Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١
تفسير سورة المزمل
فالمعنى: مذاهبُك في النهار فيما يَشْغَلُك كثيرةٌ - والليلُ أَخْلَى لك.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَذْكُرِ أَسْمَ رَبِّكَ وَتَبْتَّلْ إِلَيْهِ نَّبْتِيلًا﴾ .
أي: انقَطِعْ إليه انقطاعاً تاماً.
﴿رَّبُّ الْشّرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَّا إِلَهَ إِلَّ هُّوْ فَئِذْهُ وَكِيلًا﴾.
الوكيلُ مَنْ تُوكَلُ إليه الأمورُ؛ أي: تَوَكَّلْ عليه وكِلْ أمورَك إليه، وثِقْ به.
ويقال: إنك إذا اتخذْتَ من المخلوقين وكيلاً اختزلوا مالَكَ وطالبوك بالأجرة،
وإذا اتخذتني وكيلاً أُوَفِّرُ عليكَ مَالَكَ وأُعطيكَ الأجر.
ويقال: وكيلُك ينفق عليك من مالِك، وأنا أرزقك وأنفق عليك من مالي.
ويقال: وكيلُك مَنْ هو في القَدْرِ دونَك، وأنت تترفّعُ أن تكلِّمَه كثيراً. وأنا ربُّكَ
سَيِّدُك وأحبُّ أَنْ تَكَلِمَني وأُكلُمَكَ ..
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرًا حَمِيلًا﴾.
الهَجْرُ الجميلُ: أن تعاشِرَهم بظاهرك وتُباينَهم بِسِرِك وقلبك.
ويقال: الهجرُ الجميل ما يكون لحقُ ربُّك لا لِحَظُّ نَفْسِك.
ويقال: الهجرُ الجميلُ ألا تُكلِّمَهم، وتكلمني لأجلهم بالدعاء لهم.
وهذه الآية منسوخة بآية القتال.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّْمَةِ وَمَهَلْهُمْ قِلًا﴾ .
أي: أُولِي التَّنَعُم وأنْظِرْهم قليلاً، ولا تهتهمْ بشأنهم، فإني أكفيكَ أمرَهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ لَدَيْنَاً أَنْكَالًا وَحِيمًا وَعَامَا ذَا ثُمَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ .
ثم ذكر وصف القيامة فقال :
﴿يَوْمَ تَرْجُمُ الْأَرْضُ وَاَلْجِبَالُ وَكَنَتِ لَلِجَالُ كِبًا مَهِيلًا﴾ .
ثم قال:
﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَآ أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعُوْنَ رَسُولًا﴾ .
يعني: أرسلنا إليكم محمداً﴿ شاهداً عليكم ﴿كَ أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ،
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ ثقيلاً.
﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ بَوْمًا﴾ من هَوْلُه يصير الولدانُ شيباً - وهذا على ضَرْبٍ
المثل .
﴿السَّمَهُ مُنْفَظِرٌ بِهِ ﴾ أي بذلك: اليوم لهوله.
٣٦٢
تفسير سورة المزمل
ويقال: مُنْفَطِرٌ بالله أي: بأمره.
﴿كَانَ وَعْدُمُ مَفْعُولًا﴾: فما وَعَدَ اللَّهُ سيصدقه.
﴿إِنَّ هَذِهِ نَذْكِرَةٌ﴾: يعني هذه السورة، أو هذه الآيات مَوْعِظَةٌ؛ فَمَنْ اتعظ بها
سَعِدَ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿يَعْدَُّّ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِنْ تُلْفَى أَّلِ وَنِصْفَهُ وَقُلُ وَطَيِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَلَكَّ﴾
من المؤمنين .
﴿وَلَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارُ﴾ فهو خالقهما ﴿عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُخُضُوءُ﴾ وتطيعوه.
﴿فَنَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خَفَّفَ عنكم ﴿فَاقْرَهُواْ مَا نَبَتَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ من خمس آيات إلى
ما زاد. ويقال: من عَشْرِ آيات إلى ما يزيد.
﴿عَلِمَ أَنْ سَيَّكُونُ مِنْكُمْ تَرْشَىْ وَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ آلْأَرْضِ﴾ يسافرون، ويعلم أصحاب
الأعذار، فَنَسخَ عنهم قيامَ الليل.
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ المفروضة.
﴿وَأَقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْمًا صَنَّأَ﴾ مضى معناه.
﴿وَمَا نُقَيِّعُواْ لِأَنْفُسِكُ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ أي: ما تقدِّموا من طاعة تجدوها عند الله ثواباً
هو خيرٌ لكم من كلّ متاع الدنيا.
سورة المدثر
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الََّنِ الرََّـ
(بسم الله)) كلمةٌ سماعُها نزهةُ قلوبِ الفقراء، كلمةٌ سماعُها بهجة أسرارٍ
الضعفاء، راحةُ أرواح الأحِبَّاء، قوةُ قلوبِ الأولياء، سَلْوَةُ صدورِ الأصفياء، قُرَّةُ عيونٍ.
أهلِ البلاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَّهَا الْمُدَِّرُ قُرْ فَلَّذِرْ﴾.
يا أيها المتدثر بثوبه.
وهذه السورة من أول ما أُنْزِلَ من القرآن. قيل: إنَّ رسولَ اللهِ ﴿ ذَهَبَ إلى
حِرَاء قبل النُّبُوة، فَبَدا له جبريلُ في الهواء، فرجع الرسول إلى بيت خديجة (١) وهو
يقول ((دثْروني دثْروني))(٢) فَدُثِّرَ بثوبٍ فنزل عليه جبريل وقال: ﴿يَّهَا الْمُدَّثِّرُ قُرْ فَأَنَذِرْ﴾ .
وقيل: أيها الطالبُ صَرْفَ الأذى عنك بالدثار اطلبه بالإنذار.
ويقال: قُمْ بنا، وأَسْقِطْ عنك ما سوانا، وأَنذِر عبادَنا؛ فلقد أقمناك بأشرف
المواقف، ووقفناك بأعلى المقامات.
ويقال: لمَّا سَكَنَ إلى قوله ﴿ثٌ﴾ وقام قَطَعَ سِرّه عن السُّكونِ إلی قیامِه، ومن
الطمأنينة في قيامه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَبَّكَ فَكَِّرْ﴾.
(١) هي خديجة بنت خويلد بن أسعد بن عبد العزى (٦٨ - ٣ ق هـ = ٥٥٦ - ٦٢٠ م) من قريش زوجة
رسول الله * الأولى، وكانت أسنّ منه بخمس عشرة سنة. ولدت بمكة، ونشأت في بيت شرف
ويسار، ومات أبوها يوم الفجار، وتزوجت بأبي هالة بن زرارة فمات عنها وكانت ذات مال كثير
وتجارة تبعث بها إلى الشام، فلما بلغ الرسول# الخامسة والعشرين خرج في تجارة لها إلى سوق
بصري وعاد رابحاً، فدست له من عرض عليه الزواج بها فأجاب وتزوجها فولدت له القاسم وعبد
الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ولما بُعث رسول الله # دعاها إلى الإسلام، فكانت أول من
أسلم من الرجال والنساء. توفيت بمكة.
الأعلام ٣٠٢/٢، وطبقات ابن سعد ٧/٨ - ١١، وصفة الصفوة ٢/٢، والدر المنثور ١٨٠.
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٣٧٧/٣)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٥٥٢٨) وابن أبي
شيبة في (المصنف ٧٤/٣)، والطبري في (التاريخ ٣٠٤/٢)، وابن حجر في (الكاف الشاف في
تخريج أحاديث الكشاف ١٧٩).
٣٦٣
٣٦٤
تفسير سورة المدثر
كَبِّرْه عن كلِّ طَلَبٍ، ووَضْلٍ وفَضْلٍ، وعِلَّةٍ وخَلْقٍ .
﴿وَثَابَكَ فَطَيِّرْ﴾ .
طَهِّرْ قلبك عن الخلائق أجمع، وعن كلِّ صفةٍ مذمومة .
وطَهِّرْ نَفْسَك عن الزَّلَّات، وقلبَك عن المخالفات، وسِرَّك عن الالتفاتات.
ويقال: أَهْلَكَ طَهِّرْهم بالوعظ؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]،
فيعبر عنهن - أحياناً - بالثياب واللّباس.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأُرُّجْزَ نَفْجُرْ﴾ .
أي: المعاصي. ويقال: الشيطان. ويقال: طهِّزْ قلبَك من الخطايا وأشغال
الدنيا .
ويقال: مَنْ لا يَصِحُ جِسْمُه لا يجد شهوةَ الطعام كذلك مَنْ لا يَصِحُ قلبُه لا يجد
حلاوةَ الطاعة .
﴿وَلَا تَعْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ .
لا تُعْطِ عطاءً تطلب به زيادةً على ما تعطيه.
ويقال: لا تستكثِرْ الطاعةً من نفسك.
ويقال: لا تمنُنْ بعملك فتَسْتكثِرَ عملك، وتُعْجَبَ به.
﴿وَلِرَیّكَ فَاضِرْ﴾ .
أي: أنت تُؤَذَى في اللَّهِ. فاصبِرْ على مقاساةٍ أذاهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا ◌ُفِرَ فِي ◌َلَنَّهُورِ فَذَلِكَ يَوْمَهِذٍ يَوْمُ عَبِيرٌّ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ بَبِيرٍ﴾ .
يعني: إذا قامت القيامةُ، فذلك يومّ عسيرٌ على الكافرين غيرُ هُيِّنٍ.
قوله جلّ ذكره: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ رَحِيدًا﴾ .
أي: لا تهتم بشأنهم، ولا تَحْتَفِلْ؛ فإنِّي أكفيكَ أمرَهم.
إِنِّي خَلَقْتُه وحدي؛ لم يشارِكْني في خلقي إِيَّاه أحدٌ.
ویحتمل: خَلَقْتُه وَحْدَه لا ناصرَ له.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَّا مَنْدُودًا وَبِيِنَ شُهُوكًا ﴾ .
حضوراً معه لا يحتاجون إلى السَّفَرِ .
﴿وَمَهَّدتُ لَمُ تَمَهِيدًا﴾ .
أراد: تسهيلَ التصرُّف، أي: مكّتُهُ من التصرُّف في الأمور.
﴿ثُمَّيَطْمَعُ أَنْ أَزِيدٌ﴾ .
يطمع أن أزيده في النعمة:
٣٦٥
تفسير سورة المدثر
﴿كَلَّ إِنَّهُ كَنَّ ◌َِا عِنْدًا﴾ .
جَحوداً.
سَأَزْهِقُهُ صَعُودًا
سأحمله على مشقَّةٍ من العذاب.
﴿إِنَُّ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُئِلَ كَفَ قَدَّرَ مُّ ◌ُثِّلَ كَيْفَ ◌َّذَّرَ ﴾ .
أي: لُعِنَ كيف فكّر، وكيف قَدَّر، ويعني به: الوليد بن المغيرة (١) الذي قال في
النبي ◌َّ: إنَّه ليس بشاعرٍ ولا بمجنونٍ ولا بكذّاب، وإنه ليس ساحر، وما يأتي به
ليس إلا سحرٌ يُزْوَى :
﴿فُمَّنَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَسَرَ ثُمَّ أَذْبَرَ وَأَسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا يِرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُمِهِ
سَقَرَ وَمَا أَذَرَكَ مَا سَقَرٌ لَا نَبْقِى وَلَا نَذَرُ لَوََّةٌ لِلْبَِّ﴾ .
لا تُبقي لَحْماً، ولا تَذَرُ عَظْماً، تحرق بشرة الوجه وتُسَوِّدها، من لاحته الشمسُ
ولوّحته .
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةً عَثَرَ﴾ .
قال المشركون: نحن جَمْعْ كثير .. فما يفعل بنا تسعة عشر؟! فأنزل الله
سبحانه :
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْمَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَبِّكَةُ وَمَا جَمَلْنَا ◌ِنََّهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلِّينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَّقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ مَنُواْ إِيَأْ وَلَا يَابَ الَّذِينَ أُوُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُنُّ﴾ .
فيزداد المؤمنون إيماناً، ويقول هؤلاء: أي فائدة في هذا القَدْر؟ فقال تعالى:
﴿كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ مَنْ بَثَلَهُ وَبَهْدِى مَنْ يَةٌ﴾ .
ثم قال :
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُودَ رَيْكَ إِلَّ هُوَّ وَمَّا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى لِلَْنَِّ﴾.
أي: تقاصرت علومُ الخَلْقِ فلم تتعلّقْ إلا بمقدار دون مقدار، والذي أحاط بكل
شيء علماً هو الله - سبحانه
﴿كَلَّ وَالْقَمَرِ﴾ .
(١) هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم (٩٥ هـ - ١ هـ = ٥٣٠ - ٦٢٢م) أو عبد
شمس، من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش، ومن زنادقتها. يقال له ((العدل)) لأنه كان
عدل قريش كلها، كان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وأدرك الإسلام وهو شيخ هرم، فعاداه وقاوم
دعوته. هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر، ودفن بالحجون وهو والد سيف الله خالد بن الوليد.
الأعلام ١٢٢/٨، والكامل لابن الأثير ٢٦/٢، ورغبة الآمل ٢٩/٥، واليعقوبي ٢١٥/١.
٣٦٦
تفسير سورة المدثر
كلّا - حرفُ ردع وتنبيه؛ أي: ارتدعوا عما أنتم عليه، وانتبهوا لغيرِه.
وأقسم بهذه الأشياء ﴿كَلَّ وَالْقَرِ﴾: أي بالقمر، أو بقدرته على القمر.
﴿وَأَّلِ إِذْ أَذْبَرَ﴾ وَقُرِىءَ (ودَبَرَ)) أي: مضى، ﴿وَلُّبْحِ إِذَا أَشْفَرَ﴾ أي: تجلّى.
﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبْرِ﴾.
أي: النار لإحدى الدواهي الكُبَر.
ويقال في ﴿كَلَّ وَالْقَرِ﴾ إشارةٌ إلى أقمار العلوم إذا أخذ هلالُها في الزيادة بزيادة
البراهين، فإنها تزداد، ثم إذا صارت إلى حدِّ التمام في العلم وبلغت الغاية تبدو أعلام
المعرفة، فالعلم يأخذ النقصان، وتطلع شمسُ المعرفة، فكما أنه إذا قَرُبَ القمرُ من
الشمس يزداد نقصانه حتى إذا قرب من الشمس تماماً صار محاقاً - كذلك إذا ظَهَرَ
سلطانُ العرفانِ تأخذ أقمارُ العلوم في النقصان لزيادة المعارف؛ كالسراج في ضوء
الشمس وضياء النهار. ﴿ وَّلِ إِذْ أَذْبَرَ﴾ أي إذا انكشفت ظُلَمُ البواطن، ﴿وَلُّبْحِ إِذَا أَشْفَرَ﴾
وتجلَّت أنوار الحقائق في السرائر .. إنها لإحدى العظائم! وذلك من باب التخويف
من عودة الظُّلَم إلى القلوب.
﴿نَذِيرًا لِلْبَشِّرِ﴾.
في هذا تحذيرٌ من الشواغل التي هي قواطع عن الحقيقة، فيحذروا المساكنةً
والملاحظةَ إلى الطاعات والموافقات .. فإنّها - في الحقيقة - لا خطرَ لها.
﴿لِمَنْ شَآَ مِنْكُمْ أَن يَقَدَّمَ أَوْ يَكَفَّرَ﴾ عن الطاعات .. وهذا على جهة التهديد.
قوله جلّ ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَمِنَةٌ﴾ .
أي: مرتهنة بما عملت، ثم استثنى:
﴿إِلَّ أَعْمَبَ آلِينِ﴾ .
فقال: إنهم غيرٍ مرتهنين بأعمالهم، ويقال: هم الذين قال الله تعالى في شأنهم:
(هؤلاء في الجنة ولا أبالي))!
وقيل: أطفال المؤمنين.
﴿إِ جٍَّ يَتَوقّ عَنِ الْمُجْرِنِّ مَا مَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ اٌلْتُصَلِيْنَ وَلَّمْ نَكُ نُظِمُ
اُلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوُ مَعَ الْخَيْضِينَ وَكُنَا تُكَذِّبُ بِّوْمِ الّذِينِ﴾ .
هؤلاء يتساءلون عن المجرمين، ويقولون لأهل النار إذا حَصّلَ لهم إشرافٌ
عليهم: ﴿مَا سَلَكَكُ فِي سَقَّرَ﴾؟ ﴿قالوا ألم نك من المصلين﴾ ألم نكُ نُطْعِمُ المسكين؟
وهذا يدل على أنَّ الكفارَ مُخَاطَبون بتفصيل الشرائع.
٣٦٧
تفسير سورة المدثر
﴿وَكُتَّا نَخُوُضُ مَعَ الْخَيْضِينَ﴾: نشرع في الباطل، ونكذّب بيوم الدين.
﴿حََّ أَتَنْنَا أَلْيَقِيْنُ﴾ .
وهو معاينة القيامة .
﴿فَمَا تَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِيِينَ﴾.
أي: لا تنالهم شفاعةُ مَنْ يشفع .
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذِكِرَوْ مُعْرِضِينَ﴾.
والتذكرة: القرآن:
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنِفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ﴾ .
كأنهم حُمُرٌ نافرة فرَّت من أَسَدٍ .
﴿بَّ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِيٍ مِنْهُمْ أَن يُؤْقَ صُحُفَا تُنَثَّرَةً﴾.
بل يريد كلٌّ منهم أن يُعْطَى كتاباً منشوراً.
كَّ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ﴾.
أي: كَلَّا لا يُعْطَوْن ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة.
﴿كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءُ ذَكَرَمُ﴾ .
إلَّا أَنْ يشاءَ اللَّهُ - لا أَنْ تشاؤوا.
﴿هُوَ أَهْلُ النَّقْوَىُ﴾ .
أهل لأن يُتَّقى.
﴿وَأَهْلُ اٌلْمَغْفِرَةِ﴾.
وأهلٌ لأَنْ يغفِرَ لمن يَتَّقِي - إن شاء.
سورة القيامة
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ اللَّهِ الَّغَرِ الرَّـ
ـةٍ﴾.
((بسم الله)) كلمة عزيزة مَنْ سمعها بشاهد العِلْم استبصر، ومن سمعها بشاهد
المعرفة تحيَّر .. فالعلماءُ في سكون برهانه، والعارفون في دَهَش سلطانه .. أولئك في
نجوم علومهم، فأحوالُهم صَخوّ في صَخو، وهؤلاءِ في شموسٍ معارفهم: فأوقاتُهم
محوّ في محو . . فشتان ما هما !!
قوله جلّ ذكره: ﴿لَ أُقْيِمُ بِيَّوْمِ الْقِيَةِ﴾ .
أي: أقسم بيوم القيامة .
﴿وَلَّ أُقْمِمُ بِالنَّفْسِ اَلَّمَةِ﴾ .
أي: أقسم بالنفس اللَّؤَّامة، وهي النّفْسُ التي تلوم صاحبَها، وتعرِف نقصانَ
حالها .
ويقال: غداً .. كلُّ نَفْسٍ تلوم نَفْسَها: إمّا على كُفْرِها، وإمَّا على تقصيرها -
وعلى هذا فالقَسَمُ يكون بإضمار ((الرَّب)) أي: أقسم بربُ النفس اللوامة. وليس للوم
النّفْسِ في القيامةِ خطرٌ - وإنْ حُمِلَ على الكُلِّ ولكنَّ الفائدة فيه بيان أنَّ كلَّ النفوس
غداً - ستكون على هذه الجملة. وجوابُ القَم قولُه: ﴿َ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَيَخْسَبُ آلْإِنسَنُ أَلَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ .
أيظن أنَّا لن نبعثَه بعد موته؟
﴿وَ قَدِرِينَ عَلَى أَنْ تُوِّىَ بَنَهُ﴾ .
﴿قَدِرِينَ﴾ نصب على الحال؛ أي بلى، نسوي بنانه في الوقت قادرين، ونقدر
أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفٍ (١) البعير وظلف(٢) الشاة .. فكيف لا
نقدر على إعادته؟!
(١) الخُفُّ للبعير: كالحافر للفرس (ج) أخفاف.
(٢) الظُّلْف: الظفر المشقوق لكل حيوان مجتز كالبقرة والشاة والظبي ونحوها، وهو بمنزلة الحافر
للفرس (ج) أظلاف. وظلوف.
٣٦٨
٣٦٩
تفسير سورة القيامة
﴿بَلْ يُرِبُ آلْإِنَنُ لِيَغْجُرْ أَمَامَهُ﴾ .
يُقدِّمِ الزّلَةَ ويؤخر التوبة. ويقول: سوف أتوب، ثم يموت ولا يتوب. ويقال:
يعزم على ألا يستكثر من معاصيه في مستأنف وقته، وبهذا لا تَنْحَلُ - في الوقت -
عقدةُ الإصرار من قلبه، وبذلك لا تصحُّ توبتُه؛ لأن التوبة من شرطها العزم على ألا
يعودّ إلى مثل ما عَمِل. فإذا كان استحلاءُ الزلّةِ في قلبه، ويفكر في الرجوع إلى مثلها
۔ فلا تصح ندامتُه .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَرْثَلُ أَنَ يَوْمُ الْقِيَةِ﴾.
على جهة الاستبعاد، فقال تعالى:
﴿فَإِذَا بِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ اَلْقَمَرُ وَيُحِعَ الَّتْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ آلْإِنَنُ يَوْمَدٍ أَيْنَ اْغَرّ ﴾.
﴿َقَ﴾ بكسر الراء معناها تحَيِّرَ، ﴿وَبّقٌ﴾ بفتح الراء شَخَصَ (فلا يَطْرِف) من
البريق، وذلك حين يُقَاد إلى جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بيد سبعين ألف
مَلَك، لها زفير وشهيق، فلا يَبْقى مَّلَكٌ ولا رسول إلّا وهو يقول: نفسي نفسي!
﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَيُمِعَ النَّتْسُ وَالْقَمَرُ﴾ كأَنهما ثوران عقيران.
ويقال: يجمع بينهما في ألَّ نورَ لهما.
﴿يَقُولُ اَلْإِنَنُ يَوْمَدٍ أَيَّنَ آَلَغَرُّ﴾؟ والمفرّ موضع الفرار إليه، فيقال لهم:
﴿كَّ لَا وَزَرَ﴾(١).
اليومَ، ولا مَهْربَ من قضاءِ الله.
﴿إَِ رَبِّكَ يَوْمَدٍ الْتَغَّرُّ﴾.
أي: لا مَحِیدَ عن حُكْمِه.
﴿يُّ الْإِنَنُ يَوْمَيِمٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.
أي: يَعْرِف ما أسْلَفَه من ذنوب أحصاها اللَّهُ - وإن كان العبدُ نسيها.
﴿َلِ آلْإِنَّنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَ مَعَاذِبْرَهُ﴾ .
للإنسان على نفسه دليل علامة وشاهد؛ فأعضاؤه تشهد عليه بما عمله.
ويقال: هو بصيرةٌ وحُجّةً على نفْسه في إنكار البعث.
ويقال: إنه يعلم أنه كان جاحداً كافراً، ولو أتى بكلِّ حجةٍ فلن تُشْمع منه ولن
تنفعه .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ ◌ِ: إِنَّ عَيْنَا بَمْعَهُ وَقَُّهُ فَإذَا قَرَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ .
(١) الوَزّر: الملجأ يُعتصم به.
٣٧٠
تفسير سورة القيامة
لا تستعجِلْ في تَلَقُّفِ القرآنِ على جبريل، فإنَّ علينا جَمْعَه في قلبك وحِفْظُه،
وكذلك علينا تيسيرُ قراءته على لسانك، فإذا قرأناه أي: جمعناه في قلبك وحفظك
فاتبع بإقرائك جَمْعَه .
{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَانَهُ﴾.
نُبيِّنُ لك ما فيه من أحكام الحلال والحرام وغيرها. وكان رسول الله صلقوم
يستعجل في التلقفِ مخافةً النسيان، فنُهِيَ عن ذلك، وضمن اللَّهُ له التيسير
والتسهيل .
قوله جلّ ذكره: ﴿كَلَّ بَلْ تُّونَ الْعَكِلَةَ وَذَرُونَ الْآَخِرَةَ ﴾ .
أي: إنما يحملهم على التكذيب للقيامة والنشر أنهم يحبون العاجلة في الدنيا،
أي: يحبون البقاء في الدنيا.
﴿وَلَّذَرُونَ الْآَخِرَةَ﴾: أي: تتركون العملَ للآخرة. ويقال: تكفرون بها.
قوله جلّ ذكره: ﴿وُجُرٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةً﴾ .
﴿َاضِرَةً﴾: أي مشرقة حسنة، وهي مشرقة لأنها إلى ربها ((ناظرة)) أي رائية لله.
والنظر المقرون بـ ((إِلى)) مضافاً إلى الوجه لا يكون إلّا الرؤية، فالله تعالى يخلق الرؤية
في وجوههم في الجنة على قَلْبِ العادة، فالوجوه ناظرة إلى الله تعالى.
ويقال: العين من جملة الوجه فاسم الوجه يتناوله.
ويقال: الوجهُ لا ينظر ولكنَّ العينَ في الوجهِ هي التي تنظر ؛ كما أنَّ النهرَ لا يجري ولكنَّ
الماءَ في النهر هو الذي يجري، قال تعالى: ﴿َثَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرِ﴾ [البقرة: ٢٥].
ويقال: في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَّذٍ قَاضِرَةٌ﴾ دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا
تتداخلهم حيرة ولا دَهَش؛ فالنضرة من أمارات البسط لأن البقاء في حال اللقاء أتمُّ من
اللقاء .
والرؤية عند أهل التحقيق تقتضي بقاء الرائي، وعندهم استهلاكُ العبدِ في وجود
الحقُّ أتمُّ؛ فالذين أشاروا إلى الوجود رأوا الوجود أعلى من الرؤية.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَوُجُوهٌ يَؤْمَغْ بَسِرَةً تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا نَافِرَةٌ﴾ .
﴿بَكِيرَةً﴾: أي كالحةٌ عابسة. ﴿فَاقِرَةٌ﴾ أي: داهية وهي بقاؤهم في النار عَلَى
التأييد. تظن أن يخلق في وجوههم النظر.
ويحتمل أن يكون معنى ﴿تَثُّ﴾: أي يخلق ظنًّا في قلوبهم يظهر أَثَرُه على
وجوههم.
﴿لَّ إِذَا بَغَتِ الََّفِىَ وَقِيلَ مَنَّ رَقٍ وَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالنَّتِ السَّاقُ ◌َِلَاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَهِدٍ الْسَمَافُ﴾.
٣٧١
تفسير سورة القيامة
أي ليس الأمر على ما يظنون؛ بل إِذا بلغت نفوسُهم التراقيَ(١)، ﴿وَقِيلَ مَّنَّ رَاقٍ﴾؟
أي يقول مَنْ حولَه: هل أحدٌ يَرْقِيه؟ هل طبيبٌ يداويه؟ هل دواءً يشفيه؟
ويقال: مَنْ حَوْله من الملائكة يقولون: مَنْ الذي يَرْقى برُوحه؛ أملائكةُ الرحمة
أو ملائكة العذاب؟.
﴿وَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾: وعلم الميت أنه الموت !.
﴿وَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: ساقا الميت. فتقتِنُ شِدَّةُ آخرِ الدنيا بشدّة أوَّلِ الآخرة.
وإن ربك پوپد الساُ﴾﴾ أي المُلاتُثُہ یسوهوں روحہ ◌ُبی ◌ُلہ حیث یمرجم بنى
يحملوها إليه: إِمّا إلى عليين - ثم لها تفاوت درجَات، وإِمّا إلى سجِّين(٢) - ولها
تفاوت درکات.
ويقال: الناسُ يُكَفْنون بَدنَ الميت ويغسلونه، ويُصَلُّون عليه .. والحقُّ
سبحانه يُلْبِسُ روحَه ما تستحق من الحُلَلِ، ويغسله بماء الرحمة، ويصلي عليه
وملائكته .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَ سَلَّقَ وَلَ صَلَى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّ﴾ .
يعني: الكافر ما صدَّق اللَّهَ ولا صلَّى له، ولكن كذّب وتولَّى عن الإيمان. وتدل
الآيةُ على أنَّ الكفارَ مُخَاطَبون بتفصيل الشرائع.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يَتَّىَ﴾.
أي: یتبختر ويختال.
﴿أَوْلَ لَكَ فَأَوْلَ﴾ .
العَربُ إذا دَعَتْ على أحدٍ بالمكروه قالوا: ﴿أَوَ لَكَ﴾ وهنا أتبع اللفظَ اللفظَ
على سبيل المبالغة .
ويقال: معناه الويلُ لَكَ يومَ تحيا، والويلُ لكَ يوم تّموت، والويلُ لكَ يومَ
تُبْعَث، والويل لكَ يوم تدخل النار.
﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنَنُ أَنْ يُتْرَّكَ سُدَى﴾ .
مُھمَلاً لا يُكلّفُ!؟. ليس كذلك.
﴿أَ يَكُ نُظْغَةً مِّنِ تَِّيِّ بُعْنَ ثُمَ كَانَ عَلَقَةُ فَلَقَ فَوَّى ◌َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيِ الذَّكَرَ وَالْأُنْوَ﴾ .
(١) التراقي: (ج) الترقوة: هي عظم وصل بين ثغره النحر والعائق من الجانبين. (لسان العرب ٣٢/١٠
مادة: ترق).
(٢) سجّين: وادٍ في جهنم.
٣٧٢
تفسير سورة القيامة
﴿يِّن ◌َِّّ ◌ُعْنَ﴾ أي تُلْقِى في الرَّحم ﴿يُمَّ كَنَ عَلَقَةً﴾ أي: دماً عبيطاً(١)، فسوَى
أعضاءه في بطن أمه، ورَكَّبَ أجزاءَه على ما هو عليه في الخِلْقة، وجعل منه
الزوجين: إن شاء خَلَقَ الذَّكَرَ، وإن شاء خَلَقَ الأنثى، وإن شاء كليهما.
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَ أَنْ يُحْنِىَ الْمُؤَنَّ﴾.
أليس الذي قدر على هذا كلّه بقادر على إحياء الموتى؟ فهو استفهام في معنى
التقرير.
(١) العبيط: من اللحم: الطري غير النضيج. (لسان العرب ٣٤٧/٧ مادة: عبط).
سورة الإنسان
قوله جلّ ذكره: ﴿نِسْمِ أَلَّهِ الرََّبِ الْرَّـ
(بسم الله)) اسمٌ جِبَّارٌ تَوَخَّد في آزالِه بوصف جبروته، وتَفَرَّدَ في آباده بنعت
ملكوته؛ فأَزَّلُه أَبَدُه، وَأَبَدُه أَزَلُه، وجبروتُه ملكوتُه، وملكوته جبروتُه.
أحديُّ الوصفِ، صَمَدِيُّ الذات، مُقَدَّسُ النَّعْتِ، واحدُ الجلالِ، فَرْدُ التعالي،
دائمُ العِزّ، قديمُ البقاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ أَ عَلَ اٌلْإِنَنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَتْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ .
في التفسير: قد أتى على الإِنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً له خَطَرٌ ومقدار.
قيل: كان آدم عليه السلام أربعين سنة مطروحاً جَسَدُه بين مكة والطائف. ثم من
صلصالٍ(١) أربعين سنة، ثم من حمٍ مسنون أربعين سنة، فتمَّ خَلْقُه بعد مائة وعشرين
سنةٍ .
ويقال: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنَنِ حِينٌّ مِنَ الذَّهْرِ ... ﴾: أي لم يأتِ عليه وقتْ إلا كان
مذكوراً إليّ.
ويقال: هل غَفَلْتُ ساعةً عن حِفْظِك؟ هل ألقيتُ - لحظةً - حَبْلَكَ على غارِبِك؟
هل أخليتُك - ساعةً - من رعاية جديدة وحمايةٍ مزيدة.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا أَلْإِنِسَنَ مِن تُطْفَةٍ أَمْشَاِ نَبَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ .
﴿مِن نُطْفَةٍ﴾: أي من قطرة ماءٍ، ﴿أَمْشَاجٍ﴾: أخلاط من بين الرجل والمرأة.
ويقال: طوراً نطفة، وطوراً عَلَقَة، وطوراً عَظْماً، وطوراً لَخْماً.
﴿نَبْتَلِهِ﴾: نمتحنه ونختبره. وقد مضى معناه.
﴿فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ .
إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَا كَفُورًا﴾
أي: عَرَّفْناه الطريقَ؛ أي طريقَ الخيرِ والشرِّ.
(١) الصلصال: الطين اليابس، أو الطين الحر خُلط بالرمل فصار يتصلصل (يصوّت) إذا جف فإذا طبخ
بالنار فهو الفجار.
٣٧٣
٣٧٤
تفسير سورة الإنسان
وقيل: إمَّا للشقاوة، وإمّا للسعادة، إمَّا شاكراً من أوليائنا، وإما أن يكون كافراً
من أعدائنا؛ فإنْ شَكَرَ فبالتوفيق، وإنْ كَفَرَ فبالخذلان.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ سَلَسِلًا وَأَغْلَلًا وَسَعِيرًا﴾ .
أيّ: هَيَّأْنا لهم سلاسلَ يُسْحَبون فيها، ﴿وَأَغْذَلًا﴾ لأعناقهم يُهانون بها،
﴿وَسَعِيرًا﴾: ناراً مستعرة .
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ .
قيل: البَرُّ: الذي لا يُضْمِرُ الشَّرَّ، ولا يؤذي الذَّرّ.
وقيل: ﴿اَلْأَبْرَارَ﴾: هم الذين سَمَتْ هِمَّتَهُم عن المستحقرات، وظهرت في
قلوبهم ينابيع الحكمة فاتقوا عن مُسَاكنةٍ الدنيا .
﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾ رائحتها كرائحة الكافور (١)، أو ممزوجة بالكافور.
ويقال: اختلفت مشاربهم في الآخرة؛ فكلُّ يُسْقَى ما يليق بحاله ...
وكذلك في الدنيا مشاربهُم مختلفة؛ فمنهم مَنْ يُسقَى مَزْجاً، ومنهم من يُسقَى
صِرْفاً، ومنهم من يسقى على النُّوَب، ومنهم من يُسقى بالنُّجُب ومنهم من
يُسْقى وحدَه ولا يُسقي مما يُسقى غيره، ومنهم مَنْ يسقى هو والقوم شراباً
واحداً .. وقالوا:
ولا تَسْقِني بالأصغر المتثلم
إن كنت من ندماي فبالأكبر اسْقِني
وفائدة الشرابِ - اليومَ - أن يشغلهم عن كل شيءٍ فيريحُهم عن الإحساس،
ويأخذهم عن قضايا العقل .. كذلك قضايا الشراب في الآخرة، فيها زوالُ
الأَرَبِ، وسقوطُ الطلبٍ، ودَوَامُ الطَّرَب، وذَهَابُ الحَرَب، والغفلة عن كلِّ
سبب .
ولقد قالوا:
واقدَخ سرورَك بالقَدحَ
عاقِز عقـارك واضـطـخ
وأرخ عذولَك واسترخ
واخلع عذارك(٢) في الهوى
عُمْرُ الفتى وقتُ الفَرَّح
وافرّخ بوقتّك إنما
قوله جلّ ذكره: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُّ بِهَا عِبَادُ أَقَهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا﴾.
(١) الكافور: هنا قيل: نبات له نور أبيض كنور الأقحوان. والكافور عين ماء في الجنة طيب الريح،
والكافور من أخلاط الطيب. (لسان العرب ١٤٩/٥، ١٥٠، مادة: كفر).
(٢) يقال: خلع فلان عذاره؛ أي: انهمك في الفيء ولم يستح منه واتبع هواه.
٣٧٥
تفسير سورة الإنسان
يُشَقُّقونها تشقيقاً، ومعناه أن تلك العيون تجري في منازلهم وقصورهم على ما
يريدون. واليومَ - لهم عيون في أسرارهم من عين المحبة، وعين الصفاء، وعين
الوفاء، وعين البسط، وعين الروح .. وغير ذلك، وغداً لهم عيون.
﴿يُفُونَ بِأَنَّذْرِ﴾ .
ثم ذكر أحوالهم في الدنيا فقال: يوفون بالعهد القديم الذي بينهم وبين الله على
وجه مخصوص
﴿وَيَفُنَ يَوْمًا كَانَ شَرُمُ مُسْتَطِيرً﴾ .
قاسياً، منتشراً، ممتداً.
﴿وَيُطْعِمُونَ أَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِهِ مِسْكِينًا وَنِمًا وَأَبِيرًا﴾.
أي: على حُبُّهم للطعام لحاجتهم إليه. ويقال: على حُبِّ الله، ولذلك
يُطْعِمون .
ويقال: على حُبِّ الإطعام.
وجاء في التفسير: أَن الأسير كان كافراً - لأنَّ المسلَم ما كان يُستأسَرُ في عهده -
فطاف على بيت فاطمة رضي الله عنها وقال: تأسروننا ولا تطعموننا!
إنَّا تُطِئُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا تُبِدُ مِنْكُرْ جَزَّةٍ وَلَا شُكُرًا﴾
إنما نطعمكم ابتغاء مرضاةٍ الله، لا نريد من قِلكُم جزاءً ولا شكراً.
ويقال: إنهم لم يذكروا هذا بألسنتهم، ولكن كان ذلك بضمائرهم.
﴿إِنَّا غَفُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًّا عَبُوسًا قَطَرِيرًا﴾.
أي: يوم القيامة .
﴿فَوَقَّهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْبَرِ﴾.
﴿وَلَقَّهُمْ﴾ أي: أعطاهم ﴿نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ .
﴿وَجَزَّهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾.
كافَّهُم على ما صبروا من الجوع ومقاساته جنّةً وحريراً.
﴿الُكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَِّ﴾ .
واحدها أريكة، وهي السرير في الحجال(١).
﴿لَا يَرَوَّنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهًَِا﴾ .
(١) الحجال: (ج) الحجلة: مثل القبة، وحجلة العروس: بيت يُزين بالثياب والأسرة والستور. (لسان
العرب ١٤٤/١١ مادة: حجل).
٣٧٦
تفسير سورة الإنسان
أي: لا يتأَذّون فیھا بِحَرّ ولا بَرْدٍ .
﴿وَدَائَةٌ عَلَيْهِمْ ◌َِلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا﴾.
يتمكنون من قطافها على الوجه الذي هم فيه من غير مشقة؛ فإِن كانوا قعوداً
تُدلَّى لهم، وإن كانوا قياماً - وهي على الأرض - ارتقت إليهم.
﴿وَيُطَافُ عَِمِ إِكَانَةٍ مِنْ فِضَّةِ﴾ .
الاسم فضة، والعين لا تشبه العين.
﴿وَأَكْوَبٍ كَانَتْ قَوَارِراً قَوَرِيرً مِنْ فِضَّةٍ فَّذَّرُهَا نَقْدِرًا﴾ .
أي: في صفاء القوارير وبياض الفضة .. قَدَّرَ ذلك على مقدار إرادتهم.
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِنَاجُهَا زَنْجِيلًا﴾ .
المقصود منه الطِّيب، فقد كانوا (أي العرب) يستطيبون الزنجبيل(١)، ويستلذون
نکھته، وبه يشبهون الفاكهة، ولا يريدون به ما يقرص اللسان.
﴿َعْنَا فِيَا تُسَتَّى سَلَيْلًا﴾ .
أي: يُسْقَوْنَ من عينٍ - أثبت المَسْقِيَّ وأَجْمَلَ مَنْ يسقيهم؛ لأنَّ منهم من يسقيه
الحقُّ - سبحانه - بلا واسطة.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَيَطُوفُ بَيْهِمْ وِلْدَانٌّ ◌ُعَلَّدُونَ إِذَا رَهُمْ حَيْنَهُمْ لُؤْلُوَا ◌َنْتُورًا﴾ .
أي: يخدمهم ﴿وِلْدَنَّ تُخْلَّدُونَ﴾ وصفا لا يجوز واحدٍ منهم حدَّ الوصائف.
وجاء في التفسير: لا يَهْرَمون ولا يموتون. وجاء مُقَرَّطون.
إذا رأيتهم حسبتهم من صفاء ألوانهم لؤلؤاً منثوراً.
وفي التفسير: ما من إنسانٍ من أهل الجنة إلا ويخدمه ألف غلام.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ تَّ رَأَيْتَ نِيَا وَمَلَكَا كَبِيرًا﴾ .
﴿ثُمَّ﴾: أي في الجنة.
﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾: في التفاسير أن الملائكة تستأذن عليهم بالدخول.
وقيل: هو قوله: ﴿لَمْ مَّا يَتَآءُونَ فِيًّا﴾ [ق: ٣٥] ويقال: أي لا زوالَ له.
﴿َلِيْهُمْ ثِيََّبُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقِّ وَعُلُواْ أَسَاوِرَ مِن فَِّةٍ وَسَقَّلُهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾.
(١) الزنجبيل: مما ينبت في بلاد العرب بأرض عُمان، وهو عروق تسري في الأرض، ونباته شبيه بنبات
الرأسن وليس منه شيء بريًّا، وليس بشجر، يؤكل رطباً كما يؤكل البقل، ويستعمل يابساً وأجوده ما
يؤتى به من الزنج وبلاد الصين.
وقيل: الزنجبيل: العود الحزيف الذي يحذي اللسان. (لسان العرب ٣١٢/١١ مادة: زنجبيل).
٣٧٧
تفسير سورة الإنسان
يحتمل أن يكون هذا الوصف للأبرار. ويصح أن يكون للولدان وهو أَوْلَى،
والاسم يوافق الاسم دون العين.
﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾: الشراب الطهورُ هو الطاهر في نفسِه المُطَهِّرُ لغيره.
فالشراب يكون طهوراً في الجنة - وإنْ لم يحصل به التطهيرُ لأن الجنة لا يُحتاجُ
فيها إلى التطهير .
ولكنه ـ سبحانه ــ لمَّا ذَكَرَ الشرابَ - وهو اليومَ في الشاهد نجَسٌ - أخبر أنَّ ذلك
الشرابَ غداً طاهرٌ، ومع ذلك مُطَهِّر؛ يُطَهُرُهم عن محبة الأغيار، فمن يَخْتسِ من ذلك
الشرابِ شيئاً طَهَّرَه عن محبة جميع المخلوقين والمخلوقات.
ويقال: يُطَهِّرُ صدورهم من الغِلِ والغِشُ، ولا يُبْقِي لبعضهم مع بعض خصيمة
ولا عداوة ولا دَغْوَى ولا شيءٍ.
ويقال: يُطَهِّرُ قلوبهم عن محبة الحور العين.
ويقال: إن الملائكة تعرض عليهم الشرابَ فيأبون قبولَه منهم، ويقولون:
لقد طال أَخْذُنَا مِنْ هؤلاء، فإذا هم بكاساتٍ تُلاقِي أفواهَهَم بغير أُكُفِّ؛ من
غیپٍ إلى عَبْدٍ .
ويقال: اليومَ شرابٌ وغداً شراب .. اليوم شرابُ الإيناس وغداً شرابُ الكاس،
اليوم شرابٌ من اللُّطْفِ وغداً شرابٌ يُدار على الكفّ.
ويقال: مَنْ سقاه اليومَ شرابَ محبَّتِهِ آَنَسَه وشَجَّعُه؛ فلا يستوحش في وقته من
شيء، ولا يَضِنُّ بروحه عن بَذْل. ومن مقتضى شُرْبه بكأس محبته أن يجودّ على كلٌ
أحدٍ بالكونين من غير تمييز، ولا يَبْقَى على قلبه أثرٌ للأخطار.
ومن آثارِ شُرْبِه تذلْلُه لكلِّ أحدٍ لأجل محبوبه، فيكون لأصغرِ الخَدمِ تُرَابَ
القَدَم، لا يتحرَّكُ فيهَ للتكبُر عزقٌ.
وقد يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضاً في بعض الأحايين أَنْ يَتِيه على أهل
الدارين.
ومن مقتضى ذلك الشراب أيضاً أَنْ يمْلِكَه سرورٌ ولا يَتَمَالَكُ معه من خَلْعِ العذار
وإلقاء قناع الحياء ويظهر ما هو به من المواجيد:
فكيف مَنْ مالَه عذارٌ؟
يخلع فيك العذارَ قومٌ
ومن موجبات ذلك الشراب سقوط الحشمة، فيتكلم بمقتضى البسط، أو
بموجب لفظ الشكوى، وبما لا يَستخرجُ منه - في حال صَخْوه - سفيهٌ
٣٧٨
تفسير سورة الإنسان
بالمناقيش(١) ... وعلى هذا حَمَلُوا قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِ أَنْكُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:
١٤٣].
فقالوا: سَكِرَ من سماع كلامه، فَتَطَقَ بذلك لسانُه. وأمَّا مَنْ يسقيهم شراب
التوحيد فَيَنْفي عنهم شهودَ كلٌ غَيْرٍ فَيهيمون في أودية العِزْ، ويتيهون في مفاوزٍ(٢)
الكبرياء، وتتلاشى جملتهُم في هواء الفردانية .. فلا عقلَ ولا تمييزَ ولا فَهْمَ ولا
إدراك .. فكلُّ هذه المعاني ساقطة .
فالعبدُ يكون في ابتداء الكَشْفِ مُستوْعَباً ثم يصير مستغرقاً ثم يصيرُ مُسْتَهْلَكا ..
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ [النجم: ٤٢].
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم ◌َشْكُورًا﴾ .
يقال لهم: هذا جزاءٌ لكم، ﴿تَشْكُورًا﴾: وشُكْرُه لسعيهمْ تكثيرُ الثوابِ على
القليل من العمل - هذا على طريقة العلماء، وعند قوم شُكْرُهم جزاؤهم على
شکرهم.
ويقال: شُكْرُه لهم ثناؤه عليهم بذكر إحسانهم على وجه الإكرام.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلًا﴾ .
في مُدَّةِ سنين .
﴿فَأَصْبِر ◌ِشُكِّرِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ،َائِمًا أَوْ كَهُورًا﴾ .
أي: ارْضَ بقضائه، واستسلمْ لِحُكْمِه.
﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ مَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾: أي: ولا كفوراً، وهذا أمرٌ له بإفرادِ ربِّه بطاعته .
﴿وَأَذْكُرٍ أَسْتَمَ رَبِّكَ بُكْرَةٌ وَأَصِيلًا وَمِنَ الَّلِ فَأَسْبُدْ لَهُ وَسَيِّبْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ .
الفَرْضُ في الأول، ثم النَّفْل.
﴿إِنَّ هَؤُلاءِ .. ﴾.
أي كفّار قريش :
﴿يُّونَ الْعَلِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ .
أي: لا يعملون ليوم القيامة.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَعْنُ خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمّ وَإِذَا شِْنَا بَدَّلْنَا أَمْتَلَهُمْ تَّبْدِيلًا﴾.
(١) المناقيش: (ج) المنقاش: ما يُنقش به.
(٢) المفاوز: (ج) المفازة: الصحراء الواسعة التي لا ماء فيها، وهي كذلك الموضع المهلك.
٣٧٩
تفسير سورة الإنسان
أعدمناهم، وخلقنا غيرَهم بدلاً عنهم. ويقال: أخذنا عنهم الميثاق.
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرً !... ﴾.
أي: القرآن تذكرة.
﴿فَمَنْ شَآءَ أَتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا﴾.
بطاعته .
﴿وَمَا تَشَدَءُونَ إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ،
وَالَِّينَ أَعَدَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيًّا﴾ .
أي: عذاباً أليماً موجِعاً يخلص وَجَعُه إلى قلوبهم.
سورة المرسلات
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الرََّرِ الرَّحَمَـ
ـةٍ﴾.
((بسم الله)) كلمةٌ مَنْ سمعها بسمع الوَجْدِ وَفَى له فلم ينظرْ إلى أحد، ومَنْ سمعها
بسمع العِلْمِ جَادَ له فلم يبخلْ بروحه على أحد.
ومنَ سمعها بسمع التوحيد جَرَّدَ سِرَّه عن إيثارِ ما سواه في الدنيا والعُقبى عيناً
وأَثَراً فما كان هذا كله إلا حاصلاً به كائناً منه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْنَا﴾ .
﴿المرسلات﴾: الملائكة، ﴿عرفاً﴾ أي: أرسلوا بالمعروف من الأمر، أو
كثيرين كعُرْفِ الفَرس .
﴿فَلْعَصِفَتِ عَصْفًا﴾ .
الرياح الشديدة (العواصف تأتي بالعصف وهو ورق الزرع وحطامه).
﴿وَأَلْتَّشِرَةِ نَشْرً﴾ .
الأمطار (لأنها تنشر النبات. فالنشر بمعنى الإحياء). ويقال: السُّحُبُ تنشر
الغيث. ويقال: الملائكة .
﴿فَلْفَرِقَتِ فَقًا﴾ .
الملائكة؛ تفرق بين الحلال والحرام.
﴿ فَالْمُّلْقِيَتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾ .
الملائكة: تُلقِي الوحيَ على الأنبياء عليهم السلام؛ إعذاراً وإنذاراً ..
وجوابُ القَسَمِ:
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَّوَقِّعٌ﴾ .
فأقسم بهذه الأشياء: إنَّ القيامة لحقُّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ كُلِيسَتْ﴾ .
إنما تكون هذه القيامة. و ﴿طمست﴾: ذهب ضَوؤُها(١).
(١) الآية (٩) لم ترد.
٣٨٠