Indexed OCR Text
Pages 321-340
سورة المنافقون
قوله جل ذكره: ﴿نِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَـ
(بسم الله)) اسم مَنْ تحقّق به صَدَقَ في أقواله، ثم صَدَقَ في أعمالِه، ثم صدق
في أخلاقِهِ ثم صَدَقَ في أحواله، ثم صَدَقَ في أنفاسه .. فصِدْقُه في القول ألّا يقولَ إلّا
عن برهان، وصِذْقُه في العمل ألا يكونَ للبِذْعةِ عليه سلطانٌ، وصِدْقُه في الأخلاقِ ألّا
يُلاحِظَ إحسانَه مع الكافَّة بعين النقصان، وصِدْقُه في الأحوال أن يكونَ على كَشْفٍ
وبيان، وصِدْقُه في الأنفاس ألا يَتَنفّسَ إلا على وجودٍ كالعيان.
قوله جل ذكره: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَّرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُ
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُتَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ .
كذَّبهم فيما قالوا وأظهروا، ولكنهم لم يشهدوا عن بصيرة ولم يعتقدوا
تصديقك، فهم لم يكذبوا في الشهادة ولكنَّ كِذْبَهم في قولهم: إنَّهم مخلصون لك،
مُصَدِقون لك. فصِدْقُ القالة لا ينفع مع قُبْح الحالة.
ويقال: الإيمان ما يوجِبُ الأمان؛ فالإيمانُ يوجِبُ للمؤمن إذا كان عاصياً
خلاصَه من العذاب أكثره وأقلّه .. إلَّا ما ينقله من أعلى جهنم إلى أسفلها.
قوله جل ذكره: ﴿اَّخَذُوَاْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِنَّهُمْ سَآَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
تَسَتّرُوا بإقرارهم، وتكَشَّفوا بنفاقهم عن أسْتارِهم فافتضحوا، وذاقوا وبالَ
أحوالهم.
قوله جل ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .
استضاؤوا بنورِ الإجابة فلم يَنْبَسِطُ عليهم شعاعُ السعادة، فانطفأ نورُهم بقَهرِ
الحرمان، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحُكْم الشقاوة.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ وَإِذَا رَيْتَهُمْ تُمْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِّ كَأَنَهُمْ
◌ُُ ◌ُسَنَّدَهُ بَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَّهِمْ هُ الْعَدُوُ فَأَحْذَرْهُمْ فَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَّكُونَ﴾ .
أي هم أشباحٌ وقوالبٌ وليس وراءهم ألبابٌ وحقائق - فالجوزُ الفارغُ مُزَيِّنٌ
ظاهِرُه ولكنه للعب الصبيان .
٣٢١
٣٢٢
تفسير سورة المنافقون
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك لِجُبْنِهم؛ إذ ليس لهم انتعاشٌ بربّهم؛ ولا
استقلالٌ بغيرهم.
﴿هُ الْعَدُّ فَلَمْذَرْهُ﴾ هم عدوًّ لك - يا محمد - فاحْذَرْهم، ولا يَغُرَّنْكَ تَبَسُطُهم
في الكلام على وجهِ التودُّدِ والتقرُّب.
قوله جل ذكره: ﴿فَإِذَا قِلَ لَثْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُيُوسَهُمْ وَرَأَنْتَهُمْ
يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.
سمعوا إلى ما يقال لهم على وجه التكبُّر، وإظهار الاستغناء عن استغفارك
لهم .. فخَلُ سبيلهم؛ فلبس للنّصح فيهم مساعٌ، ولن يُصْحِيَهم من سَكْرَتهم إلَّ حَرَّ ما
سيلقونه من العقوبة، فما دام الإصرارُ من جانبهم فإنهم:
﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى
الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
فقد سبق العِلْمُ بذلك:
قوله جل ذكره: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ الَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ
وَلَلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَتْفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .
كأنهم مربوطون بالأسباب، محجوبون عن شهود التقدير، غيرُ متحقّقين
بتصريف الأيام، فأنْطَقَهُم بما خَامَرَ قلوبَهم مِنْ تَمَنِّي انطفاء نورٍ رسول الله، وانتكاث
شَمْلِهِم، فتواصَوْا فيما بينهم بقولهم: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فقال تعالى:
﴿وَلَّهِ خَزَّابِنُ السَّمَوَِّ﴾ .
وليس استقلالُك - يا محمد - ولا استقلالُ أصحابِك بالمرزوقين .. بل بالرازق؛
فهو الذي يمسككم.
قوله جل ذكره: ﴿يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعْزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ
اَلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَّفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
إنما وقع لهم الغَلَطُ في تعيين الأعزّ والأذَلِ؛ فتوَهَّموا أنَّ الأعزَّ هم المنافقون،
والأذِلَّ هم المسلمون، ولكن الأمر بالعكس، فلا جَرَمَ غَلَبَ الرسولُ { ﴿﴿ والمسلمون،
وأُذِلَّ المنافقون بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾: لِلّهِ عِزُّ الإلهية، وللرسول عِزُّ
النبوّة، وللمؤمنين ◌ِزُّ الولاية. وجميعُ ذلك لله؛ فعِزُه القديم صِفَتُه، وعِزُّ الرسولِ وعِزُّ.
المؤمنين له فِعْلاً ومِنَّةً وفَضْلاً، فإذاً لله العِزَّةُ جميعاً.
ويقال: كما أنَّ عِزَّةَ الله - سبحانه - لا زوالَ لها فعِزَّة الأنبياء بأن لا عَزْلَ لهم،
وعِزَّةُ المؤمنين بألا يَبْقَى منهم مُخَلَّدٌ في النار.
٣٢٣
تفسير سورة المنافقون
ويقال: مَنْ كان إيمانُه حقيقياً فلا زوالَ له.
ويقال: مَنْ تعزَّزَ بالله لم يلحقه تَغَيُّرّ عن حاله بغير الله.
ويقال: لا عِزَّ إلَّا في طاعةِ الله، ولا ذُلَّ إلَّا في معصية الله .. وما سوى هذا فلا
أصل له.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُلْهِكُمْ أَمَوَّلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ
وَمَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾.
لا تُضَيِّعوا أمورَ دينكم بسبب أموالكم وأولادكم بل آثروا حقَّ الله، واشْتَغِلوا به
يَكْفِكُم أمور دنياكم وأولادكم؛ فإذا كُنْتَ لله كان اللَّهُ لك.
ويقال: حقُّ الله مما ألزمكَ القيامَ به، وحقُّك ضمن لك القيام به؛ فاشتغِلْ بما
كُلِّفْتَ لا بما كُفِيت.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن بَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبٍ لَوْلَاً
لَغَرْتَِىّ إلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّدِينَ﴾.
لا تَغْتَرُّوا بسلامةِ أوقاتِكم، وتَرَقْبُوا بَغَتَاتِ آجالِکم، وتأهَّبوا لما بین أیدیکم من
الرحيل، ولا تُعَرِّجوا في أوطان التسويف(١).
(١) الآية (١١) لم ترد.
سورة التغابن
قوله جل ذكره: ﴿إِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرّحمَـ
﴾.
((بسم الله)) كلمةٌ عزيزةٌ مَنْ ذَكَرَها يحتاج إلى لسانٍ عزيز في الغيبة لا يُبْتَذَلُ، وفي
ذِكْرِ الأغيار لا يُسْتَعْمَل. ومَنْ عَرَفها يحتاج إلى قلبٍ عزيزٍ ليس في كل ناحية منه
خليط، ولا في كلٌ زاوية زبيط(١).
قوله جل ذكره: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدِّ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾.
المخلوقاتُ كلُّها بجملتها لله سبحانه مُسَبِّحةٌ .. ولكن لا يَسْمَعُ تسبيحَها مَنْ به
طَرَشُ النكرة.
ويقال: الذي طَرَأَ صَمَمُه فقد يُرْجَى زواله بنوع معالجة، أمَّا مَنْ يولَدُ أَصَمَّ فلا
حيلةَ في تحصيلِ سماعه. قال تعالى: ﴿فإنك لا تسَمع الموتى﴾ [الروم: ٥٢] وقال
تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣].
قوله جل ذكره: ﴿هُوَ اَلَّذِى خَلَقَّكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرُ﴾ .
منكم كافرّ في سابق حُكْمِهِ سَمَّاه كافراً، وعَلِمَ أنه يكفر وأراد به الكفر ..
وكذلك كانوا. ومنكم مؤمنٌ في سابق حُكْمِه سمَّاه مؤمناً، وعَلِمَ في آزاله أنه يُؤمِن
وخَلَقَه مؤمناً، وأراده مؤمناً .. والله بما تعملون بصير.
قوله جل ذكره: ﴿فَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْمِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ وَإِلَيْهِ
اُلْمَصِيرُ﴾ .
﴿فَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْمِّ﴾: أي وهو مُحِقُّ فِي خَلْقِه.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ﴾ لم يَقُلْ لشيءٍ من المخلوقات هذا الذي قال لنا، صوَّر
الظاهرَ وصوَّر الباطنَ؛ فالظاهر شاهدٌ على كمال قدرته، والباطن شاهدٌ على جلال
قربته .
+
(١) الزبيط: صباح البطة. (اللسان ٣٠٧/٧ مادة: زبط).
٣٢٤
٣٢٥
تفسير سورة التغابن
قوله جل ذكره: ﴿يَعْلَمُ مَا فِ التَّمَوَيِّ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُِّرُونَ وَمَا تَعْلِنُونٌّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتٍ
الصُّدُورِ﴾.
قصّروا حِيَلكُم عن مطلوبكم، فهو تتقاصر عنه علومُكم، وأنا أعلمُ ذلك
دونكم .. فاطلبوا منّي، فأنا بذلك أعلم، وعليه أقدر.
ويقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُرُونَ﴾. فاحذروا دقيقَ الرياء، وخَفِيَّ ذات الصدور ﴿وَمَا
تُعْلِنُونَ﴾: فاحذروا أن يخالِفَ ظاهرُكم باطنكم .
في قوله: ﴿مَا تُِرُونَ﴾ أمرٌ بالمراقبة بين العبد وربه.
وفي قوله: ﴿ما تعلنون﴾ أمرٌ بالصدق في المعاملة والمحاسبة مع الخَلْق.
قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُوْ نَبُؤْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ ذَلِكَ
بأَنَّهُ كَانَتَ تَأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَتِ فَقَالُواْ أَبَرٌ مَهُونَنَا فَكَفَرُواْ وَنَوْلَّوَأَ وَاسْتَغْنَى اللّهُ وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ .
المراد من ذلك هو الاعتبار بِمَنْ سَلَفَ، ومَنْ لم يعتبِرْ عَثَرَ في مَهْوَاةٍ من الأمَلِ،
ثم لا يَنْتَعِشُ إلّا بعد فواتِ الأمرِ من يده.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْنِهِمْ رُسُلُهُم﴾. شاهدوا الأمر من حيث الخَلْقِ فَتَطَوَّحوا في
متاهاتِ الإشكالِ المختلفةِ الأحوال. ولو نظروا بعين الحقيقة لتخلّصوا من تفرقة
الأباطيل، واستراحوا بشهود التقدير من اختلاف الأحوال ذات التغيير.
قوله جل ذكره: ﴿َزَّعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ أَنْ يُبْعَثُواْ قُلْ بَى وَرٍَّ ◌َنُعَثُنَّ ثُمَ لََُنَّ بِمَا عِلْتُمْ وَذَلِكَ
عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
الموتُ نوعان: موتُ نَفْسٍ، وموتُ قلب، ففي القيامة يُبْعَثون من موت النّفْس،
وأمَّا موتُ القلبِ فلا بَعْثَ منه - عندٍ كثيرٍ من مخلصي هذه الطائفة، قال تعالى مُخْبِراً
عنهم: ﴿قَالُواْ يَوَِّلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّْ﴾ [يَس: ٥٢] فلو عرفوه لَمَا قالوا ذلك؛ فموتُ
قلوبِهِم مُسَرْمَدٌ إلى أنْ تصيرَ معارفُهم ضروريةً، فهذا الوقتُ وقتُ موتٍ قلوبهم.
قوله جل ذكره: ﴿فَامِنُواْ بِقَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَأْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ﴾ .
﴿النور الذي أنزلنا﴾: القرآن. ويجوز أن يكون ما أنزل في قلوب أوليائه من
السكينة وفنون الألطاف.
قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَجْمَمُكُمْ لِيَوْمِ الْجَعْ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُّ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُكَفِّرْ
عَنْهُ سَبَِّائِهِ، وَيُدِِّلَهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَّأْ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
المطيعُ - يومئذٍ - في غين لأنه لم يستكثر من الطاعة، والعاصي فى غين لأنه
استكثر من الزلَّة.
٣٢٦
تفسير سورة التغابن
وليسَ كلُّ الغبنِ في تفاوت الدرجات قلَّةً وكثرة، فالغين في الأحوال أكثر(١).
قوله جل ذكره: ﴿مَا أَصَابَ مِن قُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهُ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهْ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
أَيُّ حُصْلةٍ حَصَلت فمِنْ قِبَلِهِ خَلْقاً، وبعلمه وإرادته حُكماً.
﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ حتى يهتدي إلى الله في السَّراء والضَّراء - اليومَ - وفي
الآخرة يهديه إلى الجنة .
ويقال: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ للأخلاق السنيّة، والتنقّي من شُحْ النّفْس.
ويقال: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ لاتباعِ السُّنَّةِ واجتنابِ البِذْعة.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ
الْمُّينُ﴾ .
طاعةُ الله واجبة، وطاعةُ الرُّسُلِ - الذين هم سفراءٌ بينه وبين الخَلْقِ - واجبةٌ
كذلك. والأنوار التي تظهر عليك وتطالَبُ بمقتضياتها كلُّها حقٌّ، ومن الحقِّ .. فتجب
طاعتُها أيضاً (٢).
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِنََّ مِنْ أَزْوَِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ
فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
إذا دَعَوْكَ لتجمّع لهم الدنيا فهم عدوٍّ لك، أمَّا إذا أخذتم منها على وجه العفاف
فليسوا لكم أعداء .
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا أَقْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاَللَّهُ عِندَهُو أَخْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
﴿فِتْنَةٌ﴾: لأنهم يشغلونكم عن أداء حقُ الله؛ فما تَبْقَ عن الله مشغولاً بجمعه
فهو غيرُ میمونٍ عليك .
ويقال: إذا جمعتم الدنيا لغير وَجْهِه فإنكم تُشغَلُون بذلك عن أداءِ حقٌّ مولاكم،
وتشغلكم أولادُكم، فتبقون بهم عن طاعة الله - وتلك فتنةٌ لكم .. ترومون إصلاحّهم.
فتفسدون أنتم وهم لا يُضْلَحون!
قوله جل ذكره: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ غَيْرًا لِأَنفُسِكُمُ وَمَن
يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
أي ما دمتم في الجملة مستطيعين ويتوجه عليكم التكليف فاتقوا الله. والتقوى
(١) الآية (١٠) لم ترد.
(٢) الآية (١٣) لم ترد.
٣٢٧
تفسير سورة التغابن
عن شهود التقوى بعد ألا يكونَ تقصيرٌ في التقوى غايةُ التقوى.
﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ،﴾ حتى ترتفعَ الأخطارُ عن قلبه، ويتحرَّر من رِقٌّ
المكونات، ﴿فَأَوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
قوله جل ذكره: ﴿إِن تُقْرُِواْ اللَّهَ فَرْضَا حَسَنَّا يُغَنِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَلَّهُ شَكُرُ
حَلِيمٌ﴾.
يتوجّه بهذا الخطاب إلى الأغنياء لِبَذْلِ أموالهم، وللفقراء في إخلاءِ أيامهم
وأوقاتهم من مراداتهم وإيثارٍ مرادِ الحقِّ على مرادٍ أنفسِهم.
فالغنيُّ يُقال له: آئِرْ حُكْمي على مرادك في مالِك، والفقيرُ يقال له: آئِرْ حُكْمه
في نَفْسِك وقلبك ووقتك وزمانك.
﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
جلَّ شأنه.
سورة الطَّلاق
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَلَّهِ الرََِّ الرَّحَمِ﴾.
((بسم الله)) اسمُ مَنْ لا سبيلَ إلى وِصاله، ولا غُنْيَةَ - في غيره - عن فِعاله، اسمٌ
مَنْ عَلِمَه وقع في كل سكونٍ وراحة، اسمٌ مَنْ عرفه وقع في كل اضطراب وإطاحة(١)،
العلماءُ بسراب علمهم استقلوا فاستراحوا، والعارفون بسلطانِ حُكمِهِ اضْطُلِموا عن
شواهدِهم ... فبادوا وطاحوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَقْتُمُ اَلِسَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ وَأَحْصُواْ آلِدَةٌ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ
رَبَّكُمْ ... ﴾.
الطلاقُ - وإنْ كان فراقاً - فلم يجعله الحقُّ محظوراً ... وإن كان من وجهٍ
مكروهاً.
وللطلاق وقتية: سُنّية وبِذْعية، ومباحة، لا سنية ولا بدعية؛ فالسنية: أَنْ تطلّقَ
في طُهْرٍ لم تُباشر فيه طلقةً واحدة، والبدعية: في حال الحيض وطُهْرٍ جُومعت فيه،
والمباحة: في طهر بعد حيض ثم يطلقها من قبل أن يجامعها - والطلاق أكثر من
واحدة .
والعِدَّةُ - وإن كانت في الشريعة لتحصين ماء الزوج محاماةً على الأنساب لئلا
يدخل على ماء الزوج ماءٌ آخر - فالغالبُ والأقوى في معناها أنها للوفاء للصحبة
الماضية في وصلة النكاح.
والإشارة في الآيات التالية إلى أنه بعد أن انتهت الوصلة فلا أقلَّ من الوفاء مدةً
لهذه الصغيرة التي لم تحِضْ، وهذه الآيسة من الحيض، وتلك التي انقطع حَيْضُهَا،
والحُبْلَى حتى تلد ... كل ذلك مراعاةً للحرمة: وعِدَّةُ الوفاة تشهد على هذه الجملة
في كونها أطول؛ لأن حُرْمَة الميت أعظم وكذلك الإمداد في أيام العِدَّة ... المعنى فيه
ما ذكرنا من مراعاة الوفاء والحرمة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَلْكَ حُدُودُ الَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌ﴾ .
(١) أطاح ماله: أفناه وأذهبه.
٣٢٨
٣٢٩
تفسير سورة الطَّلاق
العبوديةُ: الوقوف عند الحدِّ، لا بالنقصان عنه ولا بالزيادة عليه، ومَنْ راعى مع
اللَّهِ حَدَّه أخلص اللَّهُ له عَهْدَه ...
﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ .
قالوا: أراد نَدَماً، وقيل: وَلَداً، وقيل: مَيْلاً إليها، أولها إليه؛ فإن القلوبَ
تتقلب :
والإشارة في إباحة الطلاق إلى أنه إذا كان الصبرُ مع الأشكال حقًّا للحرمة
المتقدمة فالخلاصُ من مُسَاكنة الأمثال، والتجرُّدُ لعبادة الله تعالى أوْلَى وأحَقُّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ بِخْرَمًا وَبِرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ .
إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من بين أشغاله كالشعرة تُخْرَجُ من بين العچِين
لا يَعْلَقُ بها شيءٌ. ويضربُ الله تعالى على المُتَّقِي سرادقاتِ عنايته، ويُدْخِلُه في كنف
الإيواء، ويَصْرِفُ الأشغال عن قلبه، ويُخْرِجُه من ظلمات تدبيره، ويُجَرِّدُه من كل
أمر، وينقله إلى شهود فضاء تقديره.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ يَتَوَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟﴾ .
لم يقل: ومَنْ يتوكل على الله فتوكُّلُه حَسْبُه، بل قال: ﴿فَهُوَ حَسْبُهٌ﴾؛ أي فاللهُ
حَسْبُه أي کافیه.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِدْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾.
إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير فلا محالةَ يكون، وبتَوَكُله لا يتغير المقدور ولا
يستأخر، ولكنَّ التوكَّلَ بنيانه على أنْ يكونَ العبدُ مُرَوَّحَ القلب غيرَ كارهٍ ... وهذا من
أَجَلٌ النُّعم.
قوله: ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ ... إلى قوله:
﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَقْرِهِ يُسْرًا﴾.
التوكلُ: شهود نَفْسِك خارجاً عن المُنَّة(١) تجري عليكَ أحكامُ التقديرِ من غير
تدبيرٍ منك ولا اطّلاع لكَ على حُكمِه، وسبيلُ العبدِ الخمودُ والرضا دونَ استعلام
الأمر، وفي الخبر: ((أعوذ بك من عِلْم لا ينفع)) (٢): ومن العلم الذي لا ينفع - ويجب
أَنْ تستعيذٌ منه - أن يكون لك شُغْلٌ أو يستقبلك مُهِمٍّ من الأمر ويشتبه عليك وجهُ
التدبيرِ فيه، وتكون مُطَالَباً بالتفويض - فَطَلبُكَ العلم وتمنّيكَ أَنْ تعرفَ متى يصلح هذا
(١) المُنَّة: القوة (ج) منن.
(٢) أخرجه صاحب (ميزان الاعتدال ٤١١٩)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٢٧/١).
٣٣٠
تفسير سورة الطلاق
الأمرُ؟ ولأي سببٍ؟ ومِنْ أيّ وجهٍ؟ وعلى يد مَنْ؟ ... كل هذا تخليطٌ، وغيرُ مُسَلَّمٍ
شيءٌ منه للأكاپر.
فيجب عليك السِّكونُ، وحُسْنُ الرضا. حتى إذا جاء وقتُ الكَشْف فسترى
صورة الحال وتعرفه، وربما ينتظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام أو ينظر في
( ... )(١) من الجامع، أو يرجو بيان حاله بأن يجري على لسان مستنطق في
الوقت ... كلُّ هذا تركٌ للأدب، واللَّهُ لا يَرْضَى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ
السكونُ .
قوله جلّ ذكره: ﴿لِيُّفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِّةٍ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَّهِ رِزْقُهُ فَيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنهُ اَللَّهُ لَا
يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنِهَا﴾.
إذا اتسع رزقُ العبد فعلى قَدْرِ المُكنَّةِ يُطَالَبُ بالإعطاء والنفقة فمن قدر عليه رزقه
- أي ضيق - فلينفق مما آتاه الله أي من متاع البيت، ومن رأسٍ المال - إن لم يكن من
الربح، ومن ثمنٍ الضيعة - إن لم يكن من الغَلَّة.
ومَنْ ملك ما يكفيه للوقت، ثم اهتمَّ بالزيادة للغد فذلك اهتمامٌ غيرُ مرضيٍّ عنه،
وصاحبُه غير مُعَان. فأمَّا إذا حصل العجزُ بكلِ وجهٍ، فإن الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِفُ اَللَّهُ نَفْسًا
إِلَّا مَآ ءَاتَنَهَا﴾ وسيجعل الله بعد عسرٍ يسراً. هذا من أصحاب المواعيد - وتصديقه على
حسب الإيمان، وذلك على قَدْرِ اليقين - ويقينه على حسب القِسْمة. وانتظارُ الْيُسْرِ من
اللَّهِ صفةُ المتوسطين في الأحوال، الذين انحطُّوا عن حدِّ الرضا واستواءٍ وجودٍ السبب
وفَقْدِهِ، وارتقوا عن حدِّ اليأس والقنوط، وعاشوا في أفياء الرجال يُعَلِّلون بحُسْنٍ
المواعيد ... وأبداً هذه حالتهم وهي كما قلنا:
إنْ نَابَكَ الدهرُ بمكروهه
فعِش بتهوين تصانيفه
فَعنْ قريبٍ ينجلي غَيْمُه
وتنقضي كل تصاريفه
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَيْنِ مِنِ قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَاسَبْتَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَبْتَهَا
عَذَابًا ثُكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَنْيِهَا وَكَنَ عَنِبَةُ أَتْرِهَا خُبْرًا﴾ .
مَنْ زرع الشوكَ لم يَجْن الوردَ، ومَنْ أضاع حقَّ اللَّهِ لا يُطَاع في حظّ نَفْسه.
ومن اجترأ بمخالفةِ أمرِ الله فليصبر على مقاساة عقوبة الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ أَنَزَّلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا يَنْلُواْ عَلَيْكُرْ ءَايَتِ اللَّهِ مُبِتَتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْقَّيْلِحَتِ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ .
(١) بياض في الأصل.
٣٣١
تفسير سورة الطَّلاق
إنَّ كتابَ اللَّهِ فيه تبيانٌ لكلُ شيءٍ ... فَمَنْ استضاءَ بنوره اهتدى، ومَنْ لجأ إلى
سعة فنائه وَصَلَ من داء الجهل إلى شِفائه.
ومَنْ يؤمِنْ بالله، ويعملْ صالحاً لله، وفي الله، فله دوامُ النُّعمى من الله ... قال
تعالی :
﴿قَدْ أَحْسَنَ اَللَّهُ لَهُ رِزْقَا﴾ .
والرزقُ الحسنُ ما كان على حدِّ الكفاية؛ لا نقصانَ فيه تتعطَّلُ الأمورُ بسببه، ولا
زيادةً فيه تَشْغَلُه عن الاستمتاع بما رُزِق لِخرصِه.
كذلك أرزاقُ القلوبِ. أحسنُها أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت؛
من غير نقصانٍ يجعله يتعذّب بتعَطُشِه، ولا تكون فيه زيادة فيكون على خَطَرٍ من
مغاليطَ لا يَخْرُجُ منها إلَّا بتأييدٍ سماويٍّ من الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ بَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلمًا﴾ .
خَلَقَ سبعَ سمواتٍ، وخَلَقَ ما خَلَقَ وهو مُحِقٍّ فيما خَلَقّ وأمر، حتى نعلم
استحقاقَ جلالهِ وكمالَ صفاته، وأنه أمضى فيما قضى حُكماً، وأنه أحاط بكل شيء
علماً.
سورة التّحرِيم
قوله جلّ ذكره: ﴿نِسِ أَلَّهِ أَلَنِ الْيَةِ﴾.
(بسم الله). اسمٌ عزيزٌ يُمْهِلِ مَنْ عصاه، فإذا رجع وناداه ... أجابه ولبّاه فإنْ لم
يتوسّل بِصِدْق قَدَمِهِ في ابتداء أمره ثم تَنَصَّلَ بصِدْقٍ نَدَمِه في آخر عمره أوْسَعَه غفراً،
وقبل منه عُذْراً، وأَكْمَلَّ له ذُخْراً، وأجْزَلَ له بِرًّا.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَّهَا النَِّّ لِمَ تُهُ مَآ أَلَّ اللَّهُ لَّ ◌َبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَبِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
جاء في القصة: أن النبي وَ حَرَّم على نفسه مارية القبطية(١)، وفي الحال خَلَفَ
ألَّا يطأَها شهراً مراعاةً لقلب حفصة (٢) حيث رأت النبي وَلقر معها في يومها.
وقيل: حَرَّمَ على نَفْسِه شرْبَ العسل لمّا قالت له زوجاته، إِنَّا نشم منك ريح
المغافير!
- والمغافير صمغ في البادية كريه الرائحة، ويقال: بقلة كريهة الرائحة ... فعاتّبَه
اللَّهُ على ذلك.
وهي صغيرةٌ منه على مذهب مَنْ جَوَّزَ الصغائر عليه، وتَرْكٌ للأَوْلَى على مذهب
مَنْ لم يجوّز.
(١) هي مارية بنت شمعون القبطية (٠٠٠ - ١٦ هـ =٠٠٠ - ٦٣٧°م) أم إبراهيم، من سراري النبي (18)
مصرية الأصل، بيضاء، ولدت في قرية ((حفن)) بمصر، وأهداها المقوقس القبطي إلى النبي {18 هي
وأخت لها تدعى ((سيرين)) فولدت له ((إبراهيم)) فقال: أعتقها ولدها. وأهدى أختها سيرين إلى
حسان بن ثابت - الشاعر - فولدت له عبد الرحمن، فلما علم الحسن بن علي أن مارية من قرية
حفن كلم معاوية، فوضع عن أهل القرية خراج أرضهم، ولما توفي النبي # تولى الإنفاق عليها أبو
بكر، ثم عمر، وماتت في خلافة عمر بالمدينة، ودفنت بالبقيع.
الأعلام ٥/ ٢٥٥، والسمط الثمين ١٣٩، ومعجم البلدان (حفن)، وأسد الغابة (٥٤٣/٥).
(٢) هي حفصة بنت عمر بن الخطاب (١٨ ق هـ = ٦٠٤ - ٦٦٥°م) صحابية جليلة صالحة من أزواج
النبي# ولدت بمكة وتزوجها خنيس بن حذافة السهمي، فكانت عنده إلى أن ظهر الإسلام،
فأسلما وهاجرت معه إلى المدينة فمات عنها، فخطبها رسول الله # من أبيها فزوجه إياها،
واستمرت في المدينة بعد وفاة النبي # إلى أن توفيت بها. روى لها البخاري ومسلم في
الصحيحين ٦٠ حديثاً.
الأعلام ٢/ ٢٦٥، والإصابة ٤/ ٢٧٣، وطبقات ابن سعد ٥٦/٨، وصفة الصفوة ١٩/٢، وحلية ٢/ ٥٠.
٣٣٢
٣٣٣
تفسير سورة التحريم -
وقيل: إنه طَلَّقَ حفصة طلقةً واحدة، فأمره الله بمراجعتها، وقال له جبريل: إنها
صوَّامَةٌ قَوَّامَة .
وقيل: لم يطلقها ولكن هَمَّ بتطليقها فَمَّنَعه اللَّهُ عن ذلك.
وقيل: لمَّا رأته حفصة مع مارية في يومها قال لها: إنّي مُسِرَّ إليك سِرًّا فلا
تخبري أحداً: إنّ هذا الأمر يكون بعدي لأبي بكر ولأبيك.
ولكن حفصة ذكرت هذا لعائشة، وأوحى الله له بذلك، فسأل النبيُّ حفصة: لِمَ
أخبرتِ عائشة بما قلت؟
فقالت له: ومَنْ أخبرك بذلك؟ قال أخبرني الله، وعَرَّفَ حفصةً بعض ما قالت،
ولم يصرّحْ لها بجميع ما قالت، قال تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فعاتبها
على بعضٍ وأغْرَضَ عن بعض - على عادة الكرام.
ويقال: إن النبي - ** - لمَّا نزلت هذه الآية كان كثيراً ما يقول: ((اللهم إني
أعوذ بك من كل قاطعٍ يقطعني عنك)).
وظاهرُ هذا الخطاب عتاب على أنَّه مراعاةً لقلب امرأته حَرَّمَ على نفسه ما أحلّ
اللَّهُ له.
والإشارةُ فيه: وجوبُ تقديم حقِّ الله - سبحانه - على كل شيء في كل وقت.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَدْ فَرْضَ اَللَّهُ لَكُنْ غِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
أنزل الله ذلك عنايةً بأمره عليه السلام، وتجاوزاً عنه. وقيل: إنه كَفَّرَ بعتق رقبة،
وعاودّ مارية .
واللَّهُ - سبحانه - أجرى سُنَّتَه بأنه إذا ساكّن عَبْدٌ بقلبه إلى أحدٍ شَوَّشَ على
خواصُه محلّ مساكنته غَيْرَةً على قلبه إلى أَنْ يُعَاوِدَ رَبَّه، ثم يكفيه ذلك - ولكن بعد
تطويل مدةٍ، وأنشدوا في معناه:
إذا عُلْقَت روحي حبيباً تعلُّقت
به غَيرُ الأيام كل تَسْلَبَنْيَهْ
وقد ألقى الله في قلبٍ رسوله ## تناسياً بينه وبين زوجاته فاعتزلهن، وما كان
من حديث طلاق حفصة، وما عاد إلى قلب أبيها، وحديث الكفاية، وإمساكه عن وطء
مارية تسعاً وعشرين ليلة ... كل ذلك غَيْرَةً من الحق عليه، وإرادتُه - سبحانه -
تشويشُ قلوبهم حتى يكون رجوعُهم كلُّهم إلى الله تعالى بقلوبهم(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿إِن نَنُوْماً إِلَى اَللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَاْ وَإِن تَفَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
مَوْلَنْهُ وَحِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنَّ وَالْعَلْبِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ .
(١) الآية (٣) لم ترد.
٣٣٤
تفسير سورة التحريم
عاتبهما على السير من خَطَراتِ القلب، ثم قال: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ ... ﴾.
﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ﴾ مَنْ لم يكن منهم في قلبه نفاق، مثل أبي بكر وعمر رضي
الله عنهما .
وجاء: أن عمر بن الخطاب لما سَمِعَ شيئاً من ذلك قال لرسول الله :
لو أمرتني لأضربنَّ عُنُقَها!
والعتاب في الآية مع عائشة وحفصة رضي الله عنهما إذا تكلمتا في أمر مارية.
ثم قال تعالى زيادةً في العتاب وبيان القصة:
﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّمَّكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَهَا خَيْرًا مِّنَكُنَّ مُسْلِمَتٍ مُؤْمِنَتٍ قَذِنَتِ نَبَتٍ عَبِدَاتٍ
سَِّحَتٍ نَيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلِجَارَةُ﴾ .
أي: فَقُّهوهم، وأَدّبوهم، وادعوهم إلى طاعة الله، وامنعوهم عن استحقاق
العقوبة بإرشادهم وتعليمهم.
ودلَّت الآيةُ: على وجوبِ الأمرِ بالمعروف في الدِّين للأقرب فالأقرب.
وقيل: أظُهِرُوا من أنفسكم العبادات ليتعلموا منكم، ويعتادوا كعادتكم.
ويقال: دلْوهم على السُّنَّةِ والجماعة.
ويقال: عَلِّموهم الأخلاقَ الحِسان.
ويقال: مُرُوهم بقبول النصيحة .
﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلِجَارَةُ﴾: الوقود: الحطب.
ويقال: أمر الناس يصلح بحجرة أو مَدَرَةٍ(١)، فإن أصل الإنسان مدرة، ولو أنه
أقام حَجَرَةً مقامَ مَدَرة فلا غرٍوَ من فَضْلِ الله.
اللهمَّ فَأَلْقِ فيها بَدَلنا حَجَراً وخلِّصْنا منها.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعْنَذِرُواْ آلْيَوْمَّ إِنََّا تُجْزَوْنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
إذا فاتَ الوقتُ استفحل الأمرُ، وانغلق البابُ، وسقطت الحِيَلُ ... فالواجبُ
البِدارُ والفرارُ لتصل إلى رَوْحِ القَرار.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّهُوحًا عَسَى رَبِّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ
عَنكُمْ سَيِّئَائِكُمْ وَدْيِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ .
التوبةُ النصوحُ: هي التي لا يَعْقُبها نَقْضٌ.
(١) المدرة: واحدة المدر: قطع الطين اليابس المتماسك. أو التراب المتلبد.
٣٣٥
تفسير سورة التحريم
ويقال: هي التي لا تراها من نَفْسِك، ولا ترى نجاتَكَ بها، وإنما تراها بربِّك.
ويقال: هي أنْ تجدّ المرارةَ في قلبك عند ذكر الزَّلَّة كما كُنْتَ تجد الراحةَ
لنفسك عند فعلها.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَنِّ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ
وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّأَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
لا يُخزِي اللَّهُ النبيَّ بِتَرْكِ شفاعته، والذين آمنوا معه بافتضاحِهم بعد ما قَبِلَ فيهم
شفاعته .
﴿نُرُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَتِمَنِهِمْ﴾ عبَّر بذلك عن أنَّ الإيمانَ من جميع
جهاتهم .
ويقال: بأيمانهم كتابُ نجاتهم: أراد نور توحيدهم ونور معرفتهم ونور إيمانهم،
وما يخصّهم اللَّهُ به من الأنوارِ في ذلك اليوم.
﴿يَقُولُونَ رَبيَّنَآَ أَتْمِمْ لَنَا نُرَنَا﴾: يستديمون التضرُّعَ والابتهالَ في السؤال.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغُْظْ عَلَيْهِمّ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنٌَّ
وَيْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
أُمَرَه بالمُلايَنَةِ في وقت الدعوة، وقال: ﴿وَحَدِلْهُم ◌ِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل:
١٢٥] ثم لمَّا أصرُّوا - بعد بيان الحُجَّةِ - قال: ﴿وَأَغْظْ عَلَهِمْ﴾: لأن هذا في حالٍ
إصرارهم، وزوالِ أعذارهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَّحْتَ
عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَنَتَاهُمَا فَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ
الدَّاخِلِينَ﴾ .
لمَّا سَبَقَتْ لهما الفُرْقةُ يومَ القِسْمة لم تنفعهما القربةُ يومَ العقوبةُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِ
عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَِّ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَجِى مِنَ الْقَوْمِ اَلنَِّمِينَ﴾.
قالوا: صغرت هِمَّتُها حيث طلبت بيتاً في الجنة، وكان من حقّها أنْ تطلب
الكثير ... ولا كما تَوهمّوا: فإنها قالت: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ﴾ فطلبَتْ جوارَ القربة،
ولَبيْتٌ في الجِوار أفضلُ من ألف قصرٍ في غير الجوار. ومن المعلوم أنَّ العِنديَّةَ هنا
عِنديَّةُ القربة والكرامة ... ولكنه على كل حال بيت له مزية على غيره، وله
خصوصية. وفي معناه أنشدوا:
٣٣٦
تفسير سورة التحريم
طُوبى لِمَن أضحى لدارِكَ جارا
إني لأخسُد جارَكم لجواركم
شِبْراً لأُعطيه بِشِبْر دارا
ياليت جارَك باعني من داره
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ أَِّىَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَيِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِينَ﴾.
خَتَم السورة بِذكرها بعد ما ذكر امرأةٌ فرعون، وهما من جملة النساء، ولمّا كثُر
في هذه السورة ذكْرُ النساء أراد الله سبحانه أَلَّا يُخْلَى السورة من ذكرها تخصيصاً
لقذرِها.
٠
سورة المُلْك
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِسْمِ أَلَّهِ الَِّ الرَّـ
(بسم الله) اسمُ مَنْ لم تَتَعَطَّرْ القلوبُ إِلَّ بنسيم إقبالهِ، ولم تتقطّرْ الدموعُ إلَّا
للوعة فراقه أو روح وصاله؛ فدموعُهم في كلتا الحالتين مُنْسِكبة، وقلوبهم في عموم
أحوالهم مُلْتَهِبَة وعقَولُهم في غالب أوقاتهم مُنْتَهَبَة .
قوله جلّ ذكره: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ اَلْتُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
تَقَدَّسَ وتعالَى، من إحسانُه تَواتَرَ وتَوالی، فھو المتكبِّرُ في جلال کبریائه،
المتجرّد في علاءِ بهائه ودوامٍ سنائه.
﴿بَدِهِ الْمُلْكُ﴾: بقدرته إظهارُ ما يريد، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿الَِّى خَلَقَ الْمَوْتَ وَلَلَوَّةَ لِبْلُوَّكُمْ أَيُّكُوْ لَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِزُ الْغَفُورُ﴾.
خَلَقَ الموتَ والحياةَ، ابتلاءٌ للخَلْقِ، يختبرهم ليَظْهَرَ له شكرانهُم وكفرانُهم،
كيف يكونان عند المحنة في الصبر وعند النعمة في الشكر - ﴿وَهُوَ الْعَزِزُ اَلْغَفُورُ﴾.
﴿ الَّذِى خَلَقَ سَّبَعَ سَوَتٍ ◌ِبَقاً مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُّتٍ فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن
تُطُورٍ﴾.
عَرَّفَهم كمالَ قدرتِهِ بدلالات خَلْقِهِ، فَمسَك السماءَ وأمسكها بلا عَمِدَ، ورَكْبَ
أجزاءَها غيْرَ مُسْتعينٍ بأحِدٍ في خَلْقِها، وبالنجومِ زَيَّنهَا، ومِنَ استراقٍ سمعِ الشياطين
خَصَّنها، وبغيرِ تعليمُ مُعلِّم أحكمها وأتقنها.
﴿َّا تَرَى فِى خَلَّقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَغَوْتٍ فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن نُظُورٍ؟﴾: لا ترى فيما
خَلَقَ تفاوتاً ينافي آثارَ الحكمة ولا يدل على كمال القدرة.
ويقال: ما ترى فيها تفاوتاً، في استغنائه عن الجميع ... ما ترى فيها تفاوتاً في
الخَلْقِ؛ فَخْلقُ الكثير واليسير عنده سيَّان، فلا يَسْهُلُ عنده القليلُ ولا يَشُقُّ عليه الكثير؛
لأنه مُتَتَزَّةٌ عن السهولة عليه ولحوقٍ المشقة به.
فَأَنْعِمْ النظرَ، وكَرَّر السَّبْرَ والفِكْرَ ... فلن تجد فيها عيباً ولا في عِزّه قصوراً(١).
(١) الآية (٤) لم ترد.
٣٣٧
٣٣٨
تفسير سورة الملك
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلِشَّيَِّينِ وَأَعْتَدْنَا لَمْ
عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.
زَيَّنَ السماءَ بالكواكب والنجوم، وزَيَّنَ قلوبَ أوليائه بأنواعٍ من الأنوار والنجوم؛
فالمؤمنون قلوبُهم مُزَيَّنةٌ بالتصديق والإيمان ثم بالتحقيق بتأمُّلَ البرهان، ثم بالتوفيق
لطلب البيان. والعارفون قلوبهم مُزَيَّنةٌ بشمسٍ التوحيد، وأرواحُهم مُزَيَّنةٌ بأنوار
التفريد، وأسرارُهم مزينةٌ بآثارِ التجريد ... وعلى القياس: ((لكلِّ طائفةٍ أنوارٌ)).
﴿وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلِشَّيَاطِينِّ﴾: فمن النجوم ما هو للشياطين رجوم، ومنها ما هو
للاهتداء به معلوم .... فأخبر أن هذا القَدْرَ من العقوبة بواسطة الرجوم لا يكفي، وإنما
يُعَذِّبهم مؤبَّدين في السعير.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمٌّ وَيْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَِّعُواْ لَمَا
شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْفَّظِ كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَمْ خَهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ .
أخبر: أنهم يخْتَجُ عليهم بإرسال الرسل، فتقول لهم الملائكةُ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُ
نَذِيرٌ﴾ .
﴿قَالُواْ بَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ مَكَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَّلَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَلِ كِيرٍ وَقَالُواْ لَوْ
كُنَّا نَتْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِ أَعْخَبِ السَّعِيرِ﴾.
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَتْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ... ﴾ فأخبر أنهم لم يكن لهم سمع قبول، فاستوجبوا
العقوبة لأَجْلِه، لم يسمعوا نصيحةَ الناصحين ولا وَعْظَ الواعظين، ولا ما فيه لقلوبهم
حياة .
وفي الآية للمؤمنين بشارة؛ لأنهم يسمعون ويعقلون ما يسمعون؛ فإِنَّ مَنْ سَمِعَ
بالحقّ سمع كل ما يقال عن الحق مِنْ كل مَنْ يقول عن الحق، فيحصل له الفهم لما
يسمع، لأنه إذا كان من أهل الحقائق يكون سَمْعُه من الله وبالله وفي الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأْتَفُواْ بِذَلِيِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ اَلسَّعِيرِ﴾.
اعترفوا بذنبهم ولكن في غير وقت الاعتراف ... فلا جَرَمَ يقال لهم: ﴿فَسُحْقًا
لِأَصْحَبِ التَّعِيرِ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم ◌ِلْغَيٍْ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَبْرٌّ كَبِيرٌ﴾.
الخشيةُ توجِب عدمَ القرار فيكون العبدُ أبداً - لانزعاجه - كالحَبِّ على المَقْلَى؛
لا يَقَرَّ ليلَه أو نهارَه، يتوقّعُ العقوباتِ مع مجاري الأنفاس، وكلما ازداد في الله طاعةٌ
ازداد لله خشيةً.
٣٣٩
تفسير سورة الملك
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَرِ أَجْهَرُواْ بِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
خوَّفَهم بِعِلْمِه، ونَدَبَهم إلى مراقبته، لأنه يعلم السِّرَّ وأخفى، ويسمع الجَهْرَ
والنجوى ... ثم قال مُبَيِّناً:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ الَّطِفُ الْخِيرُ﴾.
وفي كل جُزْءٍ مِنْ خَلْقِه - من الأعيانِ والآثارِ - أدِلةٌ على علمه وحكمته.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِزْقِ.
وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ .
أي إذا أردتم أن تضربوا في الأرضِ سَهَّلَ عليكم ذلك.
كذلك جعل النّفْسِ ذلولاً؛ فلو طَالَبْتَها بالوفاقِ وَجَدْتَها مُسَاعدةً مُوَافقة، مُتَابِعةٌ
مُسَابِقة ... وقد قيل في صفتها:
هي النَّفْسُ ما عَوَّذتها تتعودُ وللدهرِ أيامٌ تُذَمُ وتُخْمَدُ
قوله جلّ ذكره: ﴿َمِثُم مَّنْ فِ السَّمَاءِ أَن يَخِْفَ بِكُ اَلْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُرُ أَنْ أَمِنْتُم مَن فِي
اُلسََّلَ أَن يُرْمِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَأْ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ﴾ .
﴿مَنْ فِىِ اَلسَّعَلِّ﴾ أراد بهم الملائكة الذين يسكنون السماء، فهم مُوَكَّلون بالعذاب.
وخوَّفهم بالملائكة أن يُنْزِلوا عليهم العقوبةً من السماء، أو يخسفوا بهم
الأرض، وكذلك خَوَّفَهم أنْ يُرْسِلُوا عليهم حجارةً كما أرسلوا على قوم لوط. وبيَّن أنَّ
مَنْ كَذَّب قَبْلَ هؤلاءِ رُسُلَهم كيف كانت عقوبتهم، ثم زاد في البيان(١) وقال:
﴿أَوَلَمْ يَرّاً إِلَى الَّيْرِ فَوْقَهُمْ سَلَغَّتٍ وَيَقْبِضِنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ الرَّحْتَنُّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَتْ بَصِيرُ﴾.
أو لم يروا كيف خَلَقَ الطيور على اختلاف أجناسها، واختصاصها بالطيران لأن
لها أجنحة - بخلاف الأجسام الآخر ... مَنْ الذي يمسكهن ويحفظهن وهن يقبضن
ويبسطن أجنحتهن في الفضاء؟ وما الذي يوجبه العقل حفظ هذه الطيور أم بقية
الأجسام الأخر؟.
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنْدُ لَكُمْ يَنصُرُكُ مِّنِ دُونِ الرَّمَنَّ إِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ﴾ .
إِنْ أراد الرحمنُ بك سوءاً .. فَمَنْ الذي يُوَسِّعُ عليكم ما قَبَضَه، أو يمحو ما
أثبته، أو يُقَدِّمُ ما أَخْرَه، أو يُؤَخّرُ ما قدَّمَه؟(٢).
(١) الآية (١٨) لم ترد.
(٢) الآية (٢١) لم ترد.
٣٤٠
تفسير سورة الملك
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِ، أَهْدَىَ أَمَّن يَّمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ تُمْتَقِيٍ قُلْ هُوَ
الَّذِىّ أَنْشَأَكُ﴾ .
وخَصَّكم بالسمع والبصر والأفئدة، وأنتم لا تشكرون عظيمَ نِعَمه (١).
﴿وَيَقُولُونَ مَنَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ؟﴾ .
وأجاب عنه حيث قال: لا تستعجلوا العذاب، وبيَّن أنهم إذا رأوه كيف يخافون
و کیف یندمون(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكِىَ اللَّهُ وَمَن ◌َّعِىَ أَوْ رَمَنَا فَمَن يُّجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّعْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَّهِ تَوَكَّنً ... ﴾ .
وإليه أمورنَا - جملةٌ - فَوَّضْئًا.
﴿ قُلْ أَرَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآ ؤُكُمْ غَوْرَا فَنْ يَأْتِيكُ بِعَلٍَّ مَِّينٍ﴾ .
مَنْ الذي يأتيكم بالماء إذا صار غائراً في الأرض لا تناله الأيدي.
وهذه الآيات جميعها على وجه الاحتجاج عليهم ... ولم یکن لواحدٍ عن ذلك
جواب .
(١) الآية (٢٤) لم ترد.
(٢) الآيتان (٢٦، ٢٧) لم تردا.