Indexed OCR Text

Pages 201-220

الجزء العاشر
٢٠١
٩ - سورة التوبة
١- ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِم وأنفُسِهِم، وأُولَئِكَ لَهُمُ
الخَيراتُ﴾ في الدنيا والآخرة، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٨٨ أي: الفائزون، ﴿أَعَدَّ اللهُ
لَهُم جَنّاتٍ، تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، خالِدِينَ فِيها. ذُلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ ٨٩.
٢- ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ - بإدغام التاء في الأصل في الذال أي: المُعتذِرون بمعنى
المعذورين. وقُرئ به - ﴿مِنَ الأعرابِ﴾ إلى النبيّ، ﴿لِيُؤذَنَ لَهُم﴾ في القُعود لعُذرهم
فَأَذِن لهم، ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾، في ادّعاء الإيمان من مُنافقي الأعراب،
عن المجيء للاعتذار. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٩٠.
٣- ﴿لَيسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ كالشيوخ، ﴿وَلا عَلَى المَرْضَى﴾ كالعُمْي والزَّمْنَى، ﴿ولا
عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنفِقُونَ﴾ في الجِهاد، ﴿حَرَجٌ﴾: إثم في التخلّف عنه، ﴿إذا
نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في حال قُعودهم، بعدم الإرجاف والتثبيط والطاعةِ - ﴿مَا عَلَى
المُحسِنِينَ﴾ بذلك ﴿مِن سَبِيلٍ﴾: طريقٍ بِالْمُؤاخِذة، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لهم،
﴿رَحِيمٌ﴾ ٩١ بهم بالتوسعة في ذلك - ﴿ولا علَى الَّذِينَ إذا ما أَتَوَ لِتَحمِلَهُم﴾
معك إلى الغزو، وهم سبعة من الأنصار، وقيل: بنو مُقَرِّن، ﴿قُلتَ: لا أجِدُ
ما أحمِلُكُم عَلَيهِ﴾: حالٌ، ﴿تَوَلَّوا﴾: جوابُ ((إذا)) أي: انصرفوا، ﴿وأعيُنُهُم
تَفِيضُ﴾: تسيل ﴿مِنَ﴾: للبيان ﴿الدَّمعِ حَزَنًا﴾، لأجل ﴿ألّا يَجِدُوا ما
يُنفِقُونَ﴾ ٩٢ في الجهاد.
سُورَة التَّوَة
رَضُواْ بِأَنْ يَكُنُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ
لَا يَفْقَهُونَ الَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ.
جَهَدُ واْ بِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِنَّ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَثِّ
وَأُوْلَكِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {َ أَعَذَّاللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الْبَّوَجَآءَ
اٌلْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢٠ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ
لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُو ◌ْلِلَّهِ وَرَسُولِهٍ،
مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ()
وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوََّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ
مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ * إِنَمَا السَّبِيلُ عَلَى
الَّذِينَ يَسْتَقْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْبِأَنْ يَكُونُواْ
مَعَ الْخَوَاِفِ وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٤- ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَستأذِنُونَكَ﴾ في التخلُّف، ﴿وهُم أغنِياءُ. رَضُوا بِأن يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ، وطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم، فَهُم لا
يَعلَمُونَ﴾ ٩٣. تقدّم مِثْلُه. ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ في التخلّف، ﴿إذا رَجَعْتُمْ إِلَيهِمَ﴾ من الغزو. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لا تَعتَذِرُوا. لَن نُؤْمِنَ لَكُم﴾:
(١) لكن: حرف عطف واستدراك لتوكيد ما قبله وتحقيق ما بعده، وقد وقع بين متنافيين: صفات المنافقين وصفات المؤمنين. والرسول: المرسل بالتوحيد
والشريعة مع العمل. وآمنوا أي: بالله، صدّقوا قلبًا ولسانًا وعملًا. وجاهدوا: بذلوا جهدهم وأقصى ما يستطيعون. والأموال والأنفس: انظر الآية ٨١.
والخيرات: جمع خيرة. وهي الفاضلة لغيرها بالنفع الدائم. وسقط ((أي الفائزون)) من الأصل والنسخ. وأعدّ: خلق وهيأ. والجنة: الحديقة العظيمة. وتجري:
تسيل وتتدفق. وتحتها أي: تحت قصورها وأشجارها. والأنهار: جمع نهر، من الماء أو العسل أو اللبن أو الخمر. وخالدين: مقيمين أبدًا. والإشارة بـ
((ذلك)) هي إلى ما أعده الله لهم. والفوز: الظفر بالخير والنجاة من الشر. والعظيم: الضخم جدًا لامثيل له.
(٢) جاء: أتى إلى مجلسك. والإدغام يعني أن الأصل ((المُعْتَذِرُونَ)) نقلت حركة التاء إلى الساكن قبلها، وأبدلت ذالًا وأدغمت في الذال الثانية. وقرئ به يريد
((المُعْتَذِرُونَ)). وهم أصحاب العذر الشرعي. والأعراب: سكان البادية من العرب واحدهم أعرابي. وهم بنو أسد وغطفان ورهط عامر بن الطفيل، كانوا في
شِدّة، يهددهم أعداؤهم بالغزو. ويؤذن: يباح ويسمح. وقعد: أقام في دياره. وكذبوه: ادعوا له ما يخالف قلوبهم ونياتهم. ويصيبه: ينزل به ويناله. وكفروا:
كذّبوا التوحيد والنبوة. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والأليم: الشديد الإيلام.
(٣) قال زيد بن ثابت: كنت أكتب للرسول و البراءة. فإني لَواضع القلم على أذني، إذ أمرنا بالقتال، فجعل الرسول ينظر ما ينزل عليه، إذ جاءه أعمى فقال:
كيف بي - يارسول الله - وأنا أعمى؟ فنزلت الآية. الدر المنثور ٢٦٧:٣ ولباب النقول. والضعفاء: جمع ضعيف. وكالشيوخ أي: والنساء والأطفال ومن
خُلق هزيلًا شديد النحافة والضؤولة. والمرضى: جمع مريض. والعمي: جمع أعمى. والزمنى: جمع زَمِن. وهو المصاب بمرض شديد دائم. ولا يجدون:
لا يملكون ولا يحصّلون. وهم بنو جُهينة ومُزينة وعُذرة، كانوا فقراء محاويج. وينفق: يبذل ويصرف. ونصحوا: يعني أن يتركوا الفتن وتكون نياتهم وأقوالهم
لخير المؤمنين، وداعية لهم بالنصر. والإرجاف: إثارة الفتن. والتثبيط: التكسيل لمن أراد الجهاد. والمحسن: الذي أخلص نيته وقوله وعمله. والغفور
والرحيم: من المغفرة والرحمة، أي: ستر الذنوب والعفو عنها، والعطف بالإحسان. وفيما عدا لأصل وخ: ((في التوسعة)). وتفيض: تمتلئ وتسيل. والأعين:
جمع عين. و(للبيان)) كذا. انظر ((المفصل)). والدمع: واحدته دمعة. والحزن: الغم والألم. وقد سمي هؤلاء المذكورون ((البكائين))، فحمل العباس اثنين منهم
للجهاد، وعثمان ثلاثة، وآخرون الباقين.
(٤) السبيل: الطريق للمؤاخذة والمعاقبة. ويستأذن: يطلب الإباحة والسماح. والأغنياء: جمع غني. وهو من يملك ما يستغني به عن طلبه مساعدةَ الآخرين،
فهو قادر على الجهاد. يعني أنهم واجدون لأهبة الغزو، مع سلامتهم من الضعف والمرض. ولا يعلم: لا يدري ولا يعرف ما ينفعه مما يضره. ومثله: يعني ما
في الآية ٨٧. ويعتذر: يحتج للتملص من ذنب التخلف. و((إليكم)) يعني: أيها المؤمنون. ورجعتم: عدتم. والأخبار: جمع خبر. وسيراه الله أي: سيعلمه علم
واقع، بظهوره للناس، فيكون عليه جزاء. والعمل: ما يكتسبه الإنسان من نية أو قول أو فعل. وتُردّون: تُرجعون. وإليه أي: إلى ميعاد لقائه وحسابه.
والعالِم: المحيط كاملَ الإحاطة. والغيب: ما غاب عن حواس الخلق وإدراكهم. والشهادة: ما يشهده الخلق ويعلمونه. وينبئ: يخبر. وتعمل: تكتسب.

٩ - سورة التوبة
٢٠٢
الجزء الحادي عشر
سُورَةِ التّوَيَّة
يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْإِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ
لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى
اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّتُرَدُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) سَيَحْلِفُونَ
◌ِاللَّهِلَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ
عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمٌّ فَإِن
تَرْضَوْاْعَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ اَلْفَاسِقِينَ
الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ
حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ
اُلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُالَّوَابِرَ
عَلَيَّهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءُ وَاَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ مَّا وَمِنَ
الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ
مَا يُنفِقُ قُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ أَلَّ إِنَّهَا قُرْبَةٌ
لَهُمَّ سَيُدْ خِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَيِّةِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ
نُصدّقَكم. ﴿قَد نَبَأَنا اللهُ مِن أخبارِكُم﴾ أي: أخبرنا بأحوالكم، ﴿وسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم
ورَسُولُهُ، ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بالبعث ﴿إِلَى عالِمِ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾ أي: اللهِ، ﴿فَيُنَبِّكُم بِما
كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ ٩٤، فیجازیکم علیه.
١- ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُم، إذا انقَلَبْتُم﴾: رجعتم ﴿إِلَيهِم﴾ من تبوكَ، إنهم معذورون
في التخلّف، ﴿لِتُعرِضُوا عَنْهُمْ﴾ بترك المُعاتبة - ﴿فأعرِضُوا عَنْهُم. إنَّهُم رِجسٌ﴾: قذر
لخُبث باطنهم، ﴿ومأواهُم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ٩٥ - يَحلِفُونَ لَكُم، لِتَرِضَوا
عَنْهُم. فإن تَرَضَوا عَنهُم فإنَّ اللهَ لا يَرَضَى عَنِ القَومِ الفاسِقِينَ﴾ ٩٦ أي: عنهم، ولا
ينفع رضاكم مع سُخط الله .
٢- ﴿الأعرابُ﴾: أهل البدو ﴿أشَدُّ كُفرًا ونِفاقًا﴾ من أهل المُدن، لجفائهم وغِلَظ
طِباعهم وبُعدهم عن سماع القُرآن، ﴿وأجدَرُ﴾: أولى ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿لا يَعلَمُوا
حُدُودَ ما أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾، من الأحكام والشرائع - ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه،
﴿حَكِيمٌ﴾ ٩٧ في صُنعه بهم - ﴿ومِنَ الأعرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنفِقُ﴾ في سبيل الله
﴿مَغْرَمًا﴾: غرامة وخُسرانًا، لأنه لا يرجو ثوابه بل ينفقه خوفًا، وهم بنو أسدٍ
وغطفانَ، ﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾: ينتظر ﴿بِكُمُ الدَّوائرَ﴾: دوائر الزمان أن تنقلب عليكم
فيتخلّص - ﴿عَلَيهِم دائِرةُ السُّوءِ﴾، بالضمّ والفتح، أي: يدور العذاب والهلاك لا
عليكم. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوال عِباده، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٩٨ بأفعالهم - ﴿ومِنَ الأعرابِ مَن
يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ﴾، كجُهينةَ ومُزينةَ، ﴿ويَتَّخِذُ ما يُنفِقُ﴾ في سبيله ﴿قُرُباتٍ﴾ تُقرّبه ﴿عِندَ اللهِ، و﴾ وسيلةً إلى ﴿صَلَواتِ﴾: دعواتِ
﴿الرَّسُولِ﴾ له. ﴿ألا إنَّها﴾ أي: نفقتَهم ﴿قُرُبةٌ﴾ - بضمّ الراء وسُكونها - ﴿لَهُم) عِنده. ﴿سَيُدخِلُهُمُ اللهُ في رَحْمتِهِ﴾: جنّته. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾
لأهل طاعته، ﴿رَحِيمٌ﴾ ٩٩ بهم.
(١) يحلفون: يقسمون. وفيما عدا الأصل والنسختين وط: ((أنهم معذورون)). وتعرضوا أي: تنصرفوا وتمتنعوا. والمعاتبة مراد بها: التوبيخ والتقريع. وقيل:
إن هذا من أول ما نزل في المنافقين. فقد استأذنوا لعدم الذهاب إلى تبوك، وأذن النبي (ص18 لهم، فخرجوا يسخرون به ويقول بعضهم لبعض: ((ماهو إلّا شحمة
لأوّل آكِل)). وقد أمر النبي الصحابة حين رجع إلى المدينة ألّا يجالسوهم ولا يكلموهم، فنزلت الآية. تفاسير البغوي ٢: ٣٢٠ والخازن ١٣٧:٣ والبحر
٨٩:٥. وأعرضوا عنهم: تجنبوهم واحذروهم، واتركوا كلامهم وسلامهم. والمأوى: ما يُلجأ إليه ويحتمى فيه. وفي ذكره هنا تهكم وسخرية من المنافقين.
وجهنم: اسم علم للنار التي أعدت للكافرين. والجزاء: المكافأة والعقاب. ويكسب: يقترف بإرادته واختياره، من النفاق والعصيان والكذب. وروي أن عبد
الله بن أُبيّ حلف بالله الذي لا إله إلّا هو لا يتخلف بعدُ أبدًا، وأن ابن أبي سرح حلف لنكونن مع الرسول وَ﴿ على عدوه، وطلب الرضا والدعاء، فنزلت الآية.
تفاسير البغوي ٣٢٠:٢ والبحر ٨٩:٥-٩٠ وأبي السعود ٩٥:٤. وانظر الآية ٦٢. وترضوا عنهم أي: تقبلوا عذرهم وتحسنوا إليهم. ولا يرضى عنهم: لا يقبل
ما اعتذروا به ولا قسمهم عليه. والقوم: الجماعة من الرجال. والفاسق: الخارج عن الطاعة بإرادة.
(٢) نزلت الآيتان ٩٧ و٩٨ في أعاريب من أسد وتميم وغطفان، وأعاريب من حاضري المدينة المنورة. البحر ٩٠:٥ والدر المنثور ٢٦٩:٣ والواحدي ص
٢٥٨-٢٥٩. والأعراب: واحده أعرابي. وأل: جنسية لتعريف الماهية، أي جنس هؤلاء كذلك، لا كل واحد منهم. وأهل البدو أي: أصحاب البادية.
وأشد: أقسى وأعنف. والكفر: التكذيب لله ورسوله والجحود للحق. والنفاق: إظهار الإيمان وإبطان الكفر. وأهل المدن يعني: كفار أهل المدن ومنافقيهم.
وعن سماع القرآن أي: ومجالسة العلماء ومتابعة الدرس والتحصيل. ولذلك كان الفهم الصحيح للإسلام أظهر في المدن منه في القرى والبادية، خلافًا لِما
يزعمه المضللون اليوم من مقولات ((علم الاجتماع))، ولِما يكون في الأديان الخرافية القائمة على الأساطير والأوهام. وأولى أي: أحقّ. ويعلم: يعرف
ويدرك. والحدود: جمع حد. وهي الفرائض ومقادير التكاليف والأحكام. وأنزل: أوحى وفرض. والعليم: المحيط بدقائق الأمور وخفاياها. والحكيم: الذي
يضع كل شيء فيما تقتضيه الحكمة. ويتخذ: يجعل. وينفق: يبذل. وغطفان أي: وتميم. فقد كانوا يقولون عن الزكاة أو الصدقات: ما هي إلّا جِزية أو قريبة
من الجزية. والدوائر: جمع دائرة، أي: ما يتقلب من الأحداث والمصائب. ويتخلص أي: من الإنفاق. وبالفتح يريد القراءة ((السَّوءِ)). وهو الفساد. ط:
((دائرةُ السَّوءِ). وفيما عدا الأصل والنسخ: ((والهلاك عليهم لاعليكم)). والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. وبأفعالهم أي: وبنياتهم. ويؤمن به: يصدّقه
قلبًا ولسانًا وعملًا. واليوم: الوقت. والآخر: المتأخر يكون بالبعث بعد الموت. وجُهينة: قبيلة من قُضاعة. والمراد من حَسُن إسلامه منها، كبني رشدان ومن
بايع تحت الشجرة. ومُزينة: قبيلة من بني الياس بن مضر، يراد منها أيضًا هنا بنو مقرّن المذكورون في تفسير الآية ٩٢. ويتخذ: يجعل. وفيما عدا الأصل وخ
وع: ((في سبيل الله)). وقربات: جمع لقُربة المضمومة الراء أو الساكنتها. وهو ما يُتقرَّب به. وبسكونها يريد القراءة ((قُرْبةٌ)). وعند الله أي: في حكمه منزلة
ورفعة. والرسول: من كلف برسالة التوحيد والبعث مع العمل. ويدخلهم: ييسر لهم الدخول ويهيئه لهم. والرحمة: العطف بالفضل والإكرام. وتفسير الرحمة
بالجنة من قبيل تفسير السبب بالمسبَّب.

الجزء الحادي عشر
٢٠٣
٩ - سورة التوبة
١- ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنصارِ﴾ - وهم من شَهد بدرًا أو جميعُ
الصحابة - ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهُم﴾ إلى يوم القيامة ﴿بإحسانٍ﴾ في العمل، ﴿رَضِيَ اللهُ
عَنْهُم﴾ بطاعته ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بثوابه، ﴿وَأَعَدَّ لَهُم جَنّاتٍ تَجرِي تَحَها الأنهارُ﴾ - وفي
قراءة بزيادة ((مِن)) - ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا. ذُلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ ١٠٠.
٢ - ﴿ومِمَّن حَولَكُم﴾ - يا أهل المدينة - ﴿مِنَ الأعرابِ مُنافِقُونَ﴾، كأسلَمَ وأشجَعَ
وغِفارٍ، ﴿ومِن أهلِ المَدِينةِ﴾ مُنافقون أيضًا، ﴿مَرَدُوا عَلَى النَّفَاقِ﴾: لجُّوا فيه
واستمرّوا، ﴿لا تَعلِّمُهُمِ﴾ - خِطاب للنبيّ - ﴿نَحنُ نَعلَمُهُم، سنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ﴾
بالفضيحةِ أو القتلِ في الدنيا وعذابِ القبر، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ في الآخرة ﴿إِلَى عَذابٍ
عَظِيمِ﴾ ١٠١ هو النار، ﴿و﴾ قوم ﴿آخَرُونَ﴾: مبتدأ ﴿اعتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم﴾ من التخلّف:
نعتُه وَالخبرُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا﴾ - وهو جهادُهم قبل ذلك أو اعترافُهم بذنوبهم أو
غيرُ ذلك - ﴿وَآخَرَ سَيًِّا﴾ وهو تخلّفهم، ﴿عَسَى اللهُ أن يَتُوبَ عَلَيهِم. إنَّ اللهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾ ١٠٢. نزلت في أبي لُبابةَ وجماعةٍ أوثقوا أنفُسهم في سواري المسجد، لمّا
بلغهم ما نزل في المُتخلّفين، وحلفوا لا يَحلّهم إلّ النبيّ وَّ. فحلَّهم لمّا نزلت.
سُورَةِ التَّوَّةْ
وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ
أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّ
لَهُمْ جَنَاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّا
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ
مُتَفِقُونٌّ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ
نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم ◌َرَّتَيْنِ ثُمَّيُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ
عَظِيمٍ (٣٦) وَءَا خَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا
وَءَاخَرَ سَيِّنَا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
خُذْ مِنْ أَمَوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ
إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوْ
أَنَّاللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ
اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (﴿ وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُ
وَرَسُولُهُ، وَالْمُؤْمِنُونَّ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَلِالْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
فَيُنَبِّئُكُمُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ
اللَّهِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٣- ﴿خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً، تُطَهِّرُهُم وتُزَكِّيهِم بِها﴾ من ذنوبهم - فأخذ ثُلث أموالهم
وتصدّق بها - ﴿وَصَلِّ عَلَيهِم﴾ أي: ادعُ لهم. ﴿إِنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ﴾: رحمة ﴿لَهُم﴾،
وقيل: طُمأنينة بقَبول توبتهم - ﴿واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣ - أَلَم يَعلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقبَلُ
التَّوبَةَ عَنِ عِبادِهِ، ويأخُذُ﴾: يقبل ﴿الصَّدَقاتِ، وأنَّ اللهَ هُوَ التَّابُ﴾ على عِباده بقَبول توبتهم، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ١٠٤ بهم؟ والاستفهام للتقرير، والقصد
به هو تهييجهم إلى التوبة والصدقة. ﴿وقُلِ﴾ لهم أو للناس: ﴿اعمَلُوا﴾ ما شئتم. ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والمُؤمِنُونَ، وسَتُرَدُونَ﴾ بالبعث
﴿إِلَى عالِمِ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾ أي: الله، ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِما كُنْتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ١٠٥، ڤيُجازيكم به.
٤- ﴿وَآخَرُونَ﴾ من المُتخلّفين ﴿مُرْجَؤُونَ﴾، بالهمز وتركه: مؤخّرون عن التوبة، ﴿لِأمرِ اللهِ﴾ فيهم بما يشاء، ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُم﴾ بأن يُميتهم بلا توبة،
﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيهِم - واللّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ ١٠٦ في صُنعه بهم - وهم الثلاثة الآتون بعدُ: مُرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهِلال بن
أُميّة. تخلّفوا كسلًا ومَيلًا إلى الدَّعة لا نِفاقًا، ولم يعتذروا إلى النبيّ بَّ كغيرهم، فوقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس، حتّى نزلت توبتهم
بعدُ .
(١) السابقون: الذين سبقوا بالإيمان والجهاد. والأولون: المتقدمون في ذلك. والمهاجرون: الذين هاجروا إلى المدينة. والأنصار: الأوس والخزرج.
واتبعوهم: اقتدوا بهم. والإحسان: مراقبة الله في القول والعمل والنية. ورضي عنهم: قبل منهم ما فعلوا، وتجاوز عن سيئاتهم. ورضوا عنه: تقبلوا قضاءه
بالطمأنينة. وأعد: خلق. والجنة: الحديقة العظيمة. وتجري: تسيل وتتدفق. وتحتها أي: تحت أشجارها وقصورها. والأنهار: جمع نهر. وبزيادة ((من)) يريد
قراءة ((مِن تَحتِها)). وقوله يوهم الإقحام في النص القرآني. قال البيضاوي: ((وقرأ ابن كثير: مِن تَحتِها الأنهارُ. وهي ثابتة في مصاحف مكة)). والخالد: المقيم
زمنًا طويلًا. والأبد: مدة الزمن. والفوز: الظفر بالنعيم. والعظيم: الضخم لا مثيل له.
(٢) حولكم أي: حول بلدكم. والأعراب: المقيمون في البادية. وأهل المدينة: المقيمون في المدينة المنورة. ولا تعلمهم: لا تعرف نفاقهم. ونعلمهم أي:
نعلم حقيقة أمرهم أنهم منافقون. ونعذبه: نعاقبه. ويردّ: يصير أمره. واعترف: أقرّ وندم على ما فعل. والذنوب: جمع ذنب. والصالح: النافع. والسيئ:
الفاسد. ويتوب عليهم: يقبل توبتهم. والغفور والرحيم: من المغفرة والرحمة، أي: ستر الذنب مع العفو والعطف بالإحسان. وأبو لُبابة صحابي من أهل
الصُّفّة. انظر تفسير الآية ٢٧ من سورة الأنفال. والسواري: جمع سارية. وهي عمود من الخشب. وحلهم أي: أرسل إليهم من حل وثاقهم، حين نزلت هذه
الآية. انظر ((المفصل)).
(٣) خذها أي: وأدّها إلى من يستحقها. والأموال: جمع مال. والصدقة: ما يدفع تطوعًا. وتطهرهم أي: تزيل عنهم الذنوب. وتزكيهم: ترفعهم إلى مراتب
المخلصين. والصلوات جمع لتعدد المدعوّ لهم. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((صَلاتَكَ)). وسميع عليم أي: سميع لاعترافهم عليم بندامتهم. انظر ((المفصل)).
ويعلموا: يدرك غير التائبين ويفهموا. ويقبلها: يرضاها. والعباد: جمع عبد. والرحيم: العظيم العطف بالإكرام. وشئتم: اخترتم. ويرى الله: انظر الآية ٩٤.
(٤) آخرون أي: غير الذين ذكروا في الآيات المتقدمة. وفي ث والمنحة وبعض المطبوعات: ((مُرجَونَ)). و((بالهمز وتركه)) كذا. وانظر ((المفصل)). وعليم
حكيم: انظر الآية ٩٧. والآتون بعد يعني: في الآية ١١٨. وهم من أهل المدينة كأولئك المذكورين في الآية ١٠٢. والدعة: الراحة والكسل. فقد كان هؤلاء
الثلاثة تخلفهم لغير عذر، ولا يستطيعون الكذب للمبالغة في الاعتذار. ونزلت أي: نزل قبول توبتهم في الآية ١١٨ .

٩ - سورة التوبة
٢٠٤
الجزء الحادي عشر
سُورَةِ التَّوَلَيْ
وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدَاضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِ بِقَابَيْنَ
الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا الْحُسْنَّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
لَانَقُمْ فِيهِ أَبَدًّا لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَ مِنْ أَوَّلٍ
يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنْطَهَرُواْ
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ (٣) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَنَهُ.
عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُلْيَنَهُ.
عَلَى شَفَاجُرُفٍ هَارٍ فَأَنْهَرَبِهِ، فِ نَارِجَهَنَّمَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ لَا يَزَالُ بُنْيَنُهُمُ الَّذِى بَنَوْرِيبَةٌ
فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمٌ وَاَللَّهُ عَلِيٌ حَكِيمُ الَّ
﴿ إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِفَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّافِى الْتَّوْرَكَةِ وَالْإِنِيلِ
وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْنَى بِعَهْدِهِ مِنَ اْللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ
بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَا يَعْتُمْ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ()
١- ﴿و﴾ منهم ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسجِدًا﴾ - وهم اثنا عشرَ من المُنافقين - ﴿ضِرارًا﴾:
مُضارّة لأهل مسجد قُباءٍ، ﴿وكُفرًا﴾ لأنهم بنَوه بأمر أبي عامرِ الراهبِ، ليكون مَعِقِلًا
له يقدم فيه من يأتي من عنده - وكان ذهب ليأتي بجُنود من قيصر لقتال النبيّ ◌َّهِ -
﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤمِنِينَ﴾ الذين يُصلّون بقُباءٍ، بصلاة بعضهم في مسجدهم،
﴿وإرصادًا﴾: ترقّبًا ﴿لِمَن حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: قبلٍ بنائه. وهو أبو عامرٍ
المذكورُ. ﴿وَلَيَحِلِفُنَّ إنِ﴾: ما ﴿أَرَدنا) ببنائه ﴿إِلّ﴾ الفَعلةَ ﴿الحُسنَى﴾، من الرِّفقِ
بالمِسكين في المطر والحرّ، والتوسعةِ على المُسلمين، ﴿واللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُم
لَکاذِبُونَ﴾ ١٠٧ في ذلك.
٢- وكانوا سألوا النبيّ أن يصليَ فيه، فنزل ﴿لا تَقُمْ﴾: تُصلِّ ﴿فِيهِ أَبَدًا﴾. فأرسلَ
جماعة هدموه وحرّقوه وجعلوا مكانه كُناسة يُلقى فيها الجِيَفُ. ﴿لَمَسجِدٌ أُسْسَ﴾:
بُنيتْ قواعده ﴿عَلَى التَّقْوَى، مِن أَوَّلِ يَومٍ﴾، وُضِعَ يومَ حللتَ بدار الهِجرة -
وهو مسجد قُباءٍ كما في البخاريّ - ﴿أَحَّقُّ﴾ منه ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿تَقُومَ﴾:
رفْع
الحزب
تُصلّيَ ﴿فِيهِ. فِيهِ رِجالٌ﴾ هم الأنصار ﴿يُحِبُّونَ أن يَتَطَهَّرُوا. واللهُ يُحِبُّ
المُطَّهِّرِينَ﴾ ١٠٨ أي: يُئيبهم. وفيه إدغام التاء في الأصل في الطاء. روى
ابن خُزيمة في صحيحه عن عُويم بن ساعدةَ: ((أنّهُ وََّ أتاهُم في مَسجِدِ قُباءٍ، فقالَ: إنَّ
اللهَ - تَعالَى - قَد أحسَنَ عَلَيكُمُ الثَّناءَ في الطَّهورِ في قِصّةِ مَسجِدِكُم. فما هذا الطُّهورُ
الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ؟ قالوا. واللهِ - يا رَسُولَ اللهِ - ما نَعلَمُ شَيئًا إلّا أنّه كانَ لَنا جِيرانٌ مِنَ
الْيَهُودِ، فكانُوا يَغْسِلُونَ أَدبارَهُم مِنَ الغائطِ، فَغَسَلنا كَما غَسَلُوا)) - وفي حديث رواه
البزار: فقالوا: نُتبعُ الحِجارةَ بالماءِ - ((فقالَ: هُو ذاكَ. فَعَلَيكُمُوهُ)).
٣- ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنيانَهُ عَلَى تَقْوَى﴾: مخافةٍ ﴿مِنَ اللهِ و﴾رجاءِ ﴿رِضوانٍ﴾ منه ﴿خَيرٌ، أم مَن أسَّسَ بُنيانَهُ علَى شَفا﴾: طَرَفِ ﴿جُرُفٍ﴾، بضمّ
الراء وسكونها: جانبٍ ﴿هارٍ﴾: مُشرف على السقوط، ﴿فانهارَ بِهِ﴾: سقط مع بانيه ﴿في نارِ جَهَنَّمَ﴾ خيرٌ؟ تمثيلٌ للبناء على ضِدّ التقوى بما يؤول
إليه. والاستفهام للتقرير، أي: الأوّل خير. وهو مِثال مسجد قُباءٍ، والثاني مِثال مسجد الضِّرار. ﴿واللهُ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمِينَ ١٠٩. لا يَزالُ
بُنِيَاتُهُمُ الَّذِي بَنَوا رِيبَةً﴾: شكًّا (فِي قُلُوبِهِم، إلّا أن تَقَطَّعَ﴾: تنفصل ﴿قُلُوبُهُم﴾ بأن يموتوا. ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ ١١٠ في صُنعه بهم.
٤- ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أنفُسَهُم وأمْوالَهُم﴾، بأن يبذلوها في طاعته كالجِهاد، ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾
جُملة استئناف بيان للشراء. وفي قراءة بتقديم المبنيّ للمفعول، أي: فيُقتل بعضهم ويُقاتِل الباقي، ﴿وَعدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: مصدران منصوبان بفعلهما
(١) اتخذوا: صنعوا. والمسجد: مكان للصلاة. ومسجد قباء: مسجد التقوى جنوبي المدينة المنورة. وكفرًا أي: لتشجيع الكفر والعصيان. وكان أبوعامر
ترهب، ولزم محاربة المسلمين. انظر ((المفصل)). والتفريق: إثارة الفتن. ومن عنده أي: من عند أبي عامر. وأردنا: قصدنا. والحسنى: الأكثر خيرًا.
ويشهد: يخبر خبرًا قاطعًا. وفي ذلك أي: في حلفهم. (٢) أبدًا أي: مدة حياتك. والكناسة: ما يُجمع من النُّفايات. والجيف: جمع جِيفة. وهي جثة
الحيوان المُنتنة. والتقوى: الخوف وطلب رضا الله. والبخاري: انظر ((المفصل)). وأحق: أجدر وأولى. والرجال: جمع رجل. ويحبون: يفضلون. ويتطهروا
أي: يزيلوا الحدث وسائر النجاسات. ويحبهم: يودهم ويريد لهم الخير. وعُويمٌ صحابي من الأوس. وانظر الحديث ٨٣ في صحيح ابن خزيمة والمسند ٦:٦
والمستدرك ١٥٥:١. والثناء: المديح. والطهور: التطهّر. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((وكانوا يغسلون)). والأدبار: جمع دبر. وهو مخرج الغائط. ونتبع
الحجارة بالماء أي: نستنجي بالماء بعد المسح بالحجارة. وهو ذاك أي: هو الذي أثنى الله عليكم به. وعليكموه أي: الزموه واستمروا فيه. وماروي عن
البزار هو من تفسير ابن كثير ٣٧٣:٢. (٣) أسس بنيانه: أنشأ أمور دينه وما بنيت عليه. والرضوان: القبول للعمل الصالح. وبسكونها يريد القراءة ((جُرْفٍ)).
ويؤول إليه: يصير إليه وينتهي. ولا يهديه أي: لا يرشده إلى ما فيه صلاحه. والظالم: من يتجاوز الحق. وريبة أي: سبب اضطراب. وتقطّع: تتقطّع.
والقلوب: جمع قلب. والعليم: المحيط بالنيات ودقائق الأمور. (٤) انظر سبب النزول في المفصل. واشتراها: قَبِلَ أخذها بثمن كريم. والأنفس: جمع
نفس، أي: الروح والجسد. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. والجنة: الحديقة العظيمة. وفي سبيله أي: لإعلاء كلمته ونصرة دينه.
وللمفعول يريد القراءة ((فيُقتَلُونَ ويَقتُلُونَ)). فلا يُشترط اجتماع الأمرين في الشخص الواحد، بل يتحقق الفضل العظيم بمجرد العزم. واستئناف: يعني جملة:
يقاتلون. والصواب أنها حالية. والوعد: التعهد بالخير. والحق: الثبوت الصادق. ومصدران: يعني أن التقدير: وعدَهم ذلك وعدًا وحقَّه حقًا. وأوفى: أكثرُ
وأثبتُ وفاء. والعهد: الوعد الموثق. واستبشروا: افرحوا أقصى ما يكون. والبيع: مراد به الجهاد الذي يؤدي إلى الجنة. والفوز: الظفر بالخير. والعظيم:
الضخم لامثيل له. ومبتدأ: يعني أن التقدير: هم التائبون. وانظر سبب النزول في المفصل أيضًا. والعابد: المطيع لله. والحامد: من يشكر بالقلب واللسان
والعمل. والراكع والساجد أي: المصلّ. والآمر: من يوجب ويُلزم. والمعروف: ما استحسنه الشرع. والناهي: من يمنع. والمنكر: ما استقبحه الشرع.
والحافظ لها: من يراعيها. والحدود: جمع حد. وبشر المؤمنين أي: أبلغ هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل ما يسرهم.

الجزء الحادي عشر
٢٠٥
٩ - سورة التوبة
المحذوف، ﴿في الثَّوراةِ والإِنجِيلِ والقُرآنِ - ومَن أوفَى بِعَهدِهِ مِنَ اللهِ﴾؟ أي: لا أحد
أوفى منه - ﴿فاستَبِشِرُوا﴾، فيه التفات عن الغَيبة، ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُم بِهِ. وذُلِكَ﴾
البيع ﴿هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ ١١١: المُنِيل غايةَ المطلوب. ﴿التّائِبُونَ﴾، رفع على المدح
بتقدير مبتدأ، من الشِّرك والنفاق ﴿العابِدُونَ﴾: المُخلصون العِبادةَ لله ﴿الحامِدُونَ﴾ له
على كُلّ حال ﴿السّائحُونَ﴾: الصائمون، ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ أي: المُصلّون،
﴿الْآَمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ، والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾: لأحكامه بالعمل
بها. ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ١١٢ بالجنّة.
١- ونزل في استغفاره ◌َ ﴿ لعمّه أبي طالب، واستغفار بعض الصحابة لأبويه
المُشرِكَينِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أن يَستَغفِرُوا لِلْمُشرِكِينَ، ولَو كانُوا أُولِي
قُربَى﴾: ذوي قرابة، ﴿مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُم أنَّهُم أصحابُ الجَحِيمِ﴾ ١١٣: النار، بأن
ماتوا على الكُفر، ﴿وما كانَ استِغفارُ إبراهِيمَ لِأَبِيهِ إلّا عَن مَوعِدةٍ، وَعَدَها إِيّاهُ﴾ بقوله:
((سأستَغْفِرُ لَكَ رَبِّ)) رجاءَ أن يُسلم، ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِثِ﴾، بموته على الكُفر،
﴿تَرَّأَ مِنْهُ﴾ وترك الاستغفار له. ﴿إِنَّ إِبراهِيمَ لَأَوّاهٌ﴾: كثير التضرّع والدُّعاء،
﴿حَلِيمٌ﴾ ١١٤: صبور على الأذى.
٢- ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَومًا، بَعدَ إذ هَدَاهُم﴾ للإِسلام، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم ما يَتَّقُونَ﴾
من العمل، فلا يتّقوه فيستحقّوا الإضلال. ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ ١١٥، ومنه
مُستحِقُّ الإِضلالِ والهِداية. ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ، يُحيِي ويُمِيتُ، وما
لَكُم﴾ - أيها الناس - ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿مِن وَلِيٍّ﴾: يحفظكم منه، ﴿ولا
نَصِيرٍ﴾ ١١٦ : يمنع عنكم ضرره.
سُورَةِ التَّوْنَّةْ
التَّسِبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّبِعُونَ
الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ اْلَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
أَوَ بَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوَأَنْ
يَسْتَغْفِرُ واْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبِى مِنْ بَعْدِ
أَ وَمَاكَانَ
مَاتَبَّنَ لَهُمْ أَنَهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيوَ لأَبِهِ إِلَّا عَنْ قَوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ
فَلَمَّانَبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ
(١٦) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَ قَوْمًا بَعْدَ إِذْهَدَنهُمْ حَتَّى
أَيُبَيْنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ إِنَّ اللَّهَ
إِلَهُ, مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحِ، وَيُمِيتُ وَمَالَكُم مِّن
دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍ وَلَا تَصِيرٍ (٨) لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى
النَّبِيِّ وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ فِى
سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ
مِنْهُمْ ثُمَّتَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٧)
٣- ﴿لَقَد تَابَ اللهُ﴾ أي: أدام توبته ﴿عَلَى النَّبِيِّ، والمُهاجِرِينَ والأنصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعةِ العُسْرةِ﴾ أي: وقتِها - وهي حالهم في غزوة تبوكَ،
كان الرجلان يقتسمان تمرة، والعشرة يعتقبون البعير الواحد، واشتدّ الحرّ حتّى شربوا الفَرْث - ﴿مِن بَعدِ ما كادَ تَزِيغُ﴾، بالتاء والياء: تَميل
﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُم﴾ عن اتباعه إلى التخلّف، لِما هم فيه من الشِّدّة، ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيهِم﴾ بالثبات - ﴿إِنَّهُ بِهِم رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ١١٧ - و﴾ تاب ﴿عَلَى
(١) سبب النزول في المفصل. وما كان أي: لا يصح ولا يجوز. وآمنوا: صدّقوا الله ورسوله بالقلب واللسان والعمل. ويستغفر: يطلب من الله ستر الذنوب
وعدم المؤاخذة عليها. والمشرك: من عبد مع الله بعض مخلوقاته بالتقديس والطاعة. وتبين: اتضح وثَّبَتَ. وأنهم أي: المشركين. والأصحاب: جمع
صاحب. والموعدة: التعهد بشيء. وبقوله يعني: الآية ٤٧ من سورة مريم. والعدو: المعادي والمحارب للشرع والدين. وتبرأ منه: تخلص منه وتخلى عنه
وقطع استغفاره.
(٢) روي أنه كان بعض المسلمين بعيدين عن المدينة، يشربون الخمرة ويصلون إلى بيت المقدس، ثم علموا أن القرآن نزل بغير ذلك بعد مدة، وخشوا أن
يكونوا آئمين، ولما نزلت الآية ١١٣ بمنع الاستغفار للمشركين خاف المؤمنون أن يؤاخذوا بما صدر عنهم قبل نزولها، فنزلت هذه الآية تطمئن بعدم المؤاخذة.
التسهيل ٨٦:٢ وفتح القدير ٥٧٩:٢. وما كان أي: وما يزال. ولا يضل قومًا أي: لا يوقع الضلال في قلوبهم، ما لم ينصرفوا عن الطاعة بإرادة منهم
وإصرار. وهداهم: أمدّ قدراتهم بما يناسب اختيارهم واستعدادهم. ويبين: يوضح. ويتقون: يتجنبون. والعليم: المحيط بدقائق الأمور وخفياتها. و(مستحق))
يعني أن الاستحقاق يكون بما يختاره الإنسان، عن علم وإرادة، فيمدّه الله بما يناسب ذلك. والملك: الحيازة والتصرف. والسماء: ما يحيط بالأرض من
عوالم عُلوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا. والمراد أيضًا: وما في الكون كله. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. ويحيي: يخلق ما يشاء من العدم.
ويميت: يُفني ما يشاء من الخلق. والولي: الذي يتولى الأمور ويرعى المصالح. والنصير: المعين المنقذ.
(٣) التوبة على النبي: رفع درجاته إلى الكمال. والمهاجرون: المسلمون الذين هجروا ديارهم إلى المدينة. والأنصار: المسلمون من أهل المدينة. والتوبة
عليهم: قبول توبتهم عما بدا لدى بعضهم من الضيق والوساوس قبل المسير إلى تبوك، وخلال الطريق. واتبعوه: صاحبوه. والساعة: الوقت. والعسرة:
الشِّدّة. وغزوة تبوك يقال لها: غزوة العُسرة. ويعتقبونه: يركبه هذا ساعة وهذا ساعة. والفرث: ما يكون في كَرِش الناقة أو البعير، يُستخرج بعد الذبح ليُشرب
بدل الماء. وكاد: قُرُب جدًا. وبالياء يريد القراءة ((يَزِيغُ)). والقلوب: جمع قلب. ومعنى الرؤوف والرحيم أنه يرفق بالمؤمنين دائمًا، ويعطف عليهم كثيرًا في
المعاملة، فلا يحمّلهم ما لا يطيقون، ويزيل عنهم الضرر ويقدّر لهم النفع، ويتجاوز عما كان منهم في الشدائد. والثلاثة هم المذكورون في الآية ١٠٦.
وخُلّفوا: أُخِّروا وتُركوا عن قبول العذر. فقد تخلف هؤلاء عن غزوة تبوك، ولم يختلقوا عذرًا. انظر ((المفصل)). والمراد بالقرينة أن ما يأتي من الآية يؤيد
جعل ((خُلّفوا)) لتأخير التوبة لا للتخلف عن الغزوة. وضاقت عليهم: اسودت في أعينهم، وكأنها تقلصت فلم يجدوا مكانًا يلجؤون إليه. ورحبت: اتسعت.
والأنفس: جمع نفس. ومخففة أي: ((أنْ)) أصلها ((أنّ)). والملجأ: المكان يُلجأ إليه ويُعتصم به. ومن الله أي: من غضبه وعقابه. وإليه أي: إلى استغفاره.
ويتوبوا أي: توبة مقبولة. والتواب: الكثير القبول لتوبة الصادقين. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان. واتقوه: تجنبوا غضبه واطلبوا بالطاعة والصلاح رضاه.
وكونوا: صيروا دائمًا في النية والقول والعمل. والصادقون: أصحاب الصدق والوفاء.

٩ - سورة التوبة
٢٠٦
الجزء الحادي عشر
سُورَةِ التَّوَيَّة
الجزء الثانى عشر
وَعَلَى الثََّثَةِالَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ
بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُواْ أَنْ لََّ مَلْجَأَ
مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِسَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ
الرَّحِيمُ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ
الصَّدِقِينَ ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم
مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ
عَن نَّفْسِةٍ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبُ
وَلَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَُّونَ مَوِْنًا يَغِيظُ
اَلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّ نَّيْلًا إِلََّ كُتِبَ لَهُم
بِهِ عَمَلٌ صَلِيحٌ إِنَّ اللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَالْمُحْسِنِينَ
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَّعُونَ
وَادِيًّا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُ واْكَاَفَّةٌ
فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ
وَلِيُنْذِرُوْقَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
الثَّلاثةِ الَّذِينَ خُلِّقُوا﴾ عن الثَّوبة عليهم، بقرينة ﴿حَتَّى إذا ضاقَتْ عَلَيهِمِ الأرضُ بِما
رَحُبَتْ﴾ أي: مع رُحبِها، أي: سَعتِها، فلا يجدون مكانًا يطمئنّون إليهَ، ﴿وضاقَتْ
علَيهِم أنفُسُهُم﴾: قُلوبهم للغمِّ والوحشة، بتأخير تَوبتهم فلا يسعها سُرور ولا أُنس،
﴿وَظَنُّوا﴾: أيقنوا ﴿أن﴾: مُخفّفةٌ ﴿لا مَلجأَ مِنَ اللهِ إلَّا إِلَيهِ، ثُمَّ تابَ عَلَيهِم﴾: وفّقهم
للثَّوبة ﴿لِيَتُوبُوا. إنَّ اللهَ هُوَ التَّابُ الرَّحِيمُ ١١٨. يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، اتَّقُوا اللهَ﴾
بترك معاصيه، ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ ١١٩ في الإيمان والعُهود، بأن تلزموا
الصِّدق.
١- ﴿ما كانَ لِأهلِ المَدِينةِ، ومَن حَولَهُم مِنَ الأعرابِ، أن يَتَخَلّقُوا عَن رَسُولِ اللهِ﴾ إذا
غزا، ﴿ولا يَرِغَبُوا بِأَنفُسِهِم عَن نَفسِهِ﴾ بأن يصونوها عمّا رضيه لنفسه من الشدائد.
وهو نهي بلفظ الخبر. ﴿ذلِكَ﴾ أي: النهيُ عن التخلّف ﴿بِأَنَّهُم﴾: بسبب أنهم ﴿لا
يُصِيبُهُم ظَمَأْ﴾: عطش، ﴿ولا نَصَبٌّ﴾: تعب، ﴿ولا مَخمَصةٌ﴾: جوع ﴿في
سَبِيلِ اللهِ، ولا يَطَؤُّونَ مَوطِئًا﴾: مصدرٌ بمعنى وطْئًا ﴿يَغِيظُ﴾: يُغضِب
﴿اَلْكُفَّارَ، ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٌّ﴾ للهِ ﴿نَيلًا﴾ قتلًا أو أسرًا أو نهبًا، ﴿إِلّا كُتِبَ
لَهُم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ ليُجازَوا عليه - ﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجرَ المُحسِنِينَ﴾ ١٢٠
أي: أجرَهم بل يُثيبهم - ﴿ولا يُنفِقُونَ﴾ فيه ﴿نَفَقةً صَغِيرةً﴾ ولو تمرةً ﴿ولا كَبِيرةٌ، ولا
يَقطَعُونَ وادِيًا﴾ بالسَّير ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم﴾ ذلك، ﴿لِيَجِزِيَهُمُ اللهُ أحسَنَ ما كانُوا
يَعْمَلُونَ﴾ ١٢١ أي: جزاءه.
٢- ولمّا وُبِّخوا على التخلّف وأرسل النبيّ سَرِيّة نَفروا جميعًا، فنزل: ﴿وما كانَ المُؤمِنُونَ لِيَنْفِرُوا﴾ إلى الغزو، ﴿كافّةً. فَلَولا﴾: فهلّا ﴿نَفَرَ مِن
كُلِّ فِرِقةٍ﴾: قبيلةٍ ﴿مِنْهُم طائفةٌ﴾: جماعة، ومكَثَ الباقون ﴿لِيتَفَقَّهُوا﴾ أي: الماكثون ﴿فِي الدِّينِ، وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إذا رَجَعُوا إِلَيهِم﴾ من الغزو
بتعليم ما تعلّموه من الأحكام، ﴿لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ﴾ ١٢٢ عقاب الله بامتثال أمره ونهيه. قال ابن عبّاس: فهذه مخصوصة بالسرايا، والتي قبلها
بالنهي عن تخلّف أحد فيما إذا خرج النبيّ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الكُفَّارِ﴾ أي: الأقربَ فالأقرب منهم، ﴿ولْيَجِدُوا فِيكُم
غِلْظةً﴾: شِدّة، أي: أغلظوا عليهم، ﴿واعلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ ١٢٣ بالعون والنصر.
(١) ما كان أي: لا يجوز. وأهل المدينة: من يقيم في المدينة المنورة. والأعراب: سكان البادية، واحدهم أعرابي. ويرغبوا بها أي: يترفعوا ويكرهوا
لأجلها. والأنفس: جمع نفس. وهي الروح والجسد. والخبر هو النفي بـ ((ما)) في أول الآية وما دخلت عليه. ويصيبهم: يقع بهم. وسبيله: طريق طاعته
وإعلاء كلمته. ويطأ: يدوس بقدمه. والكفار: جمع كافر. وينال: يصيب. والعدو: المعادي. والنهب: الغنيمة تؤخذ بالقوة. وكُتب: سُجّل في صحائف
الأعمال. وبه أي: بسبب كل ذلك. والصالح: النافع في الدنيا والآخرة. ويضيع: يهمل. والأجر: الثواب. والمحسن: الذي أحسن النية والقول والعمل
بمراقبة الله. ويثيبهم أي: ويتفضل عليهم بما هو أعظم وأنفع. وينفق: يصرف إيمانًا واحتسابًا. وفيه أي: في سبيل الله. والصغيرة: القليلة القدر. والكبيرة:
العظيمة القدر. ويقطعه: يمر به. والوادي: ما بين الجبلين. ذكر هنا وأريد به كل قطعة من الأرض. وذلك أي: الإنفاق والقطع. وفي بعض المطبوعات:
((بذلك عمل صالح)). وجزاءه أي: حسنَ جزاء أعمالهم. ط: جزاءهم.
(٢) وبخوا أي: بما في الآيات ٨١-٩٦ و١٠٢- ١٠٦ و١١٨. وفيما عدا الأصل وخ: ((النبي (َّ﴾)). و((جميعًا)) يعني: وتركوا النبي ◌َّه وحده في المدينة. وقد
كانوا أقسموا ألّا يتخلفوا عن الجهاد أبدًا. الواحدي ص ٢٦٦ وتفاسير البغوي ٣٣٩:٢ والخازن ١٦٧:٣ والنسفي ١٥١:٢ والبحر ١١٤:٥. والمؤمنون:
الصادقون في الإيمان الكاملون فيه. وينفر: يخرج بسرعة. والغزو: محاربة المعتدي لردعه أو الانتقام منه. وكافة أي: جميعًا. ويتفقه: يتعلم ويفهم الأحكام
والتكاليف. والدين: العقيدة والشريعة. وينذر: يبلغ ويرشد. وقوم الإنسان: الجماعة التي ينتسب إليها أو يعيش فيها. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((بتعليمهم
ما تعلموه)). ويحذر: يخاف ويتجنب. والسرايا: جمع سرية. وهي الجيش يبعثه النبي ◌َّ لردع المعتدين أو قتالهم. و((التي قبلها)) يعني الآيتين ١٢٠ و١٢١.
وفيما عدا الأصل والنسخ: ((بالنهي عن تخلف واحد فيما إذا)). وفيما عدا الأصل وخ وع: ((النبي (َّ)). وإذا خرج النبي أي: في الجهاد الذي يشارك فيه
النبي ◌ّ لردع المعتدين أو لحربهم. وقاتلوهم أي: ابدؤوا بالحرب مَن كان معتديًا. فقد روي في الأثر: ((اترُكُوا الرّابِضِينَ ما تَرَكُوكُم)). ويجب البدء بالقتال
لعدو غزا ديارنا، أو اعتدى على حقوق المسلمين في ديارهم، أو كان يستعد قريبًا منا، حتى يكفّ عن ذلك. انظر أحكام القرآن ص ١٠٣٢ والبحر ١٤:٥.
ويلونكم: يقربون من بلادكم. والكفار: المشركون وأهل الكتاب والمجوس والملحدون، جمع كافر. وليجدوا أي: ليصادفوا. فالأمر للكافرين والمراد به أمر
المؤمنين بالشِّدّة والقسوة عليهم. وهذا من إقامة المسبَّب مَقام السبب للمبالغة. واعلموا أي: استحضروا العلم وتذكروا. والمتقون: الذين يتجنبون سخط الله
ويخافون عقابه، فيمتثلون الأمر والنهي طلبًا للرضا. وفي هذا تنبيه على أن يكون القتال والغلظة للتقوى، لا للغنيمة أو الفخر.

الجزء الحادي عشر
٢٠٧
٩ - سورة التوبة
١- ﴿وإذا ما أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ من القُرآن ﴿فَمِنْهُم﴾، أي المنافقين، ﴿مَن يَقُولُ﴾
لأصحابه استهزاءً: ﴿أيُّكُم زادَتَهُ هذِهِ إيمانًا﴾: تصديقًا؟ قال تعالى: ﴿فأمّا الَّذِينَ آمَنُوا
فزادَتَهُم إيمانًا﴾، لتصديقهم بها، ﴿وَهُم يَستَبَشِرُونَ﴾ ١٢٤ : يفرحون بها، ﴿وأمّا الَّذِينَ
في قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾: ضعفُ اعتقاد ﴿فزادَتَهُم رِجسًا إِلَى رِسِهِم﴾: كُفرًا إلى كُفرهم،
الكُفرهم بها، ﴿وماتُوا وهُم كافِرُونَ﴾ ١٢٥ .
٢- ﴿أَوَلا يَرَونَ﴾ - بالياء أي: المُنافقون، والتاء أيها المؤمنون - ﴿أَنَّهُم يُفتَنُونَ﴾ :
يُبْتَلَون ﴿فِي كُلِّ عامِ مَرّةً أو مَرّتَينٍ﴾ بالقحط والأمراض، (ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ من نِفاقهم،
﴿وَلا هُم يَذَكَّرُونَ﴾ ١٢٦ يتّعظون؟ ﴿وإذا ما أُنزِلَتْ سُورةٌ﴾ فيها ذِكرهم، وقرأها النبيّ،
﴿نَظَرَ بَعضُهُم إلَى بَعضٍ﴾ يُريدون الهرب، يقولون: ﴿هَل يَراكُم مِن أَحَدٍ﴾ إذا قمتم؟
فإن لم يرهم أحد قاموا وإلّا ثبَتوا، ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا﴾ على كُفرهم. ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم﴾
عن الهُدى، ﴿بِأَنَّهُم قَومٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١٢٧ الحق لعدم تدبّرهم.
سُورَة التَّوْنَة،
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
وَلَيَجِدُ واْفِيكُمْ غِلْظَةً وَأَعْلَمُواْ أَنَّاللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ (٢)
وَإِذَا مَآأُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتَّهُ هَذِهِ.
إِيمَنَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
(١٨) وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتُهُمْ رِجْسًا
إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَا تُواْوَهُمْ كَفِرُونَ ١٦) أَوَلَايَرَوْنَ
أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ مَزَّةً أَوْمَرَّتَينِ ثُمَّ
لَا يَتُوبُونَ وَلَهُمْ يَذَكَّرُونَ ﴿ وَإِذَامَا أُنزِلَتْ
سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ هَلْ يَرَدُكُمْ مِّنْ أَحَدٍ
ثُمَّ أَنْصَرَ فُوْصَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَّهُونَ
لَقَدْ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ
عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٦) فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُلاَ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِلَ
شُورَةُ يُونيس
٣- ﴿لَقَدْ جاءَكُم رَسُولٌ مِن أنفُسِكُم﴾ أي: منكم مُحمّد ◌ََّ، ﴿عَزِيزٌ﴾: شديد ﴿عَلَيهِ
ما عَنْتُم﴾ أي: عنتُكم، أي: مشقّتكم ولِقاؤكم المكروهَ، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ أن
تهتدوا، ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفٌ﴾: شديد الرحمة، ﴿رَحِيمٌ﴾ ١٢٨: يُريد لهم الخير. ﴿فإن
تَوَلَّوا﴾ عن الإيمان بك ﴿فقُلْ: حَسْبِيَ﴾: كافِيَّ ﴿اللّهُ لا إلَّهَ إلّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ﴾: به
وثقت لا بغيره، ﴿وهْوَ رَبُّ العَرشِ﴾ الكُرسيّ ﴿العَظِيمِ﴾ ١٢٩. خصّه بالذكر لأنه
أعظم المخلوقات. روى الحاكم في ((المستدرك)) عن أبيّ بن كعب قال: آخرُ آية نزلت ((لَقَد جاءكُم رَسُولٌ)) إلى آخر السُّورة.
سورة يُونُس
٤- مكية إلّا ((فإن كنت في شك)) الآيتين أو الثلاث، أو ((ومنهم من يؤمن به)) الآية، مِائَة وتسعُ أو عشرُ آيات.
(١) أنزلت: أوحيت على لسان جبريل. والسورة: القطعة. وأيكم يعني: أيُّ واحد منكم؟ وزادته إيمانًا أي: قوّت إيمانه. والقلوب: جمع قلب. والمرض:
الكفر والنفاق. وتفسير السيوطي له بضعف الاعتقاد مردود، لأن النفاق كفر وليس كضعف الإيمان. والرجس: الشيء المستقذر. وزادتهم رجسًا أي: قوّت
كفرهم وكثّرّته. والكافر: من كذّب الله ورسوله. وفي هذه الآية تعيين لحالهم، أنهم موصوفون بالشك والنفاق، إذ اكتسبوا من الآيات زيادة كفر، خلافًا لما
اكتسبه المؤمنون.
(٢) يرون: يعلمون ويدركون يقينًا. وبالتاء يريد القراءة ((أوَلاتَرَونَ))؟ ويفتنون أي: يعذبون بسبب ما في قلوبهم وأعمالهم، من النفاق والعصيان اختيارًا وعزمًا.
والعام: السنة الهجرية من أولها إلى آخرها. والمرة: المدة من الزمن. والمراد بورود ((مرة ومرتين)) مجرد التكثير، لا بيان الوقوع بحسب العدد المذكور. تفسير
الآلوسي ٧٣:١١-٧٤. ويتوب: يندم على عمله ويطلب المغفرة. ونظر: وجّه بصره. ونظر بعضهم إلى بعض أي: تغامزوا بالأعين إنكارًا وسخرية. و((ثبتوا))
زاد في الوجيز: ((مكانهم حتى يفرغ من خطبته)). وانصرفوا: ذهبوا. وصرف قلوبهم: منعها وحجبها، لِما هي عليه من الكفر اختيارًا وإصرارًا. وقوم: جماعة
من الناس. ولا يفقهون: لا يعلمون ولا يفهمون، أي: لعدم فقههم. يعني: لجهلهم وتعطيل عقولهم عن التفكير.
(٣) الخطاب للعرب، وهو يشمل أيضًا جميع الناس، لأن النبي ◌َّ هو من جنسهم. وفي ذلك صفة مؤثرة في التبليغ والفهم عنه والتآنس به، مع الإشعار
بالمنّ عليهم والتلطف للاستجابة والإيمان. وجاءكم: بعثه الله إليكم. والرسول: المرسَل لتبليغ العقيدة والشريعة مع العمل. والأنفس: جمع نفس.
والحريص: الكثير الرغبة والسعي. وعليكم أي: على هدايتكم وصلاح شأنكم. وبالمؤمنين أي: بالمصدقين منكم قلبًا ولسانًا وعملًا. والرحمة: العطف
والشفقة والإحسان. وتولوا أي: أعرض الكفار والمنافقون وامتنعوا بعد هذا كله. والإله: المعبود بحق. وعليه توكلت أي: فوضت كل أمر إليه وحده.
والرب: المالك. والعرش: مخلوق عظيم جدًا يضم في حوزته سائر المخلوقات بما فيها الكرسي، لا يقدِّر قدره ولا يعرف كنهه إلّا الله. وتفسيره بالكرسي غير
صحيح. والعظيم: الذي لامثيل له. وآخر آية يعني: آخر الآيات نزلت. و((إلى آخر السورة)) كذا في الإتقان ٥٨:١. وهو في تفسير ابن كثير ٣٨٦:٢، مرويًا
عن الإمام أحمد ... عن ابن عباس. أما ما في المستدرك ٣٣٨:٢ فهو: ((آخر مانزل من القرآن)). وهذا مبني على أن الآيتين المذكورتين مدنيتان أيضًا،
والسورة كلها مدنية. انظر الإتقان ٥٧:١ - ٦٠ والبرهان في علوم القرآن ٢٠٩:١- ٢١٠ وتفسير الآلوسي ١١ :٧٧.
(٤) الآيتين أي: الآيتين ٩٤ و٩٥ هما مدنيتان. فمجوع المدني إذًا آية واحدة أو اثنتان أو أربع، والمذكور هنا ثلاثة أقوال. انظر تفسير القرطبي ٣٠٤:٨
والبحر ١٢١:٥. والثلاث هي الآيات ٩٤-٩٧، مدنية في قول ابن عباس باعتبار ٩٦ و٩٧ آية واحدة. ولهذا الاعتبار كان الخلاف في عدد آيات السورة
أيضًا. فمجوع المدني على هذا القول أربع. والآية: يعني ذات الرقم ٤٠ فهي مدنية.

١٠ - سورة يونس
٢٠٨
الجزء الحادي عشر
الخرُ الجائى
سُورَة ◌ُونِ}}
بِسِْلَهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
الرَّتِلْكَءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ جْ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا
أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِالنَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَءَامَنُواْ
أَنَّلَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَرَبِهِمٌ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا
لَسَحِرٌ مُبِينُ (٤) إِنَّ رَبَّكُمُاللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُالْأَمْرَّ مَا مِن شَفِيعِ
إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ
تَذَكَّرُونَ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَاللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ.
◌ِيَبْدَؤُأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدٌ مُلِيَجِْىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ
أَلِيمٌ بِمَا كَانُوايَكْفُرُونَ جَ
بالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ
هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ, مَنَازِلَ لِثَعْلَمُواْ عَدَدَ اْ لْسِنِينَ
وَاُلْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اَللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ
لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ ﴿﴿ إِنَّ فِ أُخْلِلَفِ الَّلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ
اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
١- ﴿الّر﴾ الله أعلم بمُراده بذلك. ﴿تِلكَ﴾ أي: هذه الآيات ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ القُرآن
- والإضافة بمعنى: مِن - ﴿الحَكِيمِ﴾ ١: المُحكَمِ. ﴿أكانَ لِلنّاسِ﴾ أي: أهلِ مكّة،
استفهامُ إنكار، والجارّ والمجرور: حال من قوله ﴿عَجَبًا﴾ بالنصبِ: خبرُ ((كان)»،
والرفعِ اسمُها، والخبرُ وهو اسمُها على الأُولى: ﴿أن أَوحَينا﴾ أي: إيحاؤنا ﴿إِلَى
رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ مُحمّدٍ وَالَ: ﴿أن﴾: مُفسّرةٌ ﴿أَنذِرٍ﴾: خوِّفِ ﴿النّاسَ﴾ الكافرين
بالعذاب، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ﴾ أي: بأنّ ﴿لَهُم قَدَمَ﴾: سَلَفَ ﴿صِدقٍ عِندَ رَبِّهِم﴾
أي: أجرًا حسنًا بما قدّموا من الأعمال؟ ﴿قالَ الكافِرُونَ: إنَّ هذا﴾ القُرآنَ المُشتمَلَ
على ذلك ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢: بَيِّن. وفي قراءة: (لَساحِرٌ))، والمشارُ إليه النبيّ.
٢- ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ في سِتّةِ أيّامٍ﴾ من أيام الدنيا، أي:
في قدْرها، لأنه لم يكن ثَمّ شمس ولا قمر - ولو شاء لخلقهنَ في لمحة. والعدولُ عنه
لتعليم خلقه التثبّتَ - ﴿ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرشِ﴾ استواءً يليق به، ﴿يُدَبِّرُ الأمرَ﴾ بين
الخلائق، ﴿ما مِن﴾: زائدةٌ ﴿شَفِيعٍ﴾ يشفع لأحد ﴿إلّا مِن بَعدِ إذنِهِ﴾. ردّ لقولهم: إنّ
الأصنام تشفع لهم. ﴿ذُلِكُمْ﴾ الخاَلَقِ المُدبّر ﴿اللّهُ رَبُّكُم - فاعبُدُوهُ﴾: وحدوه. (أفلا
تَذَّرُونَ﴾ ٣؟ بإدغام التاء في الأصل في الذال - ﴿إِلَيهِ﴾ تعالى ﴿مَرجِعُكُم جَمِيعًا،
وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾: مصدران منصوبان بفعلهما المُقدّر. ﴿إِنَّهُ﴾ - بالكسرِ استئنافًا والفتحِ
على تقدير اللام - ﴿يَبَدَأُ الخَلقَ﴾ أي: بدأه بالإِنشاء، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث،
﴿لِيَجْزِيَ﴾: لِيُثِبَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالقِسِطِ، والَّذِينَ كَفَرُوا لَهُم
شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾: ماء بالغ نهايةَ الحرارة، ﴿وَعَذَابٌ ألِيمٌ﴾: مُؤلمٌ ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ؛ أي: بسبب كُفرهم.
٣- ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمسَ ضِياءً﴾: ذاتَ ضياء أي: نور، ﴿والقَمَرَ نُورًا، وقَدَّرَهُ﴾ من حيثُ سيرُه ﴿مَنازِلَ﴾ ثمانيةً وعشرين منزلًا في ثمانٍ
وعشرين ليلةً من كُلّ شهر، ويستتر ليلتينِ إن كان الشهر ثلاثين يومًا، وليلةً إن كان تسعة وعشرين يومًا، ﴿لِتَعَلَّمُوا﴾ بذلك ﴿عَدَدَ السِّنِينَ
والحِسابَ. ما خَلَقَ اللهُ ذُلِكَ﴾ المذكورَ ﴿إِلّا بِالحَقِّ﴾ لا عبثًا، تعالى عن ذلك. ﴿يُفَصِّلُ﴾، بالياء والنون، يُبيّن ﴿الآياتِ لِقَومٍ يَعلَّمُونَ﴾ ٥:
يتدبّرون. ﴿إِنَّ في اختِلافِ اللَّلِ والنَّهارِ﴾ بالذّهاب والمجيء والزيادة والنُّقصان، ﴿وما خَلَقَ اللهُ في السَّماواتِ﴾ من ملائكة وشمس وقمر ونُجوم
وغير ذلك، ﴿وَ﴾ في ﴿الأرضِ﴾ من حيوان وجِبال وبِحار وأنهار وأشجار وغيرها، ﴿لَآيَاتٍ﴾: دلالاتٍ على قُدرته - تعالى - ﴿لِقَومٍ يَتَّقُونَ﴾ ٦»
فيُؤمنون. خصّهم بالذكر لأنهم المُنتفعون بها .
(١) المحكم: المنظوم نظمًا متقنًا. وانظر سبب النزول في المفصل. والإنكار أي: لا يليق بهم أن يتعجبوا من إرساله، وهو معروف بالصدق والصلاح
والكرم. وبالرفع يريد القراءة ((عَجَبٌ)). وهي قراءة ليست شاذة عند السيوطي. انظر الإتقان ١٦٨:١. وأوحينا: أنزلنا على لسان جبريل، ويسّرنا الحفظ
والإتقان والتبليغ. وبشرهم: أبلغهم ما يسرهم. والسلف: ما قدمه المؤمنون من عمل. والصدق: الصلاح. وعنده أي: في حكمه وبالمنزلة المقربة. وذلك
أي: الإنذار والتبشير. والسحر: تمويه وخداع للعقول والحواس، يخيِّل إليها ماليس له وجود في الواقع. والساحر: من يفعل ذلك بخبث ودهاء، فيوهم
الأغبياء والسفهاء أنه يأتي بالمعجزات.
(٢) خلقها: أنشأها من العدم. والأيام: جمع يوم. وهو هنا بمعنى الوقت، وليس مرادًا به مقدار أيام الدنيا. فالمراد ستة أوقات غير محددة القدر. انظر
تعليقنا على تفسير الآية ٥٤ من سورة الأعراف. ولتعليم خلقه: يعني أنّ الله لم يخلق ذلك في لمحة، وخلقه في أزمان، ليعلّم الناس التمهل في شؤون الحياة.
وانظر سبب النزول في المفصل. واستوى: علا وارتفع منزها عن التكييف والتحيز والتشبيه والتعطيل. والعرش: مخلوق عظيم يحيط بسائر المخلوقات. ويليق
به أي: يناسب عظمته وجلاله، كما عناه سبحانه، لا كما يتصوره بعض الضالين. ويدبره: يقضيه على الوجه الأكمل. والأمر: شأن الكائنات. والشفيع: من
ينصر غيره لدفع البلاء وجلب الخير. والإذن: السماح. وتذكرون: تتعظون لترك الكفر. وإليه أي: إلى ميعاد لقاء حسابه وجزائه. والمرجع: المصير النهائي.
والوعد: التعهد وجوبًا. والحق: الثابت فعلًا. و((بفعلهما المقدر)) انظر تعليقنا على تفسير الآية ١١١ من سورة التوبة. وبالفتح يريد القراءة ((أنَّهُ)). ويبدؤه أي:
أوجده من العدم. والخلق: المخلوق. ويعيده أي: يردّ الخلق إلى الوجود بعد عدمه. وعمل: اكتسب من نية أو قول أوفعل، بقصد واختيار. والصالحات:
الأعمال النافعة في الدنيا والآخرة، حسّنها الشرع وأمر بها. والقسط: العدل.
(٣) جعل: أنشأ من العدم. وقدره: وضع له المقادير المحكمة. والمنازل: مواقعه التي كانت العرب تنسب إليها الأنواء، جمع مَنزل. وهو الموضع الذي يقع
فيه القمر بالنسبة إلى الأرض بعد مسيرته يومًا كاملًا. وتعلم: تعرف. والسنون: جمع سنة. والحساب: تقدير الأوقات من فصول وأشهر وأيام وساعات.
وخلق: أوجد من العدم. والمذكور أي: ما ذكر قبل في الآيات ٣-٥. والحق: الحكمة البالغة. وبالنون يريد القراءة ((نُفَصِّلُ)). والآيات: الأحوال والعلامات
الدالة على التوحيد. ويتقونه أي: يخافون غضبه ويمتثلون الأمر والنهي طلبًا للرضا.

الجزء الحادي عشر
٢٠٩
١٠ - سورة يونس
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرِجُونَ لِقَاءَنا﴾ بالبعث، ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنيا﴾ بدلَ الآخِرة
لإنكارهم لها، ﴿واطمَأَنُوا بِها﴾: سكنوا إليها، ﴿والَّذِينَ هُم عَن آياتِنا﴾: دلائلٍ
وحدانيّتنا ﴿غافِلُونَ﴾ ٧: تاركون للنظر فيها، ﴿أُولَئِكَ مأواهُمُ النّارُ بِما كانُوا
يَكْسِبُونَ﴾ ٨ من الشِّرك والمعاصي. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ يَهدِيهِم﴾:
يُرشدهم ﴿رَبُّهُم بِإِيمانِهِم﴾: به بأن يجعل لهم نورًا يهتدون به يوم القيامة، ﴿تَجرِي مِن
تَحْتِهِمِ الأنهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ ٩، دَعواهُم فِيها﴾: طلبهم لِما يشتهونه في
الجنّة أن يقولوا: ﴿سُبحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي: يا أللهُ! فإذا ما طلبوه وجدوه بين
ثلاثة أرباع
الْخِرَبُ
أيديهم، ﴿وَتَحِيّتُهُم﴾ فيما بينهم ﴿فِيها سَلامٌ، وآخِرُ دَعواهُم أنِ﴾ - مُفسِّرة -
﴿الحَمْدُ لِهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ١٠ .
٢- ونزل لمّا استعجل المشركون العذاب: ﴿وَلَو يُعَجِّلُ اللهُ لِلّناسِ الشَّرَّ استِعجالَهُم﴾
أي: كاستعجالهم ﴿بِالخَيرِ لَقُضِيَ﴾ - بالبناء للمفعول وللفاعل - ﴿إِلَيهِم أجَلُهُم﴾،
بالرفع والنصب، بأن يُهلِكهم، ولكن يُمهلهم - ﴿فَتَذَرُ﴾: نتركُ ﴿الَّذِينَ لا يَرِجُونَ
لِقاءَنا في طُغيانِهِم يَعمَهُونَ﴾ ١١: يتردّدون مُتحيّرين - ﴿وإذا مَسَّ الإنسانَ﴾: الكافرَ
﴿الضُّرُّ﴾: المرض والفقر ﴿دَعانا لِجَنِهِ﴾ أي مُضطجعًا، ﴿أو قاعِدًا أو قائمًا﴾ أي:
في كُلّ حال، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ على كُفره ﴿كأنْ﴾، مُخفّفةٌ واسمها
محذوف، أي: كأنّه ﴿لَم يَدعُنا إلَى ضُرِّ مَسَّهُ. كَذْلِكَ﴾: كما زُيّنَ له الدعاءُ عِند الضرر
والإعراضُ عِند الرخاء، ﴿زُيِّنَ لِلمُسرِفِينَ﴾: المُشركينَ ﴿ما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ١٢.
نورة یُوبُ)
إِنَّالَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَ نَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَنُواْ
◌ِهَا وَلَّذِينَ هُمْ عَنْءَايَِنَا غَفِلُونَ (٥) أُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمُ
النَّارُ بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَتُهُم بِإِيمَنِهِمْ تَجْرِى مِن
تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ (أَ دَعْوَهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ
اُللَّهُمَّ وَتَحِيَّنُهُمْ فِيهَا سَلَمْمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَنِهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ
اُسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَتْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ
لَا يَرَجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ () وَإِذَا مَسَ
آلْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْقَائِمًا فَلَمَا كَشَفْنَا
عَنْهُ ضُرَّهُ, مَرَّ كَأَن لَّمْيَدْعُنَا إِلَى ضُرِّمَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ
® وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ
لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوايَعْمَلُونَ
مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَ تُهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَغِنَتِ وَمَاكَانُواْ
لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَالْمُجْرِمِنَ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ
خَلَيِفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
٣- ﴿وَلَقَد أهلَكْنا القُرُونَ﴾: الأُمم ﴿مِن قَبِلِكُم﴾ - يا أهل مكّة - ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ بالشرك، ﴿و﴾ قد ﴿جاءَتُهُم رُسْلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾: الدلالات على
صِدقهم، ﴿وما كانُوا لِيُؤمِنُوا﴾: عطفٌ على ((ظلموا)) - ﴿كَذْلِكَ﴾: كما أهلكنا أُولئك، ﴿نَجْزِي القَومَ المُجرِمِينَ﴾ ١٣ : الكافرين - ﴿ثُمَّ
جَعَلْناكُمِ﴾، يا أهل مكّة، ﴿خَلائفَ﴾: جمع خليفة ﴿في الأرضِ مِن بَعدِهِم، لِنَنظُرَ: كَيفَ تَعمَلُونَ﴾ ١٤ فيها؟ وهل تعتبرون بهم فتُصدّقوا
رُسلنا؟
(١) لا يرجون: لا يتوقعون ولا يخافون. ولقاؤنا أي: لقاء موعدنا الحساب والعقاب. ورضوا بها: قبلوها واكتفوا بها. وتاركون أي: لا يتفكرون في ذلك
أصلًا، وإن نُبِّهوا، لانهماكهم بما يشغلهم من الضلال. والمأوى: المكان يُلجأ إليه من البلاء. وكانوا أي: في الحياة الدنيا، وماتوا على ذلك، من دون إيمان
وتوبة. ويكسبون أي: يقترفونه باختيار وقصد وإرادة، من نية أو قول أو فعل. والإيمان: التصديق اليقيني القاطع. وتجري: تسيل وتتدفق. وفي الأصل: ((من
تحتها)). والأنهار: جمع نهر. والجنة: الحديقة العظيمة. والنعيم: طيب العيش. وذكر ما يشتهون أطال فيه بعض المفسرين بذكر ألوان الطعام والموائد
والشهوات. والأولى أن الدعوى هنا دعاء الله ونداء للذّكر لا للاستحضار، بدليل قولهم ((اللّهم)). فهم يبتهجون بتنزيه الله ويتلذذون، ويتعجبون مما تفضل به
عليهم. وسلام أي: سلامة من كل مكروه. وآخر دعواهم أي: خاتمة دعائهم في كل مجلس. والحمد: الثناء بالفضيلة. والعالَم: ما يدل على الجنس من
المخلوقات.
(٢) انظر سبب النزول في المفصل. ويعجّل الشر: يوقعه قبل أوانه. والناس: البشر. والخير: ما فيه النفع والسعادة. وقضي: نُفّذ وانتهى. وللفاعل يريد
القراءة (لَقَضَى)). ولايرجون لقاءنا: انظر الآية ٧. والطغيان: تجاوز الحد بالعصيان وإنكار البعث. ومسه: أصابه. والإنسان: ابن آدم عامة بالغالبية، وليس
مرادًا به الكافر وحده، لأن ما يذكر هنا هو الغالب على أكثر الناس. فذكر الكفر هنا غير لازم. ودعانا: استغاث بنا. ولجنبه أي: على أحد أطرافه. وكل
حال: يعني أن ذكر الجنب والقعود والقيام يفيد شمول أحوال المواقف. وكشفنا: أزلنا. ومر: استمر على ما هو فيه، من الغفلة والانهماك بمتاع الدنيا.
وزُين: جُعل محبًَّا إلى النفس. والمزيِّن هو اللهُ بما خلق في النفوس، ثم شياطينُ الجن والإنس بما يزخرفون، وشهواتُ النفوس بما تتطلب. والمسرف: من
يبذل ما يملك من المال لمطامعه. ويعملون أي: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل.
(٣) في هذه الآية وعيد وتهديد للمشركين وكل كافر أو مصرّ على العصيان، وإن كان الظاهر أن الخطاب للمشركين في عهد النبوة. وأهلكنا: دمرنا
واستأصلنا. والقرون: جمع قرن. ولما ظلموا أي: حين تجاوزوا الحد. وسقط ((بالشرك)) من خ. وجاءتهم: أتتهم مرسلة إليهم بالتوحيد والبعث والصلاح.
والرسل: جمع رسول. وهو المرسَل لتبليغ الدعوة مع العمل. وفيما عدا الأصل وث وع: ((الدالات)). وما كانوا ليؤمنوا أي: ماصح لهم وما استقام أن
يصدّقوا الله والرسل، لعدم استعدادهم لذلك، ولانهماكهم في الكفر والعصيان بإرادة وعزم. ونجزي: نعاقب بالعذاب الشديد. والقوم: الجماعة من الناس
رجالا ونساء. والمجرم: من يقترف الجرائم والكبائر بقصد واختيار. وأشنع ذلك هو الكفر. وجعل: صيّر. وخلائف، أي: مستخلَّفين. والأرض: موطن
الحياة الدنيا. ومن بعدهم أي: من بعد إهلاكهم. وننظر أي: نعلم علم ظهور، بتحقق ما في نفوسكم، فنعاملكم معاملة من يراقب ويحاسب. وكيف تعملون
أي: أيَّ عمل تعملون؟ وانظر الآية ١٢. وتصدقوا أي: وتكونوا مؤمنين طائعين صالحين.

١٠ - سورة يونس
٢١٠
الجزء الحادي عشر
◌ُوْرَةِ يُقْسُرْ
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ
◌ِقَآَنَا آتْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيّ
أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَآٍ نَفْسِىّإِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ إِىّ
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿﴿ قُل لَوْشَآءَ
اللَّهُ مَا تَكَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَنَكُمْ بِهِ، فَقَدٌ لَبِئْتُ
فِيكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَوْكَذَّبَ بِئَايَتِهِ ◌ِنَّهُ.
◌ِلَيُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا
عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا
بِثَ وَمَاكَانَ
فِي الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
النَّاسُ إِلَّ أُمَّةً وَحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْ لَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَافِيهِ يَخْتَلِفُونَ
﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِءَايَةٌ مِّن رَّبِّهٍ، فَقُلْ إِنَّمَا
اُلْغَيْبُ لَّهِ فَانْتَظِرُ وَأَ إِنِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾
١- ﴿وإذا تُتْلَى عَلَيهِم آياتُنا﴾: القُرآنُ، ﴿بَيِّناتٍ﴾: ظاهراتٍ حالٌ، ﴿قَالَ الَّذِينَ لا
يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾: لا يخافون البعث: ﴿ائتِ بِقُرآنٍ غَيرِ هذا﴾ ليس فيه عيب آلهتنا، ﴿أو
بَدِّلْهُ﴾ من تلقاء نفسك. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿ما يَكُونُ﴾: ينبغي ﴿لِيَ أن أَبَدِّلَهُ مِن تِلقاءِ﴾:
قِبَلِ ﴿نَفْسِي. إن﴾: ما ﴿أَتَّبِعُ إلّا ما يُوحَى إِلَيَّ. إنِّيَ أخافُ، إن عَصَيتُ رَبِّي﴾ بتبديله،
﴿عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ﴾ ١٥ هو يوم القيامة. ﴿قُلْ: لَو شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُم، ولا
أدراكُم﴾: أَعلَمَكمَ ﴿بِهِ﴾. ولا: نافية، عطفٌ على ما قبله. وفي قراءة بلامٍ جوابَ
(لو))، أي: لأعلمكم به على لسان غيري. ﴿فَقَد لَبِثتُ﴾: مَكَثتُ ﴿فِيكُمْ عُمُرًا﴾ سِنِينَ
أربعين ﴿مِن قَبْلِهِ﴾، لا أُحدِّثكم بشيء. ﴿أفلا تَعقِلُونَ﴾ ١٦ أنه ليس من قِبَلي؟
﴿فَمَنِ﴾ أي: لا أحدَ ﴿أظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشريك إليه، ﴿أو
كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾: القُرآنِ؟ ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿لا يُفْلِحُ﴾: يَسعد ﴿المُجرِمُونَ﴾ ١٧ :
المُشركون .
٢- ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿ما لا يَضُرُّهُم﴾ - إن لم يعبدوه - ﴿ولا
يَنفَعُهُم﴾ إن عبدوه، هو الأصنام، ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عنها: ﴿هُؤُلاءِ شُفَعَاؤُنا عِندَ اللهِ. قُلْ﴾
لهم: ﴿أَتُنَبِّئُّونَ اللهَ﴾: تُخبرونه ﴿بِما لا يَعلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرضِ﴾؟ استفهام
إنكار، أي: لو كان له شريك لعلمه، إذ لا يخفى عليه شيء. ﴿سُبحانَهُ﴾: تنزيهًا له،
﴿وَتَعالَى عَمّا يُشرِكُونَ﴾ ١٨) معه! ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمّةً واحِدةٌ﴾: على دِين واحد
- وهو الإِسلام - من لدُن آدَمَ إلى نُوح، وقيل: من عهد إبراهيمَ إلى عمرو بنِ لُحَيّ،
﴿فاختَلَفُوا﴾ بأن ثبَتَ بعض وكفر بعض، ﴿وَلَولا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾، بتأخير
الجزاء إلى يوم القيامة، ﴿لَقُضِيَ بَينَهُم﴾ أي: الناسِ في الدنيا، ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١٩ من الدّين، بتعذيب الكافرين.
٣- ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: أهل مكّة: ﴿لَولا﴾: هلّ ﴿أَنزِلَ عَلَيهِ﴾: على مُحمّد ﴿آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾، كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد - ﴿فقُلْ﴾
لهم: ﴿إِنَّما الغَيبُ﴾: ما غاب عن العِباد أي: أمرُه ﴿لِثِهِ﴾ ومنه الآيات، فلا يأتي بها إلّا هو، وإنّما عليَّ التبليغ. ﴿فَانتَظِرُوا﴾ العذاب، إن لم
تُؤمنوا. ﴿إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ٢٠ - وإذا أَذَقنا النّاسَ﴾ أي: كُفّار مكّة ﴿رَحْمةً﴾: مطرًا وخِصبًا، ﴿مِن بَعدِ ضَرّاءَ﴾: بُؤس وجدب ﴿مَسَّتُهُم،
إذا لَهُم مَكرٌ في آياتِنا﴾ بالاستهزاء والتكذيب. ﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿اللّهُ أسرَعُ مَكرًا﴾: مُجازاةً. ﴿إِنَّ رُسْلَنا﴾: الحَفَظَةَ ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ ٢١،
بالتاء والياء.
(١) تتلى: ترتل للدعوة والتبليغ. ولا يرجون لقاءنا: انظر الآية ٧. وائت به أي: اخترعه واصنعه. انظر ((المفصل)). وأتبع: أطيع. ويوحى إلي: يُنزل إليّ على
لسان جبريل، محاطًا بالحفظ والرعاية، وأُومرُ بتبليغه والإيمان به. وأخاف: أتوقع. وعصيته: خرجت عن طاعته. واليوم: الوقت. والعظيم: الذي لا مثيل
له. وشاء أي: أراد ألّا أتلوه. و((لا: نافية)) سهو، لأنها زائدة لتوكيد النفي. وبلام يريد القراءة ((لَأدراكُم))، أي: لأعلمكم. وفيكم أي: بينكم وفي بلادكم.
وفيما عدا الأصل وقرة العينين والمنحة: ((سنينًا)). وهي لغة لبعض العرب. انظر التصريح على التوضيح ٧٦:١ -٧٧. وتعقلون: تتدبرون الوقائع وتستدلون بها
على الحق. وافترى: اختلق. وكذّب بها: أنكرها. والمجرم: من يقترف الجرائم باختيار وقصد. (٢) يعبدون: يؤلهون بالتقديس والطاعة. ويضرهم: يُلحق
بهم الأذى. وينفعهم: يوصل إليهم الخير. والشفعاء: جمع شفيع. وهو الذي ينصر غيره لدفع البلاء وجلب المنفعة. وعند الله أي: في الدنيا ليصلح معاشنا.
ويعلمه: يحيط به كامل الإحاطة. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((إذ لو كان)). وتعالى: ترفّع وتبارك وتعظم. ويشرك: يعبد مع الله بعضَ المخلوقات. والأمة:
الجماعة يربط بعضها ببعض دين واحد. وعمرو بن لحيّ كان يلي حجابة البيت الحرام، ولما زار بعض بلاد الأردن ورأى فيها عبادة الأصنام نقل ذلك إلى
مكة. واختلفوا: تفرقوا في اعتقادات متباينة واختصموا. والكلمة: تقدير القضاء بما يناسب الحكمة البالغة. وسبقت أي: مضت وثبتت في أم الكتاب. ومنه
أي: من حكمه وتقديره. وقُضي بينهم: نُفُذ فيهم ما يستحقه كل منهم. (٣) أنزل عليه آية أي: أعطي القدرة على معجزة نراها بأعيننا. ومن ربه أي: من
عنده. والناقة هي معجزة النبي صالح. والعصا واليد معجزتا موسى. وأمره: يعني أمر الغيب وعلمه وتحقيق ما يتضمنه. ومنه أي: من الغيب. وانتظروا أي:
ترقبوا. ومن المنتظرين أي: من المترقبين لِما يفعل الله بكم. وكان أهل مكة قد أصابهم القحط سبع سنين متوالية، لدعاء النبي وَ ر عليهم، فجاءه أبو سفيان
قائلًا: ادع لنا بالخصب. فإن أخصبنا صدّقنا. فسأل الله لهم فجاءهم الغيث، واستمروا على الكيد والعصيان، فنزلت الآية تصف أباطيلهم. وأذقناهم أي:
يسّرنا لهم. والرحمة: العطف بالنعم. ومن بعدها أي: من بعد نزولها بهم. والضراء: شدة الضرر. ومستهم: لمستهم لمسًا خفيفًا. والمكر: إخفاء الحيل
والمكايد مع التضليل والتشويه. والآيات: آيات القرآن والأدلة على التوحيد. خ: ((أو التكذيب)). وأسرع أي: أعجل تحقيقًا وأنفذ مما يفعلون. والتفضيل في
((أسرع)) يشير إلى مفاجأة مكرهم للنعم، وأن انتقام الله أعجل من سرعة مكرهم. ومكر الله: مقابلة الخداع والحيل بأدق من ذلك كيدًا وخفاء، بالاستدراج
والإمهال، مع تقدير إيصال العقاب في حينه خفية. ورسلنا أي: رسل ربنا، جمع رسول. وهو الملَك المرسل لتسجيل أعمال الناس وأقوالهم. والجمع
مضموم السين، سكنت للتخفيف. ويكتب: يسجل ويدون. وتمكرون: تبدون من الكيد والخداع والحيل. وفي كتابة ما يمكرون تحقيق للانتقام، وتنبيه على أن
ما يدبرونه مسجل عليهم، وسينالهم جزاؤه بأسرع مما يعتقدون. وبالياء يريد القراءة («يَمكُّرُونَ)).

الجزء الحادي عشر
٢١١
١٠ - سورة يونس
١- ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُم﴾ - وفي قراءة: ((يَنْشُرُكُمْ)) - ﴿فِي البَرِّ والبَحرِ. حَتَّى إذا كُنتُم
في الفُلْكِ﴾: السُّفن، ﴿وَجَرَينَ بِهِم﴾ - فيه التفات عن الخِطاب - ﴿بِرِيحِ طَيِّةٍ﴾: ليّنة
﴿وَفَرِحُوا بِها، جاءَتها رِيحٌ عاصِفٌ﴾: شديدةُ الهُبوب تكسِر كُلّ شيءً، ﴿وجاءَهُمُ
المَوجُ مِن كُلِّ مَكانٍ، وظَنُّوا أنَّهُم أُحِيطَ بِهِم﴾ أي: أُهلكوا، ﴿دَعَوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ﴾: الدُّعاءَ ﴿لَئِنْ﴾ - لامُ قسم - ﴿أَنجَيتَنا مِن هَذِهِ﴾ الأهوالِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشّاكِرِينَ﴾ ٢٢: المُوحّدين. ﴿فَلَمّا أَنجاهُم إذا هُم يَبْغُونَ في الأرضِ، بِغَيرِ الحَقِّ﴾:
بالشّرك. ﴿يا أيُّها النّاسُ، إنَّما بَغِيُّكُم﴾: ظُلمِكم ﴿عَلَى أَنفُسِكُم﴾ لأنّ إثمه عليها . هو
﴿مَتَاعُ الحَياةِ الدُّنيا﴾ تُمتّعون فيها قليلًا، (ثُمَّ إِلَينا مَرجِعُكُمْ﴾ بعد الموت، ﴿فَتُبَّكُم
بِما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ ٢٣، فنُجازيكم عليه. وفي قراءة بنصب: ((متاعَ)) أي: تَتمتّعون.
٢- ﴿إِنَّمَا مَثَلُ﴾: صِفةُ ﴿الحَياةِ الدُّنيا كَماءٍ﴾: مطر، ﴿أنزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فاختَلَطَ
بِهِ﴾: بسببه ﴿نَبَاتُ الأرضِ﴾ واشتبك بعضه ببعض، ﴿مِمّا يأكُلُ النّاسُ﴾ من البُرّ
والشعير وغيرهما ﴿والأنعامُ﴾ من الكلأ. ﴿حَتَّى إذا أخَذَتِ الأرضُ زُخرُفَها﴾: بهجتها
من النبات، ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ بالزهر - وأصله (تَزَيَّنَتْ)) أُبدلت التاء زايًا وأُدغمت في الزاي
- ﴿وَظَنَّ أهلُها أنَّهُم قادِرُونَ علَيها﴾: مُتمكّنون من تحصيل ثمارها، ﴿أتاها أمرُنا﴾:
قضاؤنا أي: عذابُنا ﴿لَيَلَا أو نَهارًا، فجَعَلْناها﴾ أي: زرعَها ﴿حَصِيدًا﴾ كالمحصود
بالمَناجِل، ﴿كأنْ﴾ - مُخفّفة - أي: كأنّها ﴿لَم تَغْنَ﴾: تكنْ ﴿بالأمسِ. كَذَلِكَ
نُفَصِّلُ﴾: نُبيّنُ ﴿الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢٤ .
سُورَةِ بُونَ}
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيَّ
ءَيَاتِنََّقُلِ اللَّهُأَسْرَعُ مَكْرًّا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
أُهُوَ اُلَّذِى يُسَبِّكُمْفِ الْبَرِّوَاَلْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
وَجَيْنَ بِهِمْ بِيجِ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَ تَهَارِيعُ عَاصِفٌ
وَجَاءَ هُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُوا أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَبِنْ أَنْحَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّكِرِينَ ﴿﴿ فَلَمَّآ أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيِّرِ
الْحَقِّ ◌َأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَعْيُكُمْ عَلَ أَنفُسِكُمْ مَّتَعَ الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَنْ جِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمٍَّ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ،
تَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَايَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِاَ لْأَرْضُ
زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا
أَتَنْهَا أَمَّرُ نَالَيْلًا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَنْ لَّمْ تَغْنَ
◌ِآلْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴿ وَاللَّهُ
يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيٍ
٣- ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دارِ السَّلامِ﴾ أي: السلامة - وهي الجنّة - بالدعاء إلى الإيمان، ﴿ويَهِدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايتَه ﴿إِلَى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾ ٢٥ : دِين
(١) يسيّركم: يجعلكم في البر راكبين ومشاة، وفي البحر راكبين وسابحين. وينشركم: يفرّقكم لقضاء حوائجكم. وكنتم أي: صار بعضكم. والفلك: مفرده
فُلْك أيضًا. وجرين: اندفعن. والريح: الدفعة من الهواء المتحرك. والطيبة: المواتية للقصد والمنافع. وفرحوا: سُرّوا. وجاءتها أي: توجهت إلى الفلك
وضربتها. وجاءهم أي: أقبل عليهم بقوة. والموج: ما ارتفع من الماء وتدافع. والمكان: الجهة. وظنوا: علموا بيقين. وأحيط بهم أي: أحاط بهم الهلاك.
ودعوا الله: استغاثوا به. ومخلصين: متجردين من كل شرك ونفاق. و((لام قسم)) الصواب أنها اللام الموطئة لجواب القسم، وهي حرف اعتراض أيضًا.
والتقدير: واللهِ - لئن أنجيتنا نكنْ من الشاكرين - لنكوننّ منهم. وأنجيتنا: أنقذتنا. ويبغون: يفسدون ويؤذون. والحق: العدل الثابت. و((بالشرك)) تفسير لـ
(بغير حق)). والناس: أهل مكة. ويشمل أيضًا كل ظالم كافر بنعم الله. والمراد بالإثم هنا عقاب الذنب. والمتاع: ما يُنتفع به ويُتمتع. وإلينا أي: إلى لقاء
موعدنا بعد الموت. والمرجع: الرجوع بالبعث للحساب والجزاء. وننبئ: نخبر ونعلم. وتعملون أي: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل.
(٢) المَثل: الصفة العجيبة تذكر للوعظ والاعتبار. وكماء أي: كنبات ماء. وأنزلناه: أسقطناه وخلقناه. والسماء: السحاب. واختلط: تداخل بعضه في
بعض. وبسببه أي: بسبب الماء. والنبات: ما ينبت من شجر وغيره. ويأكل أي: يتغذى به طعامًا أو شرابًا. والبر: القمح. والأنعام: الإبل والبقر والغنم.
وأخذت: استكملت. وازينت: اكتست وتجملت بأنواع الألوان والإشكال والروائح الطيبة. وظن: حسب وعلم. وأهلها: أصحابها. وأتاها: أصابها. وفي
الأصل والنسختين: ((قضاؤنا عذابنا)). وفي المطبوعات: ((قضاؤنا أو عذابنا)). وهما تفسيران للأمر، الأول من التلخيص، والثاني من الوجيز. وفي بعض
النسخ: ((قضاؤنا وعذابنا)). انظر الفتوحات ٣٤٢:٢. والليل: ما بين غروب الشمس وشروقها. والنهار: عكسه. وجعلنا: صيّرنا. والمناجل: جمع مِنجّل.
و((تكن)) كذا من البغوي وابن كثير. والمراد: لم يكن زرعها، أي: لم ينبت ولم يحصل منه شيء. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مَقامه، كما في قوله
((فجعلناها)). وبالأمس أي: فيما قبلَ مجيء أمرنا بزمن قريب. والآيات: آيات القرآن والأدلة الموجبة للإيمان والتوحيد. والقوم: الجماعة من الناس ذكورًا
وإناثًا. ويتفكرون: يتدبرون الأدلة ويدركون ما تثبته وتوجبه، فيتعظون فينصرفون عن الباطل إلى الإيمان والطاعة.
(٣) يدعو: يحث الناس جميعًا ويرغبهم. والدار: مكان الإقامة والاستقرار. ويهدي: يرشد ويوفق برحمته وفضله. ويشاء: يريد. والصراط: الطريق الواضح.
والمستقيم: المؤدي إلى الحق والخير في الدنيا والآخرة. وأحسنوا أي: جعلوا ما يكتسبونه خالصًا لوجه الله في النية والقول والعمل. وزيادة أي: مضاعفة
وإضافات على الحسنى. و((مسلم)) يعني الحديثين ٢٩٧ و٢٩٨ في ص ١٦٣ من صحيح مسلم. وزعم الزمخشري في الكشاف ٣٤٢:٢ أن الحديث مرفوع،
أي: مرقَّع مفترى، فتعقبه العلماء واصفين له بالجهل والافتراء. والوجوه: جمع وجه. وإنما كني بها عن الأجسام كلها، لأن أثر السرور والحزن أظهر ما
يكون على الوجوه. والذلة: الهوان. والأصحاب: جمع صاحب. وهو الملازم للشيء لا يفارقه. والجنة: الحديقة العظيمة فيها الشجر والقصور والنعيم.
والخالد: المقيم أبدًا. والنفي هنا يفيد أن الوجوه تطفح بنضرة النعيم والعزة والكرامة، لأن نفي الشيء يدل على عكسه مؤكدًا. وعملوا أي: تحملوا باختيار
وقصد. والسيئة: المعصية الشنيعة. والجزاء: المكافأة والعقاب. والمثل: المماثل في القدر والقيمة. ومن الله أي: من جهته وعنده. يعني: من غضبه
وعذابه. وزائدة: يعني أن ((مِن)): حرف جر زائد معناه التنصيص على عموم النفي. والقِطَع: جمع قِطْعة. وبإسكانها يريد القراءة ((قِطْعًا))، وفسرها بقوله: أي
جزءًا. أما القراءة الأولى فتفسيرها: أجزاء. والليل: ما بين غروب الشمس والفجر. والمراد بالليل هو ظلمته. والمظلم: الشديد السواد. والنار: نار جهنم.

١٠ - سورة يونس
٢١٢
الجزء الحادي عشر
سُورَةٍ يُؤْشُرع
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌّ
وَلَ ذِلَّةٌ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِّدُونَ (٦) وَالَّذِينَ
كَسَبُواْالسَِّئَاتِ جَزَآءُ سَةِئَةِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ◌ِلَّةٌ مَالَهُم مِّنَ
اللَّهِ مِنْ عَاصٍِ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ رُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمَاً
أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
جَمِيعًا ثُمَ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمٌ وَشُرَكَا ؤُكُمْ فَرَيَّلْنَا
فَكَفَى بِاللَّهِ
بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُنَثُمْ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ
شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كَنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ (١)
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَنْهُمُ
اُلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ
مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ
الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبُِّآلْأَمْ
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَتَّقُونَ ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ
فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِ إِلَّا الضَّلَالُّ فَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿ كَذَلِكَ
حَقَتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الإِسلام. ﴿لِلَّذِينَ أحسَنُوا﴾ بالإيمان ﴿الحُسنَى﴾: الجنّةُ، ﴿وزِيادةٌ﴾ هي
الحزب
النظر إليه تعالى، كما في حديث مسلم، ﴿ولا يَرهَقُ﴾: يغشَى ﴿وُجُوهَهُم
قَتَرٌ﴾: سواد، ﴿ولا ذِلّةٌ﴾: كآبة - ﴿أُولَئِكَ أصحابُ الجَنّةِ، هُم فِيها
خالِدُونَ ٢٦ - والَّذِينَ﴾: عطف على ((للّذينَ أحسَنُوا)) أي: وللذين ﴿كَسَبُوا
السَِّّئاتِ﴾: عملوا الشِّرك ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وتَرهَقُهُمْ ذِلَّةٌ، مالَهُم مِنَ اللهِ مِن﴾:
زائدةٌ ﴿عاصِمِ﴾: مانع، ﴿كأنَّما أُغْشِيَتْ﴾: أُلبِستْ ﴿وُجُوهُهُم قِطَعَا﴾، بفتحِ الطاء:
جمع قطعة، وإسكانِها أي: جُزءًا ﴿مِنَ اللَّيلِ مُظلِمًا. أُولَئِكَ أصحابُ النّارِ،َ هُم فِيها
خالِدُونَ﴾ ٢٧ .
١- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ نَحشُرُهُم﴾ أي: الخلقَ ﴿جَمِيعًا، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشرَكُوا:
مَكَانَكُم﴾ - نصبٌ بـ ((الزموا)) مُقدّرًا - ﴿أَنتُم﴾: تأكيد للضمير المُستتر في الفعل
المُقدّر، ليُعطف عليه ﴿وشُرَكاؤُكُم﴾ أي: الأصنامُ. ﴿فَزَيَّلْنا﴾: ميّزنا ﴿بَيْنَهُم﴾ وبين
المُؤمنين، كما في آيَةِ ((وامتازُوا الْيَومَ، أيُّها المُجرِمُونَ))، ﴿وقالَ﴾ لهم ﴿شُرَكاؤُهُم:
ما كُنتُم إيّانا تَعْبُدُونَ﴾. ٢٨ ما: نافية. وقُدّم المفعول للفاصلة. ﴿فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا
بَيْتَنا وبَينَكُم! إنْ﴾: مُخفّفة أي: إنّا ﴿كُنّا عَن عِبادَتِكُم لَغافِلِينَ ٢٩. هُنالِكَ﴾ أي: ذلك
اليومَ ﴿قَبلُو﴾ - مِن البلوَى. وفي قراءة بتاءینِ من التلاوة - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما أسلَفَتْ﴾:
قدّمتْ من العمل، ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَولاهُمُ الحَقِّ﴾: الثابت الدائم، ﴿وَضَلَّ﴾: غاب
﴿عَنْهُم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٣٠ عليه من الشُّركاء.
٢- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر ﴿والأرضِ﴾ بالنبات؟ ﴿أَم مَن يَملِكُ السَّمعَ﴾ بمعنى الأسماع أي: خَلْقَها ﴿والأبصارَ؟
ومَن يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيْتِ، ويُخرِجُ المَيْتَ مِنَ الحَيِّ؟ ومَن يُدَبِّرُ الأمرَ﴾ بين الخلائق؟ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾: هو ﴿اللهُ. فَقُلْ﴾ لهم: ﴿أفلا
تَتَّقُونَ﴾ ٣١-» فتُؤمنون؟ ﴿فَذْلِكُمُ﴾ الفاعل لهذه الأشياء ﴿اللّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾: الثابت. ﴿فماذا بَعدَ الحَقِّ إلّ الضَّلالُ﴾؟ استفهام تقرير، أي:
ليس بعده غيره. فمن أخطأ الحقّ - وهو عبادة الله - وقع في الضلال. ﴿فَأَنَّى﴾: كيف ﴿تُصرَفُونَ﴾ ٣٢ عن الإيمان، مع قيام البرهان؟
﴿كَذْلِكَ﴾: كما صُرف هؤلاء عن الإيمان، ﴿حَقَّتْ كَلِمةُ رَبِّكَ علَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾: كفروا، وهي (لَأَملَأَنَّ جَهَنَّمَ)) الآيةَ، أو هي ﴿أَنَّهُم لا
يُؤمِنُونَ﴾ ٣٣.
(١) اليوم: الوقت. ونحشرهم: نجمعهم بالبعث للحساب. ونقول أي: على لسان ملائكة العذاب. وأشركوا: ألّهوا بعض المخلوقات. و((المستتر)) كذا،
والضمير في المقدر ظاهر متصل لا مستتر. وعبارة السيوطي هي من البيضاوي بتصرف أخلّ بالمراد، وفيه: ((للضمير المنتقل إليه من عامله)). وهذا يعني أن
((مكان)): مفعول به للفعل المقدر، كما هو قول الحوفي. وخير من هذا أن مكانكم: اسمُ فعلِ أمرٍ مبني على السكون معناه: اثبتوا، والفاعل ضمير مستتر،
وأنتم: توكيد لفظي للفاعل المستتر. وشركاء: معطوف على الفاعل مرفوع ومضاف. انظر الكشاف ٣٤٣:٢ والبحر ١٥٢:٥ والدر المصون ١٨٩:٦ -١٩٠
وتفسير الآلوسي ١٥٤:١١- ١٥٥. والشركاء: جمع شريك. وهو ما جعله الكافرون مشاركًا في الألوهية. وذكر الأصنام يعني أيضًا: كل ما عبد من دون الله.
وميزنا: فرّقنا. والآية المذكورة هي ذات الرقم ٥٩ من سورة يس. والمراد بما نفاه الشركاء: أن المشركين كانوا في الحقيقة يعبدون أهواءهم وشهواتهم التي
أمرتهم بالشرك. وللفاصلة أي: ليوافق آخر الآية في اللفظ سائر الآيات من السورة. والشهيد: من الشهادة. وهي الخبر القاطع للخلاف. والعبادة: الطاعة
والانقياد. والغافل: الساهي عن الشيء لا يعلمه. والبلوى: الاختبار، أي: تَخْبُر وتعلم. وبتاءين يريد القراءة (تَتلُو)) أي: تقرأ في صحائف أعمالها. وردوا:
أُعيد المشركون وأرجعوا، بعدما كانوا منصرفين إلى شهواتهم. وإلى الله: إلى حسابه وعقابه. والمولى: من يتولى أمورهم ويجازيهم. ويفترون: يدّعونه.
(٢) يرزقكم: يقدّر لكم ما تنتفعون به. والسماء: السحاب. ويملكه أي: يحوزه ويتصرف فيه. وخلقها أي: وتسويتها وحفظَها والتصرفَ فيها. والأبصار:
جمع بصر. ويخرجه: يخلقه ، أي: الكائنَ الحي من النطفةِ والبيضةِ - وكل منهما غير قادرة على النمو - والكائنَ الميت من الكائن الحي. والمعنى: من
يتفرد بالقدرة على الإحياء والإماتة؟ ويدبر الأمر: يتولى تقدير الشؤون بحكمة ورحمة. وتتقونه أي: تتجنبون غضبه وتلزمون طاعته. والثابت أي: الصادق في
ربوبيته. والحقِّ: التوحيد في عبادة الله. والضلال: الضياع في الباطل. وبعد الحق أي: غيره. والتقرير: التثبيت بالنفي. وتصرفون: تنحرف قلوبكم. وحقت:
وجبتْ. والكلمة: القول. وهو الحكم بعذاب المصرّين على الكفر. وفسق: خرج عن الإيمان. و((هي)) ضمير يعود على الكلمة، وذكر لها السيوطي تفسيرين:
الأول هو مافي الآية المشار إليها - يعني الآيات ١٨ من سورة الأعراف و١١٩ من سورة هود و١٣ من سورة السجدة و٨٥ من سورة ص - والثاني هو نهاية
هذه الآية. ولا يؤمنون أي: لا يصدّقون الله ورسوله، لأنهم اختاروا الكفر بإرادة وعزم.

الجزء الحادي عشر
٢١٣
١٠ - سورة يونس
١ - ﴿قُلْ: هَل مِن شُرَكائكُم مَن يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؟ قُل: اللهُ يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٣٤: تُصرفون عن عِبادته، مع قيام الدليل؟ ﴿قُلْ: هَل مِن شُرَكائِكُم مَن
يَهِدِي إِلَى الحَقِّ﴾ بنصب الحُججِ وخلقِ الاهتداء؟ ﴿قُلِ : اللهُ يَهدِي لِلحَقِّ. أفمَن يَهدِي
إِلَى الحَقِّ﴾ - وهو الله - ﴿أحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أم مَنْ لا يَهَدِّي﴾: يهتدي ﴿إلّا أن يُهدَى﴾
أحقُّ أن يُتّبع؟ استفهام تقرير وتوبيخ. أي: الأولّ أحقّ. ﴿فما لَكُم؟ كَيفَ
تَحكُمُونَ﴾ ٣٥ هذا الحُكمَ الفاسد، من اتّباع ما لا يحقّ اتّباعه؟ ﴿وما يَتَّبِعُ أكثَرُهُم)
في عبادة الأصنام ﴿إِلّ ظَنَّا﴾، حيثُ قّدوا فيه آباءهم. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغنِي مِنَ الحَقِّ
شَيْئًا﴾، فيما المطلوبُ منه العِلمُ! ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَفعَلُونَ﴾ ٣٦، فيُجازيهم عليه.
٢ - ﴿وما كانَ هذا القُرآنُ أن يُفتَرَى﴾ أي: افتراءٌ ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرِهِ، ﴿ولَكِنْ﴾
أُنزل ﴿تَصدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيهِ﴾ من الكُتب، ﴿وَتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾: تبيينَ ما كتب الله من
الأحكام وغيرها، ﴿لا رَيبَ﴾: شكَّ ﴿فِيهِ، مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ٣٧: متعلق بـ
(تصديق)) أو بـ (أُنزل)) المحذوف. وقُرئ برفع (تَصديقُ، وتَفصيلُ)) بتقدير: هو.
سُورَةِ بُونْشِ
الجزء الحاء العشر
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُ مَّنْ يَبْدَؤُ أْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُأ
الْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُهُ فَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦) قُلْ هَلّ مِنْ شُرَّكَ بِكُرُمَّنِ يَهْدِىّ
إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَنِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن
يُتَبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِىِّ إِلََّ أَنِيُهْدَىّ ◌َمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٥ّ
وَمَا يَنَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّ ◌ِنَّ الظََّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٢٦) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَىمِن دُونِ
اللَّهِوَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَبِلَاَرَيْبَ
فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٦) أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ فَأَنُواْبِسُورَةٍ
مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِإِنْ كُمْ صَدِقِينَ
بَلْ كَذَّبُواْبِمَا لَمْ يُحِيطُواْبِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ كَذَلِكَ كَذَّبَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّلِينَ
وَمِنْهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَّنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ
يالْمُفْسِدِينَ (﴾ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِِّ عَمَلِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ
أَنْتُم بَرِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْبَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (١٦) وَمِنْهُمَنْ
يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الضُّمَّ وَلَوْ كَانُواْلَا يَعْقِلُونَ
٤٢
٣- ﴿أم﴾: بل أ ﴿يَقُولُونَ: افتَراهُ﴾: اختلقه مُحمّد؟ ﴿قُلْ: فائْتُوا بِسُورةٍ مِثلِهِ﴾، في
الفصاحة والبلاغة على وجه الافتراء - فإنكم عربيّون فُصحاء مثلي - ﴿وادعُوا﴾.
للإعانة عليه ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَهِ، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٣٨ في أنه
افتراء. فلم يقدروا على ذلك. قال تعالى: ﴿بَل كَذَّبُوا بِمَا لَم يُحِيطُوا بِعِلمِهِ﴾ أي:
القُرآنِ ولم يتدبّروهِ، ﴿وَلَمَا﴾: لم ﴿يأتِهِم تأوِيلُهُ﴾: عاقبة ما فيه من الوعيد. ﴿كَذَلِكَ﴾
التكذيبِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾ رُسلَهم. ﴿فانظُرْ: كَيفَ كانَ عاقِبةُ الظَّالِمِينَ﴾ ٣٩ بتكذيب الرسل أي: آخرُ أمرهم من الهلاك؟ فكذلك يَهلِك
هؤلاء.
٤- ﴿ومِنْهُم﴾ أي: أهلِ مكّة ﴿مَن يُؤمِنُ بِهِ﴾ لعِلم الله ذلك منه، ﴿ومِنْهُم مَن لا يُؤمِنُ بِهِ﴾ أبدًا - ﴿وَرَبُّكَ أَعلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ٤٠. تهديد لهم.
﴿وإن كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ لهم: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُم عَمَلُكُم﴾ أي: لُكلِّ جزاءُ عمله، ﴿أَنْتُم بَرِيتُونَ مِمّا أعمَلُ، وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعمَلُونَ﴾ ٤١. وهذا منسوخ
بآية السيف - ﴿ومِنْهُم مَن يَستَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، إذا قرأتَ القرآن. ﴿أفأنتَ تُسمِعُ الصُّمَّ﴾ - شَبَّههم بهم في عدم الانتفاع بما يُتلى عليهم - ﴿ولَو
كانُوا﴾ مع الصَّمم ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤٢: يتدبّرون؟ ﴿ومِنْهُم مَن يَنظُرُ إلَيكَ. أفأنتَ تَهدِي العُمْيَ، ولَو كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ٤٣؟ شبّههم بهم في عدم
الاهتداء. بل أعظَمُ ((فإنّها لا تَعمَى الأبصارُ، ولكِنْ تَعمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ)).
(١) شركاؤكم أي: المخلوقات التي جعلتموها شركاء لله، تقديسًا وطاعة. ويبدأ الخلق: ينشئ المخلوقات من العدم. ويعيده: يرد المخلوقات الميتة إلى
الحياة بالبعث. وأنى: كيف. والحق: الصواب من الاعتقاد والعمل. وخلقِ الاهتداء أي: التوفيق للنظر والتدبر والاتعاظ. وقوله ((هو الله)) يفسر ((مَن)) المتصلة
بالفاء، أي: الله الذي يهدي إلى الحق. يعني: يرشد من صلَح استعداده وضميره، ويوفقه في الرشاد. وأحق أي: حقيق وجدير. ويتبع: يطاع ويعبد. ويَهَدّي:
يسترشد ويتحرك. ث وط: ((يَهِدِّي)). ويُهدَى: يحرَّك، كما هو شأن الأصنام. وتحكمون: تُشرّعون الأحكام وتعملون بها. ويتّبعه: يهتدي به. والأصنام أي:
وغيرها من المخلوقات المعبودة. والظن: التخيل الوهمي. ويغني: ينفع. والحق: العلم الثابت. والعليم: المحيط كاملَ الإحاطة بدقائق الأمور وخفياتها.
ويفعلون: يكتسبونه من النيات والأقوال والأعمال القبيحة والتوجه الشنيع.
(٢) يفترى: يصطنع، أي: لا يصح لهذا الكتاب الكريم أن يفتعله مخلوق. والتصديق: الموافقة والتوثيق. وبين يديه أي: ما كان قبله فيما مضى. والكتاب:
المكتوب. وكتب الله أي: أمر بكتبه. ومن رب العالمين أي: من عنده وبأمره. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق.
(٣) ائتوا بسورة أي: اصنعوها وأحضروها. والسورة: المجموعة من الآيات أقلها ثلاث. والمثل: المماثل لغيره في الكيفية والحقيقة. وادعوه: استعينوا به.
واستطعتم أي: قدرتم على الاستعانة به. والصادق: من يقول الحق. وعلى ذلك أي: على شيء يماثل القرآن الكريم. وكذبوا به: أنكروا أن يكون وحيًا من
عند الله. ولم يحيطوا بعلمه أي: لم يتدبروا ما يتضمنه من الحق. و((القرآن)) تفسير لـ ((ما))، أي: سارَعوا إلى تكذيبه، من غير أن يطلعوا على ما فيه من
الشواهد والأدلة القاطعة. ولما يأتهم أي: لم ينزل بهم، وهو متوقع قريبًا. وتأويله: وقوع ما يتضمنه. وانظر: تأمل واعتبر. والظالم: من يتجاوز الحق. وهو
هنا الكافر لأن الكفر أشنع صور الظلم. و((آخر أمرهم)) تفسير للعاقبة. ويهلك هؤلاء أي: إن استمروا على التكذيب والعصيان.
(٤) يؤمن به أي: سيعتقد صدق القرآن. ولا يؤمن: يصرّ على الكفر. وأعلم أي: محيط بالحقائق الخفية. والمفسدون: المصرون على الكفر. وكذبوك أي:
تمادوا في تكذيبك. والبريء: المتبرئ. وهذا: يعني أن حكم المسالمة منسوخ بالآيات ١- ١٥ من سورة التوبة. انظر ((المفصل)). ويستمعون: يصغون ويدّعون
أنهم يدركون. وتُسمع الصم أي: تقدر على الهداية لمن لا يدرك. والصم: جمع أصم. ويعقل: يفهم بالتفكر الواعي. وتهدي: ترشد إلى الحق. والعمي:
جمع أعمى، أي: من عطل بصيرته. ولا يبصر: لا يدرك حقيقة ما يرى لفقد التنبه والبصيرة. وانظر آخر الآية ٤٦ من سورة الحج.

١٠ - سورة يونس
٢١٤
الجزء الحادي عشر
سُورَةِ يُوْسُرْ
وَمِنْهُمْ مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ
لَيُبْصِرُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ
النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُ هُمْ كَأَنْ لَّْيَلْبَنُوا إِلَّا
سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَلِاللَّهِ
وَمَا كَانُواْمُهْتَدِينَ (٢٥) وَإِمَّان ◌ِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْنَوَقََّنَّكَ
فَإِلَيْنَا مَرْ جِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٥٦) وَلِكُلِّ
أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَاجَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ
لَ يُظْلَمُونَ (جْ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
﴿ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرًّا وَلَا تَفْعَا إِلََّ مَا شَآءَ الَهُلِكُلِّ أُمَّةٍ
أَجَلُّ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَنْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ()
قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُهُ بَيَنَّا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ
اٌلْمُجْرِمُونَ ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ مَا مَنْتُ بَِّءَ الْعَلَنَ وَقَدَّكُمْ بِهِ،
ثُمَّقِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوْ ذُ وقُواْ عَذَابَ الْخُلّدِ
تَسْتَعْجِلُونَ (٥)
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُمْ تَكْسِبُونَ ﴾﴾ وَيَسْتَنْشُونَكَ
أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
١- ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا! ولَكِنَّ النّاسَ أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ ٤٤ . ويَومَ يَحشُرُهُم
كأنْ﴾ أي: كأنّهم ﴿لَم يَلْبَثُوا﴾، في الدنيا أو القُبور، ﴿إِلَّا ساعةً مِنَ النَّهارِ﴾ لهول ما
رأوا - وجملة التشبيه حال من الضمير - ﴿يَتَعارَفُونَ بَينَهُم﴾: يعرف بعضهم بعضًا إذا
بُعثوا، ثم ينقطع التعارف لِشِدّة الأهوال. والجملة حالٌ مقّدرة، أو مُتعلَّقُ الظرف.
﴿قَد ◌َخَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ﴾: بالبعث، ﴿وما كانُوا مُهتَدِينَ﴾ ٤٥!
٢ - ﴿وإمّا﴾ - فيه إدغام نون ((إن)) الشرطيّة في ((ما)) المزيدةِ - ﴿نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذِي
نَعِدُهُم﴾ به من العذاب، في حياتك - وجواب الشرط محذوف أي: فذاك - ﴿أو
نَتَوَفََّنَّكَ﴾ قبل تعذيبهم، ﴿فَإِلَيْنا مَرجِعُهُم، ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ﴾: مُطّلع ﴿عَلَى ما
يَفْعَلُونَ﴾ ٤٦ من تكذيبهم وكُفرهم، فيُعذّبهم أشدّ العذاب، ﴿ولِكُلِّ أُمّةٍ﴾ من الأُمم
﴿رَسُولٌ. فإذا جاءَ رَسُولُهُم﴾ إليهم فكذّبوه ﴿قُضِيَ بَينَهُم بِالقِسطِ﴾: بالعدل، فيُعذّبون
ويُنجَّى الرسول ومَن صدّقه، ﴿وَهُم لا يُظْلَّمُونَ﴾ ٤٧ بتعذيبهم بغير حُرم. فكذلك نفعل
بهؤلاء.
٣- ﴿وَيَقُولُونَ: مَتَى هذا الوَعدُ﴾ بالعذاب، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٤٨ فيه؟
﴿قُلْ: لا أملِكُ لِنَفْسِي ضَرَّا﴾ أدفعُه، ﴿ولا نَفْعًا﴾ أجلِبُه، ﴿إِلّا ما شاءَ اللهُ﴾
الحزب
٢٢
أن يُقدّرني عليه. فكيف أملك لكم حلول العذاب؟ ﴿لِكُلِّ أُمّةٍ أجَلٌ﴾: مُدّة
معلومة لهلاكهم، ﴿إذا جاءَ أَجَلُهُم فلا يَستأخِرُونَ﴾: يتأخّرون عنه ﴿ساعةً،
ولا يَستَقْدِمُونَ﴾ ٤٩ يتقدّمون عليه. ﴿قُلْ: أَرَأيْتُم﴾: أخبروني، ﴿إن أتاكُم عَذَابُهُ﴾
أي: اللهِ ﴿بَيَاتًا﴾: ليلًا ﴿أو نَهارًا، ماذا﴾: أيُّ شيء ﴿يَستَعجِلُ مِنْهُ﴾ أي: العذابِ ﴿المُجرِمُونَ﴾ ٥٠: المُشركون؟ فيه وضع الظاهر موضع
المُضمر، وجملة الاستفهام جواب الشرط، كقولك: إنْ أتيتُكَ ماذا تُعطيني؟ والمُراد به التهويل أي: ما أعظَمَ ما استعجلوه! ﴿أَثُمَّ إذا ما وَقَعَ﴾:
حلّ بكم ﴿آمَنتُم بِهِ﴾ أي: اللهِ، أو العذابِ عند نزوله؟ والهمزة لإنكار التأخير. فلا يُقبل منكم، ويقال لكم: ﴿آلآنَ﴾ تُؤمنون، ﴿وَقَد كُنتُم بِهِ
تَسْتَعجِلُونَ﴾ ٥١ استهزاءً؟ (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا: ذُوقُوا عَذابَ الخُلِدِ﴾ أي: الذي تخلدون فيه. ﴿هَل﴾: ما ﴿تُجَزَونَ إلّا﴾ جزاءً ﴿بِما كُنتُم
تَکسِبُونَ﴾ ٥٢؟
٤- ﴿وَيَسْتَنِئُونَكَ﴾: يستخبرونك: ﴿أَحَقُّ هُوَ﴾ أي: ما وعدتنا به من العذاب والبعث؟ ﴿قُلْ: إِيْ﴾: نَعَمْ ﴿وَرَبِّيَ إِنَّهُ لَحَقٌّ، وما أنتُم
(١) لا يظلمهم: لا ينقصهم مما قدموا. والناس: البشر. ويظلمون أنفسهم أي: يسببون لها الهلاك. واليوم: الوقت. ويحشرهم: يبعثهم للحساب والجزاء.
ولم يلبثوا أي: لم يقيموا. والساعة: المدة القصيرة. وفي الأصل: ((من نهارٍ لعظم)). و((كأنْ)) هنا معناها توكيد الظن لا التشبه، إذ المراد أن المحشورين هنا
يَظنون ظنًا ولا يشبَّهون. ومتعلق الظرف: يعني أن ((يوم)) متعلق بالفعل: يتعارف. وخسر: ضيع ماكان ينتظر من الربح. وكذّب به أي: أنكره ولم يصدقه.
ولقاء الله: المصير إلى بعثِه الموتى والحسابِ. والمهتدي: المسترشد إلى الحق والخير.
(٢) زيادة ((ما)) لتوكيد الشرط. ونرينك أي: نبصّرنك عيانًا. ونعدهم: نتوعدهم به. وحذف الجواب مردود، لأن جواب الشرطين سيكون بعد. ونتوفاك:
نستوفي روحك الشريفة. وإلينا أي: إلى لقاء موعدنا لهم بالبعث. والمرجع: المصير للحساب والجزاء. والترديد في الشرط يعني التعميم، أي: مهما كان من
رؤيتك بعضَ عذابهم أو توفِيك قبلُ فنحن نريك عذابهم العظيم يوم القيامة. والأمة: الجماعة من الناس. وجاء: أرسل بالتوحيد والشرع. وكذبوه أي: كذبه
بعضهم وآمن به البعض. وقضي: حُكم ونُفّذ. وبينهم أي: بين الرسول ومن أرسل إليهم. ولا يظلمون: لايجار عليهم.
(٣) يقولون أي: قال مشركو قريش ومن تابعهم، حين تلي عليهم: ((وإما نرينك)) الآية، انظر ((المفصل)). يعني: عجّل تحقيق ما تعدنا. ولا أملك أي: ليس
باستطاعتي. والضر: ما يؤلم ويؤذي. والنفع: ما يسر ويسعد في الدنيا والآخرة. وشاء: أراد وقدّر. ولكل أمة أجل أي: إن عذابكم له وقت محدد أيضًا عند
الله. وجاء: حان. وفي الأصل: ((فإذا جاء)). والساعة: المدة اليسيرة. وفي نفي التقدم بعد نفي التأخر مبالغة، لأنه إذا كان التأخر محالًا فقد ثبَتَ أن التقدم
نهاية في الاستحالة، وإن أمكن في نفسه قبل. وأتاكم: أصابكم. والعذاب: التعذيب. والبيات: قضاء الليل في غفلة الناس. والمراد: وقتَ البيات. والنهار:
وقت الانشغال بالمصالح. ويستعجله: يطلب تعجيل وقوعه. والمجرم: الذي يقترف الإجرام باختيار وقصد. وآمنتم به أي: تيقنتم أنه حق. ولإنكار التأخير
يعني: لإنكار تأخير إيمانهم إلى ما بعد وقوع العذاب. والآن: الوقت الحاصل فيه الإيمان. وظلموا أي: كفروا. وذوقوا أي: تناولوا وقاسوا. والخلد: البقاء
الأبدي. وتجزون: تعاقبون. وتكسبون أي: تجلبونه لأنفسكم بالاختيار والإرادة.
(٤) الحق: الثابت الواقع لا محالة. انظر ((المفصل)). وربي أي: أقسمُ بربي. والمعجز: الذي لا يقدر عليه أحد. وفائتين العذاب أي: هاربين منه أو ناجين.
والنفس: الإنسان المكلف. وظلمت: وضعت الكفر موضع الإيمان. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((جميعًا من الأموال)). وافتدت به: بذلته لتنجو. ورأوا:
عاينوا حقيقة. والعذاب أي: ما سيكون في النار من التعذيب. وأخفاها رؤساؤهم: تفسير لـ ((أسروا)). يعني: الندامة. وهي الأسفُ للذنب وكرهُه. وقضي:
فُصل. ويظلم: يجار عليه بنقص حسناته أو زيادة سيئاته.

الجزء الحادي عشر
٢١٥
١٠ - سورة يونس
بِمُعجِزِينَ﴾ ٥٣: بفائتينَ العذابَ، ﴿وَلَو أنَّ لِكُلِّ نَفسِ ظَلَمَتْ﴾: كفرتْ ﴿ما في
الأرضِ﴾، من الأموال، ﴿لَافَتَدَتْ بِهِ﴾ من العذاب يوم القيامة، ﴿وأسَرُّوا النَّدامةَ﴾
على ترك الإيمان، ﴿لَمّا رَأَوُا العَذابَ﴾ أي: أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء الذين
أضلّوهم مخافةً التعبير، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾: بين الخلائق ﴿بِالقِسطِ﴾: بالعدل، ﴿وَهُم
لا يُظلَمُونَ﴾ ٥٤ شيئًا!
١ - ﴿ألا إنَّ لِثِ ما في السَّماواتِ والأرضِ. ألا إنَّ وَعدَ اللهِ﴾ بالبعث والجزاء ﴿حَقٌّ﴾:
ثابت، ﴿وَلَكِنَّ أكثَرَهُم﴾ أي: الناسِ ﴿لا يَعلَمُونَ﴾ ٥٥ ذلك. ﴿هُوَ يُحِي ويُمِيتُ،
وإِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ ٥٦ في الآخِرة، فيُجازيكم بأعمالكم. ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أي: أهلَ
مكّة، ﴿قَدْ جاءَتَكُم مَوعِظّةٌ مِن رَبَّكُم﴾: كتابٌ فيه مالكم وعليكم - وهو القُرآن -
﴿وشِفاءٌ﴾: دواء ﴿لِما في الصُّدُورِ﴾ من العقائد الفاسدة والشكوك، ﴿وهُدَى﴾ من
الضلال، ﴿وَرَحْمةٌ لِلْمُؤمِنِينَ﴾ ٥٧ به. ﴿قُلْ: بِفَضلِ اللهِ﴾: الإسلام ﴿وبِرَحْمتِهِ﴾:
القرآنِ، ﴿فِذْلِكَ﴾ الفضل والرحمة ﴿فَلْيَفرَحُوا. هُوَ خَيرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ٥٨ من الدنيا،
بالياء والتاء.
سُورَة يُؤْسُرْ)
وَلَوْأَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِى الْأَرْضِ لَأَفْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُواْ
النَّدَامَةَ لَمَّارَأَوْاْلْعَذَابِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ
لَأَ يُظْلَمُونَ ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ أَلَا إِنَّ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥) هُوَيُحِى وَيُمِيتُ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْجَآءَ تَكُم مَّوْعِظَةٌ
مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
﴿﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا
يَجْمَعُونَ ﴿﴿ قُلْ أَرَءَ يْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ
فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ ءَ اللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْعَلَى الَّهِ
تَفْتَرُونَ ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ
يَوْمَ الْقِيَمَةٌ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّأَكْثَرَهُمْ
لَا يَشْكُرُونَ ﴿ وَمَا تَكُونُ فِ شَأَنٍ وَمَانَتْلُواْ مِنْهُمِنْ قُرْءَانٍ
وَلَاتَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ
فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى
السَّمَآءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبِ مُّبِينٍ
٢- ﴿قُلْ: أَرَأَيْتُم﴾: أخبروني ﴿مَا أنزَلَ اللهُ﴾: خَلقَ ﴿لَكُم مِن رِزقٍ، فَجَعَلتُم مِنْهُ
حَرامًا وحَلالًا﴾ كالبَحيرة والسائبة والميتة؟ ﴿قُلْ: اللهُ أَذِنَ لَكُم﴾ في ذلك التحريم
والتحليل؟ لا. ﴿أم﴾: بل ﴿عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ ٥٩: تكذبون بنسبة ذلك إليه؟ ﴿وما ظَنُّ
الَّذِينَ يَفتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ أي: أيُّ شيءٍ ظنّهم به، ﴿يَومَ القِيامةِ﴾؟ أيحسبون أنه لا يُعاقبهم؟ لا. ﴿إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ بإمهالهم
والإنعام عليهم، ﴿ولكِنَّ أكثرَهُم لا يَشكُرُونَ﴾ ٦٠ .
٣- ﴿وما تَكُونُ﴾ - يا مُحمّد - ﴿في شأنٍ﴾: أمر، ﴿وما تَتَلُو مِنْهُ﴾ أي: من الشأنِ، أو اللهِ ﴿مِن قُرآنٍ﴾ أنزله عليك، ﴿ولا تَعمَلُونَ﴾ - خاطبَهُ
وأُمّتَه - ﴿مِن عَمَلٍ، إلّا كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: رُقباءَ، ﴿إِذْ تُفِيضُونَ﴾: تأخذون ﴿فِيهِ﴾ أي: العمل، ﴿وما يَعزُبُ﴾: يغيب ﴿عَن رَبِّكَ مِن مِثقالِ﴾:
وزنِ ﴿ذَرّةٍ﴾: أصغرِ نملةٍ، ﴿في الأرضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصغَرَ مِن ذُلِكَ ولا أكبَرَ إلّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ٦١: بَيِّنٍ، هو اللوح المحفوظ. (ألا
إِنَّ أولِيَاءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم، ولا هُم يَحْزَنُونَ﴾ ٦٢ في الآخِرة. هم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٦٣ اللهَ بامتثال أمره ونهيه، ﴿لَهُمُ الْبُشرَى في
(١) ما في السماوت والأرض أي: وما بينهما وما في الكون كله من الخلق. انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. والوعد: التعهد بما سيكون. ولا يعلم:
لا يعرف. ويحيي ويميت أي: يخلق الحياةَ في الأموات والموتَ في الأحياء. وإليه أي: إلى لقاء موعده. وترجعون: تصيرون بالبعث للحساب والجزاء. وأهل
مكة: الصواب أن جميع البشر مخاطب بهذا. وجاءتكم: وصلت إليكم. والموعظة: الإرشاد إلى ما ينفع من الأعمال. ومن ربكم أي: من عنده وبأمره.
والصدور: جمع صدر. والمراد به القلب وما يعيه. والهدى: الإرشاد إلى الحق. والرحمة: العطف والرفق للإنقاذ من الضلال. والفضل: التفضل بزيادة
الخير. ويفرح: يَسعد. و((هو)) أي: ما أشير إليه بـ ((ذلك)). وخير أي: أكثر نفعًا في الدنيا والآخرة. ويجمعون أي: يحصّلونه ويتملكونه. وبالتاء يريد القراءة
(تَجمَعُونَ)). والخطاب للناس جميعًا.
(٢) قل أي: للمشركين. والرزق: ما ييسَّر للإنسان من متاع الدنيا وزينتها. وجعلتم أي: حكمتم عليه. والحرام: المحرَّم. والحلال: المحلَّل. والبحيرة
والسائبة وردتا في الآية ١٠٣ من سورة المائدة. وأذن لكم أي: أعلمكم. والظن: التوهم والتخيل. وتفترون أي: تصطنعون. والكذب: ماليس له أصل في
الواقع. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من قبورهم للحساب. وذو فضل أي: صاحب الإحسان بزيادة النعم، مختص به دون غيره. ويشكر: يستحضر
النعم ويثني على معطيها بالقلب واللسان والعمل.
(٣) الشأن: الشيء المقصود. وتتلو: تقرأ. وقوله ((أو الله)) تفسير آخر للضمير في ((منه)). يعني: من عند الله. وتعملون: تفعلون من نية أو قول أو علاج.
والشهود: جمع شاهد. و((العمل)) أي: والشأن والتلاوة. انظر ((المفصل)). وعن ربك أي: عن علمه. والذرة: أصغر جزء مما يكوّن المادة. وفي الأرض
والسماء أي: وفي الوجود كله والإمكان أيضًا. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. والكتاب: السِّجِلّ. واللوح المحفوظ سجلّ، فيه ما كان
وما سيكون في الدنيا والآخرة من محتم ومحتمل، وقد يطلع عليه بعض الملائكة والأنبياء، بخلاف ما في أم الكتاب، لا يطلع عليه مخلوق. والأولياء مفرده
وليّ. وهو الذي يتقرب إلى الله بالطاعة، ويتقرب إليه الله بالرحمة والإكرام. ولاخوف عليهم أي: لا يعتريهم ما يوجب الفزع مما سيكون. ويحزن: يغتم لما
مضى. ويتقونه: يتجنبون غضبه ويلتزمون طاعته ورضاه. و((بالجنة والثواب)) كذا. والجر بالباء ورد في المستدرك ٤: ٣٩١ من دون تفسير ما في الآخرة. وانظر
((المفصل)) أيضًا. والتبديل: التغيير. والكلمات: الأحكام والمواعيد. وهي مما تضمنه سِجِلّ أُمّ الكتاب. والمذكور أي: كون البشرى لهم. والفوز: الظفر
بالخير والسعادة. والعظيم: الذي لا مثيل له.

١٠ - سورة يونس
٢١٦
الجزء الحادي عشر
سُورَة يُوْيُرْ
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَآَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى
فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللهِ
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ
اَلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ أَلَّ إِنَّ لَّهِ
مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِِّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءُ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا
] هُوَالَّذِى جَعَلَلَكُم
٦٦)
الظَنَّ وَإِنْ هُمْ إِلََّ يَخْرُصُونَ
الَّيْلَ لِتَسْكُواْفِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَتٍ لِّقَوْمِ يَسْمَعُونَ ﴿ قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأَ
سُبْحَنَّةٌ هُوَ الْغَنِّ لَهُ, مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ
إِنْ عِندَكُمْ مِن سُلْطَانٍ بِهَدَ أ ◌َتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِمَا
لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨َّ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ
لَا يُفْلِحُونَ ﴿ مَتَعُ فِ الدُّنْيَاثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّـ
نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَاكَانُوايَكْفُرُونَ
الحَياةِ الدُّنيا﴾ - فُسّرتْ في حديث صحّحه الحاكم، بالرؤيا الصالحة يراها الرجل أو
تُرى له - ﴿وفي الآخِرةِ﴾ بالجنّة والثواب. ﴿لا تَبَدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾: لا خُلف
لمواعيده. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ ٦٤.
١- ﴿وَلا يَحْزُّنْكَ قَولُهُم﴾ لك: لستَ مُرسَلًا، وغيرَه. ﴿إِنَّ﴾ - استئناف - ﴿العِزّةَ﴾:
القُوّةِ ﴿لِثِهِ جَمِيعًا. هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول ﴿العَلِيمُ﴾ ٦٥ بالفعل، فيُجازيهم وينصرك.
﴿ألا إنَّ لِثُهِ مَن فِي السَّماواتِ ومَن في الأرضِ﴾، عبيدًا ومُلكًا وخلقًا، ﴿وما يَتَبعُ
الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: يعبدون ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه أصنامًا ﴿شُرَكَاءَ﴾ له على
الحقيقة. تعالى عن ذلك. ﴿إِنْ﴾: ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ في ذلك ﴿إِلّ الظَّنَّ﴾ أي: ظنَّهم أنها
آلهة تشفع لهم، ﴿وإنْ﴾: ما ﴿هُم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ٦٦: يكذبون في ذلك. ﴿هُوَ الَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبصِرًا﴾. إسناد الإبصار إليه مجاز، لأنه مُبْصَرٌ
فيه. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ لَآيَاتٍ﴾: دلالاتٍ على وحدانيّته - تعالى - ﴿لِقَومٍ يَسْمَعُونَ﴾ ٦٧
سماعَ تدبّر واتّعاظ.
٢ - ﴿قَالُوا﴾: أي اليهودُ والنصارى، ومن زعم أنّ الملائكة بنات الله: ﴿اتَّخَذَ اللهُ
وَلَدًا﴾. قال تعالى لهم: ﴿سُبحانَهُ﴾: تنزيهًا له عن الولد! ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ عن كُلّ أحد،
وإنّما يطلب الولدَ مَن يحتاج إليه، ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا
وعبيدًا. ﴿إِنْ﴾: ما ﴿عِندَكُم مِن سُلطانٍ﴾: حُجّةٍ ﴿بِهِذا﴾ الذي تقولونه. ﴿أَتَقُولُونَ
عَلَى اللهِ ما لا تَعلَمُونَ﴾ ٦٨؟ استفهام توبيخ. ﴿قُلْ: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾، بنسبة الولد إليه، ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ ٦٩: لا يَسعدون. لهم
﴿مَتَاعٌ﴾ قليل ﴿في الدُّنيا﴾، يتمتّعون به مُدّة حياتهم، ﴿ثُمَّ إِلَينا مَرجِعُهُم﴾ بالموت، ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ﴾ بعدَ الموت، ﴿بِما كانُوا
يَكفُرُونَ﴾ ٧٠.
(١) الآيتان ٦٥ و٦٦ متصلتان بما مضى في الآيات ٤١-٦٠، من ذكر لكفر المشركين وأكاذيبهم والتهديد لهم. وفي هذا تسلية للنبي - عليه السلام - وتبشير
بالنصر وهزيمة الكفر. ويحزن: يغم ويؤلم. وقولهم أي: ادعاؤهم عليك من الأباطيل. و((لست مرسلًا)) انظر الآية ٤٣ من سورة الرعد. وغير: معطوف على
محل ((لست مرسلًا)) منصوب بالعطف، أي: وغير ذلك من الاتهامات الباطلة. والقوة: القدرة والغلبة دائمًا وأبدًا. والله: لفظ الجلالة اسم علم للمعبود بحق
وحده والواجب الوجود المستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله. وجميعًا أي: مجموعة بكامل أشكالها وأنواعها. والسميع: من
السمع. وهو إدراك المسموعات وما دونها وما فوقها. والعليم: المحيط علمه بدقائق الأمور وخفاياها. وينصرك أي: في الدنيا والآخرة. والمراد بـ ((مَن))
الناس والملائكة والجن. والسماء: مايحيط بالأرض من جو وأجرام وعوالم عُلوية. والأرض: موطن الحياة الدنيا. ويتبعه: ينقاد إليه ويطيعه. والشركاء:
جمع شريك. وهو المشارك في التقديس والطاعة بزعم الكافرين. وعلى الحقيقة: يعني أن ادعاء الشرك باطل ومحال، بدليل النفي في ((مايتبع الذين يدعون)).
و((ما)) يعني أنّ ((إنْ)) هي للنفي. وكذلك هي فيما بعد. ويتبعونه: ينقادون إليه ويطيعونه. وذلك أي: عبادة الأصنام والشركاء. والظن: التوهم والتخيل للباطل.
ويكذبون أي: في اتباع الظن. وجعل: خلق وأبدع من العدم. والليل: ما بين غروب الشمس وشروقها. والنهار عكسه. وتسكنوا أي: تستريحوا من تعب
النهار. ومبصَر فيه: يعني أن ((مبصِرًا)): اسم فاعل يفيد أن النهار هو الذي يُصِر، والمراد أنه مضيء يُصِر الخلق فيه ما يحتاجون إليه. وحذف ما يقابله لليل
أي: ((مظلمًا))، كما حذف للنهار ((لتسعوا فيه)) بدلالة ((لتسكنوا فيه)). وفيما عدا الأصل وث وع: ((لأنه يبصر فيه)). وذلك: إشارة إلى جعل الليل والنهار كما
ذكر. والآيات: جمع آية. والقوم: الجماعة من الناس رجالا ونساء. ويسمع: يدرك ما يُسمع ويعي ما فيه من الحق.
(٢) قالوا أي: صرحوا بالقول جهارًا. واليهود جعلوا عُزيرًا ابن الله. والنصارى جعل بعضهم عيسى ابن الله أيضًا. وبعض العرب زعموا أن الملائكة بنات
الله. واتخذ ولدًا: أنجبه وصنعه وتبناه. والولد هنا: الأولاد. وعن الولد أي: وعما يزعمه المشركون والكافرون والملحدون من الصفات الباطلة. وتنزيهًا
أي: وتعجبًا مما يقوله هؤلاء الحُمق. والغني: المستغني بذاته عمن سواه لا يحتاج إلى شيء، كل الخلائق فقراء إليه. وما في السماوات: انظر الآية ٦٦ .
وتقولون عليه: تكذبون وتختلقون. وما لا تعلمون أي: ما لم يأتكم بعلم يقيني ثابت من وحي أو دليل يقيني، وإنما هو تقليد واتباع للظن والأوهام.
والتوبيخ: التعنيف والنهي عما يكون من الباطل والأكاذيب. وقل أي: خاطبهم بالقول جهارًا. وهذا يعني أنه رسول مكلف بالتبليغ، لا كما يزعم الكافرون.
وتكرار ذلك قبلُ وبعدُ يفيد المبالغة في التوكيد. ويفترون: يختلقون ويكذبون. والكذب: ما يخالف الواقع من الأمور والأحوال. وبنسبة الولد إليه أي: وادّعاء
الصفات والأحكام والشرائع والأقوال. ويفلح: يفوز بمطلوبه وينجو من البلاء. والمتاع: ما يكون للانتفاع أوالتلذذ أو التفاخر ثم يزول. وسقط ((قليل)) من خ.
وإلينا أي: إلى لقاء موعدنا يوم القيامة. والمرجع: الرجوع بالبعث للحساب والجزاء. ونذيقهم: ننزل بهم ونحمّلهم. والشديد: الفظيع. ويكفرون: يكذّبون
الله ورسوله ویفترون الأباطيل.

الجزء الحادي عشر
٢١٧
١٠ - سورة يونس
١ - ﴿واتلُ﴾ - يا مُحمّد - ﴿عَلَيهِم﴾ أي: كُفّارِ مكّةَ ﴿نَبَأَ﴾: خبرَ ﴿نُوحٍ﴾،
ويُبدل منه: ﴿إِذْ قَالَ لِقَومِهِ: يا قَوم، إن كانَ كَبُرَ﴾: شقَّ ﴿عَلَيْكُم مَقامِي﴾
نصْف
الخِرْبُ
لُبثي فيكم، ﴿وتَذْكِيرِي﴾: وعظي إيّاكم ﴿بِآيَاتِ اللهِ، فعلَى اللهِ تَوَكَّلتُ،
فأجمِعُوا أمرَكُم﴾: اعزِموا على أمر تفعلونه بي ﴿وشُركاءَكُم﴾، الواو بمعنى: مع،
﴿ثُمَّ لا يَكُن أمَرُكُم عَلَيْكُم غُمّةً﴾: مستورًا، بل أظهروه وجاهروني به، ﴿ثُمَّ اقضُوا
إِلَيَّ﴾: أمضُوا فيَّ ما أردتموه، ﴿ولا تُنظِرُونِ﴾ ٧١: تُمهلونِ. فإني لست مُباليًا بكم،
﴿فإن تَوَلَّيْتُم﴾ عن تذكيري ﴿فما سألتُكُم مِن أجرٍ﴾: ثواب عليه فتتولَّوا. ﴿إن﴾: ما
﴿أجرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلّ عَلَى اللهِ، وأُمِرتُ أن أكُونَ مِنَ المُسلِمِينَ﴾ ٧٢.
٢- ﴿فَكَذَّبُوهُ، فَنَجَّيناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلكِ﴾ السفينة، ﴿وجَعَلْنَاهُم﴾ أي: من معه
﴿خَلائفَ﴾ في الأرض، ﴿وأغرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا﴾ بالطوفان - ﴿فانظُرْ: كَيفَ
كانَ عاقِبَةُ المُنذَرِينَ﴾ ٧٣ من إهلاكهم؟ فكذلك نفعل بمن كذّبك - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعدِهِ﴾
أي: نُوحِ ﴿رُسُلَا إِلَى قَومِهِم﴾، كإبراهيمَ وهُودٍ وصالح، ﴿فجاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾:
بالمُعجزاَت، ﴿فما كانُوا لِيُؤمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبلُ﴾ أي: قبلِ بعثِ الرُّسلِ إليهم.
﴿كَذْلِكَ نَطَبَعُ﴾: نَخْتِمُ ﴿عَلَى قُلُوبِ المُعتَدِينَ﴾ ٧٤، فلا تَقبل الإيمانَ، كما طبعنا على
قلوب أُولئك.
سُورَة ◌ُوْنِسْرَ}
﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْنَبَأَ نُوحٍ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُ عَلَيْكُمْ
مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ
أَمَّْكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّلَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُواْ
إِلَىَّ وَلَا تُظِرُونِ رَجَا
فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرِإِنْ
أَجْرِىَ إِلَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَن مَعَهُ فِ اَلْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَتَبِفَ
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ
ثُمَّبَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ لَاءُ وهُمْ بِالْبَيِّنَتِ
فَمَا كَانُوْلِيُؤْ مِنُواْبِمَا كَذَّبُواْبِ، مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ
الْمُعْتَدِينَ * ثُمَّبَعَنْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى
فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، بِثَايَنِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ
VO
فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ
قَالَ مُوسَىَّ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّاجَاءَ كُمْ أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ
السَّحِرُونَ ثَ قَالُواْأَجِئْتَنَا لِتَلْفِئَنَا عَمَّ وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا
وَتَكُنَ لَكُمَا الْكِبْرِيَُّ فِ الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْ مِنِينَ
٣- ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعدِهِم مُوسَى وهارُونَ إِلَى فِرِعَونَ ومَلَئِهِ﴾: قومِه، ﴿بِآياتِنا﴾ التسع،
﴿فاستكبَرُوا﴾ عن الإيمان بها، ﴿وكانُوا قَومًا مُجرِمِينَ ٧٥، فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن
عِندِنا قالُوا: إنَّ هذا لَسِحِرٌ مُبِينٌ﴾ ٧٦: بيِّنٌ ظاهر. ﴿قَالَ مُوسَى: أَتَقُولُونَ لِلحَقِّ لَمّا جَاءَكُم﴾: إنه لسحر؟ ﴿أَسِحِرٌ هذا﴾، وقد أفلح من أتى به
وأبطل سِحرَ السحرة، ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ ٧٧؟ والاستفهام في الموضعين للإنكار. ﴿قالوا: أجِئتَنا لِتَلِفِتَنَا﴾: لتردّنا ﴿عَمّا وَجَدْنا عَلَيهِ آباءَنا،
وتَكُونَ لَكُما الكِبرِياءُ﴾: المُلك ﴿في الأرضِ﴾ أرض مصر؟ ﴿وما نَحنُ لَكُما بِمُؤمِنِينَ﴾ ٧٨: مُصدّقين. ﴿وقالَ فِرِعَونُ: انْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ
عَلِيمٍ﴾ ٧٩: فائق في عِلم السِّحر.
(١) اتل: اقرأ واسرد. وكفار مكة أي: وعلى الصحابة تسلية عما يلقون، وبشارة بالنصر. ونوح: النبي الرابع بعد آدم وشيث وإدريس، فيما نعلم. والقوم:
جماعة الإنسان هو منها ويعيش فيها. و(لبثي فيكم)) تفسير لقراءة ((مُقامي)) مصدر: أقام. وهذه القراءة لم يذكرها السيوطي هنا. أما المَقام فهو مصدر: قامَ،
أي: طول قيامي فيكم للدعوة. والآيات: ما أوحي إلى نوح من كلام الله، والأدلةُ التي كان يبينها لقومه. وعلى الله توكلت أي: فوضت أمري إليه وحده.
وأمركم أي: شأنكم وإرادتكم. والشركاء: جمع شريك. وهو ماكان يعبده قوم نوح من الأصنام وغيرها. ولا يكن: لا يصبح. وأمركم أي: قصدكم في شأني.
وأمضوا أي: نفّذوا. وفيما عدا الأصل والنسخ والفتوحات: ((امضوا فيما)). وتنظرون أي: تنظروني، حذفت من آخره ياء المتكلم للتخفيف. وتوليتم:
استمررتم في الإعراض. وسألتكم: طلبت منكم. و((فتتولوا): فتنصرفوا عني. وفيما عدا خ وع: ((فتولوا)). وعلى الله أي: حاصل بفضله. وأمرت: فُرض
عليّ. والمسلم: المنقاد لحكم الله. والمراد أنه مكلف بتبلغ نفسه أيضًا.
(٢) كذبوه أي: أصرّوا على تكذيبه. ونجيناه: أنقذناه. ومن معه أي: المؤمنون والمؤمنات. وجعلنا: صيّرنا. والخلائف: جمع خليفة. وهو الذي يرث غيره
في التملك. وأغرقناه: أهلكناه اختناقًا. والآيات: ما أوحاه الله وما ذكّر به نوح. وانظر أي: تأمل وتدبر. والعاقبة: النهاية. والمنذر: الذي بلغه الوعيد
بالعذاب. وبعثناهم: أرسلناهم ليبلّغوا. والرسل: جمع رسول. وهو المرسَل. وقوم الإنسان: جماعته التي هو منها أو يعيش بين أفرادها. وهود وصالح:
نبيان عربيان. وجاؤوهم أي: أتوهم. وما كانوا ليؤمنوا أي: لِما هم عليه من الاستعداد الخبيث، والانهماك في الكفر. وكذلك: مثلَ ذلك الطبع المحكم
الذي كان على قلوب الأقوام الماضية. والقلوب: جمع قلب. والمعتدي: الذي تجاوز الحدود المعهودة بكفره.
(٣) من بعدهم أي: من بعد إبراهيم وهود وصالح. وهارون: أخو موسى بعث معه للدعوة أيضًا. وفرعون: ملك مصر في زمن موسى. والملأ: أشراف
الناس الذين يملؤون العيون مهابة والمجالس بأجسامهم. والآيات: المعجزات. والتسع: انظر الآية ١٠١ من سورة الإسراء. وبها أي: بالآيات. واستكبروا:
ادّعوا التعالي بغير حق. والمجرم: الذي يقترف الإجرام اختيارًا وإصرارًا. وجاءهم: أتاهم عيانًا. والحق: الثابت من المعجزات. ومن عندنا أي: بأمرنا
وتقديرنا. والسحر: ما يوهم الأبصار والإدراك فيُتخيل على غير حقيقته. وهو باطل بحت، يظنه السفهاء حقيقة واقعة. وللحق أي: عن الحق. ولما جاءكم
أي: حين مجيئه إليكم. ولا يفلح: لا يظفر بمطلوب فيه خير. والساحر: من يقوم بالسحر والتضليل وخداع العقول والحواس. وللإنكار: يعني أن الهمزة قبل
(تقولون)) استفهامية للإنكار التوبيخي والتجهيل لهم لِما يزعمون، أي: دعوا هذا التعنت واستجيبوا للإيمان. والهمزة قبل ((سحر)) كذلك مع التقريع والتعجيب
من أمرهم، أي: كيف يكون هذا الإعجاز كما زعمتم وقد كان منه ما كان؟ وما وجدنا عليه آباءنا أي: ما رأيناهم عليه من عبادة الأصنام وتأليه فرعون.
والآباء: جمع أب. وهو يطلق على الوالد والجد. وتكون: تصير. والكبرياء: التكبر والترفع. وائتوني بهم: جيئوا بهم إليّ وأحضروهم. والخطاب لخدمته
والمتصرفين بين يديه. والفائق: الماهر المتميز يفوق أقرانه ويعلوهم في عمله.

١٠ - سورة يونس
٢١٨
الجزء الحادي عشر
سُورَةِ يُوْيُرْع
الجزء الحَاءِ عَشَر
◌َ فَلَمَّاجَآءَ السَّحَرَةُ
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَثْتُونِ بِكُلِّ سَحِرِعَلِيمٍ
فَلَمَّا أَلْقَوْاْ قَالَ
قَالَ لَهُم ◌ُوسَىّ أَلْقُواْ مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ [®
مُوسَى مَاجِئْتُمْ بِهِالسِّحْرٌ إِنَّاللَّهَ سَيُبْطِلُهُ:(إِنَّاللَّهَلَا يُصْلِحُ
عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ ﴿﴿ وَيُحِقُّ اَللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْكَرِهَ
الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَمَآءَامَنَ لِمُوسَىَ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى
خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِمْ أَنْ يَفْئِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ
فِ الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ( وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كُنتُمُ
فَقَالُواْعَلَى اللَّهِ
ءَمَنْتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَّكَلُواْ إِن كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ
تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هُ وَنَّجْنَا
بَرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (® وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ
أَنْ تَبَوَءَ الِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُونًا وَأَجْعَلُواْ بُوتَكُمْ قِبْلَةً
وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وَقَالَ مُوسَى
رَبَّنَا إِنَّكَءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَلَا فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضْلُواْ عَن سَبِيلِكَّ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَّ أَمْوَلِهِمْ
وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْحَتَّ يَرَوْالْعَذَابَ الْأَلِيمَ
١- ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُم مُوسَى﴾، بعد ما قالوا له: ((إمّا أن تُلِقِيَ، وإمّا أن
نَكُونَ نَحنُ المُلِقِينَ)): ﴿ألقُوا ما أنتُم مُلِقُونَ ٨٠. فَلَمّا ألقَوا﴾ حِبالهم وعِصيّهم ﴿قَالَ
مُوسَى: ما﴾: استفهاميّة مبتدأ خبرُه: ﴿جِئْتُم بِهِ؟ السِّحرُ﴾؟ بدل. وفي قراءة بهمزة
واحدة إخبار. فما: موصول مبتدأ. ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبطِلُهُ﴾: سيمحقه - ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصلِحُ
عَمَلَ المُفسِدِينَ ٨١ - ويُحِقُّ﴾: يُثبتُ ويُظهر ﴿اللهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾: بمواعيده، ﴿ولَو
كَرِهَ المُجرِمُونَ ٨٢. فما آمَنَ لِمُوسَى إلّا ذُرِّيّةٌ﴾: طائفة ﴿مِن﴾ أولاد ﴿قَومِهِ﴾ أي:
فرعونَ، ﴿عَلَى خَوفٍ مِن فِرِعَونَ ومَلَئِهِم، أن يَفْتِنَهُم﴾: يصرفهم عن دينه بتعذيبه .
﴿وإنَّ فِرِعَونَ لَعالٍ﴾: مُتكبّرٌ ﴿في الأرضِ﴾ أرض مصر، ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسرِفِينَ﴾ ٨٣
المُتجاوزين الحدَّ بادّعاء الربوبيّة .
٢- ﴿وقالَ مُوسَى: يا قَومِ، إن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُوا، إن كُنتُم مُسلِمِينَ ٨٤.
فقالُوا: عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا. رَّبَّنَا، لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلقَومِ الظَّالِمِينَ﴾ ٨٥ أي: لا تُظهرهم
علينا، فيظنّوا أنهم على الحقّ فيُفتَتَنوا بنا، ﴿ونَجِّنا بِرَحْمِتِكَ مِنَ القَومِ الكافِرِينَ﴾ ٨٦.
٣- ﴿وَأَوحَينا إلَى مُوسَى وأخِيهِ أن تَبَوَّأا﴾: اتّخِذا ﴿لِقَومِكُما بِمِصرَّ بُيُوتًا، واجعَلُوا
بُيُوتَكُم قِبْلةً﴾: مُصلَّى تُصلّون فيه لتأمنوا من الخوف - وكان فِرعَون منعهم من الصلاة
- ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: أتمّوها، ﴿وَبَشِّرِ المُؤمِنِينَ﴾ ٨٧ بالنصر والجنّة.
٤- ﴿وقالَ مُوسَى: رَبَّنَا، إنَّكَ آتَيَتَ فِرِعَونَ ومَلَأَهُ زِينَةَ وأموالًا في الحَياةِ الدُّنيا،
رَبَّنَا،﴾ آتيتَهم ذلك ﴿لِيَضِلُّوا﴾ في عاقبته ﴿عَن سَبِيلِكَ﴾: دِينك. ﴿رَبَّنَا، اطِمِسْ عَلَى
أمْوالِهِم﴾: امسَخْها، ﴿واشدُدْ عَلَى قُلُوبِهِم﴾: اطبعْ عليها واستوثقْ، ﴿فلا يُؤْمِنُوا
حَتَّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ٨٨: المُؤلم. دعا عليهم وأمَّنَ هارونُ على دعائه. ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿قَد أُجِيبَتْ دَعوَتُكُما﴾ فُمُسخت أموالُهم حِجارةً،
ولم يُؤمن فرعون حتّى أدركه الغرق. ﴿فاستَقِيمًا﴾ على الرسالة والدعوة، إلى أن يأتيهم العذاب، ﴿ولا تَتَّبِعانٌ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعلَمُونَ﴾ ٨٩ في
استعجال قضائي. رُوي أنه مكث بعدها أربعين سنة.
(١) جاؤوا أي: وصلوا إلى المكان المتفق عليه. والسحرة: جمع ساحر. وما قالوا يعني ماورد في الآية ١١٥ من سورة الأعراف. وألقوا أي: اطرحوا على
الأرض ما معكم. وجئتم به: فعلتموه. و((السحر)) أصله ((أالسحر)) بهمزة استفهام للتحقير والتوبيخ بعدها همزة الوصل، أبدلت الثانية ألفًا. خ وث: ((السحر)).
وفي ط والمطبوعات: ((السحر)). وفي قرة العينين: ((ألسحر)). وبدل: يعني أن ((السحر)): بدل من ((ما)) الاستفهامية. وبهمزة واحدة يعني: بهمزة الوصل
وحدها. وبإخبار أي: ليس في الكلام استفهام. ط: ((أخبار)). ولا يصلحه أي: لايثبته ولا يجعل فيه نفعًا. والعمل: ما يُكتسب من النية والقول والفعل.
والمفسد: المقترف للشر يُشيعه باختيار وقصد. والحق: الأمر الواقع كما يجب. وكره: أبغض وأبى. والمجرم: الذي يقترف الجريمة والكفر بقصد وعزم.
وآمن له: صدّقه واتبعه. والذرية: القليل من الرجال والنساء. وقومه أي: قوم فرعون، السحرة وبعض أبناء القبط. والخوف: توقع الشر. والملأ: رؤساء
الذرية وأسيادهم. ودينه أي: دين موسى، وهو الإسلام والتوحيد.
(٢) قوم أي: قومي. وآمنتم: عرفتْ قلوبكم وحدانيه الله وأن ما سواه مخلوق تحت سلطانه وتدبيره. وعليه توكلوا أي: فوضوا أمركم إليه وحده ولا تخافوا
غيره. والمسلمون: المستسلمون المنقادون لحكمه. وربنا أي: يا ربنا. حذف حرف النداء للمبالغة في التوكيد والتعظيم، وتأدبًا لما فيه من إشعار بمعنى الأمر
والتنبيه. ولاتجعلنا فتنة أي: لا تمتحنّا وتصيّرنا موضع امتحان وإضلال. والظالم: المتجاوز للحد بالكفر والعصيان. وفي النسخ: ((فيفتنوا بنا)». ونجنا: أنقذنا.
والرحمة: العطف بالإحسان. ومن القوم أي: من أيديهم وظلمهم. والكافر: من كذّب الله ورسوله.
(٣) أوحينا إليه أي: أمرناه على لسان جبريل. ومصر: البلد الكبير المعروف جنوب غربي فلسطين. انظر البحر ١٨٥:٥. والبيوت: جمع بيت. وهو بعض
الدار كالغرفة مثلًا. أي: ليتخذ كل منكم مسجدًا من داره للعبادة. وبيوتكم أي: التي اتخذت من دوركم، اختاروها مما يكون موجهًا نحو القبلة. وهي القدس
حينذاك. واجعلوا: صيّروا. والمصلى: مكان الصلاة. وأتموها أي: حافظوا على أدائها بشروطها وأركانها وآدابها. وبشره: أخبره بما يَسره ويسعده.
والمؤمن: الذي صدّق الله ورسوله يقينًا .
(٤) ربنا: انظر الآية ٨٥. وآتيت: أعطيت. والزينة: ما يُتزين به من اللباس والأثاث والمراكب. والأموال: جمع مال. وهو ما زاد على الزينة من الذهب
والفضة والمتاع. ويضل: يعدل وينحرف. وفي عاقبته أي: في نتيجة الإيتاء. يعني أن اللام قبل ((يضلوا)) هي للعاقبة والمآل، وليست للتعليل، أي: آتيتهم ذلك
ليشكروه ويؤمنوا، فصارت النتيجة وعاقبة أمرهم أنهم كفروا وضلوا عن سبيلك. واطمس عليها أي: أهلكها وامحقها. واطبع عليها أي: بثبوت الكفر
والعصيان. والقلوب: جمع قلب. ولا يؤمن أي: لا يصدّق اللهَ ورسوله ولا يعترف قلبه بالتوحيد. ويروا العذاب أي: ينزل بهم فيبصروه عيانًا ويعانوا ما فيه.
وأجيبت: قُبلتْ. والدعوة: طلب عقاب الكافرين. والراجح أن الأموال مُحقت فلم يكن فيها خير أو نفع. واستقيما: دوما على الصلاح، ولا تستعجلا
العقاب. وتتبع: تسلك. والسبيل: الطريق والتوجه. والذين لا يعلمون: الجهال لا يدركون حكمة القضاء. ومكث بعدها أي: ((بقيَ فرعون بعد الدعوة، وأنواعُ
العذاب تتوالى عليه))، كما جاء عن ابن عباس في الدر المنثور ٣١٥:٣ ومصادر أخرى. وليس المراد أنه «تأخّرَ نزولُ العذاب بعد الدعوة)) كما في الفتوحات
٢: ٣٧٠ والصاوي ٢: ٢٠١ وقرة العينين والمنحة ص ٢٨٠.

الجزء الحادي عشر
٢١٩
١٠ - سورة يونس
١- ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسرائيلَ البَحرَ، فأتَبَعَهُم﴾: لَحِقَهم ﴿فِرِعَونُ وجُنودُهُ، بَغْيًا
وعَدْوًا﴾: مفعول له. ﴿حَتَّى إذا أدرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ أنَّهُ﴾ أي: بأنه - وفي
قراءة بالكسر استئنافًا - ﴿لا إِلّهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائيلَ، وأنا مِنَ
الحزن
٢٢
المُسلِمِينَ﴾ ٩٠. كرّر ليُقبل منه، فلم يُقبل. ودسّ جبريل في فِيه من حَمْأة
البحر مخافةً أن تناله الرحمة، وقال له: ﴿آلآنَ﴾ تُؤمن، ﴿وقَد عَصَيتَ قَبلُ، وكُنتَ مِنَ
المُفسِدِينَ﴾ ٩١ بضلالك وإضلالك عن الإيمان؟ ﴿فاليَومَ نُنَجِّكَ﴾: نُخرجك من
البحر، ﴿بِبَدَنِكَ﴾: جسدِك الذي لا روح فيه، ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ﴾: بعدَك ﴿آيةً﴾:
عِبرة، فيعرفوا عُبوديّتك ولا يُقدموا على مِثل فِعلك. وعن ابن عبّاس أنّ بعض بني
إسرائيل شكّوا في موته، فأخرج لهم ليرَوه. ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أي: أهلِ مكّة
﴿عَنْ آيَاتِنا لَغافِلُونَ﴾ ٩٢ : لا يعتبرون بها .
٢- ﴿وَلَقَد بَوَّأْنَا﴾: أنزلْنا ﴿بَنِي إِسرائيلَ مُبَوَّأَ صِدقٍ﴾: منزلَ كرامةٍ - وهو الشام ومصر
- ﴿وَرَزَقْناهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فما اختَلَفُوا﴾ بأن آمن بعض وكفر بعض، (حَتَی جاءَهُمُ
العِلمُ. إنَّ رَبَّكَ يَقضِي بَيْنَهُم يَومَ القِيامةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٩٣ من أمر الدِّين،
بإنجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين .
٣- ﴿فَإِن كُنتَ﴾ - يا مُحمّد - ﴿فِي شَكٌّ، مِمّا أَنزَلْنَا إلَيكَ﴾ من القَصَص فَرْضًا،
﴿فاسألِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الكِتابَ﴾: التوراة ﴿مِن قَبلِكَ﴾ - فإنه ثابت عندهم - يخبروك
بصدقه. قال رَّه: ((لا أشُكُّ ولا أسألُ)). ﴿لَقَد جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ. فلا تَكُونَنَّ مِنَ
المُمْتَرِينَ﴾ ٩٤: الشاكّين فيه، ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ٩٥.
الجزء الثانى عشر
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّعَانِ سَبِيلَ
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٩) ﴾ وَجَوَزْنَا بِبَنِّ إِسْرَوِيلَ الْبَحْرَ
فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًّا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ
اُلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَِّيلَ
وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (جَاءَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ (@)
خَلْفَكَءَايَّةً وَإِنَّكَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ (
وَلَقَدْ بَوَّأْنَابَنِىّ إِسْرَِّيلَ مُبَوََّ صِدْقٍ وَرَزَقْتَهُمْ مِنَ الطَِّبَتِ
فَمَا اخْتَفُواْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْعِلْمَّ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ
فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿ فَإِن كُنتَ فِىِ شَكٍ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُ ونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَّ لَقَدْ جَاءَكَ
اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿ وَلَا تَكُونَنَ
مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ
﴿ إِنَّالَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَيُؤْمِنُونَ
(١) وَلَوْ جَآءَ تُهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوْاْلْعَذَابَ الْأَلِيمَ لَـ
٤- ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ﴾: وجبتْ ﴿عَلَيهِم كَلِمةُ رَبِّكَ﴾ بالعذاب ﴿لا يُؤمِنُونَ ٩٦، ولَو جاءَتْهُم كُلَّ آيةٍ، حَتَّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ٩٧ فلا ينفعَهم
(١) جاوزنا بهم: جعلناهم يتجاوزون، بأن صار لهم أرض يابسة بين الأمواج الخفيض المنشقة. وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب من أبنائه. والبحر: بحر القُلزُم
المعروف الآن بالأحمر. والجنود: واحده جندي. والبغي: طلب الاستعلاء بالباطل. والعذْو: تجاوز الحد بالظلم. وأدركه: كاد يقضي عليه. والغرق:
الاختناق بالماء. وآمنت: عرفتُ بقلبي وحدانية الله. وبالكسر يريد القراءة ((إنّهُ)). والإله: المعبود بحق وحده. ودس جبريل: هذا من حديث صححه الترمذي
تحت الرقمين ٣١٠٦ و٣١٠٧. انظر ((المفصل)). وفيه أي: فمه. والحمأة: الطين. والآنَ: في هذه اللحظة. وعصيت: دمت على الخروج من الطاعة. وقبلُ:
قبلَ الآنَ. والمفسد: المقترف للشر يُشيعه باختيار وقصد. واليوم: الزمن الذي كان فيه الغرق. والبدن: الجسد الضخم. وتكون: تصير. والتعميم في تفسير
الناس هو الصواب. والآيات: الدلائل على وحدانية الله وصفاته العلا .
(٢) الصدق: الصالح المحمود يصدق فيه الظن. ورزقناهم: خلقنا لهم ما ينتفعون به وهيأناه. والطيبات: ما يُستلذ من الطعام والشراب. واختلفوا أي:
تنازعوا في الدين. وجاءهم: أتاهم من عند الله وكُلّفوا به. والعلم: علم التوراة. وفي هذا ذم لهم، لأن العلم يجب أن يكون سببًا للاتفاق. وفيه ذم أيضًا
لقريش التي اختلفت بعد نزول القرآن الكريم. ويقضي: يحكم بالحق. واليوم: الزمن. والقيامة: قيام الناس من القبور بالبعث. وكانوا أي: وما زالوا.
(٣) الشك: الارتياب. وأنزلنا: أوحيناه في القرآن. وفرضًا أي: إن سُلُّم أنك وقعت في الشك، مع أن هذا الوقوع مستحيل. إذ المشهور أنّ ((إنْ)) لا تحتم
الوقوع أو الإمكان، بل قد تكون في الشرط المُحال وقوعه عقلًا أو عادة. انظر تفسير الآلوسي ٢٧٨:١١. واسأل: استخبر. ويقرؤون: يتلون. و((فإنه)) أي:
القصص الذي في الآيات ٧١-٩٣. والحديث مرسل، أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٢٦:٦ والطبري في ٢٠٢:١٥ عن قتادة. انظر الدر المنثور ٣١٧:٣.
وجاءك: أتاك بالوحي. والحق: ما ثبَتَ وقوعه. ومن ربك أي: من عنده وبأمره. ولا تكونن من الممترين أي: دم على حالك من اليقين. وهو خطاب للنبي
وَّر، والمراد به مَن يراوده الشك من المؤمنين. وكذلك ما في الآية ٩٥. وكذب: جحد وكفر. والآيات: النصوص القرآنية والأدلة الكونية على التوحيد.
وتكونَ: تصير. والخاسر: الذي فسد عمله وأهلك نفسه، فضيع الدنيا والآخرة.
(٤) كلمة ربك: علمه وقضاؤه بما يناسب اختيارَهم واستعدادهم السيئين، وإصرارَهم على الكفر والعصيان. والعذاب أي: في الدنيا أو الآخرة. ولا يؤمنون:
لا تعرف قلوبهم التوحيد والتصديق لله والرسول. وجاءتهم: أتتهم كما يطلبون. والآية: المعجزة والدلالة على التوحيد. ويروا العذاب: أي: يصيبهم فيقاسوا
شدته. ولا ينفعهم أي: الإيمان في ذلك الوقت، لأنه إيمان اضطرار بعد نزول العذاب بهم. والمراد بهم هنا مشركو قريش الذين يقترحون نزول الآيات مكابرة
وعنادًا، ثم من يكون مثلهم في كل زمان ومكان. والقرية: البلدة. وأريد أهلها: يعني أنه ذكرت القرية والمراد مَن فيها من الناس. وهلّا آمنت أي: لم تؤمن
تلك الأمم إلّا مضطرة كما كان من فرعون. ونفعها إيمانها أي: قَبِلَه الله منها، فكشف عنها العذاب وتاب عليها. وقوم يونس: أهل نِينَوَى قرب الموصل من
العراق، كانوا يعبدون الأصنام. وآمنوا: صدّقوا الله ورسوله يقينًا. والأمارة: العلامة والدلالة القاطعة. وكشفنا: منعنا. والخزي: الغضب والإذلال.
ومتعناهم: هيّأنا لهم ما ينتفعون به من الخيرات. والحين: الوقت. وهو وقت محدّد.

١٠ - سورة يونس
٢٢٠
الجزء الحادي عشر
سُورَة ◌ُونثرة
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةً ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَُّهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآَ
ءَامَنُواْ كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَيَوَةِالدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُ
إِلَى حِينٍ ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَ مَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ
جَمِيعًاً أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (يَاوَمَا
كَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَجْعَلُ الرَّحْسَ
﴿﴿ قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِى السَّمَوَاتِ
عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِى الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ()
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمّْ
قُلْ فَانْتَظِرُ واْ إِنِى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لَاثُوَّنُنَجِى
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ
﴿ قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَ كُمْ فِ شٍَّ مِّن دِينِ فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ
تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهُ الَّذِى يَتَوَقَّنَكُمْ وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّينِ حَنِيفًا
وَلَا تَكُونَنَّمِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكٌ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّالِمِينَ(
حينئذ. ﴿فَلَولا﴾: فهلّا ﴿كانَت قَرْيةٌ﴾، أُريد أهلُها، ﴿آمَنَت﴾ قبل نزول العذاب بها ،
﴿فَتَفَعَها إِيمانُها، إلّا﴾ لكن ﴿قَومَ يُونُسَ، لَمّا آمَنُوا﴾ عِند رؤية أمارة العذاب، ولم.
يُؤخِّروا إلى حُلوله، ﴿كَشَفْنا عَنْهُم عَذابَ الخِزىٍ في الحَياةِ الدُّنيا، ومَتَّعْنَاهُم إِلَى
حِينٍ﴾ ٩٨: انقضاءِ آجالهم.
١- ﴿وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرضِ كُلَّهُم جَمِيعًا - أفأنتَ تُكرِهُ النّاسَ﴾ بما لم
يشأه الله منهم، ﴿حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ ٩٩؟ لا - ﴿وما كانَ لِنَفْسِ أن تُؤْمِنَ إلّا بِإِذْنِ
اللهِ﴾: بإرادته، ﴿ويَجعَلُ الرِّجسَ﴾: العذاب ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١٠٠ : يتدبّرون
آياتِ الله .
٢- ﴿قُل﴾ لكُفّار مكّة: ﴿انظُرُوا ماذا﴾ أي: الذي ﴿فِي السَّماواتِ والأرضِ﴾، من
الآيات الدالّة على وحدانيّة الله، تعالى. ﴿وما تُغنِي الآياتُ والنُّذُّرُ﴾: جمع نذير أي:
الرُّسل ﴿عَن قَوم لا يُؤمِنُونَ﴾ ١٠١ في عِلم الله، أي: ما تَنفعهم. ﴿فَهَل﴾: فما
﴿يَنْتَظِرُونَ﴾ بتكذّبك ﴿إِلَّا مِثلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبْلِهِم﴾ من الأُمم أي: مِثلَ
وقائعهم من العذاب؟ ﴿قُلْ: فانتَظِرُوَا﴾ ذلك. ﴿إِنِّي مَعَكُمٍ مِنَ المُنْتَظِرِينَ ١٠٢. ثُمَّ
نُنَجِّيٍ﴾ - المضارع لحكاية الحال الماضية - ﴿رُسْلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ من العذاب.
﴿كَذْلِكَ﴾ الإنجاءِ ﴿حَقًّا عَلَينا نُنْجِي المُؤمِنِينَ﴾ ١٠٣: النبيَّ وأصحابه، حين تعذيب
المشركين .
٣- ﴿قُلْ: يا أيُّها النّاسُ﴾ أي أهلَ مكّةَ، ﴿إِن كُنتُم في شَكَّ مِن دِينِي﴾ أنّه حقّ ﴿فلا
أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أي غيرَه - وهو الأصنام - لشكِّكُم فيه، ﴿وَلَكِن أعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُم﴾ يَقْبِضُ أرواحكم، ﴿وأُمِرتُ أن﴾ أي:
بأن ﴿أَكُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ ١٠٤، و﴾ قيل لي: ﴿أن أقِمْ وَجهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾: مائلاً إليه، ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشرِكِينَ ١٠٥، ولا تَدْعُ﴾: تعبدْ ﴿مِن
دُونِ اللهِ ما لا يَنفَعُكَ﴾ إن عبدتَه، ﴿ولا يَضُرُّكَ﴾ إن لم تعبده. ﴿فإن فَعَلتَ﴾ ذلك، فَرْضًا، ﴿فإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّالِمِينَ ١٠٦، وإن يَمسَسْكَ﴾: يُصِبْك
﴿اللهُ بِضُرِّ﴾، كفقر ومرض، ﴿فلا كاشِفَ﴾: رافعَ ﴿لَهُ إلّا هُوَ، وإن يُرِدْكَ بِخَيرٍ فلا رادً﴾: دافعَ ﴿الِفَضِلِهِ﴾ الذي أرادك به. ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ أي:
بالخير ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. وَهْوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١٠٧ .
(١) روي أن الآية نزلت في أبي طالب، لأنه لم يستجب للدعوة ومات على ملة عبد المطلب. البحر ١٩٣:٥. وشاء: أراد الإيمان للناس. والمعنى: لم يشأ
الله ذلك فما آمنوا كلهم جميعًا. وإنما آمن الذين فيهم استعداد طيب واختيار للصلاح. وتُكرههم: تحملهم قسرًا. ويكونوا: يصيروا. و((لا)) يعني: ليس إليك
ذلك، ولكنه لله وحده. وما كان: ما صح وما استقام. والنفس: الفرد من المخلوقات العاقلة. وتؤمن: يعرف قلبها التوحيد وما يلزمه. والمراد: ما كان لنفس
أن تختار إيمانها إلّا ملتبسةً بإرادة الله. فهو يُمدّها بما يناسب استعدادها الطيب واختيارها للحق، عندما تطلبه وتسعى له. ويجعل: يقدّر ويوقع. والرجس:
الشيء المؤذي.
(٢) لكفار مكة أي: وغيرها أيضًا. وانظروا: تأملوا بالأبصار والبصائر. والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. والآيات: البراهين الدالة على
التوحيد. وتغني عنه: تكفيه وتنفعه. والنذير: الرسول يهدد بالعذاب من يصرّ على الكفر. والقوم: الجماعة من الناس رجالاً ونساء. ولا يؤمنون: لا تعرف
قلوبهم التوحيد. و((ما تنفعهم)) تفسير ((ما تغني))، يعني: ما تنفعهم الآيات والنذر لأنهم لا يتدبرون، تجاهلًا ومكابرة، فثبت فيهم الضلال لعلم الله ما في
نفوسهم، من الإصرار على الكفر والعناد. وفي الأصل وخ: ((ما ينفعهم)). وهو تفسير للقراءة الشاذة ((وما يُغني)). انظر الكشاف ٣٧٣:٢. وينتظر: يتوقع.
وبتكذيبك أي: بعد تكذيبك ونتيجة له. والأيام: جمع يوم. وهو زمن الوقيعة التي كانت فيه، استعمل للدلالة على الوقيعة نفسها. وخلوا: هلكوا.
والمنتظرين: المتوقعين. وننجي: نُنقذ من العذاب. والرسل: جمع رسول. وحقًا أي: واجبًا علينا بمقتضى الفضل. و((نُنْجي)) كذا بالياء، لبيان القراءة التي
اختارها السيوطي.
(٣) التعميم في تفسير الناس أولى، ليشمل جميع من كفر بالإسلام في ذلك الوقت. والشك: التردد بين الإثبات والإنكار. والدين: العقيدة والشريعة. وهو
الإسلام دين التوحيد. وأعبده: أقدسه وأطيعه. وأمرت: أُعلمتُ وأُلزمت. ومن المؤمنين أي: الذين أيقنوا بما دل عليه العقل ونطق به الوحي. وأقم وجهك
أي: سدّد نفسك للإقبال على ما أُمرت به. وإليه أي: إلى الدين. وتكون: تصير. والمشرك: الذي يدعو مع الله بعض المخلوقات، يقدسها ويطيعها في
المعاصي. ودونه أي: غيره. وينفع: يجلب الخير. ويضر: يجلب الضر والإيذاء. وفعلته: اكتسبته. والخطاب للنبي ◌ّ 9، ويشمل أيضًا غيره من الناس.
وفرضًا: انظر تفسير الآية ٩٤. والظالم: الكافر تجاوز الحد بالشرك. والضر: الأذى. ويريدك: يقدّر عليك ويقضي. والخير: ما فيه نفع وفائدة. والفضل:
التفضل بزيادة النعم. ويصيب به أي: يقضيه ويخص به. و((بالخير)) كذا. والصواب: بالمذكور من الضر والخير. ومن يشاء أي: من يريد إصابته. والعباد:
جمع عبد. والغفور والرحيم: من المغفرة، أي: ستر الذنوب وعدم المؤاخذة عليها، ومن الرحمة. وهي العطف والإحسان بالنعم.