعالى - بأن تقول: إن شاءَ اللهُ. ﴿واذكُرْ رَبَّكَ﴾
أي: مشيئته مُعلِّقًا بها، ﴿إِذا نَسِيتَ﴾ التعليقَ بها، ويكون ذِكرها بعد النِّسيان كذِكرها مع القول. قال الحسن وغيره: ما دامَ في المجلس. ﴿وقُلْ:
عَسَى أن يَهِدِيَنِ رَبِّي لِأقرَبَ مِن لهذا﴾: من خبر أهل الكهف، في الدلالة على نُوّتي، ﴿رَشَدًا﴾ ٢٤: هِداية. وقد فعل الله - تعالى - ذلك.
٤ - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهفِهِم ثَلاثَمِائَةٍ﴾، بالتنوين، ﴿سِنِينَ﴾: عطف بيان لِ(ثلاثمِائَةٍ)) - وهذه السنون الثلاثمِائَة عِند أهل الكتاب شمسيّة، وتزيد القمريّة
عليها عِند العرب تسعَ سنين - وقد ذُكرتْ في قوله ﴿وازدادُوا تِسعًا﴾ ٢٥ أي: تسع سِنِينَ. فالثلاثمِائَة الشمسيّة: ثلاثمِائَة وتسع قمريّة. ﴿قُلِ: اللهُ
أعلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ ممّن اختلفوا فيه - وهو ما تقدّم ذكره - ﴿لَهُ غَيِبُ السَّماواتِ والأرضِ﴾ أي: عِلمُه، ﴿أبصِرْ بِهِ﴾ أي: بالله - هي صيغة تعجّب -
﴿وأسمِعْ﴾ به كذلك، بمعنى: ما أبصَرَهُ وما أسمَعَهُ! وهما على جهة المجازِ، والمُرادُ أنه - تعالى - لا يغيب عن بصره وسمعه شيء، ﴿ما
لَهُم﴾: لأهل السماوات والأرض ﴿مِن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾: ناصر، ﴿ولا يُشرِكُ في حُكمِهِ أحَدًا﴾ ٢٦ لأنه غنيّ عن الشريك.
٥- ﴿واتلُ ما أُوحِيَ إِلَيكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكَ، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلتَحَدًا﴾ ٢٧ : ملجأ، ﴿واصبِرْ نَفْسَكَ﴾: احبِسها ﴿مَعَ الَّذِينَ
(١) كما بعثناهم أي: جعلنا عثور الناس عليهم لحكمة، كما جعلنا نومهم ويقظتهم. وقومهم: الكافرون حينذاك. ويعلم: يدرك باليقين. والوعد: التعهد بما
سيكون. والحق: الصدق الثابت. و((إقامتهم)) كذا في الأصل والنسخ، أي: إدامتهم على الحال المذكورة قبل بعثهم. وفيما عداها: ((إنامتهم)). والساعة:
القيامة. ويتنازعون: يختصمون. وقالوا أي: بعد موت الفتية. وغلبوا: تغلبوا. ونتخذ: نبني. وابنوا: شيّدوا. والمسجد: المكان للصلاة. (٢) نجران:
موضع بين الحجاز واليمن، كان فيه بعض النصارى. ورجمًا: رميًا للرأي دون علم. ومفعول له أي: مفعول لأجله. ولصوق الصفة أي: ثبوت الصفة
بالموصوف. وزيادة الواو تعني توكيد الجملة كلها، وبيان أن العدد المذكور هنا هو الحق وحده. وأعلم: أقوى علمًا. والعدة: المعدود. ويعلمهم: يعرف
حقيقة عددهم. وظاهرًا أي: من غير تجهيل ولا تعنيف. والفتيا: الحكم فيما يشكِل. واليهود: هذا خلاف ما ذكره المحلي في تفسير الآية قبل، أنهم
نصارى. (٣) الشيء: ما يمكن وقوعه. وفاعله: منفذه. ويشاء: يريد وقوعه. وذكر المشيئة: التلفظ بها عن قصد. ومعلقًا بها: جاعلًا تنفيذ الأمور مقيدًا بها،
لا يحصل إلّا بسببها. ويهدين: يرشدني. وحذفتْ تخفيفًا ياء المتكلم. وفي النسخ: ((يهديني)). وأقرب: أدنى وأعظم وأدلّ. وقد فعل أي: آتاه الهداية إلى
التوحيد والشريعة، وشيء من أخبار الغيب. وفي الآيتين تأديب للنبي ◌ّهم وأمته بوجوب رد الأمور إلى مشيئة الله. (٤) لبث: بقي. وازدادوا: أضافوا إلى
الثلاثمائة. والسنون: جمع سنة. وعطف بيان يعني: لتوضيح المراد مع التوكيد. وروي أنه لما نزل قوله ((ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة)) قيل: يارسول الله، أيامًا
أم شهورًا أم سنين؟ فنزلت بقية الآية. الدر المنثور ٢١٨:٤. وقمرية أي: ما ذكر من مدة لبثهم نيامًا. والغيب: ما غاب عن حواس الخلق وإدراكهم. وعلمه:
علم الغيب. وما أبصره وما أسمعه أي: أمره في الإدراك عظيم عجيب، خارج عن حد ما عليه إدراك المخلوقات كلها. والمجاز هنا مراد به أن الصيغة إنشائية
للتعجب، وحقيقتها خبرية للإعلام والتقرير، والتعجبُ فيها من حيث إنه استعظام أمر خفيَ على الخلق سببه. ومن دونه: من غير الله. ويشركه: يجعله مشاركًا
له في الملك والتصرف. والحكم: الأمر والقضاء. (٥) اتل: اقرأ وبلّغ. وأوحي: أنزل على لسان جبريل. والكتاب: القرآن الكريم. والمبدل: القادر على=
الجزء الخامس عشر
٢٩٧
١٨ - سورة الكهف
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُرِيدُونَ﴾ بعِبادتهم ﴿وَجهَهُ﴾ - تعالى - لا شيئًا من
أعراض الدنيا وهم الفقراء، ﴿ولا تَعْدُ﴾: تنصرفْ ﴿عَيناكَ عَنْهُم﴾ - عُبّرَ بهما عن
صاحبهما - ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنيا، ولا تُطِعْ مَن أغفَلْنا قَلبَهُ عَن ذِكرِنا﴾ أي: القُرآن -
هو عُيينة بن حِصن وأصحابه - ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾ في الشِّرك، ﴿وكانَ أمرُهُ فُرُطًا﴾ ٢٨ :
إسرافًا، ﴿وقُلِ﴾ له ولأصحابه: هذا القُرآن ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكُم. فمَن شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، ومَن
شاءَ فَلْيَكفُرْ﴾. تهديد لهم. ﴿إِنّا أَعتَدْنا لِلظَّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين ﴿نارًا، أحاطَ بِهِم
سُرادِقُها﴾: ما أحاط بها، ﴿وإن يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهلِ﴾: كعكر الزيت، ﴿يَشوِي
الوُجُوهَ﴾ من حرّه إذا قُرّب إليها. ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ هو! ﴿وساءَتْ﴾ أي: النارُ
﴿مُرْتَفَقًّا﴾ ٢٩: متكأ! تمييز منقول من الفاعل أي: قَبُحَ مُرتفقُها. وهو مُقابِل لقوله الآتي
في الجنّة: ((وحَسُنَتْ مُرتَفَقًّا))! وإلّا فأيّ ارتفاق في النار؟
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أجرَ مَن أحسَنَ
عَمَلًا﴾ ٣٠. الجملة: خبرُ ((إِنّ))، وفيها إقامة الظاهر مَقام المُضمر - والمعنى:
أجرَهم، أي: نُثيهم بما تضمّنه - ﴿أُولَئِكَ لَهُم جَنّاتُ عَدٍ﴾ : إقامةٍ، ﴿تَجِي
مِن تَحتِهِم الأنهارُ، يُحَلّونَ فِيها مِن أساوِرَ﴾ - قيل: مِن: زائدة، وقيل: للتبعيض -
وهي جمع أسْوِرةٍ كأحمِرة جمع سِوار ﴿مِن ذَهَبٍ، ويَلْبَسُونَ ثيابًا خُضْرًا مِن سُندُسٍ﴾ :
ما رقَّ من الدِّيباج، ﴿وإستَبَرَقٍ﴾: ما غلُظ منه - وفي آيَةِ ((الرحمن)): ((بَطائتُها مِن
إستَبرَقٍ)) - ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها علَى الأرائكِ﴾: جمع أريكة. وهي السرير في الحَجَلة. وهي
بيت يُزيّن بالثياب والستور للعروس. ﴿نِعمَ الثَّوابُ﴾: الجزاءُ الجنّةُ! ﴿وحَسُنَتْ
مُرْتَفَقًا﴾ ٣١!
سُورَةِ الْكِتَفْ
وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوِ
الدُّنْيَّ وَلاَنُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَنَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ
أَمْرُهُ فُرْطًا (٦) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ
شَآءَ فَلْيَكْفُنَّ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاً
وَإِن يَسْتَغِيثُوْيُغَاثُواْ بِمَآءِ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ
الشَرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا (١) إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ إِنَّ لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (﴿ أُوْلَئِكَ
لَمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحِمُ الْأَنْهُ مُحَلَوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ
مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ فِيَابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِينَ
فِيَهَا عَلَى الْأَرَابِكِّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٦)﴾ وَأَضْرِبْ
لَمُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِ هِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهُا
يِنَخْلٍ وَجَعَلْنَابَيْهِمَا زَرْعًا ﴿٣ كِتَا الْجَنَيْنِءَانَتْ أُكْلَهَا وَلَمْ
تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَرَ ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرُ فَقَالَ
لِصَحِبِهِ، وَهُوَيُحَاوِرُهُ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّنَفَرًا لـ
٢ - ﴿واضرِبْ﴾: اجعلْ ﴿لَهُم﴾: للكُفّار مع المؤمنين ﴿مَثَلًا رَجُلَينٍ﴾: بدلٌ، وهو وما بعده تفسير للمَثل، (جَعَلْنا لِأحَدِهِمَا﴾ الكافرِ ﴿جَنَّتَينِ﴾:
بُستانَيْنِ ﴿مِن أعنابٍ، وحَفَفْناهُما بِنَخْلِ، وجَعَلْنا بَينَهُمَا زَرعًا﴾ ٣٢ يُقنات به، ﴿كِلتا الجَنَّتَينِ﴾ كلتا: مُفرد يدلّ على التثنية مبتدأ ﴿ آتَتْ﴾: خبرُه
﴿أُكْلَها﴾: ثمرها، ﴿وَلَم تَظِلِمْ﴾: تَنقُص ﴿مِنْهُ شَيْئًا، وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ٣٣ يجري بينهما، ﴿وكانَ لَهُ﴾ مع الجنّتين (ثَمَرٌ﴾ - بفتح الثاء
والميم، وبضمّهما، وبضمّ الأوّل وسكون الثاني. وهو جمع ثَمَرة كشَجَرة وشَجَر، وخَشَبة وخُشُب، وبَدَنة وبُدْن - ﴿فقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المؤمنِ،
﴿وَهْوَ يُحاوِرُهُ﴾: يُفاخره: ﴿أنا أكثَرُ مِنكَ مالًا وأعزّ نَفَرًا﴾ ٣٤ عشيرةً. ﴿وَدَخَلَ جَنْتَهُ﴾ بصاحبه، يطوف به فيها ويُريه آثارها - ولم يقل ((جنّتيه))
=التبديل من الخلق. والكلمات: الآيات وما فيها. ولن تجد: لن ترى. ومن دونه: من عند غيره. انظر سبب النزول في المفصل. ويدعونه: يعبدونه.
والغداة: أول النهار. والعشي: آخره. يعني عموم الوقت. وتريد: تطلب. والزينة: ما يُتزين به. ولا تطعه: لا تقبل رأيه. وأغفلنا قلبه: شغلناه بالضلال. واتبع
هواه: انقاد لما تشتهيه نفسه. والأمر: الشأن. وله: لعيينة بن حصن. والحق: الصدق الثابت. ومن ربك: من عنده. وشاء: أراد الإيمان. و((شاء)) الثاني:
أراد الكفر. ويؤمن: يصدّق الله ورسوله ويعرف قلبه التوحيد. وعكسه: يكفر. وأعتدنا: هيأنا. والسرادق: جدار من النار والدخان. ويستغيث: يطلب الإنقاذ.
والوجوه: جمع وجه. وبئس: بلغ الغاية في السوء والبؤس والشقاء. والمتكأ: الاتكاء للراحة والانتفاع. (١) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزم عنه. وعمل:
اكتسب بالنية أو القول أو الفعل. والصالحات: الأعمال التي حسنها الشرع. ولا نضيعه: نؤدي ثوابه كاملًا. والأجر: المكافأة. وأحسنه: جاء به على ما
يرضاه الله. والجنة: الحديقة العظيمة. وتجري: تسيل وتتدفق. ومن تحتهم: من تحت مساكنهم. والأنهار: جمع نهر من ماء أو لبن أو عسل أو خمر.
ويحلون: يزينون. والثياب: جمع ثوب. والخضر: جمع أخضر. والديباج: الحرير. وآية الرحمن: الآية ٥٤ من تلك السورة. والمتكئ: المضطجع بارتياح.
وحسنت: بلغت الغاية في الجمال والنعمة. (٢) المثل: الشَّبَه ◌ُبَيَّن به حال شيء خفية بحالٍ آخر واضحة. والرجلان روي أنهما من بني إسرائيل، أحدهما
كافر والآخر مؤمن، وقد ورد وصفهما في الآيات ٥١ -٦٠ من سورة الصافات. فتح القدير ٤٠٤:٣. وجعلنا: صيّرنا. والأعناب: جمع عنب. وحففناهما
بنخل: جعلنا النخل محيطًا بكل منهما. والنخل ثمره التمر بأنواعه. والزرع: ما يزرع للغذاء والزينة. وكلتاهما: كل واحدة منهما. وآتت: أعطت. والأكل:
ما يؤكل. وفجرنا: شققنا. والثمر: ما يزيد وينمو من المال، كالنقد والمواشي. و(بفتح ... الثاني)) يريد ثلاث قراءات، أولاها ما أثبتنا، والثانية: (ثُمُرٌ))،
والثالثة: ((ثُمْرٌ)). وصاحبه: الرجل الثاني. ويحاوره: يجاوبه. وعُبِّرَ عن ذلك بالمفاخرة، لما كان من تبجح هذا الثاني وتكبره. وأعز: أقوى. والنفر: من ينفر
مع الرجل لعونه. والظاهر أن المراد به هنا الأولاد. انظر الآية ٣٩. وآثارها: ما فيها من البهجة والحسن. وفيما عدا الأصل وخ وع: ((أثمارها)). وإرادة
للروضة وقيل اكتفاء بالواحدة: يعني أن الروضة تشمل الجنتين، أو أن ذكر واحدة منهما يغني عن الثانية، لأن الداخل في شيء لا يكون في اثنين معًا. وظالم
لنفسه: معرّض أياها لغضب الله ونقمته. وهذا من أكبر الظلم الذي هو وضع الشيء في غير موضعه. وما أظن: ما أتردد وما أشك. والأبد: ما لا ينتهي من
الزمن. والمراد هنا: مدة حياة المتكلم. والساعة: القيامة بالبعث للحساب والجزاء. وقائمة: كائنة وحاصلة. ورددت: رجعت بعد الموت. وإلى ربي: إلى
لقاء موعد حسابه وجزائه. وأجد: أرى. وخيرًا: أكثر انتفاعًا وفضلًا. ومنها أي: من جنة الدنيا. والتقدير: واللهِ - لئن رُددتُ أجدْ خيرًا - لأجدنّه. وفي هذا
الحذف إيجاز واحتباك وتوكيد. ومرجعًا: عاقبة ومالًا لِما أنا عليه من الكرامة، والاستحقاق للنعم في كل حين.
١٨ - سورة الكهف
٢٩٨
الجزء الخامس عشر
◌ُِّّوَرَةَ الْجَمَفْ
أْوَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ
أَبَدًا ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَيِنِ زُدِدتُ إِلَىرَبِ
لَأَجِدَتَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿ قَالَ لَّهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَيُحَاوِرُهُ.
أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّسَوَّلِكَ رَجُلًا
جالَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِ وَلَا أُشْرِكِ بِرَبِى أَحَدًا (٥) وَلَوْلَآ إِذْ
دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ
أَقَلَّ مِنْكَ مَا لََّ وَوَلَدًا (٩) فَعَسَى رَبِّ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًامِنْ
جَنَّئِكَ وَيُّرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًامِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا
زَلَقَال ◌ْ أَوْيُصْبِحَ مَا ؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (
وَأُحِيطَ بِشَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنَفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ
عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَوْأُشْرِ بِرَبِى أَحَدًّا(٢) وَلَمْ تَكُن لَّهُ.
فِتَةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٣) هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ
لِلَّهِ الْحَقَّ هُوَ خَيْرٌ نَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ( وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلَ اْحَيَوْةِ
الدُّنْيَ كَمَاءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ
فَأَصْبَحَ هَشِيمَانَذْرُؤُهُ الْرَّعٌ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرَاه
إرادةٌ للروضة. وقيل: اكتفاءً بالواحدة - ﴿وَهْوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكُفر، ﴿قَالَ: ما أظُنُّ
أن تَبِيدَ﴾: تنعدم ﴿هَذِهِ أَبَدًا ٣٥، وما أظُنُّ السّاعَةَ قائمةً، ولَئِنْ رُدِدْتُ إلَى رَبِّي﴾ في
الآخرة، على زعمك، ﴿لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنها مُنقَلَبًا﴾ ٣٦: مَرجِعًا .
١- ﴿قَالَ لَهُ صاحِبُهُ، وهْوَ يُحاوِرُهُ﴾: يُجاوبه: ﴿أكَفَرتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾،
لأنّ آدم خُلق منه، ﴿ثُمَّ مِن نُطْفٍ﴾: مَنِيِّ (ثُمَّ سَوّاكَ﴾: عَدَلَكَ وصيّرك ﴿رَجُلًا ٣٧؟
لكِنّا﴾ - أصله: لكنْ أنا. نُقلت حركة الهمزة إلى النون، أو حُذفت الهمزة، ثم
أُدغمت النون في مثلها - ﴿هُوَ﴾: ضمير الشأن تُفسّره الجملة بعده، والمعنى: أنا
أقول، ﴿اللهُ رَبِّي، ولا أُشْرِكُ بِرَبِّيَ أَحَدًا ٣٨، ولَولا﴾: هلّا، ﴿إِذ دَخَلتَ جَنْتُكَ،
قُلتَ﴾ عند إعجابك بها: هذا ﴿ما شاءَ اللهُ، لا قُوّةَ إلّا بِاللهِ﴾. في الحديث ((مَن أُعطِيَ
خَيرًا، مِن أهلِ أو مالٍ، فَيَقُولَ عِندَ ذلِكَ: ما شاءَ اللهُ لا قُوّةَ إلّا باللهِ، لم يَرَ فِيهِ
مَكَرُوهًا)). ﴿إِن تَرَنِيَ أنا﴾ - ضمير فصل بين المفعولين - ﴿أَقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا ٣٩
فَعَسَى رَبِّيَ أن يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنِّكَ﴾: جوابُ الشرط، ﴿ويُرسِلَ علَيها حُسبانًا﴾:
جمع حُسبانة، أي: صواعقَ ﴿مِنَ السَّماءِ، فتُصبحَ صَعِيدًا زَلَقًّا﴾ ٤٠: أرضًا ملساء لا
يثبتُ عليها قدٌ، ﴿أو يُصبحَ ماؤُها غَورًا﴾ بمعنى: غائرًا، عطفٌ على (يرسلَ)) دُون
((تصبحَ))، لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق، ﴿فَلَن تَستَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ ٤١ : حِيلة
تدر كه بها .
٢- ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ - بأوجه الضبط السابقة - مع جنّته بالهلاك فهلكت، ﴿فأصبَحَ
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ندَمًا وتحسّرًا، ﴿عَلَى ما أنفَقَ فِيها﴾ في عمارة جنّته، ﴿وهْيَ خاوِيةٌ﴾:
ساقطة ﴿عَلَى عُرُوشِها﴾: دعائمها للكرْم بأن سقطت ثم سقط الكرْمُ، ﴿وَيَقُولُ: يا﴾: للتنبيه ﴿لَيَتَنِي لم أُشرِكْ بِرَبِّيَ أَحَدًا ٤٢ . ولَم تَكُنْ﴾ - بالتاء
والياء - ﴿لَهُ فِئَةٌ﴾: جماعة ﴿يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ﴾ عِند هلاكها، ﴿وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ٤٣ - عند هلاكها بنفسه. ﴿هُنالِكَ﴾ أي: يومَ القيامة
﴿الولايةُ﴾ بفتح الواو: النُّصرةُ، وبكسرها: المُلكُ ﴿لِلِهِ الحَقُّ﴾ بالرفع: صفة الولاية، وبالجرّ: صفة الجلالة. ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ من ثواب غيره -
لو كان يُثيب - ﴿وَخَيرٌ عُقُبًا﴾ ٤٤ بضم القاف وسكونها: عاقبةً للمؤمنين. ونصبُهما على التمييز.
٣- ﴿واضرِبْ﴾: صَيّرِ ﴿لَهُم﴾: لقومك ﴿مَثَلَ الحَياةِ الدُّنيا﴾: مفعولٌ أول ﴿كَماءِ﴾: مفعولٌ ثان، ﴿أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ، فاختَلَطَ بِهِ﴾: تكاثفَ
بسبب نزول الماء ﴿نَبَاتُ الأرضِ﴾، أو امتزج الماء بالنبات فرَويَ وحَسُن، ﴿فَأَصْبَحَ﴾: صار النبات ﴿هَشِيمًا﴾: يابسًا متفرّقة أجزاؤه،
﴿تَذْرُوهُ﴾: تنثره وتُفرّقه ﴿الرِّياحُ﴾ فتذهب به. المعنى: شَبِّهِ الدنيا بنبات حسُنَ، فيبس فتكسّر، ففرّقته الرياح. وفي قراءة ((الرِّيحُ)). ﴿وكانَ اللهُ
(١) كفرت به: أنكرت ألوهيته. وخلق: أوجد. والتراب: ما تفتت من وجه الأرض. والنطفة: القطرة الدقيقة من ماء الرجل والمرأة في الجماع. و((نقلت ...
أدغمت)) كذا، وفيه نظر في الحالتين. انظر ((المفصل)). والشأن: الأمر الذي يعرض له الحديث هنا. ولا أشرك به: أوحّده ولا أجعل معه شريكًا. وشاءه:
أراده. والقوة: القدرة على كل العمل. والحديث رواه البيهقي في الشعب عن أنس بلفظ آخر. الدر المنثور ٢٢٣:٤. وانظر تفسير ابن كثير ٨٢:٣. ونصب
(يقول)) بـ ((أن)) مضمرة. وترني: تعلمني. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((ترنٍ))، بحذف الياء تبعًا لرسم المصاحف. وإثبات الياء جائز لبيان القراءة المختارة.
والولد: الأولاد. ويؤتيني: يعطيني. وإثبات الياء الأخيرة كما في ((ترني). والمراد بجواب الشرط: جملة ((عسى)). ويرسل: يبعث. والحسبانة: الصاعقة يقضي
بها الله حسابًا وعقابًا. وتصبح: تصير. وماؤها: النهر الذي يجري فيها. وتستطيعه: تقدر عليه. والطلب: الإدراك والتحصيل. (٢) أحيط به: أصابه من كل
جانب الدمارُ. والثمر: ما ذكر في الآيات ٣٢-٣٤. والسابقة: يريد القراءات الثلاث في ((ثمر)). وأصبح: صار. ويقلب كفيه: يحركهما وجهًا لظهر، ويضرب
إحداهما على الأخرى. وأنفق أي: بذله من الجهد والمال والعناية. والعروش: جمع عَرش. وهو ما ينصب من القصب وغيره مدعَّمًا بالعمد كالسقف، لتمتد
عليه فروع الأشجار. والكرم: شجر العنب. ولم أشرك به: لم أعبد ولم أعتز بغيره. وبالياء يريد القراءة ((ولَم يَكُنْ)). وينصرونه: يدفعون عنه العذاب. ومن
دونه: من غيره. ومنتصرًا: قادرًا على ما عجزت عنه عشيرته. والملك: القهر والتسلط. وبكسرها يريد القراءة ((الولايةُ)). والحقُّ: الثابتة لاشك فيها. وبالجر
يريد القراءة ((الحَقِّ)). والكسر والضم وارد كل منهما، مع كلتا القراءتين السابقتين، فالقراءات هنا أربع. والحقِّ: المتحقق الثابت وجوده أزلًا وأبدًا. وهو أي:
الله. وخير: أكثر نفعًا وأدوم. والثواب: المكافأة. وبسكونها يريد القراءة ((عُقْبًا)). (٣) مثل الحياة: صفتها وحالها. وكماء أي: شِبهَ صفةِ ماءٍ وحالِه. وأنزلناه:
أسقطناه. والسماء: السحاب. والنبات: ما ينبت من شجر وغيره. والرياح: جمع ريح، وهو الهواء المتحرك بشدة. والمشبَّه في الآية هو الدنيا، والمشبَّه به هو
حالُ النبات الحاصلةُ من النماء والاخضرار فالتحطم والضياع. وكان أي: وما زال. وفي الآية ٤٦ توكيد لما في الآية الماضية. والمال: ما يملك من النقد
والذهب والفضة والعقار والحيوان والنبات والسلاح. والبنون: الأبناء. والزينة: ما يُتزين به ويفاخر. والباقية: الثابتة أبدًا. والصالحات: التي يرضاها الله.
وهي أعمال الخير، إذا أريد بها وجه الله. وما ذكره المحلي هنا، في تفسير الصالحات، هو من أحاديث في المسند ٣: ٧٥ والمستدرك ٥١٢:١ و٥٤١. وانظر
٩٢٨ في ضعيف الجامع، و٣٢١٤ في صحيحه. وخير: أكثر وأعظم. وعنده أي: في حكمه وقضائه. والأمل: الرجاء والترقب.
الجزء الخامس عشر
٢٩٩
١٨ - سورة الكهف
عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ٤٥: قادرًا. ﴿المالُ والْبَنُونَ زِينةُ الحَياةِ الدُّنيا﴾ يُتجمّل بهما
فيها، ﴿والباقياتُ الصّالِحاتُ﴾ هي ((سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ، ولا إلّهَ إلّا اللهُ، واللهُ
أكبرُ))، وزاد بعضهم ((ولا حَولَ ولا قُوّةَ إلّا بِاللهِ))، ﴿خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا، وخَيرٌ
أمَلَا﴾ ٤٦ أي: ما يأمُله الإنسان ويرجوه عند الله، تعالی.
١- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ تُسَيَّرُ الجِبالُ﴾: يُذهب بها عن وجه الأرض، فتصير هباء مُنبئًا -
وفي قراءة بالنون وكسر الياء ونصب ((الجِبالَ)) - ﴿وَتَرَى الأرضَ بارِزةً﴾: ظاهرة ليس
عليها شيء من جبل ولا غيره، ﴿وحَشَرْناهُمِ﴾ المؤمنين والكافرين، ﴿فَلَمِ نُغادِرْ﴾:
نترك ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا ٤٧، وعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾: حالٌ أي: مُصطفّين كُلّ أُمّة صفّ،
ويقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا، كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرّةٍ﴾ أي: فُرادَى ((حُفَاةً عُراةً غُرْلًا))،
ويقال لمُنكري البعث: ﴿بَل زَعَمتُم أنْ﴾: مُخفّفةٌ من الثقيلة أي: أنّه ﴿لَن
نَجْعَلَ لَكُم مَوعِدًا﴾ ٤٨ للبعث. ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾: كتاب كل امرئ، في يمينه
ثلاثة أرباع
الحزب
٣٠
من المؤمنين، وفي شِماله من الكافرين، ﴿فَتَرَى المُجرِمِينَ﴾: الكافرينَ
﴿مُشِفِقِينَ﴾: خائفينَ ﴿مِمّا فِيهِ، ويَقُولُونَ﴾ عند مُعاينتهم ما فيه من السيئات:
﴿يا﴾: للتنبيه ﴿وَيلتَنا﴾: هَلْكِتَنا. وهو مصدر لا فعلَ له من لفظه. ﴿مالِهُذا الكِتابِ،
لا يُغادِرُ صَغِيرةً ولا كَبِيرةَ﴾ من ذُنوبنا ﴿إِلّا أحصاها﴾: عدّها وأثبتها؟ تعجّبوا منه في
ذلك. ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾: مُثبّتًا في كِتابهم. ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٤٩ :
لا يُعاقبه بغير جُرم، ولا يَنقُص من ثواب مُؤمن.
سُورَةِ الْجَمَفْ
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيتُ الصَِّحَتُ
﴿ وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى
خَيْرٌّ عِندَرَبِّكَ تَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا
الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَهُمْ فَمْ تُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًّا [ثّ وَعُرِضُواْ
عَلَى رَبِّكَ صَفَّالَّقَدْ جِئْتُمُونَ كُمَا خَقْنَكُمْأَوَلَ مَرَّهَلْ زَعَمْتُمْ
أَلَن تَجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا ﴾ وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِ مِينَ
مُشْفِقِينَ مِقَافِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيَِّنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ
لَ يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَاأَ وَوَجَدُ واْ مَا عَمِلُواْ
حَاضِرَ أُ وَلَ يَظْلِهُ رَبُّكَ أَحَدًا (٦) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ
لَِدَمَ فَسَجَدُ وَأْإِلَّ إِبْلِسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِرَبِّهِ.
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُؤْ
بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلَّا (٥) مَآ أَشْهَدَتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَاَ لْمُضِلِينَ عَضُدًا
@ـ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ
فَلَمْ يَسْتَجِيبُوالَهُمْ وَجَعَلْنَابَيْنَهُمْ قَّوْبِقًا (٢٨) وَرَءَ الْمُجْرِمُونَ
٥٣
النَّارَ فَظَنُّواْأَنَّهُمْ مُوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُ واْعَنْهَا مَصْرِفًا
٢ - ﴿وإذ﴾ منصوب بـ ((اذكرْ)) ﴿قُلْنا لِلمَلائكةِ: اسجُدُوا لِدَمَ﴾ سُجودَ انحناءِ لا وضعٍ
جبهةٍ، تحيّةً له. ﴿فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ، كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ - قيل: هم نوع من الملائكة، فالاستثناء مُتّصل. وقيل: هو منقطع، وإبليس أبو الجنّ فله
ذُرّيّة، ذُكرت معه بعدُ. والملائكة لا ذُرّيّة لهم - ﴿فَفَسَقَ عَن أمرٍ رَبِّهِ﴾ أي: خرج عن طاعته بترك السُّجود. ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَتَهُ﴾ - الخِطاب لآدم
وذُرِّته، والهاء في الموضعين لإبليس - ﴿أَولِياءَ مِن دُونِي﴾ تُطيعونهم، ﴿وهُم لَكُم عَدُوٌّ﴾ أي: أعداء؟ حال. ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ٥٠ إبليسُ
وذُرّته، في طاعتهم بدلَ طاعة الله! ﴿ما أشهَدتُهُم﴾ أي: إبليسَ وذُرّته ﴿خَلقَ السَّماواتِ والأرضِ، ولا خَلقَ أَنفُسِهِم﴾ أي: لم أُحضِر بعضَهم
خلقَ بعض، ﴿وما كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ﴾: الشياطينِ ﴿عَضُدًا﴾ ٥١ أعوانًا في الخلق. فكيف تُطيعونهم؟
٣- ﴿وَيَومَ﴾ منصوب بـ ((اذكرْ)) ﴿يَقُولُ﴾، بالياء والنون: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ الأوثانَ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾، ليشفعوا لكم بزعمكم. ﴿فَدَعَوهُم فَلَم
يَسْتَجِيبُوا لَهُم﴾: لم يجيبوهم، ﴿وجَعَلْنا بَينَهُم﴾ بين الأوثان وعابديها ﴿مَوبِقًا﴾ ٥٢: واديًا من أودية جهّنم يَهلِكون فيه جميعًا - وهو من: وَبَقَ
بالفتح: هَلَكَ - ﴿ورأَى المُجْرِمُونَ النّارَ، فَظَنُّوا﴾ أي: أيقنوا ﴿أَنَّهُم مُواقِعُوها﴾ أي: واقعون فيها، ﴿ولَم يَجِدُوا عَنها مَصرِفَا﴾ ٥٣: معدِلًا .
(١) الجبال: جمع جبل. وبالنون يريد القراءة ((نُسَيِّرُ الجِبالَ))، أي: نَذهب بها وننسفها. وترى: تبصر عيانًا. وحشرناهم: أخرجناهم من القبور بالبعث.
وعرضوا: أوقفوا للحساب. والصف: الصفوف. وجئتم: حضرتم حقيقة. وخلقناكم: أوجدناكم من العدم. والمرة: الجزء من الزمن. وأول مرة: في زمن
الخلقة الأولى. والغرل: جمع أغرل. وهو الذي لم يُختن. وما بين قوسين من حديث صحيح. انظر الأحاديث ٣١٧١ و٦١٦١ في البخاري و٢٨٥٩ ٢٨٦٠
في مسلم. وزعمتم: ادعيتم. ونجعل: نصيّر. والموعد: مكان الوعد وزمانه للحشر والحساب. والكتاب: ما كتب عن البشر في الدنيا. ووضع: أُحضر في
أيدي أصحابه. وترى: تبصر عيانًا. والمجرم: الذي اقترف الجرائم باختيار وقصد. ويغادر: يهمل ويترك. ووجدوه: رأوه بأعينهم. وعملوا: اكتسبوا من نية
أو قول أو فعل. ولا يظلم: لا يجور بل يضع كل حكم موضعه من العدل.
(٢) انظر الآية ٣٤ من سورة البقرة. و((أبو الجن)) الصواب أن إبليس هو أبو الكافرين من الجن، كما تنص هذه الآية، وهم الشياطين. وهذا يعني أنه ليس من
الملائكة. وإلّا إبليس أي: لم يسجد. وتتخذون: تجعلون. والذرية: الأبناء والأعوان. والأولياء: جمع ولي. وهو الصديق يتولى أمور غيره ويطاع. ومن
دوني: بدلًا مني. والعدو: المعادون. وبئس: بلغ الغاية في الشر والبؤس والشقاء. والظالم: المجاوز للحق. وما أشهدتهم: ما أحضرتهم. والخلق: الإيجاد
من عدم. والأنفس: جمع نفس. وما كنت أي: وما أزال. والمتخذ: الجاعل والمصيّر. والمضل: الداعي إلى عصيان الله. والعضد: مابين المرفق إلى
الكتف، تستعار للدلالة على العون.
(٣) بالنون يريد القراءة ((نَقُولُ)). والمراد أن القول على لسان الملائكة. ونادُوهم: استغيثوا بهم. والشركاء: جمع شريك. وهو من يشارك غيره في صفاته
وأفعاله. والأوثان: ما يعبد من المخلوقات. وزعمتم: جعلتموهم شركاء. وجعلنا: صيّرنا. والموبق: مكان الهلاك. وجميعًا: يعني العابدين والمعبودين. ولا
بد من تخصيص المعبودين بمن كان راضيًا أن يُعبد. ورأوها: صاروا قِبالتها. والمجرم: المقترف للجريمة باختيار وقصد. ويجد: يرى. ومعدلًا: موضع
انصراف وهرب.
١٨ - سورة الكهف
٣٠٠
الجزء الخامس عشر
سِّوَرَة الْجَمَوْْ
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ
الْإِنسَنُ أَكْثَرَشَىْءٍ جَدَلاً (®] وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ
إِذْجَاءَ هُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْرَبَّهُمْ إِلََّ أَن تَأْنِيَهُمْ سُنَّهُ
الْأَوَِّينَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ
إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْبِالْبَطِلِ
لِيُدْ حِضُوْبِهِاَلْحَقِّ وَأُمَّخَذُوَاْءَايَتِى وَمَا أُنْذِرُ واْهُوَا (٦) وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَن ذُكِرَ بَايَتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَاقَدَّمَتْ يَدَاهُ
إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوُهُ وَفِىّءَاذَانِهِمْ وَقْرَاً
وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُ وَأْ إِذَّا أَبَدًّا * وَرَبُّكَ
الْغَفُورُ ذُوَالرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُ هُم بِمَا كَسَبُوْلَعَجَّلَ ◌َُ
الْعَذَابَّ بَل لَّهُمْ قَوْعِدٌ لَّنْ يَجِدُ وا مِن دُونِهِ مَوْبِلًاً (@)
وَتِلْكَ الْقُرَىَّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَالِمَهْلِكِهِم
مَّوْعِدًا (٢) وَإِذْقَالَ مُوسَى لِفَتَنَّهُ لَآ أَبْرَعُ حَتَّى
أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْأَمْضِىَ حُقُبًا ﴿ فَلَمَّابَلَغَا
مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَسَيِيلَهُ فِ الْبَحْرِسَرَبَا (٦
١- ﴿وَلَقَد صَرَّفْنا﴾: بيّنّا ﴿في هذا القُرآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلِ﴾: صِفةٌ لمحذوف، أي
مَثلًا من جِنس كُلّ مَثل ليتّعظوا، ﴿وكانَ الإنسانُ﴾ أي: الكافر ﴿أكثَرَ شَيءٍ
جَدَلاً﴾ ٥٤: خُصومة في الباطل. وهو تمييز منقول من اسم ((كان)) - المعنى: وكان
جدل الإنسان أكثر شيء فيه - ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ أي: كفّارَ مكّة ﴿أن يُؤمِنُوا﴾: مفعول
ثان، ﴿إِذْ جاءَهُمُ الهُدَى﴾: القُرآنُ، ﴿وَيَستَغْفِرُوا رَبَّهُم إلّا أن تأتِيَهُم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾:
فاعل أي: سُنّتنا فيهم، وهي الإهلاك المُقدّر عليهم، ﴿أو يأْتِيَهُمُ العَذابُ قِبَلًا﴾ ٥٥:
مقابلةً وعِيانًا - وهو القتل يوم بدر. وفي قراءة بضمّتينٍ: جمع قَبيل أي: أنواعًا -
﴿وما نُرسِلُ المُرسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ﴾ للمؤمنين ﴿ومُنذِرِينَ﴾: مُخوِّفينَ للكافرين،
﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ بقولهم: ((أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا))؟ ونحوَه،
﴿لِيُدخِضُوا بِهِ﴾: ليُبطلوا بجِدالهم ﴿الحَقَّ﴾: القُرآنَ، ﴿واتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ أي: القُرآنَ
﴿وما أُنذِرُوا﴾ به من النار ﴿هُزُؤًا﴾ ٥٦ سُخريّة.
٢- ﴿ومَنْ أظلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، فأعرَضَ عَنها، ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾: ماعمل
من الكُفر والمعاصي؟ ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلَى قُلُوبِهِم أكِنَّةَ﴾: أغطِية، ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ أي: من
أن يفهموا القُرآن أي: فلا يفهمونه، ﴿وفي آذانِهِم وَقْرًا﴾: ثِقَلًا فلا يسمعونه، ﴿وإن
تَدْعُهُم إِلَى الهُدَى فَلَن يَهتَدُوا إذًا﴾ أي: بالجعل المذكور ﴿أَبَدًا ٥٧. ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو
الرَّحْمَةِ، لَو يُؤَاخِذُهُم﴾ في الدنيا ﴿بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ فيها. ﴿بَل لَهُم
مَوعِدٌ﴾ - وهو يوم القيامة - ﴿لَن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوئلًا﴾ ٥٨: منجًى، من وألَ: نجا.
﴿وتِلكَ القُرَى﴾ أي: أهلُها، كعادٍ وثمودَ وغيرِهما، ﴿أهلَكْناهُم لَمّا ظَلَّمُوا﴾:
كفروا، ﴿وَجَعَلْنا لِمُهلَكِهِم﴾: لإهلاكهم - وفي قراءة بفتح الميم أي: لهلاكهم - ﴿مَوعِدًا﴾ ٥٩.
٣- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾، هو ابنُ عِمرانَ، ﴿لِفَتاهُ﴾ يُوشَعَ بنِ نونٍ، كان يتبعه ويخدمه ويأخذ منه العِلم: ﴿لا أبرَحُ﴾ لا أزال أسيرُ، ﴿حَتَّى
أبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ﴾: مُلتقى بحرِ الروم وبحر فارس، ممّا يلي المشرقَ، أي: المكانَ الجامعَ لذلك، ﴿أو أَمضِيَ حُقُبًا﴾ ٦٠: دهرًا طويلًا في
بُلوغه، إن بعُدَ. ﴿فَلَمّا بَلَغَا مَجمَعَ بَيْنِهِما﴾ بينِ البحرَينِ ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ نسيَ يُوشَعُ حملَه عند الرحيل، ونسيَ موسى تذكيره، ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الحوتُ
﴿سَبِيلَهُ فِي البَحرِ﴾ أي: جَعَلَه بجَعلِ اللهِ ﴿سَرَبًا﴾ ٦١ أي: مِثلَ السَّربَ. وهو الشقّ الطويل لا نفاذَ له. وذلك أنّ الله أمسك عن الحوت جريَ
الماء، فانجابَ عنه، فبقيَ كالكُوّة لم يلتئم، وجَمَدَ ما تحته منه.
(١) المثل: المعنى الغريب يشبه الأمثال المضروبة للاتعاظ. والإنسان هو البشري إطلاقًا، لأن كل من يعقل يجادل، والإنسان أكثر العاقلين في ذلك.
والشيء: المخلوقات التي يكون منها مجادلة. ومنعهم: أبعدهم. وجاءهم: أُنزل إليهم. ويستغفر: يطلب ستر الذنوب والعفو عنها. وتأتيهم: تنزل بهم.
والسُّنّة: العادة المتبعة. والأولون: الأمم المستأصلة بالعذاب. ويأتيهم: يصادفونه. وبضمتين يريد القراءة ((قُبُلًا)). ونرسلهم: نكلفهم بالدعوة والعمل.
ومبشرين: بالنعيم. ومنذرين: بالانتقام. ويجادل: يخاصم. وكفروا: كذّبوا الله ورسوله. والباطل: المختلق لا أصل له. وقولهم في الآية ٩٤ من سورة
الإسراء. واتخذ: جعل. وفيما عدا الأصل والنسخ وط: هزوًا.
(٢) أظلم: أكثر تجاوزًا للحق. وذُكِّر: وُعظ. والآيات: نصوص القرآن والأدلة على التوحيد. وأعرض عنها: انصرف عنها ولم يدرك ما تدل عليه. ونسي:
تجاهل. وقدمت: اكتسبت. وجعلنا: صيّرنا. ولا يسمعونه أي: سماع انتفاع. وتدعوهم: تحضهم. والهدى: الرشاد. ويهتدي: يصلح. والجعل المذكور أي:
للأكنة والوقر، بسبب ذلك الجعل. والأبد: مدة حياتهم. والغفور: الكثير السترِ للذنوب والتجاوزِ عنها. وذو الرحمة: المتصف بالعطف والإحسان.
ويؤاخذهم: يريد عقابهم. وكسبوا: اقترفوه من الكفر. وعجله: أوقعه سريعًا. والموعد: زمن الوعد. ويجد: يرى. ومن دونه: قبل العذاب. والمنجى:
النجاة. والقرى: جمع قرية، وهي المدن. وأهلكناهم: استأصلناهم بالعذاب. وظلموا أي: كما ظلم أهل مكة بالكفر. وجعلنا: عيّنًا. وبفتح الميم تكون
قراءتان: ((لِمَهلَكِهِم» و «لِمَهلِکھِم)).
(٣) عِمران من سِبط لاوى بن يعقوب. والفتى: الشاب يطلق على الخادم. ويوشع: ابن أخت موسى، نبّأه الله بعد موسى. وأبلغه: أصل إليه. وبحر الروم
هنا هو بحر العرب. فلعله كان يسمى بذلك، لسلطان الروم قبل الإسلام. وبحر فارس: في شرق الجزيرة. وملتقاهما في جنوبي العراق عند مصب الفرات
ودجلة. وأمضي: أسير. وبعد: بعد عني مجمعهما ولم أدركه. والبين: الافتراق. ومجمع بينهما: مكان افتراق البحرين. ونسيه: ذهل عنه بالنوم. والحوت:
السمكة الكبيرة. والمراد أنهما نسيا تفقَّد أمره، عند مجمع البحرين. و((حمله عند الرحيل)) سيورد المحلي في الحديث الصحيح أن الفتى نسي إخبار موسى
بذهاب الحوت في البحر. وسبب هذا الاضطراب أنه نقل من التلخيص وابن كثير ٩١:٣ بدون تحقيق. واتخذه: شرع فيه. والسبيل: الطريق الواضح.
والحوت سلك ما تيسر له. ولا نفاذ له: مسدود الآخر. وفي الأصل والنسختين والمنحة وبعض المطبوعات: ((لانفاد)). وانجاب: انشق. وبقي: صار. وهذا
معجزة لموسى، وآية له بقرب لقائه للخَضِر. انظر («المفصل)).