Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
تفسير سورة الواقعة
يخاطِبُ أولياء الميت فيقول: هَّلا إذا بَلَغتْ روحُه الحلقوم، وأنتم تنظرون إلى
هذا المريض، رجعتم إلى الله تعالى وتحققتم به؟ فنحن أقرب إليه منكم بالعلم والرؤية
والقدرة .. ولكن لا تبصرون!
ويقال: أقرب ما يكون العبدُ من الحقِّ عندما يتم استيلاءُ ذِكْرِه وشهودِه عليه،
فينتفِي إحساسُ العبدِ بغيره، وعلى حسب انتفاءِ العلم والإحساسِ بالأغيار - حتى عن
نفسه - يكون تحقَّقُ العبد في سِرُه حتى لا يرى غير الحَقّ.
فالقرب والبعد معناهما: أنَّ العبدَ في أوان صحوه وأنه لم يُؤْخَذْ ـ بَعْدُ - عن
نفسه؛ فإذا أُخِذَ عنه فلا يكون إلا الحق .. لأنه حينئذٍ لا قُرْب ولا بُعْدِ .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَوْلَآ إِن كُمْ غَيْرَ مَدِينِنٌّ تَّرْجِعُونَهَا إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾ .
ليس لكم من أمر الموت شيءٍ.
﴿َتَرْجِعُونَهَا﴾ أي: تردُّون الروح إلى الجسد.
﴿إِن كُمُ صَدِقِينَ﴾: في أنه لا بعث .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِنُّ فَرَوْعُ وَرَتْحَانٌ وَحَتَّثُ نَّعِيمٍ﴾ .
المقرَّبون هم الذين قرَّبهم اللَّهُ بفضله، فلهم ﴿فَرَوْعُ وَرَتِجَانٌ﴾ .
ويقال: الرَّوحِ الاستراحة، والريحانُ الرزقُ.
وقيل: الرَّوْح في القبر، والريحانُ: في الجنة .
ويقال: لا يخرج مؤمِنْ في الدنيا حتى يُؤْتَى بريحانٍ من رياحين الجنة فيشمه قبل
خروج روحه، فالرَّوح راحةٌ عند الموت، والريحان في الآخرة.
وقيل: كانت قراءة النبي ◌َّهر ((الرُّوح)) بضم الراء أي لهم فيها حياة دائمة .
ويقال: الرَّوْحُ لقلوبهم، والرياح لنفوسهم، والجنَّةُ لأبدانهم.
ويقال: رَوْحٌ في الدنيا، وريحانٌ في الجنة، وجَّةُ نعيم في الآخرة.
ويقال: رَوْحٌ وريحان مُعَجَّلان، وجنة نعيم مؤجلة.
ويقال: رَوحْ للعابدين، وريحان للعارفين، وجَنَّةُ نعيم لعوام المؤمنين.
ويقال: رَوحْ نسيم القرب، وريحان كمال البسط، وجنة نعيم في محل
المناجاة .
ويقال: رَوْح رؤية الله، وريحانُ سماع كلامه بلا واسطة، وجنة نعيم أن يدوم
هذا ولا ينقطع .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمَّ إِن كَانَ مِنْ أَعَْبِ آلْيَمِينِّ فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ﴾.

٢٨٢
تفسير سورة الواقعة
أن نخبرك بسلامة أحوالهم.
ويقال: سترى فيهم ما تحب من السلامة .
ويقال: أمانٌ لك في بابهم؛ فلهم السلامة. ولا تُشْغِلْ قلبَكَ بهم.
ويقال: فسلامٌ لك - أيها الإنسان - إنك من أصحاب اليمين، أو أيها الإنسانُ
الذي من أصحاب اليمين.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِينَ الضَّالِينٌّ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيرٍ وَتَصْلِيَةُ ◌َمِيرٍ﴾.
إن كان من المكذبين لله، الضالّين عن دين الله فله إقامةٌ في الجحيم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ أَلْقِيْنِ فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ .
هذا هو الحق اليقين الذي لا محالةَ حاصلٌ.
﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الْعَظِيمِ﴾ .
أي قَدْسْ اللَّهَ عَمَّا لا يجوز في وصفه.
ويقال: صلِّ الله. ويقال: اشكر اللَّهَ على عصمة أُمَّتِكَ من الضّلال، وعلى
توفيقهم في اتّباعٍ سُنْتِكَ .

سورة الحديد
قوله جلّ ذكره: ﴿ِسْمِ الَّهِ الرََّرِ الرَّحَمَةِ﴾.
سماعُ بسم الله الرحمن الرحيم شَرَابٌ يَسْقِي به الحقُّ - سبحانه وتعالى - قلوبَ
أحبّائه، فإِذا شَرِبوا طَرِبُوا، وإذا طَرِبوا انبسطوا (١)، ثم لشهود حقُّه تعرَّضوا، وبنسيم
قُرْبه استأنسوا، وعند الإحساس بهم غابوا .. فعقولُهم تُسْتَغرقُ في لُطْفِه، وقلوبهم
تُسْتَهلَكُ في كَشْفِه .
قوله جلّ ذكره: ﴿سَبَّعَ لِلَّهِ مَا فِ اُلتََّتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اُلْعَرِزُ الْحَكِيمُ﴾ .
التسبيحُ التقديسُ والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، فيظفرون
بجواهر التوحيد ويَنْظِمونها في عقود الإيمان، ويُرَصِّعونها في أطواق الوصلة:
وقله ﴿مَا فِ التََّوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ المرادُ به (من)) في السموات والأرض، يسجدون لله
طوعاً وكرهاً؛ طوعاً تسبيحَ طاعةٍ وعبادة، وكرهاً تسبيح علامة ودلالة.
وتُحْمِلُ ((ما)» على ظاهرها فيكون المعنى: ما من مخلوقٍ من عينٍ أو أَثَرٍ إلا
ويَدُلُّ على الصانع، وعلى إثبات جلاله، وعلى استحقاقه لنعوت كبريائه.
ويقال: يُسبح لله ما في السموات والأرض، كلٌّ واقفٌ على الباب بشاهدٍ
الطّلَبِ ... ولكنه - سبحانه عزيزٌ.
ويقال: ما تَقَلّب أحدُ من جاحدٍ أو ساجدٍ إلا في قبضة العزيز الواحد، فما
يُصَرِّفهم إلا مَنْ خَلَقَهم؛ فمِنْ مُطيع أَلْبَسَه نطاق وفاقه ـ وذلك فَضْلُه، ومِنْ عاصٍ رَبَطَه
بمثقلة الخذلان - وذلك عَذْلُه .
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: العزيز: المُعِزُّ لِمَنْ طَلَبَ الوصول، بل العزيز: المتقدِّسُ
عن كل وصول .. فما وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إلا حظّه ونصيبه وصفته على ما يليق به.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِّ يُّحِىِ، وَيُمِيثٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾.
(١) قال القشيري في رسالته عند حديثه عن القبض والبسط: هما حالتان بعد ابتعاد العبد عن حالتي
الخوف والرجاء، فالقبض للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف، والبسط للعارف بمنزلة الرجاء
للمستأنف. وكذلك المبسوط: قد يكون فيه بسط يسع الخلق فلا يستوحش من أكثر الأشياء،
ويكون مبسوطاً لا يؤثر فيه شيء بحال من الأحوال. (الرسالة القشيرية ص٥٨).
٧١٣

٢٨٤
تفسير سورة الحديد
المُلْك مبالغةٌ من المِلْك، وهو القدرة على الإبداع، ولا مالكَ إلا الله. وإذا قيل
لغيره: مالك فعلى سبيل المجاز؛ فالأحكام المتعلقة في الشريعة على مِلْكِ الناس
صحيحةٌ في الشرع، ولكنَّ لفظَ المِلْك فيها توسّعٌ كما أن لفظَ التيمم في استعمال
التراب - عند عدم الماء - في السفر مجازٌ، فالمسائل الشرعية في التيمم صحيحة،
ولكن لفظ التيمم في ذلك مجاز.
﴿يُحِي، وَيُمِثٌ﴾: يحيي النفوس ويميتها. ويُحيي القلوبَ بإقباله عليها، ويميتها
بإعراضه عنها. ويقال: يحييها بنظره وتفضُّله، ويميتها بقهره وتعزُّزه.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَلَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاِنٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
﴿الأول﴾: لاستحقاقه صفة القِدَم، و﴿الآخرِ﴾ لاستحالة نعت العدم.
و ﴿الظاهر﴾ بالعلو والرفعة، و ﴿الباطن﴾: بالعلم والحكمة.
ويقال: ﴿الأول) فلا افتتاحَ لوجوده و ﴿الآخِرِ﴾ فلا انقطاع لثبوته.
﴿الظاهر﴾ فلا خفاءَ في جلال عِزْه، ﴿الباطن﴾ فلا سبيل إلى إدراك حقّه.
ويقال ﴿الأول﴾ بلا ابتداء، و ﴿الآخِر﴾ بلا انتهاء، و ﴿الظاهر﴾ بلا خفاء،
و ﴿الباطن﴾ بنعت العلاء وعِزِّ الكبرياء.
ويقال ﴿الأول﴾ بالعناية، و﴿الآخِر﴾ بالهداية، و ﴿الظاهر﴾ بالرعاية،
و ﴿الباطن﴾ بالولاية.
ويقال: ﴿الأول﴾ بالخَلْق، و﴿الآخِر﴾ بالرزق، و ﴿الظاهر﴾ بالإحياء،
و ﴿الباطن﴾ بالإماتة والإفناء.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِئُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠].
ويقال: ﴿الأول﴾ لا بزمان، و﴿الآخر﴾ لا بأوان، و ﴿الظاهر﴾ بلا اقتراب،
و ﴿الباطن﴾ بلا احتجاب.
ويقال: ﴿الأول﴾ بالوصلة، و﴿الآخر﴾ بالخلّة، و﴿الظاهر﴾ بالأدلة،
و ﴿الباطن﴾ بالبعد عن مشابهة الجملة.
ويقال: ﴿الأول﴾ بالتعريف، ﴿والآخر﴾ بالتكليف، ﴿والظاهر﴾ بالتشريف
(والباطن﴾ بالتخفيف .
ويقال: ﴿الأول﴾ بالإعلام، ﴿والآخر﴾ بالإلزام، ﴿والظاهر﴾ بالإنعام
﴿والباطن﴾ بالإكرام.
ويقال: ﴿الأول﴾ بأن اصطفاك ﴿والآخر﴾ بأن هداك، ﴿والظاهر﴾ بأن رعاك،
﴿والباطن﴾ بأن كفاك.

٢٨٥
تفسير سورة الحديد
ويقال: مَنْ كان الغالبُ عليه اسمه ﴿الأول﴾ كانت فكرته في حديثٍ سابقته:
بماذا سمَّاه مولاه؟ وما الذي أجرى له في سابق حُكُمه؟ أبسعادته أم بشقائه؟
ومَنْ كان الغالبُ على قلبه اسمه ﴿الآخِر﴾ كانت فكرته فيه: بماذا يختم له
حاله؟ وإلام يصير مالُه؟ أَعَلَى التوحيد يَخْرُجُ من دنياء أو - والعياذُ بالله - في النارِ غداً
- مثواه؟
ومن كان الغالبُ على قلبه اسمُه ﴿الظاهر﴾ فاشتغاله بشكر ما يجري في الحال
من توفيق الإحسان وتحقيق الإيمان وجميل الكفاية وحُسْنِ الرعاية .
ومَنْ كان الغالبُ على قلبه اسمه ﴿الباطن﴾ كانت فكرتُه في استبهام أمره عليه
فيتعثّر ولا يدري .. أَفَضْلٌ ما يعامله به ربُّه أم مَكْرٌ ما يستدرجه به ربُّه؟
ويقال: ﴿الأول﴾ علم ما يفعله عبادُه ولم يمنعه عِلْمُه من تعريفهم، ﴿والآخِر﴾
رأى ما عَمِلوا ولم يمنعه ذلك من غفرانهم ﴿والظاهر﴾ ليس يَخْفَى عليه شيءٌ من
شأنهم، وليس يَدَعُ شيئاً من إحسانهم ﴿والباطن﴾ يعلم ما ليس لهم به عِلْمٌ من
خسرانهم ونقصانهم فيدفع عنهم فنونَ مَحَنهم وأحزانهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى بِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى
اٌلْعَرْشِ﴾ .
مضى الكلام فى ذلك .
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِبُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُ مِنْهَا﴾ .
أي ما يدخل فيها من القَطْرِ، والكنوزِ، والبذورِ، والأمواتِ الذين يُدْفَنون فيها،
﴿وما يخرج منها﴾ من النبات وانفجار العيون وما يُسْتَخْرَجُ من المعادن.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ التَّمَآِ﴾.
من المطر والأرزاق. أو ما يأتي به الملائكةُ من القضاء والوحي.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِّ﴾ .
أي وما يصعد إليها من الملائكة، وطاعاتِ الْعِباد، ودعوات الخَلْقِ، وصحف
المُكَلَّفين، وأرواح المؤمنين.
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ وَلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
﴿وهو معكم﴾ بالعلم والقدرة.
ويقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِيُ فِ آلْأَرْضِ﴾ إِذا دُفِنَ العَبْدُ فاللَّه سبحانه يعلم ما الذي كان في
قلبه من إخلاص في توحيدِه، ووجوهِ أحزانه خسرانه، وشَكْه وجحوده، وأوصافه
المحمودة والمذمومة .. ونحو ذلك مما يخفى عليكم.

٢٨٦
تفسير سورة الحديد
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَآءِ﴾ على قلوب أوليائه من الألطاف والكشوفات وفنون الأحوال
العزيزة .
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من أنفاس الأولياء إذا تصاعدت، وحسراتهم إذا عَلَت(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿يُولِجُ أَلَّيْلَ فِ النََّارِ وَيُولِجُ النََّارَ فِ آَلِّ﴾ .
مضى معناه .
قوله جلّ ذكره: ﴿مَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمُ وَأَنْفَقُوْ لَمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ .
صَدِّقوا باللَّهِ ورسولِهِ، وتَصَدَّقوا ﴿مِمَّا جَعَلَكُ ثُسْتَنْلَفِينَ فِيهِ﴾ بتملیککم ذلك
وتصييره إليكم، والذين آمنوا منكم وتصدَّقوا على الوجه الذي أُمروا به لهم ثوابٌ
عظيمٌ؛ فإنَّ ما تحويه الأيدي مُعَرَّضٌ للزوال فالسَّعيدُ مَنْ قَدَّمَ في دنياه مَالَه في الآخرة
عمارة حاله، والشقيُّ من سار فيما له في الآخرة وَبالُ مآله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُهْ لِثُؤْمِنُواْ بِرَبَّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَفَكُتْ
إِن كُمْ مُؤْمِنَ﴾ .
أي شيءٍ لكم في تَرْكِكُم الإيمان بالله وبرسوله، وما أتاكم به من الحشر والنشر،
وقد أزاح العِلَّةَ بأنْ ألَاحَ لكم الحُجَّة، وقد أخَذَ ميثاقَكم وقتَ الذَّرِّ، وأوجب عليكم
ذلك بحُكم الشّرع.
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ اَلَّذِى يُنْزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: مَايَتٍ بَيْنَتٍ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الْقُلُمَتِ إِلَى
النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُوْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ .
ليخرِجَكم من ظلماتِ الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشكُ إلى نور
الیقین.
وكذلك يُريهم في أنفسهم من الآياتِ بكشوفاتِ السِّرِّ وما يحصل به التعريف مما
يجدون فيه النفع والخيرَ؛ فيخرجهم من ظلمات التدبير إلى سعة فضاء التفويض،
وملاحظة فنون جريان المقادير .
وكذلك إذا أرادت النَّفْس الجنوحَ إلى الرُّخَصِ والأخذِ بالتخفيف وما تكون عليه
المطالبةُ بالأشَقُّ - فإن بادَرَ إلى ما تدعوه الحقيقةُ إليه وَجَدَ في قلبه من النور ما يَعْلَمُ به
ظلمةَ هواجس النَّفْسِ .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُواْ فِ سَبِيلِ الَّهِ وَلِلَّهِ مِيَرَثُ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾.
(١) الآية (٥) لم ترد.

٢٨٧
تفسير سورة الحديد
ما في أيديكم ميراثُه الله، وعن قريبٍ سيُنْقَلُ إلى غيركم ولا تبقون بتطاول
أحمالكم. وهو بهذا يحثهم على الصدقةِ والبدارِ إلى الطاعة وتَرْكِ الإخلاد إلى
الأمل .. ثم قال:
قوله جلّ ذكره: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلُّ أُوْلَيْكَ أَغْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ
الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَدْتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُتَنَّ وَلَهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك.
بل أولئك أعظم ثواباً وأعلى درجةً من هؤلاء؛ لأنَّ حاجة الناس كانت أكثر إلى ذلك
وكان ذلك أشقَّ على أصحابه.
ثم قال: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اَللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ إلَّا أنَّ فضيلة السَّبْقِ لهم، ولهذا قالوا:
السابقَ السابقَ قولاً وفعلاً حذّزِ النَّفْسَ حَسْرَةَ المسبوقِ
قوله جلّ ذكره: ﴿َن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَنِفَهُ لَهُ وَلَهُ، أَجْرٌ كَرِيرٌ﴾.
المراد بالقرض الصدقة، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييباً لقلوبهم، فكأن
المتصدق وهو يقرض شيئاً كالذي يقطع شيئاً من ماله ليدفَعه إلى المُسْتَقْرِض.
ويقال: ﴿يُقْرِضُ﴾ أي يفعل فعلاً حسناً، وأراد بالقرض الحسن ها هنا ما يكون
من وجهٍ حلالٍ ثم عن طِيبٍ قلبٍ، وصاحبُه مخلِصٌ فيه، بلا رياء يشوبه، وبلا مَنْ
على الفقير، ولا يُكَدِّره تطويلُ الوَعد ولا ينتظر عليه كثرة الأعواض.
ويقال: أن تقرضه وتقطع عن قلبك حُبَّ الدارين، ففي الخبر: ((خير الصدقة ما
كان عن ظهر غنّى)»(١) ومَنْ لم يتحرَّر من شيء فخروجُه عنه تكلّفٌ.
قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْفَتِهِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ
جَثَّاتٌ تَجْرِىٍ مِن ◌َحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاْ ذَلِكَ هُوَ اُلْغَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
(١) أخرجه البخاري في (الصحيح ١٣٩/٢، ٨١/٧)، ومسلم في (الصحيح الزكاة ب٣٢ رقم ٩٥) وأبو
داود في (السنن الزكاة ب٤٠)، والنسائي في (السنن ٦٢/٥)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢/
٢٧٨، ٤٠٢، ٤٧٦، ٥٢٤، ٤٣٤/٣)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٤/ ١٥٤، ١٧٧، ١٨٠، ٧/
٤٦٦)، والطبراني في (المعجم الكبير ٢٢٤/٣)، والدولابي في (الكنى والأسماء ١٠٨/١)،
والزيلعي في (نصب الراية ٤١٢/٢)، والسيوطي في (الدر المنثور ٢٥٣/١، ٢٥٤)، والمنذري في
(الترغيب والترهيب ٥٨٨/١)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ١٩٢٩)، والبغوي ٢١٣/١،
والألباني في (إرواء الغليل ٤١٥/٣) وابن خجر في (فتح الباري ٥٠٠/٩)، والبغوي في (شرح
السنة ١٧٨/٦)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٦٢٣١، ١٦٢٦٤، ١٦٢٦٦، ١٦٢٦٧)، وابن
خزيمة في (الصحيح ٢٤٣٩)، وابن كثير في (التفسير ٣٧٤/١)، والقرطبي في (التفسير ١١١/٧،
١٣٤/١٩)، والدارقطني في (السنن ٢٩٦/٣)، وابن عدي في (الكامل في الضعفاء ١٥٨٦/٤)،
وعبد الرزاق في (المصنف ١٦٤٠٤).

٢٨٨
تفسير سورة الحديد
وهو نورٌ يُعْطَى للمؤمنين والمؤمنات بقَدْر أعمالهم الصالحة، ويكون لذلك
النور مطارخُ شعاع يمشون فيها والنورُ يسعى بين أيديهم، ويحيط جميع
جهاتهم .
ويقال: ﴿وَيِأَنَِ﴾ كتبهم.
﴿يُشْرَّكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ﴾ أي بشارتكم اليومَ - من الله جنات. وكما أن لهم في
العرصة هذا النور فاليومَ لهم في قلوبهم وبواطنهم نورٌ يمشون فيه، ويهتدون به في
جميع أحوالهم، قال رَّ: ((المؤمن ينظر بنور الله))(١) وقال تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن
زَّيِِّْ﴾ [الزمر: ٢٢].
وربما ينبسط ذلك النورُ على مَنْ يَقْربُ منهم. وربما يقع من ذلك على القلوب
قَهْراً - ولأوليائه - لا محالةَ - هذه الخصوصية.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَّفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقَْيِسْ مِن نُِّكُمْ﴾ .
انتظرونا فنلحق بكم لنقتبسَ من نوركم. وذلك لأن المؤمنين والمنافقين
يُعْطَوْن كُتُبهم وهم في في النور، فإذا مَرُّوا ... انطفأ النور أمام المنافقين وسَبقَ
المؤمنون، فيقول المنافقون للمؤمنين: انتظرونا حتى نقتبسَ من نوركم . فيقول
المؤمنون :
﴿قِلَ أَرْجِعُواْ وَرَةَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورً﴾ .
أي إلى الدنيا وأَخلِصوا ! - تعريفاً لهم أنهم كانوا منافقين في الدنيا.
ويقال: ارجعوا إلى حُكْم الأزلِ فاطلبوا هذا من القِسْمة ! - وهذا على جهة
ضربِ المَثل والاستبعاد .
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَالُِ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ آلْعَذَابُ﴾ .
﴿يِسُورٍ﴾: وهو جَبَلُ أصحاب الأعراف، يستر بينهم وبين المنافقين، فالوجهُ
الذي بلي المؤمن فيه الرحمة وفي الوجه الآخر العذابُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ .
ألم نكن معكم في الدنيا في أحكام الإيمان في المناكحة والمعاشرة؟ .
قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم ..
﴿وَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّى ◌َّءَ أَمُْ اَللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
(١) أخرجه الترمذي (تفسير سورة ١٥، ١٦).
٢

٢٨٩
تفسير سورة الحديد
تربصتم عن الإخلاص، وشككتم، وغرَّكم الشيطان، وركنتم إلى الدنيا.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَّوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمُ النَّارِّ هِىَ
مَوْلَنْكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
النارُ مأواكم ومصيرُكم ومُتَقَلبُكُم.
و ﴿هي مولاكم﴾ أي هي أولَى بكم، وبئس المصير!
ويقال: مخالفة الضمائر والسرائر لا تنكتم بموافقة الظاهر، والأسرار لا تنكتم
عند الاختبار .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ اُلْحَقِّ
وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ .
ألم يَجِنْ للذين آمنوا أن تتواضعَ قلوبُهم وتلين لذِكْرِ اللَّهِ وللقرآنِ وما فيه من
العِبَرِ؟ وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبل؟ وأراد بهم اليهودَ، وكثيرٌ من اليهود
فاسقون كافرون .
وأراد بطول الأمَدِ الفترةَ التي كانت بين موسى ونبيِّنا وَّ، وفي الخبر: ((أن
أصحاب رسول الله وَ﴿ أَصابتهم ملالٌ فقالوا: لو حَدَّثْتنا))(١).
فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] فبعد مُدَّةٍ قالوا:
لو قَصَضْتَ علینا!
فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿أَّعْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] فبعد مدةٍ قالوا:
لو ذَكَّرتَنا ووَعَظْتَنا!
فأنزل الله تعالى هذه السورة.
وفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء.
وإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة، والشهوة والصفة لا تجتمعان؛ فإذا
حَصَلت الشهوةُ رَحَلت الصفوة. وموجِبُ القسوة هو انحرافُ القلب عن مراقبة الربِّ.
ويقال: موجب القسوة أوَّلُه خَطْرة - فإلمَّ تُتَداركْ صارت فكرة، وإلمّ تُتَدَارْ صارت
عزيمة، فإن لم تُتَدَارْ جَرَت المخالفة، فإن لم تُتدارك بالتلافي صارت قسوةً وبعدئذ
تصير طبعاً ورَيْناً(٢).
(١) أخرجه أبو داود في (السنن ١٨٩٦).
(٢) الرين: الطبع والدنس، ران الثوب ريناً: تطبّع. ران الذنب على قلبه: غلب عليه وغطاه. (لسان
العرب ١٩٢/١٣ مادة: رين).

٢٩٠
تفسير سورة الحديد
قوله جلّ ذكره: ﴿أَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يُّحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَأَ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
يُحيي الأرض بعد موتها بإنزال المطرِ عليها وإخراج النّبتِ منها. ويُحيي القلوبَ
الميتةَ - بعد إعراضٍ الحقِّ عنها - بحسن إقباله عليها .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُقَدِّقَتِ وَأَقْرَضُوْ اَللَّهَ قَرْضَا حَسَنًّا يُضَنَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ
أَجْرٌ كَرِبٌ﴾ .
أي المتصدقين والمتصدقات.
﴿وَأَقْرَضُوْ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: يعني في النوافل.
﴿يُضَعَفُ لَهُمْ﴾ في الحسنات، الحسنةُ بعَشْر أمثالها .. إلى ما شاء اللَّهُ.
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيرٌ﴾: ثوابٌ كبيرٌ حَسَنٌ. والثوابُ الكريمُ أَنَّه لا يضن بأقصى
الأخْرِ على الطاعةِ - وإنْ قَلَّتْ.
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَيِّهِمْ لَهُمْ
أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمّ﴾ .
الصديقون: مبالغة في الصدق، والشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله،
فالمؤمنون بمنزلة الصديقين والشهداء - لهم أجرهم في الجنة ونورهم في القيامة.
﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُوْ بِثَايَتِنَا أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾.
والصدِيق مَنْ استوى ظاهرُه وباطنُه .
ويقال: هو الذي يحمل الأمرَ على الأشَقُّ، ولا ينْزِلُ إلى الرُّخَصِ، ولا يجنح
للتأويلات .
والشهداءُ: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة، ويعتكفون بأسرارهم في
أوطان القربة، ﴿وَنُورُهُمْ﴾: ما كحل الحقُّ به بصائرهم من أنوار التوحيد.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَعْلَمُوْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوْ وَزِينَهُ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَّكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى
اَلْأَنْوَلِ وَالْأَوْلِّدِ﴾ .
الحياةُ الدنيا مُعَرَّضَةٌ للزوال، غيرُ لابثةٍ ولا ماكثة، وهي في الحال شاغلةٌ عن
الله، مُطْمِعةٌ وغير مُشْبِعة، وتجري على غير سَنن الاستقامة كجريان لَعِب (١) الصبيان،
فهي تُلْهي عن الصوابِ واستبصار الحقِّ، وهي تفاخرٌ وتكاثرٌ في الأموال والأولاد.
﴿ كَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ بَهِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُنُ حُطَهَا﴾ .
(١) اللُّعَاب: ما سال من الفم. (اللسان ٧٤١/١ مادة: لعب).

٢٩١
تفسير سورة الحديد
٠
الكفار: الزُّرَّاع.
هو في غاية الحُسْنِ ثم يهيج فتراه يأخذ في الجفاف، ثم ينتهي إلى أنْ يتحطّم
ويتكسَّر.
﴿وَفِ الَْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ .
لأهله من الكفّار.
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٌ﴾ .
لأهله من المؤمنين.
﴿وَمَا الَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ﴾.
الدنيا حقيرةٌ - وأحقرُ منها قَدْراً طالبُها وأقلُّ منه خَطَراً المزاحم فيها، فما هي إلا
جيفة؛ وطالِبُ الجيفةِ ليس له خطرٌ. وأخس أهل الدنيا مَنْ بَخِلَ بها.
وهذه الدنيا المذمومة هي التي تَشْغَلُ العبدَ عن الآخرة!
قوله جلّ ذكره: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
أُعِدَتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ،﴾.
أي سارِعوا إلى عَمَلٍ يوجب لكم مغفرةً من ربكم، وذلك العملُ هو التوبة.
﴿وَجَنٍَّ عَرْضُهَا﴾ ذَكر عَرْضها ولم يذكر طولها؛ فالطول على ما يوافيه العَرْضُ.
﴿أُعِدَتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَلَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: وفي هذا دليلٌ على أنَّ الجنةَ مخلوقة.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَدَةْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وفي ذلك ردّ على من يقول: ((إن الجنة مُسْتَحقَّةٌ على الطاعات، ويجب على الله
إيصالُ العَبدِ إليها» ... لأن الفضلَ لا يكون واجباً.
ويقال: لمَّا سمعت أسرار المؤمنين هذا الخطاب ابتدرت الأرواحُ مُقْتَضِيةً
المسارعة من الجوارح، وصارت الجوارحُ مستجيبةً للمُطالَبةِ، مُستبشرة برعاية حقوق
الله؛ لأنها علمت أن هذا الاستدعاءَ من جانب الحقُّ سبحانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿ِمَّ أَسَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّ فِى ڪِنَبٍ مِن
قَبْلٍ أَنْ تَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ﴾.
المصيبة حَضْلةٌ تقع وتحصل. فيقول تعالى: لا يحصل في الأرض ولا في
أنفسكم شيءٌ إلا وهو مُثْبَتْ في اللوح المحفوظ على الوجه الذي سبق به العِلْم، وحقّ
فيه الحكم؛ فقبل أن نخلق ذلك أثبتناه في اللوح المحفوظ.
فكلّ ما حصل في الأرض من خصبٍ أو جدبٍ، من سعة أو ضيق، من فتنة أو

٢٩٢
تفسير سورة الحديد
استقامة وما حصل في النفوس من حزن أو سرور، من حياةٍ أو موت كلُّ ذلك مُثبت
في اللوح المحفوظ قبل وقوعه بزمان طويل.
وفي قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَاً﴾ دليلٌ على أن أكساب العباد مخلوقة لله سبحانه.
وللعبدٍ في العلم بأنَّ ما يصيبه: من بسطٍ وراحةٍ وغير ذلك من واردات القلوب من اللَّهِ
- أشدُّ السرور وأتمُّ الإنْسِ؛ حيث عَلِمَ أنه أُفْرِدَ بذلك بظهر غيبٍ منه، بل وهو في كنز
العَدَم، ولهذا قالوا:
سقياً لمعهدك الذي لو لم یکن
ما كان قلبي للصبابة معهدا
قوله جلّ ذكره: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَّنكُمْ﴾.
عَدَمُ الفرحة بما آتاهم هو من صفات المتحررين من رِقُ النَّفْس، فقيمةُ الرجالِ
تتبين بتغيَّرِهم - فَمَنْ لم يتغيرُ بما يَرِدُ عليه - مما لا يريده - من جفاءٍ أو مكروهٍ أو
محنة فهو كاملٌ، ومَنْ لم يتغيّرْ بالمسارّ كما لا يتغير بالمضارِ، ولا يَسُرُّه الوجودُ كما
لا يُحْزِنْه العَدَمُ - فهو سَيِّد وقته (١).
ويقال: إذا أردتَ أن تعرفَ الرجلَ فاطلبْه عند الموارد؛ فالتغيُّرُ علامةُ بقاء النَّفْس
بأي وجه کان :
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ .
فالاختيال من علامات بقاء النفس ورؤيتها، والفخرُ (ناتجٌ)(٢) عن رؤيةٍ ما به
يفتخر .
قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِاَلْبُخْلُّ وَمَن يَتَوَّلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ
المَمِيدُ﴾.
بخلوا بكتمان صفة نبيّنا وَ﴿ وأمروا أتباعَهم بذلك، وذلك لما خافوا من كسادٍ
سُوقِهم وبطلان رياستهم.
﴿وَمَنْ يَتَوَّلَ﴾ عن الإيمان، أو إعطاء الصَدَقة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾.
والبخلُ - على لسان العلم - مَنْعُ الواجب، فأمّا على بيان هذه الطائفة فقد قالوا:
البخلُ رؤية قَدْر للأشياء، والبخيلُ الذي يُعْطِي عند السؤال، وقيل: مَنْ كَتَبَ
على خاتمه اسمه فهو بخيل(٣).
(١) انظر حديث القشيري في الرسالة عن التلوين والتمكين. ص٧٨ - ٨٠.
(٢) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) قال القشيري: أصل الفترة أن يكون العبد دائماً في أمر غيره. (انظر الرسالة القشيرية ص٢٢٦،
٢٣١).

٢٩٣
تفسير سورة الحديد
قوله جل ذكره: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِاَلْقِسْطِ﴾.
أي أرسلناهم مُؤيَّدين بالحُجَج اللائحة والبراهين الواضحة، وأزَحْنا العِلَّةَ لِمَنْ
أراد سلوكَ الحُجَّةِ المُثْلى، ويَسَّرناَ السبيل على مَنْ آثَرَ اتّباعَ الهُدَى. وأنزلنا معهم
الكُتَبَ المُنَزّلَةَ، و﴿الميزان﴾: أي الحُكْمَ بالقرآن، واعتبار العَدْلِ والتسوية بين الناس.
﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِاَلْفِسْطِ﴾: فلا يَظْلِمُ أحدٌ أحداً.
قوله جل ذكره: ﴿وَأَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُ
وَرُسُلَمُ بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ .
﴿أنزلنا الحديد﴾: أي خلقنا الحديد.
ونصرة الله هي نصرةُ دينه، ونصرةُ الرسولِ باتّباعِ سُنَتِهِ .
﴿إِنَّ اللَّهَ فَوِىُّ عَزِيزٌ﴾: أقوى من أن يُنَازَعَه شريكٌ، أو يضارِعَه في المُلْكِ مليك،
وأعزّ من أن يحتاج إلى ناصر.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْزَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّهُوَّةَ وَالْكِتَبِّ﴾ .
أي: أرسلنا نوحاً، ومن بعده إبراهيم، وجعلنا في نَسْلِهما النبوَّةَ والكتاب.
﴿فَمِنْهُمْ مُّهْنَذِّ﴾ .
أي: مستجيبٌ .
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ .
خرجوا عن الطاعة .
قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَقَّنَا عَلَىْ ءَاثَدِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَهُ
اُلْإِلَّ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبٍ أَلَّذِينَ أَنَّعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ .
أي: أرسلنا بعدهم عيسى ابن مريم.
﴿وَرَهْبَانِيَّةٌ أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ﴾ .
بيَّن أنّه لم يأمرهم بالرهبانية(١) بل هم الذين ابتدعوها ثم قال:
﴿إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ﴾ .
(١) الرهبانية: مصدر الراهب، والاسم الرهبانية من الرهبة: الخوف؛ فالنصارى كانوا يترهبون بالتخلي
من أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعهد مشاقها، حتى أن منهم من
كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه. (لسان العرب ١/ ٤٣٧، ٤٣٨ مادة: رهب).

٢٩٤
تفسير سورة الحديد
هم الذين انفردوا بما عقدوه معنا أن يقوموا بحقُّنا.
﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمّ. وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَثَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ زَّحْمَتِهِ،
وَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا .
﴿كِفْلَيْنِ﴾: أَي نَصِيبَيْنٍ؛ نصيباً على الإيمان بالله، وآخَرَ على تصديقهم وإيمانهم
بالرّسُل.
قوله جل ذكره: ﴿لِئَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَخْرٌ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ
بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن ◌َهُ وَلَهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾.
ومعناه: يعلم أهل الكتاب، و((لا)) صلة. أي: ليعلم أهل الكتاب أنهم لا
يقدرون على شيء من فضل الله، فإن الفضل بيد الله. و((اليد)» هنا بمعنى: القدرة،
فالفضلُ بقدرة الله .
والإشارة في هذا: اتَّقُوا الله بحِفْظِ الأدبِ معه، ولا تأمنوا مَكْرَه أن يَسْلَبكمٍ ما
وَهَبَكم من أوقاتكم. وكونوا على حَذَرٍ من بَغَتَاتٍ تقديره في تغيير ما أذاقكم من أنْسٍ
محبته .
واتَّبِعوا السُّفَراء والرَّسُلَ، وحافظوا على اتّباعهم حتى يُؤْتِيَكُم نصيبين من فضله:
عصمةً ونعمةً؛ فالعصمة من البقاء عنه، والنعمة هي البقاء به.
ويقال: يؤتكم نصيبين: نصيباً من التوفيق في طَلَبِهِ، ونصيباً من التحقيق في
وجوده(١).
(١) الوجود هنا لم يقصد به ضد العدم. انظر الرسالة القشيرية ص ٦٣: فالتواجد بداية والوجود نهاية،
والوجد واسطة بين البداية والنهاية .

سورة المجادلة
قوله جل ذكره: ﴿إِسْمِ أَنَّهِ الرَّبِ الرَّجَمِ﴾.
((بسم الله)) كلمةٌ مَنْ عَرَفها بَذَلَ الرُّوحَ في طلبها - وإن لم يَخْظَ بوصولها، كلمةٌ
مَنْ طلبها اكتفى بالطلب من قبولها.
كلمة جبَّارة لا تنظر إلى كلِّ أحد، كلمة قهّارةٌ لا يُوجَدُ من دونها مُلْتَحَد.
كلمةٌ منها بلاء الأحباب - لكن بها شفاء الأحباب.
قوله جل ذكره: ﴿قَدّ سَيِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَلَّى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِ إِلَى اللَّهِ﴾ .
لمَّا صَدَقَت في شكواها إلى الله وأيِسَتْ من استكشاف ضُرِّها من غير الله - أنزل
الله في شأنها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ .
تَضَرَّعَتْ إلى الله، ورَفَعَتْ قِصَّتَها إلى الله، ونَشَرَتِ غُصَّتَها بين يدي الله - فنَظِرَ
إليها الله، وقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.
ويقال: صارت فرجةٌ ورخصةً للمسلمين إلى القيامة في مسألة الظّهار(١)،
وليعلم العالِمون أنَّ أحداً لا يخسر عَلَى الله .
وفي الخبر: أنها قالت: ((يا رسول الله، إنَّ أوساً تزوَّجنِي شابَّةً غنيةً ذاتِ أهلِ،
ومالٍ كثير، فلما كبرت سِنِّي، وذَهَبَ مالي، وتَفَرَّق أهلي جعلني عليه كظَهْرٍ أُمُّه، وَقَد
ندِم وندمت، وإنَّ لي منه صبيةً صِغَاراً إن ضَمَمْتُهم إليه ضاعوا، وإن ضممتُهم إليّ
جاعوا.
فقال لها الرسول وَل﴿ - في رواية -: ((ما أُمِرْتُ بشيءٍ في شأنك))(٢).
وفي رواية أخرى أنه قال لها: ((بنْتِ عنه)) (أي حرمت عليه).
(١) الظهار: من النساء، وظاهر الرجل امرأته، ومنها، مظاهرة وظهاراً إذا قال: هي عليّ كظهر ذات
رحم، وقد تظهر منها وتظاهر. (اللسان ٥٢٨/٤ مادة: ظهر).
(٢) أخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد ١١٥/٩)، والسيوطي في (الدر المنثور ٢٠٤/٢)، والطبري في
(التفسير ٢٨/٤، ١٤٥/٥).
٢٩٥

٢٩٦
تفسير سورة المجادلة
فترددت إلى رسول الله وَ﴿ في ذلك، وشكت .. إلى أن أنزل الله حُكْم
الظّهار .
قوله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآئِهِم مَّا هُرَ أُنَّهَتِهِمَّ إِنْ أُنَّهَنْتُهُمْ إِلَّا
الَّى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا بِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًاً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُؤُّ غَفُورٌ﴾ .
قَوْلُ الذين يقولون لنسائهم - جرياً على عادة أهل الشِّرْكِ - أنتِ عليَّ كظهر
أمي .. هذا شيءٌ لم يَحْكُمْ الله به؛ ولا هذا الكلامُ في نَفْسِه صِدْقٌ، ولم يثبت فيه
شَرْعٌ، وإنما هو زورٌ مَخْضٍ وكَذِبْ صِرْفٌ.
فَعَلِمَ الكافةُ أن الحقائق بالتلبيسِ لا تتعزّز؛ والسّبَبُ إذا لم يكن صحيحاً
فبالمعاودةِ لا يثبت؛ فالمرأةُ لمَّا سمعت من رسول الله وَّ رُ قولَه ((بِنْتِ عنه)) - كان
واجباً عليها السكونُ والصبرُ؛ ولكنَّ الضرورةَ أنطقتها وحَمَّلتْهَا على المعاودة،
وحصلت من ذلك مسألة: وهي أن كثيراً من الأشياء يحكم فيها ظاهرُ العلمِ بشيء؛ ثم
تُغَيِّر الضرورة ذلك الحُكْمَ لصاحبها .
قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَِّهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَاشَأَ ذَلِكُمْ تُوعَفُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ﴾ .
الظُّهار - وإن لم يكن له في الحقيقة أصل، ولا بتصحيحه نطق أو دلالة
شرع، فإنه بعد ما رُفعَ أمرُه إلى الرسولِ وَّر ولوَّح بشيء ما، وقال فيه حُكمه،
لم يُخِلْ الله ذلك من بيانٍ ساق به شرعه؛ فقضى فيه بما انتظم جوانب الأمر
کلّه .
فارتفاعُ الأمر حتى وصوله إلى مجلس النبي ◌َِّ، والتحاكُم لديه حَمَّل المتعدِّي
عناء فعلته، وأعاد للمرأة حقَّها، وكان سَبيلاً لتحديد المسألة برُمَّتها ... وهكذا فإنَّ
كلَّ صعبٍ إلى زوالٍ .. وكلُّ ليلة - وإنْ طالَتْ - فإلى إسفار(١).
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ, كُبُواْ كُمَا كُنْتَ أَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ وَقَدْ أَنْزَلْنَاً
ءَايَتٍِ بَيْنَتٍّ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .
الذين يخالفون أمر الله ويتركون طاعةَ رسولِ الله أُذِلُوا وخُذِلوا، كما أُذِلَّ الذين
من قَبْلهم من الكفّار والعُصَاة.
وقد أجرى اللَّهُ سُنَّتَه بالانتقام من أهل الإجرام؛ فَمَنْ ضيِّعَ للرسولِ سُنَّةً،
(١) الآية (٤) لم ترد.

٢٩٧
تفسير سورة المجادلة
وأحْدَثَ في دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذُّلِّ.
قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اَللَّهُ وَنَهُوَةٌ، وَاَللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
يقال: إذا حُوسِبَ أحدٌ في القيامة على عمله تصور له ما فعله وتذكّره، حتى
كأنه قائمٌ في تلك الحالة عن بِسَاط الزَّلَّةِ، فيقع عليه من الخَجَلِ والنَّدَم ما يَنْسى في
جَنْبِهِ كُلَّ عقوبة .
فسبيلُ المسلم ألا يحومَ حول مخالفة أمر مولاه، فإنْ جَرَى المقدورُ ووقَعَ في
هجنة التقصير فلتكن زَلَّتُه على بال، وليتضرع إلى الله بحُسْن الابتهال.
قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى
ثَةٍ إِلَّا هُوَ رَاِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلََّ أَدْفَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَبْنَ مَا
كَانُواْ نُمْ يُنَتِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ﴾ .
مَعِيَّةُ الحقُّ - سبحانه - وإن كانت على العموم بالعلم والرواية، وعلى
الخصوص بالفضل والنصرة - فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثرٌ عظيمٌ،
ولهم إلى أنْ ينتهيَ الأمرُ بهم إلى التولَّه فالوَلَهِ فالهيمان في غمار سماع هذا عيش
راغد .
ويقال: أصحابُ الكهف - وإن جَلَّتْ رتبتُهم واختصت من بين الناس مرتبتهم -
فالحقُّ سبحانه يقول: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] ولمَّا انتهى إلى
هذه الآية قال: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة﴾ فشتَّان بين مَنْ
راپِعُهُ کَلْبُه وبین من رابِعُه ربُّه !!
ويقال: أهلُ التوحيد، وأصحابُ العقولِ من أهلِ الأصولِ يقولون: اللَّهُ واحدٌ لا
من طريق العدد، والحقُّ يقول: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ويقال
حيثما كنتَ فأنا معك؛ إن كنت في المسجد فأنا معك، وإن كنت في المصطبة فأنا
معك، إن طَلَبَ العلماء التأويلَ(١) وشوشوا قلوبَ أُولي المواجيد فلا بأس - فأنا
معهم .
(١) قال القشيري في رسالته عند حديثه عن الوصية للمريدين: فإن حجج هؤلاء في مسائلهم أظهر من
حجج كل واحد وقواعد مذاهبهم أقوى من قواعد كل مذهب. والناس إما أصحاب النقل والأثر،
وإما أرباب العقل والفكر، وشيخ هذه الطائفة ارتقوا عن هذه الجملة فالذي للناس. غيب فهو لهم
ظهور، والذي للخلق من المعارف مقصود، فلهم من الحق سبحانه موجود، فهم أهل الوصال،
والناس أهل الاستدلال. (الرسالة القشيرية ص٣٧٨).

٢٩٨
تفسير سورة المجادلة
إن حضرْتَ المسجد فأنا معك بإسباغ النعمة ولكن وَعْداً، وإن أتيت المصطبة
فأنا معك بالرحمة وإسبالٍ ستر المغفرة ولكن نَقْداً:
تقدِرُ أن تخرج عن لُطْفي
هَبْكَ تباعَدْتَ وخالَفْتَني
قوله جل ذكره: ﴿أَلَ تَّ إِلَى الَّذِينَ ثُهُوْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُوُدُونَ لِمَا تُهُواْ عَنَّهُ وَيَتَجُوْنَ بِآلْإِثْمِ
وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوَكْ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ .
آذَوْا قلوبَ المسلمين بما كانوا يتناجون به فيما بينهم، ولم تكن في تناجيهم
فائدةٌ إلا قصدهم بذلك شَغْلَ قلوبِ المؤمنين، ولم ينتهوا عنه لمَّا نهُوا عنه،
وأصَرُّوا على ذلك ولم يَنْزَجِروا، فَتَوَعَّدهم اللَّهُ على ذلك، وتكون عقوبتُهم بأن
تتغامز الملائكةُ في باب فيما بينهم، وحين يشاهدونِ ذلك تتَرَجَّمُ ظنونُهم،
ويتعذّبون بتَقَسُّم قلوبهم، ثم لا ينكشف الحالُ لهم إلَّا بما يزيدهم حزناً على
حزنٍ، وأسفاً على أسفٍ .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَنَجِئْتُمْ فَلَ نَنْتَجُوْ بِاَلْإِثْمِ وَالْعُذْوَنِ وَمَعْصِيَتِ
الرَّسُولِ وَتَّوْ بِآلْبِرِ وَالنَّقْوَىَّ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُشَرُونَ﴾ .
إنما قَبُحَ ذلك منهم وعَظُمَ الخطرُ لأنه تضمَّن إفسادَ ذات البَيْن، وخيرُ الأمورِ ما
عاد بإصلاح ذات البَيْن، وبعكسه إذا كان الأمر بضده.
قوله جل ذكره: ﴿إِنََّا النَّجْرَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًا
إلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
النجوى من تزيين الشيطان ليحزن الذين آمنوا. وإذا كانت المشاهدةُ غالبةً،
والقلوبُ حاضرةً، والتوكلُ صحيحاً؛ والنظرُ من موضعه صائباً فلا تأثيرَ لمثل هذه
الحالات، وإنما هذا للضعفاء.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ
اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنشُزُوا﴾ .
لكمال رحمته بهم وتمام رأفته عليهم، علَّمَهم مراعاة حُسنِ الأدب بينهم فيما
كان من أمور العادة دون أحكام العبادة في التفسُّح في المجالس والنظام في حال
الزَّحمة والكثرة ... وأعْزِزْ بأقوام أمَرَهم بدقائق الأشياء بعد قيامهم بأصول الدين
وتحقُّقهم بأركانه !.
قوله جل ذكره: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ
غَيْرٌ لَكُمْ وَأْهَرَّ فَإِن ◌َِّ غَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِمُ﴾.

٢٩٩
تفسير سورة المجادلة
لمَّا كان الإذنُ في النجوى مقروناً ببذْلِ المالِ امتنعوا وتركوا، وبذلك ظَهَرَت
جواهر الأخلاق ونقاوةُ الرجال - ولقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ إِن يَسْتَذْكُهَا
فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْفَنَكُمْ﴾(١) [محمد: ٣٧].
قوله جل ذكره: ﴿أَلَّمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَّا قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مَا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ .
مَنْ وافقَ مغضوباً عليه أشْرَكَ نَفْسَه في استحقاقٍ غضبٍ مَنْ هو الغضبان؛ فَمَنْ
تَوَلَّ مغضوباً عليه مِنْ قِبَلِ الله استوجبَ غَضَبَ الله وكفى بذلك هواناً وخسراناً.
﴿وَيَعْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَلَّةَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَنََّذُواْ
أَيْمَنَهُمْ مُنَّةً فَصَذُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .
هذا وصفٍّ للمنافقين.
﴿أَّخَذُوَاْ أَيْمَهُمْ جُنَّةٌ﴾ أي وقايةً وستراً؛ ومَنْ استتر بجُنَّةٍ طاعته لتَسْلَم له دنياه فإنَّ
سهامَ التقدير من ورائه تكشفه من حيث لا يشعر .. فلا دِينُه يبقى، ولا دنياه تَسْلَم،
ولقد قال تعالى: ﴿لَّنْ تُغْفِىَ عَنْهُمْ أَقْوَهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾(٢) [آل عمران: ١٠].
قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جميعًا فَبْطِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُرْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءُ
أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ .
عقوبتُهم الكبرى ◌َنُّهم أنَّ ما عَمِلوا مع الخَلْقِ يتمشّى أيضاً في مُعَاملةِ الحقُّ،
فَرْطُ الأجنبية وغايةُ الجهلِ أُكْبَّتهم على مناخرهم في وَهْدَةِ نَذَمِهم.
قوله جل ذكره: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنَسَنُهُمْ ذِكْرِ أَّهِ أُوْلَكَ حِزْبُ الشَّتْطِنِّ أَلَّ إِنَّ
حِزْبَ النَّبْطَنِ ثُمُ الْخَيْرُونَ﴾.
إذا استحوذ الشيطانُ على عَبْدِ أنْسَاه ذِكْرَ الله.
والنَّفْسُ إذا استولَتْ على إنسان أنْسَتْهُ الله .
ولقد خَسِرَ حزبُ الشيطان، وأخْسَرُ منه مَنْ أعان نَفْسَه ـ التي هي أعدى عدوه،
إلّا بأن يسعى في قَهْرِها لعلّه ينجو مِنْ شَرِّها.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّهَ الَّذِينَ يُحَدُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ فِ آلْأَذَلِينَ﴾ .
مَنْ أَرَمْتْهُ شِقْوَتُه لم تُنْعِشْهُ قُوَّتُه، ومَنْ قَصَمَهُ التقديرُ لم يَعْصِمه التدبير، ومَنْ.
استهانَ بالدِّين انخرطَ في سِلْكِ الأذَلِين.
(١) الآية (١٣) لم ترد.
(٢) الآية (١٧) لم ترد.

٣٠٠
تفسير سورة المجادلة
قوله جل ذكره: ﴿كَتَبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَرَ أَنَا وَرُسُلِنَّ إِنَ اللَّهُ فَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ .
الذي ليس له إلا التدبير .. كيف تكون له مقاومة مع التقدير؟
قوله جل ذكره: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ .
مَنْ جَنَحَ إلى منحرفٍ عن دينه، أو داهَنَ مُبْتَدِعاً في عهده نزَعَ اللَّهُ نورَ التوحيدِ
من قلبه فهو في خيانته جائرٌ على عقيدته، وسيذوق قريباً وَبَالَ أمره.
﴿أُوْلَّبِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَانَ وَأَدَهُم بِرُوجِ مِنَةٌ﴾.
خلق الله الإيمان في قلوب أوليائه وأثبته، ويقال: جعل قلوبهم مُطَرَّزَةٌ باسمه.
وأغْزِز بِحُلَّةٍ لأسرار قومٍ طرازُها اسمُ ((ال)) !!