Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ : تفسير سورة الفجر ﴿وَتُحِبُونَ الْعَالَ حُبَّا جَمَّا﴾ . جَمًّا أي كثيراً. قوله جل ذكره: ﴿كَلَّ إِذَا دُكَّتِ اَلْأَرْشُ دَمَّا دَمَّا﴾ . أي: قامت القيامة. ﴿وَجَءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفًّا صَنَّا﴾ ﴿وَجَةُ رَبُّكَ﴾ أي الملائكة بأمره. ويقال: يفعل فعلاً فيُسميه مجيئاً. ﴿وَجِعََّ يَؤْمَيٍِ بِجَهَنَّهُ يَوْمَيِذٍ يَنَذَ كَرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّ لَهُ الذِّكْرَى﴾. يقال: تُقَاد جهنم بسبعين ألف زمام(١). وفي ذلك اليوم يتذكر الإنسانُ .. ولا يَنْفَعه التذكَّر، ولا يُقْبَلُ منه العُذْرُ. ﴿يَقُولُ يَلَيْتَفِ قَدَّعْتُ لِمَاقِ﴾ . أي: أَطَعْتُ ربِّي ونظرت لنفسي. ﴿فَيَؤَذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُمْ أَحَدٌ﴾ . أي: لا يعذّب في الدنيا أحدٌ مثلما يعذّبه الله في ذلك اليوم .. إذا قرئت الذال بالكسر. أما إذا قرئت بالفتح ﴿لا يعذب﴾ فالمعنى: لا يُعَذَّبُ أحدٌ مثلما يُعَذَّبُ هذا الكافر . قوله جل ذكره: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُعلّمَيِنَّةُ﴾. الروحُ المطمئنةُ إلى النفس. ويقال: المطمئنةُ بالمعرفة: ويقال: المطمئنة بذكر الله. ويقال: بالبشارة بالجنة. ويقال: النفس المطمئنة: الروح الساكنة . ﴿أَرْجِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً قَرْضِيَّةٌ﴾ . راضيةً عن الله، مَرْضیةً من قِبَلِ الله. ﴿َدْخُلِ فِ عِبِّدِى وَأَدْخُلِ جَنَِّ ﴾ . أي: في عبادي الصالحين. (١) (ثُقَاد جهنم بسبعين ألف زمام كل زمام يقوده ... )) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٥١٨). سورة البلد قوله جل ذكره: ﴿ إِسْمِ أَقَّهِ الرَّظَرِ الرَّمـ «بسم الله» کلمةٌ تُخبر عن جلال أزليّ، وجمالٍ سرمديٍّ، جلال ليس له زوال، وجمالٍ ليس له انتقال، جلالٍ لا بأغيارٍ وأمثال، جمالٍ لا بصورةٍ ومثال، وجلالٍ وهو استحقاقُه لجبروته وجمالٍ وهو استيجابُه لملكوته، جلالٍ مَنْ كاشَفَه به فأوصافُه فناءُ في فناء، وجمالٍ مَنْ لاطَفَه بِهِ فأحوالُه بقاءٌ في بقاء. قوله جل ذكره: ﴿لَّ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. أي: أُقْسِم بهذا البلد، وهو مكة. ﴿وَأَنْتَ ◌ِلٌّ ◌ِهَذَا الْبَدِ﴾ وإنما أُحِلْتْ له ساعةٌ واحدةٌ. ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ كلِّ والدٍ وكلُّ مولود. وقيل: آدم وأولاده. وجواب القسم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنَنَ فِ كَبَدٍ﴾ . ويقال: أُقسم بهذا البلد لأنك حِلِّ به .. وبَلَدُ الحبيبِ حبيبٌ. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ﴾ . أي: في مشقة؛ فهو يقاسي شدائد الدنيا والآخرة. ويقال: خَلَقه في بطن أمه (منتصباً رأسُه) فإذا أذِنَ الله أن يخرج من بطن أمّه تنكّس رأسُه عند خروجه، ثم في القِماط(١) وشدِّ الرَّباط .. ثم إلى الصِّراط هو في الهِياط والمياط(٢). قوله جل ذكره: ﴿أَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ . أي: لقوّته وشجاعته عند نَفْسِه يقول: ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالَا أُبَدًا﴾. (١) القماط: خرقة عريضة يُلف بها المولود (ج) أقمطة وقمط. (٢) يقال: ما زال في هياط ومياط أي في ضجاج وشر وجلبة، وقيل: في دنو وتباعد. (لسان العرب ٤٢٤/٧ مادة: هيط). ٤٢٢ ٤٢٣ تفسير سورة البلد ﴿لبداً﴾ كثيراً، في عداوة محمد زله. ﴿أَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَهُ أَدُّ﴾ . أليس يعلم أنَّ الله يراه، وأنه مُطْلِعْ عليه؟ قوله جل ذكره: ﴿أَمْ تَجْعَل لَّهُ عَبَّنَيْنٍ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنٍ﴾ . أي: ألم نخلقه سميعاً بصيراً متكلّماً. ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّبْدَيْنِ﴾ . ألهمناه طريق الخيرِ والشرِّ. ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اَلْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا الْعَقَبَةُ فَقُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِْعَنْمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْخَبَةٍ يَتِيْمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ . أي: فهلَّا اقتحم العقبة ﴿وَمَا أَدْرَئِكَ مَا أَلْعَقَبَةُ﴾ استفهام على التفخيم لشأنها. ويقال: هي عَقَبَةٌ بين الجنة والنار يجاوزها مَنْ فَعَلَ ما قاله: وهو فكُّ رقبة؛ أي: إعتاقُ مملوك، والفكّ الإزالة. وأطعم في يوم ذي مجاعةٍ وقحطٍ وشدَّةٍ يتيماً ذا قرابة، أو ﴿أَوْ مِسْكِينَاذَا مَتْرَبَرْ﴾: لا شيء له حتى كأنّه قد التصق بالتراب من الجوع. قوله جل ذكره: ﴿ثُقَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. أي: من الذين يرحم بعضُهم بعضاً. ﴿أُوْلَئِكَ أَعْخَبُ اَلْتَّمَنَّةِ﴾. أي: أصحاب اليُمْنِ والبركة . ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَّايَئِنَا فُّمْ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ . هم المشائيمُ على أنفسهم، عليهم نارٌ مُطْبِقَة؛ يعني أبواب النيران (عليهم مغلقة). والعقبة التي يجب على الإنسان اقتحامها: نَفْسُه وهواه، وما لم يَجُزْ تلك العقبة لا يفلح و﴿فَقُّ رَقّةٍ﴾ هو إِعتاقُ نَفْسِه من رِقِ الأغراض والأشخاص. ویکون فك الرقبة بان یهدي من یفگُّه ـ من رق هواه ونفسه ـ إلى سلامته من شُحْ نفسه، ويرجعه إليه، ويخرجه من ذُلُه. ويكون فكُّ الرقبة بالتّحرُّزِ من التدبير، والخروج من ظلمات الاختيار إلى سعة الرضاء. ويقال: يطعم من كان في متربة ويكون هو في مسغبة (١). ﴿ُثُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي تكون خاتمته على ذلك. (١) المتربة: الفقر الشديد والمسكنة، والمسغبة: المجاعة. سورة الشمس قوله جل ذكره: ﴿إِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الْرَجَةِ﴾. ((بسم الله)) إخبارٌ عن وجودِ الحقِّ بنعتِ القِدَم. ((الرحمن الرحيم)): إخبارٌ عن بقائه بوصف العَلاءِ والكّرَم. كاشَفَ الأرواحَ بقولِه: ((بسم الله)) فهيَّمها، وكاشَفَ النفوسَ بقوله: ((الرحمن الرحيم)» فتَّيَّمها؛ فالأرواحُ دَهْشَى في كَشْفِ جلاله، والنفوسُ عَطْشَى إلى لُطْفٍ جماله . قوله جل ذكره: ﴿وَاَلَّمْسِ وَمُحَنَهَا﴾ . ضُحًا الشمسِ صَدْرُ وقت طلوعها. ﴿وَأَلْقَمَرٍ إِذَا ◌َلَهَا﴾ . أي: تَبِعَها؛ وذلك في النصف الأول من الشهر. ﴿وَأَنَّارِ إِذَا جَّهَا﴾ . إذا جلَّى الشمسَ وكَشَفَها. ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنْهَا﴾ . أي: يَغْشَى الشمس (فيذهب بضوئها). ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا﴾ . أي وبنائها. ويقال: ومَنْ بناها. ﴿وَاُلْأَرْضِ وَمَا ◌َحَّهَا﴾ . أي: وطَخوها. ويقال: ومَنْ طحاها (أي بسطها أو قسمها أو خلقها). ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ . ومن سؤَّى أجزاءها وأعضاءها. ﴿فَهَمَهَا ◌ُّرَهَا وَتَقْوَنُهَا﴾ . أي: بأن خَذَلَها ووَفْقَها. ويقال: فجورها: حركتها في طلب الرزق، وتقواها: سكونها بِحُكْمِ القدير. ٤٢٤ ٤٢٥ تفسير سورة الشمس وقيل: طريق الخير والشر. قوله جل ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّتِهَا﴾. هذا جواب القَسَم. أي ((لقد أفلح من زكاها)). ويقال: "مَنْ زكَّاء اللّهُ عزّ وجلّ. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنْهَا﴾ . أي: دسَّاها الله. وقيل: دسَّها في جملة الصالحين وليس منهم. وقيل: خاب مَنْ دَسَّ نَفْسَه بمعصية الله. وقيل دسَّاها: جعل خسيسةً حقيرةً. وأصل الكلمة دسسها. قوله جل ذكره: ﴿كَذِّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا﴾ . ﴿يِطَغْوَنهَا﴾: لطغيانها، وقيل: إن صالحاً قد مات، فكَفَر قومُه، فأحياه اللَّهُ، فدعاهم إلى الإيمان، فكذَّبوه، وسألوه علامةً وهي الناقة، فأتاهم صالح بما سألوا. إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا﴾ . ((أشقاها)) عاقِرُها. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا﴾ . أي: احذروا ناقةَ اللَّهِ، واحذروا سقياها: أي لا تتعرَّضوا لها. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَمَقَّرُوهَا﴾ . أي كذّبوا صالحاً، فعقروا الناقة. ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَلِهِمْ فَسَوَّنِهًا﴾ . أي: أهلكهم بجُزمهم ((فسؤَّاها)): أي أطبق عليهم العذاب. ويقال: سَوَّى بينهم ربُّهم في العذاب لأنهم كلهم رضوا بعقر الناقة. قوله جل ذكره: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ . أي: أن الله لا يخاف عاقبة ما فَعَلَ بهم من العقوبة. ويقال: قد أفلح مَنْ دَاوَمَ على العبادة، وخابَ مَنْ قِصَّرَ فيها. وفائدة السورة: أنه أفلح مَنْ طَهَّرَ نَفْسَه عن الذنوبِ والعيوبِ، ثم عن الأطماع في الأعواض والأغراض، ثم أبْعَدَ نَفْسَه عن الاعتراض على الأقسام، وعن ارتكاب الحرام. وقد خابَ من خانَ نَفْسَه، وأهملها عن المراعاة، ودَنَّسَهَا بالمخالفات؛ فلم يرضَ بعَدَمِ المعاني حتى ضمَّ إلى فَقْرِها منها الدعاوى المظلمة .. فغرقت في بحرٍ الشقاء سفينته. ١ سورة الليل قوله جل ذكره: ﴿يُسْمِ اللَّهِ الرَّغَرِ الرّحم بسم الله كلمةٌ تُخْبِرُ عن إلهيةِ الله؛ وهي استحقاقُه لنعوتِ المجد والتوحّد، وصفاتِ العِزّ والتفرد؛ فَمَنْ تجرَّدَ في طَلَبِه عن الكسلِ، ولم يستوطن مركبَ العجزِ والفشلٍ، ووَضَعَ النظر موضِعَه وَصَلَ بدليل العقل إلى عرفانه، ومَنْ بَذَلَ روحَهُ ونَفْسَه ووَدَّعَ في الطلبِ راحته وأَنْسَه، ولم يُعَرِّجْ في أوطان الوقفة ظفر بحكم الوصل إلى شهود سلطانه، والناسُ فيه بين مُوَفّقٍ ومخذول، أو مؤيَّدٍ ومردود. قوله جل ذكره: ﴿وَأَّلِ إِذَا يَمْثَى﴾ . يغشى الأفقَ، وما بين السماء والأرض فيستره بظُلْمتِه. والليلِ لأصحاب التحيّر يستغرِق جميعَ أقطار أفكارهم فلا يهتدون الرشد . ﴿وَالتََّارِ إِذَا تَلَّ﴾ . أنارَ وظھرَ، ووضح وأسفر . ونهارُ أهلِ العرفان بضياء قلوبهم وأسرارهم، حتى لا يَخْفَى عليهم شيءٌ، فسكنوا بطلوع الشمس عن تكلّف إيقاد السراجِ. ﴿وَمَا خَلَقَ الْذَّكَّرَ وَالْأُفَ﴾ . أي: ((من)) خَلَقَ الذكر والأنثى؛ وهو الله سبحانه: ﴿إِنَّ سَمْكٌ لَشَقّ﴾ . هذا جوابُ القَسَم، والمعنى: إنَّ عملكم لمختلف؛ فمنكم: مَنْ سَعْيُه في طلب دنياه، ومنكم مَنْ سعيهُ في شهواتِ نَفْسِه واتباع هواه، ومنكم مَنْ سعيُه في شهواتِ، ومنكم مَنْ في طَلَبِ جاهِه ومُناه، وآخر في طلب عقباه، وآخر في تصحيح تقواه، وآخر في تصفية ذكراه، وآخر في القيام بحُسْنٍ رضاه، وآخر في طلب مولاه. ومنكم: من يجمع بين سعي النّفْس بالطاعة، وسَفي القلب بالإخلاص، وسعي البَدَن بالقُرَب، وسعي اللسان بذكر الله، والقول الحَسَنِ للناس، ودعاء الخَلْقِ إلى الله والنصيحة لهم. ٤٢٦ ٤٢٧ تفسير سورة الليل ومنهم مَنْ سعيُه في هلاكِ نَفْسِه وما فيه هلاك دنياه .. ومنهم .. ومنهم. قوله جل ذكره: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى وَصَدَّقَ بِالْمُفَ فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ من مالِهِ، ﴿وَنََّ﴾ مخالفةَ ربِّه .. ويقال: ﴿أعطى﴾ الإنصافَ من نَّفْسِه، ﴿وَأَتَّقَ﴾ طَلَبَ الإنصافِ لنفسِه .. ويقال: ((اتقى)) مساخِطَ الله. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُتَ﴾: بالجنة، أو بالكَرَّةِ الآخرة، وبالمغفرةِ لأهل الكبائر، وبالشفاعة من جهة الرسولِ وَ﴿﴿، وبالخَلَفِ من قِبَلِ الله ... فسَنْيَسْرُه لليُسْرَى: أي نُسَهِّلُ عليه الطاعاتِ، ونُكَرَّهُ إليه المخالفاتِ، ونُشَهِّي إليه القُرَبَ، ونُحبّبُ إليه الإيمان، ونُزَيِّن في قلبه الإحسان. ويقال: الإقامة على طاعته والعود إلى ما عمله من عبادته. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَحِلَ وَأَسْتَغْفَ وَكَذَّبَ بِالْمُنْنَ فَسَنْيَسْرُ لِلْمُسْرَى﴾ . أما من مَنَعَ الواجبَ، واستغنى في اعتقاده، وكَذَّبَ بالحسنى: أي بما ذَكَرْنا، فسنيسره للعسرى؛ فيقع في المعصية ولم يُدَبِرْها، ونوقف له أسبابَ المخالفة. ويقال: ((أعطى)) أغْرَضَ عن الدارين، ((واتَّقى)) أن يجعل لهما في نفسه مقداراً. قوله جل ذكره: ﴿وَمَا يُغْنِ عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرََّ﴾ . يعني: إذا مات .. فما الذين يغنى عنه ماله بعد موته؟ قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ عَيْنَا لِلْهُدَى﴾ . لأوليائنا، الذين أرشدناهم. ويقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لِلْهُدَى﴾ بنصيب الدلائل. ﴿وَإِنَّ لَنَاَ للَّخِرَةَ وَآلْأُولَ﴾ . مُلْكاً، نعطيه من نشاء. ﴿فَذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَّى﴾ . أي: تتلفَّى. ﴿لَا يَعْلَنَّهَا إِلَّا الْأَثْقَ﴾ . أي: لا يُعَذَّبُ بها إلَّا الأشقى، وهو : ﴿اَلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَ﴾ .. يعني : كَفَرَ. ﴿وَسَيُجَتَُّهَا الْأَنْقَى الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزََّ﴾ . يُغطى الزكاة المفروضة. ٤٢٨ تفسير سورة الليل ويقال يَتَطَهَّر من الذنوب. ونزلت الآية في أبي بكرٍ رضي الله عنه. والآية عامة. ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَمُ مِنْ نِعْمَةٍ مُجْرَ﴾ . حتى تكون هذه مكافأةً له. ولا يفعل هذا ليَتَّخِذَ عند أحدٍ يَداً، ولا يطلب منه مكافأةٍ: ﴿ إِلَّا آْغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَصَ﴾ . أي: ليتقرَّبَ بها إلى الله. ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ . يَرْضَى اللَّهُ عنه، ويرضى هو بما يعطيه. سورة الضحى قوله جل ذكره: ﴿نِسْمِ أَنَّهِ الرََِّ الرَّحَمِ﴾. (بسم الله)) اسمٌ لا يُشْبِهُه كُفْوٌ في ذاتِه وصفاتِه، ولا يستفزُّهُ لَهْوٌ في إثباتِ مصنوعاته، ولا يعتريه سَهْوٌ في عِلْمِه وحكمتِّهِ، ولا يعترضه لَغْوّ في قوله وكلمته. فهو حكيمٌ لا يلهو، وعليمٌ لا يسهو، وحليمٌ يُثْبِتُ ويمحو؛ فالصدق قَوْلُه، والحقُّ حُكْمُه، والخَلْقُ خَلْقُه والمُلْكُ مُلْكُه. قوله جل ذكره: ﴿وَلِضُّحَى وَالَتْلِ إِذَا سَجَى﴾ . ((والضحى)»: ساعةٌ من النهار. أو النهارُ كلُّه يُسَمّى ضُحًى. ويقال: أقسم بصلاة الضُّحى. ويقال: الضحى الساعةٌ التي كَلَّم فيها موسى عليه السلام. ﴿وَّلِ إِذَا سَجَى﴾ أي: ليلة المعراج، و((سجا)): أي سَكّن، ويقال: هو عامٌّ في چِئْسٍ الليل. ويقال: ((الضحى) وقت الشهود. ﴿وَأَِّلِ إِذَا سَجَى﴾ الذي قال: إنه ليُغَانَ على (١) قلبي(١) .. ويقال: ﴿الليل إذا سجا﴾ حين ينزل اللَّهُ فيه إلى السماء الدنيا - على التأويل الذي یصحُ في وصفه. ﴿مَا وَدَّمَكَ رَبِّكَ وَمَا قَلَ﴾ . ما قَطَعَ عنك الوحيَ وما أبغضك. وكان ذلك حين تأخّر جبريلُ - عليه السلام - عنه أياماً، فقال أهل مكة: إن محمداً قد قلاه ربُّه. ثم أنزل اللَّهُ هذه السورة. (١) أخرجه مسلم في الصحيح (الذكر ٤١)، وأبو داود في (السنن ١٥١٥)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٤/ ٢١١ - ٢٦٠)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٥٢/٧)، والطبراني في (المعجم الكبير ١/ ٢٨٠)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ٢٣٢٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٥٧/٥، ٢٩٩/٨، ٥١٧، ٥٩/٩، ٦٢٨)، والبخاري في (التاريخ الكبير ٤٣٠/٢) (البغوي ١٨٠/٦)، والسيوطي في (الدر المنثور ٦٣/٦)، وابن حجر في (فتح الباري ١٠١/١١) والمتقي الهندي في (كنز العمال ٢٠٧). ٤٢٩ ٤٣٠ تفسير سورة الضحى وقيل: احتبس عنه جبريل أربعين يوماً، وقيل: اثني عشر يوماً، وقيل: خمسة وعشرين يوماً. ويقال: سبب احتباسه أن يهودياً سأله عن قصة ذي القرنين وأصحاب الكهف، فَوَعَدَ الجوابَ ولم يقل: إن شاء الله. ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌّ لَّكَ مِنَ الْأُوْلَى﴾ . أي: ما يعطيك في الآخرة خيرٌ لَكَ مما يعطيك في الدنيا. ويقال: ما أعطاك من الشفاعة والحوض، وما يُلْبِسُك من لباس التوحيدٍ - غداً - خيرٌ مما أعطاكَ اليومَ. ﴿وَلَسَوْفَ يُمِْيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾. قيل: أفترضى بالعطاء عن المُعْطِي؟ قال: لا. قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِبِمًا فَاوَى﴾ . قيل: إلى عمّه أبي طالب. ويقال: بل آواه إلى كَتَفِ ظِلُّه، وربَّاه بلطف رعايته. ويقال: فآواكَ إلى بِساطِ القربة بحيث انفردتَ بمقامِك، فلم يُشَاركك فيه أحدٌ. ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلًا فَهَدَى﴾ . أي: ضللْتَ في شِعابٍ مكة، فَهَدَى إليك عَمَّك أبا طالبٍ في حال صباك. ويقال: ((ضالّاءً فينا متحيِّراً .. فهديناك بنا إلينا. ويقال: «ضالّة عن تفصيل الشرائع؛ فهديناك إليها بأن عرَّفناك تفصيلها. ويقال: فيما بين الأقوام ضلالٌ فهداهم بك. وقيل : (ضالّاً للاستنشاء فهداك لذلك. ويقال: ((ضالّة في محبتنا، فهديناك بنور القربة إلينا. ويقال: ((ضالّاً عن محبتي لك فعرَّفتك أنّي أُحِبُّك. ويقال: جاهلاً بمحلٌ شرفِكَ، فعرَّفْتُك قَدْرَكَ. ويقال: مستتراً في أهل مكة لا يعرفك أحدٌ فهديناهم إليك حتى عرفوك. ﴿وَوَجَدَكَ عَلَيْلًا فَأَغْفَ﴾ . في التفسير: فأغناكَ بمال خديجة. ويقال: أغناك عن الإرادة والطلب بأن أرضاك بالفَقْد. ٤٣١ تفسير سورة الضحى ويقال: أغناك بالنبوّة والكتاب. ويقال: أغناك بالله . ويقال: أغناك عن السؤال حينما أعطاك ابتداءً؛ بلا سؤالٍ منك. قوله جل ذكره: ﴿فَمَّا الِغِمَ فَلَا نَقْهَرْ﴾ . فلا تُخِفْه، وارفقْ به، وقرِّبْه. ﴿وَمَّا السَّيِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾. أي: إمَّا أنْ تُعْطِيَه .. أو تَرُدَّه برِفْقٍ، أو وعدٍ. ويقال: السائلُ عنَّا، والسائلُ المتحيِّرُ فينا - لا تنهرهم، فإنَّا نهديهم، ونكشف مواضع سؤالهم عليهم .. فلاطِفْهم أنت في القول. ﴿وَمَّا بِنِعْمَةِ رَيِّكَ فَحَدِّثْ﴾. فاشكُرْ، وصَرِّخ بإحسانه إليك، وإنعامه عليك. سورة ﴿ألم تشرح) قوله جلّ ذكره: ﴿ِسْمِ ◌َلَّهِ الرَِّ الرَّحْمَةِ﴾. ((بسم الله)) اسمٌ عزيزٌ عَزَّ مَنْ التجأ إليه، وجَلَّ مَنْ توكَّلَ عليه، وفاز في الدنيا والعُقْبَى مَنْ تَوَسَّلَ به إليه؛ فَمَنْ تَقَرَّبَ منه قَرَّبَه ومَنْ شَكًا إليه حَقَّقَ له مَطْلَبَهِ، ومَنْ رَفَعَ قصتّه إليه قَضَى مأربَه. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. أَلَمْ نُوَسِّعْ قَلْبَكَ للإِسلام؟ ألم نُليُنه للإِيمان؟ ويقال ألم نوسع صدرك بنور الرسالة؟ ألم نوسِّع صدرك لقَبُولٍ ما نورِدُ عليك. ﴿وَوَضَعْنَا عَنِكَ وِذْرَكَ اَلَِّ أَنْقَضَ ◌َهْرَكَ ﴾ . أي: إثمْكَ قبل النبوّة. ويقال: عصمناكَ عن ارتكابِ الوِزْرِ؛ فَوضْعُه عنه بأنَّه لم يستوجبه قطّ. ويقال: خفضنا عنك أعباءَ النبوَّة وجعلناكَ محمولاً لا متحمِّلاً. ويقال: قويناك على التحمُّل من الخَلْق، وقوَّيناك لمشاهدتنا، وحفظنا عليك ما استحفظت، وحرسناكَ عن ملاحظة الخَلْقِ فيما شرَّفناك به. ﴿اَِّ أَنْقَضَ تَهْرَكَ﴾: أثقله، ولولا حَمْلُنا عنك لَكُسِرَ. ﴿وَرَفَضَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ . بِذِكّرِنا؛ فكما لا تَصِحُّ كلمةُ الشهادة إلا بي، فإنها لا تَصِحُّ إلا بك. ويقال: رفعنا لك ذكرك بقول الناس: محمد رسول الله! ويقال: أثبتنا لك شرف الرسالة. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُثْرًا إِنَّ مَعَ الْعُمْرِ بُهْرًا ﴾ . وفي الخبر: ((لن يغلب عُسْرٌ يُسْريْن))(١) ومعناه: أن العسر بالألف واللام في (١) أخرجه الحاكم في (المستدرك ٥٢٨/٢)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٢٩٤٦)، وابن حجر في (فتح الباري ٧١٢/٧)، والطبري في (التفسير ١٥١/٣٠)، والقرطبي في (التفسير ١٠٧/٢٠) والعجلوني في (كشف الخفاء ٢١٣/٢)، والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ١٣٢). ٤٣٢ .٤٣٣ تفسير سورة الشرح الموضعين للعهد - فهو واحد، واليُسْر مُنكَّرٌّ في الموضعين فهما شيئان. والعُسْر الواحد: ما كان في الدنيا، واليسران: أحدهما في الدنيا في الخصب، وزوال البلاء، والثاني في الآخرة من الجزاء وإذاً فعُسْرُ جميع المؤمنين واحد - وهو ما نابهم من شدائد الدنيا، ويُسْرُهم اثنان: اليومَ بالكَشْفِ والصَّرْفِ، وغداً بالجزاء. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ﴾. فإذا فَرَغْتَ من الصلاة المفروضة عليك فانْصَبْ في الدعاء. ويقال: فإذا فرغت من العبادة فانصب في الشفاعة. ويقال: فإذا فرغت من عبادة نَفْسِك فانْصَبْ بقلبك. ﴿وَإَِ رَبِّكَ فَرْغَب﴾ . في جميع الأحوال. ويقال: فإذا فرغت من تبليغ الرسالة فارغب في الشفاعة. سورة التين قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَقَّهِ الَِّ الرَّجَمِ﴾. اسم ((الله)) يدلُّ على جلالٍ مَنْ لم يَزَلْ، ويُخْبِرُ عن جمالٍ مَنْ لم يَزَلْ، ينبه على إقبالِ مَنْ لم يَزَلْ، يشير إلى إِفضال من لم يَزَلْ؛ فالعارف شهد جلالَه فطَاش، والصفيُّ شهد جمالَه فعاش، والوليُّ شهد إقباله فارتاش، والمريدُ يشهد إفضالَه فلا يطلب مع كفايته المعاش. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِيْنِ وَالزَُّنِ﴾. أقسم بالتين لما به من عظيم المِنَّةِ على الخَلْقِ حيث لم يجعل فيه النَّوى، وخَلْصَه من شائب التنغيص، وجعله على مقدار اللُّقْمة لتكمل به اللذّة. وجعل في ((الزيتون)) من المنافع مثل الاستصباح والتأدَّم والاصطباغ به. ﴿وَطُورٍ سِنِينَ﴾ . الجبل الذي كَلِّمَ الله موسى عليه. ولموضعٍ قَدَمِ الأحبابِ حُزْمٌ. ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَبِينِ﴾ . يعني: مكة، ولهذا البلد شرف كبير، فهي بلدُ الحبيب، وفيها البيت؛ ولبيتٍ الحبیبِ وبَلَدِ الحبیبِ قَدْرٌ ومنزلة. قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا أَلْإِنسَانَ فيَ لَّعْبَنْ تَقْرِيمٍ﴾. في اعتدال قامتِّه، وحُسْنٍ تركيب أعضائه. وهذا يدل على أنَّ الحقِّ -سبحانه - ليس له صورة ولا هيئة؛ لأنَّ كَلَّ صفةٍ اشترك فيها الخَلْقُ والحقُّ فالمبالغةُ للحقِّ .. كالعلم، فالأعلمُ اللَّهُ، والقدرة: فالأقدَرُ اللَّهُ فلو اشترك الخَلْقُ والخالقُ في التركيب والصورة لكانَ الأحسن في الصورة اللَّهُ ... فلمّا قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ فِيَّ ◌َّحْسَنِ تَقِيمٍ﴾ عُلِمَ أَنَّ الحقَّ - سبحانه - مُتَزَّةٌ عن التقويم وعن الصورة. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ . أي: إلى أرذل العمر وهو حال الخَرَفِ(١) والهَرّم. (١) الخَرَف: فساد العقل من الكبر أو المرض. ٤٣٤ ٤٣٥ تفسير سورة التين ويقال: ﴿أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾: إلى النار والهاوية في أقبح صورة؛ فيكون أوَّلُ الآيةِ عامًّا وآخرها خاصًّا بالكفّار .. كما أنَّ التأويلَ الأولَ - الذي هو حال الهَرَم - خاصُّ في البعض؛ إذ ليس كلُّ الناسِ يبلغون حالَ الهَرَم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الَّذِحَتِ فَلَهُمْ أَجُ غَيْرُ تَنُونٍ﴾ . أي: غير منقوص. ويقال: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْغَلَ سَغِلِينَ﴾ أي: إلى حال الشقاوة والكفر إلَّ المؤمنين. قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَا يُكَذِبُكَ بَعْدُ بِأَلِذِّيْنِ﴾. أيها الإنسانُ .. مع كل هذا البرهان والبيان؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعَّكٍَّ الْمَكِمِينَ﴾ . سورة العلق قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ ◌َِّ الرََّفِ الرَـ ((بسم الله)) كلمةٌ سماعُها يوجِبُ أحدَ أمرين: ((إِمَّا صَحْواً وإِمَّا مَحْواً؛ صحواً لِمَنْ سمعها بشاهد العلم فيستبصر بواضح برهانه، أو محواً لمن سمعها بشاهد المعرفة لأنه يتحيّر في جلال سلطانه . قوله جلّ ذكره: ﴿ اقْرَأْ بِأَسِّ رَيْكَ الَّذِىِ خَلَقَ﴾ . هذه السورة من أَوّلٍ ما نَزَلَ على المصطفىِ نَّهِ لما تعرّض له جبريل في الهواء، ونَزَلَ عليه فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيْكَ الَّذِى خَلَقَ﴾. فالناسُ كُلُّهم مريدون - وهو وَ لَ كان مُرَاداً. فاستقبل الأمر بقوله: ((ما أنا بقارىء، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارىء، فقال له: ((اقرأ كما أقول لك؛ ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِى خَلَقَ﴾))(١) أي خلقهم على ما هم به. ﴿َلَقَ أُلْإِنَنَّ مِنْ عَلَقٍ﴾. العَلَق جمع عَلَقَة؛ كشجَرٍ وشجرةٍ .. (والعَلَقةُ الدمُ الجامد فإذا جرى فهو المسفوح). ﴿أَقْرَأَ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. ((الأكرم»: أي الکریم. ويقال: الأکرم من کل کریم. ﴿الَّذِى عَلَّرَ بِالْقَلِ عَلََّ الْإِنْسَنَّ مَا لَزْ يَ﴾. عَلَّمهم ما لم يعلموا: الضروريَّ، والكسبيَّ. (١) أخرجه البخاري في (الصحيح ١٣/١، ٢٠٢/٦، ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦، ٥٩/٨، ٣٧/٩)، ومسلم في الصحيح (الإيمان ب٧٣ رقم ٢٥٢)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٥١/٧، ٦/٩)، وعبد الرزاق في (المصنف ٩٧١٩)، (البغوي ٢٦٨/٧)، والحاكم في (المستدرك ١٨٣/٣)، والبغوي في (شرح السنة ٣١٧/١٣)، وأبو عوانة في (المسند ١١٠/١)، والبيهقي في (دلائل النبوة ١٣٥/٢)، والسيوطي في (الدر المنثور ٣٦٨/٦)، وابن حجر في (فتح الباري ٢٢/١، ٧١٥/٨)، وأبو نعيم في (دلائل النبوة ٦٨/١)، والقرطبي في (التفسير ١١٨/٢٠) وابن كثير في (التفسير ٤٥٨/٨). ٤٣٦ ٤٣٧ تفسير سورة العلق ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَيْفَقُّ أَنْ رَّمَاءُ أَسْتَغْوَ﴾. أي: يتجاوز جَدَّه إِذا رأى في نفسه أنه استغنى؛ لأنه يَعْمَى عن مواضع افتقاره. ولم يقل: إِن استغنى بل قال :. ﴿أَنْ زَّمَاءُ أَسْتَغْوَ﴾ فإذا لم يكن مُعْجَّباً بنفسه، وكان مشاهداً لمحلٌ افتقاره - لم يكن طاغياً. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْوَ﴾. أي: الرجوع يوم القيامة . قوله جلّ ذكره: ﴿أَرَدَّيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ عَبْدًا إِذَا صَلََّ﴾ . أليس لو لم يفعل هذا كان خيراً له؟ ففي الآية هذا الإضمار. ﴿أََّيْتَ إِن كَنَّ عَلَى الْمُدَّ أَوْ أَمَرَ بِلنَقْوَ ﴾ . لكان خيراً له؟ ﴿أَرَيْتَ إِن كَذِّبَ وَتَوٌَ﴾ . كذّب بالدِّين، وتولّى عن الهداية. قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّ يَعْلَم ◌ِأَنَّ اللَّهُ يَرَى﴾ . أي: ما الذي يستحقُّه مَنْ هذه صفته؟ والتخويفُ برؤية الله تنبيه على المراقبة - ومَنْ لم يَبْلُغْ حالَ المراقبة لم يَرْتَق منه إِلى حال المشاهدة. قوله جلّ ذكره: ﴿كَّ لَبِ لَّرْ بَِّ لَنَشْفَمَّا بِالنَّاسِيَةِ نَصِيَةِ كَذِبَةٍ خَالِثَةِ﴾ . لَنأْخُذَنَّ بناصيته (وهي شَعْرُ مُقَدَّم الرأس) أخْذَ إِذلالٍ. ومعناه لنُسَوِّدَنَّ وَجهْهَ. وقوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَذِيَةٍ خَالِثَةٍ﴾ بدلٌ من قوله: ﴿لَنَتْفَمَا بِالنَّاسِيَةِ﴾. ﴿فَلَدْعُ نَادِيَمُ سَنَدْعُ الزََّنَّةَ ﴾ . فليدعُ أهلَ ناديَه وأهل مجلسه، وسندعو الزبانيةَ ونأمرهم بإهلاكه. قوله جل ذكره: ﴿كَلَّ لَا نُطِعْهُ وَأَسْبُدْ وَأَقْذِّبِ﴾. أي: اقتربْ من شهود الربوبية بقلبك، وقِفْ على بساط العبودية بنَفْسك. ويقال: فاسجُدْ بنفسِك، واقترِبْ بسِرُك. سورة القدر قوله جلّ ذكره: ﴿نِسْمِ أَقَّهِ الَِّ الرَّمَـ ((بسم الله) كلمةٌ تُخْضِرُ قلوبَ العلماءِ لتأمُّل الشواهد، وتُسْكرُ قلوبَ العَارفين إذا وردوا المشَاهِد .. فهؤلاء أحضرهم فَبَصَّرَهم، وعلى استدلالهم نصرهم. وهؤلاء بشرابٍ محابُّه أَسكّرَهم، وفي شهودِ جلالِهِ حَيِّرَهم. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ﴾ . في ليلةٍ قَدَّرَ فيها الرحمةَ لأوليائه، في ليلةٍ يجد فيها العابدون قَدْرَ نفوسِهم، ويشهد فيهَا العارفون قَدْرَ معبودهم .. وشتان بين وجودٍ قَدْرٍ وشهودٍ قَدْرٍ! فلهؤلاء وجودُ قَدْرٍ ولكن قدر أنفسهم، ولهؤلاء شهود قدرٍ ولكن قدر معبودهم. ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. استفهامٌ على جهة التفخيم لشأن تلك الليلة. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. أي: هي خيرٌ من ألف شهر ليست فيها ليلة القدر. هي ليلةٌ قصيرةٌ على الأحباب لأنهم فيها في مسامرةٍ وخطاب .. كما قيل: قابلت فيها بَذْرَها بِبَذْرٍ ياليلة من ليالي الدهر حتى تولّت وهي بَكْرُ الدهرِ ولم تكن عن شَفَقٍ وفَجْر قوله جلّ ذكره: ﴿فَزَّلُ الْمَلَكَةُّ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمٍْ سَلَمُ هِىَ حَّى مَطْلَعِ اُلْنَجْرِ﴾ . ﴿وَالرُّوحُ فِيَهَا﴾: قيل جبريل. وقيل: مَلَكُ عظيم. ﴿پاذن ريهم﴾: أي بأمر ربهم ﴿مِّنْ كُلِّ أَمْيٍ سَلَهُ﴾: أي مع كل مأمورٍ منهم سلامي عَلَى أوليائي. ﴿هِىَ حَّى مَطَلَعِ اَلْنَبْرِ﴾: أي هي باقية إلى أن يطلع الفجر. ٤٣٨ سورة البينة قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرّحمَـ ((بسم الله): اسمٌ عزيزٌ تَنَصَّل إليه المذنبون فَغَفَرّ لهم وجَبرَهم: وتوسّلَ إِليه المطِيعون فوَصَلَهم ونَصَرَهم . تعَرَّفَ إليه العالِمون فَبَصَّرَهم، وَتَقَرَّب منه العَارفون فَقَرَّبهم ... لكنه - سبحانه - في جلاله حَيّرهم. قوله جلّ ذكره: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَّكِيْنَ حَّى تَأْيِيَهُمُ الَّهُ﴾ . (منفكين)): مُنْتَهين عن كفرهم حتى تأتيهم البيّنة: وهي رسول الله وَ لغيره أي لم يزالوا مجتمعين عَلَى تصديقه؛ لِمَا وَجَدوه في كُتُبهم إلى أَنْ بَعَثَه الله تعالى. فلمّا بَعَثَه حسدوه وكفروا. ﴿رَسُولٌ مِّنَ اَللَّهِ يَثْلُواْ عُفًا مُطَهَّرَةً فِيَهَا كُنُبُّ قَيِّمَةٌ﴾ . أي حتى يأتيهم رسول من الله يقرأ كُتُباً مُطَهَّرَةً عن تبديل الكفار. ﴿فِيَهَا كُتُبُ قَيِّمَةٌ﴾: مستوية ليس فيها اعوجاج. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآَمَنْهُمُ الْيَّةُ﴾. يعني: القرآن. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّا أُمِرُواْ إِلَّا لِعْبُدُواْ لَهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُتَفَآَةَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ﴾ . ﴿يُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ أي موحّدين لا يُشرِكون بالله شيئاً؛ فالإخلاصُ أَلَّا يكونَ شيءٌ من حركاتك وسَكّنَاتك إلَّا لله. ويقال: الإخلاصُ تصفيةُ العملِ من الخَلَلِ . ((حنفاء): مائلين إلى الحقِّ، عادلين عن الباطل. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ .. وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: أي دينُ الملَّةِ القيمة، والأمة القيِّمة، والشريعة القيّمة . ٤٣٩ ٤٤٠ تفسير سورة البينة قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَاً أُوْلَكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِئَةِ﴾ . ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: مقيمين. ﴿اَلْبَرِّيَّةِ﴾: الخليقة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّبِحَتِ أُوْلَيْكَ هُمْ خَّرُ الْبِيَّةِ﴾. أي: خير الخَلْقِ، وهذا يدل عَلَى أنهم أفضلُ من الملائكة. قوله جلّ ذكره: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَْرِى مِنْ تَمِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . ﴿جَزَآؤُهُمْ﴾: أي ثوابهم في الآخرة عَلَى طاعاتهم. ﴿وَجْرِى مِنْ تَِّهَا الْأَنْهُ﴾ أي: من تحت أشجارها الأنهار. ﴿َّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ . فلم تَبْقَ لهم مطالبةٌ إلَّا حَقْقَها لهم. ﴿َلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَُّ﴾. أي: خانَهُ في الدنيا. والرضا سرورُ القلب بمرّ القضًا. ويقال: هو سكونُ القلبِ تحت جَرَیان الحُكْم.