Indexed OCR Text

Pages 441-460

سورة الزلزلة
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََّبِ الرَّـ
(بسم الله)) كلمةٌ مَنْ تَأَمَّلَها بمعانيهَا وَوقَفَ عَلَى ما أُودِعَ فيها رَتَعَتْ أسرارُه في
رياضٍ من الأنْس مونِقة، وأينعت أفكارُه بلوائح من اليقين مُشْرِقة، فهي عَلَى جَلال
الحقِّ شَاهدة، وهي على ما يحيط به الذِّكْرُ ويأتي عليه الحَصْرُ زائدة.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَنْقَالَهَا ﴾ .
أي: أمواتها، وما فيها من الكنوز والدفائن.
﴿وَقَالَ الْإِنسَانُّ مَا لَا﴾.
يعني الكافرُ الذي لا يُؤْمِنُ بها أي بالبعث.
﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ﴾ .
يومئذٍ تُخَبِّر الأرضُ:
﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَ لَهَا﴾ .
أي: إنما تفعل ذلك بأمر الله .
﴿يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِيهُرَوْاْ أَعْمَئِلَهُمْ﴾ .
﴿أَشْنَانًا﴾: متفرّقين. ﴿لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ﴾ ليُحَاسَبوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا بَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقْ
شَرَّا يَرَهُ﴾.
فيُقَاسي عناءَه.
٤٤١

سورة العاديات
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ أَقَِّ الَِّ الرّ
(بسم الله) كلمةٌ غَيورٌ لا يَصْلُحُ لذكرها إلَّا لسانٌ مصونٌ، عن اللُّغْوِ والغيبةِ، ولا
يصلح لمعرفتها إلَّا قلبٌ محروسٌ عن الغفلة والغيبة (١) ولا يصلح لمحبتها إِلَّا رُوحٌ
محفوظةٌ عن العلاقة والحجبة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلْعَدِيَتِ ضَبْعًا﴾ .
﴿وَالْعَدِيَتِ﴾: الخيلُ التي تعدو(٢).
﴿َضَبْعًا﴾ أي إِذا ضَبحن ضبحاً، والضبحُ: هو صوتُ أجوافها إِذا عَدَوْنَ.
ويقال: ضبحُها هو شِدةُ نَفسِها عند العَذْوِ .
وقيل: ﴿وَالْعَدِيَتِ﴾؛ الإبل.
وقيل: أقسم الله بأفراسٍ الغزاة.
﴿فَالْمُورِيَتِ قَدْحًا﴾.
تورى بحوافرها النار إِذا عَدَتْ وأصابَتْ سنابِكُها (٣) الحجارة بالليل.
ويقال: الذين يورون النار بعد انصرافهم من الحرب.
ويقال: هي الأسِنَّة.
﴿فَلْغِيَتِّ صُبْعًا﴾.
تُغِير على العدوِّ صباحاً.
﴿فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَقْمًا﴾ .
أي: هَيَّجْنَ به غباراً.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ، جَمْعًا﴾ .
أي: تَوَسَّطْنَ المكان، أي: تتوسط الخيل بفوارسها جَمْعَ العَدُوِّ.
(١) انظر حديث القشيري عن الغيبة برسالته ص٦٩، ٧٠.
(٢) العَدْو: الجري.
(٣) السنابك: (ج) السنبك: طرف مقدم الحافر.
٤٤٢

٤٤٣
تفسير سورة العادیات
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبٍِّ، لَكَنُودٌ﴾ .
هذا هو جوابُ القَسَمِ.
﴿لَكَنُودٌ﴾: أي لكَفُور بالنعمة.
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ .
أي: وإنه علی کنوده لشهيد.
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيِّ لَشَدِيدٌ﴾ .
أي: وإنه لبخيلٌ لأجل حُبِّ المال.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِ اَلْقُبُورِ﴾ .
أي: بُعِثَ الموتى .
﴿وَحُصِّلَ مَا فِ الصُّدُورِ﴾.
بُيِّنَ ما في القلوب من الخير والشرِ.
﴿إِنَّ رَّهُ بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ .
أفلا يعلم أن اللَّهَ يُجازِيهم - ذلك اليومَ - على ما أسلفوا، ثم قال عَلَى
الاستئناف: ﴿إِنَّ رَهُم بِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ .
ويقال في معنى الكَثُود: هو الذي يَرَى ما إليه مِنْ البَلْوَى، ولا يرى ما هو به مِنْ
النَّعْمَى.
ويقال: هو الذي رأسُه على وسادة النعمة، وقَلبُه في ميدان الغفلة.
ويقال: الكَنُود: الذي ينسى النِّعَم ويَعُدُّ المصائب.
وقوله: ﴿وَإِنَُّ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، يحتمل: وإِنَّ اللَّهَ على حاله لشهيد.

سورة القارعة
قوله جلّ ذكره: ﴿نِسْمِ أَنَّهِ الرََِّ الرَّحَدِ﴾.
((بسم الله)) كلمةٌ إذا سمعها العاصون نَسُوا زَلَّتَهم في جنب رحمته، وإذا سمعها
العابدون نسوا صولتَهم في جنب إلهيته.
كلمةٌ مَنْ سمعها ما غادَرَتْ له شُغْلاً إِلَّا كَفَتْه، ولا أمراً إلَّا أصلحَتْه، ولا ذنباً إلَّا
غَفَرَتْه، ولا أَرَباً إلَّا قَضَتْه.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَلْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَهُ﴾ .
القارعةُ: اسمٌ من أسماء القيامة، وهي صيغة ((فاعلة)) من القَرْع، وهو الضربُ
بشدَّة. سُمِيت قارعة لأنها تقرعهم.
﴿وَمَّ أَدْرَنِكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾.
تھویلاً لها .
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ اٌلْمَبْتُونِ﴾ .
أي: المُتَفَرِّق ... وعند إعادتهم يركب بعضهم بعضاً.
﴿وَتَكُونُ اَلْجِبَالُ كَأَلْمِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.
أي: كالصوف المصبوغ.
والمعنى فيه: أن أصحابَ الدعاوى وأرباب القوة في الدنيا يكونون - في القيامة
إذا بُعِثُوا - أضعفَ من كلٌ ضعيف؛ لأن القُوى هنالك تسقط، والدعاوى تَبْطُل.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُمٌ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّضِيَةٍ﴾ .
مَنْ ثقلت موازينهُ بالخيرات فهو في عيشة راضية؛ أي مَرْضية.
ووزنُ الأعمالِ يومئذٍ يكون بوزن الصحف. ويقال: يخلق بَدَلَ كلِّ جزءٍ من
أفعاله جوهراً، وتُوزَنُ الجواهر ويكون ذلك وزن الأعمال.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُمٌ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ .
مَنْ خَفَّتْ موازينه من الطاعات - وهم الكفارُ - فمأواه هاوية.
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا هِيَةْ هَارُّ حَامِيَةٌ ﴾ .
سؤالٌ على جهة التهويل. ولم يَرِدْ الخبرُ بأن الأحوال توزَن، ولكن يُجازَى كلُّ
بحالةٍ مما هو كَسْبٌ له، أو وَصَلَ إلى أسبابها بكَسْبٍ منه.
٤٤٤

سورة التكاثر
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيمِ﴾.
(بسم الله): اسمٌ عزيزٌ تقدَّسَ في آزالِه عن كل مكان، ولم يَحْتَجْ في آبادِه إلى
زمانٍ أو إلى مكان؛ لا يقطعه حدٍّ فأنَّى يجوز في وَصْفِه المكان؟ ولا يقطعه عَدٍّ فأنَّى
تجوز في وَصْفِه الزيادة والنقصان؟
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَهَنَكُمُ الْتَّكَاثُرُ حَّى زُرْتُمُ الْمَغَايِرَ ﴾ .
أي: شَغَلَكَمْ تَفَاخْرُكم فيما بينكم إلى آخر أعماركم إلى أَنْ مِثُم.
ويقال: كانوا يفتخرون بآبائهم وأسلافهم؛ فكانوا يشيدون بذكر الأحياء، وبمن
مضى من أسلافهم.
فقال لهم: شَغَلكم تفاخركم فيما بينكم حتى عَدَذتم أمواتكم مع أحیائِكم.
وأنساكم تكاثركم بالأموال والأولاد طاعةَ الله.
﴿كَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
على جهة التهويل.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ أَلْيَفِينِ﴾ .
أي: لو علمتم حقَّ اليقين لارتدعتم عمَّا أنتم فيه من التكذيب.
﴿لَتَرَوُنَ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا عَيْنَ اَلْيَقِينِ ثُمَّ لَتُشْئَلُنَّ يَؤْمَيِدٍ عَنِ النَِّمِ﴾.
أراد جميعَ ما أعطاهم اللَّهُ من النعمة، وطالَبهم بالشكر عليها.
ومن النعيم الذي يُسأَلُ عنه العبد تخفيفُ الشرائع؛ والرُّخَصُ في العبادات.
ويقال: الماء الحار في الشتاء، الماء البارد في الصيف.
ويقال: منه الصحّةُ في الجسد، والفراغ.
ويقال: الرضاءُ بالقضاء. ويقال: القناعة في المعيشة .
ويقال: هو المصطفى {َ﴾.
٤٤٥

سورة العصر
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَةِ﴾.
كلمةٌ مَنْ سَمِعَها لم يَذَّخِرْ عنها مَالَه؛ لأنَّه عَلِمَ أنه - سبحانه - يُحْسِنْ مَلَه، ومَنْ
عَرَفَها لم يُؤْثِرْ عليها نَفْسَهُ؛ لأنَّه لم يجد بدونها أُنْسَه.
كلمةٌ مَنْ صَحبِهَا لم يمنع عنها روحَه؛ إذ وَجَدَ الحياة الأبدية له ممنوحة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالْعَصْرِّ إِنَّ الْإِنْسَنَ لَفِى خُتْرٍ ﴾.
﴿العصر﴾: الدهر - أقسم به .
ويقال: أراد به صلاةَ العصر. ويقال: هو العَشِيّ.
﴿اُلْإِنسَنَّ﴾: أراد به جنْسَ الإنسان. ((والخُسْر)): الخسران.
والمعنى: إن الإنسان لفي عقوبةٍ من ذنوبه. ثم استثنى المؤمنين فقال:
﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَصَوْاْ بِالْحَقِّ وَنَوَاصَوْا بِالصَّيْرِ﴾.
الذين أخلصوا في العبادة وتواصوا بما هو حقُّ، وتواصوا بما هو حَسَنٌ
وجميلٌ، وتواصوا بالصبر.
وفي بعض التفاسير: قوله: ﴿الذين آمنوا﴾ يعني أبا بكر، ﴿وعملوا
الصالحات﴾: يعني عمر.
و ﴿قواصوا بالحقِّ﴾ يعني عثمان، و ﴿تواصوا الصبر﴾ يعني عليًّا - رضي الله
عنهم أجمعين .
والخسرانُ الذي يلحق الإنسان على قسمين: في الأعمال ويتبيَّن ذلك في
المآل، وفي الأحوال ويتبيَّن ذلك في الوقت والحال؛ وهو القبضُ بعد البسط،
والحجبةُ بعد القربة، والرجوعُ إلى الرُّخَصِ بعد إيثار الأَشَقِ والأَوْلَى.
﴿وتواصوا بالحقّ﴾: وهو الإيثارُ مع الخَلْقِ، والصدقُ مع الحقِّ.
﴿وتواصوا بالصبر): على العافية ... فلا صبرَ أَتَمُّ منه.
ويقال: بالصبر مع الله .. وهو أشدُّ أقسام الصبر(١).
(١) انظر حديث القشيري عن الصبر برسالته ص ١٨٣ - ١٨٩.
٤٤٦

سورة الهمزة
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الرَّجَزِ﴾.
(بسم الله): اسمُ مَنْ لا غَرَضَ له في أفعاله، اسمُ من لا عِوَضَ عنه في جلالِه
وجمالِهِ. اسمُ مَنْ لا يصبِرُ العبدُ عن مختاراً، اسمُ مَنْ لَا يَجِدُ الفقير من دونه قَراراً،
اسمُ مَنْ لا يَجِدُ أحدٌ من حُكْمِه فِراراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ مُمَزٍَّ لُمَّزَرْ﴾ .
يقال: رجلٌ هُمَّزَةٌ لُمَزة: أي كثيرُ الهَمْزِ واللَّمْزِ للناس وهو العيب والغيبة.
ويقال: الهُمَزَة الذي يقول في الوجه، واللُمزة الذي يقول مِنْ خَلْفِه .
ويقال: الهَمْزُ الإشارةُ بالرأس والجَفْنِ وغيره، واللَّمْزُ باللسان.
ويقال: الهُمَزة الذي يقول ما في الإنسان، واللَّمّزَة الذي يقول ما ليس فيه.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَذَّدَهُ﴾.
((جمّع)) بالتشديد على التكثير، وبالتخفيف.
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُمْ أَخْلَمُ﴾ .
أي: يُنْقِیه في الدنيا .. كلًّا ليس كذلك:
﴿كَلَّ كَيُنْبَدَنَّ فِ اْلَمَةِ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْمُطََّةُ نَارُ اَللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْدَةِ﴾ .
لِيُطْرَحَنَّ في جهنم. ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَلْطَمَةُ﴾؟ على جهة التهويل لها.
فهم في نار الله الموقدة التي يبلغ أَلَمُها الفؤاد.
﴿إِنَّهَا عَلَهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ .
مُطْبَقة .
﴿فِ عَمَدٍ ثُمَدََّةٍ﴾.
(عَمَد)): جمع عماد. وقيل: إنها عُمُدٌ من نارٍ تُمدَّدُ وتُضْرَبُ عليهم؛ كقوله:
﴿أَحَاطَ بِهِمْ شُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
٤٤٧

٤٤٨
تفسير سورة الهمزة
ويقال: الغِنَى بغيرِ اللَّهِ فَقْرٌ، والأُنُسُ بغيره وَحْشَة، والعِزُّ بغيره ذُلُّ.
ويقال: الفقيرُ مَنْ استغنى بمالِهِ، والحقيرُ: مَنْ استغنى بجاهِه، والمُفْلِسُ:
مَنْ استغنى بطاعته، والذليلُ: من استغنى بغير الله، والجليلُ: من استغنى بالله.
ويقال: بَيِّنَ أن المعرفة إذا اتَّقَدتْ في قلب المؤمن أحرقت كلَّ سُؤْلٍ وَأَرَب
فيه، ولذلك تقول جهنهّمُ - غداً - للمؤمن: ((جُزْ، يا مؤمن .. فإنّ نورَك قد أَطْفَّاً
لَھبي»!

سورة الفيل
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
(بسم اللهأ: اسمُ غَنِيَّ مَنْ أطاعَهٌ أغناه، ومَنْ خالَفَهُ أَضَلَّه وأعماه.
اسمُ عزيز مَنْ وافقه رَقَّه إلى الرتبة العليا، ومَنْ خالَفَهُ ألقاه في المحنة الكبرى.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْفِيلِ﴾.
أَلَمْ يَنْتِهِ إليكَ فيما أنزل عليك عِلْمُ ما فَعَلَ ربُّكَ بأصحاب الفيل؟ .
وفي قصة أصحاب الفيل دلالة على تخصيصِ اللَّهِ البيت العتيقَ(١) بالحِفْظِ
والكِلاءة(٢). وذلك: أنَّ أَبرهة(٣) - مَلِكَ اليمن - كان نصرانياً، وبنى بيعةً لهم بصنعاء،
وأراد مذمَ الكعبة لیصرف الحجّ إلی بیعتهم.
وقيل: نزل جماعةٌ من العرب ببلاد النجاشي، وأوقدوا ناراً لحاجةٍ لهم، ثم
تغافلوا عنها ولم يُطْفِئوها، فهبّت الريحُ وحَمَلَتْ النارَ إلى الكنيسة وأحرقتها، فَقَصَد
أبرهةُ الكعبةَ لِيَهْدِمها بجيشه.
فلمّا قَرُبَ من مكة أصاب مائتي جَمَلٍ لعبد المطلب، فلمَّا أُخْبِرَ بذلك ركب
إليهم، فَعَرَفَهُ رجلان، فقالا له:
ارجع .. فإنْ المَلِكَ غضبان.
فقال: واللاتٍ والعُزَّى لا أَرْجِعُ إِلَّا بإبلي.
فقيل: لأبرهة: هذا سَيِّدُ قريشٍ ببابِك؛ فأَذِنَ له، وسأله عن حاجته؛ فأجاب
أبرهة: إنها لك غداً، إذا تقدَّمْتُ إلى البيت.
فعاد عبد المطلب إلى قريش، وأخبرهم بما حدث، ثم قام وأخذ بحلْقِه باب
الكعبة، وهو يقول:
(١) البيت العتيق: الكعبة.
(٢) الكلاءة: الحراسة والحفظ.
(٣) هو أبرهه بن الصباح من ملوك اليمن في الجاهلية، حبشي لا صلة له بالعرب، ذكر ابن الأثير - في
خبر الفيل - أنه حين تكلم مع عبد المطلب كان بينهما ترجمان.
الأعلام ٨٢/١.
٤٤٩

٤٥٠
تفسير سورة الفيل
ـنعُ رَخِلَه فامنعُ حَلَالِكَ
لا هُمَّ إِنَّ العَبْدَ يمـ
ومِحَالُهِم عَذْواً مِحالَكْ
لا يَغْلِبَنَّ صليبُهمْ
مَ فـأمـر مـا بـدالـك
إِن يدخلوا البلد الحر!
فأرسل اللَّهُ عليهم طيراً أخضرَ من جهة البحر طِوالَ الأعناق، في مناقر كل طائرٍ
حَجَرٌ وفي مخلبه حجران .
قيل: الحجَرةُ منها فوق العدس دون الحمص.
وقيل: فوق الحمص دون الفستق، مكتوب على كل واحدة اسم صاحبها.
وقيل: مُخَطَّطةٌ بالسَّواد. فأُمْطِرَتْ عليهم، وماتوا كُلُّهم .
وقيل: كان الفيلُ ثمانيةً؛ وقيل: كان فيلاً واحداً.
وفي رواية: إنه كان قبل مولده وَ ل# بأربعين سنة.
وقيل: بثلاثة وعشرين سنة. وفي رواية ((وُلِدْتُ عامَ الفيل))(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِ تَضْلِيلٍ﴾ .
أي: مکرّهم في إبطال.
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيِّا أَبَابِيلَ﴾ .
﴿أَبَابِيلَ﴾: مجمعةٌ ومتفرّقةٌ.
﴿تَرْمِيهِمِ يِحِجَارَوْ مِّنِ سِبْلٍ﴾.
قيل بالفارسية: سنكل أو گل - أي طينٌ طُبخّ بالنار كالآجُر .
﴿َّعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ .
﴿كَعَصْفٍ﴾: كأطرافِ الزرع قبل أن يدرك. ((مأكول)) أي ثَمَرَهُ مأكول.
ويقال: إذا كان عبد المطلب ــ وهو كافرٌ - أخلص في التجائه إلى الله في
استدفاع البلاءِ عن البيت - فاللَّهُ لم يُخَيِّبْ رجاءَهُ .. ، وسَمِعَ دُعاءَهُ ... فالمؤمِنُ
المخلصُ إذا دعا ربَّه لا يردُّهُ خائباً .
ويقال: إنما أُجيب لأنَّه لم يسألْ اللَّهَ لِنَفْسِه، وإِنما لأجْلٍ البيت .. وما كان الله
لا یضیع.
(١) أخرجه الترمذي (مناقب، ٢)، وأحمد بن حنبل ٢١٥/٤.

سورة قريش
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْمِ أَلَّهِ الرَّظَنِ الرّحمـ
(بسم)): الباء في ((بسم)) تشير إلى براءَةٍ سِرِّ الموحدِين عن حسبان الحدثان(١)؛
وعن كل شيءٍ ممَّا لم يكن فكان، وتشير إلى الانقطاع إلى اللَّهِ في السَّرَّاء والضرّاءِ،
والشّدَّةِ والرخاء.
والسين تشير إلى سكونهم في جميع أحوالهم تحت جريان ما يبدو من الغيب
بشرط مراعاة الأدب .
والميم تشير إلى مِنَّةِ اللَّهِ عليهم بالتوفيق لِمَّا تحقَّقُوا به من معرفته، وتخلّقوا به
مِنْ طاعته .
قوله جلّ ذكره: ﴿لِإِلَفِ قُرَيْشٍ إَِفِهِمْ رِعْلَةَ الشِتَِّ وَالصَّيْفِ﴾.
((الإيلاف)»: مصدر أَلَفَ، إذا جَعَلْتَهُ يَأْلَف .. وهو أَلِفَ إِلْفاً.
والمعنى: جعلهم كعصفٍ مأكولٍ لإيلافِ قريشٍ، أي لِيَأْلَّفوا رحلتهم في الشتاء
والصيف.
وكانت لهم رحلتان للامتيار(٢): رحلةً إلى الشام في القيظ(٣)، ورحلة إلى اليمن
في الشتاءِ والمعنى: أنعم اللَّهُ عليهم بإهلاكِ عدوّهم ليؤلْفَهم رحلتيهم.
وقيل: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا أَلْبَيْتٍ﴾ ﴿لِإِيَفِ قُرَيْشٍ﴾ كأنه أَعْظَمَ المِنَّةَ عليهم.
وأمرهم بالعبادة:
﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَّيْتِ الَّذِى أَلْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾.
فليعبدوه لِمَا أنعم به عليهم.
وقيل: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِىَ أَلْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ بعد ما أصابهم من
القحط حينما دعا عليهم الرسولُ مَ﴾(٤).
(١) الحدثان: حدثان الأمر والشباب: أوله وابتداؤه.
(٢) امتار لأهله: تطلّب لهم الميرة، أتاهم بالميرة وهي الطعام من الحب والقوت.
(٣) القيظ: شدة الحر أو صميم الصيف.
(٤). قال: ((اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) أخرجه البخاري في (الصحيح ٢٣/٢، ٥٥/٨ _=
٤٥١

٤٥٢
تغير سورة قريش
﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْنٍ﴾.
حين جعَلَ الحَرَمَ آمِناً، وأجارهم من عدوهم.
ويقال: أنعم عليهم بأن كفاهم الرحلتين بجلْبِ الناسِ الميرةً إليهم من الشام
ومن اليمن.
وَوَجْهِ المِئَّةِ في الإطعام والأمان هو أن يتفرَّغوا إلى عبادة الله؛ فإِنَّ مَنْ لم يكن
مكْفِيَّ الأمور لا يتفرَّغُ إلى الطاعة، ولا تساعده القوة ولا القلبُ - إلَّا عند السلامة
بکلُ وجهٍ وقد قال تعالی:
﴿وَلَبْلُونَكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْقَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] فقدَّم الخوف على جميع أنواع
البلاء .
١٠٤)، والبيهقي في (السنن الكبرى ١٩٨/٢)، وابن كثير في (التفسير ٣٤٤/٢) والقرطبي في (التفسير
٢٦٤/٣، ٢٦٣/٧، ٢٠٩/٢٠)، وابن حجر في (فتح الباري ١٠/ ٥٨٠، ١٩٤/١١).

سورة الدين
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
(بسم الله) كلمةٌ سماعُها غِذاءُ أرواح المحبّين، ضياءُ أسرار الواجدين، شفاءُ
قلوبِ المُتَيَّمين؛ بلاءُ مُهج المساكين، دواءٌ كلّ فقيرٍ مسكين.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِأَلِدِينِ﴾.
نزلت الآية على جهة التوبيخ، والتعجُّبٍ من شأن تظلُّم اليتيم من الكفار.
فقال: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِأُلِدِينِ﴾، وبالحساب والجزاء؟
﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ اَلْيَتِيِمَ﴾.
يدفعه بجفوة، ويقال: يدفعه عن حقّه.
﴿وَلَا يَعْعُُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.
أي: لا يَحُثُّ على إطعام المسكين، وإنما يدعُ اليتيم؛ لأنَّ اللّه تعالى قد نزع
الرحمةَ من قلبه ((ولا تنزع الرحمة إلّا من قلبٍ شقيّ))(١).
وهو لا يحث على طعام المسكين، لأنه في شُحِّ نَفْسِه وأَمْرٍ بُخْلِه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّ الَّذِيْنَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ
يُرَآءُونَ﴾.
السّاهي عن الصلاة الذي لا يُصَلِّ. ولم يقل: الذين هم في صلاتهم ساهون ..
ولو قال ذلك لكان الأمرُ عظيماً.
(١) أخرجه الترمذي في (السنن ١٩٢٣)، وأبو داود في (السنن ٤٩٤٢)، وأحمد بن حنبل في (المسند
٣١٠/٢، ٤٤٢، ٤٦١، ٥٣٩)، والدولابي في (الكنى والأسماء ٣/٢)، والبخاري في (الأدب
المفرد ٣٧٤)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٣٣٩/٨)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٤٩٦٨)،
والمنذري في (الترغيب والترهيب ٢٠٣/٣)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٥٩٧٣)، وابن حجر
في (فتح الباري ٤٧٨/١١)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٧/ ١٨٣)، والعجلوني في (كشف
الخفا ٢/ ٥٢٧).
٤٥٣

٤٥٤
تفسير سورة الماعون
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾: أي يصلون ويفعلون ذلك على رؤية الناس - لا إخلاص
لهم.
﴿وَيَمْنَعُونَ أَلْمَاعُونَ﴾ .
الماعون: مثل الماء، والنار، والكلأ، والفأس، والقِذْر وغير ذلك من آلةٍ
البيت .
ويدخل في هذا: البُخْلُ، والشّحُ بما ينفع الخَلْقَ مما هو مُمْكِنٌ ومُسْتَطاع.
١

سورة الكوثر
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلِّ الرََّبِ الرّحيمـ
((بسم الله) اسمٌ يُجَلُّ العبدُ بإجلاله ولا يجل هو إلا باستحقاقٍ عُلُوَّه في آزالِه.
اسمٌ عزيزْ أَعَزَّ مَنْ شاء بأفضالِهِ وإقبالِهِ، وأَذَلَّ أَعداءَه بسلاسله وأغلاله، والتخليد
في جحيمِه وأنكالِه.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ﴾.
﴿اَلْكَوْثَرَ﴾: أي الخبر الكثير. ويقال: هو نَهْرٌ في الجنة.
ويقال: النبوَّةُ والكتابُ. وقيل: تخفيف الشريعة.
ويقال: كثرةُ أُمَّتِه .
ويقال: الأصحابُ والأشياع. ويقال: نورٌ في قلبه.
ويقال: معرفته بربوبيته .
﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾.
أي صَلٌ صلاةَ العيد ﴿وَأَنْحَرْ﴾ النُّسُكِ.
ويقال: جمع له في الأمر بين: العبادة البدنية، والمالية.
ويقال ((وانحر)) أي استقبِلْ القبلة بتحرك. أو ارفع يديك في صلاتك إلى نحرك.
ويقال: ضَغ يمينك على يسارك في الصلاة واجعلها تحت نَخْرِك.
﴿إِنَ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْ﴾.
أي: لا يُذكَرُ بخیرٍ، مُنْقَطِعٌ عنه كل خير.
٤٥٥

٠
سورة الكافرون
قوله جل ذكره: ﴿ِمِ أَِّ اَلَىِ الرَّحَـ
﴾.
((بسم الله)) كلمةٌ مَنْ آمَن بها أمِنَ مِنْ زوال النُّعمى، وحَظِيَ بنعيم الدنيا والعُقبى،
وسَعِدَ سعادةٌ لا يَشْقى، ووَجَدَ مُلكاً لا يَفْنى، وبَقِيَ في العزّ والعُلَى.
قوله جل ذكره: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾.
من أصنامکم.
﴿وَلََّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾.
((ما)) أعبد أي ((من)) أعبد.
﴿وَلََّ أَتَأْ عَائِدٌ مَا عَبَدُمْ﴾
في زمانكم.
﴿وَلَّ أَنْتُمْ عَبِّدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.
كَرَّرَ اللفظ على جهة التأکید.
﴿لَكُرْ دِينُهُمْ وَلِىَ دِينِ﴾.
أي: لكم جزاؤكم على دينكم، ولي الجزاءُ على ديني.
والعبودية(١) القيام بأمره على الوجه الذي به أمَرَ، وبالقَدْر الذي به أمَرَ، وفي
الوقت الذي فيه أمر.
(١) القشيري هنا يشير إلى العبودية لكن الآيات تتحدث عن العبادة لكن هناك صلة وثيقة بينهما
وبين العبودة وهذا يتضح من خلال حديث القشيري بالرسالة عن العبودية قال: سمعت
الأستاذ أبا عليّ الدقاق رحمه الله يقول: العبودية أتم من العبادة فأولاً عبادة ثم عبودية ثم
عبودة، فالعبادة للعوام المؤمنين، والعبودية للخواص، والعبودة لخواص الخواص وسمعته
يقول: العبادة لمن له علم اليقين، والعبودية لمن له حق عين اليقين، والعبودة لمن حق
اليقين وسمعته يقول: العبادة لأصحاب المجاهدات، والعبودية لأرباب المكابدات،
والعبودة صفة أهل المشاهدات، فمن لم يدخر عنه نفسه فهو صاحب عبادة، ومن لم يضن
عليه بقلبه فهو صاحب عبودية، ومن لم يبخل عليه بروحه فهو صاحب عبودة. (الرسالة
القشيرية ص ١٩٧، ١٩٨).
٤٥٦

٤٥٧
تفسير سورة الكافرون
ويقال: صِدْقُ العبودية في تَرْكِ الاختيار، ويظهر ذلك في السكون تحت
تصاريف الأقدار من غير انكسار.
ويقال: العبودية انتفاء الكراهية بكلِ وجهٍ من القلب كيفما صَرَّفَك مولاك.

سورة النصر
قوله جل ذكره: ﴿نِسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الرَّمَـ
ـةٍ﴾.
(بسم الله): اسمٌ كريمٌ يُبْصِرُ ويَسْتُرُ، ويَعْلَمُ ويَخْلُم، ويمدح ولا يَفْضَح، ويعفو
عن جميع ما يجترم العبدُ ويصفح؛ يَعْصَى العبدُ على التوالي، ويَغْفِرُ الحقُّ ولا يُبالي.
قوله جل ذكره: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ .
النصرُ الظَّفَرُ بالعدوِّ، و﴿الفتح﴾ فتح مكة.
﴿وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِىِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ .
يُسْلِمون جماعاتٍ جماعاتٍ.
﴿فَسَيِّحْ بَحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرَةٌ﴾ .
أكْثِرْ حَمْدَ ربِّكَ، وصلِّ له، وَقَدْسْه.
ويقال: صَلّ شكراً لهذه النعمة .
﴿وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾ وسَلْ مغفرته.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
لِمَنْ تاب؛ فإنه يقبل توبته .
ويقال: نصرة الله - سبحانه - له بأن أفناه عن نَفْسِه، وأبعد عنه أحكامَ البشرية،
وصفّاه من الكدورات النفسانية. وأمَّا ((الفتح)): فهو أنْ رقّاه إلى محلٌ الدنو،
واستخلصه بخصائص الزلفة، وألبسه لباس الجمع، واصطلمه عنه، وكان له عنه،
ولنَفْسِه - سبحانه - منه، وأظهر عليه ما كان مستوراً من قَبْلُ من أسرارِ الحقِّ، وعَرَّفَه -
من كمال معرفته به - ما كان جميعُ الخَلْقِ متعطشاً إليه.
٤٥٨

سورة المسد
قوله جل ذكره: ﴿نِسْمِ أَلَّهِ الرَِّ الرّحمـ
(بسم الله) كلمة جبَّرة للمذنبين، تجبر أعمالَهم، وتحقّق آمالَهم، وهي للعارفين
تُصَغِّر في أعينهم أحوالَهم، وتُكَمِّل - عن شواهدِهم - امتحاءهم واستئصالهم، وتحقّق
لھم۔۔ بعد فنائهم عنھم ـ وصالهم.
قوله جل ذكره: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ .
أي: خَسِرَت يداه.
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ .
ما أغنى عنه مالُهُ ولا كَسْبُه الخبيثُ - شيئاً.
وقيل: ﴿ما كسب﴾: وَلَدُه.
قوله جل ذكره: ﴿سَيَصْلَ نَارًا ذَاتَ لَبٍ وَأَمْرَأَتُمُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾.
يلزمها إذا دَخَلَها؛ فلا براحَ له منها. وامرأتُه أيضاً سَتَصْلَى النارَ معه.
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ تَسَلٍ﴾.
(مَسَدٌ)) شيءٌ مفتول، وكانت تحمل الشوك وتنقله وتبثه في طريقٍ رسول الله عليه
الصلاة والسلام.
ويقال: سُخْقاً لِمَنْ لا يعرف قَدْرَكَ - يا محمد. وبُعْدَاً لِمَنْ لم يشهد ما
خصصناكَ به مِنْ رَفْع محلٌك، وإكبارٍ شأنِك .. ومَنْ ناصبَكَ كيف ينفعه مالُه؟ والذي
أقميناه لأجلِكَ وقد (أساء)(١) أعماله .. فإنَّ إلى الهوانِ والخِزْي مآله، وإنَّ على أقبحٍ
حالٍ حالَ امرأتِه وحاله.
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
٤٥٩

سورة الإخلاص
قوله جل ذكره: ﴿ِسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الرَّمَـ
ـةٍ﴾.
(بسم الله)) كلمة عزيزة عَزَّ لسانٌ ذَكَرَها، وأَعَزُّ منه قلبٌ عَرَفها، وأعزُّ من هذا
رُوحْ أحَبَّها، وأعزَّ من هذا سِرٍّ شهدها.
ليس كلُّ مَنْ قصدها وَجَدَها، ولا كلُّ مَنْ وَجَدَها بَقِيَ معها.
قوله جل ذكره: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ .
لمَّا قال المشركون: أُنْسُبْ لنا ربَّكَ. أنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَذُّ﴾
فمعنى (هو)) أي: الذي سألتُم عنه ((هو)) الله. ومعنى ((أحد)) أي: هو أحدٌ.
ويقال: (هو)) مبتدأ، ((والله)) خبره و((أحد)) خبرٌ ثانٍ كقولهم: هذا حلوّ حامض.
﴿اَللَّهُ الْقَكَمَدُ﴾.
﴿الصمد﴾: السيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه في الحوائج، ويُقْصَدُ إليه في المطالب.
ويقال: الكاملُ في استحقاق صفات المدح.
ويرجِّح تحقيقُ قولِ مَنْ قال: إنه الذي لا جوفَ له إلى أنه واحدٌ لا.( ... )(١)
في ذاته.
﴿لَمْ بَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ .
لیس بوالدٍ ولا مولود.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّمُ كُفُوا أَحَدٌّ﴾.
تقديره لم يكن أحدٌ كفواً له.
و((أحد)) أصله وَخْدٌ، ووِحَدٌ، وواحد بمعنَى، وكونه واحداً: أنه لا قسيمٌ له ولا
شبية له ولا شريكَ له.
ويقال: السورة بعضها تفسيرٌ لبعض؛ مَنْ هو الله؟ هو الله. مَنْ الله؟ الأحد، مَنْ
الأحد؟ الصمد، مَنْ الصمد؟ الذي لم يلد ولم يولد، مَنْ الذي لم يلد ولم يولّد؟
الذي لم يكن له كفواً أحد.
(١) بياض في الأصل.
٤٦٠