Indexed OCR Text
Pages 121-140
الجزء السادس
١٢١
٥ - سورة المائدة
١- ﴿قُلْ: يا أهلَ الكِتابِ﴾ اليهودَ والنصارى، ﴿لا تَغْلُوا﴾: تُجاوِزوا الحدَّ ﴿في
دِينِكُم﴾ غُلوَّا ﴿غَيرَ الحَقِّ﴾، بأن تضعوا عيسى أو ترفعوه فوق حقّه، ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهواءَ
قَومٍ قَد ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ بغُلوّهم - وهم أسلافهم - ﴿وأَضَلَّوا كَثِيرًا﴾ من الناسِ،
﴿وَضَلُّوا عَنِ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ ٧٧: طريق الحقّ. والسواء في الأصل: الوسط.
٢- ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسرائيلَ، عَلَى لِسانِ داوُدَ﴾، بأن دعا عليهم فمُسِخوا
قِرِدةٌ - وهم أصحاب أَيلةَ - ﴿وعِيسَى بنِ مَريَمَ﴾ بأن دعا عليهم فمُسِخوا خنازيرَ. وهم
أصحاب المائدة. ﴿ذُلِكَ﴾ اللعن ﴿بِما عَصَوا، وكانُوا يَعتَدُونَ ٧٨. كانُوا لا يَتَناهَونَ﴾
أي: لا ينهى بعضهم بعضًا ﴿عَنِ﴾ مُعاودةِ ﴿مُنكَرٍ فَعَلُوهُ. لَبِئْسَ ما كانُوا
یَفعَلُونَ﴾ ٧٩هُ فِعلُهم هذا!
٣- ﴿تَرَى﴾ - يا مُحمّد - ﴿كَثِيرًا مِنْهُم يَتَوَلَّونَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة، بُغضًا
لك. ﴿لَبِسَ ما قَدَّمَتْ لَهُم أَنفُسُهُم﴾، من العملِ لمَعادهم المُوجِبِ لهم، ﴿أن سَخِطَ
اللهُ عَلَيهِم، وفي العَذابِ هُم خالِدُونَ ٨٠! ولَوَ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَّبِيِّ﴾
مُحمّد، ﴿وما أُنزِلَ إِلَيهِ، ما اتَّخَذُوهُم﴾ أي: الكُفّارَ ﴿أولِياءَ، ولَكِنَّ كَثِيرًا
مِنْهُم فاسِقُونَ﴾ ٨١: خارجون عن الإيمان.
الجزء ٧
الجوز ١٣
سُورَة المَنَائِدَة
ـالحةُ السَّاد
قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقِّ
وَلَا تَتَّبِعُوْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ
(بَ لُعِنَ الَّذِينَ
كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى
أَبْنِ مَرْيَمَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوايَعْتَّدُونَ
كَانُواْلَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ
مَاكَانُواْ يَفْعَلُونَ (٨٩ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِتْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ
﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ فَهَ
﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أَنْزِلَ إِلَيْهِ
مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ
** الَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَتَ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْالَّذِينَ قَالُواْإِنَّا نَصَكَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
٤- ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ - يا مُحمّد - ﴿أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ، والَّذِينَ
أشرَكُوا﴾ من أهل مكَّة، لتضاعُف كُفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتّباع
الهوى، ﴿وَلَتَجِدَنَّ أقرَبَهُم مَوَدّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا: إِنّا نَصارَى. ذُلِكَ﴾ أي: قربُ
مودّتهم للمؤمنين ﴿بِأنَّ﴾: بسبب أنّ ﴿مِنْهُم قِسِيسِينَ﴾: عُلماءَ ﴿وَرُهبانًا﴾: عُبّادًا،
﴿وأنَّهُم لا يَستَكبِرُونَ﴾ ٨٢ عن اتّباع الحقّ، كما يستكبر اليهود وأهل مكّة. نزلتْ في وفد النجاشي القادمين عليه من الحبشة، قرأ وَّ عليهم
سورة (يسّ)) فبكوا وأسلموا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى! قال تعالى:
(١) قل أي: خاطب بالقول جهارًا. وأهل الشيء: أصحابه المسؤولون عنه. والكتاب: التوراة والإنجيل، اسم جنس يدل على الواحد والأكثر. فهو هنا يدل
على اثنين. والمراد بالدين هنا ما أنزله الله عليهم. وغيره أي: المغاير له. والحق: الصدق والعدل. وتضعوا عيسى أي: تخفضوا منزلته - أيها اليهود
الأفّاكون - بإنكار نبوته وادعاء أنه ابن زنى. وتتبعوها: تطيعوها وتنقادوا لها. والأهواء: جمع هوى. وهو ما تدعو شهوة النفس إليه، وأكثر مايكون في الشر.
والقوم: الجماعة من الناس رجالًا ونساء. والمراد هنا علماء أهل الكتاب من أحبار وقسيسين ورهبان وراهبات. وضلوا أي: انحرفوا عما أمر الله. وقبل أي:
قبل بعثة محمد #. وأضلوا أي: صرفوا وأفسدوا مِن قبل ومِن بعد إلى الآن. وطريق الحق: الدين الإسلامي. والوسط: الاعتدال بين النقيضين في كل
شيء، أي: الدين الحق. (٢) لُعن: قُضي عليه بالطرد من رحمة الله، وبنزول غضبه به. وبنو إسرائيل هنا هم اليهود والنصارى من سلالة يعقوب، لأن قدماء
الجماعتين كانوا منهم، وكذلك حال أكثر أعاجم النصارى واليهود الآن . فهم أبناء عم حقًّا، بخلاف ما ينسب إلى العرب الآن من ذلك كذبًا وافتراء. وعلى
لسان داود وعيسى أي: أن الله أنزل في الزبور والإنجيل ما معناه: ((ملعون من يكفر من بني إسرائيل)). ثم دعا داود وعيسى أيضًا، كما ذكر السيوطي هنا.
وكفر: جحد التوحيد وكذّبه. واللسان: الجارحة التي يكون بها الكلام. وأيلة: مدينة على ساحل البحر الأحمر يقال لها: أيلات. وأصحابها هم الذين اعتدوا
في السبت. انظر الآيتين ٦٥ من سورة البقرة و١٦٣ من سورة الأعراف. وأصحاب المائدة أي: النصارى الذين كفروا بعد نزول المائدة عليهم. انظر الآيات
١١٢-١١٨. وعصوا: خرجوا عن طاعة الله. ويعتدون: يتجاوزون الحد بالعصيان والكفر. وينهى: يمنع. ومعاودة الشيء: العودة إليه مرارًا. والمنكر: ما
تستقبحه الشريعة والعقول الصحيحة. وفَعلَه: اكتسبه واقترفه. وبئس: تجاوز الحد في الشر والفساد والبؤس. و((فعلهم)) مذموم مرتين: في جنسه (فاعل بئس))،
وفي اختصاصه هذا. (٣) ترى: تبصر عيانًا. والخطاب للرسول وَ ل* ولكل سامع أو قارئ حينذاك. ومنهم أي: من منافقي أهل الكتاب. ويتولونهم:
يصادقونهم. وكفر: كذّب الله ورسوله وجحد التوحيد. وما قدمت لهم أنفسهم يعني: ما قدموه لأنفسهم، أي: فعلوه. والمعاد: الرجوع إلى الحساب والجزاء.
والمُوجب: الذي أوجب وحقق. وسخط: غضب غضبًا شديدًا يقتضي العقوبة. يعني أن ماعملوه ليوم القيامة أوجب لهم غضب الله عليهم. والعذاب:
التعذيب في جهنم عقوبة وإهانة. والخالد: المقيم أبدًا. ويؤمن به أي: يصدّقه ويطيعه. وأنزل: أوحي على لسان جبريل. واتخذ: جعل، أي: لو صدق
المنافقون في إيمانهم ما تولوا الكافرين. والتقدير: لو آمنوا لتركوا ولاية الكافرين. والأولياء: جمع ولي. وهو الذي تصادقه وتوادّه وتنصره. ولكن كثيرًا منهم
أي: لكنهم. وإنما ذكر ((كثيرًا منهم)) - وهوفي أول الآية ٨٠ - وضعًا للظاهر بلفظه موضع المضمر، لمّا طال الكلام. وإلّا كان المعنى: ولكن كثيرًا من ذلك
الكثير. (٤) تجد: ترى وتعلم. والخطاب لكل سامع أو قارئ أيضًا. وأشد: أقوى وأفظع. والعداوة: المعاداة. واليهود: واحده يهودي. وأشرك: جعل مع
الله شريكًا بالتقديس والطاعة. و((أهل مكة)) أي: وغيرهم في كل زمان ومكان، من المشركين والملحدين. وأقربهم: أقرب الناس. والمودة: الألفة. والمراد
أنهم كذلك، إذا لم ينقادوا لليهود ويتابعوهم في التفكير والسلوك. والمقصود هنا النصارى الذين يلتزمون حقيقة النصرانية، لا من صاروا كاليهود في الأخلاق
والعمل، وبرؤوهم من الصلب. وانظر الفتوحات ٥١٩:١. والقسيس: عالم النصارى. والرهبان: جمع راهب. والنجاشي هو ملك الحبشة حينذاك واسمه
أصحمة، استقبل المهاجرين الأوائل وأكرمهم وسمع دعوتهم فأسلم، ولما توفي صلى عليه النبي وطهر والصحابة صلاة الغائب. انظر ((المفصل)) والآيات ٨٢ -
٨٦. وعدم تشديد الياء هو الصواب. ولا يستكبرون: لا يُظهرون من أنفسهم أكثر مما يستحقون.
٥ - سورة المائدة
١٢٢
الجزء السابع
سُورَةِ المُفَائِدَة
وَإِذَا سَمِعُواْمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
اُلَّمْعِمِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّاءَمَنَا فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَاجَآءَ نَامِنَ الْحَقِّ
وَنَطَّمَعُ أَنْ يُدْ خِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ (٤٥) فَأَثَبَهُمُ
اَللَّهُ بِمَا قَالُواْجَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن ◌َحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَالَّذِينَ كَفَرُ واْ وَ كَذَّبُواْ
وَذَالِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ فِيهَ
بِشَايَتِنَا أُوْ لَبِّكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأَ إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿ وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًا
وَأَثَّقُواْاللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُمْ بِهِ، مُؤْمِنُونَ (٣٦)لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَنَّ
فَكَفَّرَتُهُإِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
◌َثَلَاثَةِ أَبََّمٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُوْ
أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَإِيَنْتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١- ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾، من القُرآن، ﴿تَرَى أعيُنَهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمع،
مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، آمَنًا﴾: صدّقنا نبيَّك وكتابك. ﴿فاكتُبْنا مَعَ
الشّاهِدِينَ﴾ ٨٣: المُقرّين بتصديقهما. ﴿و﴾ قالوا، في جواب من عيَّرهم بالإسلام
من اليهود: ﴿مَا لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ، وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾: القرآن - أي: لا مانع لنا
من الإيمان مع وجود مُقتضيه - ﴿وَنَطمَعُ﴾: عطف على ((نُؤمنُ)) (أن يُدخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ
القَومِ الصّالِحِينَ﴾ ٨٤ المؤمنين الجنّةً؟
٢- قال تعالى: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ، تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، خالِدِينَ
فِيها. وذُلِكَ جَزاءُ المُحسِنِينَ﴾ ٨٥ بالإِيمان، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا، وكَذَّبُوا بِآيَاتِنا، أُولَئِكَ
أصحابُ الجَحِيمِ﴾ ٨٦.
٣- ونزل، لمّا همَّ قوم من الصحابة أن يُلازموا الصومَ والقيامَ، ولا يَقرَبوا النساءَ
والطِّيبَ، ولا يأكلوا اللحمَ ولا يناموا على الفراش: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تُحَرِّمُوا
طَيِّياتِ ما أحَلَّ اللّهُ لَكُم، ولا تَعتَدُوا﴾: تتجاوزوا أمرَ الله - ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ
المُعتَدِينَ ٨٧ -وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّبًا﴾: مفعول، والجارّ والمجرور قبله
حال متعلّق به، ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُم بِهِ مُؤمِنُونَ﴾ ٨٨.
٤- ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ﴾ الكائن ﴿فِي أَيمانِكُم﴾ - هو ما يَسِقِ إليه اللسان من
غير قصد الحلف، كقول الإِنسان: لا والله، وبلى والله - ﴿ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِما عَقَدْتُمُ﴾ - بالتخفيف والتشديد، وفي قراءة ((عاقَدْتُمُ))،
﴿الأَيمانَ﴾ عليه بأن حلفتم عن قصد. ﴿فَكَفّارتُهُ﴾ أي: اليمينِ إِذا حَنِثُم فيه ﴿إطعامُ عَشَرةِ مَساكِينَ﴾، لكُلّ مِسكين مُدٌّ ﴿مِن أوسَطِ ما تُطعِمُونَ﴾
منه ﴿أهلِيكُمْ﴾ أي: أقصَدِه وأغلبِهِ لا أعلاه ولا أدناه، ﴿أو كِسْوَتُهُم﴾ بِما يُسمَّى كِسوةً كقميص وعِمامة وإزار - ولا يكفي دفع ما ذُكر إلى مسكين
واحد، وعليه الشافعيّ - ﴿أَو تَحْرِيرُ﴾: عِتقُ ﴿رَقَبَةٍ﴾ أي: مؤمنة، كما في كفّارة القتلِ والظّهارِ حملًا للمُطلق على المُفيَّد، ﴿فَمَن لَم يَجِدْ﴾
واحدًا ممّا ذُكر ﴿فصِيامُ ثَلاثةِ أيّامٍ﴾ كفّارتُه. وظاهِرُه أنه لا يُشترط التتابعُ، وعليه الشافعيّ. ﴿ذلِكَ﴾ المذكورُ ﴿كَفَّارَةُ أَيمَانِكُم، إذا حَلَقْتُمْ﴾
وحَنِثُم. ﴿واحفَظُوا أيمانَكُم﴾ أن تنكثوها، ما لم يكن على فعلٍ بِرِّ أو إصلاح بينَ الناس، كما في سورة (البقرة). ﴿كَذْلِكَ﴾: مِثْلَما بَيْنَ لكم ما
ذُكِرَ ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ﴾ ٨٩ ـه على ذلك.
(١) أُنزل: أوحي على لسان جبريل. وترى: تبصر. والأعين: جمع عين. وتفيض: تطفح خشوعًا وإيمانًا. والدمع: ماء العين. وعرفوا: أدركوا بعد تفكير.
والحق: الدين الصحيح. واكتبنا أي: سجلْ أسماءنا وأثبتْها. والشاهدون: أمة محمد، لأنها تؤمن بالرسل جميعًا وتُقِرّ بذلك. وفي المنحة وبعض المطبوعات:
((المقربين بتصديقهم)). ونؤمن به أي: نصدقه اعتقادًا جازمًا. وجاءنا: أتانا. والمراد: لاشيء نحصل عليه إذا لم نؤمن، فنعود بالخسارة والندم. ونطمع:
نشتهي. والصالح: من جعل عمله كما أمر الله. وإنما فُسّر الصالحون بالمؤمنين، لأن العمل لا يقبل إلا مع الإيمان.
(٢) أثابهم: قدّر لهم أحسن الجزاء. وتجري: تسيل وتتدفق. ومن تحتها أي: من تحت قصورها وأشجارها. والأنهار: جمع نهر. والخالد: المقيم أبدًا.
وذلك أي: الثواب. والمحسن: المخلص في عمله كأنه يرى الله. وكفروا أي: جحدوا الإيمان. وهم غير المسلمين. وكذبها: أنكر صحتها. والآيات:
النصوص المنزلة والأدلة الموجبة للإيمان. والجحيم: نار جهنم المتوقدة.
(٣) نزل أي: الآيات ٨٧-٨٩. وهمّ: قصد وعزم. والقيام: قيام الليل كله بالعبادة. انظر ((المفصل)). وتحرموه أي: تجعلوه حرامًا. والطيبات: ما تستلذه
النفوس السليمة. وأحله: جعله حلالاً. ولا يحبهم: يبغضهم ويدعهم لما هم فيه من الظلم والعدوان. والمعتدين: المتجاوزين للحق. وكلوا أي: تمتعوا بأنواع
الرزق. ورزق: أعطى وهيأ. وحال أي: أن الجار والمجرور متعلقان بحال مقدمة محذوفة عن ((حلالًا)). واتقوه أي: تجنبوا عصيانه والزموا طاعته.
(٤) يؤاخذ: يعاقب ويوجب الكفّارة. وعقدتم: وثّقتم بالنية والعزم. والأيمان: جمع يمين. وهو القسم. وهو أي: اللغو في الأيمان. وانظر ((المفصل)).
وبالتشديد يريد القراءة ((عَقَّدْتُمُ)). وعليه أي: على ما أقسمتم. والكفارة: ما يستر الخطيئة ويزيل الإثم والعقاب. واليمين: يعني الحلف الذي حُنِثَ فيه ولم
يوَفَّ حقه. والإطعام: تقديم الغذاء. والمساكين: جمع مسكين. وهو الفقير المحتاج. والمد: مكيال قديم مقدار سعته ما وزنه حوالي ٦٠٠ غرام من الحنطة،
أو ضِعفه من التمر مثلًا. والأوسط: المتوسط في القدر والمنزلة. والعتق: التخليص للمملوك من خدمة المالك. والظهار: أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليّ
كظهر أمي. وهو نوع من طلاق الجاهلية. وذكره هنا سهو من السيوطي، إذ حكمُ الظهار في القرآن ليس فيه وصف الرقبة بالإيمان. انظر الآية ٣ من سورة
المجادلة. ولم يجد أي: لم يستطع الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة. وحننثم أي: في اليمين. ونكث اليمين: نقضها. والبقرة أي: الآية ٢٢٤ منها. ويبين:
يوضح. والآيات: أعلام الشريعة. وتشكرونه: تثنون عليه بالقلب واللسان والعمل.
الجزء السابع
١٢٣
٥ - سورة المائدة
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إنَّما الخَمرُ﴾: المُسكِر الذي يُخامِرُ العقلَ، ﴿والمَيسِرُ﴾:
القِمار، ﴿والأنصابُ﴾: الأصنام، ﴿والأزلامُ﴾: قِداح الاستقسام ﴿رِجسٌ﴾: خبيث
مُستقذَر، ﴿مِن عَمَلِ الشَّيطانِ﴾ الذي يُزيِّنه. ﴿فاجتَنِيُوهُ﴾ أي: الرجسَ المعبَّرَ به عن
هذه الأشياء، أن تفعلوه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠. إنَّما يُرِيدُ الشَّيطانُ أن يُوقِعَ بَينَكُمُ
العَداوَةَ والبَغضاءَ، في الخَمرِ والمَيسِرِ﴾ إذا أتيتُموهما، لِما يحصُل فيهما من الشرّ
والفتن، ﴿ويَصُدَّكُم﴾ بالاشتغال بهما ﴿عَن ذِكرِ اللهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾. خَصّها بالذِّكر
تعظيمًا لها. ﴿فَهَل أَنْتُم مُنتَهُونَ﴾ ٩١ عن إتيانهما؟ أي: انتهوا .
٢- ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ، واحذَرُوا﴾ المعاصيَ. ﴿فإن تَوَلَّيتُمْ﴾ عن الطاعة
﴿فاعلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنا البلاغُ المُبِينُ﴾ ٩٢: الإِبلاغ البيّن، وجزاؤكم علينا.
﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جُنَاحٌ، فِيما طَعِمُوا﴾: أكلوا من الخمر
والميسر قبلَ التحريم، ﴿إذا ما اتَّقَوا﴾ المُحرَّمَاتِ، ﴿وَآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ، ثُمَّ
اتَّقَوا وآمَنُوا﴾: ثَبَتوا على التقوى والإيمان، ﴿ثُمَّ اتَّقَوا وأحسَنُوا﴾ العملَ. ﴿واللهُ يُحِبُّ
المُحسِنِينَ﴾ ٩٣ بمعنى أنه يُثيبهم.
٣- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾: لِيَختبرَنَّكم ﴿اللهُ بِشَيءٍ﴾ يُرسله لكم، ﴿مِنَ
الصَّيدِ تَتالُهُ﴾ أي: الصغارَ منه ﴿أَيدِيكُم ورِماحُكُم﴾ الكبارَ منه - وكان ذلك بالحُدَيبية
وهم مُحرِمون، فكانت الوحش والطير تغشاهم في رِحالهم - ﴿لِيَعلَمَ اللهُ﴾ عِلمَ ظُهورٍ
﴿مَن يَخافُهُ بِالغَيبِ﴾: حال أي: غائبًا لم يَرَه، فَيَجتنبُ الصيدَ. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعدَ
ذلِكَ﴾ النهي عنه فاصطاده ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٩٤.
سُورَةِ الْجَنَائِدَة
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفِّرُ وَالْمَيْسِرُ وَاْأَنْصَابُ وَالْأَوْلَمُ رِجْسُ
مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (* إِنَّمَايُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاُلْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِوَالْمَيْسِ
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِوَ عَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنُمُنَهُونَ (١) وَطِيعُواْ
اللَّهَوَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِنِ تَوَّتْتُمْ فَاعْلَمُوْ أ ◌َنَّمَا عَلَى
رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْوَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ ثُمَ أَتَّقَواْ وَءَ امَنُواْتُمَ انَّقَواْوَأَحْسَنُواْوَلَّهُيُحِبُّ الْحْسِينَ
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّه ◌ِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ:
أَيْدِ يكُمْ وَرِ مَا حُكُمْ لِبَعْلَمَ لَهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبٍ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ
ذَلِكَ فَلَهُ, عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَلَهُ، مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ
يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَذْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاهُ
مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، عَفَا ◌َللّهُ عَمَّا
سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامٍ
٩٥
٤ - ﴿يا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا، لا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وأنتُم حُرُمٌ﴾: مُحرِمون بالحجّ أو العُمرة،
﴿ومَنْ قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ﴾، بالتنوينِ ورفع ما بعده، أي: فعليه جزاءٌ، هو ﴿مِثْلُ ما فَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي: شِبهُهُ في الخِلقة - وفي قراءة
بإضافة ((جَزاءُ)) - ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي: بالمِثل رجُلاَنِ ﴿ذَوا عَدلٍ مِنكُم﴾: لهما فِطنة يَميزان بها أشبه الأشياءَ به - وقد حكم ابن عبّاس وعُمر وعليّ
في النعامة بِبَدَنةٍ، وابن عبّاس وأبو عُبيدة في بَقْرِ الوحش وحمارِه ببقرة، وابن عُمر وابن عَوف في الظبي بشاة، وحكم بها ابن عبّاس وعُمر
وغيرهما في الحمام لأنه يُشبهها في العَبِّ - ﴿هَذْيًا﴾: حال من ((جزاء))، ﴿بالِغَ الكَعْبةِ﴾ أي: يُبلَغ به الحَرَمُ فيُذبح فيه ويُتصدّق به على مساكينه -
ولا يجوز أن يُذبح حيث كان. ونصبُه نعتًا لما قبله، وإن أُضيف، لأن إضافته لفظيّة لا تُفيد تعريفًا. فإن لم يكن للصيد مِثلٌ من النعم كالعُصفور
والجراد فعليه قيمتُه - ﴿أو﴾ عليه ﴿كَفّارَةٌ﴾ غيرُ الجزاء، وإن وَجده، هي ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ من غالب قُوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء لكُلّ
مِسكينٍ مُدٌّ - وفي قراءة بإضافة ((كفّارةُ)) لِما بعده. وهي للبيان - ﴿أو﴾ عليه ﴿عَدلُ﴾: مثلُ ﴿ذلِكَ﴾ الطعام ﴿صِيامًا﴾ يصومه، عن كُلّ مُدِّ يومًا،
وإن وجده. وجب ذلك عليه ﴿لِيَذُوقَ وَبالَ﴾: ثِقَلَ جزاءِ ﴿أمرِهِ﴾ الذي فعله. ﴿عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾، من قتل الصيد قبل تحريمه، ﴿ومَن عادَ﴾
(١) كان سعد بن أبي وقاص مع بعض الصحابة، في مجلس شراب قبل تحريم الخمر، وفضّل بكلام له المهاجرين على الأنصار، فضربه أحد الأنصار وجرح
أنفه، فشكا أمره إلى النبي وهو، فنزل تحريم الخمر وما معها هنا. الحديث ١٧٤٨ في مسلم ص ١٨٧٧-١٧٧٨ والدر المنثور ٣١٥:٢. ويخامره أي: يغطيه
ويمنعه أن يعي ويفكر، فيفقد بذلك أخصّ صفات الإنسانية. والقمار: لعب فيه مراهنة أن يأخذ المالَ من يتغلب. والأنصاب: جمع نُصُب. وسمي الصنم
نُصبًا لأنه يرفع ويعلى للعبادة. والأزلام: جمع زَلَم. وهو سهم لاريش له. والقداح: جمع قِدح. وهو قضيب قصير. والاستقسام: طلب المعرفة لما قُسِمَ
للإنسان من عمل وغيره. والخبيث: القبيح النجاسة. وعمله أي: وسوسته بالشر. والشيطان: من يغري بالباطل من الجن والإنس. واجتنبوه أي: ابتعدوا عنه
وعما يتصل به. وتفلحون: تفوزون بما تبتغون. ويريد: يقصد. ويوقع: يُحدِث. والعداوة: المعاداة. والبغضاء: التباغض. ويصد: يرد. والذكر: استحضار
العظمة بالقلب واللسان والعمل. ومنتهون أي: ممتنعون. (٢) أطيعوه: الزموا الامتثالَ لأمره. واحذروا: تجنبوا. وتوليتم: امتنعتم. واعلموا أي: ليكن في
علمكم. وعمل: اكتسب. والصالح: ما يرضاه الشرع. والجناح: الذنب. وقبل التحريم أي: قبل نزول الآيات ٩٠- ٩٢. وانظر ((المفصل)). واتقوا: تجنبوا
وتركوا. والمحسن: من جعل عمله حسنًا. ويحبه: يوده فيكرمه ويحسن إليه. (٣) يختبركم: يعاملكم ممتحنًا. انظر ((المفصل)). والصيد: مايصاد من
الحيوان. وتناله: تقدر على صيده. والأيدي: جمع يد. والرماح: جمع رمح. والوحش: من الحيوان. والطير: واحده طائر. وتغشاهم: تحيط بهم.
والرحال: ما يوضع على ظهور الإبل. وعلم ظهور أي: ليظهر علمُه فيتميز المطيع من العاصي. واعتدى: تجاوز حكم الشرع. (٤) لا تقتلوا الصيد أي: لا
تصطادوا. والحرم: جمع حرام. والعُمرة: زيارة البيت الحرام. انظر ((المفصل)). والجزاء: العقوبة والكفّارة. والنعم: الإبل والبقر والغنم. وبإضافة: يريد
القراءة ((فجَزاءُ مِثلٍ)). ويحكم: يقضي. وذوا عدل: صاحبا حكم بالحق. والبدنة: الواحد من الإبل إذا دخل في السنة السادسة. وأبو عبيدة: أمين الأمّة أحد
العشرة المبشرين بالجنة. وابن عمر: عبد الله بن عمر بن الخطاب. وابن عوف: عبد الرحمن أحد المبشرين بالجنة أيضًا. والشاة: الواحدة من الغنم.
والعب: الشرب من غير مص أو تنفس. والهدي: ما يُهدَى إلى الحرم. والكفارة: ما يستر الذنب ويزيل عقوبته. ووجده أي: استطاع تنفيذ الجزاء. والمد:
انظر تعليقنا على تفسير الآية ٨٩. ولما بعده يريد القراءة ((كَفّارةُ طَعام)). وعدل أي: مُعادِل. وسلف: مضى.
٥ - سورة المائدة
١٢٤
الجزء السابع
سُؤَة المحلاتِدة
الجزء الشائع
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَعَالَّكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ وَحُرِمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّمَادُ مْتُمْ حُرُمَا وَاتَّقُواْاللّهُالَّذِىَ إِلَيْهِ
جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ
تُحْشَرُونَ الشَّ
قِيَمَا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَاُلْحَرَامَ وَالْهَدْىَ وَالْقَلَبِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ
أَنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيهُ ﴿ أَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ
(٣٨) مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا
غَفُورُ رَحِيمٌ
◌ُبْدُونَ وَمَاتَكْتُمُونَ [®] قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَّطَّيِّبُ
وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِ اُلْأَلْبَبِ
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَسْئَلُواْ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْتَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ
الْقُرْءَ انُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهًا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيهُ لَقَدْ
١٠٢
سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ
مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْيَفْتَرُونَ عَلَى الَّهِالْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
إليه ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ. واللهُ عَزِيزٌ﴾: غالب على أمره، ﴿ذُو انِقَامِ﴾ ٩٥ ممّن عصاه.
وأُلحِق بقتله مُتعمّدًا، فيما ذُكِرَ، الخطأُ .
١- ﴿أُحِلَّ لَكُم﴾ - أيُّها الناس - حَلالًا كنتم أو مُحرِمِينَ ﴿صَيدُ البَحرِ﴾ أن
الجزب
تأكلوه - وهو ما لا يعيش إلّا فيه كالسمك، بخلاف ما يعيش فيه وفي البرّ
كالسَّرَطان - ﴿وَطَعامُهُ﴾: ما يقذفه ميتًا، ﴿مَتَاعًا﴾: تمتيعًا ﴿لَكُم﴾ تأكلونه
﴿وَلِلشَّيّارةِ﴾: المسافرين منكم يتزوّدونه، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيدُ البَرِّ﴾ - وهو ما يعيش
فيه من الوحش المأكول - أن تصيدوه، ﴿ما دُمتمُ حُرُمًا﴾. فلو صاده حَلال فللمُحرِم
أكلُه، كما بيّنْه السُّنّة. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٩٦.
٢- ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيتَ الحَرامَ﴾: المُحرَّمَ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾: يقوم به أمر دينهم
بالحجّ إليه، ودُنياهم بأمنِ داخله وعدم التعرّض له، وجَبْي ثمرات كُلّ شيء إليه - وفي
قراءة ((قِيَمًا)) بلا ألف مصدرُ ((قام)) غَيرَ مُعَلِّ - ﴿وَالشَّهَرَ الحَرامَ﴾ بمعنى: الأشهُر
الحُرُم ذو القَعدة وذو الحِجّة والمُحرّم ورجب، قيامًا لهم بأمنهم القتالَ فيها،
﴿والهَدْيَ والقَلائدَ﴾ قيامًا لهم بأمن صاحبهما من التعرُّض له. ﴿ذلِكَ﴾ الجعل
المذكور ﴿لِتَعَلَّمُوا أَنَّ اللهَ يَعلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما في الأرضِ، وأنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ
عَلِيمٌ﴾ ٩٧. فإنّ جَعْلَه ذلك، لِجلبِ المصالح لكم ودفع المضارّ عنكم قبل وقوعها،
دليلٌ على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن. ﴿اَعَلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾
لأعدائه، ﴿وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لأوليائه، ﴿رَحِيمٌ﴾ ٩٨ بهم.
٣- ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾: الإبلاغ لكم، ﴿واللهُ يَعلَمُ ما تُبُدُونَ﴾: تُظهرون من
العمل، ﴿وما تَكْتُمُونَ﴾ ٩٩ : تُخفون منه، فيُجازيكم به. ﴿قُلْ: لا يَستَوِي الخَبِيثُ﴾:
الحرام ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: الحلال، ﴿وَلَو أعجَبَكَ﴾ أي: سرَّك ﴿كَثْرَةُ الخَبِيثِ. فاتَّقُوا اللهَ﴾ في تركه - ﴿يا أُولِي الألبابِ - لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١٠٠ : تفوزون.
٤- ونزل، لمّا أكثروا سُؤاله ◌َّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تَسألُوا عَن أشياءَ، إن تُبْدَ﴾: تُظهرْ ﴿لَكُم تَسُؤْكُم﴾ لِما فيها من المشقّة، ﴿وإن تَسألُوا
عَنِها حِينَ يُنَزَّلُ القُرآنُ﴾ أي: في زمن النبيّ (تُبْدَ لَكُم﴾. المعنى: إذا سألتم عن أشياء في زمنه ينزلُ القُرآن بإبدائها، ومتى أبداها ساءتكم. فلا
تسألوا. قد ﴿عَفا اللهُ عَنها﴾: عن مسألتكم، فلا تعودوا. ﴿واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ١٠١. قَد سألَها﴾ أي: الأشياءَ ﴿قَومٌ مِن قَبَلِكُم﴾ أنبياءَهم، فأَجيبوا
ببيان أحكامها، ﴿ثُمَّ أصبَحُوا﴾: صاروا ﴿بِها كافِرِينَ﴾ ١٠٢ بتركهم العملَ بها.
٥- ﴿مَا جَعَلَ﴾: شَرَعَ ﴿اللهُ مِن بَحِيرةٍ، ولا سائبةٍ ولا وَصِيلةٍ ولا حامٍ﴾، كما كان أهل الجاهليّة يفعلونه - روى البُخاريّ عن سعيد بن المُسَيَّب
قال: البحيرةُ: التي يُمنعُ دَرُّها للطواغيت، فلا يَحلبها أحد من الناس. والسائبة: كانوا يُسَيِّونها لآلهتهم لا يُحملُ عليها شيء ... والوصيلة:
الناقة البِكر تُبِكِّرُ في أول نتاج الإِبل بأُنثى، ثمّ تُثنّي بعدُ بأُنثى. وكانوا يُسَيِّبونها لطواغيتهم إن وَصَلتْ إحداهما بالأُخرى ليس بينهما ذَكَر.
والحامِ : فحلُ الإِبل يَضرِبُ الضِّرابَ المعدودَ، فإذا قضى ضِرابَه وَدَعُوه للطّواغيت وأعفَوه من الحمل، فلم يُحمَل عليه شيء وسمَّوه الحاميَ -
(١) الناس: البشر. وحلالًا أي: غير محرمين لحج أو عُمرة. وأن تأكلوه أي: أن تصيدوه. والسمك أي: وغيره من الحيوان. القرطبي ٣١٩:٦. وطعامه أي:
الطعام الذي يكون من البحر دون صيد. وما يقذفه أي: ما يلقيه البحر. انظر ((المفصل)). والتمتيع: الانتفاع. والسيارة: واحده سيّار، أي: المسافر. ودمتم:
بقيتم. والحُرُم: المُحرِمون، مفرده حرام. وحلال أي: إنسان غير مُحرِم. والمراد بالسُّنّة ماورد في الحديثين ١٧٢٥ من البخاري و١١٩٦ من مسلم. واتقوه أي:
تجنبوا تحريم ما أحل وتحليل ما حرم. وإليه أي: إلى موعد حسابه. وتحشرون: تجمعون يوم القيامة للحساب والجزاء. (٢) جعل: صيّر بحكم جازم.
والبيت: المسجد في مكة المكرمة. والمُحرَّم أي: الذي حُرِّم فيه القتال وكثير مما يجوز في غيره. والقيام: ما يكون سببًا لاستقرارالشيء. والناس: البشر.
والجبي: الجلب والورود. وغير معل: انظر ((المفصل)). والهدي: النَّعَم الذي يُهدى إلى البيت الحرام. والقلائد: جمع قلادة. وهي ما كان يضعه المُحرِمُ في
عنقه أو في عنق بعيره. وتعلموا أي: تدركوا وتفهموا. ويعلمه: يحيط به بالغ الإحاطة. والعقاب: الضرر مع الإهانة. والغفور: العظيم الستر للذنوب والصفح
عنها. والأولياء: جمع ولي. وهو المطيع الله. والرحيم: الكثير العطف بالإحسان. (٣) الرسول: من كلف بالدعوة والعمل. وهو محمد رَ﴾. ولا يستويان أي:
لايتساويان في القدر والقيمة. وسرك أي: أدخل السرور إلى نفسك. والكثرة: الوفرة والضخامة. واتقوه أي: تجنبوا غضبه واطلبوا رضاه بالطاعة. وأولو
الألباب: أصحاب العقول السليمة التي تميز الطيب من الخبيث. والألباب: جمع لب. ولعلكم أي: ليترجى لكم. (٤) سبب النزول في المفصل. وآمن: عرف
قلبه التوحيد وما يلزمه. وتسأل: تطلب حكمًا. وأشياء أي: أمور لم تكلفوا بها ولاضرورة إلى السؤال عنها، جمع شيء. وتسوءُكم: تُلحق بكم ما يَشينكم.
وينزل: يوحى بحكمة الله على لسان جبريل. وعفا: صفح ولم يُعنِت. والمسألة: السؤال. والحليم: ذو العفو المطلق لا يستخفه عصيان ولا يعجل بالانتقام.
والقوم: الجماعة من الناس. والكافر: الجاحد للشيء ينكره. (٥) البخاري يعني: في الحديث ٤٣٤٧. وسعيد بن المسيَّب: سيّد التابعين وأحد الفقهاء السبعة
في المدينة. والدر: اللبن الحليب. والطواغيت: الأصنام. يعني أن اللبن يُجعل للأصنام. ويسيبونها أي: يُسرّحونها. والحام: انظر ((المفصل)). والضراب:
وُثوب الفحل على الناقة للشهوة. وودعوه: تركوه. وكفر: كذب الله ورسوله. ويفترون: يكذبون. ولا يعقلون أي: لايدركون ويقلدون دون تفكير. وتعالوا أي:
هلموا وأقبلوا. وكافينا يعني: لانريد شيئًا غيره. وكانوا أي: وما يزالون. ولا يعلم: لا يدرك. ويهتدي: يسترشد ويتوجّه. والإنكار أي: التوبيخ والزجر.
١٢٥
٥ - سورة المائدة
الجزء السابع
{وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ في ذلك ونسبتِه إليه، ﴿وأكثَرُهُم لا
يَعْقِلُونَ﴾ ١٠٣ أنّ ذلك افتراء، لأنّهم قّدوا فيه آباءهم، ﴿وإذا قِيلَ لَهُم: تَعالَوا إلَى ما
أَنزَلَ اللهُ، وإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي: إلى حُكمه، من تحليل ما حرّمتم، ﴿قالُوا: حَسْبُنَا﴾:
كافِينا ﴿ما وَجَدْنا عَلَيهِ آبَاءَنا﴾ من الدِّين والشريعة. قال تعالى: ﴿أ﴾ حَسبُهم ذلك،
﴿وَلَو كَانَ آبَاؤُهُم لا يَعلَمُونَ شَيئًا، ولا يَهتَدُونَ﴾ ١٠٤ إلى الحقّ؟ والاستفهام للإنكار.
١- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، عَلَيْكُم أنفُسَكُم﴾ أي: احفظوها وقُوموا بصلاحها. ﴿لا
يَضُرُّكُم مَن ضَلَّ، إذا اهْتَدَيْتُم﴾. قيل: المُراد: لا يضرّكم مَن ضلّ مِن أهل الكتاب.
وقيل: المُراد غيرُهم، لحديث أبي ثعلبةَ الخُشَنيّ: سألتُ عنها رسول الله وَّ فقال:
((ائتَمِرُوا بالمَعرُوفِ وتَناهَوا عَن المُنكَرِ. حَتّى إذا رأيتَ شُحًا مُطاعًا، وهَوَّى مُتَبَعًا،
ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كُلِّ ذِي رأي برأيِهِ، فعلَيكَ نَفسَكَ)). رواه الحاكم وغيره. ﴿إِلَى
اللهِ مَرجِعُكُم جَمِيعًا، فيُنَّكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ ١٠٥، فيُجازیکم به.
٢ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، شَهادةُ بَينِكُم، إذا حَضَرَ أحدَكُمُ المَوتُ﴾ أي: أسبابُهُ ﴿حِينَ
الوَصِيّةِ، اثنانِ ذَوا عَدلٍ مِنكُم﴾ - خبرٌ بمعنى الأمر، أي: لِيَشْهَدْ. وإضافة ((شَهادةُ))
لـ (بين)) على الاتّساع. وحينَ: بدل من ((إذا)) أو ظرف لـ((حَضَرَ)) - ﴿أو آخَرانٍ مِن
غَيْرِكُم﴾ أي: غيرِ مِلْتكم، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبِتُم﴾: سافرتم ﴿في الأرضِ، فأصابَتُم مُصِيبةٌ
المَوتِ، تَحبِسُونَهُما﴾: تُوقِفُونهما صفةُ ((آخَرانٍ))، ﴿مِن بَعدِ الصّلاةِ﴾ أي: صلاة
العصر، ﴿فَيُقسِمانِ﴾: يَحلِفان ﴿بِاللهِ، إِنِ ارتَبتُم﴾: شككتم فيهما، ويقولان: ﴿لا
نَشتَرِي بِهِ﴾: بالله ﴿ثَمَنَا﴾: عِوَضًا نأخذُه بدَلَه من الدُّنيا، بأن نحلف به أو نشهد به
كاذبًا لأجله، ﴿وَلَو كانَ﴾ المُقْسَمُ له أو المَشهودُ له ﴿ذا قُربَى﴾: قرابةٍ منّا، ﴿ولا نَكتُمُ
شَهادةَ اللهِ﴾ التي أُمرنا بإقامتها. ﴿إِنّا إِذَا﴾: إن كتمناها ﴿لَمِنَ الْآئِمِينَ ١٠٦. فإن عُثِرَ﴾: اطُّلع، بعد حلفهما، ﴿عَلَى أنَّهُما استَحَقّا إثمًا﴾ أي:
فَعَلا ما يُوجبه من خِيانة أو كذِب في الشهادة، بأن وُجد عندهما مثلًا ما اتُّهما به، وادَّعيا أنّهما ابتاعاه من الميت أو وصَى لهما به، ﴿فَآخَرانِ
يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ في توجّه اليمين عليهما، ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيهِم﴾ الوصيّةُ - وهم الورثة - ويُبدل من ((آخَرانٍ)) ﴿الأَوْلَيانِ﴾ بالميت أي:
الأقربانِ إليه - وفي قراءةٍ ((الأوَّلِينَ)): جمعُ أوّل، صفةٌ أو بدلٌ من ((الّذِين)) - ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ على خِيانة الشاهدَينِ، ويقولان: ﴿لَشَهادتُنَا﴾:
يمينُنا ﴿أَحَقُّ﴾: أصدقُ ﴿مِن شَهادتِهِما﴾: يمينهما، ﴿وما اعتَدَينا﴾: تجاوزْنا الحقّ في اليمين. ﴿إِنّا إذَا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١٠٧.
المعنى: لِيُشهِدِ المُحتضَرُ على وصيّته اثنينِ أو يُوصي إليهما، من أهلِ دينه، أو غيرِهم إن فَقَدَهم لسفر ونحوه. فإن ارتاب الورثة فيهما، فادّعَوا
أنهما خانا بأخذِ شيء أو دفعِه إلى شخص زعما أنّ الميت أوصى له به، فلْيحلِفا إلى آخره. فإن اطَّلِع على أمارةٍ تكذِّبُهما فادّعيا دافعًا له حلفَ
أقربُ الورثة على كذبهما وصِدق ما ادّعَوه. والحُكمُ ثابتٌ في الوصيّينِ منسوخٌ في الشاهدَينِ، وكذا شهادةُ غير أهل المِلّة منسوخة. واعتبار صلاة
العصر للتغليظ، وتخصيصُ الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها. وهي ما رواه البخاريّ، أنّ رجلًا من بني
سهم خرج مع تميم الداريّ وعديّ بن بَدّاءٍ - أي وهما نصرانيّان - فمات السهميّ بأرض ليس فيها مُسلم. فلمّا قدِما بتركته فقَدُوا جامًا من فِضّة
مُخوَّصًا بالذهب، فرُفعا إلى النبيّ وََّ، فنزلتْ فأحلفهما ثمّ وُجد الجام بمكّة، فقالوا: ابتَعناه من تميم وعديّ. فنزلتِ الآيَةُ الثانية، فقام رجلان
من أولياء السهميّ فحلفا. وفي رواية التِّرمذيّ: فقام عمرُو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، وكانا أقرب إليه. وفي رواية: فمرض فأوصى
إليهما، وأمرهما أن يُبلّغا ما ترك أهلَه. فلمّا مات أخذا الجام، ودفعا إلى أهله ما بقي.
٣- ﴿ذلِكَ﴾ الحكم المذكور، من ردّ اليمين على الورثة، ﴿أدَنَى﴾: أقربُ إلى ﴿أن يأتُوا﴾ أي: الشهودُ أو الأوصياء ﴿بِالشَّهادةِ علَى وَجهِها﴾
(١) لا يضر أي: لا يسبب أذى مهمًا. انظر سبب النزول في المفصل. وأبو ثعلبة صحابي ممن بايع تحت الشجرة. والمُؤثَّرة: التي تفضّل على الآخرة.
والمعنى: إذا لم يبق أحد تنفعه النصيحة، فاكتفٍ بإصلاح ما يخصك. ومحال أن يخلو العالم ممن يقبل الصلاح، وما أورده السيوطي من الحديث ضعيف.
وإلى الله أي: إلى لقاء موعده للحساب. والمرجع: الرجوع يوم القيامة. وينبئكم: يُعلمكم. وتعمل: تكتسب. (٢) حضر: جاء وظهر. والوصية: التمليك
للتركة. وذوا عدل أي: رجلان صاحبا عدالة، أي: استقامة وصلاح. وأصابت: قربت. وفيهما أي: في صدق قول الآخَرَين. وبه: يعني بدلًا من الله، أي:
من حرمته. وكاذبًا أي: قسمًا كاذبًا. ونكتم: نخفي. وإقامة الشهادة: أداؤها كاملة. والآثم: المرتكب للذنب. وآخران أي: شاهدان غير اللذينِ ظهر كذبهما،
مِن الذين وجبت لهم الوصية بالتركة. والشاهدين أي: أو الوصيّينِ اللذين عُثر على كذبهما. والظالم: الكاذب. وفقدَهم أي: لم يكن معه مسلمون. والأمارة:
العلامة بوضوح. والنسخ مراد به أن حكم تحليفِ الوصيّينِ ثابت في الشرع، وحكمَ تحليفِ الشاهدَين وشهادةٍ غير المسلمِين منسوخ. ونزلت لها أي: نزلت
الآيات ١٠٦-١٠٨ بسببها. والبخاري أي: الحديث ٢٦٢٨ في صحيحه. وخرج أي: في سفر. والجام: كأس كبيرة. ورُفِعا أي: رُفع أمر خيانتهما الأمانةَ.
ونزلت فأحلفهما أي: الآية ١٠٦. وحلفا أي: على خيانة النصرانيَّين، ورُدّ الجام إليهما. وحديث الترمذي في سننه تحت الرقم ٣٠٦١. وعمرو بن العاص:
صحابي من بني سهم. وأقرب إليه أي: إلى السهمي. وأهلَه أي: أن يوصِلا تركته إلى أهله. (٣) رد اليمين أي: ما جاء في الآية ١٠٧. يعني: توجه اليمين=
سُورَة المائدة
الحرة الشائعة
وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوَاْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ
حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَءَآبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (٣٦) يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِمَنْجِعُكُمْ جَمِيعًا
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٥) يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْشَهَدَةُ
بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِذَوَا
عَدْلٍ مِنكُمْ أَوْءَ اخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِ الْأَرْضِ
فَأَصَبَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ آَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَّمَنَّا وَلَوْ كَانَ ذَاقُرْبِىّ
وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ * فَإِنْ عُثْ عَلَى
أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمًا فَتَا خَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ
أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَ نُنَا أَحَقٌّ
مِن شَهْدَ تِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ { ذَلِكَ
أَدْنَ أَن يَأْتُواْبِالشَّهَدَةٍ عَلَى وَجْهِهَا أَوْيَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيْمٌَ بَعْدَ
أَيْمَنِهِمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُوْاْ وَاَللَّهُلَ يَهْدِى اُلْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ لَّ
٥ - سورة المائدة
١٢٦
الجزء السابع
سُورَةِ الإِكَائِدَة
الجُزءُ الشَكَائَةُ
﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُحِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
لَّ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ {
أَذْكُرْ نِعْمَتِ عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدِتُكَ بِرُوجِ
اٌلْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلَا وَإِذْعَلَّمْتُكَ
الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَّ وَإِذْ تَخْلُقُ
مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا
بِإِذْنِ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِّ وَإِذْ تُخْرِجُ
الْمَوْنَى بِإِذْنِى وَإِذْكَفَفْتُ بَنِيِّ إِسْرَِّ يلَ عَنكَ إِذْ
جِئْتَهُمِ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
◌ُبِينٌ ﴿ وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبِّنَ أَنْءَامِنُواْفِى
وَبِرَسُولِ قَالُوَاْءَامَنَا وَأَشْهَدْ يِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (* إِذْقَالَ
الْحَوَارِبُونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَوَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ
يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآبِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَإِن كُنتُم
مُؤْمِنِينَ ﴿ قَالُواْنُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا
وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَِّهِدِينَ
الذي تحمّلوها عليه، من غير تحريف ولا خيانة، (أو) أقربُ إلى أن
﴿يَخافُوا أن تُرَدَّ أَيمانٌ بَعدَ أَيمانِهِمِ﴾ على الورثة المدَّعِينَ - فيحلفون على
نقف
الخزب
١٣
خِيانتهم وكذِبهم فيَفتضِحون ويَغْرَمون - فلا يكذبوا. ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾، بترك
الخيانة والكذِب، ﴿واسمَعُوا﴾ ما تُؤمرون به سماعَ قَبول. ﴿واللهُ لا يَهدِي القَومَ
الفاسِقِينَ﴾ ١٠٨: الخارجين عن طاعته، إلى سبيل الخير.
١ - اذكرْ ﴿يَومَ يَجمَعُ اللهُ الرُّسُلَ﴾ - هو يوم القيامة - ﴿فَيَقُولُ﴾ لهم توبيخًا لقومهم:
﴿ماذا﴾ أي: [ما] الذي ﴿أَجِبْتُم﴾ به، حين دَعوتم الناسَ إلى التوحيد؟ ﴿قَالُوا: لا
عِلمَ لَنَا﴾ بذلك، إلّا ما علّمتَنا. ﴿إِنَّكَ أنتَ عَلَّمُ الغُيُوبِ﴾ ١٠٩ : ما غاب عن العِباد
وذهب عنهم علمه. لِشدّة هول يوم القيامة وفزعهم. ثمّ يشهدون على أُممهم لمّا
يسكنون.
٢- اذكرْ ﴿إِذْ قالَ اللهُ: يا عِيسَى بنَ مَرِيَمَ، اذكُرْ نِعمَتِي عَلَيكَ وعَلَى والِدَتِكَ﴾
بشكرها، ﴿إِذْ أَيَّدَتُكَ﴾: قوَّيتك ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾: جِبريلَ، ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾: حالٌ من
الكاف في ((أيّدتك))، ﴿في المَهدِ﴾ أي: طفلًا ﴿وكَهلَا﴾ - يُفيد نُزولَه قبل الساعة،
لأنه رُفع قبل الكُهولة كما سبق في ((آل عمران))، ﴿وإذْ عَلَّمتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ
والتَّوراةَ والإِنجِيلَ، وإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئةٍ﴾: كصورةِ ﴿الطَّيرِ) - والكاف: اسم
بمعنى «مِثْل)) مفعول - ﴿بِإِذنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذنِي﴾: بإرادتي، ﴿وَتُبْرِئُ
الأكمَهَ والأبرَصَ بِإِذْنِي، وإذْ تُخرِجُ المَوتَى﴾ من قُبورهم أحياءً ﴿بِإذنِ، وإِذْ كَفَفْتُ بَنِي
إسرائيلَ عَنكَ﴾ حين همّوا بقتلك، ﴿إِذْ جِئْتَهُم بِالبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات، ﴿فقالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْهُم: إنْ﴾ ما ﴿هذا﴾ الذي جئتَ به ﴿إِلَّا سِحرٌ مُبِينٌ﴾ ١١٠ - وفي قراءةٍ ((ساحِرٌ)) أي: عيسى - ﴿وإذْ أَوحَيتُ إلَى الحَوارِيِّينَ﴾ أمرتهم
على لسانه ﴿أنْ﴾ أي: بأن ﴿آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ عيسى. ﴿قَالُوا: آمَنّا﴾ بهما. ﴿واشهَدْ بِأَنَّنَا مُسلِمُونَ﴾ ١١١ .
٣- اذكرْ ﴿إِذْ قالَ الحَوارِيُّونَ: يا عِيسَى بنَ مَريَمَ، هَل يَستَطِيعُ﴾ أي: يفعلُ ﴿رَبُّكَ﴾ - وفي قراءةٍ بالفوقانِيّةِ ونَصبِ ما بعده أي: تقدرُ أن تسأله -
﴿أَن يُنْزِلَ عَلَينا مائدةً مِنَ السَّماءِ؟ قالَ﴾ لهم عيسى: ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾، في اقتراح الآيات، ﴿إن كُنتُم مُؤمِنِينَ ١١٢. قالُوا: نُرِيدُ﴾ سؤالَها من أجلِ
﴿أن نأكُلَ مِنها، وتَطْمَئِنَّ﴾: تسكنَ ﴿قُلُوبُنا﴾ بزيادة اليقين، ﴿ونَعلَمَ﴾: نزدادَ علمًا ﴿أَنْ﴾، مخفّفةٌ، أي: أنّك ﴿قَد صَدَقْتَنَا﴾ في ادّعاء النُّبوّة،
﴿ونكُونَ علَيها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ١١٣ .
=إلى أولياء الميت، إذا ظهر من الوصيّين أو الشاهدين خيانة أو كذب. ويأتوا بها أي: يؤدوها. ويخاف: يخشى. وترد أي: يصير حق اليمين للورثة.
والأيمان: جمع يمين. وهي القسم. ويَغرم: يَلزمه تأديةُ العِوَض. و((فلا يكذبوا)) كذا. وعبارة السيوطي من التلخيص، وفيه: ((فيحلفون ... ويغرمون فلا
يحلفون كاذبين)). واتقوه أي: خافوه واحذروا عقابه. ولا يهديه: لا يرشده ولا يوفقه، بل يتركه لِما هو فيه من الفسوق.
(١) اليوم: الوقت. ويجمعهم: يبعثهم ويحضرهم جميعًا. والرسل: جمع رسول. وأجبتم: قوبلتم به قولًا وعملًا. والعلم: المعرفة والإحاطة الحقيقيتان.
والمراد بـ ((ذلك)) هو جميع ما أجيبوا به قولًا وفعلًا. وعلّمتنا أي: يسّرت لنا تعلمه. وسقط ((إلّا ما علمتنا)) من الأصل والنسخ والمطبوعات، وأُلحق بحاشية
الأصل مصححًا عليه. والعلّام: مبالغة اسم الفاعل من العلم، أي: الإحاطة البالغة بكل شيء. والغيوب: جمع غيب، أي: الشيء الذي غاب عن حواس
المخلوقات وعقولهم. والسيوطي استعمل (لمّا)) قبل الفعل المضارع ((يسكنون)) بمعنى: حين. وهذا خطأ. انظر تعليقنا على تفسير الآية ١٥٩ من سورة النساء.
(٢) النعمة: الإنعام. والوالدة: الأمّ. وفي ط وقرة العينين وبعض المطبوعات: ((اشكرها)). وروح القدس: الروح المقدسة. والمهد: ما يُمهّد للطفل. وطفلًا
أي: قبل وقت الكلام. وهذا رد على النصارى القائلين: إنه تكلم في السن التي يتكلم فيها الأطفال. والكهل: من تجاوز سن الثلاثين. وما ذكره السيوطي هنا
عن الكهل يخالف ما ذكر في تفسير الآية ٥٧ من سورة آل عمران. و((آل عمران)) أي: الآيات ٤٦-٤٩ من تلك السورة. وعلمتك: يسّرت لك التعلم.
والكتاب: الكتابة. والحكمة: الإتقان للتفكير والقول والفعل. وتخلق: تصوّر وتشكّل. والطين: التراب المجبول. والطير: واحده طائر. وتنفخ: تبعث نفسك
بقوة. وفيها أي: في هيئة الطير. وتكون: تصير. وتُبرئ: تشفي من المرض. والأكمه: من خُلق بغير بصر. والأبرص: من فيه مرض البرص. وتُخرج:
تبعث. والموتى: جمع ميت. وكففت: منعت. وجئتهم بها: فعلتها. والسحر: الاحتيال يخدع الأبصار والبصائر ممن كان على غير اتزان. والمبين: الواضح
لا شك فيه. والحواريون: أول من آمن به من بني إسرائيل. واشهد أي: اعلم لتطمئن وتُقِرّ لنا بذلك يوم القيامة.
(٣) يفعل: يعني أن ((يستطيع)) هنا بمعنى: يستجيب لدعائك. وبالفوقانية يريد القراءة ((هَل تَستَطِيعُ رَبَّكَ))؟ أي: هل تطلب لنا من ربك؟ وينزل: يسقط. وقد
أثبتناه هنا كما ضبط في الأصل وط وع، خلافًا لما في ث والمطبوعات: ((يُنَزِّلَ)). والمائدة: الخِوان العالي عليه الطعام. واتقوه: تجنبوا عصيانه أي: دعوا
هذا الطلب، والزموا الاستسلام والإخلاص. ونريد: نقصد. ونأكل: نتغذى. والقلوب: جمع قلب. والعلم: الإدراك اليقيني بالمشاهدة. ومخففة: يعني أن
أصلها ((أنّ)). وصدقت: قلت الحق. ونكون: نصير. والشاهد: من يقرّ بالحقيقة.
الجزء السابع
١٢٧
٥ - سورة المائدة
١ - ﴿قَالَ عِيسَى بِنُ مَرِيَمَ: اللُّهُمَّ رَبَّنَا، أَنزِلْ عَلَينا مائدةً مِنَ السَّماءِ، تَكُونُ لَنَا﴾ أي:
يومُ نُزولها ﴿عِيدًا﴾ نُعظّمه ونُسَرّ فيه، ﴿لِأَوَّلِنا﴾: بدلٌ من ((لنا)) بإعادة الجارّ،
﴿وآخِرِنا﴾ ممّن يأتي بعدنا، ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ على قُدرتك ونُبُوّتي، ﴿وارزُقْنَا﴾ إيّاها .
﴿وأنتَ خَيرُ الرّازِقِينَ ١١٤. قالَ اللهُ﴾ مُستجيبًا له: ﴿إِنِّي مُنْزِلُها﴾ - بالتخفيف
والتشديد - ﴿عَلَيكُمِ. فَمَن يَكْفُرْ بَعدُ﴾ أي: بعدَ نزولها ﴿مِنكُم فإِنِّيَ أُعذِّبُهُ عَذَابًا، لا
أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ١١٥. فنزلتِ الملائكة بها من السماء، عليها سبعةُ أرغفةٍ
وسبعةُ أحواتٍ، فأكلوا منها حتّى شبعوا. قاله ابن عبّاس. وفي حديثٍ: ((أُنزِلَتِ
المائدةُ منَ السَّماءِ خُبزًا ولَحمًا. فَأُمِرُوا ألّا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فخانُوا وادَّخَرُوا
ورَفَعوا، فُمُسِخُوا قِرَدةً وخَنازِيرَ )).
سُورَة الإثائِدة
الجزء السابع
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَ اَللَّهُوَّ رَبَّنَا أَنِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَآءِ
تَكُونُ لَنَاعِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٌ مِّنِكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ
خَيْرُ الزَّزِقِينَ ﴿ قَالَ اللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْبَعْدُ
مِنكُمْ فَإِّ أُعَذِبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ (١٥)
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ
وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَايَكُونُ لِىّ أَنْ
أَقُولَ مَالَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى
أَمَا
نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَُّمُ الْغُبِ
قُلْتُ لَهُمْإِلَّمَا أَمَرْتَنِعَنِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ
أَعَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّادُمْتُ فِيهِمٌّ فَمَّاتَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ
◌َعَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ شَهِيدٌ ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُّ
﴿وَ إِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (﴿ قَالَ اَللَّهُ هَذَا يَوْمُ
ويَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَمْ جَنٌَّ تَرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَالِينَ فِيهَا أَبَدَ ا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦)
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَافِنُّ وَهُوَ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدِيرًا
٢ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قالَ﴾ أي: يقول ﴿اللهُ﴾ لعيسى، في القيامة توبيخًا لقومه: ﴿يا
عِيسَى بنَ مريَمَ، أأنتَ قُلتَ لِلنّاسِ: اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَينِ مِن دُونِ اللهِ؟ قالَ﴾ عيسى،
وقد أُرعِدَ: ﴿سُبحانَكَ﴾: تنزيها لك عمّا لا يليق بك من الشريك وغيره! ﴿ما يَكُونُ﴾:
ينبغي ﴿لِيَّ أن أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٌّ﴾: خبرُ ((ليس))، ولي: للتبيين. ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فقَد
عَلِمتَهُ. تَعلَمُ ما﴾ أُخفيه ﴿فِي نَفْسِي، ولا أعلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ما تُخفيه من
معلوماتك. ﴿إِنَّكَ أنتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ ١١٦. ما قُلتُ لَهُم إلّا ما أمَرَتَنِي بِهِ﴾ - وهو ﴿أنِ
اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكُم - وكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا﴾: رقيبًا أمنعهم ممّا يقولون، ﴿ما دُمتُ
فِيهِم، فلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾: قبضتَني بالرفع إلى السماء ﴿كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِم﴾
الحفيظَ لأعمالهم. ﴿وأنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ﴾، من قولي لهم وقولهم بعدي وغيرِ ذلك، (شَهِيدٌ﴾ ١١٧ : مطّلع عالم به. ﴿إِن تُعَذِّبْهُم﴾ أي: من
أقام على الكفر منهم ﴿فإنَّهُم عِبادُكَ﴾، وأنت مالكهم تتصرّف فيهم كيف شئتَ؟ لا اعتراض عليك. ﴿وإن تَغْفِرْ لَهُم﴾ أي: لمن آمن منهم ﴿فَإِنَّكَ
أنتَ العَزِيزُ﴾: الغالب على أمره، ﴿الحَكِيمُ﴾ ١١٨ في صُنعه.
٣- ﴿قَالَ اللهُ: هذا﴾ أي: يومُ القيامة ﴿يَومُ يَنفَعُ الصّادِقِينَ﴾ في الدُّنيا كعِيسَى (صِدقُهُم﴾، لأنه يوم: الجزاء. ﴿لَهُم جَنّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِها
الأنهارُ، خالِدِينَ فِيها أبَدًا، رَضِيَ اللهُ عَنْهُم﴾ بطاعته، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بثوابه. ﴿ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ ١١٩ . ولا ينفع الكاذبين في الدُّنيا صِدقهم
فيه، كالكفّار لمّا يؤمنون عند رُؤية العذاب. ﴿لِلِهِ مُلكُ السَّماواتِ والأرضِ﴾: خزائنِ المطر والنبات والرزق وغيرها ﴿وما فِيهِنَّ﴾ - أتى بـ ((ما))
تغليبًا لغير العاقل - ﴿وهْوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ١٢٠، ومنه إثابةُ الصادق وتعذيبُ الكاذب. وخَصَّ العقلُ ذاتَه، فليس عليها بقادر.
(١) اللّهم: يا أللهُ. وتكون: تصير. والعيد: ما يعود بالفرح. وقد نزلت يوم الأحد. وفيما عدا الأصل وع: ((ونشرّفه)). والآية: البرهان والدليل. ومنك أي:
من عندك وبأمرك. وارزقنا أي: أعطنا. وخير: أكثر نفعًا. ومنزلها أي: مجيب الدعاء بإنزالها. وبالتشديد يريد القراءة ((مُنَزِّلُها)). ويكفر: ينكر الرسالة.
وأعذبه: أقضي عليه بالعذاب. والعالمون: جمع عالَم. وهو الجنس من المخلوقات. والأحوات: جمع حوت. وهو السمكة. والحديث في الترمذي تحت
الرقم ٣٠٦٣، بخلاف في اللفظ. وادّخروا أي: خبؤوا لأنفسهم. وفي البحر ٥٧:٤ أن الخلاف كثير في كيفية نزول المائدة، وما كان عليها ومن أكلوا منه،
وما آل إليه أمرهم، ليس منه شيء يدل عليه لفظ الآية. فليُضرَب عن ذكره صفح، إلّا ما جاء في الحديث الصحيح.
(٢) الناس أي: قومك. واتخذوني: اجعلوني. والإله: المعبود. ومن دونه أي: غيرَه. والمراد: معه. وقال أي: يقول. وأرعد: ارتعدت أعضاؤه من الفزع.
والحق: الشيء الثابت. انظر ((المفصل)). وعلمتَه أي: ظهر علمك. وما في نفسي أي: ما أخفيه في قلبي. واعبدوه: قدسوه وحده وأطيعوه. ودمت: أقمت.
وقبضتني بالرفع أي: رفعتني وأنقذتني. والعباد: جمع عبد. وتغفر: تستر الذنوب وتصفح عنها. والحكيم: المبالغ في معرفة الأشياء وإيجادها على غاية
الإتقان.
(٣) قال أي: يقول في ذلك اليوم. وينفعه: يوصل إليه الثواب، ويمنع عنه العقاب. والأنهار: جمع نهر. والأبد: مدة الزمان كله. ورضي عنهم: قبِلَ
أعمالهم وأكرمهم. ورضوا عنه: اطمأنوا إلى ما أكرمهم به. و((لمّا يؤمنون)) خطأ. انظر تعليقنا على تفسيره للآية ١٠٩. والقدير: الكامل الاقتدار. وخص
العقل: يعني أن ((كل شيء)) مع شموله للمولى - تعالى - يراد به غيره من الموجودات. ذلك لأن الله ليس كالأشياء. ولهذا استثنى العقلُ الذاتَ الإلهيةَ الواجبة
الوجود من سلطان هذه القدرة المطلقة، إذ هي تتعلق بالممكنات لا بالمستحيلات التي هي افتراض وهمي. ويظهر مما ذكرنا مجانبةٌ للأدب في الكلام على
الله، سبحانه. ولو قال السيوطي: ((لأنها ليست من الموجودات التي تتعلق بها قدرته)) لأوضح المراد، وتجنّب الإشكال واضطراب الشراح في التعليق على
عبارته. وقد أسقطها ناشرو المنحة وبعض المطبوعات، جهلًا بمضمونها، أو تأدبًا وخشية التوهم.
٦ - سورة الأنعام
١٢٨
الجزء السابع
الخبرة الشفافية
شُورَةُ الأَنْشَاء
اُلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الْقُلْلُمَتِ
هُوَ الَّذِى
وَالنُّورِّ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَبِهِمْ يَعْدِ لُونَ
خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَةٌ ثُمَّأَنتُمْ
تَمْتَرُونَ ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
وَجَهْرَّكُمْ وَيَعْلَمُ مَاتَكْسِبُونَ
(﴿ وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍمِنْ
ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿ فَقَدْكَذَّبُواْبِالْحَقِّ
لَمَّا جَآءَ هُمِّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَوَأْ مَا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٢٥) أَلَ
يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِى اُلْأَرْضِ مَالَمْ
نُمَكِّن لَّكُرْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا اُلْأَنْهَرَ
تَجْرِى مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ ◌ِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَا
ءَاخَرِينَ ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى قِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيِّدِبِهِمْ
لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَا إِلَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ
عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْأَنْزَ لْنَا مَلَكَالَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ
سُُّؤْرَةِ الأَنْ حَجَلُ
سورة الأنعام
مكيّة إلّا ((وما قدروا الله حقّ قدره)) الآيات الثلاث، وإلّا ((قل تعالوا)) الآيات
الثلاث، مِائَة وخمس أو ستّ وستّون آية.
بِسْمِ الهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
١- ﴿الحَمدُ﴾، وهو الوصف بالجميل، ثابتٌ ﴿لِلّهِ﴾ - وهل المُراد الإِعلام بذلك
للإِيمانِ به، أو الثناءِ به، أو هما؟ احتمالاتٌ أفيَدُها الثالث. قاله الشيخ في سورة
((الكهف)) - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ﴾، خصّهما بالذكر لأنهما أعظم
المخلوقات للناظرين، ﴿وَجَعَلَ﴾: خلق ﴿الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أي: كُلَّ ظُلمة ونور -
وجَمَعَها دونه لكثرة أسبابها. وهذا من دلائل وحدانيّته - ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مع قيام
هذا الدليل، ﴿بِرَبِّهِم يَعدِلُونَ﴾ ١: يُسَوُّون غيرَه في العِبادة.
٢- ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن طِينٍ﴾، بخلق أبيكم آدَمَ منه، ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ لكم
تموتون عِند انتهائه، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمَّى﴾: مضروبٌ ﴿عِندَهُ﴾ لبعثكم، ﴿ثُمَّ أنتُم﴾ - أيُّها
الكُفّار - ﴿تَمْتَرُونَ﴾ ٢: تشكُّون في البعث، بعد عِلمكم أنه ابتدأ خلفكم - ومن قَدَرَ
على الابتداء فهو على الإِعادة أقدرُ - ﴿وَهْوَ اللهُ﴾: مُستحقّ للعبادة ﴿في السَّماواتِ
وفي الأرضِ، يَعلَمُ سِرَّكُم وجَهرَكُم﴾: ما تُسرُّونه وما تجهرون به بينكم، ﴿ويَعلَمُ ما
تَكْسِبُونَ﴾ ٣: تعملون من خير وشرّ.
٣- ﴿وما تأتِيهِم﴾ أي: أهلَ مكةَ ﴿مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿آيةٍ، مِن آياتِ رَبِّهِم﴾ من القُرآن، ﴿إِلّا كانُوا عَنها مُعرِضِين٤َ. فقَد كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾:
بالقُرآن، ﴿لَمّا جاءَهُم، فسَوفَ يأْتِيهِم أنباءُ﴾: عواقبُ ﴿ما كانُوا بِهِ يَستَهِزِئُونَ ٥. أَلَم يَرَوا﴾ في أسفارهم إلى الشام وغيرها ﴿كَم﴾: خبريّة بمعنى
كثيرًا ﴿أهلَكْنا مِن قَبلِهِم مِن قَرنٍ﴾: أُمّةٍ من الأُمم الماضية؟ ﴿مَكَّاهُم﴾: أعطيناهم مكانًا ﴿في الأرضِ﴾، بالقُوّة والسَّعةِ، ﴿ما لَم نُمَكِّنْ﴾: نُعطِ
﴿لَكُم﴾ - فيه التفات عن الغَيبة - ﴿وأرسَلْنا السَّماءَ﴾: المطرَ ﴿عَلَيهِم مِدرارًا﴾: مُتتابعًا، ﴿وجَعَلْنا الأنهارَ تَجرِي مِن تَحتِهِم﴾: تحتِ مساكنهم،
﴿فأهلَكْناهُم بِذُنُوبِهِم﴾: بتكذيبهم الأنبياءَ، ﴿وأنشأْنا مِن بَعدِهِم قَرنَا آخَرِينَ﴾ ٦.
٤ - ﴿وَلَو نَزَّلْنا عَلَيكَ كِتابًا﴾ مكتوبًا ﴿في قِرطاسٍ﴾: رَقِّ كما اقترحوه، ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيدِيهِم﴾ - أبلغُ من ((عايَنوه)) لأنه أنفَى للشكّ - ﴿لَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا: إنْ﴾ ما ﴿لهذا إلّا سِحرٌ مُبِينٌ﴾ ٧، تعنتًا وعِنادًا. ﴿وقالُوا: لَولا﴾: هلّ ﴿أُنزِلَ عَلَيهِ﴾: على مُحمّد ﴿مَلَكٌ﴾ يُصدّقه. ﴿وَلَو أنزَلْنا مَلَكًا﴾
كما اقترحوه، فلم يُؤمنوا، ﴿لَقُضِيَ الأمرُ﴾ بهلاكهم، ﴿ثُمَّ لا يُنظَرُونَ﴾ ٨: يُمهلون لتوبة أو معذرة، كعادة الله فيمن قبلهم، من إهلاكهم عند
(١) ثابت: مستحَق دائمًا. وبذلك أي: بثبوت الحمد. وبالثالث يريد الاحتمال الأخير، أي: هما. وهو أن يجمع قائل ((الحمد لله)) بين الإيمان بثبوت الحمد
لله، وصدور الحمد منه لله. وقاله أي: جلال الدين المحلي، في تفسير أول سورة الكهف. وخلَقَه: أوجده من العدم. والسماء: ما يحيط بالأرض. ولأنهما
أعظم المخلوقات للناظرين: يعني أن في الكون ما هو أعظم منهما، ولكن الناس محجوبون عنه لا يعلمونه. فقد جاء في الأثر أن ملكوت الله ١٧٠٠٠ عالَم،
السماوات والأرض واحد منها. والظلمة: السواد الدامس تغيب فيه معالم الأشياء، كالليل وما في الأجسام الكثيفة والعقائد الباطلة، وما في الكون من ظلام
أضخم من الأنوار. ولذا كان الجمع. والنور: الضوء الساطع تتضح به الحقائق. وكفر: كذّب الله ورسوله. (٢) الطين: التراب المجبول. وقضى: قدّر
وكتب. والأجل: المدة المحدّدة لنهاية الشيء. والمضروب: المقدّر. وعنده أي: في علمه. وجعل الأجل الثاني عنده لأنه لا يعلمه إلا هو، بخلاف الأول
الذي للناس علم به في الجملة، إذ هو محدود بالأعمار التقريبية. ويعلمه: يحيط به كامل الإحاطة. وتسره أي: تخفيه. وتجهر به أي: تظهره وتعلنه للآخرين.
(٣) تأتيهم: تنزل إليهم. وزائدة: يعني أن ((من)): للتنصيص على عموم النفي. والآية: العبارة القرآنية أَثِّرَ الوقوف في نهايتها غالبًا. والمعرض: المنصرف
تكذيبًا. والحق: الشيء الثابت. وجاءهم: أتاهم. ويأتيهم: ينزل بهم. والأنباء: جمع نبأ. وهو الخبر المزعج. ويستهزئ: يسخر، ويروا أي: يعلموا.
وغيرها أي: إلى غير الشام، كاليمن يسافرون إليه في الشتاء. وأهلك: دمّر وأفنى. وأعطيناهم مكانًا أي: ثبّتناهم فيه. ولم نعط أي: لم نيسّر لكم مثله.
وارسلنا: أطلقنا بغير قيد وحساب. وجعل: صيّر. والأنهار: جمع نهر. والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية عليها عقاب. وأنشأ: خلق. وآخرين أي:
مغايرين لهم ليس فيهم واحد ممن هلك. (٤) روي أن صناديد المشركين قالوا: يامحمد، واللهِ لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من
الملائكة، يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله. فنزلت الآيات ٧-٩. الواحدي ص ٢٠٨. ونزلنا: أرسلنا من السماء مع جبريل. والرق: الجلد يُكتب عليه.
وهو غير القرطاس. وتفسير السيوطي هنا غير سديد. ولمس: تحسس ليدرك الحقيقة. والأيدي: جمع يد، أي: الكف. والسحر: ما هو تمويه وتخييل يخدع
بعض الحواس والعقول لضعاف الإيمان والقلوب. والمبين: الواضح لاشك فيه. وأنزل: أرسل من عند الله. ويصدقه أي: يخبرنا بصدقه في النبوة. وقضي
الأمر: أُبرم أمرهم، أي: الحكم عليهم ونُفّذ فيهم. وجعلنا: صيّرنا. وصورته أي: صورة الرجل. ويلبسون أي: يلبسونه، يشبهونه ويجعلونه مشكِلًا يُشَك فيه
ولا يُطمأن إليه.
الجزء السابع
١٢٩
٦ - سورة الأنعام
وجود مُقترحهم، إذا لم يؤمنوا. ﴿وَلَو جَعَلْناهُ﴾ أي: المُنزَلَ إليهم ﴿مَلَكًا لَجَعَلْناهُ﴾
أي: المَلَكَ ﴿رَجُلًا﴾ أي: على صورته، ليتمكّنوا من رُؤيته، إذ لا قوّة للبشر على رُؤية
المَلَك، ﴿و﴾ لو أنزلناه وجعلناه رجُلًا ﴿لَلَبَسْنا﴾ شبَّهنا ﴿عَلَيهِم ما يَلِبِسُونَ﴾ ٩ على
أنفسهم، بأن يقولوا: ما هذا إلّا بشر مِثْلُكم.
١- ﴿وَلَقَدِ استُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبِكَ﴾ - فيه تسلية للنبيّ - ﴿فحاقَ﴾: نزل ﴿بِالَّذِينَ
سَخِرُوا مِنْهُم ما كانُوا بِهِ يَستَهزِئُونَ﴾ ١٠. وهو العذاب، فكذا يَحيق بمن
استهزأ بكَ. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿سِيرُوا في الأرضِ، ثُمَّ انظُرُوا: كَيفَ كانَ عاقِبَةُ
المُكَذِّبِينَ﴾ ١١ الرُّسلَ، من هلاكهم بالعذاب؟ ليعتبروا. ﴿قُلْ: لِمَن ما في
ثلاثة أرباع
الْخِرَبْ
١٣
السَّماواتِ والأرضِ؟ قُلْ: لِلهِ﴾. إن لم يقولوه، لا جواب غيرُه. ﴿كَتَبَ﴾:
قضى ﴿عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمةَ﴾، فضلًا منه. وفيه تلطّف في دعائهم إلى الإِيمان.
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَومِ القِيامَةِ﴾، لِيُجازيَكم بأعمالكم، ﴿لا رَيبَ﴾: شكَّ ﴿فِيهِ. الَّذِينَ
خَسِرُوا أنفُسَهُم﴾ بتعريضها للعذاب: مبتدأ خبرُه ﴿فَهُم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١٢ .
سُورَةِ الْأَنْخَطَاء
الجزء الثائرة
وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكَّا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا
يَلْبِسُونَ ﴿ وَلَقَدِ اسْنُهْزِىَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ
بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ بـ
قُلْ سِيُرُواْ فِى اُلْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُ واْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اُلْمُكَذِّبِينَ ﴿ قُل لِّمَنِمَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلَّهِ
كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَاَرَيْبَ فِيَةٍ اُلَّذِينَ خَسِرُ وَأْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
﴿ ﴿ وَلَهُ, مَاسَكَنَ فِ اَلَيْلِ وَالنَّهَاْ رِوَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
﴿ قُلْ أَغَيْرِ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ
وَلَا يُطْعَمُّ قُلْ إِنِى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّوَلَا
(١) قُلْ إِنِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْكُ
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(٦ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ
رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
رَحِمَهُ, وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْمُبِينُ (١) وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍ
فَلَ كَاشِفَ لَهُمْ إِلَّا هُوٌ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرِفَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
أَقَدِيرٌ ﴾ وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الخَبِيرُ
٢- ﴿وَلَهُ﴾ - تعالى - ﴿مَا سَكَنَ﴾: حلَّ ﴿فِي اللَّيلِ والنَّهَارِ﴾ أي: كُلُّ شيء، فهو ربّه
وخالقه ومالكه، ﴿وهْوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقال، ﴿العَلِيمُ﴾ ١٣ بما يُفعل. ﴿قُلْ﴾ لهم:
﴿أَغَيرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أعبده، ﴿فَاطِرِ السَّماواتِ والأرضِ﴾: مُبدعِهما، ﴿وَهْوَ
يُطعِمُ﴾: يَرزق ﴿ولا يُطعَمُ﴾: يُرزَق؟ لا. ﴿قُلْ: إِنِّيَ أُمِرتُ أن أكُونَ أوَّلَ مَن أسلَمَ﴾.
اللهِ من هذه الأُمّة، وقيل لي: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشرِكِينَ﴾ ١٤ به. ﴿قُلْ: إنِّيَ أخافُ، إن عَصَيتُ رَبِّي﴾ بعبادة غيره، ﴿عَذابَ يَومٍ عَظِيمِ﴾ ١٥ : هو
يوم القِيامة، ﴿مَن يُصرَفْ﴾ - بالبناء للمفعولِ أي: العذابُ، وللفاعلِ أي: اللهُ. والعائد محذوف - ﴿عَنْهُ يَومَئذٍ فَقَد رَحِمَهُ﴾ تعالى أَي: أراد له
الخير. ﴿وَذُلِكَ الفَوزُ المُبِينُ﴾ ١٦: النجاة الظاهرة.
٣- ﴿وَإِن يَمسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾: بَلاءٍ، كمرض وفقر، ﴿فلا كاشِفَ﴾: رافعَ ﴿لَهُ إِلَّا هُوَ، وإن يَمسَسْكَ بِخَيرٍ﴾، كصحّةٍ وغِنَّى، ﴿فَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِيرٌ﴾ ١٧، ومنه مَشُكَ به، ولا يقدِر على ردِّه عنك غيرُه، ﴿وَهْوَ القاهِرُ﴾: القادر الذي لا يُعجزه شيء، مُستعليًا ﴿فَوقَ عِبادِهِ، وهُوَ الحَكِيمُ﴾ في
خلقه، ﴿الخَبِيرُ﴾ ١٨ ببواطنهم كظواهرهم.
(١) الرسل: جمع رسول. وهو الذي كلف بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل، وغالبًا ما يكون معه كتاب منزل. ونزل أي: وأحاط من كل جانب.
وسخر: استهزأ. ومنهم أي: من الرسل. وسيروا: امشوا وتنقلوا. وانظروا: تفكروا فيما تشاهدون. والعاقبة: ما ينتهون إليه من العقاب. ولمن أي: من
يملك ويتصرف تصرفًا مطلقًا، مِن دون معين أو منازع؟ والسماء: ما يحيط بالأرض من عوالم علوية. ولا جواب غيره أي: هو الجواب الوحيد. ونفسه أي:
ذاته وحقيقته. والرحمة: العطف بالإحسان. والمراد: جعل ذلك واجبًا عليه، فضلًا أي: على وجه التفضل والامتنان. والأمر الأول لطلب السؤال، والثاني
لرد الجواب. وكذلك ما في الآية ١٩. ويجمعكم: يحشركم بالبعث بعد الموت للحساب والجزاء. واليوم: الوقت. والقيامة: قيام الناس من القبور. وفيه
أي: في حصول يوم القيامة. وخسرها: ظلمها وأهلكها. ونفس الإنسان: حقيقته وذاته. ويؤمن: يعرف قلبه التوحيد وما يلزمه.
(٢) عن ابن عباس أن المشركين قالوا: يامحمد، إنا علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجةُ. فنحن نجعل لك نصيبًا في أموالنا، حتى تكون أغنانا
رجلًا، وترجع عما أنت عليه. فنزلت الآيات ١٣-١٨. تفسير القرطبي ٣٩٦:٦. وله أي: بملكه وتصرفه وحده. وما سكن يشمل الساكن والمتحرك، أي:
كل شيء. والسميع والعليم: من السمع الكامل والعلم المطلق ، أي: أنه وحده المختص بذلك. وأتخذ: أجعل. والولي: المعبود يتولى أمر الناس ويتصرف
في شؤونهم. وفاطرهما أي: الذي خلقهما من العدم على غير مثال سابق. ويُرزق يعني: لا يُرزق لأنه غني عن العالمين. وأمرت: فُرض عليّ. وأكون:
أصير. والأول: الأسبق. وأسلمَ أي: انقاد واستسلم. فهو أيضًا مكلف بدعوة نفسه إلى الإسلام، وأول من آمن بالرسالة. والمشرك: من يجعل مع الله شريكًا
· له في التقديس والطاعة. وأخاف: أتوقع. وعصيته: خرجت على طاعته أو خالفتها. واليوم: الوقت. والعظيم: المهول لا يقدر قدره وليس له مثيل. ويصرف:
يمنع ويحجب. وبالفاعل يريد القراءة ((يَصرِفْ)). والتقدير: من يَصرفْه اللهُ. ويصرفه: يمنعه. والعائد أي: الضمير العائد على العذاب. ويومئذ أي: يومَ إذْ
يكون العذاب. ورحمه: أوجب له الرحمة، فعطف عليه وأنعم. وذلك أي: ما ذكر من الرحمة وصرف العذاب.
(٣) يمسّك به أي: يقدّره عليك، وإن كان يسيرًا. والضر: ما يؤذي. والخير: ما فيه نفع ومسرة. وكل: لاستغراق أفراد النكرة. والشيء: ما هو موجود أو
محتمل وجوده. والقدير: الكامل الاقتدار. وبه أي: بما ذكر من الضر والخير. والعباد: جمع عبد. والحكيم: الكامل الحكمة، أفعاله متقنة آمنة من وجوه
الخلل والفساد. والخبير: البالغ العلم والإحاطة.
٦ - سورة الأنعام
١٣٠
الجزء السابع
سُورَةِ الأَنْحَضَلُ
الجزء الثنائية
قُلْ أَبُّ شَىْءٍ أَكْبٌ شَدَةٌ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَ هَذَا
الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم ◌ِهِ، وَ مَنْ ◌َلَغَ أَمِنَّكُمْ لَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ
ءَالِهَةَ أُخْرَ قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ وَ إِنَِّى بَرِىٌّعِماً.
تُشْرِكُونَ ﴿ الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَُكُمَا يَعْرِفُونَ
أَبْنَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوْاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢) وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرَىْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوَكَذَّبَ بِتَايَتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْأَيْنَ شُرَّكَاؤُكُمُ
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( ثُمَّلَمْتَكُنْ فِتْنَنُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاَللَّهِ
رَبِنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿ أَنْظُرْكَيْفَ كَذَبُواْعَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ
عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٦) وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَّاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْ كُلَّ ءَايَةٍ
لَّا يُؤْمِنُواْبِهَا حَتَّى إِذَا جَآءُ ولَكَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَآ
إِلَّا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنَْوْنَ عَنَّةٌ وَإِن
يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦) وَلَوْتَرَىَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ
فَقَالُواْيَلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [®ـ
١- ونزل، لمّا قالوا للنبيّ: ((ائتِنا بمَن يَشهدُ لكَ بالنبوّة، فإنّ أهل الكِتاب أنكرُوكَ)):
﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أُّ شَيءٍ أكبَرُ شَهادةً﴾؟ تمييزٌ محوّل عن المبتدأ. ﴿قُلِ: اللهُ﴾. إن لم
يقولوه. لا جواب غيرُه. هو ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَينَكُم﴾ على صِدقي. ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هُذا
القُرآنُ لِأُنذِرَكُم﴾ - يا أهل مكةَ - ﴿بِهِ ومَن بَلَغَ﴾: عطف على ضمير ((أنذركم)) أي:
بلغَه القُرآن من الإِنس والجنّ. ﴿أَإِنَّكُم لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخرَى﴾؟ استفهام
إنكار. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لا أَشهَدُ﴾ بذلك. ﴿قُلْ: إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ واحِدٌ، وإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا
تُشرِكُونَ﴾ ١٩ معه من الأصنام. ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعرِفُونَهُ﴾ أي: مُحمّدًا، بنعته
في كِتابهم، ﴿كَما يَعرِفُونَ أَبناءَهُمُ، الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم﴾ منهم، ﴿فَهُم لا
يُؤمِنُونَ﴾ ٢٠ به. ﴿ومَن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾، بنسبة
الشريك إليه، ﴿أو كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾: القُرآنِ؟ ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿لا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ﴾ ٢١ بذلك.
٢- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ نَحْشُرُهُم جَمِيعًا، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشرَكُوا﴾ توبيخًا: ﴿أينَ
شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢٢ أنهم شركاء له؟ (ثُمَّ لَم تَكُنْ﴾ - بالتاء والياء -
﴿فِتَنَتَهُم﴾، بالنصب والرفع، أي: معذرتَهم ﴿إلّا أن قالُوا﴾ أي قولُهم: ﴿واللهِ رَبِّنَا﴾
- بالجرِّ: نعتٌ، والنصبِ: نداءٌ - ﴿مَا كُنّا مُشرِكِينَ﴾ ٢٣. قال تعالى: ﴿انظُرْ﴾ - یا
مُحمّد - ﴿كَيفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِم﴾، بنفي الشّرك عنهم، ﴿وَضَلَّ﴾: غاب ﴿عَنْهُم
ما كانُوا يَفتَرُونَ﴾ ٢٤-ه على الله من الشركاء؟
٣- ﴿وَمِنْهُم مَن يَستَمِعُ إِلَيَكَ﴾ إذا قرأت، ﴿وجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِم أكِنَّةٌ﴾: أغطية، لِـ
﴿أَنْ﴾ لا ﴿يَفْقَهُوهُ﴾: يفهموا القُرآن، ﴿وفي آذانِهِم وَقرًا﴾: صَممًا فلا يسمعونه سماعَ قَبول، ﴿وإن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤمِنُوا بِها - حَتَّى إذا جاؤُوَ
يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا: إنْ﴾: ما ﴿هذا﴾ القُرآنُ ﴿إِلّا أساطِيرُ﴾: أكاذيبُ ﴿الأَوَّلِينَ﴾ ٢٥، كالأضاحيك والأعاجيب، جمعُ أُسطورة بالضمّ
- ﴿وَهُم يَنْهَونَ﴾ الناسَ ﴿عَنْهُ﴾ أي: عن اتّباع النبيّ، وَِّ ﴿وَيَنَأَونَ﴾: يتباعدون ﴿عَنْهُ﴾ فلا يؤمنون به، وقيل: نزلتْ في أبي طالب، كان ينهى
عن أذاه ولا يؤمن به، ﴿وإنْ﴾: ما ﴿يُهلِكُونَ﴾ بالنأي عنه ﴿إِلّا أنفُسَهُم﴾، لأنّ ضرره عليهم، ﴿وما يَشعُرُونَ﴾ ٢٦ بذلك.
٤ - ﴿وَلَو تَرَى﴾ - يا مُحَمّد - ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾: عُرضوا ﴿عَلَى النّارِ، فقالُوا: يا﴾ - للتنبيه - ﴿لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ إلى الدُّنيا، ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنا،
ونَكُونُ مِنَ المُؤمِنِينَ﴾ ٢٧. برفع الفعلين استئنافًا، ونصبِهما في جواب التمنّي، ورفع الأوّل ونصبِ الثاني. وجواب ((لو)): لرأيتَ أمرًا عظيمًا.
قال تعالى: ﴿بَل﴾ - للإضراب عن إرادة الإِيمان المفهوم من التمنّي - ﴿بَدا﴾: ظهَرَ ﴿لَهُم ما كانُوا يُخفُونَ مِن قَبلُ﴾: يكتمون، بقولهم ((واللهِ
رَبِّنا ما كُنّا مُشرِكِينَ))، بشهادة جوارحهم، فتمنَّوا ذلك، ﴿وَلَو رُدُوا﴾ إلى الدُّنيا فَرْضًا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من الشِّرك، ﴿وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ ٢٨ في
وعدهم بالإِيمان.
(١) انظر ((المفصل)) لسبب النزول. والأكبر: الأصدق. والشهادة: الخبر الحق القاطع للخلاف. وعن المبتدأ: يعني أن أصل التقدير: أيّ شيء شهادتُه أكبرُ؟
ولا جواب غيره: انظر الآية ١٢. وأوحي أي: أُنزل من عند الله على لسان جبريل، ويُسِّرَ لي تعلمه وحفظه وتفهمه وتبليغه. وبلغه: وصل إليه. وتشهدون:
تُقرّون. والآلهة: جمع إله. وهو المعبود بحق. والواحد: المتوحد المتفرد لامثيل له. والبريء: المتبرئ المتنزه. وتشركون أي: تجعلونه شريكًا في الألوهية.
وآتيناهم: أعطيناهم نكلفهم بالإيمان والعمل. ويعرف: يعلم بيقين قاطع. والأبناء: جمع ابن. والأظلم: الأكثر وضعًا للباطل في مكان الحق. وممن أصله
(مِنْ مَن)) أبدلت النون ميمًا وأدغمت في الميم بعدها. وافترى: اختلق. وكذب بها: أنكرها بعد ما تبين أنها حق. ولا يفلح: لا يفوز بخير. والظالمون:
الكافرون من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم. (٢) اليوم: الوقت، أي: ما فيه من الأهوال. ونحشرهم: نجمعهم بالقهر من قبورهم، للحساب والعقاب.
وجميعًا أي: مجتمعين كلهم لا يتخلف أحد منهم. ونقول أي: على لسان الملائكة. وأشركوا: جعلوا مع الله شريكًا له في التقديس والطاعة. والشركاء: جمع
شريك، أي: شركاء الله في رأيكم. وتزعمون: تدّعون بالباطل والافتراء. وتكون: تصير. وبالياء يريد القراءة ((لَم يَكُنْ)). والفتنة: الاختبار. وبالرفع يريد
((فِتِنَتُهُم)). والنصب يريد به قراءة ((رَبَّنا)). ويفتري: يختلق. (٣) انظر ((المفصل)) لسبب النزول. وجعلنا: خلقنا بسبب عنادهم والمكابرة. والقلوب: جمع قلب.
والأكنة: جمع كنان. والأغطية: جمع غطاء. والآذان: جمع أذن. والآية: الدليل الواضح بالمعجزات. ويجادل: يخاصم بالقول. والأولون: قدماء الأمم.
والأسطورة: المقولة الباطلة تروى. وينهى: يدفع بالأباطيل والمكايد. ونزلت أي: هذه الآية. وأبو طالب: عم النبي ◌َّر ووالد الإمام عليّ. ويهلك: يؤذي
بالخلود في النار. وبالنأي أي: وبالنهي. وضرره أي: ضرر الإهلاك. ويشعر: يعي ما يشاهد. (٤) ترى: تبصر بعينيك. وعرضوا عليها أي: وعاينوها.
ونرد: نعاد. ونكون: نصير. وقول السيوطي ((جواب التمني)) الصواب أن ((نكذّبَ)): منصوب بـ ((أن)) مضمرة بعد واو المعية. البحر ٤: ١٠١. ويرفع الأول
ونصب الثاني يريد القراءة ((ولا نُكَذِّبُ ... ونَكُونَ)). انظر ((المفصل)). ومن قبل أي: من قبلِ شهادةِ جوارحهم. وقولهم المذكور هو في الآية ٢٣.
والجوارح: الأعضاء العاملة من الجسد. وردوا: أعيدوا. وفرضًا أي: افتراضًا عقليًا غير واقع. ونهوا عنه أي: أُمروا بتركه وحرّم عليهم.
الجزء السابع
١٣١
٦ - سورة الأنعام
١ - ﴿وقالُوا﴾ أي مُنكرو البعث: ﴿إِنْ﴾: ما ﴿هِيَ﴾ أي: الحياة ﴿إِلَّا حَياتُنا الدُّنيا،
وما نَحنُ بِمَبِعُوثِينَ ٢٩. ولَو تَرَى إذْ وُقِفُوا﴾: عُرضوا ﴿عَلَى رَبِّهِم﴾ لرأيت أمرًا عظيمًا .
﴿قَالَ﴾ تعالى لهم على لسان الملائكة توبيخًا: ﴿أَلَيسَ هذا﴾ البعثُ والحساب
﴿بِالحَقِّ؟ قالُوا: بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إنه لحقّ. ﴿قالَ: فذُوقُوا العَذابَ بِما كُنتُم تَكفِّرُونَ﴾ ٣٠ به
في الدُّنيا .
٢- ﴿قَد خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ﴾: بالبعث. ﴿حَتَّى﴾ - غايةٌ للتكذيب - ﴿إذا
جاءَتَهُمُ السّاعةُ﴾: القِيامة ﴿بَغْتَةً﴾: فجأة ﴿قَالُوا: يا حَسْرتَنَا﴾ - هي شِدّة التألَّم،
ونداؤها مجاز أي: هذا أوانُكِ فاحضُري - ﴿عَلَى ما فَرَّطْنا﴾: قصّرنا ﴿فِيها﴾ أي:
الدُّنيا. ﴿وهُم يَحمِلُونَ أوزارَهُم عَلَى ظُهُورِهِم)، بأن تأتيَهم عِند البعث على أقبحِ شيء
صُورةً وأنتِهِ رِيحًا فتركبَهم. (ألا ساءَ﴾: بئس ﴿مَا يَزِرُونَ﴾ ٣١: يحملونه حِملُهم
ذلك! ﴿وما الحَياةُ الدُّنيا﴾ أي: الاشتغال فيها ﴿إِلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾، وأمّا الطاعة
وما يُعين عليها فمن أُمور الآخِرِة، ﴿وَلَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ - وفي قراءةٍ ((وَلَدَارُ الآخِرَةِ)) -
أي: الجنَّةُ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشِّرك. ﴿أفلا يَعْقِلُونَ﴾ ٣٢، بالياء والتاء، ذلك
فيؤمنون؟
٣- ﴿قَد﴾ للتحقيق ﴿نَعلَمُ إِنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿لَيَحِزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ لك من
التكذيب. ﴿فَإِنَّهُم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ في السِّرّ، لعلمهم أنك صادق - وفي قراءة بالتخفيف
- أي: لا يَنسبونك إلى الكذب، ﴿ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ - وضَعَه موضِعَ المُضْمر -
﴿بِآيَاتِ اللهِ﴾: القُرآن ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ٣٣: يُكذّبون، ﴿وَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبِكَ﴾ - فيه تسلية للنِّي - ﴿فَصَبَرُوا عَلَى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا، حَتَّى أتاهُم
نَصرُنا﴾ بإهلاك قومهم. فاصبر حتّى يأتيك النصر بإهلاك قومِك، ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾: مَواعِيده. ﴿وَلَقَد جاءَكَ مِن نَأِ المُرسَلِينَ﴾ ٣٤ ما
يَسكُن به قلبك.
٤ - ﴿وإن كانَ كَبُرَ﴾: عظُم ﴿عَلَيكَ إعراضُهُم﴾ عن الإِسلام، بحرصك عليهم، ﴿فإِنِ استَطَعتَ أن تَبَتَغِيَ نَفَقًّا﴾: سَرَبًا ﴿في الأرضِ، أو سُلَّمَا﴾:
مِصعدًا ﴿فِي السَّماءِ، فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ﴾ ممّا اقترحوا، فافعلْ - المعنى: إنك لا تستطيع ذلك. فاصبر حتّى يحكُم الله - ﴿وَلَو شاءَ اللهُ﴾ هِدايتهم
﴿لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى﴾، ولكن لم يشأ ذلك فلم يُؤمنوا. ﴿فلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ٣٥ بذلك. ﴿إِنَّما يَستَجِيبُ﴾ دُعاءك إلى الإِيمان ﴿الَّذِينَ
يَسمَعُونَ﴾ سماعَ تفهُم واعتبار، ﴿والمَوتَى﴾ أي: الكُفّارُ - شبَّههم بهم في عدم السماع - ﴿يَبَعَثُهُمُ اللهُ﴾ في الآخِرة، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرجَعُونَ﴾ ٣٦ :
(١) الحياة: العيش روحًا وجسدًا. والمبعوث: من يخرج من القبر للحساب والجزاء. والمراد: ليس لنا حياة غير هذه التي نحن فيها بالدنيا، ولن نبعث بعد
الموت. ولو ترى: انظر الآية ٢٧. والحق: الموجود الثابت. وذوقوه أي: تحسسوه بكامل الجسم والروح، وقاسوا أهواله. والعذاب: التعذيب. وتكفرون به
أي: تكذبونه وتجحدونه.
(٢) خسر: فاته نعيم الجنة واستحق الخلود في جهنم. ولقاؤه أي: لقاء حسابه وجزائه بعد الموت. وغاية أي: ما زال بهم التكذيب إلى وقت حسرتهم، عند
حضور أسباب الموت. وجاءتهم: وصلت إليهم. والساعة: وقت مقدمات الموت. و((احضري)) المراد الاعتراف بهول ما وقع لهم من شدة الندم والتفجع،
حتى اضطروا إلى نداء ما لا ينادَى. وقصّرنا أي: بالكفر والعصيان. والأوزار: جمع وزر. وهو ثقل الذنب. والظهور: جمع ظهر. وساء أي: تجاوز الحد في
البؤس والشقاء والشر. واللعب: ما يشغل النفس عما تنتفع به. واللهو: صرفُها إلى الهزل. والآخرة: المتأخرة تكون بالبعث بعد الموت. وخير أي: أكثر نفعًا
من الحياة الدنيا. ويتقون الشرك أي: يتجنبونه ويلتزمون التوحيد. ويعقل: يفكر ليميز الخير من الشر. وبالتاء يريد القراءة ((أفلا تَعقِلُونَ))؟
(٣) نعلمه: نحيط به كامل الإحاطة. والشأن: الأمر والموضوع. ويحزنك: يَغمّك ويحزّ في نفسك. انظر ((المفصل)). وبالتخفيف يريد القراءة ((لا يُكْذِبُونَكَ)).
والظالم: الكافر يفضل الباطل على الحق. والرسل: جمع رسول. ومن قبلك أي: من قبل زمانك. وصبر: ثَبَتَ ولم يجزع. وأوذوا: أصيبوا بالضرر.
وأتاهم: جاءهم. والنصر: العون والتأييد. والمبدّل: من ينقض ويغيّر. ونفي المبالغة ((مبدّل)) يفيد مبالغة للنفي.
(٤) إعراضهم: ابتعادهم. وبحرصك عليهم أي: بسبب رغبتك في إيمانهم. انظر ((المفصل)). واستطعت: قدرت. وتبتغي: تتخذ. والسرب: المنفذ يُدخل فيه
إلى جوف الأرض. وفتأتيهم بآية أي: لتحضر لهم معجزة تحملهم على الإيمان. وشاء: أراد وقضى. و((هدايتهم)) صوابه: ((جَمْعَهم على الهدى)). وجمَعَهم:
ألّف بين قلوبهم ووحّد بينها بالقهر. والهدى: الرشد والبصيرة بالحق. وتكون: تصير. والجاهل: من لايعرف حقيقة الأمور. ويستجيب: يجيب بالقبول.
والاعتبار: الاتعاظ وتقبل النصح. والموتى: موتى القلوب، أي: الذين لا يعقلون ولا يتدبرون. ويبعثهم: يخرجهم من قبورهم أحياء بعد الموت الحقيقي. وإليه
أي: إلى موقف حسابه لهم وجزائهم. وعن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في رؤساء قريش، سألوا الرسول # معجزة تعنتًا منهم. وإلّا فقد جاءهم بآيات
كثيرة فيها مقنع. البحر ١١٨:٤. ونُزِّل: ألقي وأسقط. والآية: المعجزة تضطرهم إلى الإيمان. ومن ربه أي: من عند ربه. والقادر: الكامل الاستطاعة.
وبالتخفيف يريد القراءة ((يُنْزِلَ)). واقترح: اختلق وطلب. ويعلم: يدرك ويعي.
سُورَةِ الأَنْخَطُلُ
الحرةُ السكائرية
بَلْ بَدَالَهُمْ مَّا كَانُوْيُخْفُونَ مِن قَبْلٌ وَلَوْرُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْعَنْهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٢٠) وَقَالُواْإِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ
بِمَبْعُوثِينَ ﴿ وَلَوْتَرَىَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا
بِالْحَقّ قَالُواْبَى وَرَبِنَاً قَالَ فَذُوقُواْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَ تُهُمُ السَّاعَةُ
بَغْتَةً قَالُواْيَحَسْرَ تَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَافِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ
عَلَى ظُهُورِهِمَّ أَلَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا
لَعِبٌ وَلَهُوٌّ وَلَلَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
٣٢
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُ نُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ
وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِشَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ (ج) وَلَقَدْكُذِّبَتْ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْحَتَّىَ أَنَهُمْ نَصْرُنَا
وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ
﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ
نَفَقًّا فِ الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِثَابَّةٍ وَلَوْشَآءَ
اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اُلْهُدَىُّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ
٦ - سورة الأنعام
١٣٢
الجزء السابع
سُورَة الأَنْخَصَل
اليوم الثنائى
﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ
يُرْجَعُونَ (٦) وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهُ
قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (ثّأْ وَمَا
مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَاَ طَِّرٍ بَطِيُ بِجَنَا حَيْهِ إِلَّا أُمَمُ أَمْثَالُكُمْ
مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ لـ
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْبِتَايَتِنَاصٌُ وَبُكُمٌ فِىِ الظُّلُمَتِّ مَن يَشَاِ اللَّهُ
قُلُ
يُضْلِلَةُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴿أَرَءَيْنَكُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُ اللَّهِأَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ
تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا
◌َتَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ
﴿إِلَى أُمَعِ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْ نَهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَِّلَعَلَّهُمْ بَضَرَّعُونَ
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَ هُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ فَلَمَّا
نَسُواْ مَاذُكِّرُواْبِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ
حَتَّى إِذَا فَرِحُوْبِمَا أُوتُواْأَخَذْ نَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَاهُمْ قُبْلِسُونَ (
الحربُ
يُردّون، فيُجازيهم بأعمالهم. ﴿وقالُوا﴾ أي: كُفّار مكّةَ: ﴿لَولا﴾: هلّا ﴿نُزِّلَ
عَلَيهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾، كالناقة والعصا والمائدة. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلَى
أن يُنَزِّلَ﴾ - بالتشديد والتخفيف - ﴿آيةَ﴾ ممّا اقترحوا، ﴿ولكِنَّ أكثَرَهُم لا
يَعلَمُونَ﴾ ٣٧ أنّ نُزولها بلاء عليهم، لوُجوب هلاكهم إن جحدوها .
١ - ﴿وما مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿دابّةٍ﴾ تمشي ﴿في الأرضِ، ولا طائرٍ يَطِيرُ﴾ في الهواء
﴿بِجَناحَيهِ، إلّا أَمَمٌ أمثالُكُم﴾، في تقدير خلقها ورزقها وأحوالها - ﴿ما فَرَّطْنَا﴾:
تركنا ﴿في الكِتابِ﴾: اللوح المحفوظ ﴿مِن﴾: زائدةٌ ﴿شَيءٍ﴾، فلم نكتبه - ﴿ثُمَّ إِلَى
رَبِّهِم يُحشَرُونَ﴾ ٣٨ فيُقضى بينهم، ويُقْتَصّ للجَمّاء من القَرناء، ثم يقول لهم: كونوا
تُرابًا. ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا﴾: القُرآن (صُمّ﴾ عن سماعها سماعَ قَبول، ﴿وبُكُمْ﴾
عن النُّطق بالحقّ، ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾: الكفرِ. ﴿مَن يَشَأِ اللهُ﴾ إضلالَه ﴿يُضلِلُهُ، ومَن
يَشَأْ﴾ هِدايتَه ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِراطٍ﴾: طريقٍ ﴿مُستَقِيمٍ﴾ ٣٩. دِينِ الإِسلام.
٢- ﴿قُلْ﴾ - يا مُحمّد - لأهل مكّة: ﴿أَرَأَيَتَكُم﴾: أخبروني - ﴿إن أتاكُم عَذابُ اللهِ﴾
في الدُّنيا، ﴿أو أَتَتكُمُ السّاعةُ﴾: القِيامة المُشتملة عليه بغتةً - ﴿أَغَيرَ اللهِ تَدْعُونَ﴾؟
لا ، ﴿إِن كُنتُم صادِقِينَ﴾ ٤٠ في أنّ الأصنام تنفعكم فادعوها، ﴿بَل إيّاهُ﴾ لا غيرَه
﴿تَدْعُونَ﴾ في الشدائد، ﴿فَيَكشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيهِ﴾ أن يكشفه عنكم من الضُّرّ ونحوه،
﴿إِن شاءَ﴾ كِشْفَه، ﴿وَتَنسَونَ﴾: تتركون ﴿ما تُشرِكُونَ﴾ ٤١ معه من الأصنام فلا
تدعو نه .
٣- ﴿وَلَقَد أرسَلْنَا إِلَى أُمَم مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿قَلِكَ﴾ رُسلًا فكذَّبوهم، ﴿فَأَخَذْناهُم بِالبأساءِ﴾: شِدّة الفقر ﴿والضَّرّاءِ﴾: المرض، ﴿لَعَلَّهُم
يَتَضَرَّعُونَ﴾ ٤٢: يتذلّلون فَيَؤمنون. ﴿فَلَولا﴾: فهلّاً، ﴿إِذْ جاءَهُم بأسُنا﴾: عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ أي: لم يفعلوا ذلك، مع قيام المقتضي له،
﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُم﴾ فلم تلن للإيمان، ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤٣ من المعاصي، فأصرّوا عليها. ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾: تركوا
﴿مَا ذُكِّرُوا﴾: وُعظوا وخُوّفوا ﴿بِهِ﴾، من البأساء والضرّاء، فلم يتّعظوا ﴿فَتَحْنا﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿عَلَيهِم أبوابَ كُلِّ شَيءٍ﴾ من
النِّعم، استدراجًا لهم. ﴿حَتَّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ فَرَحَ بطرٍ ﴿أَخَذْناهُم﴾ بالعذاب ﴿بَغْنَةً﴾: فجأة، ﴿فإذا هُم مُبلِسُونَ﴾ ٤٤ : آيِسُونَ من
كُلّ خير، ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَومِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: آخِرُهم، بأن استُؤْصِلوا. ﴿والحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ٤٥، على نصر الرُّسل وهلاك
الكافرين .
(١) زائدة أي: للتنصيص على عموم النفي. والدابة: الحيوان يتحرك في بر أو بحر. والأرض: موطن الحياة الدنيا. ويطير: يعلو ويتنقل. والأمم: جمع أمة.
وهي المجموعة من الخلق. والأمثال: جمع مِثل. وهو المُشابه. وتركنا أي: أهملنا. واللوح المحفوظ: سِجِلّ فيه ما كان وما سيكون في الوجود. وإلى ربهم
أي: إلى نفاذ قضائه. ويحشرون أي: يُهلكون جميعًا. و(يقتص .. ترابًا)) هذا قول لبعض المفسرين، مبني على حديث لأبي هريرة أن الرسول صل* قال:
(لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلَى أهلِها يَومَ القِيامةِ، حتَّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلحاءِ منَ الشّاةِ القَرِناءِ)). الحديث ٢٥٨٢ في مسلم. وزاد فيه بعض الرواة ماجاء بعدُ هنا، مع
حساب للحجر والعود ... أيضًا. انظر فتح القدير ٢: ١٦٤. والراجح أن حشْرَ الحيواناتِ هو موتها كما ذكرنا قبل، وذِكرَ حسابِها هو للتمثيل في الحساب
والقصاص. وهوقول لابن عباس والحسن البصري وآخرين. والجلحاء والجماء: التي لاقرن لها. والصم: جمع أصم. والبكم: جمع أبكم. وهو من
لا يستطيع الكلام. والظَّلْمة: السواد لا تتبين فيه الأمور. ويشاء: يريد. ويضله: يُمدّ قدراته بما يناسب اختياره الفاسد واستعداده السيئ. ويجعل: يصيّر.
والمستقيم: المعتدل.
(٢) لأهل مكة أي: وغيرهم من الكافرين. وأخبروني أي: عن حالتكم العجيبة المتناقضة. وأتاكم: نزل بكم. وتدعونه: تستغيثون به لكشف
العذاب. والصادق: من يقول الحق. ويكشفه: يرفعه ويزيله. وإن شاء كشْفه أي: إن أراد أن يكشفه كشّفَه. وتشركون أي: تجعلونه مشاركًا الله في التقديس
والطاعة.
(٣) الأمم: جمع أمة. وهي الفئة من الناس يجمعها دين أو اعتقاد. وزائدة: انظر المفصل. وأخذناهم: عاقبناهم على ذنوبهم. وجاءهم: نزل بهم. والمقتضي
له أي: ما يستلزم التضرع. وقست: استمرت بازدياد الصلابة، والصبر على البلاء. والقلوب: جمع قلب. وزيّنها: جمّلها فأعجبتهم. والشيطان: من يغري
بالشر من الإنس أو الجن. ويعملون أي: يكتسبونه باختيار وقصد. وفتحنا: أطلقنا. وبالتشديد يريد القراءة: ((فَتَّحْنا)). والأبواب: جمع باب. وهو ما يتوصل به
إلى الخفايا. واستدراجًا أي: خداعًا لهم وإمهالًا ليزدادوا كفرًا. وفرحوا: استبشروا ولم يتعظوا. وأوتوا: أعطوا من الخيرات. وقطع: بتر ومنع من الحياة.
والدابر: كل من كان منهم. وظلموا: كفروا. والحمد: الثناء بالجميل ظاهرًا وباطنًا على المنعم. والعالَم: الجنس من الخلق. فالعالمون: كل المخلوقات.
٦ - سورة الأنعام
١٣٣
الجزء السابع
١- ﴿قُلْ﴾ لأهل مكّةَ: ﴿أَرَأَيْتُم﴾: أخبروني - ﴿إِن أخَذَ اللهُ سَمعَكُم﴾: أصَمَّكم
﴿وأبصارَكُم﴾: أعماكم، ﴿وخَتَمَ﴾: طبع ﴿عَلَى قُلُوبِكُم﴾ فلا تعرفون شيئًا - ﴿مَن
إِلَهٌ غَيرُ اللهِ يأْتِيكُم بِهِ﴾: بما أخذه منكم، بزعمكم؟ ﴿انظُرْ: كَيفَ نُصَرِّفُ﴾: نُبَيّن
﴿الآياتِ﴾: الدلالاتِ على وحدانيّتنا، ﴿ثُمَّ هُم يَصدِفُونَ﴾ ٤٦: يُعرِضون عنها، فلا
يؤمنون؟ ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أَرَأَيَتَكُم - إن أتاكُم عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أو جَهْرةً﴾: ليلًا أو نهارًا -
﴿هَل يُهلَكُ إلّ القَومُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤٧ الكافرون؟ أي: ما يُهلَك إلّا هم.
٢- ﴿وما نُرسِلُ المُرسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ﴾ مَن آمَن بالجنّة، ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ مَن كفرَ بالنار.
﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ بهم ﴿وأصلَحَ﴾ عمله ﴿فلا خَوفٌ علَيهِم، ولا هُم يَحْزَنُونَ﴾ ٤٨ في
الآخِرة، ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ، بِما كانُوا يَفسُقُونَ﴾ ٤٩: يخرجون عن
الطاعة .
٣- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لا أَقُولُ لَكُم: عِندِي خَزائنُ اللهِ﴾ التي منها يَرزق، ﴿ولا﴾ إنّي
﴿أَعَلَمُ الغَيبَ﴾: ما غاب عنّي ولم يُوحَ إليّ، ﴿ولا أَقُولُ لكُم: إنِّي مَلَكٌ﴾ من
الملائكة. ﴿إِنْ﴾: ما ﴿أَتَبعُ إلّا ما يُوحَى إِلَيَّ. قُلْ: هَل يَستَوِي الأَعمَى﴾: الكافر
﴿والبَصِيرُ﴾: المؤمن؟ لا. ﴿أفلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٥٠ في ذلك فَتُؤمنون؟ ﴿وأنذِرْ﴾: خوّف
﴿بِهِ﴾: بالقُرآن ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أن يُحشَرُوا إِلَى رَبِّهِم، لَيسَ لَهُم مِن دُونِهِ﴾ أي: غيرَه
(وَلِيٍّ﴾ ينصرهم، ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يشفع لهم - وجُملة النفي: حال من ضمير
(يُحشروا))، وهي محلّ الخَوف. والمُراد بهم المُؤمنون العاصون - ﴿لَعَلَّهُم
يَتَّقُونَ﴾ ٥١ اللهَ بإقلاعِهم عمّا هم فيه، وعملِ الطاعات.
سُورَةِ الأَنْحَقُلُ
للغة الشارة
فَقُطِعَ دَابُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ
٤٥
قُلْ أَرَ يْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُم
مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اُلَيَتِ
ثُمَّهُمْ يَصْدِفُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ
بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴿ وَمَا
نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْءَامَنَ وَأَصْلَحَ
فَلَاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْبِثَايَتِنَا
يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْيَفْسُقُونَ (ج قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ
عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكُ
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى اُلْأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ
أَفَلَا تَنَفَكَّرُونَ ﴿﴿ وَأَنذِرَ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ
إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعُ لَّعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
﴿ وَلَا تَظَرُ دِالَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ, مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ
عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
٥٢
٤- ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدِعُونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُرِيدُونَ﴾ بعبادتهم ﴿وَجهَهُ﴾ - تعالى - لا شيئًا من أعراض الدنيا، وهم الفُقراء. وكان
المُشركون طعنوا فيهم، وطلبوا أن يطردهم ليُجالسوه، وأراد النبيّ ذلك طمعًا في إسلامهم. ﴿ما عَلَيكَ مِنِ حِسابِهِم مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿شَيءٍ﴾، إن
كان باطنهم غير مَرْضيّ، ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيهِم مِن شَيءٍ، فَتَطرُدَهُم﴾: جواب النفي، ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥٢ إن فعلتَ ذلك. ﴿وَكَذْلِكَ
فَتَنَا﴾: ابتلَينا ﴿بَعضَهُم بِبَعضٍ﴾ أي: الشريفَ بالوضيعِ والغنيَّ بالفقيرِ، بأن قدّمناه بالسبق إلى الإِيمان، ﴿لِيَقُولُوا﴾ أي: الشُّرفاءُ والأغنياء بمَكّة
مُنكِرِينَ: ﴿أَهُؤُلاءِ﴾ الفقراءُ ﴿مَنَّ اللّهُ عَلَيهِم مِن بَيْنِنا﴾ بالهداية؟ أي: لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه. قال تعالى: ﴿أَلَيسَ اللهُ بِأَعلَمَ
بِالشّاكِرِينَ﴾ ٥٣ له فيهديهم؟ بلی.
(١) انظر أول الآية ٤٠. وأخذه: أفناه. والسمع: القدرة على إدراك المسموعات. والأبصار: جمع بصر. والقلوب: جمع قلب. وختم عليها: عطّل بصائركم
وعقولكم، وسدّ عليها منافذ التدبر. وانظر: تفكر وتدبر. وأرأيتكم: انظر الآية ٤٠ أيضًا. والبغتة: الفُجاءة. والجهرة: تكون مع سبق علامات دالة. ويُهَلَك:
يُدمَّر ويُفنَى سخطًا. والظالم: من يضع الأمور في غير مواضعها. والكفر أقبح ذلك. (٢) نرسل: نبعث للدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. والمرسل:
الرسول. والمبشر: المخبر بما يَسرّ. وبالجنة: متعلقان بـ ((مبشرين)). والمنذر: المهدد بالنقمة والعذاب. وبالنار: متعلقان بـ (منذرين)). وآمن بهم أي: صدّقهم
واستجاب لهم. وأصلحه: جعله صالحًا كما أمر الله. والخوف: الفزع مما يأتي. ويحزن: يغتم لِما كان. وكذبوا بآياتنا: انكروا الدلالات على الوحدانية
وجحدوها. ويمسهم أي: ينزل بهم. وجُعل العذاب ماسًا كأنه ذو حياة، يفعل بهم ما شاء من الآلام. (٣) انظر سبب النزول في المفصل. وعندي أي: في
حوزتي وتصرفي. والخزائن: جمع خزانة. وهي مكان الحفظ للمتلكات. وأعلمه: أعرفه وأحيط به. والملَك: مخلوق نوراني ليس فيه حاجات البشر من طعام
وغيره، أي: لاأدعي أنني ملَك، فأخالفَ البشر في أحوالهم وتصرفاتهم. وأتبعه: أعمل به. ويوحى: يُنزل على لسان جبريل، ويُيسّر لي تعلمه وحفظه وتبليغه
واتباعه. ويستويان: يكونان متساويين في الحكم والعمل والجزاء. وتتفكرون: تُعمِلون عقولكم فيما ترون وتسمعون، من الآيات والأدلة على صدق الرسالة.
ويخاف: يخشى ويتهيب. ويحشروا: يجمعوا من قبورهم بالبعث يوم القيامة. وإلى ربهم أي: إلى موقف حسابه وجزائه. والولي: الذي يتولى أمور الآخرين
ويحميهم. والشفيع: الذي يطلب التجاوز عن الذنوب. ومحل الخوف يعني: أن الخوف لايراد به الحشر نفسه، وإنما يراد به أن يُحشَروا غيرَ منصورين ولا
مشفوعًا لهم. ويتقونه: يخافونه فيلتزمون طاعته. (٤) تطرد: تبعد عنك. ويدعون ربهم: يعبدونه ويلجؤون إليه ويخصونه بالدعاء. والغداة: ما بين الفجر
وطلوع الشمس. والعشي: من منتصف النهار إلى المغرب. والمراد بهما جميع الأوقات للصلوات والدعاء. ويريدونه أي: يطلبونه مخلصين. والأعراض:
جمع عَرَض. وهو المتاع يزول سريعًا. والحساب: المحاسبة على الأعمال وجزاؤها. وزائدة أي: للتنصيص على عموم النفي. والشيء: ما هو موجود أو
محتمل وجوده. والنفي أي: انتفاء حساب كل من الطرفين عن الآخَر. والمعنى: ما يُسأل أحدكم عن أعمال غيره في الآخرة، ليكون ذلك سببًا لتجنبهم.
فأنت لاتبعدهم عنك. وتكون: تصير، والظالم: من يضع الأمور في غير مواضعها، فيتجاوز الحق ويظلم نفسه وغيره. والإشارة بـ ((ذا)) إلى ابتلاء مشركي مكة
بإسلام الفقراء. و((بمكة)) سقط مما عدا الأصل، وهو يشير إلى سبب نزول الآية، أي: ما كان يقوله زعماء قريش. ومنّ: تفضل بالنعم العظيمة. وأعلم:
الأكثر إحاطة مما سواه. والشاكر: من يستحضر النعم في نفسه، ويثني على المنعم بالقلب واللسان والعمل.
٦ - سورة الأنعام
سُورَةِ الأَنْدَهُمْ
١٣٤
الجزء السابع
الية الشكارة
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوَأْأَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ (*) وَإِذَا
جَآءَلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ, مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا
تَجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌرَّحِيمُ
٥٥
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اُلَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ اَلْمُجْرِمِينَ
قُلْ إِنِّى تُهِيْثُ أَنْ أَعْبُدَ اُلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الَِّقُلْ لَّا أَنَّعُ
أَهْوَآءَ كُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
a
قُلْ إِنِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَكَذَّبْتُمْبِهِ، مَا عِندِى مَا
تَسْتَعْجِلُونَ بِّءَ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِيَقُضُ اُلْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ
اُلْفَصِلِينَ ﴿ قُل لَّوْأَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ
اُلْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ
﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّوَيَعْلَمُمَا فِى
الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ
فِ ظُلُّمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلََّ فِ كِنَبِ مُِّينٍ
١- ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِآيَاتِنا فقُلْ﴾ لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيكُم. كَتَبَ﴾: قضى
﴿رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِه الرَّحْمَةَ، إِنَّهُ﴾ أي: الشأنَ - وفي قراءة بالفتح: بدلٌ من ((الرحمة)) -
﴿مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهالةٍ﴾ منه حيثُ ارتكبه، ﴿ثُمَّ تابَ﴾: رجَع ﴿مِن بَعدِهِ﴾:
بعدِ عمله عنه ﴿وأصلَحَ﴾ عمله، ﴿فإنَّهُ﴾ أي: اللهَ ﴿غَفُورٌ﴾ له، ﴿رَحِيمٌ﴾ ٥٤ به. وفي
قراءة بالفتح أي: فالمغفرة له. ﴿وكَذْلِكَ﴾: كما بيَّا ما ذُكر، ﴿نُفَصِّلُ﴾: نُبِيِّن
﴿الآياتِ﴾ القُرآنَ، لَيَظهرَ الحقّ فيُعْمَلَ به، ﴿وَلِتَستَبِينَ﴾: تظهرَ ﴿سَبِيلُ﴾: طريقُ
﴿المُجْرِمِينَ﴾ ٥٥ فتُجتَنَبَ. وفي قراءة بالنَّحتانيّة، وفي أُخرى بالفَوقانيّةِ ونصبٍ
((سَبِيلَ)): خِطابٌ للنبيّ.
٢- ﴿قُلْ: إِنِّي نُهِيتُ أن أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾: تعبدون، ﴿مِن دُونِ اللهِ. قُلْ: لا أَّبِعُ
أهْواءَكُم﴾ في عِبادتها. ﴿قَدْ ضَلَلتُ إذَا﴾ إن اتبعتُها، ﴿وما أنا مِنَ المُهتَدِينَ ٥٦. قُلْ:
إنِّي علَى بَيِّنةٍ﴾: بيان ﴿مِن رَبِّي، و﴾ قد ﴿كَذَّبْتُم بِهِ﴾: بربّي، حيثُ أشركتم. ﴿ما
عِندِي ما تَستَعَجِلُونَ بِهِ﴾، من العذاب. ﴿إِنٍ﴾: ما ﴿الحُكمُ﴾ في ذلك وغيره
﴿إِلّ ◌ِلِهِ، يَقضِي﴾ القضاء ﴿الحَقَّ، وهْوَ خَيرُ الفاصِلِينَ﴾ ٥٧: الحاكمين،
رقع
الجزب
وفي قراءةٍ ((يَقُصُّ)» أي: يقول.
١٤
٣- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَو أنَّ عِندِي ما تَستَعجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُم﴾، بأن
أُعجّله لكم وأستريح. ولكنّه عِند اللهِ، ﴿واللهُ أعلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٥٨ متى يُعاقبهم؟
﴿وعِندَهُ﴾ - تعالى - ﴿مَفاتِحُ الغَيبِ﴾ أي: خزائنه أو الطّرق المُوصِلة إلى عِلمه، ﴿لا يَعلَمُها إلّا هُوَ﴾ - وهي الخمسة التي في قوله تعالى: ((إنَّ
اللهَ عِندَهُ عِلمُ السّاعةِ)) الآيةَ، كما رواه البخاريّ - ﴿وَيَعلَمُ ما﴾ يَحدُثُ ﴿في البَرِّ﴾: القِفارِ، ﴿والبَحرِ﴾: القُرى التي على الأنهار، ﴿وما تَسقُطُ
مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿وَرَقةٍ إلّا يَعلَمُها، ولا حَبّةٍ في ظُلُماتِ الأرضِ، ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾: عطفٌ على ((وَرَقةٍ))، ﴿إِلّا في كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٥٩ هو اللوح
المحفوظ. والاستثناء بدلُ اشتمال من الاستثناء قبله.
(١) جاءك: لقيك أو حضر مجلسك. ويؤمنون بها: يصدقونها ويتبعون ما يراد بها. والآيات: آيات القرآن الكريم وعلامات النبوة. والذين يؤمنون: الذين
أراد المشركون إبعادهم عن مجلس النبوة. فصار ﴿ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: ((الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أن أبدأَهُم بالسَّلام)). تفسيرا
البغوي ٢: ١٠٠ والخازن ١١٤:٢. وقل لهم أي: خاطبهم جهارًا للطمأنة والتودد. وسلام أي: تحية دعاء بالسلامة والخير الدائم. والرب: الخالَق المالك
المتفرد يرعى مصالح ملكه. والرحمة: العطف بالإحسان. والشأن: الأمر والموضوع. وبالفتح يريد القراءة ((أنَّهُ)). وعمل: اكتسب من نية أو قول أو فعل.
والسوء: الذنب. والجهالة: الغفلة عما يتبع العمل من الضرر. وأصلحه: جعله كما يريد الشرع. وغفور: عظيم الستر للذنوب والعفو عنها. ورحيم: عظيم
العطف بالإحسان. وبالفتح يريد القراءة ((فأنَّهُ غَفُورٌ))، وتكون أيضًا مع فتح همزة ((أنَّهُ مَن)) لامع كسرها. وما ذكر يعني: ما تقدم في السورة، من أحوال أهل
الطاعة والأمم الكافرة. وبنصب ((سبيلَ)) يكون معنى ((تستبين)): تَعلم أيها المخاطب. والمجرم: من يرتكب الجرائم اختيارًا وقصدًا. وبالتحتانية يريد القراءة
((لِيَستَبِينَ))، أي: بنقتطين من تحت. وبالفوقانية يعني منقوطة من فوق. وللنبي أي: ولكل سامع أو قارئ، ليتعظ ويسلك السبيل القويمة، في عمله ومعاملته
للکافرین .
(٢) نُهيت: أمرت بعدم الفعل وبالبعد عنه وتسفيهه. وأعبد: أقدس وأطيع. ومعنى ((دون)): غير. وأتبعها: أعمل بما تزينه. والأهواء: جمع هوى. وهو ما
تميل إليه النفس من الشهوة. وضللت: تركت سبيل الهداية إلى الباطل. والمهتدي: المسترشد إلى الصواب. وكان رؤساء قريش يقولون استهزاء: ((يا محمد،
ائتنا بالعذاب الذي تعِدنا به)). فنزلت هذه الآية وما بعدها. الواحدي ص ٢١٤. والمراد بالبينة الدليل الواضح، وهو الشريعة المشرقة والدين القيم. ومن ربي
أي: من عنده وبأمره. وكذبتم به: جحدتم وحدانيته. وتستعجلون به أي: تطالبون بوقوعه قبل أوانه. والحكم: القضاء المبرم. ويقضي: يدبر ويصنع. وفيما
عدا الأصل والنسختين وط والصاوي: ((يقضِ)) على ما هو واجب في رسم المصاحف، بحذف الياء خطًا كما حُذفت لفظًا للقائها لامَ التعريف الساكنة.
والحق: العدل الثابت. وخير أي: لايدانيه أحد في الفصل بين المختلفين، وقضاء ما يناسب مصلحة الكون.
(٣) عندي أي: في قدرتي واستطاعتي. وقضي الأمر أي: أنزلته بكم. والظالمون: الكافرون. وعنده أي: في ملكه وتصرفه. ومفاتح: جمع مَفيِح. وهو
الخزانة. والغيب: ما غاب عن حواس المخلوقات وعقولهم. ورواه البخاري: يعني الحديث ٤٣٥١ في صحيح البخاري. والآية الواردة هنا هي ذات الرقم
٣٤ من سورة لقمان. والبر والبحر يشملان الأرض كلها. وتسقط: تقع. والحبة: الجزء الدقيق من الحجر. وظلمات الأرض: ما فيها من خفايا لا يدرك منه
شيء. والرطب واليابس: كل ما في الدنيا. والمبين: العظيم الإيضاح والبيان. واللوح المحفوظ: كتاب فيه سِجلّ ما كان وما سيكون في الوجود، من قضاء
محتمل أو مبرَم. والأربعة المذكورة هنا كلها من علم الله وفي كتاب مبين.
١٣٥
٦ - سورة الأنعام
الجزء السابع
١- ﴿وَهْوَ الَّذِي يَتَوفّكُم بِاللَّيلِ﴾: يقبض أرواحكم عِند النوم، ﴿وَيَعلَمُ ما جَرَحْتُم﴾:
كسَبتم ﴿بِالنَّهارِ، ثُمَّ يَبَعَنُكُمْ فِيهِ﴾ أي: النهارِ برَدِّ أرواحكم، ﴿لِيُقْضَى أجَلٌ مُسَمَّى﴾
هو أجل الحياة، (ثُمَّ إِلَيهِ مَرجِعُكُم﴾ بالبعث، ﴿ثُمَّ يُنَبِّكُم بِما كُنتُمْ تَعمَلُونَ﴾ ٦٠،
فيُجازيكم به، ﴿وَهْوَ القاهِرُ﴾ مُستعليًا ﴿فَوقَ عِبادِهِ، ويُرسِلُ عَلَيْكُم حَفَظةً﴾: ملائكة
تُحصي أعمالكم. ﴿حَتَّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوتُ تَوَقَّتَهُ﴾ وفي قراءةٍ ((تَوَفّاهُ)) -
﴿رُسْلُنا﴾: الملائكة المُوكّلون بقبض الأرواح، ﴿وهُم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٦١: يقصِّرون فيما
يُؤمرون به، (ثُمَّ رُدُوا﴾ أي: الخَلقُ ﴿إِلَى اللهِ مَولاهُمُ﴾: مالكِهم، ﴿الحَقِّ﴾: الثابتِ
العدلِ، ليُجازيهم. ﴿أَلا لَهُ الحُكمُ﴾: القضاء النافذ فيهم، ﴿وَهْوَ أسرَعُ
الحاسِبِينَ﴾ ٦٢ يحاسبُ الخلق كلّهم في قدر نصف نهار من أيّام الدنيا، لحديث
بذلك.
◌ُّوَرَةِ الأَنْخِصُمُ
مُجْرُ الشكاية
وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّدِكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَاجَرَحْتُمِ بِالنَّهَارِثُمَّ
يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
ثُمَ يُنَِّّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥) وَهُوَ أَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ.
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ
رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ (٤) ثُمَّرُدُّواْإِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ
أَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِينَ ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيَكُمْمِّن
ظُلُمَتِ الْبَرِّوَالْبَحْرِتَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ لَّيْنْ أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِ،
لَتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِنَ ﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَِّيَكُمْ مِنْهَا وَمِنْكُلِّكَرْبٍ
ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿﴿ قُلْ هُوَالْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا
مِّنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُـ
بَأَسَ بَعْضِّ أَنْظُرَ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٥)
وَكَذَّبَ بِهِ، فَوَّمُكَ وَهُوَالْحَقُّ قُل لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلِ ٦َ لِكُلِّ
نَبَلٍ مُّسْتَقَرُّوَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿ وَإِذَارَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ
ءَايَئِنَا فَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ، وَإِمَّايُنسِيَنَّكَ
الشَّيْطَنُ فَلَا نَفْعُدْ بَعْدَالذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ
٢- ﴿قُلْ﴾ - يا مُحمّد - لأهل مكّة: ﴿مَن يُنَجِّيكُم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحرِ﴾:
أهوالِهما في أسفاركم، حين ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا﴾: علانية ﴿وخُفْيَةَ﴾: سِرًّا، تقولون:
﴿لَئِنْ﴾ لامُ قسم ﴿أَنجَيتَنَا﴾ - وفي قراءةٍ ((أنجانا)) أي: اللهُ - ﴿مِن هُذِهِ﴾ الظُّلُّمات
والشدائد، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ٦٣: المؤمنين؟ ﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿اللّهُ يُنْجِيكُم﴾ .
بالتخفيف والتشديد - ﴿مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾: غمّ سواها، (ثُمَّ أنْتُم تُشْرِكُونَ﴾ ٦٤
به. ﴿قُلْ: هُوَ القادِرُ عَلَى أَن يَبعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا، مِن فَوقِكُم﴾: من السماء كالحِجارة
والصيحة، ﴿أو مِن تَحتِ أرجُلِكُم﴾ كالخَسف، ﴿أو يَلِبِسَكُم﴾: يَخْلِطَكم ﴿شِيَعًا﴾:
فِرَقًا مُختلفة الأهواء، ﴿وَيُذِيقَ بَعضَكُم بأسَ بَعضٍ﴾ بالقِتال. قالَِّ لمّا نزلت: «هذا
أهوَنُ)) أو ((أيسَرُ))، ولمّا نزل ما قبله: ((أعُوذُ بوَجِهِكَ)). رواه البخاريّ. وروى مسلم حديثَ ((سألتُ رَبِّي ألّا يَجعلَ بأسَ أُمّتِي بَيْنَهُم، فمَنَعَنِيها)).
وفي حديث ((لمّا نَزِلَتْ قالَ: أما إنَّها كائنٌ، ولَم يأتِ تأوِيلُها بَعدُ)). (انظُرْ: كَيفَ نُصَرِّفُ﴾: نُبيّنُ لهم ﴿الآياتِ﴾: الدلالات على قُدرتنا،
﴿لَعَلَّهُم يَفقَهُونَ﴾ ٦٥: يعلمون أنّ ما هم عليه باطل؟ ﴿وكَذَّب بِهِ﴾: بالقرآنِ ﴿قَومُكَ، وهْوَ الحَقُّ﴾: الصِّدق. ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَستُ عَلَيْكُم
بِوَكِيلٍ﴾ ٦٦ فأجازيَكم، إنّما أنا مُنذر، وأمرُكم إلى الله. وهذا قبل الأمر بالقِتال. ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ﴾: خبرٍ ﴿مُستَقَرٌّ﴾: وقتٌ يقع فيه ويستقرّ، ومنه
عذابكم، ﴿وَسَوفَ تَعلَمُونَ﴾ ٦٧. تهديدٌ لهم.
٣- ﴿وإذا رأَيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾: القُرآنِ بالاستهزاء ﴿فَأعرِضْ عَنْهُم﴾ ولا تُجالسهم، ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ. وإمّا﴾ - فيه
إدغام نون ((إن)) الشرطية في ((ما)) المزيدة - ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾، بسكون النون والتخفيف وفتحِها والتشديد، ﴿الشَّيطانُ﴾ فقعدتَ معهم ﴿فلا تَقعُدْ بَعدَ
الذّكرَى﴾ أي: تذكُرِهِ، ﴿مَعَ القَومِ الظَّالِمِينَ﴾ ٦٨. فيه وضعُ الظاهر موضعَ المُضمر. وقال المُسلمون: إن قُمنا، كلّما خاضوا، لم نستطع أن
(١) يتوفاكم أي: يستوفي بالنوم منكم الإدراك. وذكر الأرواح مبني على أن للإنسان روحين: إحداهما للتمييز والتدبر تذهب بالنوم والغيبوبة، والأُخرى للحياة
تذهب بالموت. ويُقضَى: يُستوفى ويُنهى. والأجل: العمر من الزمن. والمرجع: الرجوع يوم القيامة. والقاهر: الغالب فيما يريد. والعباد: جمع عبد. ويرسل
عليكم: يكلف بكم. والحفظة: جمع حافظ. وهو الذي يحفظ الأعمال ويدفع كثيرًا من البلاء. وجاء الموت: حضرت أسبابه. وتوفته: قبضت روح الحياة.
والرسل: جمع رسول، أعوان ملك الموت. وردوا: أعيدوا بالبعث يوم القيامة. وإلى الله أي: إلى لقاء موعده المحقّق. والعدل: العادل. وأسرع أي: لامثيل
له في السرعة. و((من أيام الدنيا)) قول غير صحيح. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٢٠٢ من سورة البقرة.
(٢) ينجيكم: ينقذكم. والظلمات تستعار للشدائد. وأسفاركم أي: وإقامتكم. وتدعونه: تلجؤون إليه للإنقاذ. والتضرع: التذلل. وبالتشديد يريد القراءة
(يُنَجِّيكُم)). وتشركون به: تعبدون معه بعض مخلوقاته. والقادر: الكامل القدرة. ويبعثه أي: يرسله عليكم. والشيع: جمع شيعة. والبأس: العذاب والشدة.
ولما نزلت أي: الجملة الأخيرة ((ويذيق بعضكم بأس بعض)). انظر ((المفصل)). و((أعوذ بوجهك)) ورد مرتين: الأولى عند التهديد بالعذاب من فوق، والثانية
عند التهديد به من تحت الأرجل. والحديثان هما ٤٣٥٢ و٦٨٨٣ في البخاري و٢٨٩٠ في مسلم. وتأويلها أي: حصولها ووقوعها. و((لما نزل ... بعد))
الحديث ٣٠٦٨ في الترمذي، وفي إسناده ضعف الرواية. وكذب به: أنكره. والوكيل: الحفيظ يوكّل إليه أمر الآخرين. وهذا: يعني أن تركَ أمرهم نُسخ بما
في الآيات ٣-١٦ من سورة براءة. وتعلم: تدرك حقيقة ما تكذبه.
(٣) يخوضون: يتحاورون ويتحادثون. وأعرض: انصرف. والإدغام يعني إبدال النون ميمًا ثم إدغام الميم في الثانية. وزيادة ((ما)) للمبالغة في توكيد الشرط.
ط: ((يُنسِيَنْكَ)). وبفتحها يريد القراءة ((يُنَسِّيَنَّكَ)): يجعلك تنسى. والشيطان: من يوسوس بالشر من الإنس أو الجن. وتقعد معهم أي: تجالسهم. وتذكُّرِه: يعني
تذكّرَ الأمر بالإعراض. والقوم: الجماعة من الناس. والظالم: من يضع الشيء في غير موضعه فيتجاوز الحد. والمسجد أي: المسجد الحرام. وزيادة ((من))
للتنصيص على عموم النفي. ويتقونه: يتجنبون عصيانه ويطلبون رضاه بالطاعة والإخلاص. والحساب: المحاسبة. والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب. ولعلهم
أي: ليُترجَّى لهم.
٦ - سورة الأنعام
١٣٦
الجزء السابع
سُورَة الأَنْخَهُ
الجزء السابع
وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَثَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَكِنْ
ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( وَذَرِ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ.
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِىٌُّ
وَلَا شَفِيعُ وَ إِن تَعْدِلْ كُلّ عَدْلٍ لَّا يُؤَخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ
الَّذِينَ أُبْسِلُواْبِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ
أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُ عَلَ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَ نَاللّهُ
كَلَّذِى أَسْتَهْوَتُهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبُ
يَدْعُونَهُ: إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَاْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اَلْهُدَىّ
أَوَأُمِرْ نَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٦ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَوَةَ
وَأَتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى
غَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن
فَيَكُونٌ قَوْلُهُ الْحَقّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (
نجلس في المسجد وأن نطوف. فنزل: ﴿وما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ اللهَ، ﴿مِن حِسَابِهِم﴾
أي: الخائضين، ﴿مِن﴾ - زائدةٌ - ﴿شَيءٍ﴾ إذا جالسوهم، ﴿ولَكِنْ﴾ عليهم
﴿ذِكرَى﴾: تذكرةٌ لهم ووعظ، ﴿لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ ٦٩ الخوض.
١- ﴿وَذَرٍ﴾: اترُكِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُم﴾ الذي كُلِّفوه ﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾، باستهزائهم
به، ﴿وَغَرَّتَهُمُ الحَياةُ الدُّنيا﴾، فلا تتعرّضْ لهم - وهذا قبل الأمر بالقتال - ﴿وَذَكِّرْ﴾:
عِظْ ﴿بِهِ﴾: القُرآنِ الناسَ، لِـ ﴿أنْ﴾ لا ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾: تُسلَمَ إلى الهلاك ﴿بِما
كَسَبَتْ﴾: عملته، ﴿لَيسَ لَها مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: غيرَه ﴿وَلِيٍّ﴾: ناصِر، ﴿ولا شَفِيعٌ﴾
يمنع عنها العذاب، ﴿وإن تَعدِلْ كُلَّ عَدلٍ﴾: تَفْدِ كُلَّ فِداء ﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ ما تُقْدَى
به. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا، لَهُم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾: ماءٍ بالغٍ نهايةَ
الحرارة، ﴿وَعَذَابٌ ألِيمٌ﴾: مُؤلم، ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ٧٠: بكُفرهم.
٢- ﴿قُلْ: أنَدعُو﴾: أنعبد ﴿مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنفَعُنا﴾ بعبادته، ﴿ولا يَضُرُّنا﴾ بتركها
- وهو الأصنام - ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أعقابِنا﴾: نرجع مُشركين، ﴿بَعدَ إِذْ هَدانا اللهُ﴾ إلى
الإسلام، ﴿كالَّذِي استَهوَتْهُ﴾: أضلّته ﴿الشَّيَاطِينُ في الأرضِ، حَيرانَ﴾: مُتحيّرًا لا
يدري أين يذهب؟ حال من الهاء، ﴿لَهُ أصحابٌ﴾: رُفقة ﴿يَدعُونَهُ إلَى الهُدَى﴾ أي:
ليهدوه الطريق، يقولون له: ﴿ائتِنا﴾. فلا يُجيبهم فيَهلِك؟ والاستفهام للإنكار،
وجملة التشبيه حال من ضمير ((نُردّ)). ﴿قُلْ: إنَّ هُدَى اللهِ﴾ الذي هو الإسلام ﴿هُوَ
الهُدَى﴾، وما عداه ضلال، ﴿وَأُمِرْنا لِنُسلمَ﴾ أي: بأن نُسلم ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ ٧١، وأنْ﴾ أي: بأن ﴿أُقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ﴾ تعالى. ﴿وَهْوَ الَّذِي
إِلَيهِ تُحشَرُونَ﴾ ٧٢: تُجمعون يوم القيامة للحِساب.
٣- ﴿وَهْوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ بِالحَقِّ﴾ أي: مُحِقًّا، ﴿و﴾ اذكرْ ﴿يَومَ يَقُولُ﴾ للشيء: ﴿كُنْ. فَيَكُونُ﴾ هو يوم القيامة - يقول للخلق:
قوموا. فيقومون - ﴿قَولُهُ الحَقُّ﴾: الصِّدق الواقع لا محالة، ﴿وَلَهُ المُلكُ، يَومَ يُنفَخُ في الصُّورِ﴾: القرنِ النفخةَ الثانيةَ من إسرافيلَ، لا مُلك فيه
لغيره ((لِمَنِ المُلكُ اليَومَ؟ لِلهِ))، ﴿عالِمُ الغَيبِ والشَّهادةِ﴾: ما غاب وما شُوهد، ﴿وهْوَ الحَكِيمُ﴾ في خلقه، ﴿الخَبِيرُ﴾ ٧٣ بباطن الأشياء
کظاهرها .
(١) اتركهم أي: لا تبال بتكذيبهم ومجونهم، ولا تَشغل قلبك بهم. واتخذوا: جعلوا وصيّروا. والدين: العقيدة والشريعة. واللعب: العبث وما لا يجدى
نفعًا. واللهو: ما يَشغل عن الخير والحق. وغرتهم: خدعتهم باللذائذ والشهوات فأنكروا التوحيد والبعث. والحياة أي: مافي العيش من التمتع والزينة.
وهذا: يعني أن حكم الإعراضٍ عن المشركين العرب وعدم قتلهم منسوخ بآيات جهادهم. وذكر به أي: انصح مبشِّرًا ومنذرًا، مذكرًا بالحساب والجزاء.
والنفس: المخلوق من البشر. وغيره: يعني أن ((دون)) بمعنى: غير. والشفيع: من يطلب لغيره التجاوز عن الذنوب والجرائم. والعدل: الفداء. ويؤخذ:
يرضى به. وأبسلوا بما كسبوا أي: سُلِّموا إلى العذاب. والشراب: ما يُشرب. ويكفر: يكذّب الله ورسوله.
(٢) دون الله أي: غيره. وينفع: يفيد ويجلب الخير. ويضر: يؤذي ويجلب الشر. والأعقاب: جمع عقب. وهو عظم مؤخر القدم، يعبر به عن خلف
الإنسان. وهدانا: وجّه قدراتنا وأمدّها بحسب اختيارنا الصالح واستعدادنا للخير. والشياطين: جمع شيطان. وهو من يوسوس بالشر من الجن أو الإنس.
والأرض: البراري والقفار. والأصحاب: جمع صاحب. ويدعونه: يطلبون منه المجيء. والهدى: طريق الحق والرشاد. وائتنا أي: تعال إلينا. وهدى الله
أي: ما هدانا إليه بالقرآن. وأمرنا: فرض علينا. ونسلم: نستسلم وننقاد. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. فالعالمون: كل المخلوقات. وأقيموا الصلاة:
حافظوا على أدائها بشروطها وأركانها وآدابها. واتقوه أي: خافوه وتجنبوا عصيانه واطلبوا رضاه بالطاعة والإخلاص. وإليه أي: إلى ميعاد لقاء حسابه، لا إلى
الفناء النهائي، ولا إلى ما تعبدون من المخلوقات.
(٣) خلقها: أوجدها من العدم. والحق: العدل الجاري على وفق الحكمة ومصالح المخلوقات. ويقول له أي: يأمره أمر خلق. والشيء: ما هو محتمل
وجوده. وكن فيكون أي: احدُثْ فيحدُثُ فورًا. وقوله أي: أمره. ولا محالة أي: لابد من ذلك. والملك: حيازة الأمور والتصرف فيها بدون معين أو منازع.
وينفخ: يدفع الهواء بقوة. والصور: مخلوق عظيم لا يعلم حقيقته إلّا الله، وقد ذكرَتِ السنّة بعض أحواله، ثم أطال القصاصون في تفصيلات لا سند لها يعتبر.
والقرن هنا هو على صورة البوق. والعالم: المحيط كامل الإحاطة بالشيء قبل وجوده وبعده. وغاب أي: خفي عن حواس المخلوقات وعقولهم. وما شوهد
أي: أحسوا به أو أدركوه. والحكيم: من الحكمة. وهي وضع الأمور في مواضعها المناسبة بالعلم والإتقان. والخبير: من الخبرة. وهي الإحاطة بما لطف
إدراكه من الأمور.
الجزء السابع
١٣٧
٦ - سورة الأنعام
١ - ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قَالَ ابراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾، هو لقبه واسمه تارَخُ: ﴿أَتَتَّخِذُ
أصنامًا آلِهَةَ﴾ تعبدها؟ استفهام توبيخ. ﴿إِنِّيَ أراكَ وَقَومَكَ﴾، باتّخاذها، ﴿في
نصف
الخِزب
١٤
ضَلالٍ﴾ عن الحقّ ﴿مُبِينٍ﴾ ٧٤ : بيِّن. ﴿وكَذَلِكَ﴾: كما أريناه إضلال أبيه
وقومه، ﴿نُرِي إِبراهِيمَ مَلَّكُوتَ﴾: مُلكَ ﴿السَّماواتِ والأرضِ﴾، ليستدلّ به على
وحدانيّتنا، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ ٧٥ بها. وجملة ((وكذلك)) وما بعدها اعتراض.
٢- وعُطِفَ على ((قال)) ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾: أظلم ﴿عَلَيهِ اللَّيلُ رأَى كَوكَبًا﴾ - قيل: هو
الزُّهَرة - ﴿قَالَ﴾ لقومه وكانوا نَجّامِينَ: ﴿هذا رَبِّ﴾، في زعمكم. ﴿فَلَمَا أَفَلَ﴾:
غاب ﴿قالَ: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ٧٦ أن أتّخذهم أربابًا، لأنّ الربّ لا يجوز عليه التغيُّر
والانتقال، لأنهما من شأن الحوادث. فلم ينجع فيهم ذلك. ﴿فَلَمّا رَأَى القَمَرَ
بازِغًا﴾: طالعًا ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿هذا رَبِّي. فَلَمّا أفَلَ قَالَ: لَئِنْ لَم يَهِدِنِ رَبِّي﴾: يُبِّني
على الهُدى، ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ القَومِ الضّالِّينَ﴾ ٧٧. تعريضٌ لقومه بأنهم على ضلال. فلم
ینجع فيهم ذلك.
سُورَةِ الأَنْفَعَلُ
﴿ وَإِذْقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِهِءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامَاءَالِهَةَّ إِنِّ
أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ
مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
﴿فَلَمَا جَنَّ عَلَيْهِ أَّيْلُ رَءَا كَوَّكَبًا قَالَ هَذَارَبِىِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ
لَا أُحِبُّ الْأَّفِلِينَ ﴿فَلَمَّارَءَاالْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا
﴿رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِ نِ رَبِ لَأَكُونَنَ مِنَ الْقَوْمِ
فَلَمَّارَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَارَتِ هَذَا
الضَّالِينَ
أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِّ بَرِىٌّ مِمَّا تُشْرِكُونَ
إِنِّى وَجَهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ
حَنِيفًا وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ
أَتُحَكَجُوْنٌ فِ اللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍّ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ:
إِلَّ ◌َنْ يَشَآءَ رَبِ شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ
أَتَتَذَ كَّرُونَ ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَ كْتُمْ وَلَا
تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ،عَلَيْكُمْ
سُلْطَانًّا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (ه
٣- ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمسَ بازِغَةً قالَ: هذا﴾ - ذكَّرَه لتذكير خبره - ﴿رَبِّي هُذا أكبَرُ﴾ من
الكوكب والقمر. ﴿فَلَمّا أَفَلَتْ﴾ وقَوِيتْ عليهم الحُجّة، ولم يَرجِعوا، ﴿قالَ: یا قَومِ،
إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشرِكُونَ﴾ ٧٨ بالله، من الأصنام والأجرام المُحدَثة المُحتاجة إلَى
مُحدِث. فقالوا له: ما تعبدُ؟ فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهتُ وَجِهِي﴾: قصدت بعبادتي ﴿لِلَّذِي
فَطَرَ﴾: خلق ﴿السَّماواتِ والأرضَ﴾ أي: اللهِ، ﴿حَنِيفًا﴾: مائلًا إلى الدِّين القيّم، ﴿وما أنا مِنَ المُشرِكِينَ﴾ ٧٩ به.
٤ - ﴿وحاجَّهُ قَومُهُ﴾: جادلوه في دِينه، وهدَّدوه بالأصنام أن تُصيبه بسوء، إن تركها. ﴿قالَ: أتُحاجُونِّي﴾، بتشديدِ النون وتخفيفها بحذف إحدى
النونين، وهي نون الرفع عِند النُّحاة ونون الوقاية عند القُرّاء: أتُّجادِلُونَني ﴿في﴾ وحدانيّةِ ﴿اللهِ، وقَد هَدانٍ﴾ - تعالى - إليها؟ ﴿ولا أخافُ ما
تُشرِكُونَ﴾﴾ ﴿بِهِ﴾ من الأصنام، أن تُصيبني بسوء لعدم قدرتها على شيء. ﴿إِلّ﴾: لكن ﴿أن يَشاءَ رَبِّي شَيئًا﴾ من المكروه يُصيبُني فيكونَ. ﴿وَسِعَ
رَبِّ كُلِّ شَيءٍ عِلمًا﴾ أي: وسع علمُه كُلّ شيء. ﴿أفلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٨٠ هذا فتُؤمنون؟ ﴿وكَيفَ أخافُ ما أشرَكتُم﴾ بالله، وهي لا تضرّ ولا تنفع،
﴿وَلا تَخافُونَ﴾ أنتم من الله ﴿أَنَّكُم أشرَكتُم بِاللهِ﴾، في العِبادة، ﴿مَا لَم يُنْزِلْ بِهِ﴾: بعبادته ﴿عَلَيْكُم سُلطانًا﴾: حُجّة وبرهانًا، وهو القادر على كُلّ
شيء؟ ﴿فَأُّ الفَرِيقَينِ أحَقُّ بِالأمنِ﴾ من العذاب، أنحن أم أنتم؟ ﴿إِن كُنتُمْ تَعلَمُونَ﴾ ٨١ مَنِ الأحقُّ به - أي: وهو نحن - فاتّبعوه.
(١) آزر معناه المُعْوَجّ. وتتخذ: تجعل. والأصنام: جمع صنم. وهو ما يصنع على شكل إنسان من الحجارة أو الخشب أو الذهب أو الفضة. والآلهة: جمع
إله. وهو المعبود. وأرى: أعلمُ. وقومك أي: الناس الذين اتبعوك في عبادة الأصنام. والضلال: عدم الهداية. وإضلال أبيه وقومه يعنى: الحكم عليهم
بالضلال، لما هم عليه من الاختيار الخبيث والاستعداد للباطل. ونري أي: بعين البصيرة، يعني: نُعرّف. والملكوت: بعض ما هو ملك الله. والسماء: ما
يحيط بالأرض. ويستدل أي: في دعوة قومه وحوارهم. ويكون: يصير. والموقن: من يعلم بعد التأمل للدلائل علمًا ثابتًا. وبها أي: بالوحدانية.
(٢) القمر: النجم يستضيء بالشمس وينير الأرض في الليل. ورأى: أبصر. والكوكب: النجم يدور حول الشمس ويستضيء بنورها. والزهرة: ألمع كوكب
بعد الشمس والقمر. والنجام: العابد للنجوم. والرب: المعبود. وأحب: أودّ وأعبد. وفي خ وبعض المطبوعات: ((التغيير والانتقال)). والحوادث: جمع
حادث. وهو ما يحدث من المخلوقات فهو يفنى أيضًا. وقال أي: على سبيل الجدال بما يعتقدون. والهدى: الرشاد إلى الحق. وأكون: أصير. والضال: من
فقدَ الهداية إلى الصواب.
(٣) الشمس: النجم الرئيس تدور حوله الأرض وتنعم بنوره ودفئه. وأكبر أي: أضخم حجمًا وضوءًا ونفعًا. والحجة: البرهان على ضرورة التوحيد. ويا قوم
أي: يا قومي. والبريء: السليم المتباعد. وتشركون أي: تجعلونه مشاركًا في الألوهية تقديسًا وطاعة. والأجرام: جمع جرم. وهو جسم الشيء. والمحدثة:
المخلوقة المُنشأة. والمُحدِث: الخالق المُنشئ. ووجّهته: صرفتُه في جهة واحدة. وإنما ذكرالوجه هنا لأنه قد يُطلق على الشخص كله، إذ المراد: صرفت
نفسي قلبًا وقالَبًا. ولفظ الجلالة تفسير لـ ((الذي)). والمشرك: من يعبد مع الله بعض المخلوقات بالتقديس والطاعة في منكر.
(٤) بالحذف يريد القراءة ((أتُحاجُونِي))؟ و((القرّاء)) كذا في الأصل والنسخ والمنحة وبعض المطبوعات. وفي ط وقرة العينين: ((عند الفرّاء)). انظر الهمع ١: ٦٥
والمفصل. وهدان: هداني، أي: صرف قدراتي وأمدني. خ وع: ((هَداني)). وأخاف: أخشى. ويشاء: يريد. ووسعه: أحاط به. والرب: المعبود بحق.
والعلم: الإحاطة الكاملة بالأمور. وتتذكرون: تستحضرون ما في أذهانكم من الحقيقة وتتعظون. وما أشركتم أي: المعبودات من الأصنام. وينزلُ: يوحي
ويُعلم. وأحق بالأمن أي: حقيق بالطمأنينة وزوال الخوف. وتعلم: تدرك وتعي.
٦ - سورة الأنعام
١٣٨
الجزء السابع
سُِوَرَةِ الأَزْمَعَم
الجزء السابع
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
وَهُمْ مُهْتَدُونَ (9) وَتِلْكَ حُجَّتُنَآءَ اتَّيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى
قَوْمِهَ نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبُ كُلَّا هَدَيْنَأَ وَنُوحًا
هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُوبَ
وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ )
٨٥
وَزَّكَرِيَا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلَيَاسِّ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ
وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطَأْ وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى
اٌلْعَلَمِينَ ﴾ وَ مِنْ ءَابَبِهِمْ وَذُرِّيَّنِهِمْ وَإِخْوَنِهِمٌ وَأَجْنَبَيْنَهُمْ
أَ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى
وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ®
◌ِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم ◌َاكَانُواْ
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
يَعْمَلُونَ
فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْبِهَا بِكَفِرِينَ
أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَ ثُهُمُ أَقْتَدِةُ قُللَّا
٨٩
أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ (Q
١- قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا، وَلَم يَلِسُوا﴾: يخلِطوا ﴿إِيمانَهُم بِظُلمِ﴾ أي شِرٍ،
كما فُسْر بذلك في حديث الصحيحين، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمنُ﴾ من العذاب، ﴿وهُم
مُهتَدُونَ ٨٢. وتِلكَ﴾: مُبتدأ، ويُبدل منه ﴿حُجَّتْنَا﴾ التي احتجّ بها إبراهيم على
وحدانيّة الله، من أُفول الكوكب وما بعده، والخبرُ: ﴿آتَيناها إبراهِيمَ﴾: أرشدناه لها
حُجّةً ﴿عَلَى قَومِهِ. نَرفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ﴾ - بالإضافة والتنوين - في العِلم
والحِكمة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في صُنعه، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٨٣ بخلقه.
٢- ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ ابنَه، ﴿كُلَّ﴾ منهما ﴿هَدَينا، ونُوحًا هَدَينا مِن قَبلُ﴾
أي: قبلِ إبراهيمَ، ﴿وَمِن ذُرِّتِهِ﴾ أي: نُوحِ ﴿داوُدَ وسُلَيمانَ﴾ ابنَه، ﴿وأيُّوبَ
ويُوسُفَ﴾ ابنَ يعقوب، ﴿وَمُوسَى وهارُونَ - وكَذلِكَ﴾: كما جزيناهم، ﴿نَجِزِي
المُحسِنِينَ ٨٤ - وزَكَرِيّاءَ ويَحيَى﴾ ابنَه، ﴿وعِيسَى﴾ ابنَ مريمَ، يُفيد أنّ الذّرّيّة تتناول
أولاد البنت، ﴿وَإِلْياسَ﴾ ابنَ أخي هارونَ أخي موسى - ﴿كُلِّ﴾ منهمٍ ﴿مِنَ
الصّالِحِينَ ٨٥ - وإسماعِيلَ﴾ ابنَ إبراهيم ﴿وَاليَسَعَ﴾، اللام زائدة، ﴿وَيُونُسَ ولُوطًا﴾
ابنَ هارانَ أخي إبراهيم. ﴿وَكُلَّا﴾ منهم ﴿فَضَّلْنا عَلَى العالَمِينَ﴾ ٨٦ بالنُّبوّة، ﴿ومِن
آبائهِم وذُرِّيّاتِهِم وإخوانِهِم﴾ - عطفٌ على ((كلَّا)) أو («نُوحًا))، ومِن: للتبعيض لأن
بعضهم لم يكن له ولد، وبعضهم كان في ولده كافر - ﴿واجتَبَيناهُم﴾: اخترناهم،
﴿وَهَدَيناهُم إِلَى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾ ٨٧.
٣- ﴿ذُلِكَ﴾ الدِّين الذي هُدوا إليه ﴿هُدَى اللهِ، يَهدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ولَو أشرَكُوا﴾ فَرْضًا ﴿لَحَبِطَ عَنهُم ما كانُوا يَعمَلُونَ ٨٨. أُولَئِكَ الَّذِينَ
آتَيْنَاهُمُ الكِتابَ﴾ - بمعنى الكُتب - ﴿والحُكمَ﴾: الحكمة ﴿والنُُّوّةَ. فإن يَكفُرْ بِها﴾ أي: بهذه الثلاثة ﴿هُؤُلاءِ﴾ أي: أهلُ مكّة ﴿فقَد وَكَّلْنا بِها﴾:
أرصدنا لها ﴿قَومًا، لَيسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ ٨٩، هم المهاجرون والأنصار. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدا﴾ هم ﴿اللهُ. فِهُدَاهُمُ﴾: طريقِهم من التوحيد والصبر
﴿اقْتَدِهْ﴾، بهاء السكت وقفًا ووصلًا، وفي قراءة بحذفها وصلًا. ﴿قُلْ﴾ لأهل مكّة: ﴿لا أسألُكُم عَلَيهِ﴾ أي: القُرآنِ ﴿أَجْرًا﴾ تُعطُونِيه. ﴿إِنْ
هُوَ﴾: ما القُرآن ﴿إِلَّا ذِكرَى﴾: عِظة ﴿لِلِعِالَمِينَ﴾ ٩٠: الإِنس والجنّ.
(١) آمن: صدّق الله ورسوله. وفي حديث الصحيحين أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يارسول الله، أيُّنا لايظلم نفسه؟ قال: (لَيسَ
ذلِكَ. إِنَّمَا هُوَ الشِّركُ)). الأحاديث: ٧٨ في اللؤلؤ والمرجان و٣٢ في البخاري و١٢٤ في مسلم. وانظر ((المفصل)). والمهتدي: المقيم على الحق. والإشارة بـ
((تلك)) إلى ما كان في الآيات ٧٦-٨١. والحجة: البرهان. وآتينا: علّمنا. ونرفع: نفضل. والدرجات: المراتب. ونشاء أي: نريد أن نرفعه. وبالتنوين يريد
القراءة ((دَرَجاتٍ)). والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. والعليم: المبالغ في الإحاطة بالأمور.
(٢) وهبنا: منحنا. وابنه يعني أن يعقوب هو ابن إسحاق. وهديناه: يسرنا قدراته بحسب اختياره الصالح واستعداده الطيب. وذريته: نسله من أبنائه وبناته.
وابنه أي: أن سليمان هو ابن داود. و((نوح)) يعني أن الضمير في ((ذريته) يعود على نوح لا على إبراهيم، لأن لوطًا المذكور بعدُ ليس من ذرية إبراهيم.
ونجزي: نفضل بالنعم. والمحسن: من يراقّب الله في اعتقاده ونياته وأعماله. والصواب إسقاط كلمة ((أخي)) الأولى لأن إلياس هو ابن ياسين الذي هو ابن
حفيد هارون. وكل منهم أي: كل واحد من الأنبياء الأربعة عشر المذكورين قبل. والصالح: من كان كاملًا في الصلاح. واليسع: من أنبياء بني إسرائيل.
واللام يعني ((أل)). وفضلناه: خصصناه بزيادة إكرام. والعالَم: مجموع الجنس من الخلق. والآباء: جمع أب، أي: الوالد أو الجد. والإخوان: جمع أخ.
والصراط المستقيم: الطريق القويم، أي: توحيد الله وتنزيهه عما لا يليق به من الصفات.
(٣) هُدى الله: الإسلام دين التوحيد. وبه أي: إليه. ويشاء أي: يريد هدايته. والمراد هداية من هو مستعد لذلك وصالح له. والعباد: جمع عبد. وهو
المملوك خلقًا وتدبيرًا وعبودية. وأشركوا أي: جعل أولئك الأنبياءُ مع الله شريكًا له في الألوهية بالتقديس والطاعة. وفرضًا: يعني أن الشرط بـ (لو)) هنا هو
على سبيل الافتراض الذهني، لا على سبيل الاحتمال. فلو كان منهم شرك، مع فضلهم وتقدمهم، لبطل عملهم الصالح وسقط ثوابه. فكيف بمن عداهم من
الناس؟ وحبط: سقط وبطَل. ويعملون أي: يكتسبونه من نية أو قول أو فعل. والإشارة بـ ((أولئك)) في الموضعين هي إلى مجموع الأنبياء الثمانية عشر
المذكورين قبل، ومن عُطف عليه أيضًا. وآتينا: أعطينا. والكتب: يعني التي أنزلت. والنبوة: التكليف بدعوة الناس إلى العقيدة والشريعة مع العمل. ويكفر
بها: ينكرها. وبهذه الثلاثة يعني: أو ببعضها. وأهل مكة أي: أو غيرهم من الأقوام. وأرصدنا لها أي: وفقنا في اتباعها. والقوم: الجماعة من الناس رجالًا
ونساء. وليسوا بها بكافرين أي: هم مؤمنون بها. واقتد به أي: اتّعه وافعل مثل فعله. وهاء السكت: يعني أن الهاء حرف زائد جيء به لبيان حركة الدال في
الوقف، أي: قطع القراءة بالصمت. وبحذفها يريد القراءة ((اقْتَدِ قُلْ)). ولا أسألكم أي: لا أطلب منكم. وعلى القرآن أي: على تبليغكم إياه. والأجر:
المكافأة بمال أو غيره.
الجزء السابع
١٣٩
٦ - سورة الأنعام
١- ﴿وما قَدَرُوا﴾ أي: اليهودُ ﴿اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظّموه حقَّ عظمته، أو ما
عَرَفوه حقّ معرفته، ﴿إِذْ قَالُوا﴾ للنبيّ وقد خاصموه في القُرآن: ﴿ما أنزلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ
مِن شَيءٍ. قُلْ﴾ لهم: ﴿مَن أنزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ،
يَجْعَلُونَهُ﴾ - بالياء والتاء في المواضع الثلاثة - ﴿قَراطِيسَ﴾ أي: يكتبونه في دفاتر
مقطَّعة، ﴿يُبدُونَها﴾ أي: ما يُحبّون إبداءه منها، ﴿ويُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ ممّا فيها كنعت
مُحمّد؟ ﴿وعُلِّمتُم﴾ - أيّها اليهودُ - في القُرآن ﴿ما لَم تَعلَمُوا أنتُم ولا آبَاؤُكُم﴾ من
التوراة، ببيان ما التبس عليكم واختلفتم فيه. ﴿قُلِ: اللهُ﴾ أنزله - إن لم يقولوه، لا
جوابَ غيرُه - ﴿ثُمَّ ذَرْهُم في خَوضِهِم﴾: باطلهم ﴿يَلعَبُونَ﴾ ٩١.
سُورَةِ الأَنْخَصُدُ
الجزء الثائرة
وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْمَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرِمِّنْ شَئُ
قُلْ مَنْ أَنزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَّى لِلنَّاسِّ
تَجْعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْتَعَلَمُواْ
أَنْتُمْ وَلَاَ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (١)
وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ اَلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَ
أُمّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَاً وَاُلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بٍِّ،
وَهُمْ عَلَى صَلَتِهِمْ يُحَافِظُونَ (١٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَ عَلَى
اللَّهِ كَذِّبًا أَوْقَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ
أَمِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَىّ إِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوَّتِ
وَالْمَلِكَةُ بَاسِطُوْ أَيَدِيهِمْ أَخْرِ جُوَأْأَنْفُسَكُمُ أُلْيَّوْمَ
تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ غَيْرَالْحَقِّ
®] وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى
وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ
وَمَا نَرَىْ مَعَكُمْ شُفَعَاءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَهُمْ فِيكُمْ شُرَكَوْاْ
لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّاكُنتُمْ تَزْعُمُونَ
٢- ﴿وهذا﴾ القُرآن ﴿كِتَابٌ أنزَلْناهُ، مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾: قَبلَه من الكُتب،
﴿وَلِتُنْذِرَ﴾، بالتاء والياء عطفٌ على معنى ما قبله، أي: أنزلناه للبركة والتصديق،
ولتنذر به ﴿أُمَّ القُرَى ومَن حَولَها﴾ أي: أهلَ مكّة وسائرَ الناس، ﴿وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ
بِالآخِرةِ يُؤمِنُونَ بِهِ، وهُم عَلَى صَلاتِهِم يُحافِظُونَ﴾ ٩٢ خوفًا من عقابِها. ﴿ومَن﴾ أي:
لا أحد ﴿أظلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾، بادّعاءِ النبوّة ولم يُنْبّأ، ﴿أو قالَ: أُوحِيَ
إِلَيَّ. ولَم يُوحَ إِلَيْهِ شَيءٌ﴾ - نزلتْ في مُسيلِمةَ - ﴿و﴾ مِن ﴿مَن قالَ: سأُنْزِلُ مِثلَ مَا
أَنزَلَ اللهُ﴾؟ وهم المُستهزئون قالوا: لو نشاء لقلنا مِثل هذا. ﴿وَلَو تَرَى﴾ - يا مُحمّد -
﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ المذكورون ﴿فِي غَمَراتِ﴾: سكراتِ ﴿المَوتِ، والملائكةُ باسِطُو
أيدِيهِمِ﴾ إليهم بالضرب والتعذيب، يقولون لهم تعنيفًا: ﴿أخرِجُوا أنفُسَكُمُ﴾ إلينا
لنقبضها. ﴿اليَومَ تُجزَونَ عَذابَ الهُونِ﴾: الهوان، ﴿بِما كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيرَ الحَقِّ﴾ بدعوى النبوّة والإِيحاء كذبًا، ﴿وكُنتُم عَن آيَاتِهِ
تَستَكبِرُونَ﴾ ٩٣: تتكبّرون عن الإِيمان بها. وجواب ((لو)): لرأيتَ أمرًا فظيعًا.
٣- ﴿و﴾ يقال لهم، إذا بعثوا: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادَى﴾: منفردين عن الأهل والمال والولد، ﴿كَما خَلَقْناكُم أوَّلَ مَرّةٍ﴾ أي: حُفاةً عُراةً غُزْلًا،
﴿وَتَرَكُم ما خَوَّلْناكُمِ﴾: أعطَيناكم من الأموال، ﴿وَراءَ ظُهُورِكُم﴾: في الدنيا بغير اختياركم، (و) يقال لهم توبيخًا: ﴿ما نَرَى مَعَكُم
شُفَعَاءَكُمُ﴾: الأصنامَ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُم﴾ أي: في استحقاق عِبادتكم ﴿شُرَكَاءُ﴾ للهِ. ﴿لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنْكُمْ﴾: وصلُكم أي: تَشتَّتَ جمعُكم -
وفي قراءة بالنصب ظرفٌ، أي: وصلُكم بينكم - ﴿وَضَلَّ﴾: ذهب ﴿عَنكُم ما كُنتُم تَزْعُمُونَ﴾ ٩٤ في الدنيا، من شفاعتها .
(١) كان بعض أحبار اليهود قالوا: يامحمد، أنزل الله عليك كتابًا؟ قال: ((نَعَم)). فأنكروا كل وحي، وقالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابًا. فنزلت الآيات
٩١-٩٣. الواحدي ص ٢١٥ والدر المنثور ٢٩:٣. وأنزل: أوحى. والبشر: الإنسان. والشيء: ما وجد. والكتاب: التوراة. وجاء به أي: بلّغ قومه إياه.
ونورًا: واضحًا بيّنًا بنفسه. وهدى أي: مرشدًا إلى الحق. والناس: بنو إسرائيل. ويجعل: يصيّر. وبالتاء يريد القراءة ((تَجعَلُونَهُ)) و(«تُبدُونَها)) و((وتُخْفُونَ)).
والقراطيس: جمع قرطاس. وهو ما يكتب عليه من الورق. ويبدون: يظهرون للناس. ويخفون: يكتمون. والكثير: القدر الكبير. وعُلّم: عُرّف. وتعلموا أي:
تعلموه وتدركوه. والآباء: جمع أب. وهو الوالد أو الجد. والتبس: خفي. وذر: دع واترك. والخوض: الشروع في الشيء وتداوله. ويلعب: يسخر
ويستهزئ.
(٢) أنزلناه: أوحيناه على لسان جبريل، ويسرنا حفظه وتبليغه. والمبارك: الكثير الخير. ومصدق أي: موافق. وتنذر: تخوف بالعقاب لمن عصى. وبالياء
يريد القراءة ((وليُنذِرَ)). والقرى: جمع قرية. وهي البلدة. وإنما سمّيت مكة أم القرى لأنها أعظمها، وغيرها تابع لها. وسائر الناس أي: باقيهم. ويؤمن بها:
يصدقها اعتقادًا جازمًا. والآخرة: الحياة بالبعث يوم القيامة بعد الموت. وبه أي: بالقرآن الكريم. ويحافظون عليها أي: في أوقاتها كما يجب بالشروط
والأركان والآداب. وأظلم أي: أكثر كفرًا. وافترى: اختلق. وأوحي إليّ أي: بُعثت نبيًّا. ومُسيلمة هو الكذاب من بني حنيفة، ادعى النبوة. والحكم عام لكل
من أشبه مسيلمة. وأُنزلُ أي: أنظِم كلامًا. انظر ((المفصل)). وترى: تبصر بعينيك. والغمرات: جمع غمْرة. وهي الشِّدة الفظيعة. وباسطو أيديهم أي: يمدون
أيديهم. والأيدي: جمع يد. وأخرجوها: خلّصوها. والأنفس: جمع نفس. وهي الروح. واليوم: الوقت. وتجزون: تعاقبون. والحق: القول الثابت.
والآيات: النصوص القرآنية والأدلة على التوحيد وصدق الرسالة.
(٣) انظر سبب النزول في المفصل. ويقال لهم أي: على لسان ملائكة العذاب. وجئتمونا: أحضرتم بالقهر والعنف. وفرادى: جمع فريد. وخلق: أوجد.
وأول مرة أي: حين التكون والولادة. والغرل: جمع أغرَل. وهو الذي لم تقطع منه جلدة الختان. وتركه: أهمله. والظهور: جمع ظهر. والشفعاء: جمع
شفيع. وهو الذي يتوسط للمذنب في التجاوز عما فعل. والأصنام أي: وغيرها مما يعبده الكافرون، بشرًا أو حيوانًا أو جمادًا أوجنًا أو ملائكة. وتقطع: تفرق
وتمزق. وبالنصب يريد القراءة ((بَينَكُم)). وتزعم: تدعي من غير دليل علمي ثابت.
٦ - سورة الأنعام
١٤٠
الجزء السابع
سُورَةِ الْأَنْخَصَلِ
﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُّ الْحَبِّ وَالنَّوَّ يُخْرِجُ الْمَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ
الْمَّتِ مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمُاللَّهُ فَنَّى تُؤْفَكُونَ (٥) فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ
وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ
وَهُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُوْاْ
اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّوَالْبَعْرِقَدْ فَصَلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٩٧
جَ وَهُوَ اُلَّذِىَ أَنشَأَ كُمْ مِن نَّفْسِ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرُّوُمُسْتَوْدَعٌ
قَدْ فَصَّلْنَا أَلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ {ثّ وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ
خَضِرًا مُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُّتَاكِبًا وَ مِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا
قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابِ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا
وَغَيْرَ مُتَشَبِّةٍ أَنْظُرُوَاْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِ ذَالِكُمْ
◌َيَتِ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَجَعَلُو ◌ْلِلّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ
وَخَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا
يَصِفُونَ ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ أَّى يَكُونُ لَهُ, وَلَدْ
ـوَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ الْـ
١- ﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ﴾: شاقُّ ﴿الحَبِّ﴾ عن النبات ﴿والتَّوَى﴾ عن النخل،
ثلاثة أنواع
الخِرَبُ
١٤
﴿يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيْتِ﴾ كالإِنسان والطائر من النُّطفة والبيضة، ﴿وَمُخْرِجُ
المَيْتِ﴾: النطفةِ والبيضةِ ﴿مِنَ الحَيِّ - ذُلِكُمُ﴾ الفالق المخرج ﴿اللهُ - فأنَّى
تُؤْفَكُونَ﴾ ٩٥: فكيف تُصرفون عن الإِيمان، مع قيام البرهان؟ ﴿فالِقُ الإِصباحِ﴾:
مصدر بمعنى الصبح أي: شاقُّ عمودِ الصُّبح - وهو أوّل ما يبدو من نور النهار - عن
ظُلمة الليل، ﴿وجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا﴾: تَسكن فيه الخلق من التعب، ﴿والشَّمسَ
والقَمرَ﴾ - بالنصب عطفًا على محلّ ((الليلٍ)) - ﴿حُسبانًا﴾: حِسابًا للأوقات. أو الباء
محذوفة وهو حال من مُقدّر أي: يَجريان بحُسبان، كما في آية ((الرحمن)). ﴿ذلِكَ﴾
المذكور ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ في مُلكه، ﴿العَلِيمِ﴾ ٩٦ بخلقه.
٢- ﴿وَهْوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ، لِتَهتَدُوا بِهَا فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والبَحرِ﴾ في الأسفار -
﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾: بيّا ﴿الآياتِ﴾: الدلالاتِ على قُدرتنا ﴿لِقَومِ يَعلَمُونَ﴾ ٩٧: يتدبّرون
- ﴿وَهْوَ الَّذِي أنشَأْكُم﴾: خلَفكم ﴿مِن نَفْسٍ واحِدةٍ﴾ هي آدَمُ، ﴿فَمُستَقِرٌّ﴾ منكم في
الرَّحِم، ﴿ومُستَودَعٌ﴾ منكم في الصُّلب. وفي قراءة بفتح القاف أي: مكانُ قرارٍ لكم.
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَومِ یَفقَهُونَ﴾ ٩٨ ما يقال لهم.
٣- ﴿وَهْوَ الَّذِي أَنزَلَ مِّنَ السَّماءِ ماءً، فأخرَجْنا﴾ - فيه التفات عن الغَيبة - ﴿بِهِ﴾:
بالماء ﴿نَباتَ كُلِّ شَيءٍ﴾ يَنْبتُ، ﴿فأخرَجْنا مِنْهُ﴾ أي: النباتِ شيئًا ﴿خَضِرًا﴾ بمعنى
أخضَرَ، ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾: من الخَضِرِ ﴿حَبَّا مُتَراكِبًا﴾: يركب بعضه بعضًا كسنابل
الحِنطة ونحوها - ﴿ومِنَ النَّخلِ﴾: خبرٌ ويُبدَل منه ﴿مِن طَلعِها﴾: أوّلِ ما يخرج منها ،
والمتبدأ ﴿قِنْوانٌ﴾: عراجينُ ﴿دانِيةٌ﴾: قريب بعضها من بعض - ﴿و) أخرجنا به (جَنّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿مِن أعنابِ، والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشتَبِهَا﴾
ورقُهما: حال، ﴿وَغَيرَ مُتَشابِهٍ﴾ ثمرُهما. ﴿انظُرُوا﴾، يا مخاطِبينَ، نظرَ اعتبارٍ ﴿إِلَى ثَمَرِهِ﴾ - بفتحِ الثاء والميم وضمِّهما. وهو جمع ثَمَرة
كشَجَرة وشَجَر، وخَشَبة وخُشُب - ﴿إِذا أَثْمَرَ﴾: أوّلَ ما يبدو كيف هو؟ ﴿و﴾ إلى ﴿يَنْعِهِ﴾: نُضجِه إذا أَدرك كيف يعود؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ﴾:
دلالاتٍ على قُدرته - تعالى - على البعث وغيره، ﴿لِقَومِ يُؤمِنُونَ﴾ ٩٩. خُصّوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإِيمان، بخلاف الكافرين.
٤ - ﴿وَجَعَلُوا لِثِ﴾: مفعولٌ ثان (شُرَكاءَ﴾: مفعولٌ أوّل، وَيُبدل منه ﴿الجِنَّ﴾، حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان، ﴿و﴾ قد ﴿خَلَقَهُم)، فكيف
يكونون شُركاءهُ؟ ﴿وَخَرَقُوا﴾، بالتخفيف والتشديد، أي: اختلقوا ﴿لَّهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيرِ عِلم﴾، حيث قالوا: عُزِيرٌ ابنُ الله، والملائكةُ بنات الله.
﴿سُبحانَهُ﴾: تنزيهًا له! ﴿وتَعالَى عَمّا يَصِفُونَ﴾ ١٠٠ بأنّ له ولدًا. هو ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرضِ﴾: مُبدِعهما من غير مثال سبق، ﴿أَنَّى﴾: كيف
(١) الحب واحدته حبة. وهي القطعة من القمح ونحوه. والنوى واحدته نواة. وهي القطعة الغليظة داخل ثمر النخل وما أشبهه. ويخرجه: يخلقه. والحي: ما
ينمو بنفسه وتقدير الله. وشاقُّه أي: خالقه. والجاعل: المُصيِّر. والسكن: ما سكنتَ إليه واسترحت. والأوقات: الأيام والليالي وما يكون عنها، من ساعات
وأسابيع وشهور وسنوات وقرون. والرحمن: يعني الآية ٥ من سورة الرحمن. وتقديره أي: جعل الشيء على مقدار ووجه مخصوصين. والعزيز: الغلّاب على
أمره. والعليم: الذي لا يعزب عنه شيء من أحوال خلقه. (٢) جعل: خلق. والنجوم: جمع نجم. وهو الكوكب المضيء. وتهتدوا أي: تستدلوا. والظُّلْمة:
السواد لا يرى فيه شيء. والبر: الأرض اليابسة. والبحر: ما اجتمع فيه الماء الكثير. وفي الأسفار أي: وفي غيرها. والنفس: المخلوق الإنساني بروحه
وجسده. والمستقِرّ: المتمكِّن زمنًا طويلًا. وهو الجنين. والمستودّع: ما كان وديعة لزمن قصير. وهو النطفة والبويضة. والصلب: العظم الذي يضم فقار الظهر
من الأب والأم. انظر تعليقنا على تفسير الآية ٧ من سورة الطارق. وبفتح القاف يريد القراءة ((فمُستَقَرُّ)). وهو خصية الرجل ومَبيض المرأة. ويفقهون: يُحسنون
الاستدلال بخلق الإنسان على قدرة الخالق ووحدانيته. (٣) أنزل: أسقط بتفضله. والسماء: السحاب. والماء: المطر والثلج والبَرَد والندى. وأخرج: أنبت.
وبه أي: بسببه. والحب واحدته حبة. وهي القطعة المتميزة من الثمر. والنخل واحدته نخلة. وهي شجرة ثمرها التمر. والقنوان: جمع قِنْو. فالقنوان تخرج
من الطلع النابت من النخل. والعراجين: جمع عُرجُون. وهو ما يحمله النخل كعنقود العنب. وبه أي: بالماء. وجنات: جمع جنة. والأعناب: جمع عنب.
والمشتبه: المتشابه في الشكل واللون. وانظر تفسير الآية ١٤١. والاعتبار: التأمل والاتعاظ. والثمر: ما ينعقد عن الزهر. وضمهما يراد به القراءة (ثُمُرِهِ»،
أي: ثمر كل من النخل والأعناب والزيتون والرمان. والإشارة بـ ((ذلكم)) إلى ما مضى في الآيات ٩٥-٩٩ من عجائب الخلق. وبها أي: بالآيات. (٤)
جعلوا: صيّروا. والضمير لمن يستجيب لمزاعم سحر الجن. انظر ((المفصل)). والشركاء: جمع شريك. والجن واحده جنيّ. وهو هنا الشيطان يغري بالشر.
وفي عبادة الأوثان أي: وعبادة بعض المخلوقات، أو اعتقاد أباطيل السحرة والمشعبذين. وخلقهم أي: خلق الجن. وبالتشديد يريد القراءة ((وخَرَّقُوا)).
والعلم: الإدراك بنص شرعي أو دليل برهاني لاشك فيه. وبعض النصارى قالوا: المسيح ابن الله. وتعالى أي: ترفع وتقدس. ويكون: يحصل. وخلقه:
أوجده من العدم. والمعنى: مُحال أن يكون له ولد، وأسبابُ الأبوة منتفية. وهي مضمون الجمل الثلاث التالية: تنزهُه عن اتخاذ زوجه، وكلُّ ماعداه هو من
مخلوقاته فلا يكون ابنًا له، وإحاطةُ علمه بكل شيء، ولا كذلك غيره.