Indexed OCR Text
Pages 181-200
الجزء التاسع ١٨١ ٨ - سورة الأنفال ١- ﴿وما لَهُم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ بالسيف، بعد خُروجك والمُستضعفين - وعلى القول الأوّل هي ناسخة لما قبلها، وقد عذّبهم الله ببدر وغيره - ﴿وهُم يَصُدُّونَ﴾: يمنعون النبيّ والمُسلمين ﴿عَنِ المَسجِدِ الحَرامِ﴾ أن يطوفوا به، ﴿وما كانُوا أَولِياءَهُ﴾ كما زعموا؟ ﴿إِنْ﴾: ما ﴿أَولياؤُهُ إلّ المُتَّقُونَ، ولَكِنَّ أكثَرَهُم لا يَعلَمُونَ﴾ ٣٤ أن لا ولاية لهم عليه. ﴿وما كانَ صَلاتُهُم عِندَ البَيتِ إلّا مُكاءً﴾: صفيرًا ﴿وتَصدِيةً﴾: تصفيقًا، أي: جعلوا ذلك موضع صلاتهم التي أُمروا بها. ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ يبدر ﴿بِما كُنتُم تكفُرُونَ﴾ ٣٥. ٢- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أموالَهُم﴾ في حرب النبيّ، ﴿لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ. فسَيُنفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ﴾ في عاقبة الأمر ﴿عَلَيهِم حَسْرةً﴾: ندامة، لفواتها وفوات ما قصدوه، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ في الدُّنيا - ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ في الآخِرة ﴿يُحْشَرُونَ﴾ ٣٦: يُساقون - ﴿لِيَمِيزَ﴾: مُتعلّق بـ ((تكونُ))، بالتخفيف والتشديد، أي: يَفْصِلَ ﴿اللهُ الخَبِيثَ﴾: الكافرَ ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾: المُؤمنِ، ﴿ويَجعَلَ الخَبِيثَ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ، فَيَرِكُمَهُ جَمِيعًا﴾: يجمعَه متراكبًا بعضُه فوق بعض، ﴿فَيَجعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ. أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ٣٧ . سُوَّةِ الأَزْمَلِك الجزءُ التَّارة وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّ بَهُمُ اللَّهُوَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُ: إِنْ أَوْ لِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ أَعِندَ اُلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءُ وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّ وا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَبُ وَالَّذِينَ كَفَرُوّا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ جَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ اُلْخَبِيثَ بَعْضَهُ, عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ. فِى جَهَتَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوْاْ إِن يَنْتَهُواْيُغْفَرْ لَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ وَإِنِ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّثُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٦) وَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّاللَّهَ مَوْلَئِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ٣- ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، کأبي سفيانَ وأصحابِهِ: ﴿إِن يَنْتَهُوا﴾ عن الكُفر وقِتال النبيّ وَ﴿ ﴿يُغْفَرْ لَهُم ما قَد سَلَفَ﴾ من أعمالهم، ﴿وإن يَعُودُوا﴾ إلى قِتاله ﴿فَقَد مَضَت سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ٣٨ أي: سُنْتُنا فيهم بالإِهلاك. فكذا نفعل بهم. ﴿وقاتِلُوهُم حَتَّى لا تَكُونَ﴾: تُوجَدَ ﴿فِتْنَةٌ﴾: شِركٌ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلِهِ﴾ وحده ولا يُعبَدَ غيرُه. ﴿فإنِ انتَهَوا﴾ عن الكُفر ﴿فإنَّ اللهَ بِما يَعمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣٩، فيُجازيهم به، ﴿وإن تَوَلَّوا﴾ عن الإِيمان ﴿فاعلَمُوا أَنَّ اللهَ مَولاكُم﴾: ناصركم ومُتولّي أُموركم، ﴿نِعمَ المَولَى﴾ هو، ﴿ونِعمَ النَّصِيرُ﴾ ٤٠ أي: الناصرُ لكم! (١) بالسيف أي: بالسلاح. و((ناسخة)) يعني أن هذه الآية ناسخة لحكم الآية التي قبلها. وقوله بالنسخ هنا يخالف الصواب، لأن النسخ مقصور على الأمر والنهي، والآية هذه ليس فيها ذلك. انظر الإتقان ٤٥:٢. وببدر أي: في لقاء يوم بدر. وما كانوا أولياءه أي: ليسوا ولاة أمره ولا متأهلين لذلك. والأولياء: جمع ولي. وهو مالك الأمر والتصرف. والمتقون: الذين يخافون الله ويطلبون الرضا. وأكثرهم: العدد الوافر منهم. يعني أن منهم من يعلم كذب دعواهم، ويعاند ظلمًا ومكابرة. ويعلم: يدرك ويعي. والصلاة: العبادة والدعاء. والبيت أي: البيت الحرام. وموضع صلاتهم يعني: بدلًا من صلاتهم. انظر ((المفصل)). وذوقوه أي: قاسوا شدته. والعذاب: التعذيب أسرًا وقتلًا وذلة. وتكفرون أي: تكذبون وتجحدون آيات التوحيد والنبوة. والخطاب للمشركين من القتلى والأسرى والهاربين. وهذا يعني أن الآيات ٣٠-٣٦ هي مدنية، كما زدنا في مستهل تفسير السورة عن التلخيص. وانظر الإتقان ١٥:١-٢٨. (٢) ينفق: يبذل ويصرف. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. وحرب النبي يعني غزوة بدر وما بعدها. والحكم في الآيتين يعم من أشبه المشركين، في محاربة الإسلام والمسلمين. ويصد: يمنع. وسبيل الله: دين التوحيد. وتكون: تصير. ويغلبون: يقهرون في الحرب ويخسرون ما يعتزون به. وكفروا: أصروا على الكفر وماتوا عليه. وجهنم: اسم علم لدار العقاب. ومتعلق: يعني أن حرف الجر والمصدر المؤول في ((ليميز)) متعلقان بالفعل: تكون. وبالتشديد يريد القراءة ((لِيُمَيِّزَ)). والتفسير بالمؤمن والكافر لا يناسب ما ذكره من التعلق بـ ((يكون)). ففي البيضاوي أنّ هذا التعلقَ يكون المَيز فيه لما أنفقه المشركون مما أنفقه المسلمون، والتعلقَ بـ ((يحشر)) أو ((يغلب)) إذا كان المَيز للكافر من المؤمن. وانظر تفسير الآلوسي ٢٩٧:٩-٢٩٨. فقد لفّق السيوطي بين وجه من التفسير وآخر من الإعراب. والتعلق بـ ((يحشر)) يعني أن الميز يكون في الآخرة لا في الدنيا، وأن ما قبله ليس اعتراضًا. ويجعل: يلقي. والبعض: القسم من الشيء. و((يجمعه ... بعض)) تفسير لقوله تعالى: يركمه. وإنما يتراكب لكثرته وازدحامه. ويجعله: يقذفه. والخاسرون أي: الذين ضيعوا أنفسهم وأعمالهم وما كانوا ينتظرون من خير. (٣) قل لهم أي: خاطبهم بالقول جهارًا. والأمر موجه إلى النبي وَّر ويعم جميع المسلمين. والقول موجه إلى الكافرين، وإنما جعل بضمير الغائبين استهانة بهم. وأبو سفيان: سيد المشركين قبل إسلامه. وأصحابه أي: الكافرون من قريش وغيرها. وينتهوا: يكفوا ويمتنعوا. ويُغفر: يُستر ويُتجاوز عنه. وسلف: وقع فيما مضى. ويعودوا أي: يرجعوا مرة ثانية. ومضت: سبقت واستقر تنفيذها. والسُّنّة: الحكم والقضاء بالعقاب لكل كافر يصرّ على الكفر والعصيان والمحاربة. والأولون: الأمم الكافرة الماضية. وقاتلوهم أي: حاربوهم بالسلاح وغيره. وفتنة أي: فساد وبلاء يعمان العالم كله. وتفسيرها بالشرك لأنه سببها. ويكون أي: يصير ويتحقق. وانتهى: امتنع وكفّ وتوجه إلى الإيمان والطاعة. ويعملون أي: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل. والبصير: الخبير بالخفي ودقائق الأمور كما في ظاهرها وجهرها. وبه أي: بما يعملونه. وتولوا: أعرضوا وتأبوا، أي: لم ينتهوا عن الكفر والقتال. واعلموا أي: دوموا على الإدراك اليقيني. ونعم: بلغ الغاية في الخير والكمال والعون والتأييد. وقوله ((هو)) يعني أن هذا الضمير - ويعود على لفظ الجلالة - هو المخصوص بالمدح، يكون له ذلك مرتين: الأولى في ذكر ((المولى))، والثانية في تقديره مخصوصًا ومبتدأ للجملة قبله، وهي في محل رفع خبر مقدم. والنصير: المعين والمغلّب على العدو والبلاء. ٨ - سورة الأنفال ١٨٢ الجزء العاشر سُورَة الأَنصالا ﴿ وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَأَنَّلِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ ءَامَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِ نَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَّقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَاوَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَأَ خْتَلَفْتُمْ فِ اُلْمِيعَدِ وَلَكِنْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرَّاكَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ إِذْيُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ () وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْاَلْتَقَيْتُمْ فِيَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٤٥ ١- ﴿واعلَمُوا أَنَّ ما غَنِمتُم﴾: أخذتم من الكُفّار قهرًا، ﴿مِن شَيءٍ، فأَنَّ للهِ خُمُسَهُ﴾ يأمرُ فيه بما يشاء، ﴿ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُربَى﴾: قرابةِ النبيّ ◌َّر من لِجْزِبُ﴾ بني هاشم والمُطّلبِ، ﴿وَالْيَتَامَى﴾: أطفالِ المُسلمين الذين هلك آباؤهم وهم فقراء، ﴿وَالمَساكِينِ﴾: ذوي الحاجة من المُسلمين، ﴿وابنِ السَّبِيلِ﴾: المنقطع في سفره من المسلمين - أي: يستحقّه النبيّ والأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أنّ لكُلِّ خُمُسَ الخُمُسِ، والأخماس الأربعة الباقية للغانمين - ﴿إِن كُنتُم آمَنتُم بِاللهِ﴾ فاعلموا ذلك، ﴿وما﴾ - عطف على ((بالله)) - ﴿أَنزَلْنَا عَلَى عَبدِنا﴾ مُحمّد من الملائكة والآيات، ﴿يَومَ الفُرقانِ﴾ أي: يوم بدرِ الفارقِ بين الحقّ والباطل، ﴿يَومَ التَّقَى الجَمعانِ﴾: المسلمون والكُفّار. ﴿واللهُ علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤١، ومنه نصركم مع قلّتکم وکثرتهم. ٢- ﴿إِذ﴾ - بدلٌ من ((يوم)) - ﴿أَنتُم﴾ كائنون ﴿بِالعُدْوةِ الدُّنيا﴾: القُربَى من المدينة، وهي بضمّ العين وكسرها: جانبِ الوادي، ﴿وهُم بِالعُدْوةِ القُصوَى﴾: البُعدى منها، ﴿وَالرَّكبُ﴾: العِير كائنون بمكانٍ ﴿أسفَلَ مِنكُم﴾ ممّا يلي البحر، ﴿وَلَو تَواعَدتُم﴾ أنتم والنفير لِلقِتال ﴿لَاختَلَفْتُم في المِيعادِ، ولَكِنْ﴾ جمعَكم بغير مِيعاد ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أمرًا كانَ مَفعُولًا﴾ في عِلمه. وهو نصر الإِسلام ومحق الكُفر. فعلَ ذلك ﴿لِيَهلِكَ﴾: يَكفرَ ﴿مَن هَلَكَ عَنِ بَيِّنةٍ﴾ أي: بعد حُجّة ظاهرة قامت عليه - وهي نصر المؤمنين مع قِلّتهم على الجيش الكثير - ﴿وَيَحْيا﴾: يُؤْمنَ ﴿مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ. وإنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٤٢. ٣- اذكرْ ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَنامِكَ﴾ أي: نومك ﴿قَلِيلًا﴾، فأخبرتَ به أصحابك فسُرّوا، ﴿وَلَو أراكَهُم كَثِيرًا لَفَشِلْتُم﴾: جَبُنتم، ﴿وَلَتَنَازَعْتُم﴾: اختلفتم ﴿في الأمرِ﴾: أمر القتال، ﴿ولَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾ كم من الفشل والتنازُع - ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ٤٣: بما في القُلوبِ - ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمِ﴾، أيُّها المُؤمنون، ﴿إِذِ التَقَيتُم في أعيُنِكُم قَلِيلًا﴾ نحوَ سبعين أو مِائَة، وهم ألف لتُقدِموا عليهم، ﴿ويُقَلَّلُكُم في أعيُنِهِم﴾ ليُقْدِموا ولا يرجعوا عن قِتالكم - وهذا قبل التحام الحرب. فلمّا التحم أراهم إيّاهم مِثْلَيهم كما في ((آل عمران)) - ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أمرًا كانَ مَفعُولًا. وإِلَى اللهِ تَرجِعُ﴾: تصير ﴿الأُمُورُ﴾ ٤٤. ٤- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إذا لَقِيتُم فِئَةَ﴾: جماعة كافرة ﴿فاثبُتُوا﴾ لقتالهم ولا تنهزموا، ﴿واذكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾: ادعوه بالنصر، ﴿لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ﴾ ٤٥: تفوزون، ﴿وأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ، ولا تَنازَعُوا﴾: تختلفوا فيما بينكم، ﴿فَتَفشَلُوا﴾: تجبُنوا ﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُم﴾: قُوّتكم ودَولتكم، ﴿واصبِرُوا - إنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ٤٦ بالنصر والعون - ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم﴾، ليمنعوا عِيرهم، ولم يرجعوا بعد نجاتها (١) غنمت الشيء: فزت به بعد جهد. والخمس: قسم من خمسة أقسام الشيء. وذو القربى: الذي له صلة قرابة بالنسب. وهاشم: عمرو بن عبد مناف. والمطلب: الفيض بن عبد مناف. وهما من أعمام النبي ◌َ ◌ّر. واليتامى: جمع يتيم. وهو الطفل مات أبوه. والمساكين: جمع مسكين. والسبيل: الطريق. وابنه: من يريد الرجوع إلى بلده ولم يجد ما يتبلغ به. والأربعة: يعني أن الأخماس الباقية من الغنائم هي للمحاربين. واليوم: الوقت. والتقى: تحارب. وقدير: من القدرة. وهي الاستطاعة والتمكن مطلقًا. (٢) العدوة: المكان المرتفع. والمدينة أي: المنورة. وبكسره يريد القراءة ((بالعِدوة)» هنا وفيما يلي. والوادي: وادي بدر. وهم أي: جماعة الكفار. والركب: الراكبون للإبل واحده راكب. والعِير: القافلة التي بقيادة أبي سفيان. وأسفل: أخفض. يعني أن القافلة كانت في مكان منخفض قريب من الجيشين. والبحر: البحر الأحمر. وتواعدتم: واعد بعضكم بعضًا للقاء. واختلفتم فيه: لم تستطيعوا تنفيذه، لتخلف أحد الطرفين أو كليهما. ويقضي: ينفّذ. والأمر: الحادث. ومفعولًا: واقعًا لابد منه. ويكفر أي: يدوم على الكفر. وهلك: كفر. ويحيا أي: يدوم على الإيمان. وحيّ: آمن. وسميع عليم: من السمع والعلم، أي: سميع لأقوالكم وأقوالهم، عليم بنياتكم ونياتهم. (٣) قليلًا أي: يسيرًا قدرهم وأنهم مغلوبون. انظر ((المفصل)). وفي الأصل: ((وتنازعتم)). وسلمكم: أنعم عليكم بالسلامة. وعليم: خبير بالخفايا ودقائق الخطرات. وذات الصدور: الملازمة لها لا يطلع عليها الآخرون. والصدور: جمع صدر، أريد به القلب. ويريكموهم: يُبصِّركم إياهم. والتقيتم أي: في الحرب. والأعين: جمع عين. ويقللكم: يجعلكم قليلين ويهوّن أمركم. و((هذا)) أي: تقليل المسلمين في أعين الكفار. والحرب مؤنثة وقد تذكّر. وأراهم إياهم: يعني أن الله أرى المشركين عدد المسلمين في حدود الألفين. وآل عمران: يعني الآية ١٣ من تلك السورة. وانظر الآية ٤٢. وإلى الله أي: إلى حكمه وقضائه. وفي ط وبعض المطبوعات: (تُرجَعُ)). والأمور: جمع أمر. وهو الشأن والحال. (٤) اذكروا الله: ردّدوا اسمه بالتكبير والدعاء. وتفوزون أي: بالنصر والثواب. وأطيعوا الله: انقادوا لأمره ونهيه. وتذهب: تزول وتمحي. والريح: الهواء الشديد النافذ، استعيرت للقوة. واصبروا: تحملوا الشدائد. وتنازعوا: تتنازعوا. ولا تكونوا أي: لا تصيروا. والديار: جمع دار. والعير: القافلة التي معها تجارة قريش. انظر ((المفصل)). والبطر: الطغيانُ بالنعمة. والرئاء: الرياء. والجزور: ما يصلح من الإبل للذبح. والقيان: جمع قَينة. وهي الجارية المغنية. ويصدون: يمنعون. وسبيل الله: دين التوحيد. ويعملون أي: يكتسبونه. وبالتاء يريد قراءة «تَعمَلُونَ)). الجزء العاشر ١٨٣ ٨ - سورة الأنفال ﴿بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ﴾، حيثُ قالوا: ((لا نرجِعُ حتّى نشربَ الخمر وننحرَ الجَزور، وتَضربَ علينا القيانُ ببدر، فيتسامعَ بذلك الناسُ))، ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ الناس ﴿عَن سَبِيلٍ اللهِ. واللهُ بِما يَعمَلُونَ﴾ - بالياء والتاء - ﴿مُحِيطٌ﴾ ٤٧ عِلمًا، فيُجازيهم به . ١- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ﴾: إبليس ﴿أعمالَهُم)، بأن شجّعهم على لِقاء المُسلمين، لمّا خافوا الخُروج من أعدائهم بني بكر، ﴿وقالَ﴾ لهم: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَومَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي جارٌ لَكُم﴾ من كِنانة. وكان أتاهم في صُورة سُراقةَ بنِ مالكٍ سيّدِ تلك الناحية. ﴿فَلَمّا تَراءتِ﴾: التقَتِ ﴿الفِئَتَانِ﴾ المُسلمة والكافرة ورأى الملائكةَ، وكان يده في يد الحارث بن هشام، ﴿نَكَصَ﴾: رجَع ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ هاربًا، ﴿وقالَ﴾ لمّا قالوا له: ((أَتَخذُلُنا على هذا الحال)»؟: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنكُم﴾: من جِواركم. ﴿إِنِّيَ أُرَى ما لا تَرَونَ﴾ من الملائكة. ﴿إِنِّيَ أخافُ اللهَ﴾ أن يُهلكني، ﴿واللهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ٤٨. ٢- ﴿إِذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾: ضعفُ اعتقاد: ﴿غَرَّ هُؤُلاءِ﴾ أي: المسلمين ﴿دِينُهُم﴾، إذ خرجوا مع قِلّتهم يُقاتلون الجمع الكثير، توهّمًا أنهم يُنصرون بسببه. قال تعالى في جوابهم: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾: يَثِقْ بِهِ يَغْلِبْ، ﴿فإنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: غالب على أمره، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٤٩ في صُنعه. سُورَةِ الْأَنْقَالـ وَأَطِيعُوْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْوَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَأَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِئَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيِّطُ [﴾ وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اُلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ اُلْفِئَتَانِ نَكَّصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَى بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَرَّهَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَ كَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِ يزٌ حَكِيمٌ وَلَوَ تَرَىّ إِذْ يَنَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْالْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ◌ّ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِ يكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعِبِيدِ كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُالْعِقَابِ ٥٢ ٣- ﴿وَلَو تَرَى﴾ - يا مُحمّد - ﴿إِذْ يَتَوَفَّى﴾، بالياء والتاء، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا الملائكةُ، يَضرِبُونَ﴾: حالٌ ﴿وُجُوهَهُم وأدبارَهُم﴾ بمقامعَ من حدید، ﴿و﴾ يقولون لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ ٥٠ أي: النارِ. وجواب ((لو)): لرأيت أمرًا عظيمًا. ﴿ذُلِكَ﴾ التعذيب ﴿بِما قَدَّمَتْ أيدِيكُمْ﴾ - عُبّر بهما دون غيرهما لأنّ أكثر الأفعال تُزاول بهما - ﴿وأنَّ اللهَ لَيسَ بِظَلَام﴾ أي: بذي ظُلم ﴿لِلعَبِيدِ﴾ ٥١، فيُعذِّبَهم بغير ذنب. دأبُ هؤلاء ﴿كَدأُبٍ﴾: كعادةِ ﴿آلِ فِرْعَونَ وَالَّذِينَ مِن قَبلِهِم، كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ﴾ بالعِقاب ﴿بِذُنُوبِهِم﴾. جُملة «كفروا» وما بعدها: مفسِّرة لما قبلها. ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ﴾ على ما يُريده، ﴿شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٥٢. (١) زين أعمالهم: حسّن لهم الكفر والعصيان. ولما خافوا أي: لما توقع المشركون من أعدائهم بني بكر بن عبد مناة أن يهاجموا الأهل، حين الخروج من مكة. والجار: الناصر الحامي. وكنانة: قبيلة في مكة، ومنها بنو بكر. و((في صورة سراقة)) هذا خبر عن الغيب، لايثبت إلّا بنص شرعي من القرآن أو السنّة. فهو مردود، والراجح أن تزيين الشيطان هنا من باب مجاز التمثيل للوسوسة والتضليل. انظر ((المفصل)). وسراقة كان سيدًا يعتمد عليه المشركون في تعقب المسلمين. وتراءت الفئتان: رأت الجماعتان كل منهما الأخرى. وكان أي: سراقة. والحارث بن هشام هو أبو جهل. ونكص: انقلب. والعقب: مؤخر الرِّجل. أي: ارتد وبطل كيده. وشديد العقاب أي: شديدٌ عقابُه. (٢) المنافقون: قوم من الأنصار واليهود، بقوا في المدينة ولم يشهدوا بدرًا. والذين في قلوبهم مرض هم بعض المسلمين لم يهاجروا، وخرجوا مع المشركين فقُتلوا جميعًا. والقلوب: جمع قلب. ودينهم أي: اعتقادهم الجديد بالتوحيد وشريعة الإسلام. ويتوكل عليه أي: يعوّل على إحسانه ويفوّض أمره إليه، بعد الاستعداد والإعداد اللازم. والحكيم: الذي يفعل بحكمته البالغة ما قد يستبعده العقل ويعجز عن إدراكه. (٣) ترى: تبصر بعينك. والخطاب أيضًا لكل قارئ وسامع تعريضًا بالكفار. ويتوفاهم: يستوفي آجالهم، أي: يقبض أرواحهم. وبالتاء يريد القراءة ((تَتَوَفَّى)). وكفر: جحد التوحيد والنبوة. والملائكة: جمع ملَك، مخلوقات نورانية معصومة مطهرة. والمراد بهم ملك الموت وأعوانه. ويضرب: يقرع ويصفع بشدة. والوجوه: جمع وجه. والأدبار: جمع دبر. وهو خلفُ الإنسان. والمراد جهات الأمام والخلف، أي: كل جانب منهم. وإنما ذكرت الأدبار للتشنيع والتحقير. والمقامع: جمع مِقمعة. وهي كالعصا مُعوَجّة الرأس، يضرب بها للإذلال والإهانة. وذوقوا أي: تحسسوا وقاسوا. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. والحريق: المُحرق. والمراد: عذاب الحريق بالنار. و((لرأيت)) يعني أن هذا هو جواب الشرط، وقد حذف للتهويل، إذ يتصور كل إنسان فيه ما يناسبه. والتعذيب: ما يكون وقت الموت والعقاب. وقدمت أيديكم: اكتسبتم وجنيتم من الكفر والعصيان، فيما مضى. والأيدي: جمع يد. وبهما أي: باليدين. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((عبر بها دون غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها)). وتفسير (ظلام)) بذي ظلم يعني أن ((ظلام)) ليس مبالغة اسم الفاعل، وأنه صيغة نسب نحو: عطّار وسيّاف. وفيه معنى المبالغة أيضًا. والنفي لمصاحبة الظلم أبلغ من نفي القيام به، ويعني إثبات العدل مؤكدًا. والنفي للمبالغة هو مبالغة في النفي. والعبيد: جمع عبد. وهو المملوك خلقًا وتصرفًا وتعبدًا. وانظر الآية ١١ من سورة آل عمران. وهؤلاء أي: كفار قريش. وآل فرعون: قومه وأعوانه وهو فيهم أيضًا. والذين من قبلهم: كفار الأمم السابقة. وكفروا: كذّبوا وجحدوا. والآيات: آيات الكتب السماوية والمعجزات المؤيدة للرسل. وأخذهم: انتقم منهم ونكل بهم. والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية عليها عقاب. وأخذهم اللهُ بذنوبهم: تفسير للدأب، بما فيه من كفر وعقاب. والقوي: الكامل القدرة لا يعجزه شيء بحال من الأحوال. ٨ - سورة الأنفال ١٨٤ الجزء العاشر الجزء الحرية سُورَة الاتفاللِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ أكَدَأْبِ ءَالٍ ٥٣ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِنَايَتِ رَبِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم ٥٤ ◌ِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآءَ الَ فِرْعَوْنَ وَكُلَ كَانُواْ ظَلِمِينَ إِنَّ شَرَّ الَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِالَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَهَدَتَ مِنْهُمْ ثُمَّيَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ ﴿ فَإِمَّا نَتَقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَ يُحِبُّ الْخَايِنِينَ ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ سَبَقُوْاْإِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُواْلَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَانَعْلَمُونَهُمِّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَقَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ (٦ ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمٌ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١ - ﴿ذلِكَ﴾ أي: تعذيب الكفرة ﴿بأنَّ﴾ أي: بسبب أنّ ﴿اللهَ لَم يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمةً أنعَمَها عَلَى قَومٍ﴾: مبدّلًا لها بالنقمة، ﴿حتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنفُسِهِم): يُبدّلوا نِعمتهم كُفرًا، كتبديل كُفّار مكّة إطعامَهم من جوع وأمنَهُم من خوف وبَعْثَ النبيّ إليهم، بالكُفر والصدّ عن سبيل الله وقِتال المؤمنين، ﴿وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِمٌ ٥٣، كَدْأُبٍ آَلِ فِرِعَونَ والَّذِينَ مِن قَبَلِهِم، كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم، فأهلَكْناهُم بِذُنُوبِهِم، وأغرَقْنا آلَ فِرْعَونَ﴾: قومَه معه، ﴿وَكُلِّ﴾ من الأُمم المُكذّبة ﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ ٥٤. ٢- ونزل في قُريظةَ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا - فَهُم لا يُؤمِنُونَ ٥٥- الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُم﴾ ألّا يُعينوا المشركين، ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهِدَهُم في كُلِّ مَرّةٍ﴾ عاهدوا فيها، ﴿وَهُم لا يَتَّقُونَ﴾ ٥٦ الله في غدرهم. ﴿فإمّا﴾ - فيه إدغام نون ((إن)) الشرطيّة في ((ما)» المزيدة - ﴿تَثْقَفَنَّهُم﴾: تَجِدَنّهم ﴿فِي الحَربِ فَشَرِّدْ﴾: فرِّقْ ﴿بِهِمِ مَن خَلْفَهُم﴾ من المُحاربين، بالتنكيل بهم والعقوبة، ﴿لَعَلَّهُم﴾ أي: الذين خلفهم ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ ٥٧ : يتّعظون بهم، ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَومِ﴾ عاهدوك ﴿خِيانةَ﴾ في العهد، بأمارةٍ تلوح لك، ﴿فَانِذٌ﴾: اطرحْ عهدهم ﴿إِلَيهِم عَلَى سَواءٍ﴾: حالٌ، أي: مُستويًا أنت وهم في العِلم بنقض العهد، بأن تُعلِمَهم به، لئلّا يتّهموك بالغدر. ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخائنِینَ﴾ ٥٨. ربع الخِزب ١٩ ٣- ونزل فيمن أَفَلَتَ يومَ بدر: ﴿وَلا تَحْسِبَنَّ﴾ - يا مُحمّد - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ اللهَ أي: فاتُوه - ﴿إِنَّهُم لا يُعجِزُونَ﴾ ٥٩: لا يفوتونه. وفي قراءة بالتحتانيّة، فالمفعول الأوّل محذوف أي: أنفُسَهم. وفي أُخرى بفتح ((أنّ)) على تقدير اللام - ﴿وأعِدُّوا لَهُم﴾: لقتالهم ﴿ما استَطَعْتُم مِن قُوّةٍ﴾ - قَال ◌ََّ: ((هِيَ الرَّمْيُ)). رواه مسلم - ﴿ومِن رِباطِ الخَيلِ﴾: مصدرٌ بمعنى حبسها في سبيل الله، ﴿تُرهِبُونَ﴾: تُخوِّفون ﴿بِهِ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكُم﴾ أي: كُفّارَ مكّة، ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِم﴾ أي: غيرِهم - وهم المنافقون أو اليهود - ﴿لا تَعلَمُونَهُمُ، اللهُ يَعلَمُهُم. وما تُنفِقُوا مِن شَيءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُم﴾ جزاؤه، ﴿وَأَنتُم لا تُظَلَمُونَ﴾ ٦٠: تُنْقَصون منه شيئًا . ٤- ﴿وإن جَنَحُوا﴾: مالوا ﴿لِلسِّلْمِ﴾، بكسر السين وفتحها: الصُّلحِ ﴿فاجنَحْ لَها﴾ وعاهدهم - وقال ابن عبّاس: هذا منسوخ بآية السيف. (١) النعمة: التفضل بالمنافع. وما بأنفسهم أي: من الاعتقاد والأخلاق والمقاصد، أو القول والعمل. ويبدلوا نعمتهم أي: يبدلوا ما توجبه من الشكر والطاعة. وسميع عليم أي: بلغ الغاية في السمع والعلم، لما يفكرون ويقولون ويعملون ويتركون. و((كدأب ... بذنوبهم)) قال ابن كثير: ((أي: كصُنعه بآل فرعون وأمثالهم، حين كذبوا بآياته أهلكهم)). فالدأب هنا هو السُّنّة. وكذبوا: أنكروا. والآيات: دلائل التوحيد والنبوات والتربية والإحسان. وأهلكناهم: أفنيناهم. وفي الأصل: ((كفروا بآياتنا فأهلكناهم)). وأغرقناهم: أمتناهم خنقًا بماء البحر. والظالم: من يضع الأمور في غير مواضعها، فيجور على نفسه بالكفر والعصيان. (٢) بنو قريظة: جماعة من يهود المدينة وسلالة هارون، نقضوا العهد وأعانوا مشركي مكة بالسلاح يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم ثانية فنكثوا ذلك أيضًا بتأييد المشركين يوم الخندق. وقد نزلت فيهم الآيات ٥٥-٥٧. وانظر الآية ٢٧. والدواب: جمع دابة. وهو ما يدب على الأرض من المخلوقات. وشرها: أكثرها فسادًا وضلالًا. وعند الله أي: في حكمه وقضائه. وكفروا: أصروا على الكفر. وعاهدته: كان بينك وبينه عهد مؤكد بالقسم. وينقضون العهد: يخالفون ما فيه. والمرة أي: الحادثة من المعاهدات. ولا يتقون الله أي: لا يخافون غضبه. وزيادة ((ما)) هنا وفي الآية ٥٨ هي لتوكيد معنى الشرط. وبهم أي: بتقتيلهم. ومَن خلفهم: مَن وراءهم كالمشركين والمنافقين. ويذكرون: يستحضرون ما كان من تقتيل هؤلاء في نفوسهم. وتخاف: تعلم. والخطاب لولاة أمور المسلمين جميعًا. والخيانة: الغدر ونقض العهد. والأمارة: الدلالة الواضحة. وتلوح: تظهر. والسواء: المساواة والعدل. ولا يحبه أي: لا يوده فلا يحسن إليه. والخائن: الغادر. (٣) أفلت أي: نجا من القتل والأسر. وتحسب: تظن. وفاتوه: تخلصوا من عذابه. وبالتحتانية يريد ((ولا يَحسِبَنَّ)). وتقدير اللام يعني: قبل ((أنَّهم))، والمعنى: لأنهم. وأعدوا أي: جهزوا. والمسلمون مأمورون بذلك ليمارسوه بأنفسهم ويثقوا بكفايته، ولا يعتمدوا فيه على غيرهم من الأمم المعادية، فتتحكم فيهم وتجعلهم عرضة للذلة والهوان. ولقتالهم أي: لحرب المشركين ومَن هو مثلهم في العداوة. وما استطعتم أي: أقصى ما تقدرون على حشده وتهيئته. ورواه مسلم: يعني الحديث ١٩١٧ في صحيحه. والرمي: المهارة في رمي العدو بما يؤذيه أو يردعه أو يدمره، كالسهام وما يكون بدلًا منها في القتال. يعني السلاح بأنواعه، صناعة ودربة واستعمالًا. والخيل: واحده الفرس. والعدو: المعادي. وأعداء الله هم أعداء المسلمين. والمراد الأعداء المجاهرون بالخصام والقتال، يواجهون بمثل أفعالهم. وآخرين أي: أعداء آخرين يُسرّون الخصام ونية القتال. ولا تعلمونهم: لا تعرفون بواطنهم. ويعلمهم: يحيط بهم علمًا وبدخائل نفوسهم. وتنفق: تبذل المال والجهد والعلم والوقت والنفس. وفي سبيل الله أي: لأجل إعلاء كلمته وتحقيق الخير. ويوفّى: يؤدّى وافيًا في الدنيا والآخرة. (٤) جنحوا أي: أعداء الله وأعداؤكم. ومالوا: قصدوا. وبفتحها يريد القراءة (لِلسَّلَّم)). واجنح: توجّه معهم إلى السلم وعاهدهم، لئلا يكون لَبس وخداع. فإن رأى الإمام الشرعي في الموادعة جلب نفع للمسلمين، أو دفع ضر عنهم، فلابأسَ فيها، شريطة ألا يكون العدو غاصبا شيئًا من الحقوق العامة للمسلمين، أو معتديًا على بعض ديارهم. والمشرك والكتابي في هذا سواء. انظر أحكام القرآن ص ٨٧٦. وقول ابن عباس يعني أن قبول المسالمة منسوخ بالآية ٢٩ من سورة براءة. وفيه نظر لأن تلك الآية في المشركين وأهل الكتاب معًا، والضمير في ((جنحوا)) يعود على= الجزء العاشر ١٨٥ ٨ - سورة الأنفال ومُجاهد: مخصوص بأهل الكتاب إذ نزلتْ في بني قريظةَ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾: ثِقْ به - ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول، ﴿العَلِيمُ﴾ ٦١ بالفعل - ﴿وإن يُرِيدُوا أن يَخدَعُوكَ﴾ بالصُّلح، ليستعدّوا لك، ﴿فإنَّ حَسْبَكَ﴾: كافيَك ﴿اللهُ. هُوَ الَّذِي أَيَّدَك بِنَصْرِهِ وبِالمُؤمِنِينَ ٦٢، وأَلَّفَ﴾: جمع ﴿بَينَ قُلُوبِهِم﴾ بعد الإِحَن، ﴿لَو أَنفَقْتَ ما في الأرضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِم، ولكنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُم﴾ بقُدرته. ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾: غالب على أمره، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٦٣ لا يخرج شيء عن حكمته. ١ - ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ، حَسْبُكَ اللهُ و﴾ حسبك ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنِينَ ٦٤. يا أيُّها النَّبِيُّ، حَرِّضٍ﴾: حُثَّ ﴿المُؤمِنِينَ علَى القِتالِ﴾ للكفّار، ﴿إِن يَكُنْ مِنكُمْ عِشرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَينٍ﴾ منهم، ﴿وإن يَكُنْ﴾ - بالياء والتاء - ﴿مِنكُم مِائَةٌ﴾ صابرة ﴿يَغْلُِوا ألفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، بِأَنَّهُم﴾ أي: بسبب أنّهم ﴿قَومٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ٦٥. وهذا خبر بمعنى الأمر، أي: لِيقاتل العشرون منكم المِائَتين، والمِائَةُ الألفَ، ويَثْبُتُوا لهم. ٢- ثمّ نُسخ لمّا كثروا بقوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُم، وعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضُعفًا﴾ - بضمّ الضاد وفتحها - عن قِتال عشَرةٍ أمثالكم. ﴿فإن يَكُنْ﴾ - بالياء والتاء - ﴿مِنكُم مِائَةٌ صابِرةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ﴾ منهم، ﴿وإِن يَكُن مِنكُم ألفٌ يَغْلِبُوا ألفَينِ، بإذنِ اللهِ﴾: بإرادته . وهو خبر بمعنى الأمر، أي: لِتقاتلوا مثِلَيكم وتَثْبُوا لهم. ﴿واللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ٦٦ بعونه . سُورَة الأَنْفَلل الجزء الورشات ﴿وَ إِن يُرِيدُوَأْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيََّكَ ◌َبِنَصْرِهِ، وَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْأَنَفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ () فَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اُللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ إِن يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّأْتَةٌ يَغْلِبُواْأَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّايَفْقَهُونَ [® الْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفَأَ فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مَأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ ◌َ مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ لَّوْلَا كِنَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ لِلَفَكُلُواْمِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ وَأَتَّقُواْ أَلَهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ الَّ ٣- ونزل، لمّا أخذوا الفِداء من أسرى بدر: ﴿ما كانَ لِنَبِّ أن تَكُونَ﴾ - بالتاء والياء - ﴿لَهُ أَسرَى، حَتَّى يُئخِنَ في الأرضِ﴾: يُبالغ في قتل الكُفّار. ﴿تُرِيدُونَ﴾ - أيها المؤمنون - ﴿عَرَضَ الدُّنيا﴾: حُطامَها بأخذ الفِداء، ﴿واللهُ يُرِيدُ﴾ لكم ﴿الآخِرَةَ﴾ أي: ثوابَها بقتلهم، ﴿واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٦٧. وهذا منسوخ بقوله «فإمّا مَنَّا بَعدُ وإمّا فِداءً)). ﴿لَولا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾، بإحلالِ الغنائم والأسرى لكم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أخَذتُمْ﴾ من الفِداء ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ ٦٨. فَكُلُوا مِمّا غَنِمِتُم حَلالًا طَيًِّا - واتَّقُوا اللهَ - إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦٩. =مشركي العرب فقط في قول من يذهب إلى النسخ، ومشركو العرب لهم وضع خاص بهم. فقد وجب قتالهم بعد أن نقضوا العهد، ولا يقبل منهم غير الإسلام. هذا قول بعض العلماء، وخص الإمام مالك منهم قريشًا وحدها بهذا الحكم. انظر البحر ٢٨١:٢ والناسخ والمنسوخ ٣٨٥:٢. وفيما عدا الأصل والنسخ وط: ((وقال مجاهد)). ويريد: يقصد. وكافيك أي: يحفظك بالمعونة والحماية والنصر. وأيدك: قواك وأمدّك. والنصر: الدفاع عنك والغلبة على المشركين وغيرهم. والقلوب: جمع قلب. والإحن: جمع إحنة. وهي الحقد والحروب والثارات. وأنفقت: بذلت وصرفت. والحكيم: الذي يُحكِم الأمور كلها بالعلم البالغ والإتقان. (١) حسبك: كافيك وحافظك. والمراد بمن اتبعك: المهاجرون والأنصار في بدر. ويكن: يجتمع. والصابر: الذي يحتمل الشدائد ويتجلد. ومنهم أي: من الذين كفروا. وبالتاء يريد القراءة ((تَكُنْ)). وكفروا أي: بالله واليوم الآخر والنبوة. ولا يفقهون أي: لا يعرفون الحقيقة، يقاتلون للحمية الجاهلية والباطل. ويثبتوا أي: لَيَثبُتُوا لهم فينتصروا عليهم ويغلبوهم. (٢) كثروا أي: كثر عدد المسلمين. انظر سبب النزول في المفصل. والآن أي: من هذا الوقت، بعدما تحقق امتثالكم للأمر رغم ثقله عليكم. وخفف أي: التكليفَ فقلل الثقل وأزال المشقة. وعلمَ أي: تحقق علمه في الواقع. وعلم الله هنا هو علم ظهور بتحقق مضمونه، بعد أن كان خفيًا على الناس، مع أنه في علمه - عز وجل - واجب الأولية والبقاء لا يتغير. انظر أحكام القرآن ص ٨٧٨. والضعف: قلة الجَلَد والقدرة. وبفتحها يريد القراءة «ضَعفًا)). وبالتاء يريد القراءة ((فإن تَكُنْ)). وألف أي: صابرة. وألفين أي: منهم. (٣) كان النبي ◌َّه قد استشار الصحابة في الأسرى، فأشار أبو بكر بالفدية، وأشار عمر بضرب أعناقهم، فكان الاختيار لقول أبي بكر بأخذ الفداء وإطلاق الأسرى. وفي اليوم التالي نزلت الآيات ٦٧-٦٩. انظر ((المفصل)). وما كان أي: ما صح ولا استقام. وتكون: تصير. وبالياء يريد القراءة («يَكُونَ)). والأسرى: جمع أسير. وتريدونه: تطلبونه. والعرض: المتاع يعرض لصاحبه ويزول. ويريد: يرضى. والعزيز: الغالب ينصر أولياءه على أعدائهم. والحكيم: الذي يُحكم وضع كل شيء موضعه اللائق به. وهذا منسوخ: يعني أن الحكم بوجوب قتل الأسرى نسخته الآية ٤ من سورة محمد. ونص الآية ٦٧ هذه خبر لا يحتمل النسخ. والكتاب: الحكم المكتوب في اللوح المحفوظ. ومن الله أي: من عنده وبأمره. وسبق: تحقق إثباته، بألّا يعذّب قومًا قبل تقديم التكليف. ومسكم: أصابكم. وما أخذتم: ما قبلتموه. والعذاب: التعذيب. ويراد به تسليط أعدائهم عليهم وإنزال المحن والفتن والكوارث بهم. والعظيم: الضخم لا يقدر قدره. وكلوا أي: خذوا وتملكوا. وغنمتم: اكتسبتموه بالقوة. والحلال: ما أحله الشرع. والطيب: ما تستلذه النفوس السليمة. واتقوا الله: خافوه وامتثلوا أمره ونهيه. وغفور رحيم: من المغفرة والرحمة، أي: من الستر للذنوب مع العفو، والعطف بالإحسان إلى التائبين. ٨ - سورة الأنفال ١٨٦ الجزء العاشر سُورَة الْأَنزَّلل الجزء الحشة وَيَأَيُّهَا النَّبِىُّقُل لِّمَن فِى أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىِّ إِنْ يَعْلَمْاللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَإِن يُرِيدُ واْخِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمُّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ " إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ﴿اَللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُّهَا جِرُواْ ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوَكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلََّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٦) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُتَكُنْفِتْنَةٌ فِى اَلْأَرْضِ وَفَسَادُ كَبِيرٌ ﴾ وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَءَاوَ واْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّالَمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْمَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْ حَامِ ◌َبَعْضُهُمْأَوْلَى ◌ِبَعْضِ فِ كِتَبِ الَّ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ١ - ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ، قُلْ لِمَن في أيدِيكُم مِنَ الأُسارَى﴾، وفي قراءة ((الأسرَى)): ﴿إِن يَعلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُم خَيرًا﴾: إيمانًا وإخلاصًا ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُم﴾ من الفِدَاء، بأن يُضعِفه لكم في الدنيا ويُثِيَكم في الآخرة، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذُنوبكم. ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٧٠. وإن يُرِيدُوا﴾ أي: الأسرى ﴿خِيانتَكَ﴾، بما أظهروا من القول، ﴿فَقَد خانُوا اللهَ مِن قَبَلُ﴾: قبلِ بدر بالكفر، ﴿فأمكَنَ مِنْهُمِ﴾ ببدر قتلًا وأسرًا، فلْيتوقَّعوا مثلَ ذلك إن عادوا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٧١ في صنعه. ٢- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا، وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِم وأنفُسِهِم في سَبِيلِ اللهِ﴾ - وهم المهاجرون - ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ النبيّ ﴿وَنَصَرُو﴾ هُ - وهم الأنصار - ﴿أُولَئِكَ بَعضُهُم أولياءُ بَعضٍ﴾ في النُّصرة والإِرث، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَم يُهاجِرُوا مالَكُم مِن وِلايَتِهِم﴾ - بكسر الواو وفتحها - ﴿مِن شَيءٍ﴾، فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة، ﴿حَتَّى يُهاجِرُوا﴾ - وهذا منسوخ بآخِرِ السُّورة - ﴿وإنِ اسْتَنصَرُوكُم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصرُ﴾ لهم على الكُفّار، ﴿إلّا عَلَى قَومٍ بَينَكُم وبَيْنَهُم مِيثاقٌ﴾: عهد، فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم - ﴿واللهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ ٧٢ - والَّذِينَ كَفَرُوا بَعضُهُم أولِياءُ بَعضٍ﴾ في النُّصرة والإِرث. فلا إرث بينكم وبينهم. ﴿إِلّا تَفْعَلُوهُ﴾، أي: تَولِّيَ المسلمين وقطعَ الكُفَّار، (تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ ٧٣، بقوّة الكُفر وضعف الإِسلام. ٣- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، والَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا، أُولَئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حَقًّا، لَهُم مَغْفِرَةٌ ورِزقٌ كَرِيمٌ﴾ ٧٤ في الجنّة، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعدُ﴾ أي: بعدِ السابقين إلى الإِيمان والهجرة، ﴿وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُم﴾، أيّها المُهاجرون والأنصار، ﴿وَأُولُو الأرحامِ﴾: ذَوُو القرابات ﴿بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ﴾ في الإرث من التوارث بالإِيمان والهجرة، المذكورِ في الآية السابقة، ﴿في کِتابٍ اللهِ﴾: اللوحِ المحفوظ. ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ ٧٥، ومنه حِكمة الميراث. (١) الأيدي: جمع يد. وفي أيديكم: في حوزتكم وتصرفكم. والأَسارى: جمع أسير. والمراد بهم الذين كانوا في الأسر، وقد أبدوا ميلًا إلى الإسلام إن قُبل منهم الفداء. وإن يعلم الله أي: إن يحصل ويتبين للناس ما في علمه. يعني: إن يكن. والخير: ما ينفع في الدنيا والآخرة. ويؤتكم: يعطكم. وخيرًا أي: أكثر نفعًا وفائدة. وأخذ: قُبِل وتُسلِّم. ويغفرها: يسترها ولا يؤاخذكم بها. والرحيم: العظيم العطف بالإحسان. ويريدوا: يُضمروا ويقصدوا. والخيانة: الغدر. وبما أظهروا يعني: إعلان الإسلام والعهد ألّا يحاربوك ولا يعاونوا عليك. وخانوا الله: نقضوا الميثاق. وأمكن منهم: أقدرك عليهم. (٢) آمنوا أي: سبقوا بالإيمان. وهاجروا: سبقوا للهجرة من مكة إلى المدينة أو الحبشة أواليمن. وجاهدوا: بذلوا أقصى جهدهم. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. والأنفس: جمع نفس. وفي سبيل الله أي: لإعلاء كلمته وإعزاز دينه. وآووا النبيَّ أي: والمهاجرين، أنزلوهم في ديارهم وأسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم. ونصروه: دافعوا عنه العدو. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((ونصروا)). والأولياء: جمع ولي. وهو من يسعى في خير من يتولاه، ويكون أحق به من أقربائه. فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة، دون الأقارب من الكافرين. وبعضهم أي: الأفراد منهم، الواحد والأكثر. ولم يهاجروا أي: بقوا في مكة أو في بواديهم. وولايتهم: تولي أمورهم وموارثتهم. وبفتحها يريد القراءة ((وَلايَتِهِم)). ومنسوخ: انظر ((المفصل)). واستنصروكم أي: طلب غير المهاجرين منكم العون والنصر. وفي الدين أي: في قتال لأجل الإسلام. والنصر: عونهم وتأييدهم. وكذلك حكم من يُظلم من المسلمين في ديار العدوِّ أو المغتصبِ للوطن. وتعملون أي: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل. والبصير: الخبير بدقائق الأمور وما خفي منها. وكفروا: كذّبوا الله ورسوله وعصوهما. ولا إرث أي: ولا مناصرة ولاموالاة. وإلّا تفعلوه يعني: إلّا تلتزموا أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضًا، في النصرة والإرث، ويقاطعوا الكفار مقاطعة تامة. وتكن: تحصل. والفتنة: المحنة والبلاء. والفساد: الاضطراب والخلل. والكبير: الضخم لامثيل له. (٣) هاجروا: هجروا ديارهم إلى المدينة بعد عام الحديبية. فهم أصحاب الهجرة الثانية إلى المدينة. والمؤمنون حقًا: ذوو الإيمان البالغ الكمال، لاشك في إيمانهم ، لأنهم حققوا ذلك بالهجرة والجهاد بالنفس والمال في نصرة الدين. والمغفرة: ستر الذنوب والعفو عنها. ورزق كريم أي: عطاء دائم لا تبعة فيه ولا مِنّة. وأولئك منكم أي: هم مثلكم في النصرة والموالاة، مُلحَقون بكم في الإيمان والجهاد، وأنتم لكم المرتبة الأولى. وأولو: واحده ذو، أي: الصاحب الملازم للشيء. والأرحام: جمع رَحِم. وهي هنا القرابة التي تتعلق بالإرث عامة، أي: أصحاب الفروض والعَصَبة ومَن بعدهم. انظر الآية ١ من سورة النساء. والبعض: الواحد أو الأكثر. وأولَى: أحق ممن ليس بقريب. والمذكور أي: التوارث. والآية السابقة يعني الآية ٧٢، وأن الحكم هنا نسخ حكم تلك الآية. فقد كان الأنصار يوارثون المهاجرين، دون الأقرباء ممن لم يهاجر قبل الحديبية، فنزلت هذه الآية. الناسخ والمنسوخ ٣٩٤:٢-٣٩٥. واللوح المحفوظ: سجلّ فيه ما كان وما سيكون في الوجود، من قضاء محتوم أو محتمل بما يحصل من الظروف واختيارات الخلق. والعليم: الكامل الإحاطة بالخفايا والدقائق وغيرها، مبالغة اسم الفاعل من العلم الحقيقي. وحكمة الميراث: يعني الميراثَ بالإيمان والهجرة، ونَسْخَه بميراث القرابة. الجزء العاشر ١٨٧ ٩ - سورة التوبة سورة التوبة مدنية أو إلّا الآيتين آخرها، مِائَة وثلاثون أو إلّا آية . ١- ولم تُكتب فيها البسملة لأنه پے لم یأمر بذلك، کما يُؤخذ من حديث رواه الحاكم، وأخرج في معناه عن عليّ: أنّ البسملةَ أمانٌ، وهي نزلت لرفع الأمن بالسيف، وعن حُذيفةَ: ((إنّكُم تُسمُّونها سُورةً التوبةِ، وهي سُورةُ العَذابِ)). وروى البخاريّ عن البراء أنها آخرُ سُورةٍ نَزَلتْ . لچرْبُ ١٩ ٢- هذه ﴿بَراءةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾، واصلةٌ ﴿إِلَى الَّذِينَ عاهَدتُم مِنَ المُشرِكِينَ﴾ ١ عهدًا مطلقًا، أو دون أربعة أشهر أو فوقها، ونَقَضُوا العهدَ، بما يُذكر في قوله: ﴿فَسِيحُوا﴾ : سيروا آمنين - أيها المُشركون - ﴿في الأرضِ أربَعَةَ أشهُرٍ﴾، أوّلُها شوّال بدليل ما سيأتي، ولا أمان لكم بعدها، ﴿واعلَمُوا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعجِزِي اللهِ﴾ أي: فائتِي عذابِهِ، ﴿وأنَّ اللهَ مُخزِي الكافِرِينَ﴾ ٢: مُذِلّهم في الدنيا بالقتل، والأُخرى بالنار. ٣- ﴿وأذانٌ﴾: إعلامٌ ﴿مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ، يَومَ الحَجِّ الأكبَرِ﴾ يومَ النحر، ﴿أَنَّ﴾ أي: بأنّ ﴿اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشرِكِينَ﴾ وعهودِهم ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بريءٌ أيضًا. ((وقد بَعثَ وَّرَ عليًّا من السَّنة - وهي سنةُ تِسعٍ - فأذّنَ يومَ النحرِ بِمِنَّى بهذه الآياتِ، وأَلَّا يَحُجَّ بعدَ العام مُشركٌ ولا يطوفَ بالبيتِ عُريانٌ)). رواه البخاريّ - ﴿فإن تُبْتُم﴾ من الكفر ﴿فَهْوَ خَيْرٌ لَكُم، وإن تَوَلَّيْتُم﴾ عن الإِيمان ﴿فاعلَمُوا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعجِزِي اللهِ. وبَشِّرٍ﴾: أخبرِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِعذابٍ ألِيمٍ﴾ ٣: مُؤلم. وهو القتلُ والأسر في الدنيا، والنارُ في الآخِرة - ﴿إِلّا الَّذِينَ عَاهَدتُمَّ مِنَ المُشرِكِينَ، ثُمَّ لَم يَنقُصُوكُم شَيْئًا﴾ من شُروط العهد، ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا﴾: يُعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من الكُفّار، ﴿فَأتِمُوا إِلَيهِم عَهدَهُم إلَى﴾ انقضاء ﴿مُدّتِهِم﴾ التي عاهدتموهم عليها . ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ ٤ بإتمام العُهود. الخبرةُ الحَرْشَة سُورَة التَّوَيَّة ترتيبـ ◌ُورَةُ التَّوَيَّةِ بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْ تُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُواْ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُوْأَنَّكُغَيْرُمُعْجِى (اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ ﴾ وَأَذَنٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَبَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَوَرَسُولٌ،فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْلَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّلَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُ واْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِّمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَ هُمْ إِلَى فَإِذَا أَنسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْمُرُمُ مَُّتِهِمْ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ ﴾ فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُ واْ لَهُمْ كُلَّ مَنْ صَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلَّو ◌ْسَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ثُمَّ ◌َتِغَهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ٤ - ﴿فإذا انسَلَخَ﴾: خرج ﴿الأشهُرُ الحُرُمُ﴾ - وهي آخر مُدّة التأجيل - ﴿فاقتُلُوا المُشرِكِينَ حَيثُ وجَدْتُمُوهُم﴾ في حِلِّ أو حَرم، ﴿وخُذُوهُم﴾ (١) فيها أي: في أول السورة. ولم يأمر بذلك أي: أن ذلك توقيف، لادخل للرأي فيه. انظر المستدرك ٢: ٣٣٠ والمسند ٦٩:١. وفي معناه أي: في عدم كَتْب البسملة. وعليّ: ابن أبي طالب. والحديث أيضًا في المستدرك ٣٣٤:٢. والأمان: السلام والطمأنينة. و((هي)) يعني سورة التوبة. وبالسيف أي: باستعمال السلاح لقتال مشركي العرب. وحذيفة: ابن اليمان صحابي جليل حديثه في المستدرك ٣٣١:٣. والبراء: ابن عازب صحابي أنصاري. ونزلت أي: كاملة. وانظر الحديثين ٤١٠٦ و٤٣٧٧ في البخاري. (٢) هذه أي: الآيات القادمة. والبراءة: التبرؤ والتحلل من عصمة المشركين والعهود التي نقضوها. ومن الله أي: من عنده وبأمره. وعاهدتم أي: عقدتم بينكم وبينهم عهدًا موثقًا بيمين. والمشركون: مشركو العرب وبخاصة قريش، يمهَلون أربعة أشهر قبل إعلامهم بالحرب. وكذلك من لم يكن له عهد من المشركين العرب. ومن كان له عهد ولم ينقضه فأجله إلى مدته، مهما كان. فقد كان لبعض المشركين عهد بالموادعة، فنقضوه بتأييد أعداء المسلمين، فجاءت الآيات تحل المسلمين مما نقضه أولئك. وبما يذكر أي: بالإباحة المذكورة في الآية التالية. يعني أن البراءة من العهود المنقوضة للمشركين هي مصحوبة بالمهلة المذكورة في الآية. والأشهر: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم بعد شوال. واعلموا أي: تيقنوا. وغير فائتي عذابه أي: غير قادرين على النجاة من تعذيبه أو الهرب في الدنيا والآخرة، بل هو مدرككم ومجازيكم. والكافر: من كذّب الله ورسوله. (٣) الأذان: إخبار بوجوب الإعلام. والأكبر أي: غير العُمرة التي هي الحج الأصغر. ويوم النحر: يوم العيد. والبريء: المتبرئ المتباعد. وعلي: ابن أبي طالب. والسنة أي: التي نزلت فيها هذه السورة. وأذّنَ: أعلمَ الناسَ بصوت عال. وهذه الآيات يعني الآيات ١-٢٧. ورواه يعني الأحاديث ٣٦٢ و٤٣٧٨ و٤٣٧٩ في البخاري. وانظر ((المفصل)). وتبتم: دخلتم في الإيمان والطاعة. وهو أي: المَتاب من الكفر. وخير: أفضل وأكثر نفعًا. وتوليتم: أعرضتم وامتنعتم. واعلموا أنكم: انظر الآية ٢. والذين كفروا أي: المشركون المذكورن قبل. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة. وعاهدتم أي: كان بينكم وبينهم عهد مؤكد. ولم ينقصوكم أي: وفَوا بالعهود كاملة. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧. وأتموا أي: أكملوا دون نقص أو إخلال. والمدة: الوقت المحدد. ويحبهم: يودهم كما يليق بجلاله، فيريد لهم الخير. والمتقي: من يتجنب غضب الله، ويطلب رضاه بالطاعة والصلاح. (٤) الأشهر: جمع قلة للشهر. والحرم: جمع حرام. وهي الأشهر الأربعة في الآية ٢. واقتلوهم أي: أزهقوا أرواحهم، إن لم يتوبوا. والمشركون هنا: الناقضون لعهودهم من مشركي العرب خاصة. والمراد من كان يستطيع القتال. وحيث أي: في كل مكان. ووجدته: صادفته والتقيت به. وخذوهم أي: ائسروهم وشدوا عليهم القيود. واحصروهم أي: حاصروهم وضيقوا عليهم بشدة. واقعدوا لهم أي: ترقبوهم. وكل: لاستغراق أفراد النكرة. والمرصد: الموضع الذي يراقَب فيه العدو للهجوم عليه. ونزع الخافض: حذف حرف الجر، أي: في كلِّ مرصد. وتابوا: دخلوا في الإيمان والطاعة. وأقاموا الصلاة: أدَّوها تامة. وآتوا الزكاة: دفعوها إلى مستحقيها. وخلوا سبيلهم أي: ليكونوامثلكم في الحقوق والواجبات. والغفور الرحيم: مبالغتا اسم الفاعل من الغفران والرحمة، أي: من العفو والعطف بالإحسان. ومن المشركين أي: من العرب غير المحافظين على العهد. واستجار: طلب حمايتك، بعد الأشهر الأربعة المحددة. ويسمع: يتلقى ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه. وأبلغه: أوصله مع من يحميه ويحفظه. والمذكور أي: وجوب الإجارة وإبلاغ المأمن. ولا يعلمون أي: يجهلون لأنهم لم يُبلَّغوا بوعي وإدراك. ٩ - سورة التوبة ١٨٨ الجزء العاشر سُورَة التَّوْنَيْ الجزء الشريم كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللّهِ وَ عِندَ رَسُولِ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُ ثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا أُسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْلَمَّ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ كَيْفَ وَ إِن يَظْهَرُ واْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا V وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَهِهِمْ وَتَأَبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ ﴿ أَشْتَرَوْبِتَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوايَعْمَلُونَ ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِىِ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (3) ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِ هِمْ وَطَعَنُواْ فِىِ دِينِكُمْ فَقَِلُواْ أَسِعَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴿ أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمَا تَكَتُواْأَيْمَنَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُ وكُمْ أَوَّلَ مَرَّةً أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنَ كُمْ مُؤْمِنِينَ بالأسر، ﴿واحصُرُوهُم﴾ في القِلاع والحُصون حتّى يُضطرّوا إلى القتل أو الإِسلام، ﴿واقعُدُوا لَهُم كُلَّ مَرَصَدٍ﴾: طريقٍ يسلكونه - ونصبُ ((كُلّ)) على نزع الخافض - ﴿فإن تابُوا﴾ من الكُفر، ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ، فخَلُّوا سَبِيلَهُم﴾ ولا تتعرّضوا لهم - ﴿إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ لمن تاب - ﴿وإن أحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ﴾: مرفوع بفعل يُفسّرِهِ ﴿استَجَارَكَ﴾: استأمنك من القتل ﴿فأجِرْهُ﴾: آمِنْه، ﴿حَتَّى يَسمَعَ كَلامَ اللهِ﴾: القُرآنَ، (ثُمَّ أبلِغْهُ مأمَنَهُ﴾ أي: موضع أمنه - وهو دار قومه - إن لم يُؤمن، لِيَنظَرَ في أمره. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿بأنَّهُم قَومٌ لا يَعلَمُونَ﴾ ٦ دِين الله. فلا بُدّ لهم من سماع القُرآن ليعلموا . ١- ﴿كَيفَ﴾ أي: لا ﴿يَكُونُ لِلمُشرِكِينَ عَهِدٌ عِندَ اللهِ وعِندَ رَسُولِهِ﴾، وهم كافرون بهما غادرون؟ ﴿إِلّ الَّذِينَ عَاهَدتُمْ عِندَ المَسجِدِ الحَرامِ﴾ يوم الحُديبية - وهم قريش المُستثنَون من قبلُ - ﴿فما استَقَامُوا لَكُم﴾: أقاموا على العهد ولم ينقضوه ﴿فاستَقِيمُوا لَهُم﴾ على الوفاء به. وما: شرطيّة. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ ٧. وقد استقام وَّ على عهدهم حتى نقضوا، بإعانة بني بكرٍ على خُزاعةً. ٢- ﴿كَيفَ﴾ يكون لهم عهد، ﴿وإن يَظهَرُوا عَلَيْكُم﴾: يظفروا بكم ﴿لا يَرِقُبُوا﴾: يُراعوا ﴿فِيكُم إلَّا﴾: قرابةً ﴿ولا ذِمَةً﴾: عهدًا، بل يُؤذوكم ما استطاعوا؟ وجملة الشرط: حال. ﴿يُرِضُونَكُم بِأفواهِهِم﴾: بكلامهم الحسن، ﴿وتأْبَى قُلُوبُهُم﴾ الوفاءَ به، ﴿وأكثَرُهُم فاسِقُونَ﴾ ٨: ناقضون للعهد. (اشتَرَوا بِآياتِ اللهِ﴾: القُرآنِ ﴿ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ من الدنيا، أي: تركوا اتّباعها للشهوات والهوى، ﴿فصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ﴾: دينه. ﴿إِنَّهُم ساءَ﴾: بئس ﴿ما كانُوا يَعمَلُونَ﴾ ٩٩ عملُهم هذا! ﴿لا يَرَقُبُونَ في مُؤمِنٍ إِلَّا ولا ذِمَةً، وأُولَئِكَ هُمُ المُعتَدُونَ﴾ ١٠ . ٣- ﴿فإن تابُوا، وأقامُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ، فإخوانُكُم﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿في الدِّينِ - ونُفَصِّلُ﴾: نُبيّنُ ﴿الآياتِ لِقَوم يَعلَمُونَ﴾ ١١: يتدبّرون - ﴿وإن نَكَثُوا﴾: نقضوا ﴿أيمانَهُم﴾: مواثيقهم، ﴿مِن بَعدِ عَهْدِهِم، وطَعَنُوا في دِينِكُم﴾: عابوه، ﴿فقاتِلُوا أئِمّةَ الكُفرِ﴾: رُؤساءه - فيه وضع الظاهر موضعَ المُضمر - ﴿إِنَّهُم لا أيمانَ﴾: عهودَ ﴿لَهُم﴾ - وفي قراءة بالكسر - ﴿لَعَلَّهُم يَنْتَهُونَ﴾ ١٢ عن الكُفر. ﴿ألا﴾ للتحضيض ﴿تُقاتِلُونَ قَومًا، نَكَثُوا﴾: نقضوا ﴿أيمانَهُم﴾: عهودهم، ﴿وهَمُّوا بِإخراج الرَّسُولِ﴾ من مكّة، لمّا تشاوروا فيه بدار الندوة، ﴿وهُم بَدَؤُوكُم﴾ بالقِتال ﴿أُوَّلَ مَرّةٍ﴾، حيثُ قاتلوا خُزاعةَ حلفاءكم مع بني بكر، فما يمنعكم أَن تُقاتلوهم؟ ﴿أَتَخْشَونَهُم﴾: أتخافونهم؟ ﴿فاللهُ أَحقُّ أن تَخْشَوهُ﴾ في ترك قتالهم، ﴿إِن كُنتُم مُؤمِنِينَ﴾ ١٣ . (١) لا يكون أي: لا يثبت. يعني أن الاستفهام للنفي. وللمشركين أي: الغادرين بالعهود والمواثيق. وعند الله: في حكمه وقبوله. وعاهدتم أي: كان بينكم وبينهم عهد بالموادعة. والمسجد: مكة كلها. وعنده أي: الحديبية. و((هم قريش)) كذا. والآيات هذه نزلت سنة تسع، وقريش نقضوا العهد سنة ثمان فكان فتح مكة ودخولهم في الإسلام. فالمستثنَون من قبلُ هم المذكورن في تفسير الآية ٤، كان عهدهم يوم الحديبية سنة ست. وبعضهم نقض العهد مع قريش. انظر ((المفصل)). وعلى هذا يُصحّح ما سيرد من تفسير لآخر الآية وللآيات ٨ - ١٦. واستقام: حافظ. ويحب المتقين: انظر الآية ٤. و((على خزاعة)) الصواب أن يقول: وقد استقام ... حتى انتهت مدة عهدهم، أي: عهد بني خُزيمة ومُدلج وضَمرة، لأنهم وفَوا به كاملًا. أما قريش وبنو الدئل فقد انتهى أمرهم قبل. (٢) لهم أي: لمشركي العرب. ويظهر: يتغلب. وفيكم أي: في شأنكم. ويرضونكم: يقنعونكم. والأفواه: جمع فم. وتأبى: تمتنع. والقلوب: جمع قلب. وبه أي: بكلامهم. واشتروا بها: فضلوا عليها. والثمن: ما يأخذه البائع. وللشهوات يعني: تركوا اتباع الآيات لأجل تحصيل الشهوات. فقد روي أن بعضهم نقضوا العهد بوليمة دعاهم إليها أبو سفيان. وصدوا: امتنعوا. والسبيل: الطريق الواضح. وساء أي: بلغ النهاية في السوء والشر والفساد. ويعمل: يكتسب من نية أو قول أو فعل. والمؤمن: الذي عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. والمعتدون: المجاوزون الحد بالكفر والظلم والشر ونقض العهد. (٣) الإخوان: جمع أخ. وهو الصاحب والمناصر. والأيمان: جمع يمين. وهو القسم بالله. وقاتلوهم: حاربوهم بالسلاح. والأئمة: جمع إمام. والكفر: التكذيب للتوحيد والبعث. وبالكسر يريد القراءة ((لا إيمانَ)). وهو منح الأمان والسلم. وينتهون: يمتنعون. والنكث بالعهد هو المشروط في الآية ١٢، وقد أجاب بعضهم الإمام عليًا، حين أبلغهم أوائل هذه السورة في منى، بقولهم: أبلغ ابن عمك أنّا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد، إلّا طعن بالرماح وضرب بالسيوف. البحر ٧:٥. وعلى هذا يُصحّح ما سيلي من التفسير في الآية والتي بعدها. وهموا به أي: نووه وعزموا عليه وقصدوه. والمعنى: قاتِلوا قومًا اجتمعت فيهم أسباب ثلاثة، كل منها وحده يقتضي قتلهم. فما بالكم باجتماعها؟ والإخراج: النفي والإبعاد. والتشاور في دار الندوة كان فيه بعض بني بكر. وقد ائتمر اليهود وهؤلاء بإخراج النبي ◌َّر من المدينة. فالمقصود هنا هو الإخراج من المدينة لا من مكة. وبدؤوكم أي: كانوا البادئين المعتدين. والمرة: الجزء من الزمان. و((حيث قاتلوا خزاعة)) هذا مبني على أن المراد في هذه الآيات هم مشركو مكة. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧. والصواب أن المراد عدوان بني الدئل على خُزاعة قبل فتح مكة. وأحق: أولى وأجدر. والمؤمن: الذي عرف قلبه التوحيد وما يلزمه . الجزء العاشر ١٨٩ ٩ - سورة التوبة ١ - ﴿قاتِلُوهُم، يُعَذِّبْهُمُ اللهُ﴾: يَقتلهم ﴿بِأيدِيكُم، ويُخْزِهِم﴾: يُذلَّهم بالأسر والقهر، ﴿ويَنصُرْكُم عَلَيهِم، ويَشفِ صُدُورَ قَومٍ مُؤمِنِينَ﴾ ١٤ ممّا فُعل بهم - هم بنو خُزاعةً - ﴿وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِم﴾: كربَها. ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشاءُ﴾ بالرجوع إلى الإِسلام، كأبي سُفيانَ. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١٥. ٢- (أم)، بمعنى همزة الإِنكار، ﴿حَسِبْتُم أن تُترَكُوا، ولَمّا﴾: لم ﴿يَعلَمِ اللهُ﴾ علمَ ظُهورٍ ﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُم﴾ بإخلاص، ﴿وَلَم يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ ولاَ رَسُولِهِ ولا المُؤمِنِينَ وَلِيجَةَ﴾: بِطانةً وأولياء؟ المعنى: ولم يَظهرِ المخلصون - وهم الموصوفون بما ذُكر - من غيرهم. ﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعمَلُونَ﴾ ١٦ . ٣- ﴿ما كانَ لِلمُشرِكِينَ أن يَعْمُرُوا مَسجِدَ اللهِ﴾ - بالإِفراد والجمع - بدُخوله والقُعود فيه، ﴿شاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالكُفرِ. أُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾: بَطَلت ﴿أعمالُهُم﴾، لعدم شرطها، ﴿وفي النّارِ هُم خالِدُونَ ١٧ . إنَّما يَعمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، وأقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ، ولَم يَخشَ﴾ أحدًا ﴿إِلّ اللهَ. فَعَسَى أُولَئِكَ أن يَكُونُوا مِنَ المُهتَدِينَ﴾ ١٨ . ٤- ﴿أَجَعَلْتُم سِقايةَ الحاجّ وعِمارةَ المَسجِدِ الحَرامِ﴾، أي: أهلَ ذلك، ﴿كَمَن آمَنَ سُورَة التَّوْنَّةْ قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُبِأَيْدِ يكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمٌ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُالَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ أَوْلَبِّكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَ فِي النَّارِهُمْ خَلِدُونَ (3) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اْللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلََّ اللَّهَ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ ﴾ أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجْ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ الهِ لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ الَّذِينَءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْفِى سَبِيلِ اللَّهِ ◌ِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَاللَّهِ وَأُوْلَ هُ لْفَّبِرُونَ ( ثلاثة أرباع الخِزِبْ ١٩ (١) يعذبهم: يقدر عليهم العذاب. ويقتلهم أي: يقتل بعضهم، وييسر لكم اغتنامَ أموالهم ونسائهم وأولادهم وتشريدَهم. والمراد بنو الدئل. والأيدي: جمع يد. وينصركم: يُغلّبكم. ويشف صدورهم: يَسرّها بالنصر وإعلاء دين الله. والصدور: جمع صدر. والمراد به القلب. والمراد بالمؤمنين هنا المخاطبون الذين يقاتلون، وكل مؤمن لم يحضر القتال، لأن ما يصيب أهل الكفر هو سرور لقلب كل مؤمن. وما فعل بهم: يعني أن بني خُزاعة المؤمنين أعان بنو الدئل قريشًا في العدوان عليهم بمكة. فالنصر على بني الدئل يطمئنهم مع المؤمنين جميعًا. انظر (المفصل)). ويذهبُه: يزيله ويحلّ محله السرور. والكرب: الحزن. ويتوب: يصفح ولا يؤاخذ بالذنوب. ويشاء أي: يريد التوبة عليه. والرجوع إلى الإسلام: الدخول فيه. وذكرُ أبي سفيان هنا يتصل بفتح مكة. والمراد أيضًا من دخل في الإسلام، من بني الدئل وغيرهم. وعليم أي: محيط كاملَ الإحاطة بما يُصلح عباده وبمن آمن صادقًا أو منافقًا. وحكيم أي: ذو الحكمة البالغة بكمال العلم والإحسان والإتقان، في أقواله وأفعاله وأحكامه وما يجزي به كل مكلف. (٢) حسبتم: اعتقدتم. وتتركوا أي: تُعفَوا من الواجبات والجهاد. وعِلمَ ظهور أي: علمَ تحقق في الواقع، يظهر لكم به ما يعلمه الله من قبل. يعني: ولما يمتحنكم، ليُظهِر الذين بذلوا بنية خالصة، ويميزهم ممن كانوا ضعاف الإيمان. ويتخذ: يجعل. وما ذكر يعني: الجهاد وعدم موالاة الكافرين. وخبير: من الخبرة. وهي الإحاطة التامة بدقائق الأمور ودخائلها. وتعملون أي: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل. (٣) انظر سبب النزول في المفصل. وما كان أي: ما ينبغي ولا يصح، ولا يجوز لهم بعد اليوم. انظر الآية ٣. والمشرك: من يشرك بعبادة الله بعض مخلوقاته. والمسجد هو المسجد الحرام. وبالجمع يريد القراءة ((مَساجِدَ اللهِ)). وذكرُ الدخول والقعود تفسيرٌ لعمارة المسجد، يعني أنه ليس المراد بها هو البناء، فليس لهم شيء مما افتخروا به، حتى إن الدخول إلى المسجد والقعود فيه لا يجوزان لهم. والشاهد: الذي يقرّ بما يعلم بلسانه أو فعله. والكفر: تكذيب الله ورسوله، وعبادة الأصنام والأوثان في الحرم وغيره. والأعمال: جمع عمل. يعني زيارة المسجد الحرام ورعايته وخدمة الحجاج، وما أشبه ذلك من عمل البر. وشرطها أي: ما يحقق ثوابها. وهو الإيمان والتوحيد والطاعة بالصلاح والجهاد. والخالد: المقيم أبدًا. والمراد أنه لا يصح لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةٍ بيت الله والكفرِ به وبعبادته. فقد فسدت صالحات عملهم، ولهم العذاب الأبدي، إن أصروا على الكفر والعصيان وماتوا عليهما. ويعمره أي: يبنيه ويصلحه ويخدمه ويعظمه ويصونه ، ويزوره للعبادة والتعلم والذكر بحق. وآمن به: صدّقه بقلبه ولسانه وعمله. واليوم الآخر: وقت القيامة للحساب والجزاء. وأقام الصلاة: أداها كاملة. وآتى الزكاة: أداها إلى مستحقيها. ويخشى: يخاف في نياته وأقواله وأعماله. وعسى أي: وجب وتحقق. وأولئك أي: الموصوفون بالأوصاف الأربعة: الإيمان والإقامة والإيتاء والخوف من الله. والمهتدي: المسترشد المستمسك بالطاعة الموصلة إلى الجنة. (٤) عن ابن عباس أنّ بعض المشركين كان يزعم أنّ زيارة البيت الحرام وخدمته خير من التوحيد والجهاد، فجاءت الآية تكذب ذلك وتبين وجه الحق. انظر ((المفصل)). وهذا الحكم يعم أيضًا من يُشغل بأمور الحج أو الحجّاج، ويهمل واجبات الإيمان والحكم الشرعي والجهاد للعدو الغاصب المهيمن. وجعلتم: صيّرتم. والسقاية: تقديم الماء وتيسير شربه. والمراد الخدمة اللازمة في مواسم الحج والعمرة. والحاجّ: مفرده حاجّ أيضًا. والعمارة: الزيارة والطواف والقعود. وأهل ذلك: يعني القائمين بالسقاية والعمارة. وجاهد: بذل أقصى ما يستطيع من النفس والمال والقدرات والأهل والوطن بإخلاص واحتساب. وفي سبيله أي: لإعلاء كلمته ونصرة دينه والمسلمين. ولا يستوون أي: ليس الفريقان متساويين، بل الثاني هو صاحب الفضل والفلاح. وعنده أي: في حكمه وقضائه. ولا يهديهم أي: يصرف قدراتهم بحسب اختيارهم الفاسد واستعدادهم السيئ، ولا يوفقهم في التوجه إلى الحق. و((نزلت)) هذا قول آخر في سبب نزول الآية، يشير إلى ماكان بين جماعة من المؤمنين، إذ افتخر بعض بسقاية الحجاج، وآخرون بزيارة الكعبة، وآخرون بالإيمان والجهاد، فزجرهم عمر بن الخطاب، واستفتى النبيَّ وَّ في ذلك، فنزلت الآية ١٩. انظر الحديث ١٨٧٩ في مسلم و((المفصل)). ولامانع أن يكون للآيات أكثر من سبب للنزول. وهاجروا: هجروا ديارهم وأهلهم وأموالهم إلى المدينة قبل عام الحديبية. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. وأعظم أي: أرفع وأفخم. ويبشر: يخبر بما هو ذو فرح. والرحمة: العطف بالفضل. ومنه أي: من عنده بتفضله. والرضوان: القبول للأعمال مع نهاية الإحسان. والجنة: الحديقة العظيمة. والنعيم: نضارة العيش وحسن الحال. والخالد: المقيم مدة طويلة. والأبد: مدة الزمن كله. وعنده أي: في ملكه وتصرفه وعطائه. والأجر: الثواب. والعظيم: الكبير الفخم لا مثيل له. ٩ - سورة التوبة سُورَةِ التَّوْبَيُّ ١٩٠ الجزء العاشر الجزء الخَشَاء يُبَشِّرُهُمْ رَتُهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّاتٍ لَّْ فِيهَا نَعِيمٌمُقِيمُ (® خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّاللَّهَ عِندَهُ أَجْرُّ عَظِيمٌ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَتَّخِذُ وَأْءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ أَسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنِّ وَمَنْ يَتَّوَلَّهُمْ مِّنَكُمْ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِّمُونَ ﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمٌ وَعَشِيرَتُُّ وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ ◌َتَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَ بَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِّوَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْأَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (٢٥) ثُمََّلَ اللّهُسَكِينَتَهُ, عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّوْتَرَوْهَا أَوَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ؟ لا يَستَؤُونَ عِندَ اللهِ﴾ في الفضل - ﴿واللهُ لا يَهدِي القَوَمَ الظّالِمِينَ﴾ ١٩: الكافرين. نزلتْ ردًّا على من قال ذلك. وهو العبّاس أو غيره - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا، وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأموالِهِم وأنفُسِهِم، أعظَمُ دَرَجَةً﴾: رُتبة ﴿عِندَ اللهِ﴾ من غيرهم، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفائزُونَ﴾ ٢٠: الظافرون بالخير، ﴿يُبَشِّرُهُم رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ورِضوانٍ، وجَنّاتٍ لَهُم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ٢١: دائم، ﴿خالِدِينَ﴾: حال مُقدّرة ﴿فِيها أبَدًا. إنَّ اللهَ عِندَهُ أجرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢٢. ١- ونزل فيمن ترك الهجرة، لأجل أهله وتجارته: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَتَّخِذُوا آباءَكُم وإخْوانَكُم أولِياءَ، إنِ اسْتَحَبُّوا﴾: اختاروا ﴿الكُفرَ عَلَى الإِيمانِ. ومَن يَتَوَّلَّهُم مِنكُم فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢٣. قُلْ: إن كانَ آبَاؤُكُم وأبناؤُكُم وإخْوانُكُم وأزواجُكُمـ وعَشِيرتُكُم﴾: أقرباؤكم - وفي قراءة: ((عَشِيراتُكُم)) - ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾: اكتسبتموها، ﴿وتجارةٌ تَخْشَونَ كَسادَها﴾: عدم نَفاقها ﴿ومَساكِنُ تَرضَونَها، أحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾، فقعدتم لأجله عن الهِجرة والجِهاد، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: انتظروا ﴿حَتَّى يأْتِيَ اللهُ بِأمرِهِ﴾. تهديد لهم. ﴿واللهُ لا يَهدِي القَومَ الفاسِقِينَ﴾ ٢٤. ٢- ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ﴾ للحرب ﴿كَثِيرةٍ﴾، كبدرٍ وقُریظةَ والنضيرِ، ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ حُنَينٍ﴾: وادٍ بين مكّة والطائف، أي يومَ قِتالكم فيه هوازنَ - وذلك في شوّال سنة ثمانٍ - ﴿إِذَ﴾: بدل من ((يوم)) ﴿أعجَبَتْكُمْ كَثرَتُكُم﴾، فقلتم: لن نُغلَب اليوم من قِلّة - وكانوا اثني عشر ألفًا والكُفَّارُ أربعة آلاف - ﴿فَلَم تُغْنِ عَنكُمْ شَيئًا! وضاقَتْ عَلَيكُمُ الأرضُ بِما رَحُبَتْ﴾ ما: مصدريّة أي: مع رُحيِها أي سَعتِها، فلم تجدوا مكانًا تطمئنون إليه لشِدّة ما لحقكم من الخوف، ﴿ثُمَّ وَلَيْتُم مُدبِرِينَ﴾ ٢٥: منهزمين، وثَبَتَ النبيّ ◌َ ◌َّ على بغلته البيضاء، (١) ما ذكره السيوطي هنا قد يعني أن الآيتين مكيتان، خلافًا لما ذكره في مستهل تفسير السورة. والأقرب إلى الصواب أنه لما أمر الله بالتبري من المشركين قال بعض المسلمين ممن في المدينة ومكة: كيف يمكن أن نقاطع آباءنا وإخواننا وأبناءنا؟ فنزل ما يوجب مقاطعتهم شرعًا. تفسير الخازن ٧١:٣. وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وتتخذوا: تجعلوا. والآباء: جمع أب. ويراد به الوالد والجد. والإخوان: جمع أخ. ومراد بهم الأقارب كذلك. والأولياء: جمع ولي. وهو الصديق يواده الإنسان ويُسِرّ إليه ما في نفسه. واستحب: أحب. والكفر: تكذيب الله ورسوله. ويقابله الإيمان. ويتولاهم: يتخذهم أولياء. والظالم: من تجاوز الحد لعصيانه أمر الله. والأبناء: جمع ابن. وهو الولد والحفيد. والأزواج: الزوجات، جمع زوج. والعشيرة: الأقرباء من القبيلة. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. والتجارة: البضائع تعدّ للبيع والربح. وتخشون: تخافون. والنَّفاق: الرواج وسرعة البيع. وفي المنحة والمطبوعات: ((عدم نفادها)). والمساكن: جمع مسكن. وهو الدار للإقامة والاستقرار. وترضونها: تحبونها لحسنها وما فيها. وأحب: أكثر مودة وتفضيلًا. والمراد هنا الحب الاختياري، أي: الملازمة وعدم المفارقة، لا الحب الجِبلّيّ الذي لا يخلو عنه البشر. فهذا غير داخل في التكليف الذي يكون ضمن الطاقة. والجهاد: بذل أقصى ما يستطاع، من النفس والمال والجهد والجاه والعلم والوقت. وفي سبيله أي: لإعلاء كلمته ونصرة دينه. ولأجله يعني: لأجل حب تلك الأنواع الثمانية. ويأتي به: يوقعه ويقضيه. والأمر: العذاب العاجل والآجل. ولا يهديهم أي: لا يرشدهم إلى الحق والصلاح، لما في نفوسهم من الضلال واختيار العصيان. والقوم: الجماعة من الناس رجالاً ونساء. والفاسقون: جمع فاسق. وهو المصرّ على الخروج عن الطاعة. (٢) نصركم: أعانكم على الأعداء. والمواطن: جمع موطن. وهو الموقف يوطّن فيه المرء نفسه للقاء العدو. وهي متعددة ذكر العلماء أنها ثمانون. وكثيرة أي: عددها وافر. وبدر: اسم مكان، أي: كمواطن غزوة بدر. وقُريظة والنَّضير: جماعتان من اليهود سلالة هارون انتصر عليهما المسلمون. واليوم: الوقت. انظر («المفصل)). وهوازن: قبيلة من قيس عيلان. وأعجبتكم: سرتكم وصرفتكم عن التوكل على الله. والكثرة: العدد الوافر. ومن قلة أي: بسبب قلة العدد. والقول هذا نُسب إليهم جميعًا، مع أنه صدر عن واحد منهم، لأن أكثرهم لم ينكره. الدر المنثور ٢٢٤:٣. ولم تغن أي: لم تدفع ولم تقدّم ما يسعف. وضاقت عليكم أي: كأنها انضم بعضها إلى بعض وصغر مداها. ورحبت: اتسعت وامتدت. ووليتم: هربتم. والمدبر: الذي يوجّه ظهره لعدوه في الهرب. وأبو سفيان هذا ابن عم الرسول، عليه السلام. وهو المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب. وآخذ بركابه أي: ممسك بسرج بغلته ليدافع عنه. والمشهور أن الذين ثبتوا يومئذ هم عشرة من الرجال، وأَمُّ سُليم بنت ملحان بيدها خِنجر تطعن به، وتقول: بأبي أنت وأمي، يارسول الله. اقتلْ هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك. فإنهم لذلك أهل. الإصابة ٢٢٧:٨-٢٣٠. وأنزلها: خلقها وأثبتها في النفوس. وردوا أي: رجعوا كرة واحدة. وبإذنه أي: بأمر النبي ◌َّ. وأنزل الجنود: بعثها. والجنود: واحده جند. والجند: واحده جُندي. ولم تروها أي: لم تبصروها بأعينكم. وعذبهم: أنزل بهم ما يسوءهم من الانتقام. والجزاء: العقاب. وكان الأسر للنساء والصبيان فبلغ عددهم ستة آلاف، وفي الغنائم من الإبل اثنا عشر ألفًا، ومن الغنم والسلاح والمتاع ما لا يحصى. ويتوب على من يشاء أي: يوفق من أراد له التوبة في الرجوع عن الكفر والعصيان، لِما يعلمه من استعداده للإيمان وحسن اختياره للصلاح. وذلك أي: التعذيب. وبالإسلام أي: بأن يُسلِم ويدع الشرك. وقد جاء بعد النصر بعض بني هوازن مبايعين مسلمين، ورجَوُا استرداد الغنائم والأسرى، فخُيِّروا بين هذه وهؤلاء، فاختاروا أن يردّ إليهم ذراريهم ونساؤهم. والغفور والرحيم: من المغفرة والرحمة. يعني أنه له كاملُ التجاوز عمن أسلم، ونهايةُ العطف بالإحسان إليه. الجزء العاشر ١٩١ ٩ - سورة التوبة وليس معه غيرُ العبّاس، وأبو سفيانَ آخذٌ برِكابه، (ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾: طُمأنينته ﴿عَلَى رَسُولِهِ وعلَى المُؤمِنِينَ﴾، فرَدُّوا إلى النبيّ ◌ََّ لمّا ناداهم العبّاس بإذنه وقاتلوا، ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَم تَرَوِها﴾: ملائكةً، ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر. ﴿وَذُلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ ٢٦. ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعدِ ذلِكَ عَلَى مَن يَشاءُ﴾ منهم بالإِسلام. ﴿والله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٧. ١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إنَّما المُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾: قذر لخُبث باطنهم. ﴿فلا يَقرَبُوا المَسجِدَ الحَرامَ﴾، أي: لا يدخلوا الحَرَمَ، ﴿بَعدَ عامِهِم هذا﴾ عام تسع من الهجرة، ﴿وإن خِفْتُم عَيلةٌ﴾: فقرًا، بانقطاع تجارتهم عنكم، ﴿فَسَوفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضِلِهِ، إن شاءَ﴾. وقد أغناهم بالفُتوح والجِزية. ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢٨. ٢- ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِالْيَومِ الآخِرِ﴾ - وإلّا لآمنوا بالنبي - ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ كالخمر، ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾: الثابتِ الناسخ لغيره من الأديان - وهو الإِسلام - ﴿مِنَ﴾: بيانٌ لِـ ((الَّذِينَ)) ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أي: اليهودِ والنصارى، ﴿حَتَّى يُعطُوا الجِزْيَةَ﴾: الخراج المضروب عليهم كُلّ عام، ﴿عَن يَدٍ﴾: حالٌ أي: منقادين، أو بأيديهم لا يُوكِّلون بها، ﴿وَهُم صاغِرُونَ﴾ ٢٩: أذلّاءُ منقادون لحُكم الإِسلام. سُورَةَ التَّوْيَّة المجرةُ الَشة ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسُُّ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ قَائِلُوا الَّذِينَ لَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِ وَلَا يُحْرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اَلْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَ قَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمٌ أَيُضَهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَنَّلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿ أَتَّخَذُوَ أْأَحْبَارَهُمْ أَوَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوّا إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَاحِدًا لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبُحَنَهُ, عَمَّا يُشْرِكُونَ ٣- ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ. وقالَتِ النَّصَارَى: المَسِيحُ﴾ عيسى ﴿ابنُ اللهِ. ذُلِكَ قَولُهُم بِأفواهِهِم﴾ لا مُستندَ لهم عليه، بل ﴿يُضاهُونَ﴾: يُشابهون به ﴿قَولَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبلُ﴾ من آبائهم تقليدًا لهم. ﴿قَاتَلَهُمُ﴾: لعنهم ﴿اللهُ. أنَّى﴾: كيف ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ ٣٠: يُصرفون عن الحقّ، مع قِيام الدليل؟ ﴿اَّخَذُوا أحبارَهُم﴾: عُلماءَ اليهود، ﴿وَرُهبانَهُم﴾: عُبّادَ النصارى، ﴿أربابًا مِن دُونِ اللهِ﴾، حيثُ اتّبعوهم في تحليل ما حُرّم وتحريم ما أُحِلّ، ﴿والمَسِيحَ (١) انظر سبب النزول في المفصل. والمشرك: من جعل مع الله شريكًا له في الألوهية. وبعض العلماء على أن أهل الكتاب هم مشركون أيضًا. انظر البحر ٢٧:٥ والآية ٣١. ويقربه: يدنو منه. والمسجد الحرام: المسجد الذي فيه الكعبة. والعام: الحول، من أول محرم إلى آخر ذي الحجة. و((عام تسع)) صوابه ((سنة تسع)) كما في تفسير البغوي والتلخيص. وخفتم: خشيتم وتوقعتم. ويغنيكم: يجعلكم ذوي قدرات تكفيكم، فلا تحتاجون إلى الغير. والفضل: التفضل بالنعم. وشاء أي: أراد إغناءكم. والجزية أي: وإرسال الأمطار النافعة، وإقبال المسلمين على مكة بالتجارات والميرة والمتاع الوافر. وعليم حكيم أي: محيط بأحوالكم وما يصلحكم، وتصدر مشيئته عن الحكمة. (٢) قاتلوهم: حاربوهم بكل وسيلة. ولا يؤمن: يكذّب ويجحد. واليوم: الوقت. والآخر: المتأخر بعد الموت يكون فيه البعث للحساب. و((إلّا لآمنوا)): انظر تفسيره للآية ٧٥ من سورة المائدة. فهو يريد: ولولا عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر لآمنوا بالنبي. ذلك لأن اليهود يعتقدون التشبيه والتجسيم، وهم والنصارى يعتقدون الحلول، ويظنون بيوم القيامة الأباطيل، ويكذبون كثيرًا من الأنبياء. وانظر الآيات ٣٠-٣٣. وكان هرقل قد جمع لحرب المسلمين بعض الروم والعرب واليهود، فأمر الله بقتالهم أيضًا. انظر الآية ٣٨. وحرمه: منعه. وكالخمر أي: ولحم الخنزير والكذب على الله، والربا والرشوة وإشاعة الفواحش والمنكرات. ويدينه: يعتقد صحته بيقين. والدين: العقيدة والشريعة. وأوتوا الكتاب: أُنزل إليهم وأمروا باتباعه. ويعطوها أي: يعطوكم إياها. يعني: يُقرّوا بها ويلتزموا ذلك بعقد موثق. وتفسير السيوطي ((عن يد)) يحتمل معاني: أحدها أن اليد بمعنى القوة من المخاطبين، أي: صادرين عن قوة منكم وردع لهم. والآخر أي: يسلمونها بأيديهم، ولا يكلون ذلك إلى غيرهم. وفي حاشية ع: ((قوله أو بأيديهم أي: تؤخذ منهم ولا تبقى بأيديهم)). والصاغر: من الصَّغار. وهو الانقياد والخضوع. وهذا خاص بالمحاربين، من غير المسلمين وغير المشركين العرب، يضعها الإمام عليهم إذا غُلبوا في الحرب، ويدفعونها كذلك لإقرارهم على الأملاك والديار والمسالمة. ومن الجزية مايكون بالصلح يدفعه المصالحون بالتراضي. ومنها مايكون على غير المسلمين في البلد الإسلامي، ضريبة يؤدونها لحمايتهم ورعاية مصالحهم، أي: مقابل تمتعهم بذمة الله ورسوله. ومقدار الجزية قرابة دينار في العام الواحد على الرجل غير العاجز. أما مشركو العرب، ولا سيما قريش، فليس لهم إلّا الإسلام أو القتال. تفسير الآلوسي ١٠ : ١١٤ -١١٧ . (٣) انظر سبب النزول في المفصل. واليهود: واحده يهودي. وعزير نبي لهم جاء يجدد عهد التوراة، فزعموا أنه ابن الله تعالى. والنصارى: جمع نصران. وذلك أي: ما قاله اليهود والنصارى. والأفواه: جمع فَوه. وهو الفم. وفي ط وقرة العينين والمنحة والمطبوعات: ((يُضاهِئُونَ)). ومن قبل أي: من قبلهم. واتخذوا: جعلوا. والأحبار: جمع حَبر. والرهبان: جمع راهب. والأرباب: جمع رب. ومن دونه أي: من غيره. وانظر الحديث ٣٠٩٤ في الترمذي. وأمروا: فرض عليهم. ويعبدوا أي: يقدسوا ويطيعوا. والإله: المعبود بحق وحده. وما يشركون: الإشراك في العبادة والطاعة. ويريدون: يطلب الكافرون. ويطفئ: يخفي. والنور: ما يضيء فتتبين به الأشياء. ويأبى: يمنع ولا يريد. ويتمه: يزيد إنارته ويحققها كاملة. وكره: أبغض. والكافر: الذي يخفي حقيقة الإسلام. وأرسل: بعث إلى الناس جميعًا. والهدى: الدلالة على الحق. ودين الحق: الإسلام. انظر الآية ٢٩. والمشرك: من يعبد بعض المخلوقات مع الله . ٩ - سورة التوبة ١٩٢ الجزء العاشر سُورَةِ التَّوْنَةْ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبِىَ اللَّهُإِلَّ أَنْ يُتِوَ نُورَهُ, وَلَوْكَرِهَ اُلْكَفِرُونَ [® هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ◌ِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ [﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاُلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَأَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشْرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى هُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ عَلَيْهَا فِى نَارِجَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُ وَظُهُورُهُمِّ هَذَا مَا كَتَرْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْمَا كُمُ تَكْنِزُونَ ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبٍ اَللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ اَلْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُوَأ ◌َنَّاللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ ابنَ مَريَمَ، وما أُمِرُوا﴾ في التوراة والإنجيل ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ أي: بأن يعبدوا ﴿إِلَهَا واحِدًا، لا إلّهَ إلّا هُوَ. سُبحانَهُ﴾: تنزيهًا له ﴿عَمّا يُشرِكُونَ ٣١! يُرِيدُونَ أن يُطفِئُوا نُورَ اللهِ﴾: شرعَه وبراهينه، ﴿بِأفْواهِهِم﴾: بأقوالهم فيه، ﴿ويأبَى اللهُ إلّا أن يُتِمَّ﴾: يُظهِرَ ﴿نُورَهُ، ولَو كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ٣٢ ذلك. ﴿هُوَ الَّذِي أرسَلَ رَسُولَهُ﴾ مُحمّدًا، (بِالهُدَى ودِينِ الحَقِّ، لِيُظهِرَهُ﴾: يُعلِيَه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلُّهُ﴾: جميعٍ الأديان المُخالفة له، ﴿وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾ ٣٣ ذلك. ١ - ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحبارِ والرُّهبانِ لَيَأْكُلُونَ﴾: يأخذون ﴿أَمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾، كالرُّشا في الحُكم، ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: دِينه، ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضّةَ، ولا يُنفِقُونَها﴾ أي: الكنوزَ ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، أي: لا يُؤدّون منها حقّه من الزكاةِ، والخبرُ: ﴿فَبَشِّرْهُم﴾: أخبِرْهم ﴿بِعَذابٍ ألِيم﴾ ٣٤: مُؤْلِم، ﴿يَومَ يُحمَى عَلَيها في نارٍ جَهَنَّمَ، فَتُكوَى﴾: تُحرَقُ ﴿بِها جِياهُهُم وجُنُوبُهُم وظُهُورُهُم﴾، ويُوسّع جلدهم حتى تُوضع عليه كلّها، ويقال لهم: (هذا ما كَنَزْتُم لِأَنفُسِكُم. فَذُوقُوا ما كُنتُم تَكَنِزُونَ﴾ ٣٥ أي: جزاءَه. ٢- ﴿إِنَّ عِدّةَ الشُّهُورِ﴾ المُعتدِّ بها للسَّنة ﴿عِندَ اللهِ اثنا عَشَرَ شَهْرًا، في كِتابِ اللهِ﴾: اللوحِ المحفوظ ﴿يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، مِنها﴾ أي: الشُّهورِ ﴿أَربَعَةٌ حُرُمٌ﴾: مُحرَّمَة: ذو القَعدة وذو الحِجّة والمُحرّم ورجب. ﴿ذُلِكَ﴾ أي: تحريمُها ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾: المستقيم. ﴿فلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ أي: الأشهرِ الحُرمِ ﴿أَنفُسَكُم﴾ بالمعاصي - فإنها فيها أعظم وِزرًا. وقيل: في الأشهُرِ كُلّها - ﴿وقاتِلُوا المُشرِكِينَ كافّةً﴾ أي: جميعًا في كُلّ الشُّهور، ﴿كَما يُقاتِلُونَكُم كافّةً، واعلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ ٣٦ بالعون والنصر. (١) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. والكثير: العدد الوافر لا يحصى. والأحبار: جمع حَبر. وهو العالم من اليهود. والرهبان: جمع راهب. وهو العابد من النصارى زهد في الدنيا، وانقطع عن الناس في الصومعة. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. والناس: البشر. والباطل: الظلم والعدوان. والرشا: جمع رشوة. وهي ما يدفع لإحقاق باطل أو إبطال حق. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧٩ من سورة البقرة. ويصدون: يمنعون. والسبيل: الطريق الواضح. ويكنز: يجمع ويخزن. والذهب: المعدن الأصفر الثمين. والفضة: المعدن الأبيض النفيس. والمراد أيضًا ما يصاغ منهما أو يقابلهما من النقد والجواهر. وينفق: يبذل ويصرف. والكنوز: جمع كنز. وسبيل الله: الطريق الذي شرعه للإنفاق. والعذاب: التعذيب في الآخرة. وهو الكي بالكنوز المحمّاة. ونزل هذا الحكم في مانعي الزكاة والحقوق المشروعة، من المسلمين وغيرهم، ولاسيما الأحبار والرهبان. انظر الحديثين ١٣٤١ و٤٣٨٣ في البخاري وتفاسير الطبري ٢٢٧:١٤ وابن أبي حاتم ٤: ٤٥ والخازن ٨٦:٣ والبحر ٣٦:٥ والواحدي ص ٢٤٣. ويحمى عليها أي: تُسخّن الكنوز من الذهب والفضة كثيرًا، حتى تلتهب وتصبح صفائح من النار. وجهنم: اسم علم لما أعدّ للكافرين من العذاب. والجباه: جمع جبهة. وهي ما بين الحاجبين. والمراد هنا جهة الأمام من الإنسان كلها. والجنوب: جمع جنب. وهو الطرف. والظهور: جمع ظهر. وهو هنا جهة الخلف كلها. وبذلك يشمل الكي جميع الجسد. وفيما عدا الأصل والنسختين: ((وتوسع جلودهم حتى توضع عليها كلها)) مع خلاف يسير. وهذا ما كنزتم أي: هذا الكتيّ عقاب ما كنزتم لمنفعة أنفسكم، فكان عين ضررها وعذابها. وذوقوا أي: تحملوا وقاسوا. وفيه معنى التهكم والتبكيت. (٢) كانت العرب في الجاهلية، إذا طال عليها أمد تحريم القتال في ثلاثة أشهر متوالية، تؤخر شهر محرم فتجعله مكان صفر، لتستحل القتال، وتؤخر الأشهر التالية فتصير السنة ثلاثة عشر شهرًا. وبذلك كان الحج يقع تارة في وقته، وأحيانًا في شهر آخر، فنزلت الآية تبين الرجوع إلى الحق وترك ماكان من النسيء. وفي حجة الوداع كان الحج قد صار في شهر ذي الحجة على الصواب. تفسير الخازن ٨٩:٣ والبحر ٣٧:٥-٣٨. والجمهور على أن حرمة القتال في الأشهر الحرم منسوخة بتتمة الآية. انظر تفاسير الخازن ٩٠:٣ والقرطبي ١٣٤:٨ وفتح القدير ٥٠٣:٢. والعِدة: العدد. والشهور: جمع شهر. وهو مدة دوران القمر حول الأرض مرة واحدة. والمعتدّ بها أي: المعتبرة في الحقيقة. وعند الله أي: في حكمه لا بابتداع الناس. واللوح المحفوظ: الكتاب الرباني سجل فيه ما سيكون في جميع الخلق، من قضاء محتوم أو محتمل. واليوم: الزمن والحين. ويوم: مفعول فيه ظرف زمان منصوب ومضاف. وهو متعلق بصفة محذوفة لـ (اثنا عشر))، أي: ثابتة منذ خلق الأجرام والأزمنة. وتعليقه بـ((عدة)) مردود لسببين: لأن حكم الله في اللوح المحفوظ كان قبل خلق السماوات والأرض، ولأن عدة هنا اسم ذات. فهو غير عامل. انظر ((المفصل)). وخلق: أوجد من العدم. ومنها أي: من الاثني عشر، لا من ((الشهور)) كما ذكر السيوطي. والحرم: جمع حرام. وهو المحترم المعظم، يحرم فيه القتال وتكثر فيه الطاعات. والدين: الشرع، أي الحساب الشرعي. والمستقيم أي: المنتظم الواضح الكامل البالغُ النهايةِ في الإحكام. ولا تظلموا أنفسكم أي: لاتعتدوا عليها فتسببوا لها العقاب بتجاوز الحق، وأكثروا فعل الخيرات. وفي الأشهر كلها أي: دائمًا . وهذا وجه آخر لتفسير ((فيهن)). والأول أولى لأن سياق النظم الكريم هو في حكم الأشهر الحرم، لا في العامّة منها. وقاتلوهم يعني: ابدؤوهم بالقتال. وفي كل الشهور أي: الحُرُم وغيرها، لأن قتال الجميع يعني أيضًا جميع الأحوال والأزمان والبقاع. والمتقون: الذين يتجنبون العصيان ويلزمون الطاعة. الجزء العاشر ١٩٣ ٩ - سورة التوبة ١- ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ أي: التأخير لحُرمة شهر إلى آخَرَ، كما كانت الجاهليّة تفعله من تأخير حُرمة المُحرّم إذا هلَّ، وهم في القتال، إلى صفرِ ﴿زِيادةٌ في الكُفرِ﴾ لكُفرهم بحُكم الله فيه، ﴿يُضَلَّ﴾ - بضمّ الياء وفتحها - ﴿بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ﴾ أي: النسيءَ ﴿عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا، لِيُواطِئُوا﴾: يُوافقوا بتحليل شهرٍ وتحريم آخر بدلَه ﴿عِدّةَ﴾: عددَ ﴿مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ من الأشهُر، فلا يزيدون على تحريم أربعة ولا ينقصون ولا ينظرون إلى أعيانها، ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ. زُيِّنَ لَهُم سُوءُ أعمالِهِم﴾، فظنّوه حسنًا. ﴿واللهُ لا يَهِدِي القَومَ الكافِرِينَ﴾ ٣٧ . ٢- ونزل، لمّا دعا رسول الله وَ ﴿ الناس إلى غزوة تَبُوكَ، وكانوا في عُسرةٍ وشِدّة وحرّ، فشقّ عليهم: ﴿يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا، ما لَكُم إذا قِيلَ لَكُمُ: انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ. اثّاقَلْتُمْ﴾ - بإدغام التاء في الأصل في المُثلّثة واجتلاب همزة الوصل - أي: تباطأتم ومِلتم عن الجِهاد ﴿إِلَى الأرضِ﴾ والقُّعود فيها؟ والاستفهام للتوبيخ. ﴿أَرَضِيتُم بِالحَياةِ الدُّنيا﴾ ولذّاتها ﴿مِنَ الآخِرِةِ﴾ أي: بدلَ نعيمها؟ ﴿فما مَتَاعُ الحَياةِ الدُّنيا، في﴾ جنب متاع ﴿الآخِرةِ، إلّا قَلِيلٌ﴾ ٣٨: حقير. ﴿إِلّ﴾ - بإدغام ((لا)) في نون ((إن)) الشرطيّة في الموضعين - ﴿تَنْفِرُوا﴾: تخرجوا مع النبيّ للجِهاد ﴿يُعَذَّبْكُمْ عَذَابًا ألِيمًا﴾: مُؤلمًا، ﴿وَيَستَبدِلْ قَومًا غَيرَكُم﴾ أي: يأتِ بهم بدلكم، ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ أي: اللهَ أو النبيَّ ﴿َشَيْئًا﴾ بترك نصره! فإنّ الله ناصرٌ دِينَه. ﴿واللهُ علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣٩، ومنه نصر دينه ونبيّه . سُورَة التَّوَّة إِنَّمَا النَِّىُّ زِيَادَةٌ فِىِ الْكُفْرِيُضَلُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاِفُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ اللَّهَ زُيِّنَ لَهُمْسُوءُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْمَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّاقَلْتُمْ ﴿إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَامِنَ الْآَخِرَةِّ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَافِ الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ إِلَّا تَفِرُ وايُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللَّهُ إِذْ أَ خْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُ واْثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اُللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا. وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَىّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ (٥) ٣- ﴿إِّ تَنصُرُوهُ﴾ أي: النبيَّ ﴿فَقَد نَصَرَهُ اللهُ، إذْ﴾: حينَ ﴿أخرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مكّة أي: ألجؤوه إلى الخُروج، لمّا أرادوا قتله أو حبسه أو نفيه بدار الندوة، ﴿ثانِيَ اثنَينِ﴾: حالٌ أي: أحدَ اثنين، والآخرُ أبو بكر - المعنى: نصره الله في مِثل تلك الحالة، فلا يَخذِله في غيرها - ﴿إِذْ﴾: بدل من ((إذ)) قبله ﴿هُما في الغارِ﴾: نَقبٍ في جبلِ ثور، ﴿إِذْ﴾: بدلٌ ثانٍ ﴿يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾ أبي بكر، وقد قال له لمّا نظر أقدام المشركين: «لَو نَظَرَ أَحَدُهُم تَحتَ قَدَمَيهِ لأبصَرَنا»: ﴿لا تَحَزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا﴾ بنصره. ﴿فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينتَهُ﴾: طُمأنينته ﴿عَلَيْهِ﴾ - قيل: على النبيّ، وقيل: على أبي بكر - ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ أي: النبيَّ ﴿بِجُنُودٍ لَم تَرَوها﴾: ملائكةٍ في الغار ومواطن قِتاله، ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: دعوةَ الشِّرك ﴿السُّفَلَى﴾ المغلوبةَ. ﴿وكَلِمةُ اللهِ﴾ أي: كلمة الشهادة ﴿هِيَ العُليا﴾: الظاهرةُ الغالبة. ﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ في مُلكه، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٤٠ في صُنعه. (١) حرمة الشهر: تعظيمه بعدم القتال فيه. وهلّ: ظهر هلاله. وهم في قتال أي: وهم راغبون في القتال. فقد كانوا يعتقدون حرمة الأشهر الحرم، ويشق عليهم ترك الغارة والمعاصي ثلاثة أشهر متوالية. وكان أبناءُ القَلَمَّس الكنانيّ يؤخرون تسميةَ محرم لتكون لصفر. والكفر: التكذيب لأمر الله. ويُضَلُّ: يُمَدُّ بما هو فيه من الباطل واختيار العصيان. وبفتحها يريد القراءة ((يَضِلُّ))، أي: ينصرف عن الحق. والسيوطي يذكر هنا قراءتين لا ثلاثًا، خلافًا لما في الفتوحات والصاوي والمنحة. ويحلونه: يجعلونه حلالاً. وعامًا أي: في أحد الأعوام. ويحرمونه: يجعلونه حرامًا. وأعيانها أي: التعيين الحقيقي للأشهر الأربعة التي حرمها الله. وزين: حُسّن وجُمّل. والسوء: القبيح والفاسد. والأعمال: جمع عمل. وهو ما يكتسبه الإنسان من نية أو قول أو فعل. ولا يهديه: يُمِدّ قدراته بما يناسب اختياره الفاسد واستعداده السيئ. والكافر: الذي يصرّ على تكذيب الله وعصيانه. (٢) تبوك: حصن قريب من حدود الشام، تجمّع فيه الروم وبعض اليهود وقبائل العرب لحرب المسلمين، فأمر الله بغزوهم في رجب سنة تسع. وشق: اشتد. وانفروا: اخرجوا للجهاد سريعًا. وفي سبيل الله أي: لإعلاء كلمته وردع أعدائه ونصرة دينه. وما ذكر عن الإدغام يعني أن الأصل ((تَثاقَلتُم)). والزيادة في الفعل للمبالغة، سكنت التاء وأبدلت ثاء وأدغمت في التاء الثانية. ولتعذّر البدء بالساكن جيء بهمزة الوصل في أول الفعل، فصار الوزن: اتْفاعَل. ورضيتم: قبلتم. ونعيمها: نعيم الآخرة الدائم. والمتاع: ما يتمتع به ثم يزول. والموضعين أي: أول الآيتين ٣٩ و٤٠. وانظر ((المفصل)). ويعذبكم: يعاقبكم بالقحط والفتن، وبالنار في الآخرة. ويستبدل أي: يبدل بكم. ولا تضروه: لا تلحقوا بدينه أذى. والقدير: من القدرة. وهي التمكن من الأمور والتحكم فيها. (٣) تنصروه أي: تعينوه بالجهاد وتدافعوا عنه أعداءه. والذين كفروا أي: مشركو مكة. انظر الآية ٣٠ من سورة الأنفال. ويخذله: يتخلى عنه. وجبل ثور: بجنوب مكة على مسير ساعة في الطريق إلى اليمن. ويقول أي: النبي ◌َّهه. والصاحب: المرافق في الهجرة. ونظر: أبصر. وفيما عدا الأصل وخ: ((لما رأى أقدام المشركين)). ولا تحزن: لا تغتمّ واطمئن. ومعنا أي: يصحبنا ويحفظنا. وأنزل: خلق. وأيده: جعل له الغلبة. والجنود: واحده جندي. وتروها: تبصروها. وجعل: صيّر. والسفلى: من السفول، عُبِّر به عن الغلبة. وكلمة الشهادة أي: عبارة التوحيد. والعليا: من الارتفاع والسمو، عُبِّر به عن التغلب. والعزيز والحكيم: من العزة - وهي الغلبة والقهر - ومن الحكمة. وهي وضع الأمور فيما يقتضيه الصواب والحق. ٩ - سورة التوبة ١٩٤ الجزء العاشر الحرة الورشة سُورَة التَّوْبَٹ أَنْفِرُ واْخِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُ واْ بِأَ مْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ() لَوْ كَانَ عَرَ ضًا قَرِيبًا وَسَفَرًّا قَاصِدًا لَّأَتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِينَ ﴿﴿لَا يَسْتَعْذِنُكَ الَّذِينَ أَيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُ واْبِأَ مْوَ لِهِمْ وَأَنْفُسِهِمُّ ◌َاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ (٣) إِنَّمَا يَسْتَقْذِنُكَ الَّذِينَ لَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ ﴾ وَلَوْأَرَادُواْ الْخُرُوجَ لَأَعَدُّواْلَهُعُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ الْبِعَاثَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُ وامَعَ الْقَعِدِينَ ﴿ لَوْخَرَ جُواْفِيَكُمْ مَّازَادُوكُمْ إِلَّا خَبَا لَا وَلَأَ وْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمَّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ 2 ١- ﴿انفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾: نشاطًا وغيرَ نِشاط - وقيل: أقوياءَ وضُعفاء، أو أغنياءَ وفُقراء. وهي منسوخة بآيةِ (لَيسَ علَى الضُّعَفاءِ» - ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكُم وأنفُسِكُم في سَبِيلِ اللهِ. ذُلِكُم خَيرٌ لَكُم، إن كُنتُم تَعلَمُونَ﴾ ٤١ أنه خير لكم فلا تتثاقلوا. ونزل في المنافقين الذين تخلّفوا: ﴿لَو كانَ﴾ ما دعوتَهم إليه ﴿عَرَضًا﴾: متاعًا من الدنيا ﴿قَرِيبًا﴾: سهلَ المأخذِ، ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾: وسَطًا، ﴿لَا تَّبَعُوكَ﴾ طلبًا للغنيمة، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيهِم الشُّقَةُ﴾: المسافة فتخلّفوا. ﴿وسَيَحِلِقُونَ بِاللهِ﴾، إذا رجَعتم إليهم، ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾َ الخُروجَ ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُم، يُهلِكُونَ أَنفُسَهُم﴾ بالحَلِف الكاذب، ﴿وَاللهُ يَعلَمُ إِنَّهُم لَكاذِبُونَ﴾ ٤٢ في قولهم ذلك. ٢- وكان - صلّى الله عليه وسلّم - أذِن لجماعة في التخلّف باجتهاد منه، فنزل عتابًا له، وقُدّم العفو تطمينًا لقلبه: ﴿عَفا اللهُ عَنكَ، لِمَ أذِنتَ لَهُم﴾ في التخلّف؟ وهلّ تركتهم ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في العُذر، ﴿وَتَعلَمَ الكاذِينَ﴾ ٤٣ فيه. ﴿لا يَستأذِنُكَ الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ﴾، فِي الخِزْ التخلّف عن ﴿أن يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِم وأنفُسِهِم. واللهُ عَلِيمٌ بِالمَّتَّقِينَ ٤٤. إنَّما يَستأذِنُكَ﴾ في التخلّف ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ، وارتابَتِ﴾: شكّت ﴿قُلُوبُهُم﴾ في الدِّين، ﴿فَهُم فِي رَبِهِم يَتَرَدَّدُونَ﴾ ٤٥: يتحیّرون. ٣- ﴿وَلَو أرادُوا الْخُرُوجَ﴾ معك ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدّةً﴾: أُهبةً من الآلة والزاد، ﴿ولْكِنْ كَرِهَ اللهُ انِبِعاثَهُم﴾ أي: لم يُرد خُروجهم، ﴿فَثَبَّطَهُم﴾: كسّلَهم، ﴿وقِيلَ﴾ لهم: ﴿اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ ٤٦ المرضَى والنِّساء والصِّبيان. أي: قدّر الله - تعالى - ذلك. ﴿لَو خَرَجُوا فِيكُم ما زادُوكُم إلّا خَبالَا﴾: فسادًا بتخذيل المُؤمنين، ﴿وَلَأَوضَعُوا خِلالَكُم﴾ أي: أسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة، ﴿يَبِغُونَكُمُ﴾: يطلبون لكم ﴿الفِتْنَةَ﴾ بإلقاء العداوة، ﴿وفِيكُم سَمّاعُونَ لَهُم﴾ ما يقولون سماعَ قَبول. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ٤٧. لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾ لك ﴿مِن قَبلُ﴾: أوّلَ ما قِدمتَ المدينة، ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أي: (١) انظر سبب النزول في المفصل. وانفروا: أسرعوا بالخروج لقتال العدو. والخفاف: جمع خفيف. وهو الذي يسهل عليه الجهاد. والثقال: جمع ثقيل. وهو الذي يشتد عليه ذلك. وآية: يعني الآية ٩١. وجاهدوا: ابذلوا أقصى الجهود. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. والأنفس: جمع نفس. وفي سبيل الله أي: لإعلاء كلمته ونصرة دينه. وخير: أنفع. وتعلم: تدرك. والعرَض: ما يحصل بيسر. وهو المتاع أو الزينة. واتبعوك: ساروا معك للقتال. وبعدت: صعب الوصول إليها. ويحلف: يُقسم الأيمان. واستطعنا: قدرنا بقوة أبدان وعدة. ويُهلك: يُتلف لعصيانه. ويعلم: يحيط كامل الإحاطة. والكاذب: من يقول غير الحق. (٢) الجماعة التي أذن لها هي من المنافقين، وذكرُ العتاب يعني أن العفو أُورد قبل العتاب على ترك الأفضل، ليتبين أمرهم. فقد كان المغرقون في النفاق قالوا: نستأذنه ونتخلف، إن أذن لنا، وإن لم يأذن. والأصح أن افتتاح الآية بالعفو هنا يعني أنه لاحرج عليه فيما فعل. وهو استفتاح كلام بالدعاء جرت عادة العرب فيه، أن يكون تعظيمًا للمخاطب، كما تقول: أصلح الله الأمير، ورضي عنك وهداك وأكرمك. البحر ٤٧:٥. ولفظ ((تطمين)) صحيح فصيح. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١٢٤ من سورة آل عمران. وعفا عنك أي: أكرمك الله وأحسن إليك. وأذنت: سمحت. ولم أذنت أي: كان الأَولى ألّا تأذن، وإن كان لك مباحًا ما فعلت. ويتبين: يظهر بالفعل. وصدقوا: قالوا الحق. وتعلم: تعرف. والكاذب: من يقول بلسانه ما لا أصل له. ويستأذن: يطلب السماح. ويؤمنون: يصدقون قلبًا ولسانًا وعملًا. واليوم: الوقت. والآخر: المتأخر يكون بالبعث بعد الموت. ويجاهدوا أي: يضحوا ويتبرعوا. والمعنى: ليس من عادة المؤمنين الاستئذان في ترك الجهاد دون عذر، لأنهم يبادرون إلى الطاعة دائمًا. واستئذان هؤلاء المنافقين يقتضي التأني في أمرهم لكشف نفاقهم. والأموال والأنفس: انظر الآية ٤١. والعليم: المحيط إحاطة كاملة. والمتقون: الذين يخافون الله فيتجنبون عصيانه ويلزمون طاعته ورضاه. وفي التخلف أي: بدون عذر شرعي. والقلوب: جمع قلب. والريب: الشك. وقد أصبح الاستئذان حينذاك دليل نفاق. (٣) أرادوا: قصدوا وطلبوا. وأعدوا: هيؤوا وجهزوا. والعُدة: ما يُعَدّ للاستعمال وقت الحاجة. والزاد أي: والنية الخالصة للجهاد. وكره: أبغض. و((لم يرد)) تأويل لمعنى: كره، لاتفسير للدلالة اللغوية. ولذلك قدّم له بـ ((أي)). واقعدوا أي: دعوا الجهاد والزموا التخلف. وذلك أي: قعودَهم مع القاعدين. فليس هناك قول بذلك، لأنه قدرٌ وقع بهم لِما هم عليه من النفاق، إذ ألهمهم الله أسباب الكسل والتخلف. وفيكم أي: معكم. وزادوكم: ضاعفوا ما يثيره ضعاف الإيمان منكم. والخلال: جمع خَلَل. وهو الفُرجة بين الشيئين. والفتنة: الشر والفساد. والسمّاع: الكثير الإنصات والتقبل. وسماع قبول أي: وطاعة وتنفيذ. والعليم: المحيط كاملَ الإحاطة. وانظر آخر الآية ٤٤. والظالم: الذي تجاوز الحق في نيته أو قوله أو عمله. والمراد أن الله محيط بدقائق أمورهم وخفيات صدورهم، فيجازيهم بما يستحقون. وابتغوا: طلبوا. والفتنة: الشر. وقبل أي: قبل هذه الغزوة، حين أثاروا الخصام بين الأوس والخزرج، وحرضوا المشركين واليهود، وانسحبوا في غزوة أحد، وغير ذلك. والأمور: جمع أمر. وهو الشأن والرأي. وتقليب الأمور: تصريفها وتدبرها للمبالغة في المكر. ولك أي: لأجلك. وجاء: حصل وثَبَتَ. والحق: الشيء الواقع حتمًا لابد منه. وعزّ أي: تغلب وانتصر. والكاره: المبغض المتألم. الجزء العاشر ١٩٥ ٩ - سورة التوبة أجالوا الفِكر في كيدك وإبطال دِينك، ﴿حَتَّى جاءَ الحَقُّ﴾: النصر، ﴿وَظَهَرَ﴾: عزَّ ﴿أمرُ اللهِ﴾: دِينُه، ﴿وَهُم کارِهُونَ﴾ ٤٨ له فدخلوا فيه ظاهرًا . ١- ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: ائْذَنْ لِي﴾ في التخلّف، ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾. وهو الجَدّ بن قيسٍ قال له النبيّ: ((هَل لَكَ فِي جِلادِ بَنِي الأصفرِ))؟ فقال: إني مُغرَم بالنساء، وأخشى إن رأيتُ نساء بني الأصفر ألّا أصبِرَ عنهنّ، فأُفتَتَنَ. قال تعالى: ﴿ألا فِي الفِتْنِ سَقَطُوا﴾ بالتخلّف - وقرئ ((سَقَطَ)) - ﴿وإنَّ جَهَنَّم لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ٤٩: لا محيص لهم عنها. ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ كنصر وغنيمة (تَسُؤُهُم، وإن تُصِبْكَ مُصِيبٌ﴾: شِدّة ﴿يَقُولُوا: قَد أَخَذْنا أمرَنا﴾ بالحزم، حين تخلّفنا، ﴿مِن قَبَلُ﴾: قبلِ هذه المُصيبة. ﴿وَيَتَوَلَّوا وهُم فَرِحُونَ﴾ ٥٠ بما أصابك. ٢- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَن يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ إصابتَه. ﴿هُوَ مَولانا﴾: ناصرنا ومُتولّي أُمورنا. ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ ٥١. قُلْ: هَل تَرَبَّصُونَ﴾ - فيه حذف إحدى التاءين من الأصل - أي: تنتظرون أن يقع ﴿بِنا إلّا إحدَى﴾ العاقبتَينِ ﴿الحُسنَينِ﴾: تثنية حُسنَى تأنيث أحسن، النصر أو الشهادة؟ ﴿ونَحنُ نَتَرَبَّصُ﴾: ننتظر ﴿َبِكُم أن يُصِبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِن عِندِهِ﴾: بقارعة من السماء، ﴿أو بِأيدِينا﴾ بأن يأذن لنا بقتالكم. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بنا ذلك. ﴿إِنّا مَعَكُم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ٥٢ عاقبتَكم. سُورَة التَّوْنِم، الحرة الحريّة لَقَدِ أَبْتَغَوْاُلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُواْ لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِنِّى أَلَا فِ اُلْفِتْنَةِ سَقَطُوْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِبِطَةٌ بِالْكَفِرِينَ (٤) إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌّ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْأَ خَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَننَاً وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ أَنَتَرَبَصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُاللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ: أَوْبِأَيَدِينَآَ فَتَرَ بَّصُوْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴿قُلْ أَنْفِقُواْ طَوْعًا أَوْكَرْهَا لَنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴿﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ ٥٤ ٣- ﴿قُلْ: أَنفِقُوا﴾ في طاعة الله ﴿طَوعًا أو كَرِهَا. لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُم﴾ ما أنفقتموه. ﴿إِنَّكُم كُنتُم قَومًا فَاسِقِينَ﴾ ٥٣. والأمر هنا بمعنى الخبر. ﴿وما مَنَعَهُم أن تُقبَلَ﴾ - بالتاء والياء - ﴿مِنْهُم نَفَقَاتُهُم إلّا أنَّهُم﴾: فاعل، وأن تُقبل: مفعول، ﴿كَفَرُوا بِاللهِ وبِرَسُولِهِ، ولا يأْتُونَ الصَّلاةَ إلّ وهُم كُسالَى﴾: مُتثاقلون، ﴿ولا يُنفِقُونَ إلّ وهُم کارِهُونَ﴾ ٥٤ النفقةَ، لأنهم يَعدّونها مغرمًا . (١) منهم أي: من المنافقين. وائذن: اسمح. ولا تفتنّ أي: لا توقعني في المعصية. والجد: كان سيد قومه، وقد تخفّى يوم الحديبية لئلا يحضر بيعة الرضوان، ثم تاب وحسنت توبته. والجلاد: المضاربة بالسيوف. وبنو الأصفر هم الروم معروفون بصفرة بشرتهم. وأَفتَن: أُسقَط في الفتنة والمعصية. فأذن له النبي ◌َّ بالتخلف. والحديث في تفاسير الطبري ٢٨٧:١٤-٢٨٨ والبغوي ٢٩٩:٢ والخازن ١٠٥:٣ وابن كثير ٣٤٦:٢ والقرطبي ١٥٨:٨-١٥٩ والنسفي ١٢٩:٢ والبحر ٥١:٥ وأبي السعود ٩٢:٤ وفتح القدير ٥١٦:٢ والدر المنثور ٢٤٧:٣-٢٤٨. وانظر ((المفصل)). وفي مجمع الزوائد ٣:٧: ((رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه يحيى الحماني. وهو ضعيف)). والفتنة أي: المعصية التي ذُكرتْ قبل. وسقط أي: وقع وثبت. وفي قراءة ((سقط)) مراعاة الإفراد من لفظ ((مَن))، وفي ((سقطوا)) مراعاة معناها لأن منافقين آخرين اعتذروا بخوف الفتنة أيضًا، كما جاء عن ابن عباس. وجهنم: اسم علم للنار التي أعدت للكافرين. والمحيطة: المحدقة من كل جانب. والكافرون: من يكذبون الله والرسول، ومنهم المنافقون. والمحيص: المهرب. وتصبك: تُقدَّر لك وتنزل بك. والحسنة: النعمة المحبوبة. وتسوء: تؤذي وتؤلم. وأخذنا أمرنا أي: تلافينا ما أهمنا من الأمور، وحفظنا مودة الكافرين. ويتولوا أي: يعرضوا عن مجالسة المسلمين وعن الإيمان. وفرحون: مسرورون معجبون. (٢) يصيب: ينال. وكتب: قدّر وقضى بحكمته التي وضعت قوانين الكون والحياة. ولنا أي: لحالنا بحسب نياتنا وأعمالنا. ويتوكل عليه: يستسلم إليه ويفوض أمره كله. والمؤمنون: الذين صدّقوا الله ورسوله قلبًا ولسانًا وعملًا. والحسنيان أي: ما كتب الله لنا. والحسنى: الأعظم حسنًا وفضلًا. ويصيبكم: يقدّر عليكم ويُنزل بكم إحدى السُّوءَيَينِ. والعذاب: التعذيب في الدنيا. ومن عنده أي: بأمره من دون تدخل البشر. والقارعة: الصاعقة أو المصيبة العظيمة. وبأيدينا أي: بفعلنا نحن. والأيدي: جمع يد. وفيما عدا الأصل والنسخ: ((يؤذن لنا في قتالكم)). وفي نسخة أخرى: ((بقتلكم)). وانظر الفتوحات ٢٨٩:٢. وتربصوا: انتظروا مواعيد الشيطان لكم من عاقبتنا. وهو أمر للتهديد والوعيد والتهكم. ومتربصون: منتظرون مواعيد الرحمن من عاقبتكم. (٣) قوله ((طاعة الله)) فيه نظر، لأن بذل المنافق لا يكون طاعة لله، بل هو رياء وخداع. وأنفقوا أي: بذلتم أموالكم. فالفعل أمر معناه الخبر للتهكم. والطوع: التطوع من غير إلزام. والكره: الإكراه والإلزام. ولن يتقبل منكم أي: لن يُتلقى منكم بالرضا ولن تثابوا عليه. وكنتم أي: وما زلتم. والفاسق: العاتي المتمرد على الطاعة. والمراد به الكافر بالله والرسول. وبمعنى الخبر: يعني أن ((أنفقوا)) بمعنى: أنفقتم. وفيه التهكم والتبكيت، أي: لن يُتقبل منكم نفقاتكم، أنفقتموها طوعًا أو كرهًا. والخطاب للجَدّ بن قيس وأمثاله من المنافقين، نزلت الآية فيهم، لأنهم حين استأذنوا في التخلف خشية الافتتان بذلوا مالهم لتجهيز الغزوة. انظر البحر ٥٣:٥. ومنعهم: حرمهم ودفع عنهم. وبالياء يريد القراءة ((أن يُقبَلَ)). خ وط: ((أن يقبل بالياء والتاء)). وفي المنحة: ((بالياء والتاء)). والنفقة: ما يُبذل من المال. وفاعل أي: المصدر المؤول من ((أنّ) وما بعدها في محل رفع. ومفعول: يعني أن المصدر الأول المؤول من ((أنْ)) وما بعدها في محل نصب مفعول ثان لـ ((منع))، أي: حَرَمَهم كفرُهم قَبولَ نفقاتهم. وكفروا به: كذبوه في قلوبهم وادعوا الإيمان. ومتثاقلين أي: يجيئون لأدائها مع الجماعة نفاقًا، وإذا كانوا وحدهم لم يصلوا. والكسالى: جمع كسلان. وينفقون: يبذلون أموالهم. والكاره: المضطرّ إلى ما لا يريد. والمَغرم: ما يُدفع للزوم من غير الواجبات. فهم لا يرجون عليه ثوابًا، ولا يخافون على تركه عقابًا، لأنهم يرونه خسارة كاملة. ٩ - سورة التوبة ١٩٦ الجزء العاشر المرءُ الَشَة سُورَةِ التَّوْنَةْ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الَّهُلِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (٥ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَاهُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَنَّا أَوْ مَغَرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ * وَمِنْهُمْ مَن يَلِّمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَ إِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْمَآءَاتَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُواْ حَسْبُنَا ◌َللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ ﴾ّ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُخَْرِ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْ مِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١- ﴿فَلا تُعجِبْكَ أَمْوالُهُم ولا أولادُهُم﴾ أي: لا تَستحسنْ نِعَمَنا عليهم، فهي استدراج. ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم﴾ أي: أن يُعذّبهم ﴿بِها في الحَياةِ الدُّنيا﴾، بما يَلقَون في جمعها من المشقّة وفيها من المصائب، ﴿وتَزْهَقَ﴾: تخرجَ ﴿أَنفُسُهُم وهُم كافِرُونَ﴾ ٥٥، فيُعذّبَهم في الآخِرة أشدّ عذاب. ﴿وَيَحِلِقُونَ بِاللهِ إِنَّهُم لَمِنكُم﴾ أي: مُؤمنون، ﴿وما هُم مِنكُم، ولَكِنَّهُم قَومٌ يَفْرَقُونَ﴾ ٥٦: يخافون أن تفعلوا بهم كالمُشركين، فيحلفون تقيّةً، ﴿لَو يَجِدُونَ مَلجأَ﴾ يلجؤون إليه، ﴿أو مَغاراتٍ﴾: سراديبَ، ﴿أو مُدَّخَلًا﴾: موضعًا يَدَّخِلونه ﴿لَوَلَّوا إلَيْهِ، وهُم يَجمَحُونَ﴾ ٥٧: يُسرعون في دُخوله والانصراف عنكم، إسراعًا لا يردّه شيء، كالفرس الجموح، ﴿وَمِنْهُم مَن يَلِمِزُكَ﴾: يَعيبك ﴿في﴾ قَسْمِ ﴿الصَّدَقاتِ، فإن أُعطُوا مِنها رَضُوا، وإن لَم يُعطَوا مِنها إذا هُم يَسخَطُونَ ٥٨ . ولَو أنَّهُم رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ﴾، من الغنائم ونحوها، ﴿وقالُوا: حَسْبُنا﴾: كافِينا ﴿اللهُ. سَيُؤتِينا اللهُ مِن فَضلِهِ ورَسُولُهُ﴾ من غنيمة أخرى ما يكفينا. ﴿إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ ٥٩ أن يُغْنِيَنا. وجواب ((لو)): لكان خيرًا لهم. ٢- ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾: الزَّكَوات مصروفةٌ ﴿لِلفُقَراءِ﴾ الذين لا يجدون ما يقع موقعًا من كِفايتهم، ﴿والمَسَاكِينِ﴾ الذين لا يجدون ما يكفيهم، ﴿والعامِلِينَ عَلَيها﴾ أي: الصدقاتِ من جابٍ وقاسمٍ وكاتبٍ وحاشٍ، ﴿وَالمُؤَلَّفةِ قُلُوبُهُم﴾ ليُسلموا أو يثبتَ إسلامهم، أو يُسلم نُظراؤهم أو يذبّوا عن المسلمين - أقسام، والأوّل والأخير لا يُعطَيان اليوم عِند الشافعيّ لعزّ الإسلام، بخلاف الآخَرَينِ فُيُعطَيان على الأصحّ - ﴿وفي﴾ فكّ ﴿الرِّقَابِ﴾ أي: المُكاتَبِينَ، ﴿والغارِمِينَ﴾: أهلِ الدَّين، إن استدانوا لغير معصية، أو تابوا وليس لهم وفاء، أو لإصلاح ذات البين ولو أغنياءَ، ﴿وفي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: القائمين بالجِهاد ممّن لا فيء لهم ولو أغنياءَ، ﴿وابنِ السَّبِيلِ﴾: المنقطعِ في سفره، ﴿فَرِيضةً﴾: نُصب بفعله المُقدّر، ﴿مِنَ اللهِ. وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٦٠ في صُنعه. فلا يجوز صرفُها لغير هؤلاء، ولا منعُ صِنف منهم إذا وُجد. فيقسمها الإمام عليهم على السواء، وله تفضيل بعض آحاد الصِّنف على بعض. وأفادت اللام وجوب استغراق أفراده، لكن لا يجب على صاحب المال إذا قَسَمَ العُسْرِهِ، بل يكفي إعطاء ثلاثة من كُلّ صِنف، ولا يكفي دونَها كما أفادته صيغة الجمع. وبَيَّتِ السُّنّة أنّ شرط المُعطَى منها الإِسلامُ وألّا يكون هاشميًّا ولا مُطّلبيًّا . ٣- ﴿ومِنْهُمْ﴾ أي: المُنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ بعيبه وبنقل حديثه، ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا نُهوا عن ذلك لئلا يبلغه: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: يسمع كُلّ قِيلٍ ويقبله، فإذا حلفنا له إنّا لم نقل صدَّقَنا. ﴿قُلْ﴾: هو ﴿أُذُنُ﴾: مستمِعُ ﴿خَيرٍ لَكُم﴾ لا مستمِعُ شرّ، ﴿يُؤمِنُ بِاللهِ ويُؤمِنُ﴾: يُصدّق ﴿لِلمُؤمِنِينَ﴾ (١) الأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. والأولاد: جمع ولد. وهو الذكر والأنثى. والاستدراج: ما يكون في الظاهر نعمة، ليزداد من يملكه اغترارًا قبل أن يباغَت بالعقاب. ويريد: يشاء. ويعذبهم: ينتقم منهم. وبها أي: بسبب الافتتان بالأموال والأولاد. والأنفس: الأرواح، جمع نفس. ويحلفون: يقسمون. ومنكم أي: مثلكم في الدين. وما هم منكم أي: هم كافرون يتظاهرون بالإسلام. والتقية: الخوف. ويجدون: يصادفون. والملجأ: الحصن يحتمى به. والمغارة: ما انخفض في الأرض. وولوا: التجؤوا. ومنهم أي: من المنافقين. والصدقات: الغنائم. وكان النبي ◌َّرِ يقسم غنائم غزوة حنين، فقال أحد المنافقين: اعدل فينا. فأجابه: «ويلَكَ، ومَن يَعدِلُ إذا لم أعدِلْ))؟ فنزلت الآية في ذلك وما يشبهه. انظر ((المفصل)). وأعطوا أي: قدر ما يريدون. ورضوا أي: قبلوا. ويسخط: يغضب. ورضيه أي: قبله وطابت نفسه به. وآتاهم: أعطاهم إياه. والفضل: الإنعام بما هو زيادة وتكرم. وراغبون: قاصدون ومتضرعون. (٢) الزكاة: ما يجب على المال من التأدية لتزكيته وتطهير صاحبه. والفقراء: جمع فقير. والمساكين: جمع مسكين. والعاملون عليها: الذين يتولون أمرها. وهم الجابي: يسعى في تحصيلها، والقاسم: يوزعها على المستحقين، والكاتب: يسجل ما دفعه أرباب الأموال، والحاشر: يجمع المستحقين وأرباب الأموال، والحاسب: يقدّر ما يجب من تسلم وتسليم. والمؤلفة قلوبهم: انظر ((المفصل)). والقلوب: جمع قلب. ويذب: يجاهد. والأول والأخير يعني: الكفارَ يرجى إسلامهم، والمسلمين المحتاجين للتمكن من الجهاد، هذان القسمان لا يعطيان من الزكاة، باستقرار حكم الإسلام وسلطانه. واليوم أي: في زمن تصنيف هذا التفسير. والفك: التخليص من رق العبودية للناس. والرقاب: جمع رقبة أي: النفس الإنسانية المملوكة للغير. والغارم: المَدين. ولغير معصية أي: لعمل مباح لا إثم فيه. ولإصلاح: معطوفان على ((لغير)). ولعسره أي: لأنه يتعذر على صاحب المال التقسيمُ التام المذكور. وبينت السُّنّة أي: جاء في السُّنّة الشريفة ما يبين هذا الحكم. وشرطُ الإسلام يخالفه ما ذكرَ في تفسير المؤلفة قلوبهم. وهاشم والمُطّلِب ابنا عبد مناف. (٣) انظر سبب النزول في ((المفصل)). ويؤذي: يسبب الأذى. والقيل: القول. والخير: ما يحقق النفع في الدنيا والآخرة. ويؤمن به أي: يعترف بوجوده وصفاته يقينًا. ويؤمن لهم أي: يطمئن إليهم فيصّدقهم. ورحمةٌ أي: رحيم، كثير العطف والشفقة. وبالجر يريد القراءة ((ورَحْمةٍ)). والذين آمنوا أي: أظهروا الإيمان ادعاء ونفاقًا. والعذاب: التعذيب عقوبة وإهانة في الدنيا والآخرة. الجزء العاشر ١٩٧ ٩ - سورة التوبة فيما أخبروه به لا لغيرهم - واللام: زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره - ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، بالرفع عطفًا على ((أذنُ)) والجرِّ عطفًا على ((خيرٍ))، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم، والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦١. ١- ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُم﴾ - أيها المؤمنون - فيما بلغكم عنهم من أذى الرسول إنهم ما أَتَوه، ﴿لِيُرِضُوكُم، واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أن يُرِضُوهُ﴾ بالطاعة. ﴿إن كانُوا مُؤمِنِينَ﴾ ٦٢ حقًّا. وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءينِ، أو خبرُ ((الله)) أو ((رسولُه)) محذوف. ﴿أَلَم يَعلَمُوا أَنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿مَن يُحادِدِ﴾: يُشاقِقِ ﴿اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ جزاءً، ﴿خالِدًا فِيها؟ ذُلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ ٦٣ . ٢- ﴿يَحذَرُ﴾: يخاف ﴿المُنافِقُونَ أن تُنْزَلَ عَلَيهِم﴾ أي: المُؤمنين ﴿سُورَةٌ، تُنَبِّهُم بِما في قُلُوبِهِم﴾ من النفاق، وهم مع ذلك يستهزئون. ﴿قُلِ: استَهزِئُوا﴾ - أمرُ تهديدٍ - ﴿إِنَّ اللهَ مُخرِجٌ﴾: مُظهرٌ ﴿ما تَحذَرُونَ﴾ ٦٤ إخراجَه من نِفاقكم. ﴿وَلَئِنْ﴾ - لام قسم - ﴿سألتَهُم﴾ عن استهزائهم بك والقرآنِ، وهم سائرون معك إلى تَبُوكَ، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ مُعتذرين: ﴿إِنَّمَا كُنّا نَخُوضُ ونَلعَبُ﴾ في الحديث لنقطع به الطريق، ولم نقصد ذلك. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أبِاللهِ وآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُم تَستَهزُِونَ؟ ٦٥ لا تَعتَذِرُوا﴾ منه. ﴿قَد كَفَرتُم بَعدَ إيمانِكُم﴾ أي: ظهر كُفركم بعد إظهار الإيمان. ﴿إِن يُعْفَ﴾ - بالياءِ مبنيًّا للمفعول، والنون مبنيًّا للفاعل - ﴿عَن طائفةٍ مِنكُم﴾ بإخلاصها وتوبتها كمَخْشِيٍّ بنِ حُمَيٍِّ ﴿تُعَذَّبْ﴾ - بالتاء والنون - ﴿طائفةٌ بِأَنَّهُم كانُوا مُجرِمِينَ﴾ ٦٦: مُصرّين على النفاق والاستهزاء. سُورَة التَّوْنَيْ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقٌّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوَ أْ أَنَّهُ. مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَجَهَنَّمَ خَالِدًافِيَهَا ◌َذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ ( يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنَِّثُهُم بِمَا فِ قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِءُوَأْ ﴿إِنَّ اللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴾ وَلَبِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبٌ قُلْ أَبِلَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُ وأقَذْكَفَرْتُم ◌َبَعْدَ إِيمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَانِفَةٌ ◌ِأَهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِ يَهُمْ نَسُواْاللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَارَ نَارَجَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَأَهِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَّهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمُ (٦٨ ٣- ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقَاتُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ﴾ أي: مُتشابهون في الدِّين كأبعاض الشيء الواحد، ﴿يأمُرُونَ بِالمُنكَرِ﴾: الكُفرِ والمعاصي، ﴿وَيَنْهَونَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾: الإِيمانِ والطاعة، ﴿وَيَقْبِضُونَ أيدِيَهُم﴾ عن الإنفاق في الطاعة، (نَسُوا اللهَ﴾: تركوا طاعته، ﴿فَنَسِيَهُم﴾: تركهم من (١) يحلفون: يُقسمون. ويرضوكم أي: لترضوا عنهم وتحموهم من الانتقام. وأحق أن يرضوه أي: إرضاؤه أولى من إرضائكم. والمؤمن: الصادق الاعتقاد يقينًا بقلبه ولسانه وعمله. ويعني بتوحيد الضمير قولَ الله تعالى ((يرضوه). ولو جاء على التثنية لقيل: يرضوهما. والرضاء هو الإرضاء. ويعلم: يدرك ويعي. والشأن أي: ضمير الشأن، يعني الأمر الثابت لاشك فيه. وإنما يكون ضمير الشأن فيما أريد تعظيمه وتهويله. والمراد بالمحادّة إصرار المنافقين على العصيان والإيذاء. ونار جهنم أي: التعذيب فيها. وخالدًا: مقيمًا فيها أبدًا. وذلك أي: التعذيب بنار جهنم. والخزي: الذلة والهوان. يعني: الهلاك البالغ حد الكمال. والعظيم: الضخم لا مثيل له. (٢) كان المنافقون يسخرون من الإسلام والمسلمين، فيما بينهم، ويتمنون ألّا يفشي الله ذلك، فيقول أحدهم: لوَدِدتُ أن نُجلد مائة، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا. فنزلت الآية. الواحدي ص ٢٤٩. وتُنزل: توحَى. والسورة: الآيات تكوّن واحدة من سور القرآن. وتنبئهم: تخبر المسلمين. والقلوب: جمع قلب. وهو الضمير. واستهزئوا: اسخروا ما شئتم. وتحذرون: تخافون. وفي المسير إلى غزوة تبوك، كان بعض المنافقين مع جيش المسلمين يقولون: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات له ذلك ! وإنه يزعم أنه أنزل في أصحابنا قرآن، وإنما هو قوله وكلامه. ولما أطلع الله نبيه على مقالهم، وعاتبهم النبي ﴾، قالوا: إنما كنا نخوض ونعبث بالحديث، ليقصر علينا الطريق. فنزلت الآيتان ٦٥ و٦٦. انظر ((المفصل)). وسألتهم: طلبت منهم الجواب. ونخوض: نتداول الكلام عبثًا. ومنه أي: من الاستهزاء. ويعفى: يصفح. وبالفاعل يريد القراءة ((إن نَعْفُ)). والفاعل ضمير العظمة. ومخشيّ كان منافقًا مع الذين اعتذروا، ثم تاب توبة نصوحًا، ودعا الله أن يُستشهد، فسماه النبي ◌َّ عبد الله، واستُشهد باليمامة في حروب الرِّدّة. وتعذّب أي: يُنتقم منها في الدنيا والآخرة. وبالنون يريد القراءة «نُعَذِّبْ)). وهي تقتضي نصب ((طائفةً))، وتكون مع قراءة: (نَعفُ)) أيضًا. والمجرم: من يقترف الجرائم باختيار وقصد. (٣) المنافق: من يظهر الإيمان ويبطن الكفر والعصيان. والبعض: الفرد أو الأكثر من الجماعة. والدين: الاعتقاد. وهو هنا النفاق. ويأمر به أي: يوجبه. والمنكر: ما أنكره الشرع وحرّمه. وينهى: يمنع. والمعروف: ماحسُن في الشرع والعقل السليم. ويأمرون وينهون أي: بعضُهم بعضًا. ويقبضون أيديهم: يمتنعون بإمساك المال وحجبه شُحًا. والأيدي: جمع يد. وقد فُسِّر نسيانهم هنا بلازمه - وهو الترك - لأن النسيان لايُذَم عليه صاحبه. وترَكَهم: أهملهم وأبعدهم. وفي (نَسِيَهم)) مشاكلة لفظية، ليكون الجزاء من جنس الجريمة، إذ لايجوز وصف الله بالنسيان الحقيقي. فتح القدير ٥٣١:٢-٥٣٢. والفاسق: الخارج عن الطاعة والمنسلخ من كل خير. وأل: جنسية للمبالغة والكمال، أي: الكامل في الفسق، حتى كأنه الفسقُ نفسه. ووعد: هدد وأنذر. والكفار: جمع كافر. وهو من كذّب الله ورسوله، وجحد التوحيد والبعث. وجهنم: اسم علم للنار التي أعدت للعذاب يوم القيامة. والخالد: المقيم إلى الأبد. وحسبهم: كافيتهم، أي: هي العقوبة الكافية لهم، ولاشيء أبلغ منها، فلاحاجة إلى الزيادة عليها. والعذاب: التعذيب انتقامًا وإهانة. ودائم أي: في الدنيا بخوف العقاب والقتل، وفي الآخرة بما يزيد على النار من أصناف التعذيب. ٩ - سورة التوبة ١٩٨ الجزء العاشر سُورَة التَّوْنَةْ كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْأَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلَاً وَأَوْلَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ فَأَسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَقِكُمْ كَمَا أُسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَقِهِمْ وَخُضْتُمُ كَلَّذِى خَاضُوْاْ أُوْلَكِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ أَلَّيَأْتِهِمْ تَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْزَهِيمَ وَأَصْحَبٍ مَذْيَنَ وَاَلْمُؤْتَفِكَتِّ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُلِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ أَوَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَةٌ أُوْلَئِكَ سَيَرْ جَمُهُمُ الَّهُ إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هـ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ أَوَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لُطفه. ﴿إِنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ ٦٧، وعَدَ اللهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَثَّمَ، خالِدِينَ فِيها، هِيَ حَسْبُهُم﴾ جزاءً وعقابًا، ﴿وَلَعَنَّهُمُ اللهُ﴾: أبعدهم عن رحمته، ﴿ولھُم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ٦٨ : دائم. ١- أنتم - أيها المُنافقون - ﴿كالَّذِينَ مِن قَبِلِكُم، كانُوا أَشَدَّ مِنكُم قُوّةً وأكثَرَ أَمْوالا وأولادًا، فاستَمتَعُوا﴾: تمتّعوا ﴿بِخَلاقِهِم﴾: نصيبهم من الدنيا، ﴿فاستَمتَعتُم﴾ - أيها المُنافقون - ﴿بِخَلاقِكُمْ كَما استَمتَعَ الَّذِينَ مِن قَبِلِكُم بِخَلاقِهِم، وخُضتُم﴾ في الباطل والطعن في النبيّ (كالَّذِي خاضُوا﴾ أي: كخَوضهم. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَت أعمالُهُم في الدُّنيا والآخِرةِ، وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ٦٩ . ٢- ﴿أَلَم يأْتِهِم نَبَأُ﴾: خبرُ ﴿الَّذِينَ مِن قَلِهِم، قَومِ نُوحٍ وعادٍ﴾: قومِ هود ﴿وَثَمُودَ﴾: قومٍ صالح، ﴿وَقَومٍ إِبراهِيمَ، وأصحابٍ مَذْيَنَ﴾: قَومٍ شِّعيب، ﴿والمُّؤْتَفِكاتِ﴾: قُرى قومَ لُوط أي: أهلِها؟ ﴿أَتَتَهُم رُسْلُهُم بِالبَيِّناتِ﴾: بالمُعجزات فكذبُوهم فأُهلكوا. ﴿فَمَا كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُم﴾ بأن يُعذّبهم بغير ذنب، ﴿ولُكِنْ كانُوا أَنفَسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ ٧٠ بارتكاب الذنب. ٣- ﴿وَالمُؤمِنُونَ والمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ، يأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ، ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، ويُطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَهُ، أُولَئِكَ سَيَرحَمُهُمُ اللهُ. إنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: لا يُعجزه شيء عن إنجاز وعده ووعيده، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٧١: لا يضع شيئًا إلّا في محلّه. ٤ - ﴿وَعَدَ اللهُ المُؤمِنِينَ والمُؤمِنَاتِ جَنّاتٍ، تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ خالِدِينَ فِيها، ومَساكِنَ طَيِّبةَ في جَنّاتِ عَدنٍ﴾: إقامةٍ. ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أكبرُ﴾: أعظم من ذلك كُلّه. ﴿ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ ٧٢ . (١) كالذين أي: كالمنافقين والكافرين. يعني: مثل الذين مضوا من قبلكم، فيما ذكر من الآيتين ٦٧ و٦٨. وأشد: أعظم وأضخم. والقوة: التمكن والقدرة في الأبدان والعزائم. وأكثر أي: أوفر قدرًا وعددًا. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من النقد والعقار والحيوان والسلاح والتجارات والمتاع والزينة. والأولاد: جمع ولد. ويطلق على الابن والحفيد. والخلاق: ما قُدّر وخلق لصاحبه من الرزق. وخضتم: دخلتم واستمررتم. وفيما عدا الأصل وخ وع: ((النبي ◌َّ). وأولئك أي: الفريقان المشبَّهون والمشبّه بهم. وحبطت: ضاعت وبطَلت. والأعمال: جمع عمل. والمراد ما اكتسبوه وكانوا يستحقون عليه الثواب، لو أنه قارن الإيمان. والدنيا: الحياة القريبة من الناس لأنهم يعيشون فيها. والآخرة: الحياة المتأخرة بالبعث بعد الموت. والخاسر: من ضيع خير الدنيا وثواب الآخرة. (٢) ألم يأتهم أي: قد جاءهم حقًّا، وصار معلومًا لديهم. وفي الأصل: ((ألم يأتكم)). ونبؤهم أي: خبرما فعلوا من الكفر والتكذيب والعصيان، وما نزل بهم من الهلاك. والقوم: الجماعة من الرجال والنساء. وعاد: أقدم الأمم التي عرفت في التاريخ آثارها حتى الآن، وهي من العرب العاربة، جدها عاد حفيد لسام ابن نوح، وكانت تقيم بين عُمان وحضرموت. وثمود: قبيلة عربية قديمة بعد عاد موطنها بين الحجاز والشام، وآثارها باقية أيضًا. والأصحاب: جمع صاحب. ومدين: بلدة على ساحل البحر الأحمر محاذية لتبوك. وأصحابها أي: أهلها الذين كانوافيها قبل إهلاكهم. وشعيب: نبي عربي من سلالة مدينٍ بن إبراهيم كان في عهد موسى وزوّجه ابنته. والمؤتفكة: المنقلبة، أي: القرى التي قلبت عاليها سافلها بمن فيها من الكافرين. ولوط: ابن هاران أخي إبراهيم. وأتتهم: جاءتهم وأحضرت لهم. والرسل: جمع رسول، الذين أرسلهم الله إليهم بالتوحيد. وهو في الجمع مضموم السين، سكنت للتخفيف. ويظلمهم أي: يجور عليهم ولا يعطيهم ما يستحقون. والأنفس: جمع نفس. وهي حقيقة الإنسان بروحه وجسده. ويظلمونها: يعتدون عليها ويسببون لها العذاب والهلاك. (٣) في الآيتين ٧١ و٧٢ أوصاف للمؤمنين، تقابل ما وصف به المنافقون في الآية ٦٧. والمؤمن هو الذي صدّق الله ورسوله قلبًا ولسانًا وعملًا. والأولياء: جمع ولي. وهو الصديق المحب والنصير. والمعروف: ما أمر به الشرع. والمنكر: ما نهى عنه الشرع. ويقيمون الصلاة أي: يؤدون الصلوات بشروطها وأركانها وآدابها راضين راغبين. ويؤتون الزكاة: يؤدون مافُرض من الزكاة إلى مستحقيه، ليطهروا أموالهم وأنفسهم. ويطيعونه أي: يلزمون العمل بما أمر ونهى. ويرحمهم: يعطف عليهم بالإحسان في الدنيا والآخرة. والعزيز: الغالب على أمره. (٤) وعدهم: منّاهم وهيّأ لهم. والجنة: الحديقة العظيمة فيها الشجر والقصور والنعيم. وتجري: تسيل وتتدفق. ومن تحتها أي: من تحت أشجارها ومنازلها. والأنهار: من الماء والعسل والخمر واللبن، جمع نهر. والخالد: المقيم أبدًا. والمساكن: المنازل والقصور، جمع مسكن. والطيبة: التي تستلذها النفوس وتطيب فيها الحياة. والإقامة: الاستقرار والطمأنينة. والرضوان: الرضا الكثير والقبول للعمل والنيات. ومن الله أي: من عنده. وذلك أي: جميع ما ذكر من النعم. والفوز: الظفر والنجاة. والعظيم: الضخم لا مثيل له. الجزء العاشر ١٩٩ ٩ - سورة التوبة ١- ﴿يا أيُّها النَبِيُّ، جاهِدِ الكُفَّارَ﴾ بالسيف، ﴿والمُنافِقِينَ﴾ باللسان والحُجّة، ﴿واغلُظْ عَلَيهِم﴾ بالانتهار والمقت. ﴿ومأواهُم جَهَنَّمُ، وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ٧٣: المرجعُ هي! ﴿يَحِلِفُونَ﴾ أي: المنافقون ﴿بِاللهِ، ما قالُوا﴾ ما بلغك عنهم من السبّ، ﴿وَلَقَد قالُوا كَلِمَةَ الكُفرِ، وكَفَرُوا بَعدَ إسلامِهِم﴾: أظهروا الكُفر بعد إظهار الإِسلام، ﴿وهَمُّوا بِما لَم يَنالُوا﴾ من الفتك بالنبيّ ليلة العَقَبة عند عَودِه من تبوك - وهم بضعةَ عشرَ رجلًا - فضرب عمّار بن ياسر وُجوه الرواحل لمّا غَشُوه فرَدّوا. ﴿وما نَقَمُوا﴾: أنكروا ﴿إلّا أن أغناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ مِن فَضِلِهِ﴾ بالغنائم، بعد شِدّة حاجتهم. الخِزْب المعنى: لم ينلهم منه إلّا هذا، وليس ممّا يُنقَم. ﴿فإن يَتُوبُوا﴾ عن النفاق ويُؤمنوا ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُم، وإن يَتَوَلَّوا﴾ عن الإيمان ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا ألِيمًا في الدُّنيا﴾ بالقتل ﴿والآخِرةِ﴾ بالنار، ﴿وما لَهُم في الأرضِ مِن وَلِيٍّ﴾: يحفظهم منه، ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ ٧٤: يمنعهم. سُورَة التَّوْرَةْ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿َّ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُ واْبَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُواْبِمَا لَوْ يَنَا لُواْ وَمَانَقَمُوْ إِلَّا أَنْ أَغْنَدُهُمُ الَّهُوَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهٍ، فَإِن يَتُوبُواْيَكُ خَيْرَالٌَُّّ وَإِن يَتَوَلَّوْ يُعَذِّ بْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَالَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ ﴾﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ (٥ فَلَمَّآ ءَاتَنُهُمْ مِن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّوَأْوَّهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ ﴿اَللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَاكَانُوايَكْذِبُونَ ﴿ أَلَّيَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ ◌َالْغُيُوبِ ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ ﴿اَلْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢- ﴿وَمِنْهُم مَن عاهَدَ اللهَ، لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ - فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد - ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ٧٥ - وهو ثعلبة بن حاطب، سأل النبيَّ وَّ أن يدعوَ له أن يرزقَه اللهُ مالًا، ويؤدّيْ منه كُلّ ذي حقّ حقّه - فدعا له فؤُسِّعَ عليه، فانقطعَ عن الجُمعة والجماعة ومَنعَ الزكاةَ، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا آتَاهُم مِن فَضِلِهِ بَخِلُوا بِهِ، وتَوَلَّوا﴾ عن طاعة الله، ﴿وَهُم مُعرِضُونَ ٧٦، فأعقَبَهُمِ﴾ أي: فصيّر عاقبتهم ﴿نِفاقًا﴾ ثابتًا ﴿فِي قُلُوبِهِم، إلَى يَومٍ يَلْقَونَهُ﴾ أي: اللهَ - وهو يوم القيامة - ﴿بِما أخلَفُوا اللهَ ما وَعدُوهُ، وبِما كانُوا يَكَذِبُونَ﴾ ٧٧ فيه. فجاء بعد ذلك إلى النبيّ ◌َّهُ بزكاته، فقال: ((إنّ اللهَ مَنَعَنِي أن أقبَلَ مِنكَ)). فجعل يحثو التراب على رأسه. ثمّ جاء بها إلى أبي بكر فلم يقبلها، ثمّ إلى عُمر فلم يقبلها، ثمّ إلى عُثمان فلم يقبلها . ومات في زمانه. ﴿أَلَم يَعلَّمُوا﴾ أي: المنافقون ﴿أَنَّ اللهَ يَعلَمُ سِرَّهُم﴾: ما أسرّوه في أنفُسهم، ﴿ونَجْواهُمْ﴾: ما تناجَوا به بينهم، ﴿وأنَّ اللهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ٧٨: ما غاب عن العِيان؟ ٣- ولمّا نزلت آية الصدقة جاء رجل فتصدّق بشيء كثير، فقال المنافقون: مُرائي. وجاء رجل فتصدّق بصاع، فقالوا: إنَّ الله لغنيّ عن صدقةٍ هذا. فنزل: ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿يَلمِزُونَ﴾: يَعيبون ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾: المُتنفّلين ﴿مِنَ المُؤمِنِينَ في الصَّدَقاتِ، والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهدَهُم﴾: طاقتهم فيأتون به، ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُم﴾، والخبرُ: (سَخِرَ اللهُ مِنْهُم﴾: جازاهم على سخريتهم، ﴿وَلَهُم عَذَابٌ ألِيمٌ﴾ ٧٩ . (١) جاهدهم أي: قاومهم وخاصمهم. والكفار: جمع كافر. وبالسيف أي: وكل سلاح قاتل. والمنافق: الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر. واغلظ: كن شديدًا ما أمكن. والانتهار: الإهانة. والمقت: البغض الشديد. والمأوى: المكان يُلجأ إليه. وفي هذا تهكم وسخرية. وجهنم: اسم علم للنار التي أعدت للكافرين والمنافقين. وبئس: بلغ النهاية في السوء والشر والفساد. و((هي)) ضمير يعود على ((جهنم))، مذمومة مرتين: في ذكر جنسها ((المصير))، وفي اختصاصها هنا. ويحلفون: يُقسمون. وكان بعض المنافقين في الطريق إلى تبوك يشتمون النبي (8 8# ويريدون الغدر به، ولما عاتبهم في ذلك أقسموا أنهم بريئون مما يقول. انظر ((المفصل)). وكلمة الكفر: الشتم للنبي رَ﴿ والطعن في الدين. وهموا: عزموا وحاولوا. وينالوا أي: يدركوه ويحققوه. والعقبة: جبل بين تبوك والمدينة. والرواحل: جمع راحلة. وهي الإبل تركب في السفر. و((ردوا)) أي: رجعوا مدبرين منحطين إلى بطن الوادي. وفضله أي: إحسان الله عليهم بالنعم. ويتوب: يندم على ما فعل ويعزم على تركه ويطلب المغفرة. وخيرًا أي: أنفع. ويتولوا: يُصرّوا على ذلك. ويعذبهم: ينتقم منهم. والأليم: المؤلم. والولي: الصديق يتولى أمورهم. والنصير: المعين على البلاء. (٢) منهم أي: من المصرّين على النفاق. وعاهد: أقر بعهد مؤكد بالقسم. وآتانا: أعطانا. والفضل: الإحسان بالنعم. ونصدق: نؤدي الصدقات. ونكون: نصير. ويؤدي: يعطي. والصواب: يؤتي. والخبر بذكر ثعلبة ضعيف جدًا، وفي إسناده من هو متروك. وثعلبة أنصاري شهد بدرًا واستُشهد في أحد. فذكرُه في النفاق باطل. وإن قصد حاطب بن أبي بلتعة فهو غير صحيح أيضًا. إذ التائب الصادق في توبته في الدنيا لا تُرفض عبادته شرعًا، وتجب معاملته بظاهر فعله. انظر ((المفصل)). والصواب أن الآيات نزلت في جماعة من المنافقين، ومنهم مَن أبى دفع ما يجب عليه. فتح القدير ٢٤٢:٢ والدر المنثور ٢٦١:٣. وآتاهم: أعطاهم. وبخل: أمسك وضنّ. وبه أي: بحق الله من زكاة وبذل للجهاد. وتولوا: امتنعوا. والمعرض: المنصرف. والقلوب: جمع قلب. واليوم: الوقت. ويلقونه أي: يبعثون ليلقوا الحساب والعقاب. إذ ليس للمنافق أو الكافر أن يرى الله، تعالى. فقول السيوطي ((الله)) فيه مسامحة ولا يُحمل على ظاهره. وأخلفوا: نقضوا. وبعد ذلك أي: بعد نزول الآيات هذه. ويعلموا: يدركوا. ويعلمه: يحيط به كامل الإحاطة. وتناجوا: تحدثوا خفية. والعلام: مبالغة اسم الفاعل من العلم. والغيوب: جمع غيب. (٣) آيةُ الصدقة هي الآية ٦٠ أو ١٠٣، ومضمونها فرض الزكاة. وعدم حذف الياء من ((مرائي)) جائز. انظر ((المفصل)). والصاع: مكيال للحبوب. والمطوع: من يعطي عن تطوع. والمتنفل: من يتصدق بالزيادة على الفرض والواجب. والصدقات: صدقات التنفل والتطوع. ولا يجد: لا يملك ولا يحصّل. والجهد: الشيء اليسير. ويسخر: يهزأ. وسخر منهم أي: هزئ بهم فأهانهم وأذلهم. والتعبير بهذا هو من باب المشاكلة اللفظية. فتح القدير ٢: ٥٤٠. والعذاب: التعذيب. ٩ - سورة التوبة ٢٠٠ الجزء العاشر سُورَة التَّوَيَّةْ أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُ واْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ وَاُللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَاسِقِينَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَ أَنْ يُجَهِدُ واْبِأَ مَوَهِمْ ﴿ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَالُواْلَا نَفِرُواْ فِي الْحَرَّقُلْ نَارُجَهَنَّمَ أَشَدُّحَرَّا لَوْكَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿فَلْيَضْحَكُوْقَلِيلًا وَلْيَبْكُواْكَثِيرًا جَزَآءُ بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُإِلَى طَآئِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَشْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَّخْرُ جُوا مَعِىَ أَبَدًّا وَلَنْ نُقَدِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّاْ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ ﴿ وَلَ تُصَلّ عَلىَ أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًّا وَلَانَقُمْ عَلَى قَبْرِهِإِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا تُواْوَهُمْ فَسِقُونَ ﴿ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمَوَلَهُمْ وَأَوْلَدُ هُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم أِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ (٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُ واْ مَعَ رَسُولِهِ أَسْتَئْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوَ أْذَرْنَانَكُنْ مَعَ الْفَعِدِينَ ١ - ﴿استَغْفِرْ﴾ - يا مُحمّد -﴿لَهُم أو لا تَستَغْفِرْ لَهُم﴾: تخيير له في الاستغفار وتركه. قال ◌َله: ((إنِّي خُيِّرْتُ فاختَرتُ)). يعني الاستغفارَ. رواه البخاريّ. ﴿إِن تَستَغْفِرْ لَهُم سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم﴾. قيل: المُراد بالسبعين المُبالغة في كثرة الاستغفار. وفي البخاريّ حديثُ (لَو أعلَمُ أنّي لَو زِدْتُ عَلَى السَّبِعِينَ غُفِرَ لَزِدتُ عَلَيها)). وقيل: المُراد العدد المخصوص لحديثه أيضًا: ((وسأزِيدُ علَى السَّبعِينَ)). فبُيِّنَ له حسمُ المغفرة بآيةِ ((سَواءٌ علَيهِم أستَغْفَرتَ لَهُم أم لَم تَستَغْفِرْ لَهُم)). ﴿ذُلِكَ بِأَنَّهُم كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ. واللهُ لا يَهِدِي القَومَ الفاسِقِينَ﴾ ٨٠. ٢- ﴿فَرِحَ المُخَلَّقُونَ﴾ عن تبوكَ ﴿بِمَقعَدِهِم﴾: بقُعودهم ﴿خِلافَ﴾ أي: بعد ﴿رَسُولِ اللهِ، وكَرِهُوا أن يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِم وأنفُسِهِم في سَبِيلِ اللهِ، وقالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿لا تَنْفِرُوا﴾: تخرجوا إلى الجِهاد ﴿في الحَرِّ. قُلْ: نارُ جَهَنَّمَ أشدُّ حَرًّا﴾ من تبوكَ. فالأَولى أن يتّقوها بترك التخلّف - ﴿لَو كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ٨١: يعلمون ذلك ما تخلّفوا - ﴿فَلْيَضحَكُوا قَلِيلًا﴾ في الدنيا، ﴿وَلْيَبِكُوا﴾ في الآخرة ﴿كَثِيرًا، جَزَاءً بِما كانُوا يَكسِبُونَ﴾ ٨٢. خبرٌ عن حالهم بصيغة الأمر. ٣- ﴿فإن رَجَعَكَ﴾: ردّك ﴿اللهُ﴾ من تبوكَ ﴿إِلَى طائفةٍ مِنْهُم﴾: ممّن تخلّف بالمدينة من المُنافقين، ﴿فاستأذَنُوَكَ لِلخُرُوجِ﴾ معك إلى غزوة أُخرى، ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿لَن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا، ولَن تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا. إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرّةٍ. فاقعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ ٨٣: المُتخلّفين عن الغزو، من النِّساء والصِّبيان وغيرهم. ٤- ولمّا صلّى النبيّ وَّهَ على ابن أُبيِّ نزل: ﴿ولا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُم ماتَ أَبَدًا، ولا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ لدفن أو زيارة - ﴿إِنَّهُم كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وماتُوا وهُم فاسِقُونَ﴾ ٨٤: كافرون - ﴿ولا تُعجِبْكَ أمْوالُهُم وأولادُهُم. إنَّما يُرِيدُ اللهُ أن يُعَذِّبَهُم بِها في الدُّنيا، وتَزهَقَ﴾: تخرِجِ ﴿أَنفُسُهُم وهُم كافِرُونَ ٨٥. وإذا أُنزِلَت سُورةٌ﴾ أي: طائفة من القُرآن: ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿آمِنُوا بِاللهِ، وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ، استأذَنَكَ أُولُو الطَّولِ﴾: ذَوُو الغِنى ﴿مِنْهُم، وقالُوا: ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ ٨٦. رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾: جمع خالفة، أي: النساءِ اللّتِي تَخَلَّقْنَ في الْبُيوت، ﴿وطُبعَ عَلَى قُلُوبِهِم، فهُم لا يَفْقَهُونَ﴾ ٨٧ الخيرَ. (١) روي أنه لما نزلت الآية ٧٩ طلب بعض المنافقين الاستغفار لهم، فاستجاب النبي # لهم، فنزلت الآية تبين الحكم في ذلك. البحر ٧٦:٥. وتخيير يعني: إن شئتَ استغفرت لهم، وإن شئتَ لم تستغفر. والبخاري يعني الحديثين ٤٣٩٣ و٤٣٩٤ في البخاري. وحسم المغفرة في الآية ٦ من سورة المنافقون. وذلك أي: اليأس من الغفران لهم. وكفروا: كذّبوا في قلوبهم وألسنتهم وأعمالهم. ولا يهديهم: يوجّه قدراتهم إلى ما يناسب اختيارهم الفاسد واستعدادهم السيئ. والقوم: الجماعة من الناس. والفاسق: المتمرد في كفره بالخروج عن الإيمان. والمعنى: أن امتناع المغفرة لهم هو بسبب كفرهم. (٢) كان المعتذرون المخلفون حوالي التسعين. انظر ((المفصل)). والمخلفون: الذين خلّفهم عن الجهاد كسلهم أو نفاقهم. وعن تبوك أي: عن المسير إلى غزوة تبوك. وكرهوا: أبت نفوسهم. ويجاهد: يبذل ما يستطيع. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من المتاع والزينة. والأنفس: جمع نفس. وفي سبيل الله أي: لإعلاء كلمته ونصرة دينه. والحر: شدة الحرارة في الصيف. وأشد: أقوى وأفظع. ومن تبوك أي: مما في تبوك حينذاك. وضحك: انفرجت شفتاه وبدت أسنانه من السرور. والجزاء: المكافأة والعقاب. ويكسبون أي: يربحونه ويقصدونه من نفاق وفسق في النية والقول والعمل. وبصيغة الأمر أي أن المعنى: سيضحكون قليلًا ويبكون كثيرًا. وإنما كان بصيغة الأمر للدلالة على تحتم وقوعه، لأن الأمر المطاع لايكاد يتخلف عنه المطيع. (٣) الطائفة: الجماعة. واستأذن: طلب السماح. والخروج: الذهاب. ولن تخرجوا معي أي: لن تصحبوني في سفر أو جهاد. والأبد أي: مدة حياتكم ما دمتم على النفاق. والعدو: المعادي في خصام أو حرب. ورضيتم: قبلتم وسررتم. والقعود أي: تخلفكم عن الجهاد. وأول مرة أي: وقت الخروج إلى غزوة تبوك. واقعدوا: أقيموا في دياركم. (٤) ولما توفي عبد الله بن أبيّ طلب ابنه من النبي ◌َّالر قميصه يكفنه به، وأن يصلي عليه ويستغفر له، فحاول عمر منع ذلك دون جدوى. وأبيّ هو أبوه، وسلول هي جدته. ولا تصل أي: صلاة الميت. وأبدًا أي: مدة حياتك. ولا تقم أي: لاتقف. وكفروا به أي: كذّبوه وجحدوا ما كلفهم به. والفاسق: من خرج عن أمر الله وتمرد عليه بقصد وإرادة واختيار. وانظر الآية ٥٥. وفي التكرار لما في تلك الآية توكيد للمضمون، وتثبيت في النفوس، لئلا يشغل المخاطب عنه، مع خلاف يسير في العبارة للدلالة على أن الفائدة واحدة، وإن اختلف التعبير. وأنزلت: أوحيت إلى النبي وَّهر. والطائفة: القطعة. وآمِنوا أي: أخلصوا في الإيمان اعتقادًا وقولًا وعملًا. وجاهدوا: ابذلوا ما تستطيعون من المال والنفس والجهد. وأولو: أصحاب. وذرنا: دعنا واتركنا. ونكون: نصير. والقاعدون: المقيمون المتخلفون عن الجهاد. ورضوا: قَبِلوا وسُرّوا واطمأنوا. ويكونوا: يصيروا. وفي هذا تهجين لهم ومبالغة في الذم. وطبع عليها : أغلقتْ وختمت وسدت منافذها ومنعت من قبول الإيمان، لِما اختاروه وأصروا عليه من الكفر والعصيان. والقلوب: جمع قلب. وهو موطن الاعتقاد والتدبر والانفعال. ولا يفقهون: لا يفهمون ولا يدركون. والخير أي: في الإيمان والجهاد، والشر في الكفر والعصيان.