Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٢ - سورة البقرة
الجزء الثاني
١- ﴿فَلَمّا فَصَلَ﴾: خرج ﴿طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ من بيت المقدس، وكان حَرًّا شديدًا
وطلبوا منه الماء، ﴿قالَ: إنَّ اللهَ مُبتَلِيكُم﴾: مُختبرُكم ﴿بِنَهَرِ﴾، ليَظهرَ المطيعُ منكم
والعاصي. وهو بين الأردنّ وفلسطين. ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ﴾ أي: مِن مائه ﴿فَلَيسَ مِنِّ﴾
أي: من أتباعي، ﴿ومَن لَم يَطعَمْهُ﴾: يَذْه ﴿فَإِنَّهُ مِنِّيَ، إلّا مَنِ اغتَرَفَ غَرْفَةَ﴾ - بالفتحِ
والضمّ - ﴿بِيَدِهِ﴾، فاكتفى بها ولم يزد عليها، فإنه منّي. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾، لمّا وافَوه،
بكثرة ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُم﴾ فاقتصروا على الغَرفة. رُوي أنّها كفتهم لشربهم ودوابِّهم،
وكانوا ثلاثَمِائَةٍ وبضعةً عشَرَ .
٢- ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، وهم الذين اقتصروا على الغَرفة، ﴿قالُوا﴾
أي: الذين شربوا: ﴿لا طاقةَ﴾: قوّة ﴿لَنا اليَومَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: بقتالهم.
وجَبُنوا ولم يجاوزوه. ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾: يُوقنون ﴿أَنَّهُم مُلاقُو اللهِ﴾ بالبعث، وهم
الذين جاوزوه: ﴿كَم﴾: خبريةٌ بمعنى: كثيرٌ ﴿مِن فِئةٍ﴾: جماعة ﴿قَلِيلةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرةً، بإذنِ اللهِ﴾: بإرادته! ﴿واللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ٢٤٩ بالعون والنصر.
٣- ﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ أي: ظهروا لقتالهم وتصافُّوا ﴿قالُوا: رَبَّنَا،
أفرِغْ﴾: اصبُبْ ﴿عَلَينا صَبرًا، وثَبِّتْ أقدامَنا﴾ بتقوية قلوبنا على الجهاد، ﴿وانصُرْنا
عَلَى القَومِ الكافِرِينَ ٢٥٠. فَهَزَمُوهُم﴾: كسروهم ﴿بإذنِ اللهِ﴾: بإرادته، ﴿وَقَتَلَ داوُدُ﴾
وكان في عسكر طالوت ﴿جالُوتَ، وآتاهُ﴾ أي: داودَ ﴿اللهُ المُلكَ﴾ في بني إسرائيل،
﴿والحِكْمَةَ﴾: النبوّة، بعد موت شَمْوِيلَ وطالوتَ، ولم يجتمعا لأحد قبله، ﴿وَعَلَّمَهُ
مِمّا يَشاءُ﴾، كصنعة الدُّروع ومنطق الطير. ﴿وَلَولا دَفعُ اللهِ النّاسَ بَعضَهُم﴾: بدلُ
بعض من ((الناس))، ﴿بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأرضُ﴾ بغلبة المشركين وقتل المسلمين وتخريب المساجِد. ﴿ولكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العالَمِينَ﴾ ٢٥١،
فدفع بعضهم ببعض .
٤ - ﴿تِلكَ﴾: هذه الآيات ﴿آياتُ اللهِ، نَتَلُوها﴾: نقصّها ﴿عَلَيكَ﴾ - يا محمّد - ﴿بِالحَقِّ﴾: بالصدق، ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرسَلِينَ﴾ ٢٥٢. التأكيد
بـ((إِنَّ) وغيرِها ردٌّ لقول الكفار له: ((لَستَ مُرسَلًا)).
(١) الجنود: الأعوان والأنصار جمع جند. والجند: جمع جندي. وهو المحارب المزود بالسلاح. وكان حرًا أي: وكان الوقت حرًا. ومختبركم أي:
يعاملكم معاملة من يختبر ويمتحن. والنهر: مجرى الماء غير المالح. والأردن وفلسطين: منطقتان في جنوبي الشام، بينهما النهر المشهور والبحر الميت.
وشرب: تناول الكثير وابتلعه. ويذقه يعني: لم يذقه. واغترف: أخذ. وبالضم يريد القراءة ((غُرفةً)): ما يحصل بيد الغارف من الماء. واليد هنا: الكف.
وشربوا: كرعوا فيه وتناولوا الكثير. ووافوه أي: وصلوا إليه.
(٢) جاوزه أي: تجاوز النهر وتخطاه. وآمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وقالوا أي: قال بعضهم لبعض، بصوت عال، ليُسمعوا المؤمنين ويثبطوهم عن
الجهاد. واليوم: هذا الوقت. وجالوت: ملك للعمالقة العرب الكنعانيين في عهد داود، وهو أحد الجبابرة كان قد أذل بني إسرائيل، وضرب عليهم الجزية،
وسلبهم التوراة. الكامل لابن الأثير ٢١٧:١-٢٢٢. وملاقو الله أي: يلقون حسابه وثوابه. وقليلة أي: عدد أفرادها قليل. وهي عكس كثيرة. وغلبتها: قهرتها
وانتصرت عليها. والله: لفظ الجلالة اسم علم للواجب الوجود المعبود بحق وحده والمستحق للألوهية والتوحيد ولجميع المحامد بذاته وصفاته وأفعاله.
والصابر: من يحبس نفسه وقت الضيق.
(٣) ولما أي: حينما. والرب: الخالق المالك المتفرد يرعى مصالح ملكه. وقالوا أي: بالدعاء. وربنا أي: ياربنا. حذف حرف النداء تعظيمًا لما فيه من
معنى الأمر. والصبر: التجلد وحبس النفس. وثبتها: اجعلها راسخة لا تتزلزل. والأقدام: جمع قدم. وهو مايطأ الأرض من رجل الإنسان. وانصرنا أي:
أعنّا وأيّدنا للتغلب والنجاح. والقوم: الجماعة من الرجال. والكافر: من كذّب الله ورسوله بقلبه أو بقول أو فعل. وداود: ابن إيشَى من ذرية يهوذى بن
يعقوب، كان بينه وبين موسى مئات السنين. وهو من أشهر أنبياء بني إسرائيل. المحبر ص ١ و٥. وحذفت واوه الثانية في الرسم اصطلاحًا. وآتاه: أعطاه
ومنحه. والملك: السيادة والسلطان والتصرف بما شرعه له. والحكمة: وضع الشيء في موضعه ببالغ الإتقان. والنبوة في الناس أرفع مراتب الحكمة. ولم
يجتمعا أي: لم يكن الملك والنبوة. وعلمه: أوحى إليه وألهمه وعرّفه. ومما يشاء أي: مما أراد تعليمه إياه. والدروع: جمع درع. وهو مايلبس من الزرد
ليقي الجذع في الحرب. والمنطق: النطق. والطير: واحده طائر. والمراد بمنطقها القدرة على فهم دلالة أصواتها ومخاطبتها. والدفع: القمع والرد بالقوة.
والناس: البشر. والبعض: الطائفة والجماعة. وفسدت: بطلت منافعها وتعطلت مصالحها وتدمرت. والأرض أي: وما فيها أيضًا من الخلق. والفضل: التكرم
بالخير. وذو فضل أي: صاحبه ومالكه المتفرد به. فالمؤمنون يَدفع بهم الكافرين ليزول الفساد. وذلك بالجهاد ، كما ذكر في قصة طالوت وجالوت. وبالجهاد
يستقر الخير للجميع، وهو فضل الله، تعالى. والعالَم: الجنس من الخلق. فالعالمون كل المخلوقات.
(٤) تلك: إشارة إلى الآيات ٢٤٣-٢٥١. والمرسل: من بُعث بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع العمل. وغيرها أي: اللام المزحلقة وكون الجملة اسمية.
فهما للتوكيد أيضًا. وقول الكفار يعني: ما في الآية ٤٣ من سورة الرعد.
◌ُودَةِ النَّقَدَّة
الحرة الشبانى
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ
بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ
مِنِّىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا
مِنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ
لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِّ قَالَ الَّذِينَ
يَظُونَ أَنَّهُمْ مُلَقُواْ اللَّهِكَم مِّن فِئَةٍ فَلِيلَةٍ
غَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللهُ مَعَ الصَّبِينَ (3)
وَلَمَّا بَرَزُ واْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْرَبَّنَا أَفْرِعْ
عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِين
(٥) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ
دَاوُرُدُ جَالُوتَ وَءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالِحِكْمَةَ
وَعَلَّمَهُ مِمَايَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِالنَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو
فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ( تِلْكَ ءَايَكُ اْللَّهِ
إنَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لَه

٢ - سورة البقرة
٤٢
الجزء الثالث
الجزء الثالث
سُوَرَةِ البَقَة
﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيِّنَاتِ
وَأَيَّدْنَهُ بُوجِ الْقُدُسِْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ
مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ آَخْتَلَفُواْ
فَمِنْهُمْ مَنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم ◌َن كَفَرَّ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ [®َ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَنفِقُواْ
مِمَارَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا
(٤) اللهُ لَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ
شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ
﴿الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُمَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا
فِي الْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِّ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ
أَيْدِ يهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّبِمَا
شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَاً
لَا إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ
وَهُوَ الْعَلِىُّالْعَظِيمُ (٥جم)
مِنَ الْغَيَّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ
أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَ لَ انِفِصَامَ لَهَا وَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ
١ - ﴿تِلكَ﴾: مبتدأ ﴿الرُّسُلُ﴾: صفة والخبر ﴿فَضَّلْنا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾،
بتخصيصه بمَنقبة ليست لغيره، ﴿مِنْهُم مَن كَلَّمَ اللّهُ﴾ كموسى، ﴿وَرَفَعَ
الحزب و
بَعضَهُم﴾ أي: محمّدًا ﴿دَرَجاتٍ﴾ على غيره، بعموم الدعوة وختم النبوّة به،
وتفضيل أُمّته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة،
﴿وَآتَيْنا عِيسَى بنَ مَرِيَمَ البَيِّناتِ، وأيَّدْناهُ﴾: قوَّيناه ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾: جبريلَ يسير معه
حيث سار، ﴿وَلَو شاءَ اللهُ﴾ هُدى الناسِ جميعًا ﴿ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعدِهِم﴾: بعدِ
الرسل أي: أُممُهم، ﴿مِن بَعدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ لاختلافهم وتضليل بعضهم
بعضًا، ﴿وَلَكِنِ اختَلَفُوا﴾ لمشيئته ذلك - ﴿فِمِنْهُم مَن آمَنَ﴾: ثَبَتَ على إيمانه،
﴿وَمِنْهُم مَن كَفَرَ﴾ كالنصارى بعد المسيح - ﴿وَلَو شاءَ اللهُ ما اقتَلُوا﴾: تأكيد،
﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَفعَلُ ما يُرِيدُ﴾ ٢٥٣، مِن توفيق مَن شاء وخذلان مَن شاء.
٢- ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، أَنفِقُوا مِمّا رَزَقْنَاكُم﴾ زكاتَه، ﴿مِن قَبَلِ أَنْ يَأْتِيَ يَومٌ، لا
بَيْعَ﴾: فِداء ﴿فِيهِ ولا خُلّةَ﴾: صداقة تنفع ﴿ولا شَفاعةَ﴾ بغير إذنه، وهو يوم القيامة .
وفي قراءة برفع الثلاثة. ﴿والكافِرُونَ﴾ بالله أو بما فرض عليهم ﴿هُمُ
الظّالِمُونَ﴾ ٢٥٤، لوضعهم أمرَ الله في غير محلّه.
٣- ﴿اللّهُ لا إِلَّهَ﴾ أي: لا معبودَ بحقّ في الوجود ﴿إِلَّ هُوَ، الحَيُّ﴾: الدائم البقاء
﴿القَيُّومُ﴾: المُبالِغ في القيام بتدبير خلقه، ﴿لا تأخُذُهُ سِنَةٌ﴾: نُعاس ﴿ولا نَومٌ، لَهُ ما
في السَّماواتِ وما في الأرضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا، ﴿مَن ذا الَّذِي﴾ أي: لا أحدَ
﴿يَشِفَعُ عِندَهُ إلّا بِإِذْنِهِ﴾ له فيها؟ ﴿يَعلَمُ ما بَيْنَ أيدِيهِم﴾ أي: الخلقِ ﴿وما خَلفَهُم﴾
أي: من أمر الدنيا والآخرة، ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِهِ﴾: لا يعلمون شيئًا من معلوماته، (إلّا بِما شاءَ﴾ أن يُعلِمَهم به منها بإخبار الرسل،
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرضَ﴾ - قيل: أحاط علمُه بهما، وقيل: ملكُه. وقيل: الكرسيّ بعَينِه مشتمل عليهما لعظمته، لحديثِ ((ما
السَّماواتُ السَّبعُ في الكُرسيِّ إلّا كَدَراهمَ سَبعةٍ أُلْقِيَتْ في تُرسٍ)) - ﴿ولا يَؤُودُهُ﴾: يُثِقِله ﴿حِفظُهُما﴾ أي: السماواتِ والأرضِ، ﴿وهْوَ العَلِيُّ﴾
فوق خلقه بالقهر، ﴿العَظِيمُ﴾ ٢٥٥: الكبير.
٤- ﴿لا إكراهَ في الدِّينِ﴾ على الدخول فيه. ﴿قَد تَبَيَّنَ الرُّشِدُ مِنَ الغَيِّ﴾ أي: ظهر بالآيات البيّنات أنّ الإيمانَ رشد، والكفرَ غيّ. نزلت فيمن كان
(١) تلك: إشارة إلى ماذكر من الرسل في هذه السورة. والخبر أي: أن جملة ((فضلنا)): في محل رفع خبر. وفضلناه: ميّزناه بمنزلة فريدة. والمنقبة: الوصف
الذي يُفتخر به. وكلم الله أي: خاطبه بالكلام من غير وساطة. ورفعه: جعل له منزلة عالية. والدرجة: المكانة المتميزة. والعديدة: المعدودة. وهُدى الناس
أي: هدايتهم إلى الحق والصلاح. واقتتلوا: قاتل بعضهم بعضًا. وجاءتهم: وصلت إليهم، وأدركوا دلالتها على صدق الأنبياء. والبينات: البراهين الواضحة.
واختلفوا: اختصموا واقتتلوا. وذلك أي: الاختلاف. والإيمان: اعتراف القلب بالتوحيد ومايلزمه. وكفر: أنكر التوحيد ولزم الشرك. ويفعل: يخلق. ويريده:
يقضي كونه وحصوله.
(٢) آمن: عرف قلبه التوحيد وما يلزمه. وأنفقوا: ابذلوا وأدّوا. ورزقناكم أي: أعطيناكم إياه. ويأتي: يجيء ويحصل. واليوم: الزمن. والبيع: إعطاء الشيء
وأخذ ثمنه. والشفاعة: المطالبة بالتجاوز عن الذنوب. وبرفع الثلاثة يريد ((لا بَيْعٌ فِيهِ ولاخُلَةٌ ولا شَفاعةٌ)). والكافر: من ينكر بقلبه ولسانه وعمله. والظالم: من
يضع الشيء في غير موضعه .
(٣) الدائم البقاء أي: بذاته أزلًا وأبدًا. وتأخذه: تعتريه. والنوم: غلبة جهد أو عناء للراحة. والسماء: انظر تفسير الآية ٥ من سورة آل عمران. ويشفع:
يطلب التجاوز عن الذنوب. وعنده أي: في حكمه وقضائه. والإذن: الأمر والسماح. ويعلمه: يحيط به بالغَ الإحاطة. وما بين أيديهم أي: أمامهم.
والأيدي: جمع يد. ويحيط: يدرك ويعلم. والشيء: ما هو موجود أو محتمل وجوده. وشاء أي: أراد. وبعينه: يعني أن الكرسي مخلوق حقيقي متميز، لا
يراد به العلم أو الملك. وهو بين يدي العرش. و((في الكرسي)) يعني: بالنسبة إليه. والترس: ماكان يُحمل باليد في الحرب ليُتوقى به الضرب والطعن.
والحديث: انظر ((المفصل)). و((يثقله)) أي: لا يثقله ولا يُعجزه. والحفظ: التفقد والرعاية. والعلي: المبالغ في علو الرتبة والسلطان .
(٤) الإكراه: القسرُ وإلزامُ للغيرِ. والدين: الاعتقاد الإسلامي. والرشد: الهدى إلى الحق. والغي: الضلال والجهل من الاعتقاد الفاسد. انظر ((المفصل)).
ويكفر به: ينكر تقديسه وطاعته. ويؤمن به: يعترف قلبه بوحدانيته وما يلزم ذلك. والعروة: العقدة تكون في الحبل ليمسك منها. والعقد المحكم أي: العُقدة
المُحكمة. والوثقى: الشديدة الإحكام جدًا. والسميع: المدرك للمسوعات حين وقوعها. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء. وناصرهم أي: ومحبهم
ومتولي أمورهم. وآمن: عرف قلبه التوحيد ومايلزمه. ويخرجهم أي: ينقذهم دائمًا. والظلمات: جمع ظُلْمة. وهي السواد الدامس لا يُدرَك فيه شيء. والكفر
أشنع الظلمات. والنور: الضياء يمتاز فيه الخير من الشر. والإيمان أوضح الأنوار وأظهرها. والأولياء: جمع وليّ. وهم الذين يتولون أمور الكافرين،
ويضلونهم إذا صادفهم خير أو صلاح. ويخرجونهم أي: يصرفونهم. ويعني بالمقابلة المشاكلةَ اللفظية، إذ لم يكن الذين كفروا في نور. و((فيمن آمن)) تفسير
آخر للمعنى. وهذا المعنى أظهر من الأول. والبعث: الإرسال للدعوة إلى العقيدة والشريعة. والخالد: المقيم أبدًا.

الجزء الثالث
٤٣
٢ - سورة البقرة
له من الأنصار أولاد، أراد أن يكرههم على الإِسلام. ﴿فَمَن يَكفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾:
الشيطانِ أو الأصنام - وهو يُطلق على المفرد والجمع - ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ استَمسَكَ﴾ :
تمسّك ﴿بِالعُرْوةِ الوُثقَى﴾: بالعَقد المُحكَم ﴿لا انفِصامَ﴾: انقطاعَ ﴿لَها. واللهُ سَمِيعٌ﴾
لما يقال، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٢٥٦ بما يُفعل. ﴿اللهُ وَلِيُّ﴾: ناصرُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا، يُخرِجُهُم مِنَ
الظُّلُماتِ﴾: الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾: الإيمان، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أولِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ،
يُخرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلُماتِ﴾. ذِكرُ الإِخراج إمّا في مقابلة قوله ((يُخرِجُهُم مِنَ
الظُّلُماتِ))، أو فيمن آمن بالنبيّ قبل بَعثِه من اليهود ثمّ كفر به، ﴿أَولَئِكَ أصحابُ النّارِ،
مُم فِيها خالِدُونَ﴾ ٢٥٧ .
١- ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾: جادلَ ﴿إِبراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، لـ﴿أَنْ آتَاهُ اللهُ المُلكَ﴾ أي:
حملَه بطرُه بنعمة الله على ذلك - وهو نُمروذٌ - ﴿إِذَ﴾: بدلٌ من ((حاجَّ)) ﴿قَالَ إِبراهِيمُ﴾
لمّا قال له: ((مَن رَبُّك الذي تدعونا إليه)»؟: ﴿رَبَِّ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أي: يخلقُ
الحياة والموت في الأجساد. ﴿قالَ﴾ هو: ﴿أنا أَحْيِي وأَمِيتُ﴾ بالقتل والعفو عنه.
ودعا برجلين، فقَتلَ أحدَهما وتَركَ الآخَرَ. فلمّا رآه غبيًّا ﴿قَالَ إِبراهِيمُ﴾ منتقلًا إلى
حُجّةٍ أوضحَ منها: ﴿فَإِنَّ اللهَ يأتِي بِالشَّمسِ مِنَ المَشرِقِ. فائْتِ بِها﴾ أنت ﴿مِنَ
المَغرِبِ. فبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾: تَحَيَّرَ ودَهِشَ. ﴿واللهُ لا يَهِدِي القَومَ الظّالِمِينَ﴾ ٢٥٨
بالكفر إلى مَحجّة الاحتجاج.
سُورَةِ الْبَقَدّة
الجزء الثَالفُ
اللَّهُ وَلِىُّالَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ
النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِّ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّهُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبَهِمَ فِ رَبِّهِ:
أَنْ ءَاتَئُهُ اَللَّهُ الْمُلْكَ إِذْقَالَ إِبْرَهِمُ رَبِىَ الَّذِى يُخىء
وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِىءٍ وَأُمِتٌ قَالَ إِبْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ
بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى
كَفَرٌ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [٥] أَوْكَالَّذِى مَرَّ
عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَّةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَّى يُحِىء هَذِهِ اللَّهُ
بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامِ ثُمَّ بَعَثَةٌ. قَالَ كَمْ لَبِثْتَ
قَالَ لَبِثْتُ يَوْمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ
فَأَنْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ وَأَنْظْ إِلَى
حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِّ وَاَنْظُرْ إِلَى
الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُ هَاثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَّا فَلَمَا
تَبَّنَ لَهُ. قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٢- ﴿أو﴾ رأيتَ ﴿كالَّذِي﴾ - الكاف: زائدة - ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيةٍ﴾ هي بيت المقدس، راكبًا على حمار، ومعه سلّةُ تينٍ وقَدَحُ عصير - وهو عُزَيْرٌ -
﴿وَهْيَ خاوِيةٌ﴾: ساقطة ﴿عَلَى عُرُوشِها﴾: سُقوفِها، لمّا خرَّبها بُخْتَنَصَّرُ، ﴿قالَ: أَنَّى﴾: كيف ﴿يُحيِي هذِهِ اللهُ بَعدَّ مَوتِها﴾؟ استعظامًا لقُدرته،
تعالى. ﴿فأماتَهُ اللهُ﴾ وألبثه ﴿مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: أحياه ليُريه كيفيّة ذلك، ﴿قالَ﴾ تعالى له: ﴿كَم لَبِثْتَ﴾: مكَئتَ هنا؟ قالَ: لَبِثتُ يَومًا أو
بَعضَ يَومٍ﴾. لأنّه نام أوّل النهار فقُبْض، وأُحيي عند الغُروب فظنَّ أنّه يومُ النوم. ﴿قَالَ: بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. فانظُرْ إلَى طَعامِكَ﴾ التينِ
﴿وَشَرائِكَ﴾ العصيرِ، ﴿لَم يَتَسَنَّهُ﴾: لم يتغيّرْ مع طول الزمان - والهاء قيل: أصلٌ من ((سانهتُ)). وقيل: للسَّكت منَ ((سانيتُ)). وفي قراءة بحذفها
- ﴿وانظُرْ إلَى حِمارِكَ﴾ كيف هو؟ فرآه ميتًا وعظامه بيض تلوح، فعلْنا ذلك لتعلم، ﴿ولِنَجعَلَكَ آيَةً﴾ على البعث ﴿لِلنّاسِ، وانظُرْ إِلَى العِظامِ﴾ من
حِمَارك، ﴿كَيفَ نُشِرُها﴾: نُحييها - بضمِّ النون وفتحِها من (أنشَرَ ونَشَرَ)) لغتانِ. وفي قراءة بضمِّها والزايٍ: نُحرّكها ونرفعها - ﴿ثُمَّ نَكَسُوها
لَحْمًا﴾؟ فنظر إليها، وقد تركّبت وكُسيت لحمًا ونُفخ فيه الروح ونَهَقَ، ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ ذلك بالمشاهدة ﴿قالَ: أعلَمُ﴾ عِلمَ مشاهدةٍ ﴿أَنَّ اللهَ عَلَى
كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢٥٩. وفي قراءة: ((اعلَمْ)) أمرٌ من الله له.
(١) نمروذ من ذرية سام، كان ملكًا في بابل، وادعى الربوبية. وألم تر: ألم يصل علمك، أي: ألم يبلغ علمك؟ والاستفهام للتعجيب والتحقيق والتشويق إلى
استماع ما بعده، أي: قد تحقّقتْ معرفة هذه القصة العجيبة وتقرّرت، لأنها من الظهور بحيث لا تخفى على أحد. وإلى الذي أي: إلى قصته. وفي التركيب
معنى الأمر، كأنه قيل: انظر إلى قصته وتعجب منها. وفي ربه أي: في وجود ربه. وآتاه: أعطاه. والملك: السلطان والسيادة. و((بدل من حاج)) لعل المراد:
بدل من ((الذي حاج)). وقال له أي: قال النمروذ لإبراهيم. وعنه أي: عن القتل. ومنها أي: من حجة الإحياء والإماته. ويأتي بها: يوجدها ويحضرها.
والشمس: الكوكب الذي يضيء الأرض نهارًا. والمشرق: مكان الشروق. والمغرب: مكان الغروب. وكفر: كذّب الله ورسوله وأنكر الإيمان والتوحيد
والبعث. ولا يهديه أي: لا يرشده إلى الحق ولا يوفقه في قبوله، لِما في استعداده من سوء، وفي اختياره من خبث. والقوم: الجماعة من الناس رجالاً ونساء.
والظالم: من يضع الأمور في غير مواضعها .
(٢) رأيت أي: علمت وعرفت. وزائدة أي: حرف جر زائد معناه التوكيد. والقرية: البلدة. والسلة: وعاءُ تحمل فيه الثمار. والتفصيلات المذكورة في هذه
القصة من الإسرائيليات المصنوعة، لا سند لها يعتبر. وعُزير: نبي أقام لبني إسرائيل التوراة لأنه يحفظها عن ظهر قلب بعد أن أُحرقت، فزعم بعضهم أنه ابن
الله، تعالى. انظر الآية ٣٠ من سورة التوبة. والعروش: جمع عرش. وهو ما يُنصب من القصب وغيره كالسقف، لتمتد عليه فروع الأشجار. وبُختنصَّرُ: ملك
بابلي عربي. وأماته: خلق الموت فيه وأبقاه على ذلك. وقبض: توفي. وأصل أي: أن الهاء حرف أصلي في الفعل. وللسكت أي: أن الهاء زائدة تثبتُ في
الوقف وتُحذف في الوصل. وتلوح أي: تلمع. ونجعلك أي: نُصيّر ماجرى لك. والآية: المعجزة القاطعة الدلالة. والعظام: جمع عظم. وبفتحها يريد
القراءة (نَنشُرُها)). والزاي أي: بدلًا من الراء، يريد (نُنشِزُها)). ونرفعها أي: نرفع بعضها إلى بعض ونركبهما، ليصيرا خلقًا جديدًا. والإشارة بـ ((ذلك)) إلى
حصول الإحياء. وأعلمُ: أُدرك وأعي باليقين الحق. والقدير: المبالغ في الاستطاعة دون منازع أو معين.

٢ - سورة البقرة
٤٤
الجزء الثالث
سُورَةِ البَقَة
الجزء الثَالقُ
وَإِذْقَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنَّ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ
الطَّيْرِ فَصُرْ هُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّاً جْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا
ثُمَّادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
تَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَثْمَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتِبْلَةٍ مِائَةُ حَّةٌ، وَاللّهُيُضَعِفُ
لِمَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ ا الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذٌَ لَّهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ
﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ
جَ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَانُبْطِلُواْ
أَذَتِىُّ وَاَللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ
صَدَ قَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاَلْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ
وَلَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ
تُرَبٌ فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَكَهُ صَلَّهُ لََّ يَقْدِرُونَ عَلَى
شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
١- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قَالَ إِبراهِيمُ: رَبِّ، أرِنِي كَيفَ تُحِي المَونَی؟ قالَ﴾ تعالی له:
﴿أَوَلَم تُؤْمِنْ﴾ بقدرتي على الإِحياء؟ سأله مع علمه بإيمانه بذلك، لِيُجيبه بما سأل،
فيعلم السامعون غرضه. ﴿قَالَ: بَلَى﴾ آمنتُ، ﴿ولكِنْ﴾ سألتك ﴿لِيَطمَئنَّ﴾: يسكن
﴿قَلِي﴾ بالمُعاينة المضمومة إلى الاستدلال. ﴿قالَ: فخُذْ أربَعَةً مِنَ الطَّيرِ، فصِرْهُنَّ
إِلَيكَ﴾، بكسر الصاد وضمّها: أمِلْهنَّ إليك، وقطّعْهنّ واخلِطْ لحمهنّ وريشهنّ، ﴿ثُمَّ
اجعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ من جبال أرضكَ ﴿مِنْهُنَّ جُزءًا، ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ إليك ﴿يأْتِينَكَ
سَعْبًا﴾: سريعًا، ﴿وَاعَلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: لا يُعجزه شيءٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾ ٢٦٠ في صنعه.
فأخذ طاووسًا ونسرًا وغُرابًا وديكًا، وفعل بهنّ ما ذُكر، وأمسك رؤوسهنّ عنده
ودعاهنّ، فتطايرَتِ الأجزاء إلى بعضها حتى تكاملتْ، ثم أقبلتْ إلى
رؤوسها .
الخِزِبْ
٥
٢- ﴿مَثَلُ﴾: صِفةُ نفقاتِ ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أموالَهُم، في سَبِيلِ اللهِ﴾ أي:
طاعته، ﴿كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنبَتَتْ سَبعَ سَنابِلَ، في كُلِّ سُنبُلةٍ مِائَةُ حَبّةٍ﴾ - فكذلك نفقاتهم
تُضاعَفُ لسبعِمِائَةِ ضِعف. ﴿واللهُ يُضاعِفُ﴾ أكثرَ من ذلك ﴿لِمَن يَشاءُ، واللهُ واسِعٌ﴾
فضلُه، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٢٦١ بمن يستحقّ المُضاعفة - ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أموالَهُم فِي سَبِيلِ اللهِ،
ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنفَقُوا مَنَّا﴾ على المُنفَقِ عليه بقولهم مَثلًا: «قد أَحسنتُ إليه وجبرتُ
حاله))، ﴿ولا أذّى﴾ له بِذكر ذلك لمن لا يُحبّ وقوفَه عليه ونحوهِ، ﴿لَهُم أجرُهُم﴾:
ثواب إنفاقهم ﴿عِندَ رَبِّهِم، ولا خَوفٌ عَلَيهِم، ولا هُم يَحزَنُونَ﴾ ٢٦٢ في الآخرة.
٣- ﴿قَولٌ مَعْرُوفٌ﴾: كلام حسن وردّ على السائل جميل، ﴿ومَغْفِرةٌ﴾ له في إلحاحه، (خَيرٌ مِنِ صَدَقةٍ يَتَبَعُها أذَى﴾ بالمنّ وتعبيرٌ له
بالسؤال، ﴿وَاللّهُ غَنِيٌّ﴾ عن صَدَقة العِبادِ، ﴿حَلِيمٌ﴾ ٢٦٣ بتأخير العقوبة عن المانِّ والمؤذي. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، لا تُبطِلُوا صَدَقائِكُمْ﴾ أي:
أُجورَها ﴿بِالمَنِّ والأذَى﴾، إبطالًا ﴿كالَّذِي﴾ أي: كإبطال نفقة الذي ﴿يُنفِقُ مالَه رِئاءَ النَّاسِ﴾ مُرائيًا لهم، ﴿ولا يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ﴾ - وهو
المُنافق - ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾: حجرٍ أملسَ ﴿عَلَيهِ تُرابٌ، فأصابَهُ وابِلٌ﴾: مطر شديد، ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: صُلبّا أملس لا شيء عليه.
﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ - استئناف لبيان مَثَل المُنافق المُنفق رياء. وجُمع الضمير باعتبار معنى ((الذي)) - ﴿عَلَى شَيءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾: عملوا، أي: لا
يجدون له ثوابًا في الآخرة، كما لا يُوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له. ﴿واللهُ لا يَهدِي القَومَ
الكافرِینَ﴾ ٢٦٤.
(١) رب أي: ياربي. وأرني: بَصّرني حقيقة. وتحييهم: تخلق فيهم الحياة. والموتى: جمع ميت. وتؤمن: يعرف قلبك الإيمان اليقيني. وسأله أي: سأل الله
إبراهيمَ. وبما سأل أي: عما سأله عنه. والسامعون أي: الذين كانوا مع إبراهيم. وبلى: حرف جواب معناه إثبات ما بعد النفي المتقدم. والطير: واحده طائر.
وبضمها يريد القراءة ((فصُرْهُنَّ)). واجعل أي: ضع وألقٍ. والجزء: القطعة المنفصلة. وادعهن أي: نادِهن واطلب منهن الحضور. والسعي: الإسراع في
الشيء. والعزيز: الغلاب على مايريد. والحكيم: ذو الحكمة البالغة فيما يريد. و((إلى بعضها)) صوابه كما في الوجيز ((بعضها إلى بعض)). وهذه التفصيلات
مما اضطرب فيه القصاصون اضطرابًا كثيرًا، وليس لِما ذكروه سند علمي موثق، ولاظهور لحكمة المولى، تعالى. البحر ٢٩٩:٢.
(٢) ينفق: يصرف. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من النقد والمتاع والزينة. والسبيل: الطريق الواضح. وطاعته أي: وجوه الخيرات الشاملة للواجب
والمندوب. والحبة: البذرة من القمح وما يشبهه. وأنبت: أخرج. والسنبلة: الجزء من النبات يتكون فيه الحب. ويضاعف: يضيف ويزيد. ويشاء أي: يريد
أن يكرمه. والواسع: الذي لا يُحد غناه ولا نهاية لسلطانه. والعليم: المبالغ في الإحاطة الكاملة. ويُتبعه أي: يُلحِق به. والمن: ذكر النعمة فخرًا. والأذى:
جلب الضرر. ووقوفه عليه أي: اطلاعه على الإنفاق. ونحوه يعني: كالعبوس والدعاء بالشر. وعنده أي: في حكمه وقضائه. والخوف: الفزع مما سيكون.
والحزن: الغم مما كان قبل.
(٣) المعروف: ماحسّنه الشرع والعقل. والمغفرة: العفو والصفح. وخير: أكثر نفعًا للمسؤول والسائل. والصدقة: التطوع ببذل المال وغيره. ويتبع: يلحق
ويلي. والتعبير: الذم والتحقير. والغني: المستغني بذاته يوسّع على من يريد. والحليم: ذو العفو المطلق والصفح عن الذنوب، لا يستخفه عصيان ولا يعجل
بالانتقام. ولاتبطلوا أي: لا تفسدوا وتضيعوا. والرئاء: أن يُري الإنسانُ الناسَ أعماله الصالحة، ليُرُوه الثناء والمدح. ويؤمن به: يصدّق قلبه، فيكون
قوله مطابقًا ليقينه. واليوم: الزمن. والآخر: المتأخر يكون بالبعث بعد الموت. ومَثَله أي: صفته العجيبة في الإنفاق. والصفوان: واحدته صفوانة. وأصابه
أي: نزل عليه. وتركه: جعله. ويقدر عليه: يقوى عليه ويستطيعه. ولا يهدي القوم: انظر آخر الآية ٢٥٨. والكافر: من جحد التوحيد والبعث وأصرّ على
ذلك.

٤٥
الجزء الثالث
٢ - سورة البقرة
١ - ﴿وَمَثَلُ﴾ نفقاتِ ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أموالَهُمُ ابْتِغَاءَ﴾: طلبَ ﴿مَرضاةِ اللهِ، وتَشِيتًا مِن
أنفُسِهِم﴾ أي: تحقيقًا للثواب عليه، بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه لإنكارهم له -
ومِن: ابتدائيّة - ﴿كَمَثَلِ جَنّةٍ﴾: بستانٍ ﴿بِرُبْوةٍ﴾، بضمّ الراء وفتحها: مكانٍ مرتفع
مستو، ﴿أصابَها وابِلٌ فَأَتَتْ﴾: أعطت ﴿أَكُلَها﴾، بضمّ الكاف وسكونها: ثمرَها
﴿ضِعِفَينِ﴾: مِثْلَي ما يُثمر غيرها، ﴿فإنْ لَم يُصِبْها وابِلٌ فطَلِّ﴾: مطر خفيف يُصيبها
ويكفيها لارتفاعها. المعنى: تُثُمر وتزكو، كَثُرَ المطرُ أم قلّ؟ فكذلك نفقات مَن ذُكِرَ
تزكو عند الله، كَثُرَتْ أم قلّت؟ ﴿واللهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢٦٥، فیجازیکم به.
٢- ﴿أَيَوَدُ﴾: أيُحبّ ﴿أحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ﴾: بستان ﴿مِن نَخِيلٍ وأعنابٍ، تَجرِي
مِن تَحتِها الأنهارُ، لَهُ فِيها﴾ ثَمَرٌ ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، و﴾ قد ﴿أصابَهُ الْكِبَرُ﴾ فضَعُفَ من
الكبر عن الكسب، ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءٌ﴾: أولاد صغار لا يقدرون عليه، ﴿فأصابَها
إعصارٌ﴾: ريح شديدة ﴿فِيهِ نارٌ فاحتَرَفَتْ﴾، ففَقَدَها أحوجَ ما كان إليها، وبقي هو
وأولاده عَجَزةً متحيّرين لا حيلة لهم؟ وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمانّ، في ذهابها
وعدم نفعها، أحوجَ ما يكون إليها في الآخرة. والاستفهام بمعنى النفي. وعن ابن
عبّاس: هو لرجل عمل بالطاعات، ثمّ بُعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتّى أحرقَ
أعماله. ﴿كَذْلِكَ﴾: كما بيَّنَ ما ذَكر ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢٦٦
فتعتبرون .
◌ُوَرَةِ الْبُّقَة
الجزء الثَّالِثُ
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ
فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٦) أَيَوَدُ أَحَدُ كُمْ أَنْ تَكُونَ
لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُلَهُ.
فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِيَّةٌ ضُعَفَآءُ
فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ
لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (جـا يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوَ أْ أَنفِقُواْ مِنْ طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ وَمِمَآ أَخْرَجْنَا
لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم
◌َِاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ وَأَعْلَمُوَ أْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ
ج الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ
وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
٦٨
يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرَاً وَمَا يَذَّكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
a
٣- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، أنفِقُوا﴾ أي: زكّوا ﴿مِن طَيِّباتِ﴾: حِيادٍ ﴿مَا كَسَبتُمَ﴾ من المالِ، ﴿وَمِنَّهِن طيّبات ﴿مّا أخرَجْنا لَكُم مِنَ الأرضِ﴾
من الحُبوب والثِّمار، ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾: تقصِدوا ﴿الخَبِيثَ﴾: الرديء ﴿مِنْهُ﴾ أي: من المذكورِ، ﴿تُنفِقُونَ﴾ـه في الزكاة: حال من ضَمير
(تَيَمَّموا))، ﴿وَلَستُم بِآَخِذِيهِ﴾ أي: الخبيثِ، لو أُعطِيتُموه في حقوقكم، ﴿إِلّا أنْ تُغِضُوا فِيهِ﴾ بالتساهل وغضّ البصر، فكيف تؤدّون منه حقَّ الله؟
﴿وَاعلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَنِيٍّ﴾ عن نفقاتكم، ﴿حَمِيدٌ﴾ ٢٦٧: محمود على كلّ حال. ﴿الشَّيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقرَ﴾ يُخوّفكم به إن تصدّقتم فتمسكوا،
﴿ويأمُرُكُم بِالفَحشاءِ﴾: البُخل ومنع الزكاة، ﴿واللهُ يَعِدُكُمْ﴾ على الإنفاق ﴿مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لذنوبكم، ﴿وَفَضلًا﴾: رزقا خَلَفًا منه. ﴿واللهُ واسِعٌ﴾
فضله، (﴿عَلِيمٌ﴾ ٢٦٨ بالمُنفَق، ﴿يُؤْتِيِ الحِكْمَةَ﴾ أي: العلمَ النافع المُؤدّي إلى العمل ﴿مَن يَشاءُ. ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾،
لمصيره إلى السعادة الأبديَّة. ﴿وما يَذْكَّرُ﴾، فيه إدغام التاء في الأصل في الذال: يتّعظُ ﴿إِلّ أُولُو الألبابِ﴾ ٢٦٩: أصحابُ العقول.
(١) المرضاة: الرضوان. والنفس أي: القلب والضمير. وابتدائية: يعني أن ((مِن)): لابتداء الغاية المكانية. والمراد: تثبيتًا حاصلًا من أنفسهم لا من جهة
أُخرى. وبفتحها يريد القراءة ((بِرَبْوةٍ)). وبسكونها يريد القراءة ((أَكْلَها)). والأكل: مايؤكل من النتاج. ويصيبها: ينزل عليها. وتزكو: يزداد محصولها. وتعملون
أي: تكسبونه وتتحملونه من نية أو قول أو فعل. والبصير: المدرك للأحداث باطنًا وظاهرًا.
(٢) النخيل: جمع نخل. وهو واحدته نخلة. وهي شجرة البلح والتمر. والأعناب: جمع عنب. والعنب واحدته عنبة. والمراد جميع أنواع الثمار بدليل ما
يلي في الآية. وتجري: تسيل بسرعة. ومن تحتها أي: من تحت أشجارها. والأنهار: جمع نهر. والنهر: الماء العذب الجاري. وأصابه: حلّ به. والكبر:
الشيخوخة. والضعفاء: جمع ضعيف. وعليه أي: على الكسب. وريح شديدة أي: تستدير على نفسها متلوّية، مع أصوات رهيبة، وترتفع كالعمود إلى السماء.
ويقال لها زَوبعة. واحترقت أي: تدمرت الجنة بالنار وهلك مافيها. والعجزة: جمع عاجز. والنفي يعني أن ما ذكر لا يوده أحدهم ولا يرضاه. و((هو)) أي:
التمثيل بما مضى. وكذلك أي: مِثلَ ذلك. ويُبين أي: يوضح توضيحًا كاملًا. فهو لم يكلفكم إلّا بعد التبيين. وما ذكر أي: من أمر النفقة المقبولة والباطلة.
والآيات: العلامات التي يوصل بها إلى اتباع الحق. ولعلكم تتفكرون أي: ليرجى لكم أن تُعملوا أفكاركم فيما يفنى من الدنيا، وفيما هو باق لكم في
الآخرة.
(٣) زكّوا أي: أدُّوا زكاة أموالكم. والطيبات: جمع طيب. وجياد أي: وحلال أيضًا. والجياد: جمع جيّد. وكسب: حصّل وجمع. والمال: مايملكه
الإنسان من النقد والتجارة والمواشي. وأخرج: أظهر وأنبت. وتيمموا: تتيمموا. والآخذ: المتقبّل. وتؤدّون: تدفعون وتنفقون. واعلموا أي: دوموا على
العلم. والغني: المستغني بذاته عما سواه. والحميد: المستحق للثناء دائمًا. والشيطان: من يوسوس بالشر من الجن والإنس. ويعدكم: يخبركم. والفقر: قلة
المال والحاجةُ إلى الآخرين. وتمسكوا أي: تبخلوا. وفيه حذف النون دون سبب واضح، وهو جائز. انظر ((المفصل)) وشواهد التوضيح والتصحيح ص ١٧٠ -
١٧٣. وفي تفسير ابن كثير: ((لتمسكوا)). ويأمر: يُلزِم ويكلف. والفحشاء: المعصية الشنيعة. ويعد: يتعهد وييسر. والمغفرة: الستر وعدم المؤاخذة. ومنه
أي: من عنده وبأمره. والفضل: التفضل بالنعم. والخلّف: التعويض. ويؤتي: يعطي. والخير: مافيه منافع الدنيا والآخرة. والألباب: جمع لب. والعقول
أي: السليمة الخالصة من متابعة الهوى.

٢ - سورة البقرة
٤٦
الجزء الثالث
سُِّوْرَةِ الْبُقَدَة
الجزء الثَّالِفُ
وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْنَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (٣) إِن تُبْدُواْ
الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّاهِيِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ
فَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَيَّاتِكُمُّ
وَاَللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿ ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَنُهُمْ
◌ٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءٌ وَمَا تُنفِقُواْمِنْخَيْرٍ
فَلِأَ نْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ
وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ
لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ واْفِى سَبِيلِ اللَّهِ
لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ
اُلْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَقُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ
لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيهُ لَّ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم
◌ِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
(٢٧٤)
إِرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ
١- ﴿وما أنفَقْتُم مِن نَفَقَةٍ﴾: أدَّيتم من زكاة أو صدقة، ﴿أو نَذَرتُم مِن نَذرٍ﴾ فوغَیتم به،
﴿فإنَّ اللهَ يَعلَمُهُ﴾ فيجازيكم عليه. ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ بمنع الزكاة والنذر، أو بوضع
الإنفاق في غير محلّه من معاصي الله، ﴿مِن أنصارٍ﴾ ٢٧٠: مانعين لهم من عذابه.
﴿إِنْ تُبُدُوا﴾: تُظهروا ﴿الصَّدَقاتِ﴾ أي: النوافلَ ﴿فَنِعِمَا هِيَ﴾ أي: نِعْمَ شيئًا
إبداؤها! ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾: تُسِرّوها ﴿وَتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُم﴾ من
الْخِزْب
٥
إبدائها وإيتائها الأغنياءَ - أمّا صدقة الفرض فالأفضل إظهارها، ليُقْتَدَى به
ولئلا يُتَّهَمَ، وإيتاؤها الفقراءَ مُتَعيِّن - ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ - بالياء، وبالنون مجزومًا
بالعطف على محلّ ((فهو))، ومرفوعًا على الاستئناف - ﴿عَنكُم مِن﴾ بعضِ
﴿سَيِّئَاتِكُم. واللهُ بِما تَعمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢٧١: عالم بباطنه كظاهره، لا يخفى عليه شيء
منه .
٢- ولمّا مَنَعَ رسولُ اللهِ وَلَّ من التصدّق على المشركين ليُسلِمُوا نزل: ﴿لَيسَ عَلَيكَ
هُداهُم﴾ أي: الناسِ إلى الدخول في الإِسلام، إنّما عليك البلاغ - ﴿ولكِنَّ اللهَ يَهدِي
مَن يَشاءُ﴾ هدايتَه إلى الدخول فيه - ﴿وما تُنفِقُوا مِن خَيرٍ﴾: مال ﴿فِلِأَنفُسِكُم﴾، لأنّ
ثوابه لَها، ﴿وما تُنفِقُونَ إلّا ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ﴾ أي: ثوابِهِ لا غيرِه من أعراض الدنيا،
خبرٌ بمعنى النهي، ﴿وما تُنفِقُوا مِن خَيرٍ يُوَفَّ إلَيْكُم﴾ جزاؤه، ﴿وأنْتُم لا
تُظْلَمُونَ﴾ ٢٧٢: تُنقَصون منه شيئًا. والجملتان تأكيد للأولى.
٣- ﴿لِلِفُقَراءِ﴾: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: الصدقاتُ لهم، ﴿الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلٍ
اللهِ﴾ أي: حَبَسوا أنفُسَهم على الجهاد - نزلتْ في أهل الصُّفّة، وهم أربعُمِائَة من
المهاجرين، أرصَدوا لتعلّم القرآن والخروج مع السرايا - ﴿لا يَستَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾: سَفَرًا ﴿في الأرضِ﴾، للتجارة والمعاش لشُغلهم عنه بالجهاد،
﴿يَحْسِبُهُمُ الجاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أغنياءَ، مِنَ التَّعَفَّفِ﴾ أي: لتعفّفِهم عن السؤال وتركِه، ﴿تَعرِفُهُم﴾ - يا مُخاطَبًا - ﴿بِسِيماهُم﴾: علامتِهم من
التواضع وأثر الجَهد، ﴿لا يَسألُونَ النّاسَ﴾ شيئًا فيُلحفون ﴿إلحافًا﴾ أي: لا سؤالَ لهم أصلًا، فلا يقع منهم إلحاف. وهو الإلحاح. ﴿ وما تُنفِقُوا
مِن خَيرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ٢٧٣، فمُجازٍ عليه. ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُم بِاللَّيلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهُم أجرُهُم عِندَ رَبِّهِم، ولا خَوفٌ عَلَيهِم، ولا
هُم يَحْزَنُونَ﴾ ٢٧٤ .
(١) النفقة: ما يصرف من المال في خير أو شر. فالحكم شامل، وتخصيصه بالزكاة والصدقة قول بعض المفسرين. والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه
تطوعًا، لحدوث أمر مرغوب فيه أو دفع مكروه. ويعلمه: يحصيه ويحفظه للحساب. وهذا سبب للمجازاة، وفي إيراده إيجاز بديع. وكان ضمير المفعول مفردًا
لأن العطف بـ ((أو)) التي هي لأحد الشيئين. والظالم: من يضع الشيء في غير موضعه. والأنصار: جمع نصير. والنوافل: صدقات التطوع، مفردها نافلة.
ونعما: مركبة من («نِعِمَ)) و((ما)). ونعم أي: بلغ الغاية في الخير والفضل والنعيم. وإبداؤها: إظهارها للناس. وتسرّوها أي: تدفعوها سرًا. وتؤتوها أي:
تعطوها وتسلموها. والفقراء: جمع فقير. وهو المحتاج. و((هو)) أي: إخفاؤها. وخير: أكثر نفعًا في الدنيا والآخرة. والفرض: الزكاة. ويقتدى به أي: بمن
أظهر صدقة الفرض. ويكفّر: يستر ويغفر. وبالنون يريد القراءة ((نُكَفّر)). ومحل فهو: يعني محل جزم جواب الشرط. والسيئة: ما قبحّه الشرع من الأعمال.
وتعملون أي: تكتسبونه من نية أو قول أو فعل.
(٢) التصدق: أداء صدقة التطوع. والمشركون: غير المسلمين. والهدى: التوفيق في الاسترشاد. والبلاغ: الإرشاد والحثُّ على المحاسن والنهيُ عن
المقابح. ويهديه: يصرف اختياره ويوجّه قدراته إلى ما يناسب استعداده الحسن. ويشاء: يريد ويقضي. والخير: مافيه نفع الدنيا والآخرة. والمال أصله أن
يكون كذلك. ولأنفسكم أي: ثوابه لكم. ونفس الإنسان: حقيقته وذاته. والابتغاء: الطلب والقصد. و((ثوابه)) تأويل لـ ((وجه الله)) لا تفسير. والأولى أن يكون
بالتفسير اللغوي، فوجه الله صفة من صفاته كما يليق بجلاله وعظمته، من دون تكييف أو تمثيل أو تقريب أو تعيين أو تعطيل. والأعراض: جمع عَرَض. وهو
ما يحصل ويزول. وفي النسختين وبعض المطبوعات: ((أغراض)). ويوف: يوفر لكم ويؤدَّ كاملًا.
(٣) الفقراء: جمع فقير. وهو الذي لا يملك ما يسد حاجته. وخبر: يعني أن الجار والمجرور ((للفقراء)): متعلقان بالخبر المحذوف لمبتدأ تقديره: هي، أي:
الصدقات المذكورة في الآية ٢٧١. وسبيل الله: ما شرعه من العلم والجهاد لإعلاء دينه ونصرته. والصُّفّة: مكان مظلل في مؤخرة مسجد المدينة المنورة.
وأرصدوا أي: حبسوا أنفسهم. والسرايا: جمع سريّة. وهي الجيش يبعث به النبي ◌َّ لحرب المعتدي من الكافرين أو لردعه. ويستطيعه: يقدر عليه ويتمكن
منه. والضرب: وقع الأقدام، أي: الضرب بالأرجل للتصرف والعمل. ويحسبهم أي: يظنهم. والجاهل: غير المطلع بالمعرفة. والأغنياء: جمع غني.
وهو المكتفي بماله لا يحتاج إلى عون. والتعفف: الامتناع بتكلف عما لا يحل أو لا يجمل. وتعرفهم: تدرك ماهم فيه من الحاجة. والخطاب لكل سامع أو
قارئ. والعلامة: الأثر الظاهر. والجهد: المشقة. ويسأل: يطلب العون والصدقة. والخير: المال. والأموال: جمع مال. وبالليل والنهار أي: في كل وقت
بحسب ما يجب. والسر: الكتمان عن الآخَرين. والعلانية: الإظهار للناس. والأجر: الثواب. وعنده أي: في حكمه وقضائه. والخوف: الفزع مما سيكون.
والحزن: الغم الشديد مما كان.

الجزء الثالث
٤٧
٢ - سورة البقرة
١- ﴿الَّذِينَ يأكُلُونَ الرِّبا﴾ أي: يأخذونه - وهو الزيادة في المُعاملة بالنقود
والمطعومات في القَدْر أو الأجل - ﴿لا يَقُومُونَ﴾ من قبورهم ﴿إِلّ﴾ قِيامًا ﴿كَما
يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ﴾: يَصرَعه ﴿الشَّيطانُ، مِنَ المَسِّ﴾ الجنون بهم، متعلّق بـ
(يقومون)). ﴿ذلِكَ﴾ الّذي نزل بهم ﴿بِأَنَّهُم﴾: بسبب أنّهم ﴿قالُوا: إنَّما البَيعُ مِثلُ
الرِّبا﴾ في الجواز. وهذا من عكس التشبيه مُبالغةً. فقال تعالى ردًّا عليهم: ﴿وأحَلَّ
اللهُ البَيعَ وحَرَّمَ الرِّبا. فمَن جاءَهُ﴾: بَلغَه ﴿مَوعِظٌ﴾: وعظٌ ﴿مِن رَبِّهِ، فانتَهَى﴾ عن
أكله، ﴿فِلَهُ مَا سَلَفَ﴾ قبلَ النهي أي لا يُستردّ منه، ﴿وأمرُهُ﴾ في العفو عنه ﴿إِلَى
اللهِ، ومَن عادَ﴾ إلى أكله مُشبِّهَا له بالبيع في الحِلّ ﴿فَأُولَئِكَ أصحابُ النّارِ، هُم فِيها
خالِدُونَ﴾ ٢٧٥ .
٢ - ﴿يَمِحَقُ اللهُ الرِّبا﴾: يُنقِصِه ويُذهب بركتَه، ﴿ويُربِي الصَّدَقاتِ﴾: يَزِيدها ويُنمّيها
ويُضاعف ثوابها، ﴿واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ بتحليل الربا، (أثيم﴾ ٢٧٦ : فاجر بأكله
أي: يُعاقبه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ، وأقامُوا الصَّلَاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ، لَهُم
أجرُهُم عِندَ رَبِّهِم، ولا خَوفٌ علَيهِم ولا هُم يَحَزَنُونَ﴾ ٢٧٧ .
٣- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا﴾: اتركوا ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، إنْ كُنتُم
مُؤمِنِينَ﴾ ٢٧٨: صادقين في إيمانكم. فإنّ من شأن المؤمن امتثالَ أمر الله - نزلتْ لمّا
طالب بعض الصحابة، بعد النهي، بِرِبًا كان له قبلُ - ﴿فإنْ لَم تَفعَلُوا﴾ ما أُمرتم
به ﴿فَائِذَنُوا﴾: اعلَموا ﴿بِحَربٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لكم - فيه تهديد شديد لهم. ولمّا
نزلتْ قالوا: لا يَدَيْ لنا بحربه - ﴿وإنْ تُبْتُم﴾: رجعتم عنه ﴿فَلَكُم رُؤُوسُ﴾: أصولُ ﴿أَمْوالِكُم، لا تَظْلِمُونَ﴾ بزيادة، ﴿ولا تُظلَمُونَ﴾ ٢٧٩
بنقص .
٤- ﴿وإنْ كانَ﴾: وقعَ غريم ﴿ذُو عُسْرةٍ فَنَظِرةٌ﴾ له أي: عليكم تأخيرُه ﴿إِلَى مَيسَرةٍ﴾، بفتح السين وضمّها، أي: وقتٍ يُسرِهِ، ﴿وأنْ تَصَّدَّقُوا﴾ -
بالتشديد على إدغام التاء في الأصل في الصاد، وبالتخفيف على حذفها - أي: تتصدّقوا على المُعسر بالإبراء ﴿خَيْرٌ لَكُم، إنْ كُنتُم تَعلَمُونَ﴾ ٢٨٠
أنّه خير فافعلوه. في الحديث ((مَن أنظَرَ مُعسِرًا أو وَضَعَ عَنْهُ أظَلَّهُ اللهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ)) رواه مسلم. ﴿واتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ﴾ بالبناء
(١) المطعومات أي: وغيرها مما يصلح للمراباة. والقَدْر: ربا الفضل، أي: بيع الشيء بمثله مع زيادة للبائع. والأجل: ربا النسيئة أي التأجيل. وهو الزيادة
المشروطة، يأخذها الدائن من المدين مقابل التأجيل. ويقومون: ينهضون بالبعث. وفي البيضاوي أن ((يتخبطه الشيطان)) وارد بناء على مايزعمه الجاهلون، من
أن الشيطان يخبط الإنسان فيُصرع ... والمس: الجنون. وهذا أيضًا من زعماتهم أن الجنّيّ يمسه فيختلط عقله. والبيع: إعطاء ما له ثمن وأخذ ثمنه، ويكون
فيه ربح أو خسارة أو مماثلة. وأحلّه: جعله مباحًا وفيه خير. وحرّمه: منعه وجعل له عقابًا. والوعظ: الترهيب والتذكير بالعواقب. ومن ربه أي: من عنده
بوحي أو بسُنّة. وانتهى: اتعظ واستجاب للنهي عن أخذ الربا. وسلف: حصل ومضى. وأمره أي: شأنه في الحساب والجزاء. وإلى الله أي: إلى حكمه
وفضله. وعاد: رجع مخالفًا الموعظة ولم يمتنع. والصاحب: الملازم للشيء لا يفارقه. والخالد: المقيم أبدًا.
(٢) الصدقة: ما يؤدّى إلى الغير تقربًا إلى الله. ولا يحبه أي: يكرهه فلا يريد له الخير ويعاقبه. والكفّار: الكثير الكفر مصرًّا على تحليل المحرمات. فليتق الله
من يحللون بفتاوى باطلة بعض أنواع الربا أو تسلمها. والصالح: ما يرضاه الشرع. وأقاموها: أدَّوها بواجباتها وأركانها وآدابها. وآتوها: دفعوها إلى
مستحقيها. والأجر: المكافأة.
(٣) اتقوه: تجنبوا غضبه واطلبوا رضاه. وما بقي أي: بقايا ما شرطتم. والإيمان: التصديق اليقيني. والامتثال: الاستجابة والطاعة. ونزلت أي: هاتان
الآيتان. وبهذا صار الربا محرمًا تحريمًا قطعيًا، ملعونًا آكلُه ومؤكلُه. فمن يحلل شيئًا من ذلك يعرض المسلمين لحرب الله. وتفعلوا أي: تنفّذوا. وبه أي:
بتقوى الله وترك الربا. والحرب: المحاربة والمخاصمة. ومن الله أي: من عنده بوقوع قتال وفتن في الدنيا، لأنكم كالمرتدين. ولا يدي لنا أي: لا قدرة لنا
على محاربة الله. وعنه أي: عن أكل الربا. ورأس الشيء: أصله. والأموال: جمع مال. وهو مايملك من النقد وغيره. وتَظلم: تعتدي. وبزيادة أي: بأخذها
من المدين. وتُظلَّم: يُعتدى عليك.
(٤) وقع أي: حصل. والغريم: الذي عليه الدين. وذو العسرة: صاحبها وملازمها. والعسرة: عدم القدرة لفقد المال. والنظرة: الصبر. وتصّدّقوا: تتصدّقوا،
أي: تتكرموا وتتفضلوا. وبحذفها يريد القراءة ((تَصَدَّقُوا)). والإبراء: الإعفاء من بعض الدين أو كله. وخير أي: أفضل من التأخير. وتعلم: تدرك وتعي.
وافعلوه أي: تصدقوا بالإبراء. ووضع عنه أي: أعفاه وأبرأ ذمته مما عليه. والظل: ظل العرش. و((مسلم): من تفسير ابن كثير ١: ٣١٤، حيث نُص على أن
الحديث مما أخرجه الإمام أحمد. وانظر الحديث ٣٠٠٦ في مسلم. واتقوه أي: تجنبوا أهواله. واليوم: الوقت. وللمفعول أي: للمجهول. وللفاعل يريد
القراءة («تَرجِعُونَ)). وإلى الله أي: إلى لقاء حسابه وجزائه. وتوفى: تعطى بالكمال. ولا يظلمون أي: لا يجار عليهم بالحساب أو الجزاء.
سُوْرَةِ الْبَقَدَّة
الجزء الثالث
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْلَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى
يَتَخَبَّطُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْإِنَّمَا الْبَيْعُ
مِثْلُ الْرِّبَؤْ وَأَحَلَّ اللَّهُالْبَيْعَ وَحَتَّمَ الْرِبَوْ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ
مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْنَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ
فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿ يَمْحَقُ
﴿اللَّهُ الرِّبَواْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتِّ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلْ كَفَّارِ أَثِير ◌َ
إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ
﴿وَذَرُ واْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَوْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ
◌ِفَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٣) وَإِنْ كَانَ
ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّ قُواْخَيْرٌلَكُمٌ
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى
◌ِاللَّهِثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (هـ

٢ - سورة البقرة
٤٨
الجزء الثالث
◌ُسِوَدَةِ الْبُقَدَّة
الجزء الثَّالِفُ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى
فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ حِكَاتِبٌ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ
كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلٍ
الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً
فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ
أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ
مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَارَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ
مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَنُهُمَا فَتُذَكِّرَ
إِحْدَ مُهُمَا الْأُخْرَىِّ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَادُعُواْ وَلَا تَسْتَمُواْ
أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِّهِ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ
عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلََّ تَرْتَابُوَاْ إِلَّ أَن تَكُونَ
تِجَرَةَّ حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ
أَلَّا تَكْثُبُوهَا وَأَشْهِدُوَ أْ إِذَا تَبَايَعْتُمَّ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ
وَلَا شَهِيَةٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌيَا
للمفعولِ: تُردّون، وللفاعلِ: تَصيرون ﴿فِيهِ إلَى اللهِ﴾ هو يوم القيامة، ﴿ثُمَّ تُوَفَى﴾ فيه
﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ جزاءَ ﴿مَا كَسَبَتْ﴾: عملت من خير وشرّ، ﴿وَهُم لا يُظلَّمُونَ﴾ ٢٨١
بنقصِ حسنة أو زيادةٍ سيّئة.
١- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، إذا تَدايَنتُم﴾: تعاملتم ﴿بِدَينِ﴾ كسَلَم وقَرْضٍ، ﴿إِلَى أَجَلِ
مُسَمِّى﴾: معلوم، ﴿فاكتُبُوهُ﴾ استيثاقًا ودفعًا للنزاع، ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ كِتَابَ الدَّين ﴿بَينَكُمْ
كاتِبٌ بِالعَدلِ﴾: بالحقّ في كتابته، لا يزيد في المال والأجل ولا يَنقُص، ﴿ولا
يأبَ﴾: يمتنع ﴿كاتِبٌ﴾ من ﴿أَنْ يَكتُبَ﴾ إذا دُعي إليها، ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ﴾ أي: فضّله
بالكتابة فلا يبخل بها - والكاف: متعلقة بـ(يأب)) - ﴿فَلْيَكتُبْ﴾ تأكيد، ﴿وَلْيُملِلِ﴾:
يُمِلَّ الكاتبَ ﴿الَّذِي عَلَيهِ الحَقُّ﴾: الدَّينُ لأنه المشهود عليه فيُقِرّ ليُعلَم ما عليه،
﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ في إملائه، ﴿ولا يَبِخَسْ﴾: يُنقِصْ ﴿مِنْهُ﴾ أي: الحقِّ ﴿شَيئًا، فإنْ
كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾: مُبذّرًا، ﴿أو ضَعِيفًا﴾ عن الإملاء لصِغَر أو كِبَر، ﴿أو
لا يَستَطِيعُ أن يُمِلَّ هُوَ﴾ لخَرَس أو جهل باللغة أو نحو ذلك، ﴿فَلْيُمِلِلْ وَلِيُّهُ﴾: متولّي
أمره، من والد ووصيّ وقيِّم ومترجم ﴿بِالعَدلِ﴾.
٢- ﴿وَاسْتَشهِدُوا﴾: أشهِدوا على الدَّين ﴿شَهِيدَينِ﴾: شاهدين، ﴿مِن رِجالِكُم)
أي: بالِغِي المسلمين الأحرار، ﴿فَإِنْ لَم يَكُونا﴾ أي: الشاهدان ﴿رَجُلَينِ فَرَجُلٌ
وامرأتانٍ﴾ يشهدون، ﴿مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ لدِينه وعدالته، وتعدّدُ النساء لأجل
﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ تَنسى ﴿إِحداهُما﴾ الشهادةَ لنقص عقلِهِنّ وضبطهنّ ﴿فَتُذْكِرَ﴾ - بالتخفيف
والتشديد - ﴿إحداهما﴾ الذاكرةُ ﴿الأُخرَى﴾ الناسيةَ - وجملة الإِذكار محلُّ العِلّة، أي: لِتُذكِرَ أن ضلّت. ودخلت على الضلال لأنّه سببه. وفي
قراءة بكسر ((إنْ)) شرطيّةً ورفع ((تُذَكِّرُ)) استئنافٌ جوابُه - ﴿ولا يأَبَ الشُّهَداءُ، إذا ما﴾: زائدة ﴿دُعُوا﴾ إلى تحمّل الشهادة وأدائها .
٣- ﴿ولا تَسأمُوا﴾: تَمَلَّوا من ﴿أَنْ تَكتُبُوهُ﴾ أي: ما شهدتم عليه من الحقّ لكثرة وقوع ذلك، ﴿صَغِيرًا﴾ كان ﴿أو كَبِيرًا﴾: قليلًا أو كثيرًا، ﴿إِلَى
أجَلِهِ﴾: وقتِ حلوله. حال من الهاء في ((تكتبوه)). ﴿ذلِكُم﴾ أي: الكتبُ ﴿أقسَطُ﴾: أعدلُ ﴿عِندَ اللهِ، وأقوَمُ لِلشَّهادةِ﴾ أي: أعوَنُ على إقامتها
لأنّه يَذكرها، ﴿وأدنَى﴾: أقربُ إلى ﴿ألّا تَرتابُوا﴾: تشكّوا في قَدْر الحقّ والأجل.
٤ - ﴿إِلّ أنْ تَكُونَ﴾: تقعَ ﴿تِجارةٌ حاضِرةٌ﴾ - وفي قراءة بالنصب، فـ«تكونَ)) ناقصةٌ واسمها ضمير التجارة - ﴿تُدِيرُونَها بَينَكُم﴾ أي: تقبضونها،
ولا أجلَ فيها، ﴿فَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ في ﴿ألّا تَكتُّبُوها﴾. والمراد بها المُتَّجَرُ فيه. ﴿وأشهِدُوا إذا تَبَايَعتُم﴾ عليه - فإنه أدفع للاختلاف. وهذا
وما قبله أمرُ ندبٍ - ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ صاحبَ الحقّ ومَن عليه، بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة، أو لا يَضُرَّهما صاحبُ
الحقّ بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة. ﴿وإنْ تَفْعَلُوا﴾ ما نُهِيتم عنه ﴿فإنَّهُ فُسُوقٌ﴾: خروجُ عن الطاعة لاحِقٌ ﴿بِكُم، واتَّقُوا اللهَ﴾ في أمره
ونهيه. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ مَصالِحِ أُموركم - حال مقدَّرة أو مستأنف - ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢٨٢ .
(١) السلم: بيع شيء يُسلَّم آجلاً بثمن يُقبض عاجلًا. والقرض: ما تعطيه غيرك من المال على أن يرده إليك بعد زمن. والأجل: آخر وقت الشيء. واكتبوه
أي: سجلوه في عقد موثق. وكاتب أي: إنسان متقن للكتابة. وإليها أي: إلى الكتابة. ويملل أي: يُسمِع المدينُ الكاتبَ الألفاظَ. والحق: الدين المذكور
قبل. والضعيف: العاجز. ويستطيعه أي: يقدر عليه. والعدل: الصدق والحق.
(٢) الشهيد: الشاهد يقر صادقًا بما يعلم عند الحاجة. والبالغ: من بلغ سن الرشد. والأحرار: جمع حُرّ، أي: ليس مملوكًا. وترضون أي: تقبلون شهادته.
والشهداء: جمع شهيد. وتعدد النساء أي: كونهن اثنتين مع رجل واحد. وإحداهما أي: الواحدة منهما. وتذكرها: تجعلها تستحضر ما نسيته. وبالتشدید یرید
القراءة ((فتُذَكِّرَ)). والأُخرى: الثانية. ومحل العلة: يعني أن الغاية من تعدد النساء في الشهادة أن تذكر إحداهما الأخرى حين تضلّ، لا أن تضل فتذكرها.
والقراءة المذكورة هنا: ((إنْ تَضِلَّ إحداهما فتُذَكِّرُ)). ويأبى: يرفض ويمتنع. وزائدة: يعني أن ((ما)): حرف زائد معناه توكيد الإضافة.
(٣) ما شهدتم: يعني أن الخطاب للشهداء. والراجح أنه للمتعاملين بالدَّين، وهم المخاطبون في أول الآية. والكتب: المصدر المؤول من ((أن تكتبوه)). وعند
الله أي: في حكمه وعلمه. ويذكرها أي: ينص عليها .
(٤) التجارة: مايكون في معاملة البيع والشراء. والحاضرة: الحاصلة في مكان التبايع وزمانه. وبالنصب يريد ((تجارةً حاضِرةً)). والأجل: التأجيل في تسليم
المبيع أو الثمن. والجناح: الذنب. وبها أي: بالتجارة أوالمبايعة. وعليه أي: على التبايع. وما قبله يعني: ما في الآية من الأحكام. والندب: مافيه إرشاد
إلى مصالح الدنيا وثواب الآخرة. و(مانهيتم عنه)) صوابه قول ابن كثير في ٣١٨:١: ((خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم مانُهيتم عنه)). ويعلمكم: يبيّن ويوضح لكم.
ومستأنف أي: اعتراض. وهو الصواب.

الجزء الثالث
٤٩
٢ - سورة البقرة
١- ﴿وإنْ كُنْتُم عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين وتداينتم، ﴿وَلَم تَجِدُوا كاتِبًا،
فرُهُنَّ﴾ - وفي قراءة ((فرِهانٌ)) جمع رَهْن - ﴿مَقْبُوضةٌ﴾ تستوثقون بها . وبيّنَتِ
ثلاثة أرباع
الحرب
۵
السُّنَّةُ جوازَ الرَّهن في الحضرِ ووجودِ الكاتب. فالتقييد بما ذُكِر لأنّ التوثّق فيه
أشدّ. وأفاد قوله ((مقبوضةٌ)) اشتراطَ القبض في الرهن، والاكتفاءَ به من المُرتِهِن
ووكيله. ﴿فإنْ أَمِنَ بَعضُكُم بَعضًا﴾ أي: الدائنُ المَدينَ على حقّه، فلم يَرتِهِن، ﴿فَلْيُؤَّدِّ
الَّذِي اْتُمِنَ﴾ أي: المَدينُ ﴿أمانتَهُ﴾: دَينَه، ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ في أدائه، ﴿ولا تَكْتُمُوا
الشَّهادةَ﴾، إذا دُعيتم لإقامتها. ﴿ومَن يَكْتُمْها فإنَّهُ آئِمٌ قَلْبُهُ﴾. خُصّ بالذكرِ لأنّه محلّ
الشهادة، وأنّه إذا أَثِم تبعه غيره، فيُعاقَب عليه مُعاقبةَ الآثمينَ. ﴿واللهُ بِما تَعمَلُونَ
عَلِيمٌ﴾ ٢٨٣، لا يخفى عليه شيء منه.
٢ - ﴿لِ ما فِي السَّماواتِ وما في الأرضِ، وإنْ تُبُدُوا﴾: تُظهِروا ﴿ما في أنفُسِكُم﴾ من
السُّوءِ والعزمِ عليه، ﴿أو تُخفُوهُ﴾: تُسِرّوه، ﴿يُحاسِبْكُم﴾: يُخبِرْكم ﴿بِهِ اللهُ﴾ يوم
القيامة، ﴿فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ﴾ المغفرَةَ له، ﴿ويُعذِّبْ مَن يَشاءُ﴾ تعذيبَه. والفعلانِ بالجزمِ
عطفًا على جواب الشرط، والرفعِ أي: فهو. ﴿واللهُ علَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢٨٤، ومنهَ
محاسبتكم وجزاؤكم. ﴿آمَنَ﴾: صَدَّقَ ﴿الرَّسُولُ﴾ محمّد ﴿بِما أُنزِلَ إِلَيهِ مِنَ رَبِّهِ﴾ من
القرآن، ﴿والمُؤمِنُونَ﴾: عطف عليه، ﴿كُلِّ﴾ تنوينه عوض من المضاف إليه ﴿آمَنَ بِاللهِ
ومَلائكتِهِ وكُتُبِهِ﴾ - بالجمع والإِفراد - ﴿وَرُسُلِهِ﴾، يقولون: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن
رُسُلِهِ﴾، فنؤمنَ ببعض ونكفرَ ببعض كما فعل اليهود والنصارى. ﴿وقالُوا: سَمِعْنا﴾
أي: ما أُمِرنا به سماعَ قَبول ﴿وَأَطَعْنا﴾. نسألك ﴿غُفرانَكَ - رَبَّنا - وإلَيكَ المَصِيرُ﴾ ٢٨٥ : المرجعُ بالبعث.
سُورَةِ التَّقَة
الجزء الثالث
﴿ وَإِنَ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدّالَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ، وَلْيَتَّقِ
اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةً وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ:
ءَائِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٣) لِلَّمَا فِى السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ (٨١َ ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ
إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَئِكَتِهِ، وَكُهِ،
وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٨٥) لَا يُكَلِّفُ
﴿اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْْ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَا أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ
عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَاَطَاقَةَ لَنَابِهِ، وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَأَ
(٢٨٦)
﴿أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اُلْكَفِرِينَ
٣- ولمّا نزلت الآية قبلَها شكا المؤمنون من الوسوسة، وشقَّ عليهم المحاسبةُ بها، فنزل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أي ما تَسَعُه قُدرتُها .
﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من الخير أي: ثوابُه، ﴿وَعَلَيها ما اكتَسَبَتْ﴾ من الشرّ أي: وِزرُه. ولا يُؤْاخَذُ أحد بذنب أحد، ولا بما لم يكسِبه ممّا وسوستْ
به نفسُه. قولوا: ﴿رَبَّنا، لا تُؤَاخِذْنا﴾ بالعِقاب، ﴿إِنْ نَسِينا أو أخطأُنا﴾: تركنا الصواب لا عن عمد، كما آخذتَ به مَن قبلنا. وقد رَفع الله ذلك
عن هذه الأُمّة، كما ورد في الحديث - فسؤاله اعتراف بنعمة الله - ﴿رَبَّنَا، ولا تَحمِلْ عَلَينا إِصْرًا﴾: أمرًا يثقُل علينا حَمَلُه، ﴿كَما حَمَلتَهُ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبلِنا﴾ أي: بني إسرائيل، من قتلِ النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرضٍ موضع النجاسة، ﴿رَبَّنا، ولا تُحَمِّلْنا ما لا
طاقةَ﴾: قوّةً ﴿لَنَا بِهِ﴾ من التكاليف والبلاء، ﴿واغْفُ عَنّا﴾: امحُ ذُنوبنا، ﴿واغفِرْ لَنا وارحَمْنا﴾. في الرحمة زيادة على المغفرة. ﴿أنتَ
مَولانا﴾: سيّدنا ومتولّي أمورنا. ﴿فانصُرْنا عَلَى القَومِ الكافِرِينَ﴾ ٢٨٦ بإقامةِ الحُجّة والغَلَبَةِ في قتالهم. فإنّ مِن شأن المولى أن ينصر مَوالِيَه على
الأعداء. وفي الحديث ((لمّا نَزَلتْ هذهِ الآيَةُ فَقَرأهاَ نَّهِ قِيلَ له عَقِبَ كُلِّ كَلَمَةٍ: قَدْ فَعَلتُ)).
(١) السفر: الرحلة والتنقل خارج الموطن. وتجد: تلقى وتصادف. والرَّهن: الشيء المرهون. والمقبوضة: يتسلمها صاحب الحق. وبيّنَتِ السُّنّة أي:
أوضحت سُنّة النبي ◌َّ﴾. والحضر: الإقامة في الديار. والتقييد: الشرط المتقدم ذكره. وما ذكر أي: السفر وعدم وجود الكاتب. وفيه أي: في السفر.
والاكتفاء به يعني: أنه يكتفى فيه بقبض صاحب الحق أو وكيله للرهن. والآثم: المذنب العاصي. وغيره أي: من أعضاء صاحبه. وتعملون أي: تكتسبونه.
والعليم: المحيط بالغَ الإحاطةِ.
(٢) تظهروه أي: للآخرين قولًا أو فعلًا. والنفس: القلب والضمير. ويخبركم به أي: يطلعكم عليه ويعرفكم إياه. ويغفر: يستر الذنب ولا يؤاخذ به. ويشاء:
يريد. ويعذبه: يدخله نار جهنم. وبالرفع يريد القراءة ((يَغْفِرُ ... ويُعَذِّبُ)). وأَنزل: أُوحي على لسان جبريل. ومن ربه أي: من عند ربه وبأمره. وبالافراد يريد
القراءة ((وكِتابِهِ)). ونفرق: نميّز في التصديق والإيمان. وأطعنا: استجبنا وامتثلنا للأمر والنهي. وربنا أي: ياربنا. وإليك أي: إلى لقاء حسابك.
(٣) قبلها أي: الآية ٢٨٤. والوسوسة: الخواطر الرديئة. وذكر المحاسبة على الوسوسة لا يناسب ماذكر قبل، من تقييد المحاسبة بالعزم على السوء. وقد بدا
هذا الاضطراب لأن السيوطي لفق بين تفسير البيضاوي والوجيز. وتؤاخذُنا أي: تجازينا. والحديث هو قول النبي ◌َّ: ((إنَّ اللهَ وَضَعَ عن أُمِّي الخَطأَ والنِّسيانَ
وما استُكرِهُوا عَلَيهِ)). انظر ((المفصل)). وسؤاله أي: سؤال عدم المؤاخذة على ذلك. وتحمل علينا أي: توجب علينا. والمغفرة: ستر العيوب وعدم الفضيحة
بالمؤاخذه. والرحمة: العطف بالإحسان. والدعوات في الآية سبع آخرها: انصرنا. والحديث هو تحت الرقم ٢٠٠ في مسلم. وانصرنا: أعنّا وغّبنا. وقيل له
أي: قال الله له. وعقب أي: بعد. وفعلت أي: قال الله للنبي ◌ّ﴿ل بعد كل كلمة من كلمات الدعوات: ((قَد أجَبتُ دُعاءكَ ومَطلُوبَكَ)).

٣ - سورة آل عمران
٥٠
الجزء الثالث
الجزء الثَّالِثُ
سُورَةِ الْعَان
سُورَةُ الِّعْرَانَ
الْمَـ أَ اللَّهُلَ إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْحَىُّالْقَيُّوُ جَانَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِّهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِجِيلَ جَ مِن
قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنَزَ الْقُرْقَانُّ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْبِثَايَاتِ اللَّهِلَهُمْ
عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُوْاَنْتِقَاءِ (٢) إِنَّ الَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ
شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ : هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ
فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء ◌َ إِلَهَإِلََّ هُوَ الْعَزِزُ الْحَكِيمُ ( هُوَ
الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ
وَأُخَرُ مُتَشَِهَتٌّ فَمَا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ
مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ
وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَيِّنَا وَمَا يَذَكَّرْ
إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴿﴿ رَبَّنَا لَا تُزِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيَتَنَا وَهَبْ
لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ جَ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ
النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيْعَادَه]
سورة آل عمران
مدنية، مِائَتان أو إلّا آيةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
١- ﴿الَّمَ﴾ ١ الله أعلم بمراده بذلك. ﴿اللهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ٢، نَزَّلَ عَلَيكَ﴾
- يا محمّد - ﴿الكِتابَ﴾: القرآن مُلتبسًا ﴿بِالحَقِّ﴾: بالصدق في أخباره، ﴿مُصَدِّقًا
لِمَا بَيْنَ يَدَيهِ﴾: قبلَه من الكُتب، ﴿وأنزَلَ التَّوراةَ والإِنجِيلَ ٣ مِن قَبلُ﴾ أي: قبلٍ
تنزيله، ﴿هُدَى﴾: حال بمعنى: هادِيَينِ من الضلالة ﴿لِلنّاسِ﴾ ممّن تبعهما - وعَبّر
فيهما بـ(أنزل)) وفي القرآن بـ((نزّل)) المقتضي للتكرير، لأنّهما أُنزلا دُفعة واحدة
بخلافه - ﴿وَأَنزَلَ الفُرقانَ﴾ بمعنى الكُتب الفارقة بين الحقّ والباطل. وذَكَره بعد ذِكر
الثلاثة ليعمّ ما عداها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ﴾: القرآن وغيره ﴿لَهُم عَذابٌ
شَدِيدٌ، واللهُ عَزِيزٌ﴾: غالب على أمره، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعيده ووعده، ﴿ذُو
انتِقامٍ﴾ ٤: عقوبةٍ شديدة ممّن عصاه، لا يقدر على مثلها أحد.
٢- ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ﴾، كائن ﴿في الأرضِ ولا في السَّماءِ﴾ ٥، لعلمه بما
يقع في العالم من كلِّيّ وجزئيّ - وخصّهما بالذكر لأنّ الحسّ لا يتجاوزهما - ﴿هُوَ
الَّذِي يُصَوِّرُكُم في الأرحامِ، كَيفَ يَشاءُ﴾ من ذُكورة وأُنوثة وبياض وسواد وغير ذلك؟
﴿لَا إَِّ إلّ هُوَ العَزِيزُ﴾ فَي مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٦ في صُنعه، ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ
الكِتابَ، مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾: واضحات الدلالة، ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾: أصلُه
المُعتمَد عليه في الأحكام، ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ لا تُفهم معانيها، كأوائل السور.
وجعله كلّه مُحكمًا في قوله ((أُحكِمَتْ آيَاتُهُ)) بمعنى أنه ليس فيه عيب، ومُتشابهًا في قوله ((كتابًا مُتَشابِهًا)) بمعنى أنه يُشبه بعضه بعضًا في الحُسن
والصِّدق. ﴿فأمّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيْغٌ﴾: مَيل عن الحقّ ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ﴾: طلبَ ﴿الفِتْنَةِ﴾، لحبّهم لها بوقوعهم في الشُّبهات
واللَّبس، ﴿وابتِغاءَ تأوِيلِهِ﴾: تفسيره، ﴿وما يَعلَمُ تأوِيلَهُ﴾: تفسيره ﴿إِلّ اللهُ﴾ وحده، ﴿والرّاسِخُونَ﴾: الثابتون المتمكّنون ﴿في العِلمِ﴾: مبتدأ
خبرُه ﴿يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ﴾ أي: بالمُتشابه أنّه من عند الله ولا نعلم معناه. ﴿كُلِّ﴾ من المُحكَم والمُتشابِهِ ﴿مِن عِندِ رَبِّنا. وما يَذَّكَّرُ﴾ - بإدغام التاء
في الأصل في الذال - أي: يتّعظ ﴿إِلّ أُولُو الألبابِ﴾ ٧: أصحابُ العقول.
٣- ويقولون أيضًا إذا رأوا من يتّبعه: ﴿رَبَّنا، لا تُزِعْ قُلُوبَنا﴾: تُمِلْها عن الحقّ، بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا كما أزغتَ قُلوب أولئك، ﴿بَعدَ إذْ
هَدَيْتَنَا﴾: أرشدْتَنا إليه، ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنكَ﴾: من عندك ﴿رَحْمةً﴾: تثبيتًا - ﴿إِنَّكَ أنتَ الوَهّابُ﴾ ٨ - يا ﴿رَبَّنَا، إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾: تجمعهم
﴿لِيَومٍ﴾ أي: في يومٍ ﴿لا رَيبَ﴾: شَكَّ ﴿فِيهِ﴾. هو يوم القيامة. فتُجازيهم بأعمالهم كما وعدتَ بذلك. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخلِفُ المِيعادَ﴾ ٩: موعدَه
بالبعث. فيه التفات عن الخطاب، ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى. والغرض من الدعاء بذلك بيان أنّ همَّهم أمر الآخرة. ولذلك سألوا الثبات
على الهداية لينالوا ثوابها .
٤- روى الشيخان عن عائشةَ قالت: «تلا رَسُولُ اللهِ وََّ هذه الآيَةَ: هُوَ الّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ، إلى آخِرِها، وقالَ: فإذا
(١) الإله: المعبود بحق وحده. والحي: الدائم البقاء. والقيوم: المُبالغ في القيام بتدبير خلقه. ونزّل: أوحى على لسان جبريل. والتوراة: الكتاب المنزل
على موسى، معناه الشريعة أو الناموس. والإنجيل: الكتاب المنزل على عيسى، معناه البشارة والخبر الكريم. والوعيد: التهديد بالعقاب. والوعد: التعهد
بالخير. (٢) يخفى: يستتر. ويصوركم أي: يجعل لكم صورًا مجسَّمة وهيئات. والأرحام: جمع رَحِم. وهو وعاء الجنين في بطن الأنثى. وكيف يشاء أي:
كيف يريد تصويركم؟ والعزيز: الغلاب لا يعجزه شيء. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء. و((لا تفهم)) اختصار لعبارة
المفسرينَ. والراجح أن المتشابهات لا يتيسر فهمها بسهولة، وهي تحتاج إلى التأمل والنظر في معانيها، ليظهر فيها فضل العلماء، ويزداد حرصهم على
الاجتهاد في تدبرها، ويبقى أمر التدارس والتأمل مع الزمن. و((قوله)) في الآية ١ من سورة هود. و((كتابًا متشابهًا)) في الآية ٢٣ من سورة الزمر. والقلوب:
جمع قلب. وتشابه أي: لم يكن صريحًا في معناه. والفتنة: الضلال والصرف عن الصواب. والعلم: المعرفة اليقينية. وآمنا: صدقناه باعتقاد يقيني. ومعناه
أي: الحقيقي الكامل مطلقًا. ومن عنده أي: من فضله ورحمته وبأمره. وانظر آخر الآية ٢٦٩ من سورة البقرة. (٣) القلوب: جمع قلب. وهو موطن التدبر
والاعتقاد والانفعال، يمد الدماغ وسائر الجسد بماء الحياة. وهب لنا أي: تفضل علينا. والرحمة: العطف بالإحسان. وتجمعهم أي: بالبعث قهرًا. وفيه أي:
في مجيئه ووقوعه. ولا يخلف أي: يفي من دون تأخير أو إخلال. والميعاد: الوعد. وبذلك أي: بما في الآية. (٤) الشيخان: البخاري ومسلم. انظر
((المفصل)). وسمَّى الله أي: عيّنهم بما في قلوبهم من الزيغ. والكبير: المعجم الكبير. وأبو مالك صحابي كريم. وانظر تفسير ابن كثير ٣٢٧:١ والدر المنثور
٥:٢. ورواية الحديث فيهما: ((لا أخاف ... وما يعلم تأويله)). والخلال: جمع خَلّة. وهي الخَصلة والعادة.

الجزء الثالث
٥١
٣ - سورة آل عمران
رأَيتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشْابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الّذِينَ سَمَّى اللهُ. فاحذَرُوهُمُ)). وروى الطبرانيّ
في ((الكبير)) عن أبي مالك الأشعريّ أنّه سمع النبيّ وَّه يقول: «ما أخافُ على أُمّتي إلّا
ثَلاثَ خِلالٍ))، وذكر منها ((أن يُفتحَ لهُمُ الكِتابُ فيأخُذَهُ المُؤمِنُ يَبْتَغِي تأوِيلَهُ، وَلَيسَ
يَعلَمُ تأوِيلَهُ إلّا اللهُ، والرّاسِخُونَ في العِلمِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنا. وما يَذَّرُ
إلّا أُولُو الألبابِ)) الحديث.
١- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغنِيَ﴾: تدفعَ ﴿عَنْهُم أمْوالُهُم ولا أولادُهُم مِنَ اللهِ﴾ أي:
عذابِهِ ﴿شَيْئًا! وأُولَئِكَ هُم وَقُودُ النّارِ﴾ ١٠، بفتح الواو: ما يُوقد بهِ، دأبُهم ﴿كَدأْبٍ﴾:
كعادةِ ﴿آلِ فِرْعَونَ، والَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾ من الأُمم كعادٍ وثمودَ. ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنا، فأخَذَهُمُ
اللهُ﴾: أهلكهم ﴿بِذُنُوبِهِم﴾. والجملة مفسّرة لما قبلها. ﴿واللهُ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ١١.
سُورَةِ الْعَمَان
الجرُ الثَّالِثُ
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُم
مِنَ الَِّ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( كَدَأْبِءَالٍ
فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَ كَذَّبُواْبِثَا يَئِنَا فَأَخَذَ هُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ
وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ اَلْمِهَادُ [®] قَدْكَانَ
لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِتَتَيْنِ الْتَّقَتَّا فِئَةُ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللّهِ
وَأُخْرَىُ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ
يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِى
اَلْأَبْصَرِ ﴾ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ اْلِسَآءِ
وَالْبَنِينَ وَاُلْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَّةِ
وَاُلْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْرُ الْمَشَابِ ﴾ ﴿ قُلْ
أَوُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمَّ لِلَّذِينَ اتَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنٌَّ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُّطَهَرَةٌ
وَرِضْوَتٌ مِّنَ اللّهِ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
٢- ونزل لمّا أمر رسول الله وَّر اليهودَ بالإِسلام مَرجِعَه من بدر، فقالوا له: ((لا يَغرَّنّكَ
أن قتلتَ نفرًا من قُرَيشٍ، أغمارًا لا يَعرفونَ القِتالَ»: ﴿قُلْ﴾ - يا محمّد - ﴿لِلَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ من اليهود: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ - بالتاء والياء - في الدنيا بالقتل والأسر
وضرب الجزية، وقد وقع ذلك، ﴿وتُحشَرُونَ﴾ - بالوجهين - في الآخرة ﴿إِلَى
الحزب
جَهَنَّمَ﴾ فتدخلونها، ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ ١٢ : الفراشُ هي! ﴿قَد كانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ :
عِبرة - وذُكِّر الفِعل للفصل - ﴿فِي فِئَتَينِ﴾: فرقتين، ﴿التَّقَتا﴾ يوم بدر للقتال،
﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: طاعته - وهم النبيّ ◌ََّ وأصحابه، وكانوا
ثلثمِائَةٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا، معهم فَرَسانِ وستُّ أدرُع وثمانيةُ سُيوف، وأكثرهم رَجّالة -
﴿وَأُخرَى كَافِرَةٌ، يَرَونَهُم﴾ أي: الكُفّارُ ﴿مِثْلَيهِم﴾ أي: المسلمين أي: أكثرَ منهم،
وكانوا نحوَ ألف، ﴿رأيَ العَينِ﴾ أي: رُؤيةً ظاهرةً مُعاينةً. وقد نصرهم الله مع قلَّهم. ﴿واللهُ يُؤَيِّدُ﴾: يُقوِّي ﴿بِنَصرِهِ مَن يَشاءُ﴾ نَصْرَه. ﴿إِنَّ في
ذُلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَعِبْرَةً لِأُولي الأبصارِ﴾ ١٣: لذوي البصائر، أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون؟
٣- ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾: ما تشتهيه النفس وتدعو إليه، زيّنها اللهُ ابتلاءً أو الشيطانُ، ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ، والقَناطِيرِ﴾: الأموال الكثيرة
﴿المُقَنطَرةِ﴾: المجمّعة ﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضّةِ، والخَيلِ المُسَوَّمَةِ﴾: الحِسانِ، ﴿والأنعام﴾ أي: الإبل والبقر والغنم، ﴿والحَرْثِ﴾: الزرع.
﴿ ذُلِكَ﴾ المذكورُ ﴿مَتَاعُ الحَياةِ الدُّنيا﴾: يُتمتّع به فيها ثمّ يفنى، ﴿واللهُ عِندَهُ حُسنُ المآبِ﴾ ١٤ : المَرجع. وهو الجنّة، فينبغي الرغبة فيه دون
غيره .
٤ - ﴿قُلْ﴾ - يا محمّد - لقومك: ﴿أَأُنَبِّئُكُم﴾: أَأُخبِركم ﴿بِخَيرٍ مِن ذُلِكُم﴾ المذكور من الشهوات؟ استفهام تقرير. ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوا﴾ الشِّركَ ﴿عِندَ
رَبِّهِم﴾: خبر مبتدؤه ﴿جَنّاتٌ، تَجرِي مِن تَحتِها الأنهارُ، خالِدِينَ﴾ أي: مقدِّرين الخلودَ ﴿فِيها﴾ إذا دخلوها، ﴿وأزواجُ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الحيض
(١) المراد بالذين كفروا: جميع الذين يكذّبون شيئًا من الوحي أو الرسالة. والأموال: جمع مال. وهو ما يُملك من النقد والمتاع والزينة. والأولاد: الذرية
من البنين والبنات. والعادة أي: الحال التي اعتادها المذكورون. والآل: الجنود والأعوان. وفرعون: ملك مصر في عهد موسى. ومعناه البيت العظيم،
أصبح لقبًا لملوك مصر في القديم. وعاد: قوم النبي هود. وثمود: قوم النبي صالح. ومفسرة يعني أن جملة ((كذبوا بآياتنا)) تفسر: دأبهم كدأب. والشديد:
القوي الهائل. والعقاب: الانتقام ممن عصاه.
(٢) مرجعه أي: وقت رجوعه. والنفر: العدد القليل. والأغمار: جمع غُمر. وهو الغافل. وتُغلبون: تقهرون. وبالياء يريد القراءة ((سَيُغلَّبُونَ)). وبالوجهين
أي: بالتاء للخطاب، وبالياء: ((ويُحشَرُونَ)) أي: يساقون بالبعث مجموعين. وجهنم: اسم علم للنار المعدة ليوم القيامة. وعبرة أي: عظة دالة. والتقتا:
اصطدمتا للقتال. وتقاتل: تحارب بالسلاح. والسبيل: الطريق الواضح. والأدرع: جمع درع. والرجالة: جمع راجل. وهو الذي يمشي. وأُخرى أي: فئة
ثانية غير المؤمنة. والكافرة: المكذبة تقاتل في سبيل الشيطان. والمثل: المماثل في العدد. والنصر: العون. ويشاء: يريد. والعبرة: العظة تَعبُر بالجاهل إلى
مرتبة العلم. وأولي أي: أصحاب. والأبصار: جمع بصر، أي: العقل والتبصر.
(٣) زين: جُمّل. وإنما ذكر هنا ما يخص الرجالَ، والنساءُ أشد وأظهر في التشهي لأكثر المذكور، ليكون شمولهنّ من باب الأولى. والحب: الرغبة باندفاع.
والشهوة: نزوع النفس إلى ما تريده. والقناطير: جمع قِنطار. وهو مائة ألف دينار أو أكثر. والخيل: واحده خائل أي: الفرس. والحسان: جمع حسن
وحسناء. والأنعام: جمع نَعَم. والحرث: ما يُحرث ويُزرع. والمتاع: ما يُنتفع به. وعنده أي: فيما وعد من الثواب والإكرام. والمرجع: العاقبة الحميدة.
(٤) خير: أكثر نفعًا. واتقوا: حَذِروا وتجنبوا بالطاعة والإخلاص. والخالد: المقيم أبدًا. والجنة: الحديقة العظيمة. وتجري: تسيل بسرعة. ومن تحتها أي:
من تحت قصورها. والأنهار: جمع نهر. وهو ما يجري فيه الماء والعسل واللبن والخمر، والأزواج: جمع زوج. وانظر ((المفصل)) والآية ٢٥ من سورة
البقرة. وبضمه يريد القراءة ((ورُضوانٌ)). واغفرها: استرها ولا تؤاخذ بها. وقنا أي: جنّبنا واكفِنا. وعن المعصية أي: عن قبولها أو فعلها. والأسحار: جمع
سحر.

٣ - سورة آل عمران
٥٢
الجزء الثالث
سُورَةِ الْعَبَارَ
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَاَءَ امَنَافَاَ غْفِرْلَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ ٦ الصَّبِينَ وَاُلْصَدِقِينَ وَاُلْقَانِتِينَ
وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ { شَهِدَ
اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّاهُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ
لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ ﴾ إِنَّالِّينَ عِندَ
اللَّهِ الْإِسْلَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ إِلَّ مِنْ
بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمُ وَمَن يَكْفُرْ بَِايَتِ
اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿ فَإِنْ حَاجُوَكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ
وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنَّ وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِّيْنَ
ءَأَسْلَمْثُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدٍ أُهْتَدَ وْاْقَإِنْ تَوَلَوْ فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَكْفُرُونَ
بِتَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَِّحِنَ بِغَيْرِحَقٍ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ أُوْلَكِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ
فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَالَهُم مِّن نَّصِرِين ®
وغيره ممّا يُستقذر، ﴿ورِضْوانٌ﴾ - بكسر أوّله وضمّه لغتانِ - أي: رضًا كثير ﴿مِنَ اللهِ
- واللهُ بَصِيرٌ﴾: عالم ﴿بِالعِبادِ﴾ ١٥، فيُجازي كُلَّ منهم بعمله - ﴿الَّذِينَ﴾: نعت أو
بدل مِن ((الّذين)) قبله ﴿يَقُولُونَ﴾: يا ﴿رَبَّنا، إنَّنَا آمَنًا﴾: صدَّقنا بك وبرسولك.
﴿فاغفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ ١٦، الصّابِرِينَ﴾ على الطاعة وعن المعصية: نعت،
﴿والصّادِقِينَ﴾ في الإيمان، ﴿والقانِتِينَ﴾: المطيعين للهِ، ﴿والمُنفِقِينَ﴾: المتصدِّقين،
﴿والمُستَغفِرِينَ﴾ اللّهَ بأن يقولوا: ((اللّهمَّ اغفِرْ لنا)) ﴿بِالأسحارِ﴾ ١٧ : أواخرِ الليل.
خُصّت بالذكر لأنّها وقتُ الغفلة ولذّة النوم.
١- ﴿شَهِدَ اللهُ﴾: بَيِّنَ لخَلقِه بالدلائل والآيات ﴿أنَّهُ لا إِلَّهَ﴾: معبودَ في الوجود بحقّ
﴿إِلّ هُوَ، و﴾ شهد بذلك ﴿المَلائكةُ﴾ بالإقرار، ﴿وأُولُو العِلمِ﴾ من الأنبياء
والمؤمنين بالاعتقاد واللفظ، ﴿قائمًا﴾ بتدبير مصنوعاته - ونصبُه على الحال،
والعامل فيها معنى الجملة أي: تفرّدَ - ﴿بِالقِسطِ﴾: بالعدل، ﴿لا إلَهَ إلَّا هُوَ﴾ كرّره
تأكيدًا، (العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ١٨ في صُنعه.
٢- ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ المَرْضِيَّ ﴿عِندَ اللهِ﴾ هو ﴿الإِسلامُ﴾ أي: الشرعُ المبعوثُ به الرسل
المبنيُّ على التوحيد - وفي قراءة بفتح ((أنّ) بدل من ((أنّه)) إلى آخره بدل اشتمال -
﴿وما اختَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: اليهودُ والنصارى في الدين، بأن وحَّد بعض
وكفر بعض، ﴿إِلَّ مِن بَعدِ ما جاءَهُمُ العِلمُ﴾ بالتوحيد، ﴿بَغْيًا﴾ من الكافرين ﴿بَينَهُمُ
- ومَن يَكفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فإنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ١٩ أي: المُجازاةٍ له - ﴿فإنْ حاجُوكَ﴾: خاصمَك الكُفّار - يا محمّد - في الدين ﴿فَقُلْ﴾ لهم:
﴿أسلَمتُ وَجِهِيْ لِثِهِ﴾: انقَدت له أنا ﴿ومَنِ اتَبَعَنِي﴾. وخُصّ الوجهُ بالذكر لشرفه، فغيره أَولى. ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: اليهودِ والنصارى
﴿وَالأُمِّيِّينَ﴾: مشركي العرب: ﴿أأسلَمتُم﴾؟ أي: أسلِموا. ﴿فإنْ أسلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ من الضلال، ﴿وإنْ تَوَلَّوا﴾ عن الإِسلام ﴿فإنَّما عَلَيكَ
البَلاغُ﴾: التبليغ للرسالة. ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ٢٠ فمجازيهم بأعمالهم. وهذا قبلَ الأمر بالقتال.
٣- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ، ويَقْتُلُونَ﴾ - وفي قراءة ((ويُقاتِلُونَ)) - ﴿النَّبِّينَ بِغَيرِ حَقِّ، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يأمُرُونَ بِالقِسطِ﴾: بالعدل ﴿مِنَ
النّاسِ﴾ - وهم اليهود. رُوي أنّهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيًّا، فنهاهم مِائَة وسبعون من عُبّادهم فقتلوهم من يومهم - ﴿فَبَشِّرْهُم﴾: أعلِمْهم ﴿بِعَذابٍ
ألِيمٍ﴾ ٢١: مؤلم، وذكرُ البشارة تهكّم بهم، ودخلت الفاء في خبر ((إنّ)) لشَبه اسمها الموصول بالشرط، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ﴾: بَطَلَثَ
﴿أَعْمَالُهُم﴾: ما عملوا من خير، كصدقة وصلة رَحِم ﴿في الدُّنيا والآخِرَةِ﴾، فلا اعتداد بها لعدم شرطها، ﴿وما لَّهُم مِن ناصِرِينَ﴾ ٢٢: مانعين
من العذاب.
(١) الملائكة: جمع ملَك، مخلوقات نورانية معصومة مطهرة. والإقرار: الاعتراف بالقول. وأولو العلم: أصحاب العلم الحقيقي اليقيني. وقام به أي: نفّذه
موفّيًا إياه حقه. ومعنى الجملة أي: أن جملة ((لا إله إلّا هو)) معناها: تفرد. والمراد: تفرد قائمًا بالقسط. وتأكيدًا أي: توكيدًا لفظيًا لما في أول الآية.
والعزيز: الغالب على أمره. والحكيم: ذو الحكمة العالية بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء.
(٢) الدين: الملة بما فيها من عقيدة وشريعة. والمرضي: المقبول. وعند الله أي: في علمه وحكمه. و((أنه)) يعني ما في الآية ١٨. واختلف: تفرق واختصم.
وأوتوه أي: أعطوه وكلفوا باتباعه. والكتاب: التوراة والإنجيل. وجاءهم: وصل إليهم وأدركوه. ويكفر بها أي: يجحدها وينكرها. والآيات: النصوص
المقدسة والأدلة القاطعة. والوجه: مايواجَه به الآخرون من الرأس. وفي الدين أي: بعد قيام الحجة عليهم. وله أي: لأمره في جميع ما قضى وقدّر.
واتبعني: وافقني واستجاب لي. وإنما رسمت الياء في تفسير الجلالين لبيان لفظ القراءة المختارة، ولأن النص منه في تفسير لا في المصحف الشريف. وأولى
أي: أحق بالدخول فيما ذكر من الانقياد. يعني أن المرادَ بالإِسلام انقياد النفس كلها، وذكرَ الوجه مجاز عن ذلك. والأميون: الذين لم يكن لهم كتاب إلهي.
ومشركو العرب أي: وغيرهم. و((أسلموا)) يعني أن الهمزة قبل الفعل هي استفهامية بمعنى الأمر، تلطفًا وتأنيسًا بالدعوة. واهتدوا: استرشدوا وانتفعوا بالوعظ،
وكان لهم السعادة والنعيم. وتولَوا: استمروا على الإعراض والامتناع. والبصير: المدرك للأحداث حال وجودها. والعباد: جمع عبد.
(٣) يقتله أي: يزهق روحه بالسلاح. والحق: العدل. وبغير حق أي: بالباطل والبغي. ويأمر: يعظ ويوجب. ومن الناس أي: من غير الأنبياء. وهم اليهود
يعني: الكافرين والقاتلين. والمراد هم اليهود في عصر النبوة، لأنهم رضوا بفعل أجدادهم، وحاولوا قتل النبي ◌َّر مرارًا فعصمه الله منهم. وكذلك حكم
اليهود في كل زمان ومكان. والأعمال: جمع عمل. وهو مايكتسبه الإنسان بقصد واختيار وعزم. وشرط قبول الأعمال عند الله هو الإسلام. والاعتداد:
القبول والاعتبار الشرعي. وفي الآخرة لا يستحق الكافر ثوابًا .

الجزء الثالث
٥٣
٣ - سورة آل عمران
١- ﴿أَلَم تَرَ﴾: تنظرُ ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾: حظًّا ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ التوراة،
﴿يُدْعَونَ﴾: حال، ﴿إِلَى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم، وهُم
مُعرِضُونَ﴾ ٢٣ عن قَبول حُكمه. نزل في اليهود، زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبيّ
وَّر، فحكم عليهما بالرجم فأبَوا، فجيء بالتوراة فوُجد فيها، فرُجما فغضبوا. ﴿ذلِكَ﴾
التولّي والإِعراضُ ﴿بِأَنَّهُم قَالُوا﴾ أي: بسبب قولهم: ﴿لَن تَمَسَّنا النّارُ إلّ أيّامًا
مَعدُوداتٍ﴾ أربعين يومًا مُدّةَ عبادة آبائهم العجلَ، ثمّ تَزولُ عنهم. ﴿وَغَرَّهُم في
دِينِهِم﴾: متعلّق بقوله ﴿ما كانُوا يَفتَرُونَ﴾ ٢٤ من قولهم ذلك. ﴿فَكَيفَ﴾ حالُهم، ﴿إذا
جَمَعْنَاهُم لِيَومٍ﴾ أي: في يوم ﴿لا رَيبَ﴾: شكّ ﴿فِيهِ﴾ - هو يوم القيامة - ﴿وَوُفْيَتْ
كُلُّ نَفْسٍ﴾ مّن أهلِ الكتاب وغيرِهم جزاءَ ﴿ما كَسَبَتْ﴾: عمِلت من خير وشرّ،
﴿وهُم﴾ أي: الناس ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ ٢٥ بنقصِ حسنة أو زيادةِ سيئة؟
٢- ونزل لمّا وَعَدَ النبيّ ◌ََّ أُمّتَه مُلكَ فارسَ والروم، فقال المنافقون: «هَيهاتَ)):
﴿قُلِ: اللَّهُمَّ﴾: يا أللهُ ﴿مالِكَ المُلكِ، تُؤْتِي﴾: تُعطيَ ﴿المُلكَ مَن تَشاءُ﴾ من خلقك،
﴿وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشاءُ، وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ بإيتائه، ﴿وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ بنزعه منه.
﴿بِيَدِكَ﴾: بِقُدرتك ﴿الخَيرُ﴾ أي: والشرُّ. ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ٢٦. تُولِجُ﴾:
تُدخلُ ﴿اللَّيلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهَارَ﴾: تُدخلُه ﴿فِي اللَّيلِ﴾، فيزيد كلّ منهما بما نقَص
من الآخَر، ﴿وتُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيْتِ﴾، كالإنسان والطائر من النُّطفة والبيضة،
﴿وَتُخْرِجُ المَيْتَ﴾ كالنطفة والبيضة ﴿مِنَ الحَيِّ، وَتَرَزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٢٧
أي: رزقًا واسِعًا.
سُورَةِ الْعَان
المحليةُ القَالِك
أَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَ كِنَبِ
اللَّهِ لِيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ثُمَّيَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَعْدُ ودَاتٍ وَغَرَّهُمْ
فِي دِينِهِمِ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمُ
لِيَوْمٍ لََّرَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ
قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ
لَا يُظْلَمُونَ ®)
مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُعِزُ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُّ
مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٦ تُولِجُ الَّيْلَ
فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ
وَتُخْرِجُ أُلْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِفِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ
ثُقَنَّةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَ إِلَى الَّهِ الْمَصِيرُ شَقُلْ
إِن تُخْفُواْ مَا فِ صُدُورِككُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى
السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ()
٣- ﴿لَا يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ﴾ يُوالونهم، ﴿مِن دُونِ﴾ أي: غيرَ ﴿المُؤمِنِينَ - ومَن يَفعَلْ ذلِكَ﴾ أي: يُوالِهم ﴿فَلَیسَ مِنَ﴾ دِینِ ﴿اللهِ في
شَيءٍ - إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهُم تُقاةً﴾: مصدر تَقَيتُه، أي: تخافوا مَخافة، فلكم موالاتُهم باللسان دُون القلب. وهذا قبل عِزّة الإِسلام، ويجري فيمن
هو في بلد ليس قويًّا فيها. ﴿ويُحَذَّرُكُمُ﴾: يُخوِّفكم ﴿اللهُ نَفْسَهُ﴾ أن يغضب عليكم، إن واليتموهم، ﴿وإِلَى اللهِ المَصِيرُ﴾ ٢٨ : المَرجع فيجازيكم
- ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿إِنْ تُخفْوا ما في صُدُورِكُم﴾: قُلوبكم، من مُوالاتهم، ﴿أو تُبُدُوهُ﴾: تُظهروه، ﴿يَعلَمْهُ اللهُ. وَ﴾ هو ﴿يَعلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما
في الأرضِ. واللّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢٩، ومنه تعذيب مَن والاهم - اذكرْ ﴿يَومَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْهُـه ﴿مِن خَيرٍ مُحضَرًا، وما عَمِلَتْ﴾ـه
﴿مِن سُوءٍ﴾: مبتدأ خبره ﴿تَوَدُّ لَو أَنَّ بَيْنَها وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾: غايةً في نهاية البعد، فلا يصل إليها. ﴿ويُحَذّرُكُمُ اللهُ نَفسَهُ﴾ - كُرّر للتأكيد - ﴿واللهُ
رَؤُوفٌ بِالعِبادِ﴾ ٣٠.
(١) أوتوه أي: أنزل إليهم وكلفوا باتباعه. ويدعون: يُحَضّون ويُلجؤون. وحال: يعني أن جملة ((يدعون)) في محل نصب حال من ((الذين)). ويحكم: يفصل
الحق من الباطل. ويتولى: يمتنع. والفريق: الجماعة. والمعرض: المنكر بقلبه. وحكمه أي: حكم التوراة. واثنان أي: رجل وامرأة محصَنان. ووجد فيها
أي: حُكمُ الرجم. انظر ((المفصل)). وتمس: تصيب. والأيام: جمع يوم. والمعدودة: التي يمكن عدها لقلتها. وغرهم أي: خدعهم. والدين: الملة من
عقيدة وشريعة. ومتعلق: يعني أن ((في)) متعلق بـ ((يفترون)) أي: يزعمونه من الأكاذيب والتضليل. وجمعناهم: حشرناهم بالبعث للحساب والجزاء. واليوم:
الوقت. ووفيت: أعطيت بالكمال. والنفس: المخلوق ذو الروح من العاقلين. وعملت أي: باختيار وقصد وعزم. ويظلم: يجار عليه. (٢) انظر سبب النزول
في المفصل. ووعدهم: بشرهم بما سيكون من الفتح والانتصار. والمالك: الحائز المتصرف النافذ الأمر. وتشاء: تريد. والمُلك: السلطان والغلبة. وتنزع:
تسترد. وتعزه: تنصره على أعدائه. وتذله: تهينه. ويد الله: صفة من صفاته كما يليق بجلاله وعظمته، من دون تمثيل أو تقريب أو تعطيل. والخير: عز الدنيا
والآخرة. وأفضله الإيمان. ولم يذكر الشر، وهو مفهوم بالسياق. والشيء: ماهو موجود أو ممكن وجوده. والقدير: المبالغ في القدرة بذاته. وتخرجه: تكوّنه
وتظهره. والحي: مَن في جسده روح. والميت: من فارقت روحه جسده. والنطفة: القطرة الدقيقة جدًا من المنيّ. وهي ليست كائنًا حيّا، بل قابلة للنمو، إذا
قدّر الله لها ذلك بالأسباب الملائمة. وكذلك البيضة من الكائن الحي. وترزقه: تعطيه ما يمتّعه ويزيّنه. وتشاء: تريد أن ترزقه. (٣) يتخذ: يجعل ويصيّر.
والمراد بالكافرين هنا غير المسلمين، إذا كانوا محاربين أو مجاهرين بالعداوة كيدًا وإفسادًا وتحكمًا، أو مناصرين للعدو. أما غير هؤلاء فله المجاملة والبر،
كما في الآيتين ٨ و٩ من سورة الممتحنة. والأولياء: جمع ولي. ومن الله أي: من دينه وولايته. وهذا أي: جواز الموالاة باللسان. ويجري: يجوز. وليس
قويًا: يعني أن يكون الإسلام غير ظاهر أو نافذٍ حكمه، كأن يكون الحكم بغير الإسلام، أو الحكومات غير إسلامية. ونفسه أي: ذاته من دون مشاكلة
بالمخلوقات. والمرجع أي: بالبعث قهرًا بعد الموت. ولهم أي: للمؤمنين. وتخفوه أي: تستروه. والصدور: جمع صدر، عُبِّرَ به عن القلب لأنه بعضه.
ويعلمه أي: يحفظه عليكم ويطلعكم عليه. والسماء والأرض أي: مافيهما وما في غيرهما أيضًا مما يشاء. انظر تفسير الآية ٥. وتجد: ترى عيانًا. والنفس:
حقيقة الإنسان المكلف وذاته. وعملت أي: اكتسبته من نية وقول وفعل. والخير: ما ينفع في الدنيا والآخرة. ومحضرًا: مجلوبًا غير منقوص. والسوء: ما يسيء
إلى صاحبه وغيره. وتودّ: تحب. والأمد: المسافة الحاجزة. والرؤوف: الشديد الرحمة. والعباد: جمع عبد.

٥٤
الجزء الثالث
٣ - سورة آل عمران
الجزء الثالثُ
سُورَةِ الْعَمَان
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ
مِن سُوءٍ تَوَهُ لَوْأَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأَبَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ
اللَّهُ نَفْسَهُ, وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ
فَأَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
◌َ قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الَّلَا يُحِبُّ
اٌلْكَفِرِينَ [®َ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىْ ءَدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ
ذُرِيَّةَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِّ وَاللَّهُ
وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ (ج)
سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿ إِذْ قَالَتِ آَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍ إِنِّ نَذَرْتُ لَكَ
مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ فَلَمَا
وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍ إِّ وَضَعْتُهَا أُنْتَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ
وَلَيْسَ الَّكَ كَالْأُنْتَّ وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَ إِّ أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴿ فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ
حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَتَّاحَسَنًّا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا
زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًّا قَالَ يَمَرْيَمْ أَنَّ لَكِ هَذَا
قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِاللّهِ إِنَّاللَّهَ يَزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
١- ونزل لمّا قالوا: ((ما نعبد الأصنام إلّا حُبًّا لله، ليُقرّبونا إليه)): ﴿قُلْ﴾ لهم، یا
محمّد: ﴿إِنْ كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي، يُحِبْكُمُ اللهُ﴾ بمعنى أنه يُثيبكم، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُم
ذُنُوبَكُم. واللهُ غَفُورٌ﴾ لمن اتّبعني ما سلف منه قبل ذلك، ﴿رَحِيمٌ﴾ ٣١ به. ﴿قُلْ﴾
لهم: ﴿أَطِيعُوا اللهَ والرَّسُولَ﴾، فيما يأمركم به من التوحيد. ﴿فإنْ تَوَلَّوا﴾: أعرضوا
عن الطاعة ﴿فإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ ٣٢. فيه إقامة الظاهر مَقام المُضمر
أي: لا يُحبّهم بمعنى أنه يُعاقبهم. ﴿إِنَّ اللهَ اصطَفَى﴾: اختار ﴿آدَمَ ونُوحًا،
الخِزْـ
وآلَ إِبراهِيمَ وآلَ عِمرانَ﴾، بمعنى: أنْفُسَهما ﴿عَلَى العالَمِينَ﴾ ٣٣، بجعل
الأنبياء من نسلهم، ﴿ذُرِّيَةً بَعضُها مِن﴾ ولدِ ﴿بَعضٍ﴾ منهم. ﴿واللهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ﴾ ٣٤.
٢- اذكرْ ﴿إِذْ قَالَتِ امرأةُ عِمرانَ﴾ حَنَّةُ، لمّا أسنَّت واشتاقت للولد، فدعَتِ اللهَ
وأحسَّت بالحمل: يا ﴿رَبِّ، إِنِّي نَذَرتُ﴾ أن أجعل ﴿لَكَ ما فِي بَطنِي مُحَرَّرًا﴾:
عتيقًا، خالِصًا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المُقدّس. ﴿فَقَبَّلْ مِنِّيَ. إِنَّكَ أنتَ
السَّمِيعُ﴾ للدُّعاء، ﴿العَلِيمُ﴾ ٣٥ بالنّات. وهَلَكَ عِمرانُ وهي حامِل. ﴿فَلَمّا
وَضَعَتْها﴾: ولَدَتْها جاريةً، وكانت ترجو أن يكون غلامًا إذ لم يكن يُحرَّرُ إلّا الغلمانُ،
﴿قَالَتْ﴾ مُعتذرة: يا ﴿رَبِّ، إنِّي وَضَعتُها أُنثَى - واللهُ أعلَمُ﴾ أي: عالمٌ ﴿بِما
وضَعَتْ﴾: جملةُ اعتراض من كلامه تعالى. وفي قراءة بضمّ التاء. ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ﴾
الذي طلبتْ ﴿كالأُنثَى﴾ التي وَهَبتُ، لأنّه يُقصد للخدمة وهي لا تصلح لها لضعفها
وعورتها، وما يعتريها من الحيض ونحوه - ﴿وإنِّي سَمَّيتُها مَريَمَ، وإِنِّيَ أَعِيذُها بِكَ
وَذُرِّيّتَها﴾: أولادَها ﴿مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيم) ٣٦: المطرود. وفي الحديث ((ما مِن مَولودٍ يُولَّدُ إلّا مَسَّهُ الشَّيطانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَستِهِلُّ صارِخًا [مِن
مَسِّهِ إِيّاهُ]، إلّا مَريَمَ وابنَها)). رواه الشيخان.
٣- ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ أي: قَبِلَ مريمَ من أُمّها ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وأنبَتَها نَبَاتًا حَسَنًا﴾: أنشأها بِخَلق حسن، فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في
العام - وأتت بها أُمُّها الأحبارَ سَدَنَةَ بيت المقدس، فقالت: دُونكم هذه النذيرةَ. فتنافسوا فيها لأنّها بنت إمامهم، فقال زكريّاءُ: أنا أحقّ بها لأن
خالتها عندي. فقالوا: لا حتّى نقترعَ. فانطلقوا، وهم تسعة وعشرون، إلى نهر الأُردُنّ وألقَوا أقلامهم، على أنّ مَن ثَبَتَ قلمه في الماء وصعِدَ
فهو أَولى بها. فثَبَتَ قلم زكريّاءَ فأخذها، وبنى لها غُرفة في المسجد بسُلّم، لا يَصعد إليها غيره - وكان يأتيها بأكلها وشُربها ودُهنها فيجد عندها
فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، كما قال تعالى ﴿وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ﴾: ضمّها إليه. وفي قراءة بالتشديد ونصبٍ ((زكريّاء)) ممدودًا
(١) الراجح أن سبب النزول هو الجواب لنصارى نجران، إذ قالوا في وفادتهم: ((إنما نعظم المسيح ونعبده حبًا لله وتعظيمًا له)). والخطاب يشمل أيضًا كل من
ادعى محبة الله، وهو يخالف أمره. انظر ((المفصل)). والحب في المخلوق: ميل النفس إلى من أدركت فيه كمالًا، ويقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقرب
إليه. واتبعوني أي: استجيبوا لي وأطيعوني. ويغفرُها: يمحوها من الصحف ولا يؤاخذ عليها. والذنوب: جمع ذنب. وهو المعصية يكون عليها عقاب.
والغفور: الكثير السترِ للذنوب والعفوِ عنها. وسلف: مضى. ورحيم أي: عظيم العطف بالإحسان. ويحبهم: انظر تعليقنا على تفسير الآية ٣١. وأطيعوه أي:
استجيبوا له. والكافر: من كذّب الله ورسوله. وقد زعم اليهود أنهم على دين إبراهيم، والنصارى أن عيسى هو ابن الله، فنزلت هذه الآيات ردًّا عليهم، بأن
إبراهيم كان قبل التوراة واليهودية، وأن عيسى هو من ذرية البشر، ورسول كسائر المرسلين. البحر ٤٣٤:٢. وآدم: أبو البشر وأول الأنبياء. ونوح: النبي
الرابع واسمه عبد الغفار. وكان قومه في جنوبي العراق. وعمران: أبو مريم. والعالَم: الجنس من الخلق. والعالمون: الإنس والجن من معاصري الأنبياء.
والذرية: السلالة والنسل. والسميع: المدرك للمسموعات والأسرار. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء. (٢) المرأة: الزوجة. وحنة هيَ جدةُ عيسى -
عليه الصلاة والسلام - من قِبَل أمه. ونذرتُ: أوجبت على نفسي. ولك أي: لأجل عبادتك. والبطن: مراد به الرحم .. والمقدس أي: المطهر من الكفر
والأصنام. والمراد هنا مكان العبادة. وتقبّل أي: خذ مانذرته على وجه الرضا والثواب. وهلك أي: تُوفَّ. والجارية: الأنثى من البشر. ووضعتُها أي:
المولودةَ. وبضم التاء أي: ((وَضَعْتُ)). ومريم معناه العابدة المتبتلة. وأعيذها: أحصّنها وأجيرها. ويستهل: يرفع صوته. و((الشيخان)) كذا. والحديث من تفسير
ابن كثير ٣٣٩:١، لا من رواية الشيخين. انظر ((المفصل)). (٣) ما ذكر عن نمو مريم مبالغة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، تحتاج إلى نص شرعي موثق.
والنبات الحسن: تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها. وبالتشديد يريد: ((وكَفَّلَها زَكَرِيّاءَ))، و((زَكَرِيّا))، أي: جعله ضامنًا لمصالحها. والأحبار: جمع حَبر.
وهو العالِم. والسدنة: جمع سادن. وهو الخادم. والنذيرة: المنذورة لخدمة المسجد. ودونكموها أي: خذوها فعلموها العبادة. والإمام: الرئيس. وعندي
أي: زوجة لي. ونقترع: نستعمل القُرعة. وثبت: لم يغص. وذكر الفاكهة وصغر مريم و((من الجنة)) هو من زيادات المفسرين، لم يرد في القرآن أو السُّنّة ما
يؤيده. والراجح أن الرزق المذكور هو ما كان يقدمه إليها بعض الصالحين، وفيهم ابن عمها جريج. وفي البحر ٤٤٣:٢: ((أن ذلك كان بعد أن كبرتْ، وهو
أقرب للصواب)). والمحراب: محل العبادة.

الجزء الثالث
٥٥
٣ - سورة آل عمران
ومقصورًا، والفاعلُ اللهُ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيها زَكَرِيّاءُ المِحرابَ﴾: الغُرفة - وهي أشرف
المجالس - ﴿وَجَدَ عِندَها رِزقًا. قالَ: يا مَريَمُ، أنَّى﴾: من أينَ ﴿لَكِ هذا؟ قالَتْ﴾
وهي صغيرة: ﴿هُوَ مِن عِندِ اللّهِ﴾ يأتيني به من الجنّة. ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيرِ
حِسابٍ﴾ ٣٧ رزقًا واسعًا بلا تبعة.
١- ﴿هُنالِكَ﴾ أي: لمّا رأى زكريّاءُ ذلك، وعلم أنّ القادر على الإتيان بالشيء في غير
حينه قادر على الإتيان بالولد على الكِبَر، وكان أهل بيته انقرضوا، ﴿دَعا زَكَرِيّاءُ
رَبَّهُ﴾، لمّا دخل المِحراب للصلاة جوف الليل، ﴿قالَ: رَبِّ، هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾: من
عِندك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّيةً﴾: ولدًا صالحًا. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ﴾: مُجيبُ ﴿الدُّعاءِ ٣٨. فنادَتَهُ
الملائكةُ﴾ أي: جبريلُ، ﴿وهْوَ قائمٌ يُصَلِّي في المحرابِ﴾ أي: المسجد ﴿أَنَّ﴾ أي:
بأنّ - وفي قراءة بالكسر بتقدير القول - ﴿اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾، مثقَّلًا ومخفّفًا، ﴿بِيَحيَى
مُصَدِّقًا بِكَلِمةٍ﴾ كائنة ﴿مِنَ اللهِ﴾ أي: بعيسى أنه روح الله - وسُمّ كلمة لأنّه خُلق
بكلمة ((كُن)) - ﴿وسَيِّدًا﴾: متبوعًا، ﴿وحَصُورًا﴾: مَنُوعًا من النساء، ﴿ونَبِيًّا مِنَ
الصّالِحِينَ﴾ ٣٩. رُوي أنه لم يعمل خطيئة، ولم يَهِمّ بها .
سُورَةِ آلْعَان
الجزء الثَّالِثُ
هُنَالِكَ دَعَاذَكَرِيَا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٌ
فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ
طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ
يُصَلّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ الََّ يُبَشِّرُ كَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ
أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ
كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَايَشَآءُ ﴿﴿ قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِّءَايَةٌ
قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّتُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ إِلَّرَمْزًّا وَأَذْكُر
رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ ﴿ وَإِذْقَالَتِ
اَلْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَاصْطَفَتُكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَكِ
عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ ﴿ يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى
﴿﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ
وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِعِين
إِلَيْكٌ وَمَاكُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ
مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿ إِذْقَالَتِ
الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّاللَّهَ يُبَشِرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أُسْمُهُ الْمَسِيحُ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٥
٢- ﴿قَالَ: رَبِّ، أَنَّى﴾: كيف ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾: ولد، ﴿وَقَد بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أي:
بلغتُ نهايةَ السنِّ مِائَةً وعشرين سنة، ﴿وامرأتِي عاقِرٌ﴾ بلغتْ ثمانيَ وتسعين سنة؟
﴿قَالَ﴾: الأمر ﴿كَذْلِكَ﴾ مِن خلقِ غلام منكما. ﴿اللهُ يَفعَلُ ما يَشاءُ﴾ ٤٠ لا يُعجزه
عنه شيء. ولِإِظهار هذه القُدرة العظيمة ألَّهمَه السؤالَ ليُجابَ بها. ولمّا تاقت نفسه إلى
سرعة المُبشّر به ﴿قَالَ: رَبِّ، اجعَلْ لِيَ آيَةً﴾ أي: علامة على حمل امرأتي. ﴿قالَ:
آيَتُكَ﴾ عليه ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أي: تمتنعَ من كلامهم، بخلاف ذِكرِ الله تعالى، ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أي: بلياليها، ﴿إِلَّا رَمزًا﴾: إشارة. ﴿واذكُرْ رَبَّكَ
كَثِيرًا، وسَبِّحْ﴾: صلِّ ﴿بِالعَشِيِّ والإِبكارِ﴾ ٤١: أواخرِ النهار وأوائله.
٣- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذْ قَالَتِ المَلائكةُ﴾ أي: جبريلُ: ﴿يَا مَرِيَمُ، إنَّ اللهَ اصطَفاكِ﴾: اختاركِ ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من مسيس الرجال، ﴿واصطَفاكِ عَلَى نِساءِ
العالَمِينَ﴾ ٤٢ أي: أهل زمانكِ. ﴿يا مَريَمُ، اقتُتِي لِرَبِّكِ﴾: أطيعيه، ﴿واسجُدِي واركَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ٤٣ أي: صلِّي مع المُصلِّين. ﴿ذُلِكَ﴾
المذكور، من أمر زكريّاءَ ومريمَ، ﴿مِن أنباءِ الغَيبِ﴾: أخبار ما غاب عنك، ﴿نُوحِيهِ إلَيكَ﴾، يا محمّد، ﴿وما كُنتَ لَدَيهِم إذ يُلقُونَ أقلامَهُم﴾ في
الماء، يقترعون ليَظهر لهم ﴿أَيُّهُم يَكفُّلُ﴾: يُربّي ﴿مَريَمَ؟ وما كُنتَ لَدَيهِم إذ يَخْتَصِمُونَ﴾ ٤٤ في كفالتها، فتعرفَ ذلك فتُخبِرَ به. وإنما عرَفَتَه من
جهة الوحي.
٤ - اذكرْ ﴿إِذْ قالَتِ المَلائِكةُ﴾ أي جبريلُ: ﴿يَا مَرِيَمُ، إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أي: ولد ﴿اسمُهُ المَسِيحُ عِيسَى بنُ مَرَيَمَ﴾ - خاطبها بنسبته إليها
تنبيهًا على أنها تلده بلا أب، إذْ عادةُ الرجال نسبتُهم إلى آبائهم - ﴿وَجِيهَا﴾: ذا جاه، ﴿في الدُّنيا﴾ بالنبوّة ﴿والآخِرَةِ﴾ بالشفاعة والدرجات
العُلا، ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ٤٥ عند الله، ﴿وَيُكَلُّمُ النّاسَ في المَهدِ﴾ أي: طفلًا قبل وقت الكلام ﴿وكَهلًا، ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ ٤٦.
(١) علم أي: تنبه. وعلى الكبر أي: على الرغم من الشيخوخة. وانقرضوا أي: ذهبوا بالموت. وهب لي أي: امنحني وأحسن إليّ. والذرية: النسل.
والسميع: المبالغ في إدراك المسموعات وما دونها. والدعاء: طلب العون. ونادته: دعته باسمه. ويصلي: يعبد الله ويدعوه. وبالكسر يريد القراءة: «إنّ)).
ومخففًا يريد القراءة ((يَبْشُرُكَ)) أي: يُبلّغك ما يَسرّك. وبيحيى أي: بولادته منك ومن زوجتك. واسمه معناه أنه يَحيى بالعلم اليقيني والإيمان. والمصدق:
المؤمن بصدق عيسى في رسالته. وهو أول من آمن به. و((بعيسى)) تفسير لـ ((بكلمة)). وروح يعني أنه سِرّ من عند الله، خلقه بدون وساطة أب. ومنوعًا أي:
كثير المنع لنفسه من مضاجعتهن، مع قدرته وحاجته إلى ذلك. وفي الأصل وقرة العينين والصاوي وبعض المطبوعات: ((ممنوعًا)). والصالح: من يعمل
ما يرضي الله. ولم يهم بها أي: ولم يُردها ولم يقصدها. (٢) بلغني: أدركني. والعاقر: التي لا تحمل. و((ثمانيَ)) صحيح. انظر ((المفصل)). والأمر أي:
أمرك أنت وزوجتك. ويفعل: يُحدث ويبدع. ويشاء أي: يريد أن يفعله. وتاقت: اشتاقت. واجعل أي: صيِّرْ. وعليه أي: على حملها. وتكلمهم: تخاطبهم
بكلام. وإشارة أي: باليد أو الرأس أو الجفن. واذكره: استحضر اسمه وعظمته. (٣) اختارك أي: بالفضل والإكرام. وطهرك: نزهك وأبعدك. ومسيس
الرجال أي: الجماع وما يتصل به. والعالَم: الجنس من الخلق. والسجود والركوع: عُبُّرَ بهما عن الصلاة. والأنباء: جمع نبأ. ونوحي: نبلّغك على لسان
جبريل. ولديهم أي: عند المتنازعين في كفالة مريم ومعهم. والأقلام: جمع قلم. وهو ما يُكتب به. ويختصمون: يختلفون ويتنازعون. (٤) المسيح: معناه
الميمون المبارك لما فيه من الخير. والدنيا: الحياة القريبة من البشر لأنهم فيها. والآخرة: الحياة بالبعث بعد الموت. والجاه: العز والشرف والسيادة.
والمقرب أي: في علو المنزلة. وفي هذا أيضًا ما يتضمن رفعه إلى السماء. ويكلمهم: يخاطبهم بالكلام المسموع. والناس: البشر من حوله. والمهد: ما يهيأ
للوليد ينام فيه. وطفلًا أي: قبل بلوغه عُمرَ من يتكلم من البشر. والكهل: مَن قارب الأربعين. والصالح: من يعمل ما يرضاه الله.

٣ - سورة آل عمران
٥٦
الجزء الثالث
سُورَة أَلْعَنَران
الجزء الثَالفُ
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِوَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ
اُللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (هـ
وَيُعَلِّمُهُ اُلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ
وَرَسُولَا إِلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَنِى قَدْجِئْتُّكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
أَنِّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِينِ كَهَيََّةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ
فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَبْرِىُ الْأَكْمَهَ وَاُلْأَبْرَمَ
وَأُحِىِ الْمَوْنَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَذَّخِرُونَ
فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّلَكُمْ
بَعْضَ اَلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِقَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوةً
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ ﴿ فَلَمَّا أَحَسَ عِيسَى مِنْهُمُ
اُلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ
أَنْصَارُ اللهِ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ اللَّ
١- ﴿قَالَتْ: رَبِّ، أَنَّى﴾: كيف ﴿يَكُونُ لِي وَلَدٌ، ولَم يَمسَسْنِي بَشَرٌ﴾ بتزوّج ولا
غيره؟ ﴿قالَ﴾: الأمر ﴿كَذْلِكِ﴾ من خلق ولد منك بلا أب. ﴿اللهُ يَخلُقُ ما يَشاءُ، إذا
قَضَى أمرًا﴾: أراد خلقه ﴿فإنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ. فَيَكُونُ﴾ ٤٧ أي: فهو يكون.
﴿وَنُعَلِّمُهُ﴾ - بالنون والياء - ﴿الكِتابَ﴾: الخطّ، ﴿والحِكْمَةَ والثَّوراةَ
والإِنجِيلَ ٤٨، و) نجعله ﴿رَسُولًا إِلَى بَنِي إسرائيلَ﴾ في الصِّبا أو بعدَ
البلوغ. فنفخ جبريلُ في جَيبِ دِرعها فحَملتْ، وكان من أمرها ما ذُكر في سورة
((مریم)).
٢- فلمّا بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم: إني رسول الله إليكم، ﴿أَنِّ﴾ أي: بأني
﴿قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ﴾: علامة على صدقي ﴿مِن رَبَّكُم﴾، هي ﴿أَنَّ﴾ - وفي قِراءة بالكسر
استئنافًا - ﴿أخلُقُ﴾: أصوّر ﴿لَكُم مِنَ الطِّينِ کَھَيئةِ الطَّيرِ﴾: مثلَ صورته - فالكاف:
اسمٌ مفعولٌ - ﴿فأنفُخُ فِيهِ﴾ الضميرُ للكاف ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، وفي قراءةٍ: ((طائرًا))،
﴿ بإذن اللهِ﴾: بإرادته - فخلق لهم الخُفّاش لأنه أكمل الطير خَلقًا، فكان يطير وهم
ينظرونه، فإذا غاب عن أعيُنهم سقط ميْنًا - ﴿وأُبرِئُ﴾: أَشفي ﴿الأكمَهَ﴾:
نَصْفَ
الخِرْبُ
الذي وُلد أعمى ﴿والأبرَصَ﴾ - وخُصّا بالذكر لأنهما داءا إعياء، وكان بعثُه
في زمن الطبّ، فأبرأ في يوم خمسين ألفًا بالدعاء بشرط الإِيمان - ﴿وأُحيي
المَوتَى بإذنِ اللهِ﴾ - كرّره لنفي توهّم الأُلوهيّة فيه. فأحيا عازرَ صديقًا له وابنَ العجوز
وابنةَ العاشر، فعاشوا ووُلِدَ لهم، وسامَ بن نوح وماتَ في الحال - ﴿وَأُنَبِّكُم بِما
تأكُلُونَ، وما تَدَّخِرُونَ﴾: تَخْبَؤُون ﴿فِي بُيُوتِكُم﴾ ممّا لم أَعاينه. فكان يُخبر الشخص
بما أكل وبما يأكل بعد. ﴿إِنَّ فِي ذُلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآيَةً لَكُم، إنْ كُنتُم مُؤْمِنِينَ ٤٩. و﴾ جئتكم ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾: قبلي ﴿مِنَ الثَّوراةِ،
ولِأُحِلَّ لَكُم بَعضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم﴾ فيها - فأحلّ لهم من السمك والطير ما لا صِيصِيةً له. وقيل: أَحلّ الجميع، فبعض بمعنى: كلّ -
﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِن رَبَّكُمْ﴾. كرّره تأكيدًا، ولِيُبنَى عليه: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ، وأطِيعُونٍ﴾ ٥٠ فيما آمُرُكم به من توحيد الله وطاعته. ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُم،
فاعبُدُوهُ. هذا﴾ الذي آمركم به (صِراطٌ﴾: طريق ﴿مُستَقِيمٌ﴾ ٥١. فكذّبوه ولم يؤمنوا به.
٣- ﴿فَلَمّا أَحَسَّ﴾: عَلِمَ ﴿عِيسَى مِنهُمُ الكُفرَ﴾، وأرادوا قتله، ﴿قَالَ: مَن أنصارِيَ﴾: أعواني ذاهبًا ﴿إِلَى اللهِ﴾ لأنصر دينه؟ ﴿قَالَ الحَوارِيُّونَ:
نَحنُ أنصارُ اللهِ﴾: أعوان دينه - وهم أصفياء عيسى أوّلُ مَن آمنَ به، وكانوا اثني عَشَرَ من الحَوَرِ، وهو البياض الخالص. وقيل: كانوا قصّارين
يُحوّرون الثياب أي: يُبّضونها - ﴿آمَنّا﴾: صدّقنا ﴿بِاللهِ. واشهَدْ﴾ - يا عيسى - ﴿بِأَنّا مُسلِمُونَ ٥٢. رَبَّنا، آمَنَّا بِما أنزَلتَ﴾ من الإنجيل،
﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ عيسى. ﴿فاكتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ ٥٣ لك بالوحدانيّة ولرسولك بالصِّدق.
(١) يمسسني أي: ينلني ناكحًا. والبشر: الإنسان الذكر. ويَخلق: يُوجِد وينشئ من العدم. والأمر: الشيء. وكن: احدث. ويكون: يَحدث. انظر الآية ١١٧
من سورة البقرة. وبالياء يريد القراءة ((ويُعَلِّمُهُ)) أي: وحيًا وإلهامًا وتدريبًا. والحكمة: وضع الأمور بعلم وإتقان. وجيب الدرع: ماينفتح على النحر من
القميص. وحملت أي: بما صار جنينًا في الرحم. وسورة مريم أي: الآيات ١٦ - ٣٣ من تلك السورة.
(٢) جئتكم: حضرت لكم من عند الله. والآية أي: الآيات. ومن ربكم أي: من عنده وبأمره. وبالكسر يريد القراءة ((إنّيَ أخلُقُ)). وأصوّر أي: أُشكّل على
مقدار معيّن. والطير: واحده طائر. والضمير أي: المتصل. والخفاش: الوطواط. والأبرص: الذي فيه البرص، بياض شديد يعتري جلد الإنسان. والإعياء:
الإعجاز. يعني أنهما داءان يُعجزان الأطباء. وبشرط الإيمان: يعني أنه كان يشرط على من يشفيه أن يؤمن برسالته. وذكرُ العدد من الأساطير بلا نص موثق.
وأحييه: أرد روحه إلى جسده. والموتى: جمع ميت. وعازر: رجل كان قد مات ودُفن. والعجوز: امرأة كانت في عهد عيسى. والعاشر: رجل كان يأخذ
الإتاوات. والعشور: جمع عُشر. انظر ((المفصل)). وأنبئ: أَخبر عن طريق الوحي. والمذكور أي: من المعجزات. والمصدِّق: مَن يثبت ماكان من حقٍّ.
وتصديق الصادق من صفات الأنبياء والصالحين. وأُحله: أجعله حلالًا. وحُرّم: جُعل في التوراة حرامًا. والصيصية: كالشوكة الناتئة في ساق الطير. والآية:
الدليل القاطع. ومن ربكم أي: من عنده وبأمره. والمراد بالآية هنا ما سيقوله في الآية ٥١. واتقوه أي: تجنبوا غضبه واطلبوا رضاه. وأطيعون أي: أطيعوني
واستجيبوا لما جئتكم به. واعبدوه أي: قدّسوه وحدَه وأطيعوه. والمستقيم: المعتدل.
(٣) الكفر أي: ثباتهم على تكذيب الرسالته، وعدم تأثرهم بالآيات. وقال أي: للحواربين. انظر الآية ١٤ من سورة الصف. والأنصار: جمع نصير. وذاهبًا
أي: متوجهًا. وإلى الله أي: إلى نصرة دينه. وقال أي: صرح بالقول. والحواريون: جمع حواريّ. وهو الناصر الخالص النية. وبالله أي: بوجوده ووحدانيته
وجلاله. واشهدْ أي: كن شاهدًا لنا يوم القيامة. ومن الإنجيل أي: والتوراة. واتبعناه: وافقناه في كل ما يقول. واكتبنا أي: أثبتْ أسماءنا برحمتك. ومع
الشاهدين أي: مع أسمائهم واجعلنا فيما تكرمهم به .

الجزء الثالث
٥٧
٣ - سورة آل عمران
١ - قال تعالى: ﴿ومَكَرُوا﴾ أي: كُفّارُ بني إسرائيل بعيسى، إذ وكلوا به من يقتله غيلة،
﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ بهم بأن ألقى شَبهَ عيسى على من قصد قتله فقتلوه، ورُفع عيسى، ﴿واللهُ
خَيرُ الماكِرِينَ﴾ ٥٤: أعلمُهم به. اذكرْ ﴿إِذ قالَ اللهُ: يا عِيسَى، إنِّي مُتَوَفِيكَ﴾:
قابضك، ﴿ورافِعُكَ إِلَيَّ﴾ من الدنيا من غير موت، ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾: مُبعِدك ﴿مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُوا، وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾: صدّقوا بنبُوّتك من المسلمين والنصارى ﴿فَوقَ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ بك وهم اليهود، يَعلُونهم بالحُجّة والسيف ﴿إِلَى يَومِ القِيامةِ. ثُمَّ إليَّ
مَرِجِعُكُم، فأحكُمُ بَينَكُمْ فِيما كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ٥٥ من أمر الدين،َ ﴿فأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا
فأُعَذِّبُهُم عَذَابًا شَدِيدًا في الدُّنيا﴾ بالقتل والسبي وأخذ الجزية، ﴿والآخِرةِ﴾ بالنار،
﴿وما لَهُم مِن ناصِرِينَ﴾ ٥٦: مانعين منه، ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ
فيُوَفِّيهِم﴾ - بالياء والنون - ﴿أُجُورَهُم. واللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٥٧ أي: يُعاقبهم.
٢- رُوي أنّ الله أرسل إليه سحابة فرفعتْه، فتعلّقتْ به أُمّه وبكت، فقال لها: إنّ القِيامة
تجمعنا. وكان ذلك ليلةَ القدر ببيت المقدس، وله ثلاث وثلاثون سنة، وعاشت أُمّه
بعده ستَّ سنين. وروى الشيخان حديث «أنّه يَنْزِلُ قُربَ السّاعةِ ويَحكُمُ بِشَرِيعِةٍ نَبِّنا،
ويَقتُلُ الدَّجّالَ والخِنزِيرَ ويَكسِرُ الصَّلِيبَ ويَضَعُ الجِزيةَ)). وفي حديث مسلم أنّه يمكثُ
سبعَ سنينَ - وفي حديثٍ عند أبي داودَ الطيالسيّ: أربعينَ سنة - ويُتوفَّى ويُصلَّى عليه.
فيحتمل أنّ المُراد مجموع لَبِه في الأرضِ قبل الرفع وبعده.
سُورَةِ الْعَمَان
الجزء الثَّالِثُ
رَبَّنَآءَ امَنَابِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللَّهُ خَيْرٌ
الْمَكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَىّ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ
إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوَ
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّالَّذِينَ
كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا
وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
لَهُممِّن نَصِرِينَ ﴾ّ
الضَلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمُّ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظّلِينَ [®
ذَلِكَ نَتْلُوُهُ عَلَيْكَ مِنَ اْلَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ّ إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى عِندَاللَّهِكَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ، مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ جَ اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ
أَبَْاءَ نَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ
ثُمَّنَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِّبِينَ
٣- ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من أمر عيسى ﴿نَتلُوهُ﴾: نقصّه ﴿عَلَيكَ﴾ - يا محمّد - ﴿مِنَ
الآياتِ﴾: حال من الهاء في ((نتلوه)) وعامله ما في ((ذلك)) من معنى الإِشارة، ﴿والذِّكرِ
الحَكِيمِ﴾ ٥٨ المُحكَمِ أي: القرآن. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾: شأنَه الغريبَ ﴿عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾: كشأنه في خلقه من غير أب - وهو من تشبيه الغريب
بالأغرب، ليكون أقطَع للخصم وأوقع في النفس - ﴿خَلَقَهُ﴾ أي: آدمَ أي: قالَبَهُ ﴿مِن تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ﴾ بشرًا. ﴿فَيَكُونُ﴾ ٥٩ أي: فكان.
وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب. فكان. ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾: خبرُ مبتدأ محذوف أي: أمرُ عيسى. ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمتَرِينَ﴾ ٦٠: الشاكِّين
فيه .
٤- ﴿فَمَن حاجَّكَ﴾: جادلك من النصارى ﴿فِيهِ، مِن بَعدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلمِ﴾ بأمرِهِ، ﴿فقُلْ﴾ لهم: ﴿تَعالَوا، نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكُم ونِساءَنا
ونساءَكُم وأنفُسَنا وأَنفُسَكُم﴾ فَنَجمعْهم، ﴿ثُمَّ نَبتَهِلْ﴾: نتضرّعْ في الدعاء، ﴿فَتَجَعَلْ لَعْنَةَ اللهِ علَى الكاذِبِينَ﴾ ٦١ بأن نقول: اللّهمّ العنِ الكاذبَ في
شأن عيسى. وقد دعا وَ لّه وفد نجرانَ لذلك لمّا حاجُّوه فيه، فقالوا: حتّى ننظر في أمرنا ثمّ نأتيك. فقال ذو رأيهم: لقد عرفتم نبوّته، وأنه ما باهَلَ
قومٌ نبيًّا إلَّا هَلَكوا، فوادِعوا الرجلَ وانصرفوا. فأتَوهُ وقد خرج، ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعليّ، وقال لهم: (إذا دَعَوتُ فأمِّنُوا)). فأبَوا أن
يُباهِلوا، وصالَحوه على الجِزية. وعن ابن عبّاس: لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا. وفي رواية: لو خرجوا لاحترقوا.
(١) مكر: خدع ودبر المكايد بالخفاء. والغيلة: الاغتيال بخديعة. ومكَرَ الله أي: أوصلَ كيده إلى مستحقه، وهو سترُ حقيقة صاحبهم. والراجح أن الشَّبه
المذكور ألقي على أحد أنصار عيسى فصُلِب. انظر الآية ١٥٧ من سورة النساء وتفسير الآلوسي ٢٨٣:٣ -٢٨٤. ولا يبعد أن بعض اليهود علموا أن المقتول
هو غير عيسى، ولكنهم أشاعوا غير ما علموا، للتضليل والإفساد. وقابضك أي: آخِذُك. ورافعك إليّ أي: ناقلك ومُصعِدك إلى محل كرامتي. ومن غير موت:
المروي عن ابن عباس أن المعنى: مستوفي أجلك ومميتك حتف أنفك، لا أسلط عليك من يقتلك. انظر ((المفصل)). وجاعل أي: مصيّر. وإليّ أي: إلى لقاء
حسابي. والمرجع: العودة بالحشر. وتختلفون: تختصمون. والشديد: القوي. وعمل: اكتسب من نية أو قول أوفعل. والصالح: مايرضاه الله. وبالنون يريد
القراءة ((فنُوَفِيهِم)) أي: نعطيهم عطاء غير منقوص. والأجور: جزاء أجورهم. ولا يحبهم أي: يبغضهم فلا يحسن إليهم، ويحب المؤمنين فيوفقهم ويرحمهم.
والظالم: الكافر. (٢) بعض التفصيلات هنا غير ثابت بخبر موثق، وهو من أقوال النصارى. والشيخان: انظر ((المفصل)). ويقتل الخنزيرَ أي: يأمر بإعدامه.
ويضع الجزية أي: يُبطلها وينسخ حكمها، لأنه لا يقبل إلّا الإسلام. وحديث مسلم هو في صحيحه تحت الرقم ٢٩٤٠. (٣) المذكور أي: في الآيات ٣٥-
٥٧. والآيات: العلامات الدالة على صحة رسالتك. والذكر: مايذكِّر بالحق. والمحكم: الذي لا يتطرق إليه الخلل. وعند الله أي: في تقديره وحكمه.
وأقطع للخصم أي: أقطع لحُجة من يخاصم في ذلك. وخلقه: كوّنه وأنشأه. والقالب: الجسد والصورة. والحق: الأمر الثابت أبدًا. (٤) من النصارى أي:
نصارى نجران وغيرهم. وفيه أي: في الأمر الحقيقي لعيسى. وجاءك: أوحي إليك. والعلم أي: ما يوجب المعرفة إيجابًا قطعيًا بالآيات البينات. وتعالوا:
هلموا وائتوا. وندعوهم: نطلبهم للاجتماع حقيقة أو بذكر أسمائهم. والأبناء: جمع ابن. والنساء: جمع نسوة. والنسوة واحدته امرأة. والنفس حقيقة الإنسان
بروحه وجسده. ونجعل أي: نطلب الجعل والتصيير بالدعاء. ولعنة الله: الطرد من رحمته. والكاذب: من يقول غير الحق. وذو رأيهم أي: أُسقفُّهم وصاحب
علمهم وأمرهم. وقال لهم أي: للأربعة المذكورين من أهله. وأمِّنوا أي: قولوا: آمين. وخرج الذين أي: خرجوا لِما طُلب منهم. ورجعوا أي: إلى ديارهم.
وانظر المستدرك ٢٦٧:٣ وتفسير ابن كثير ٣٤٧:١ -٣٥٠.

٣ - سورة آل عمران
٥٨
الجزء الثالث
الجزء الثَّالِثُ
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ اَلْحَقِّ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ()
قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَانُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أُشْهَدُ واْ بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ ﴿ يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ
إِبْرَهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَنَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ◌ِّ أَفَلاَ
شُوَرَةِ الْعَمَّان
١- ﴿إِنَّ هُذا﴾ المذكورَ ﴿لَهْوَ القَصَصُ﴾: الخبر ﴿الحَقُّ﴾: الذي لا شكّ فيه، ﴿وما
مِن﴾: زائدةٌ ﴿إِلّهِ إلّ اللهُ، وإنَّ اللهَ لَهْوُ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ ٦٢ في صُنعه.
﴿فإنْ تَوَلَّوا﴾: أعرضوا عن الإِيمان ﴿فإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفسِدِينَ﴾ ٦٣، فيُجازيهم. وفيه
وضع الظاهر موضع المُضمر. ﴿قُلْ: يا أهلَ الكِتابِ﴾: اليهود والنصارى، ﴿تَعالَوا
إِلَى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾: مصدرٌ بمعنى مُستوِ أمرُها ﴿بَيْنَنا وَبَينَكُم﴾، هي ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إلّ اللهَ
ولا نُشرِكَ بِهِ شَيئًا، ولا يَتَّخِذَ بَعضُنا بَعضًا أربابًا مِن دُونِ اللهِ﴾ كما اتّخذتم الأحبار
والرهبان. ﴿فإنْ تَوَلَّوا﴾: أعرضوا عن التوحيد ﴿فَقُولُوا﴾ أنتم لهم: ﴿اشهَدُوا بِأَنّا
مُسلِمُونَ﴾ ٦٤: موحّدون.
هَكَأَنتُمْ هَؤُلاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ،
تَعْقِلُونَ هَّ
٢- ونزل، لمّا قال اليهود: ((إبراهيم يهوديّ ونحن على دِينه))، وقالت النصارى
كذلك، ﴿يا أهلَ الكِتابِ، لِمَ تُحاجُّونَ﴾: تُخاصِمون ﴿فِي إِبراهِيمَ﴾ بزعمكم أنه على
عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
﴿لَ تَعْلَمُونَ جَ مَا كَانَ إِبْرَهِيمٌ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ
حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ
بِنَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَاللّهُوَلِيُّ
اَلْمُؤْمِنِينَ (٨) وَدَّتَ طَّابِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْيُضِلُونَكُمْ
وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَايَشْعُرُونَ ﴿ يَتَأَهْلَ
الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَأَنْتُمُ تَشْهَدُونَ (3)
دينكم، ﴿وما أُنزِلَتِ الثَّوراةُ وَالإِنجِيلُ إلّا مِن بَعدِهِ﴾ بزمن طويل، وبعد نزولهما حدثت
اليهوديّة والنصرانيّة؟ ﴿أفلا تَعقِلُونَ﴾ ٦٥ بُطلانَ قولكم؟ ﴿ها﴾: للتنبيه ﴿أَنتُم﴾: مبتدأ
يا ﴿هُؤُلاءِ﴾ والخبرُ: ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكُم بِهِ عِلمٌ﴾ من أمر موسى وعيسى، وزعمتم
أنكم على دينهما. ﴿فِلِمَ تُحاجُونَ فِيما ليسَ لَكُم بِهِ عِلمٌ﴾ من شأن إبراهيم؟ ﴿واللهُ
يَعلَمُ﴾ شأنه، ﴿وأنْتُم لا تَعلَمُونَ﴾ ٦٦هُ. قال تعالى تبرئَةً لِإِبراهيم: ﴿ما كانَ إِبراهِيمُ
يَهُودِيًّا ولا نَصرانِيًّا، ولكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾: مائلًا عن الأديان كلّها إلى الدين القيِّم،
﴿مُسلِمًا﴾: مُوحِّدًا، ﴿وما كانَ مِنَ المُشرِكِينَ ٦٧. إنَّ أَولَى النّاسِ﴾: أحقّهم
﴿بِإِبراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في زمانه، ﴿وهذا النَِّيُّ﴾ محمّد لمُوافقته له في أكثر شرعه،
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أُمَّته - فهم الذين ينبغي أن يقولوا: ((نحن على دينه))، لا أنتم - ﴿واللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ ٦٨: ناصرهم وحافظهم.
٣- ونزل، لمّا دعا اليهودُ مُعاذًا وحُذيفةَ وعمّارًا إلى دينهم: ﴿وَدَّتْ طائفةٌ مِن أهلِ الكِتابِ لَو يُضِلُّونَكُم، وما يُضِلُّونَ إلّا أنفُسَهُم﴾ لأن إثم
إضلالهم عليهم، والمؤمنون لا يطيعونهم فيه، ﴿وما يَشِعُرُونَ﴾ ٦٩ بذلك. ﴿يا أهلَ الكِتابِ، لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾: القرآن المشتمل على نعت
محمّد، ﴿وَأَنتُم تَشْهَدُونَ﴾ ٧٠: تعلمون أنه حقّ؟ ﴿يا أهلَ الكِتابِ، لِمَ تَلْبِسُونَ﴾: تخلطون ﴿الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ بالتحريف والتزوير، ﴿وَتَكْتُمُونَ
الحَقَّ﴾ أي: نعت النبيّ، ﴿وأنتُم تَعلَّمُونَ﴾ ٧١ أنه حقّ؟
(١) المذكور أي: في الآيات من أخبار عيسى. وزائدة أي: حرف جر زائد معناه التنصيص على عموم النفي، لسلب الألوهية عما يُعبد من دون الله. والإله:
المعبود بحق وحده. والعزيز: الغلاب لا يعجزه معاند ويذل لعزته ماعداه. والحكيم: ذو الحكمة البالغة بكمال العلم وإحسان الفعل وإتقان الأشياء.
والمفسد: الداعي إلى الاضطراب والشر. والعليم: المبالغ في الإحاطة بكل شيء قبل وجوده وبعده. وموضع المضمر: يعني أن قول ((بالمفسدين)) عوض من
(بهم))، لبيان سبب التهديد بالمجازاة. وأهله: أصحابه المكلفون باتباعه. والكتاب أي: التوراة والإنجيل. وتعالوا أي: هلموا نجتمع ونتفق. والكلمة أي:
الكلام. ومستو أمرها أي: هي عدل وإنصاف، فيما جاء به الأنبياء والكتب السماوية، لينصف كل منّا الآخَرَ. ونعبد: نقدس ونطيع طاعة مطلقة. ولا نشرك
به: لا نجعل له شريكًا في الألوهية. والشيء: ماهو موجود أو محتمل وجوده أو متوهَّم. ويتخذ: يجعل. وبعضنا أي: الواحد منّا أو الأكثر. والأرباب:
جمع رب. وهو المعبود. والمعنى: ألّا يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله. والأحبار: جمع حَبر. وهو العالم عند اليهود. وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال
عدي بن حاتم: ماكنّا نعبدهم، يارسول الله. قال: ((ألَيسَ كانُوا يُحِلُّونَ لَكُم ويُحَرِّمُونَ، فتأخُذُونَ بِقَولِهم))؟ قال: نعم. قال: ((هُوَ ذاكَ)). وهذا ما عليه كثير من
المسلمين الآن، يتقبلون فتاوى باطلة وتشريعات مستوردة ويعملون بها، خلافًا لأحكام الإسلام. وقولوا أي: أنت أيها الرسول والمؤمنون. واشهدوا أي: نحن
نُقرّ ونعترف، فاعلموا واعترفوا دائمًا .
(٢) تنازع الفريقان عند الرسول ﴿4﴾، فقال: ((كِلا الفَرِيقَينِ بَرِيءٌ مِن إِبراهِيمَ ودِينِهِ. بَل كانَ حَنِفًا مُسلِمًا، وأنا على دِينِهِ، وأولَى النّاسِ بِهِ. فاتَّبِعُوا دِينَهُ
الإسلامَ)). ولكن أهل الكتاب أعرضوا ولم يستجيبوا، فنزلت الآيات ٦٤-٦٨. انظر ((المفصل)). وتُخاصمون أي: بعضكم بعضًا. وفي إبراهيم أي: في دينه
وأتباعه. وأُنزلت: أُوحيت. وتعقلون أي: تستعملون عقولكم لتعُوا وتدركوا. وحاججتم: جادلتم وخاصمتم. والعلم: المعرفة لِما كان في التوراة والإنجيل.
وزعمتم أي: ادعيتم من دون دليل قاطع. والعلم: الإدراك اليقيني. ويعلمه: يحيط به بالغ الإحاطة. والمشرك: من يجعل مع الله شريكًا له في الألوهية.
وبإبراهيم أي: بدينه واتّباعه. وآمنوا: صدّقوا الله ورسوله.
(٣) ود: تمنى وأحب. والطائفة: الجماعة. ويضلونكم أي: يردونكم عن دينكم ويوقعونكم في الكفر، وما يضلون أي: ما يُفسدون ولا يؤثمون. ويشعر:
يحس ويعلم. وبذلك أي: بأن الضلال هو مختص بهم. وقوله ((القرآن المشتمل على نعت محمد)» فيه خلل، صوابه في التلخيص: ((القرآن وبيان نعت محمد)).
والمراد ببيان نعته هو ما جاء في التوراة والإنجيل، كما قال البيضاوي. وأنه حق أي: أنهم يشهدون بذلك فيما بينهم، إذا خلا الأحبار بعضهم إلى بعض،
وينكرونه أمام الملأ. والحق: الصدق الذي أوحي على موسى وعيسى. والباطل: ما لا يثبت عند الاختبار، إذ لا أصل له في الواقع. وبالتحريف أي:
بوساطة التغيير والتبديل، في التوراة والإنجيل. والتزوير: تزيين الكذب وتحسينه. وتكتم: تخفي. والحق: الأمر الثابت. وتعلم: تدرك وتعي باليقين.

الجزء الثالث
٥٩
٣ - سورة آل عمران
١- ﴿وقالَتْ طائفةٌ مِن أهلِ الكِتابِ﴾ اليهودِ لبعضهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ
آمَنُوا﴾ أي: القرآنِ ﴿وَجهَ النَّهارِ﴾: أوّلَه، ﴿واكِفُرُوا﴾ به ﴿آخِرَهُ، لَّعَلَّهُم﴾ أي:
المُؤمنين ﴿يَرْجِعُونَ﴾ ٧٢ عن دينهم - إذ يقولون: ما رَجَعَ هؤلاء عنه بعد دخولهم فيه،
وهم أولو عِلم، إلّا لعلمهم بُطلانَه - وقالوا أيضًا: ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾: تُصدِّقوا ﴿إِلّا
لِمَن﴾ اللام زائدة ﴿تَبَعَ﴾: وافق ﴿دِينَكُم﴾ - قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم، يا محمّد: ﴿إِنَّ
الهُدَى هُدَى اللهِ﴾ الذي هو الإِسلام، وما عداه ضلال. والجملةُ اعتراض - ﴿أنْ﴾
أي: بأن ﴿يُؤْتَى أَحَدٌ مِثلَ ما أُوتِيتُم﴾ من الكِتاب والحِكمة والفضائل. وأنْ:
مفعول ((تؤمنوا))، والمُستثنى منه ((أحد)) قُدّم عليه المُستثنى. المعنى: لا تُقِرّوا
ثلاثة أرباع
الخِرَبُ
٦
بأن أحدًا يُؤتى ذلك إلّا مَن تبع دِينكم، ﴿أو﴾ أن ﴿يُحاجُوكُم﴾ أي: المؤمنون
يغلبوكم ﴿عِندَ رَبَّكُمْ﴾ يوم القيامة لأنّكم أصحّ دينًا. وفي قراءة: ((أَنْ)) بهمزة
التوبيخ أي: أإيتاءُ أحدٍ مثلَه تُقِرّون به؟
٢- قال تعالى: ﴿قُلْ: إنَّ الفَضلَ بِيَدِ اللهِ، يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾. فمِن أين لكم أنه لا يُؤْتَى
أحد مِثلَ ما أوتيتم؟ ﴿واللهُ واسِعٌ﴾: كثير الفضل، ﴿عَلِيمٌ﴾ ٧٣ بمن هو أهله،
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمتِهِ مَن يَشاءُ، واللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ﴾ ٧٤.
سُورَةِ الْعَمَّانَ
الجزء الثَّالُ
يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ الْحَقَّ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِءَامِنُواْ
بِالَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوْءَاخِرَهُ.
◌َعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ وَلَا تُؤْمِنُواْإِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْقُلْ إِنَّ
اُلْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْنَى أَحَدٌ مِثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاْتُوُ
عِندَرَبَّكُمْ قُلْ إِنَّالْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِيُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ
يَخْنَصُّ بَرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
عَلِيمٌ يا
اُلْعَظِيمِ ﴿﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ
يُؤَدِّهِةٍإِلَيَكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لََّ يُؤَدِّهٍِ إِلَيْكَ إِلَّا
◌ْمَادُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسُ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّئِنَ
VO
سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ اُلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَكَ لَا
خَلَقَ لَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ
٣- ﴿ومِن أهلِ الكِتابِ مَن إِنْ تأمَنْهُ بِقِنطارٍ﴾ أي: بمال كثير ﴿يُؤَدِّهِ إلَيكَ﴾ لأمانته،
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
W
كعبد الله بن سلام، أودعه رجل ألفًا ومِائَتي أُوقيّةٍ ذهبًا فأدّاها إليه، ﴿ومِنْهُم مَن إِنْ تَأْمَنْهُ
بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيكَ﴾ لخِيانته، ﴿إِلّا ما دُمتَ عَلَيهِ قائمًا﴾ لا تفارقه. فمتى فارقته
أنكره، ككعب بن الأشرف، استودعه قرشيّ دينارًا فجحده. ﴿ذلِكَ﴾ أي: تركُ الأداء ﴿بِأنَّهُم قالُوا﴾ بسبب قولهم: ﴿لَيسَ عَلَينا في الأُمِّيِّينَ﴾
أي: العربِ ﴿سَبِيلٌ﴾ أي: إثم. لاستحلالهم ظلمَ من خالفَ دِينهم، ونسبوه إليه تعالى. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ في نِسبة
ذلك إليه، ﴿وَهُم يَعلَمُونَ﴾ ٧٥ أنهم كاذبون. ﴿بَلَى﴾ عليهم فيهم سبيل، ﴿مَن أَوفَى بِعَهِدِهِ﴾ الذي عاهد عليه، أو بعهد الله إليه من أداء الأمانة
وغيره، ﴿وَاتَّقَى﴾ اللهَ بتركِ المعاصي وعملِ الطاعات، ﴿فإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ ٧٦، فيه وضع الظاهر موضع المُضمر أي: يُحبّهم بمعنى:
◌ُثیبھم.
٤- ونزل في اليهود، لمّا بدّلوا نعتَ النبيّ وعهدَ اللّهِ إليهم في التوراة، أو فيمن حلف كاذبًا في دعوَى أو في بيع سِلعةٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشِتَرُونَ﴾:
يستبدلون ﴿بِعَهدِ اللهِ﴾ إليهم، في الإيمانِ بالنبيّ وأداءِ الأمانة، ﴿وأيمانِهِم﴾: حلفهم به - تعالى - كاذبًا، ﴿ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ من الدُّنيا، ﴿أُولَئِكَ لا
خَلاقَ﴾: نصيبَ ﴿لَهُم في الآخِرِةِ، ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ غضبًا عليهم، ﴿ولا يَنظُرُ إِلَيهِم﴾: يرحمهم ﴿يَومَ القِيامةِ، ولا يُزَكِّيهِم﴾: يُطهّرهم، ﴿وَلَهُم
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٧٧: مؤلم. ﴿وإنَّ مِنْهُم﴾: أي: أهلِ الكتاب ﴿لَفَرِيقًا﴾: طائفة، ككعب بن الأشرف، ﴿يَلْوُونَ السِنتَهُم بِالكِتابِ﴾ أي: يعطفونها
(١) الطائفة: الجماعة. والكتاب: التوراة. وآمِنوا أي: أظهروا الإيمان والتصديق. وآمَنوا: صدّقوا الله ورسوله. واكفروا به: أنكروا أنه من عند الله. ويرجع:
يرتد إلى الكفر أو الشرك. وزائدة: يعني أنها زائدة للفرق بين إيمان النجاة وإيمان التصديق. والهدى: الدلالة الحقيقية إلى الخير. واعتراض أي: أن ((قل إن
الهدى هدى الله)) معترض بين ((لا تؤمنوا)) والمصدر المؤول من ((أنْ)) وما بعدها. ويؤتى: يعطى. ومثله أي: مماثله في الحق. وعند ربكم أي: عند لقاء ميعاد
حسابه وجزائه .
(٢) الفضل: التفضل بالنعم. وبيد الله أي: هو في يده وحده. ويؤتيه: يعطيه. ويشاء: يريد أن يؤتيه. والعليم: البالغ الإحاطة. وأهله: أهل الفضل.
ويختص: يختار. والرحمة: العطف بالإحسان. وذوالفضل: صاحبه المتفرد به. والعظيم: الذي لا مثيل له.
(٣) أهل الكتاب: اليهود. والآية تعم كل أهل الكتاب. وتأمنه: تُودِع عنده. ورجل أي: من قريش. ويؤديه: يرده وقت الطلب. ودمت: بقيت. والقائم:
الملحّ بالطلب. وكعب بن الأشرف: شاعر يهودي. والأميون: الذين ليس لهم كتاب سماوي. فهم ذكروا العرب للخلاف بينهم، ويريدون كل من خالف
اليهودية، لأن اليهود يستحلون غيرهم دون شرط. وسبيل أي: طريق إلى الذم. ونسبوه أي: استحلالَ ظلم من خالفهم، فادعوا أنه حكم لهم في التوراة.
ويقولون: يفترون. والكذب: ما هو مخالف للواقع. ويعلم: يدرك باليقين. وعليهم أي: على أهل الكتاب. وفيهم أي: في العرب وغيرهم. وأوفاه: أداه
كاملًا دون إخلال. والعهد: ما يُتعهَّد به. واتقاه: تجنب غضبه وطلب رضاه. ويحبهم: يودّهم ويحسن إليهم بالإكرام.
(٤) لا مانع أن يكون للآية أكثر من سبب، غير أن العمدة ما ثَبَتَ في الصحيحين، وهو السببان الأخيران. انظر ((المفصل)). وعهد الله أي: ما ألزمه وأوجبه.
والأيمان: جمع يمين. وكاذبًا أي: حالفًا غير صادق. والثمن: ما يؤخذ عوضًا من المبيع. ولا يكلمهم أي: يوكل بهم ملائكة العذاب. ويرحمهم أي: لا
يرحمهم، يعني: لا ينظر إليهم نظر رحمة وعطف. ويطهرهم أي: لا يطهرهم من الذنوب والآثام. والألسنة: جمع لسان، عُبِّر به عن القراءة لأنه آلتها .
والكتاب: التوراة. وهو أي: ما حرّفوه وزوّروه. ومن عنده أي: من وحيه على موسى.

٣ - سورة آل عمران
٦٠
الجزء الثالث
الجزء الثَّالِفُ
سُورَةِ الْعَبَان
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ
مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ
مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَاهُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرِأَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ
وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّىِ مِن
دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَّنِيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ
! وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُ واْالْمُكَتِكَةَ
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٣)
وَالنَّبِّتِنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُرَّكُم بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ
﴿وَحِكْمَةٍ ثُمَّجَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ
بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ. قَالَءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ◌َالِكُمْ إِصْرِىٌّ
قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَِّهِدِينَ
فَمَنْ تَوَلَى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَبِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُوَأَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ
٨٣
وَاْلْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
بقراءته عن المُنزَل إلى ما حرّفوه، من نعت النبيِ وََّ ونحوه، ﴿لِتَحْسِبُوهُ﴾ أي:
المُحرَّفَ ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ الذي أنزله الله، ﴿وما هُوَ مِنَ الكِتابِ، ويَقُولُونَ: هُوَ مِن
عِندِ اللهِ. وما هُوَ من عِندِ اللهِ، ويقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ، وهُم يَعلَمُونَ﴾ ٧٨ أنهم
کاذبون.
١- ونزل، لمّا قال نصارى نجران: ((إنّ عيسى أمرَهم أن يتّخذوه ربًّا))، أو لمّا طلب
بعض المسلمين السُّجود له وَلّ: ﴿ما كانَ﴾: ينبغي ﴿لِبَشَرِ أن يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ
والحُكمَ﴾ أي: الفهمَ للشريعة ﴿والنُُّوَّةَ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ: كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ
اللهِ. ولَكِنْ﴾ يقول: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾: عُلماءَ عاملين - منسوب إلى الربّ بزيادة ألف
ونون تفخيمًا - ﴿بِما كُنتُمْ تَعلَمُونَ﴾، بالتخفيف والتشديد، ﴿الكِتابَ وبِما كُنتُم
تَدرُسُونَ﴾ ٧٩ أي: بسبب ذلك: فإنّ فائدته أن تعملوا. ﴿ولا یأُمُرُكُم)، بالرفعِ
استئنافًا أي: اللهُ، والنصبِ عطفًا على ((يقولَ)) أي: البشرُ ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا المَلائكةَ
والنَّبِّينَ أربابًا﴾، كما اتّخذتِ الصابئةُ الملائكةَ، واليهودُ عُزَيرًا، والنصارى عيسى.
﴿أَيأمُرُكُم بِالكُفرِ، بَعدَ إذ أنتُم مُسلِمُونَ﴾ ٨٠؟ لا ينبغي له هذا.
٢- ﴿و﴾ اذكرْ ﴿إِذ): حينَ ﴿أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّبِيِّينَ﴾: عهدَهم ﴿لَما﴾ - بفتحِ
اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذِ الميثاقِ، وكسرِها متعلّقةً بـ((أخذَ)).
وما: موصولة على الوجهين - أي: لَلَّذِي ﴿آتَيُكُم﴾ إيّاه، وفي قراءة: ((آتیناكُم)»،
﴿مِن كِتابٍ وحِكمةٍ، ثُمَّ جاءَكُم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتاب والحِكمة - وهو محمّد - ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَتَنصُرُنَّهُ﴾: جوابُ القسم، إن
أدركتموه، وأُممُهم تَبَعٌ لهم في ذلك. ﴿قَالَ﴾ تعالى لهم: ﴿أَأَ قَرَرتُم﴾ بذلك، ﴿وأخَذتُم﴾: قَبِلتم ﴿عَلَى ذُلِكُمْ إِصرِي﴾: عهدي؟ ﴿قالُوا: أقرَرْنا.
قالَ: فاشهَدُوا﴾ على أنفسكم وأتباعكم بذلك، ﴿وأنا مَعَكُم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ٨١ عليكم وعليهم. ﴿فَمَن تَوَلَى﴾: أعرض ﴿بَعدَ ذُلِكَ﴾ الميثاقِ
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ٨٢.
٣- ﴿أَفَغَيَرَ دِينِ اللهِ يَبَغُونَ﴾ بالياءِ أي: المتولّون، والتاءِ، ﴿وَلَهُ أسلَمَ﴾: انقاد ﴿مَن في السَّماواتِ والأرضِ، طَوعًا﴾: بلا إباء، ﴿وَكَرْهًا﴾
بالسيفِ ومُعاينةِ ما يُلجئُّ إليه، ﴿وَإِلَيْه تُرجَعُونَ﴾؟ ٨٣ بالتاء والياء. والهمزةُ للإنكار. ﴿قُلْ﴾ لهم، يا محمّد: ﴿آمَنّا بِاللهِ وما أُنزِلَ عَلَينا، وما أُنزِلَ
عَلَى إِبراهِيمَ وإسماعِيلَ وإسحاقَ ويَعْقُوبَ والأسباطِ﴾: أولادِهِ، ﴿وما أُوتِيَ مُوسَى وعِيسَى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِم، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُم﴾ بالتصديق
(١) السجود له أي: للنبي. ويؤتيه: يوحي إليه. والكتاب: ما يوحى من الآيات. والحكم هو الحكمة. والنبوة: التكليف بالعقيدة والشريعة دعوة وعملًا.
وكونوا أي: صيروا. والعباد: جمع عبد. وهو العابد المؤلِّه. وبالتشديد يريد القراءة (تُعَلِّمُونَ))، أي: تفسّرون وتوضّحون. وتدرس: تقرأ وتتابع الفهم. وذلك
أي: العلم والدراسة. وبالنصب يريد القراءة: ((ولا يأمُرَكُم)). وبها تكون ((لا)) زائدة لتوكيد نفي ((ما كان))، ولبيان أن النفي يشمل الأمرين معًا وكلا منهما على
حِدة. والاستفهام بالهمزة هو للنفي والتعجيب، أي: هذا مُحال ويدعو إلى العجب. والخطاب هنا للمؤمنين ونصارى نجران تعجيبًا ممن أراد السجود للنبي
*، وممن ادعى تألّه عيسى. انظر تفسير الآلوسي ٣: ٣٣٤. والكفر: عبادة غير الله إشراكًا أو إفرادًا. والمسلم: المصدق لنبيه منقادًا للدين الحق.
(٢) اذكر أي: لقومك ولأهل الكتاب. وأخذه: تقبله وأثبته مؤكّدًا بالأيمان. وعهدهم أي: فيما كلفهم من النبوات والكتب المنزلة. وبكسرها يريد القراءة ((لِما
آتَيتُكُم)). وآتى: أعطى. وقراءة (آتَيناكُم)) تَرِدُ مع فتح لام ((لَما)) فقط. وجاءكم: وصل إليكم وبلغكم. والرسول: من أُرسل بالدعوة إلى العقيدة والشريعة مع
العمل. والمصدق: المحقّق المثبّت. وتؤمن به: تصدّقه بيقين ثابت وتستجيب إليه. وتنصره: تعينه على عدوه بالدعوة والجهاد. والقسم أي: الذي دل عليه
أخذ الميثاق في أول الآية. وأقررتم أي: اعترفتم. وأعرض أي: عن الإيمان بهذا الرسول ونصرته. والفاسق: من خرج عن الحق.
(٣) روي أن أهل الكتاب اختصموا إلى النبي ◌َّر، في اتّباعهم دينَ إبراهيم، كل يدعي أنه من أتباعه. ولما نفى عنهم ذلك غضبوا وقالوا: والله ما نرضى
بقضائك ولا نأخذ بدينك. فنزل فيهم هذا. انظر ((المفصل)). والغير: المغاير. والدين: الملة أي: الإسلام بما فيه من العقيدة والشريعة. ويبغون: يطلبون.
وبالتاء يريد القراءة (تَبغُونَ)). وانقاد أي: بالإيمان أو الخضوع للسلطان، أو بهما معًا. والسماء: ما يحيط بالأرض. والأرض: موطن الحياة الدنيا. وطوعًا
أي: طائعًا. وكرهًا أي: مُكرَهًا مضطرًا. وله أي: إلى الإسلام، بالمعجزات القاهرة أو الانتقام الرباني الشديد. وترجعون أي: تُردّون بالبعث للحساب
والجزاء. وإليه أي: إلى لقاء ما وعد به يوم القيامة. وبالياء يريد القراءة ((يُرجَعُونَ)) أي: مَن في السماوات والأرض. ولهم أي: لأهل الكتاب ممن يجادلك
في الإيمان بالرسل. وآمنّا به أي: آمنتُ أنا والمسلمون بوحدانيته. وأُنزل: أُوحي من عند الله. والأسباط: جمع سِبط. وهم قبائل بني إسرائيل تفرعت من
أولاده. وانظر الآية ١٣٦ من سورة البقرة.