Indexed OCR Text

Pages 241-260

سورة الطُّور
قوله جلّ ذكره: ﴿يِسْمِ أَقَِّ الََّنِ الرَّحَيَـ
ـةٍ﴾.
((بسم الله)) كلمةٌ ما استولت على قلبٍ عارفٍ إلّا تَيَّمته بکشف جلاله، وما
استولت على قلب مُتَأَفِّفٍ إلّا أكرمته بلطف أفضاله ... فهي كلمةٌ قَهَّارةٌ للقلوب ..
ولكن لا لكلِّ قلب، مُذْهَبةٌ للكروب ... ولكن لا لكلِّ كرب.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلُورِ وَكَتَنٍ تَسْطُورٍ فِ رَقْ مَنشُورٍ ﴾ .
أقسم الله بهذه الأشياء (التي في مطلع السورة)، وجواب القَسَم قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ
رَبِّكَ لَوَفِعٌ﴾ . والطورُ هو الجبلُ الذي كُلُّم عليه موسى عليه السلام؛ لأنه مَحَلُّ قَدَم
الأحبابِ وقتَ سماع الخطاب. ولأنه المَوضعُ الذي سَمِعَ فيه موسى ذِكْرَ محمدٍ وَ
وذِكْرَ أُمَّته حتى نادانا ونحن في أصلاب آبائنا فقال: أعطيتكم قبل أن تَسألوني ﴿وَكِنَبِ
نَّسْطُورٍ﴾ مكتوب في المصاحف، وفي اللوح المحفوظ.
وقيل: كتاب الملائكة في السماء يقرؤون منه ما كان وما يكون.
ويقال: ما كتب على نفسه من الرحمة لعباده.
ويقال ما كتب من قوله: ((سبقت رحمتي غضبي)) (١).
ويقال: هو قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِىِ الزُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا ◌ِبَادِىَ
الصََّلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
ويقال: الكتاب المسطور فيه أعمال العباد يُعْطَى لعباده بأَيْمانهم وشمائلهم يوم
القيامة. ﴿فِي رَقِ مَّنثُورٍ﴾(٢) يرجع إلى ما ذكرنا من الكتاب.
﴿وَأَلْبَيْتِ اٌلْمَعْمُورِ﴾ .
(١) أخرجه الحميدي في (المسند ١١٢٦)، وابن أبي عاصم في (السنة ١/ ٢٧٠)، والزبيدي في (إتحاف
السادة المتقين ٥٥٦/٨، ٥٥٨/١٠)، وابن أبي الدنيا في (حسن الظن ١٣) والسيوطي الحلبي في
(الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٩٦).
(٢) الرَّق: الصحيفة البيضاء أو هو ما يُكتب فيه وهو جلد رقيق. وقيل: الرق الصحائف التي تخرج إلى
بني آدم يوم القيامة فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشمال. (لسان العرب ١٢٣/١٠ مادة: رفق).
٢٤١

٢٤٢
تفسير سورة الطور
في السماء الرابعة ويقال: هو قلوب العابدين العارفين المعمورة بمحبته ومعرفته.
ويقال: هي مواضع عباداتهم ومجالس خلواتهم. وقيل: الكعبة .
﴿وَالسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ﴾ .
هي السماء. وقيل سماء حِمَمِهم في الملكوت.
﴿وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ .
البحار المملوءة.
أقسم بهذه الأشياء: ﴿إِنَّ عذابَه لواقع﴾ وعذابُه في الظاهر ما توعَّدَ به عبادَه
العاصين، وفي الباطن الحجابُ بعد الحضور، والسترُ بعد الكشف، والردُّ بعد
القبول.
﴿َّا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ .
إذا رَدَّ عَبْداً أبرمَ القضاءَ بردِّه:
إليه بوجه آخَر - الدهر - تُقْبِلُ
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَلُ مَوْرًا وَتَسِيرُ اَلْجِبَالُ سَبًِّ﴾ .
﴿تَمُورُ﴾: أي تدور بما فيها، وتسير الجبالُ عن أماكنها، فتسير سيراً.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِنَ الَّذِينَ هُمْ فِ خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ .
الويلُ كلمة تقولها العرب لمن وقع في الهلاك.
﴿فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾: في باطل التكذيب يخوضون.
﴿يَوْمَ يُكَُّونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دًَّّا هَذِهِ النَّارُ الَِّى كُنتُم بِهَا تُكَذِبُونَ أَفَِخْرُ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ
لَا نُبْصِرُونَ﴾.
يومَ يُدْفَعون إلى النارِ دَفْعاً، ويقال لهم: هذه هي النار التي كنتم بها
تُكذّبون ...
ثم يسألون: أهذا من قبيل السحر على ما قلتم أم غُطْيَ على أبصاركم؟!
قوله جلّ ذكره: ﴿أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُوَاْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
والصبرُ على الجزاء في العاقبة لا قيمة له، لأنَّ عذابهم عقوبةٌ لهم:
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِ جَتَّتٍ وَنَِّيٍ فَكِينَ بِمَآ ءَائَنْهُمْ رَبُّهُ وَوَقَدْهُمْ رَتُهُمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ .
المتقون في جنات ونعيم عاجلاً وآجلاً. ﴿فَكِهِينَ﴾ أي مُعْجَبِين بما آتاهم ربهم
وما أعطاهم.

٢٤٣
تفسير سورة الطور
ويقال: فاكهون: أي ذوو فاكهة: كقولهم رجل تامر أي ذو تمر، ولابنٌ أي ذو لَبن.
قوله جلّ ذكره: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيْئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
قوم يصير لهم ذلك هنيئاً بطَعْمِه ولَذَّتِهِ، وقومٌ يصير هنيئاً لهم سماعُ قولهم عنه -
سبحانه - هنيئاً، وقوم يصير لهم ذلك هيناً ليّناً وهم بمشهد منه:
مُدامةً في الكؤوس كالشّررِ (١)
فاشرب على وجهها گَغُرَّتِها
﴿مُتَّكِينَ عَى سُرُرٍ فَصْفُوفَّةٍ وَزَقَّحْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ .
يظلّون في سرور وحبور، ونصيب من الأنْس موفور.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُمْ يِيَمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَّهُمْ﴾.
يُكْمِلُ عليهم سرورهم بأَنْ يُلْحِق بهم ذُرِّياتِهم؛ فإنَّ الانفرادَ بالنعمة عَمَّنْ القلبُ
مشتغِلٌ به من الأهل والولد والذرية يوجِب تَنَغص العيش.
وكذلك كلُّ من قلبُ الوليِّ يلاحِظُهِ من صديقٍ وقريب، ووليَّ وخادم، قال
تعالى في قصة يوسف: ﴿وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَحْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣].
وفي هذا المعنى قالوا:
وبكلْ مُتَّصلٍ بها متوسّلٍ
إنيّ على جفواتها - فبربِها
نزلت به وأحب أهل المنزل
لأخْبها، وأُحِبُّ منزلَها الذي
﴿وَمَّ أَنَهُمْ مِنْ عَمَلِهِم ◌ِنْ ثَِّ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ .
أي ما أنقصنا من أجورهم من شيءٍ بل وفينا ووفّرنا. وفي الابتداء نحن أَوْليْنا
وزدنا على ما أعطينا.
﴿كُلُّ أَقْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَمِينٌ﴾ مُطَالَبٌ بعمله، يوفى عليه أَجره بلا تأخير، وإنْ كان
ذنباً فالكثيرُ منه مغفور، كما أنه اليوم مستور.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَمْدَدْنَهُمْ بِفَكِهَذٍ وَلَحٍْ مَِّا يَشْتَهُونَ يَّعُونَ فِهَا كَأْسَا لَا لَغْوٌ فِهَا وَلَا
تَأْثِيرٌ ﴾ .
أي لا يجري بينهم باطلٌ ولا يؤثمهم كما يجري بين الشّربِ(٢) في الدنيا، ولا
يَذْهبُ الشَّرْبُ بعقولهم فيجري بينهم ما يُخْرِجهم عن حَدِّ الأدبِ والاستقامة.
وكيف لا يكون مجلسهم بهذه الصفة ومن المعلوم من يسقيهم، وهم بمشهد منه
وعلى رؤية منه؟.
(١) المُدامة: الخمر، الشرر: ما تطاير من النار، واحدته شررة.
(٢) الشّرْب: القوم يشربون، ويجتمعون على الشراب. (لسان العرب ٤٨٨/١ مادة: شرب).

٢٤٤
تفسير سورة الطور
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ عِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلٌ مَّكْتُونٌ﴾ .
والقومُ عن الدارِ وعمَّن في الدار مُخْتَطَفُون لاستيلاء ما يستغرقهم؛ فالشرابُ
يؤنِسُهم ولكن لا بِمَنْ يجانسهم؛ وإذا كان - اليومَ - للعبد وهو في السجن في طول
عمره ساعةُ امتناع عن سماع خطاب الأغيار، وشهود واحدٍ من المخلوقين - وإنْ كان
ولداً عزيزاً، أو أخاً شفيقاً - فمِنَ المحال أنْ يُظَنّ أنه يُرَدُّ من الأعلى إلى الأدنى ...
إِنْ كان من أهل القبول والجنة، ومن المحال أن يظن أنه يكون غداً موسوماً بالشقاوة.
وإذا كان العبدُ في الدنيا يقاسي في غُرْبتَه من مُقَاساة اللتيا والتي - فماذا يجب أن
يقال إذا رجع إلى منزله؟ أيبقى على ما كان عليه في سفرته؟ أم يلقى غير ما كان
يقاسي في سَفْرته، ويتجرع غير ما كان يُسْقى من كاسات كُزْبته؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَََّّلُونَ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيَّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ
فَمَشَّ اَللَّهُ عَيْنَا وَوَقَلْنَا عَذَابَ السَّمُوْمِ﴾.
لولا أنهم قالوا: ﴿فَمَنَ اَللَّهُ عَلَيْنَا﴾ لكانوا قد لاحظوا إشفاقَهم، ولَكن الحقّ -
سبحانه - اختطفهم عن شُهود إِشفاقهم؛ حيث أَشهدهم مِنَّتَه عليهم حتى قالوا: ﴿فَمَنَّ
اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَتْنَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوَةٌ إِنَّهُ هُوَ أَلْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَذَكِّرْ فَمَّ أَنْتَ بِعْمَتِ رَيِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ .
أي أنهم يعلمون أَنّكَ ليست بك كَهَانةٌ ولا جُنونٌ، وإنما قالوا ذلك على جهة
التسفيه؛ فالسّفيهُ يبسط لسانُه فيمن يَسُبُّه بما يعلم أنه منه بريء.
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَثْرَسُ بِهِ، رَيْبَ آلْعَنُونِ قُلْ تَرَّصَهُواْ فَإِّ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرِّيِّصِينَ﴾ .
نتربص به حوادث الأيام؛ فإنّ مِثْل هذا لا يدوم، وسيموت كما مات مِنْ قبْله
كُهّانٌ وشعراء.
ويقال: قالوا: إنَّ أباه مات شاباً، ورَجَوْا أَنْ يموت كما مات أبوه، فقال تعالى:
﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ ... ) فإننا منتظرون، وجاء في التفسير أَنْ جميعَهم ماتوا. فلا ينبغي
لأحدٍ أن يُؤْمِّلَ موتَ أحدٍ. فَقَلَّ مَنْ تكون هذه صَنعتُه إلَّا سَبَقَتْهِ المَنْيَّةُ - دون أَنْ يُدْرِكَ
ما يتمنّاه مِنْ الأمنيّة.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم بِذَّأْ أَتْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ﴾ .
أتأمرهم عقولهم بهذا؟ أم تحملهم مجاوزة الحدّ في ضلالهم وطغيانهم عَلَى هذا؟
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَقَوَُّ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ قَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ، إِن كَانُواْ صَدِقِينَ﴾.
إذا كانوا يزعمون أنك تقول هذا القول من ذاتٍ نَفْسك فليأتوا بحديثٍ مثلِه إنْ
كانوا صادقين فيما رَمَوْك به!

٢٤٥
تفسير سورة الطُّور
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِفُونَ﴾ .
كلّا ليس الأمرُ كذلك، بل اللَّهُ هو الخالق وهم المخلوقون(١).
أم هم الذين خلقوا السمواتِ والأرضَ؟ ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَابْنُ رَيِّكَ﴾ .
- أي خزائن أرزاقه ومقدوراته؟ ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ المُتَسلِّطون عَلَى الناس؟.
أم لهم سُلّمّ يرتقون فيه فيستمعون ما يجري في السموات؟ ﴿فَيَأْتِ مُسْتَِعُهُمْ
بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ﴾ ثم إنه سفّة أحلامهم فقال:
﴿أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَنْ تَسْئُهُمْ أَبْرًّا فَهُم ◌ِن ◌َّغْرَرٍ مُتْقَلُونَ ﴾ .
أم تسألهم عَلَى تبليغ الرسالة أجراً فهم مثقلون من الغُزم والإلزام في المال
(بحيث يزهدهم ذلك في اتباعك؟).
وَأَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَعُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ذلك؟
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيِّدًا﴾ أي أن يمكروا بك مكراً ﴿فَلِّينَ كَفَرُواْ هُرُ الْمَكِيدُونَ﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِّ﴾ يفعل شيئاً مما يفعل الله؟ تنزيهاً له عن ذلك ! .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يَرَوْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًاً يَقُولُواْ سَحَابٌ غَرَّكُمْ﴾ .
أي إِنْ رأوا قطعةٌ من السماء ساقطةً عليهم قالوا: إنه سحابٌ مركوم رُكم بعضه عَلَى
بعض والمقصود أنهم مهما رَأَوْا من الآيات لا يُؤمِنون. ولو فتحنا عليهم باباً من السماء حتى
شاهدوا بالعين لقالوا: إنما سُكرَتْ أبصارنا، وليس هذا عياناً ولا مشاهدةٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِ عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ
شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُّونَ ﴾ .
أي فأعرض عنهم حتى يُلاقوا يومَهم الذي فيه يموتون، يوم لا يُغْني عنهم
كيدُهم شيئاً، ولا يُمْنَعون من عذابنا .
قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
دونَ يوم القيامة لهم عذابُ القَتْلِ والسّبْىٍ، وما نَزَلَ بهم من الهوان والخزي يوم
بدر وغيره .
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَنَّ اللَّهَ ناصرٌ لدينه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكْرِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ .
أنت بمرأىّ مِنَّا، وفي نصرةٍ منَّا.
(١) الآية (٣٦) لم ترد.

٢٤٦
تفسير سورة الطُّور
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُفِنَآ﴾: في هذا تخفيفٌ عليه وهو يقاسي الصبر.
﴿وَسَيِّعَ بِحَيّدٍ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ .
أي تقوم للصلاةِ المفروضةِ عليك.
﴿وَمِنَ الَّلِ فَسَيِّحْهُ وَإِذَبَرَ النُّجُومِ﴾.
قيل: المغرب والعشاء وركعتا الفجر.
وفي الآيةُ دليل وإشارة إلى أنه أَمَرَه أَنْ يَذْكُرَه في كلٌّ وقت، وألا يخلوَ وقتّ من
ذكره .
والصبرُ لحُكمِ اللَّهِ شديدٌ، ولكن إذا عَرَفَ اطلاعَ الربِّ عليه سَهُلَ عليه ذلك
وهان .

سورة النَّجْم
قوله جلّ ذكره: ﴿إِسْمِ أَللَّهِ الرََّنِ الْجَمِ﴾.
(بسم الله)) اسمُ حليمٌ رحيمٌ، يحلم فيما يعلم، ويستر ما يبصر ويغفر، وعَلَى
العقوبة يقْدِرْ، يَرَى ويُخْفى، ويَعْلم ولا يُنْدِي.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ .
والثريا إذا سقط وغرب. ويقال: هو جِئْسُ النجوم أقسم بها .
ويقال: هي الكواكب. ويقال: أقسم بنجوم القرآن عَلَى النبي ◌َّ ويقال هي
الكواكب التي تُرمَى بها الشياطين.
ويقال أقسم بالنبي ◌َُّ عند مُنَصَرفهِ من المعراج.
ويقال: أقسم بضياء قلوب العارفين ونجوم عقولِ الطالبين .
وجوابُ القسم قوله: ﴿مَا ضَلَ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾: أي ما ضَّلَّ عن التوحيد قط،
﴿وَمَا غَوَى﴾: الغَيُّ: نقيضُ الرُّشد .. وفي هذا تخصيصٌ للنبي ◌َّ حيث تولّى -
سبحانه - الذّبّ عنه فيما رُميَ به، بخلاف ما قال لنوح عليه السلام وأذِنَ له حتى قال:
﴿لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١]، وهود قال: ﴿لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧].
وغير ذلك، وموسى قال لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظْتُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
وقال لنبينا وَّله: ﴿مَا ضَلَ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾: معناه ما ضلَّ صاحبُكم، ولا غَفَلَ عن
الشهود طَرْفَةَ عينٍ .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمُوَّ إِنْ هُوَ إِلَّا رَحْىٌ يُؤْثَى﴾ .
أي ما ينطق بالهوى، وما هذا القرآنُ إلا وحيّ يُوحَى. وفي هذا أيضاً تخصيصٌ
له بالشهادة؛ إذ قال لداود: ﴿فَأَمْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْقِّ وَلَا تَنَّعِ اَلْهَوَى﴾ [ص: ٢٦].
وقال في صفة نبيّا وَّهِ: ﴿وَمَّا يَتَطِقُ عَنِ الْمَوَّ﴾.
﴿ومتى ينطق عن الهوى﴾ وهو في محل النجوى؟ في الظاهر مزمومٌ بِزِمام
التقوى، وفي السرائر في إيواء المولى، مُصَفَّى عن كدورات البشرية، مُرَقَّى إلى شهود
الأَحَدِيةِ، مُكَاشَفٌ بجلالِ الصمدية، مُخْتَطفٌ عنه بالكُلِّيَّة، لم تبقَ منه إلا للحقُ بالحقُّ
بقية ... ومَنْ كان بهذا النعت ... متى ينطق عن الهوى؟
٢٤٧

٢٤٨
تفسير سورة النجم
قوله جلّ ذكره: ﴿عَلَّهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّقِ فَأَسْتَوَى وَهُوَ بِآلْأُمُّ الْأَعْلَ﴾.
أي جبريل عليه السلام. و﴿ذُو مِرَّةِ﴾: أي ذو قوة وهو جبريل. ﴿وَهُوَ بِآلْأُمُِّ
الأَعْلَى﴾ أي جبريل.
﴿ُمَّ دَنَا فَدَلَ فَكَنَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ ﴾ .
دنا جبريلُ من محمدٍ عليه السلام، فتدلَّى جبريلُ: أي نَزَلَ من العُلُوِّ إلى محمد.
وقيل: ((تدلَّى)) تفيد الزيادةَ في القُرْب، وأَنَّ محمداً عليه السلام هو الذي دنا من
ربِّه دُنُوَّ كرامة، وأَنَّ التدلّي هنا معناها السجود.
ويقال: دنا محمدٌ من ربّه بما أُودِعَ من لطائفِ المعرفة وزوائِدها، فتدلَّى بسكون
قلبه إلى ما أدناه.
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾: فكان جبريل - وهو في صورته التي هو عليها - من
محمد ﴾ بحیث کان بينهما قَدْرُ قوسين أو أدنى.
ويقال: كان بينه ــ رَ*ل ـ وبين الله قَدْر قوسين: أراد به دُنُوَّ كرامة لا دُنُوَّ
مسافة .
ويقال: كان من عادتهم إذا أرادوا تحقيقَ الأَلْفَةِ بينهم إِلصاقُ أحدِهم قوسَه
بقوس صاحبه عبارةً عن عقد الموالاة بينهما، وأنزل اللَّهُ - سبحانه - هذا الخطابَ على
مقتضى معهودهم. ثم رفع اللَّهُ هذا فقال: ﴿أَوْ أَدْقَ﴾ أي بل أدنى.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوَى﴾ .
أي أوحى اللَّهُ إلى محمدٍ ما أوحى. ويقال: أَحْمَلَه أحْمَالاً لم يَطَّلِعِ عليها أحدٌ.
ويقال؛ قال له: ألم أجدك يتيماً فآويتُك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتُك؟
أَلم أجدك عائلا فأغنيتك؟ أَلم أشرح لك صدرك؟
ويقال: بشّرَه بالحوض والكوثر.
ويقال: أوحى إليه أَنَّ الجنَّةَ مُحَرَّمةٌ عَلَى الأنبياءِ حتى تدخلها، وعلى الأمم
حتى تدخلها أُمثَّك. والأَوْلَى أن يقال: هذا الذي قالوه كله حَسَنٌ، وغيره مما لم
يَطَّلِعْ أحدٌ ... كله أيضاً كان له في تلك الليلة وحدَه؛ إذ رقَّاه إلى ما رقّاه، ولقّاه
بما لقَّاه، وأدناه حيث لا دنوَّ قبله ولا بعده، وأخذه عنه حيث لا غيرٌ، وأصحاه له
في عين ما محاه عنه، وقال له ما قال ... دون أن يَطْلِعَ أحدٌ على ما كان بينهما
من السُّرِّ .
قوله جلّ ذكره: ﴿مَا كَذَبَ اَلْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ .

٢٤٩
تفسير سورة النجم
ما كذَّبَ فؤادُ محمدٍ وَ ◌ّ ما رآه ببصره من الآيات. وكذلك يقال: رأى ربَّه تلك
الليلة على الوصف الذي عَلِمَه قبل أن يراه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَقُرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾.
أفتجادلونه علی ما یری؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْنَُّغَى عِندَهَا جَنَّةُ الْوَى﴾ .
أي جبريلُ رأى اللَّهَ مرةً أخرى حين كان محمدٌ عند سدرة المنتهى؛ وهي شجرة
في الجنة، وهي منتهى الملائكة، وقيل: تنتهي إليها أرواحُ الشهداء. ويقال: تنتهي
إليها أرواحُ الخَلْقِ، ولا يَعْلم ما وراءها إلا الله تعالى - وعندها ﴿جَنَّةُ الْوَى﴾ وهي جنة
من الجِنان .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ يَغْشَىَ السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ .
يغشاها ما يغشاها من الملائكة ما الله أعلمُ به ..
وفي خبر: ((يغشاها رفرف طير خُضْرٍ».
ويقال: يغشاها فَرَاشٌ من ذَهَبٍ .
ويقال: أُعْطِيَ رسول الله (َّ) عندها خواتيم البقرة، وغُفِرَ لمن مات من أُمَّتِهِ لا
يشرك بالله شيئاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿مَا زَاغَ اَلْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى﴾ .
ما مَالَ - صلوات الله عليه وسلامه - ببصره عمَّا أُبيح له من النظر إلى الآيات،
والاعتبارِ بدلائلها .
فما جَاوَزَ حَدَّه، بل رَاعَى شروطَ الأدبِ في الحَضْرة.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَ﴾ .
أي ((الآية)) الكبرى، وحَذَفَ الآية ... وهي تلك التي رآها في هذه الليلة.
ويقال: هي بقاؤه في حال لقائهِ ربَّه بوصفِ الصَّخرِ، وحَفَظَه حتى رآه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَقْرََّيْتُمُ الَّتَ وَاَلْعُزَّى وَمَنَوَّةَ النَِّئَةَ الْأُخْرَىَ أَلَكُمْ الذُّكُرُ وَلَهُ الْأُنْفَ تِلْكَ
إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَةٌ﴾.
هذه أصنامٌ كانت العرب تعبدها؛ فاللات صنمٌ لثقيف، والعُزَّى شجرةٌ لغطفان،
ومناة صخرة لهذيل وخزاعة .
ومعنى الآية: أَخْبِرونا ... هل لهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله من
القدرة أن تفعل بعائذٍ بها ما فَعَلْنا نحن لمحمدٍ وَّل# من الرُّتب والتخصيص؟.

٢٥٠
تفسير سورة النَّجم
ثم وبَّخَهم فقال: أرأيتم كيف تختارون لأنفسكم البنين وتنسبون البنات إلى الله؟
تلك إذاً قسمةٌ ناقصةٌ!
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمٌَ سَيْتُوهَا أَنتُمْ وَءَابَّا ؤُكُم مَّا أَنَزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَّ إِن
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْرَى الْأَنْفُسُلْ وَلَقَدْ جَّمَهُمْ مِنِ نَتِهِمُ الْمُذَكَ﴾.
أنتم ابتدعتُم هذه الأسماءَ من غير أنْ يكونَ اللَّهُ أَمَركم بهذا، أو أذِن لكم به.
فأنتم تتبعون الظنَّ، ﴿وَإِنَّ الَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحِّ شَيْئًا﴾.
﴿وَلَغَدْ جَآّءَهُمْ مِنِ زَّتِهِمُ الْمُدَّ﴾: فأعرضوا عنه، وكما أنَّ ظنَّ الكفار أوْجبَ لهم
الجهلَ والخَيْرةَ والحُكْمَ بالخطأ - فكذلك في هذه الطريقة: مَنْ عَرَّجَ على أوصاف
الظنِّ لا يَخْظَى بشيءٍ من الحقيقة؛ فليس في هذا الحديث إلا القطعُ والتحقُّق،
فنهارُهم قد مَتَعَ، وشمسُهم قد طلعت، وعلومُهم أكثرها صارت ضرورية .
أمَّا الظنّ الجميلُ بالله فليس من هذا الباب، والتباسُ عاقبةِ الرجلِ عليه ليس
أيضاً من هذه الجملة ذات الظن المعلول في الله، وفي صفاته وأحكامه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمّ لِلْإِنَنِ مَا تَمَنَّ﴾ .
أي ليس للإِنسان ما يتمنَّاه؛ فإنَّه يتمنى طولَ الحياةِ والرفاهيةَ وخِصْبَ
العَيْشِ ... وما لا نهاية له، ولكنَّ أحداً لا يبلغ ذلك بتمامه.
ويقال: ما يتمنَّه الإنسانُ أنْ يرتفعَ مرادُه واجباً في كل شيء - وأَن يَرْتفعَ
مرادُ عَبْدٍ واجباً في كل شيءٍ ليس من صفات الخَلْقِ بل هو الله، الذي له ما
يشاء :
﴿فَلَِّ الْآَخِرَةُ وَالْأُوَلَى﴾ .
له الآخرةُ والأُولى خَلْقاً ومِلْكاً، فهو المَلِكُ المالك صاحبُ المُلْكِ التام. فأمَّا
المخلوقُ فالنقصُ لازِمٌ للكُلُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَكَم مِّنِ مَّلَكِ فِى الْتَّمَوَنِ لَا تُغْنِى شَفَعَنْهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَنْ
يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾.
وهذا ردّ عليهم حيث قالوا: إنَّ الملائكةَ شفعاؤنا عند الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَكَةَ تَسِْيَةَ آلْأُنْقَ وَمَا لَهُ بِهِ، مِنْ
عِلَّ إِن يَبِعُونَ إِلَّا الَِّنُّ وَإِنَّ الَّنَ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئً﴾.
هذه التَّسْمِيةُ من عندهم، وهم لا يتبعون فيها علماً أو تحقيقاً ... بل ظَنَّا -
والظنُّ لا يفيد شيئاً.

٢٥١
تفسير سورة النّجم
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْخَيَوَةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَهُمْ مِّنَ
الْعِلْمَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَهْتَدَى﴾ .
أي أَغْرِض عمَّن أَعرض عن القرآنِ والإيمان به وتدَبُّرٍ معانيه، ولم يُرِدْ إِلا الحياةَ
الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم؛ وإنما رضوا بالدنيا لأنهم لم يعلموا حديث الآخرة،
وإِنَّ ربَّك عليمٌ بالضالْ، عليمٌ بالمهتدِي ... وهو يجازي كلاّ بما يستحق.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ لِيَجْزِئَ اَلَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَنَجْزِىَ
الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَ﴾ .
يجزي الذين أساؤوا بالعقوبات، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَرَ اُلْإِثْمِ وَأَلْفَوَِشَ إِلَّا الََّمَّ﴾ .
الذنوبُ كلُّها كبائر لأنها مخالفةٌ لأمر الله، ولكن بعضَها أكبرُ من بعضٍ. ولا
شيءَ أعظمُ من الشّرك. ﴿ وَأَلْفَوَحِشَ﴾ المعاصي.
﴿إِلَّا اللَّ﴾: تكلموا فيه، وقالوا: إنه استثناء منقطع، واللمم ليس بإثم ولا من
جملة الفواحش.
ويقال: اللهم من جملة الفواحش ولكن فيها اشتباهاً - فأخبر أنه يغفرها.
ويقال: اللمم هو أن يأتيَ المرءُ ذلك ثم يُقْلِعَ عنه بالتوبة .
وقال بعضُ السَّلَفِ: هو الوقعة من الزِّنا تحصل مرةً ثم لا يعود إليها، وكذلك
شرب الخمر، والسرقة ... وغير ذلك، ثم لا يعود إليها.
ويقال: هو أن يهم بالزَّلَّة ثم لا يفعلها.
ويقال: هو النّظَر. ويقال: ما لا حدَّ عليه من المعاصي، وتُكَفِّر عنه الصلوات.
(والأصحُ أنه استثناء منقطع وأن اللمم ليس من جملة المعاصي).
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ رَبِّكَ وَيعُ الْمَغْفِرَةَّ هُوَ أَعْلَهُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ
أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِّكُمْ فَلَا تُزَكُواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّ﴾ .
﴿إِذْ أَشَأَكُ مِّنَ اٌلْأَرْضِ﴾: يعني خَلْقَ آدم.
ويقال: تزكيةُ النَّفْسِ من علامات كَوْنِ المرءِ محجوباً عن الله؛ لأنَّ المجذوب
إلى الغاية والمستغرق في شهود ربُّه لا يُزكي نفسه.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾: لأنه أعلمُ بكم منكم.
ويقال: مَنْ اعتقد أنَّ على البسيطة أحداً شرٌّ منه فهو مُتكبِّرٌ.
ويقال: المسلمُ يجب أنْ يكونَ بحيث يرى كلَّ مسلم خيراً منه: فإن رأى

٢٥٢
تفسير سورة النّجم
شيخاً، قال: هو أكثرُ منّي طاعةً وهو أفضلُ منّي، وإنْ رأى شاباً قال: هو أفضلُ مني
لأنه أقلُّ منّي ذَنْباً .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِلًا وَأَكْتَ﴾ .
أعرض عن الحقِّ، وتصدَّق بالقليل. ﴿وَأَكْدَىّ﴾ أي قطع عطاءَه.
﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَ﴾ .
﴿فَهُوَ يَرَىٌّ﴾: فهو يعلم صِحَّةَ ذلك. يقال: هو المنافق الذي يُعين على الجهاد
قليلاً ثم يقطع ذلك :
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾: فهو يرى حاله في الآخرة؟
﴿أَ لَمْ يُنَّأْ بِمَا، فِىِ صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى رَفََّ ﴾ .
أم لم يُنَبَّأْ هذا الكافرُ بما في صحف موسى، وصحف إبراهيم الذي وفّى؛ أي
أتمَّ ما طُولِبَ به في نَفْسِه ومالِه ووَلدِه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ
يُرَكَ ثُمَّ يُجْزَنُهُ الْجَزَاءَ الْأَوْنَ ﴾ .
الناسُ في سَعْيِهِم مختلفون؛ فَمَنْ كان سعيُّهُ في طلب الدنيا خَسِرت صفقتُه،
ومن كان سعيُهُ في طَلَبِ الجنة ربحت صفقته، ومن كان سعيُّهُ في رياضة نَفْسِه وصل
إلى رضوان الله، ومَنْ كان سعيه في الإرادة شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَه ثم هداه إلى نَفْسِه.
وأمَّا المُذْنِبُ - فإِذا كان سعيُّهُ في طلب غفرانه، ونَدَمِ القلبِ على ما اسودَّ من
ديوانه، فسوف يجد من الله الثوابَ والقربة والكرامة والزلفة.
ومَنْ كان سَعْيُه فيْ عَدِّ أنفاسِه مع الله؛ لا يُعَرِّج على تقصِير، ولا يُفَرِّط في
مأمور فسيرى جزاءَ سَعْيهِ مشكوراً في الدنيا والآخرة، ثم يشكره بأَنْ يُخاطِبَه في ذلك
المعنى بإِسماعهِ كلامَه من غير واسطة: عبدي، سَعْيُك مشكور، عبدي، ذَنْبُكَ
مغفور .
﴿ثُمَّ يُجْزَنُهُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَى﴾ : هو الجزاءُ الأكبرُ والأَجَلُّ، جزاءٌ غير مقطوعٍ ولا
ممنوعٍ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَّهَى﴾ .
إليه المرجعُ والمصيرُ، فابتداءُ الأشياءِ من الله خَلْقاً، وانتهاءُ الأشياءِ إلى الله
مصيراً.
ويقال: إذا انتهى الكلامُ إلى اللَّهِ تعالى فاسْكُتُوا.

٢٥٣
تفسير سورة النجم
ويقال: إذا وَصَلَ العبدُ إلى معرفةِ الله فليس بعدَه شيءٌ إلا ألطافاً من مالٍ أو منالٍ
أو تحقيق آمالٍ أو أحوالٍ ... يُجريها على مرادِه - وهي حظوظٌ للعباد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَّمُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَ﴾ .
أراد به الضحك والبكاء المتعارف عليهما بين الناس؛ فهو الذي يُجْرِيه ويَخْلُقُه .
ويقال: أضحك الأرضَ بالنباتِ، وأبكى السماءَ بالمطرِ.
ويقال: أضحك أهلَ الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار.
ويقال: أضحك المؤمنَ في الآخرة وأبكاه في الدنيا، وأضحك الكافرَ في الدنيا
وأبكاه في الآخرة.
ويقال: أضحكهم في الظاهر، وأبكاهم بقلوبهم.
ويقال: أضحك المؤمنَ في الآخرة بغفرانه، وأبكى الكافرَ بهوانه .
ويقال: أضحك قلوبَ العارِفِين بالرضا، وأبكى عيونهم بخوف الفراق.
ويقال: أضحكهم برحمته، وأبكى الأعداء بسخطه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَّمُ هُوَ أَمَاتَ وَأَعْيَا﴾ .
أماته في الدنيا، وأحياه في القبر؛ فالقبر إما للراحة وإما للإحساس بالعقوبة.
ويقال: أماته في الدنيا، وأحياه في الحشر.
ويقال: أمات نفوسَ الزاهدين بالمجاهدة، وأحيا قلوبَ العارفين بالمشاهدة.
ويقال: أمات نفوسَهم بالمعاملات، وأحيا قلوبهم بالمواصلات.
ويقال: أماتها بالهيبة، وأحياها بالأُنُس.
ويقال: بالاستتار، والتجلّي.
ويقال: بالإعراض عنه، والإقبال عليه.
ويقال: بالطاعة، والمعصية .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَُّ خَلَقَ الَزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَآلْأُنَى﴾ .
سماهما زوجين لازدواجهما عند خلقهما من النُّطْفة(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَُّ هُوَ أَغْفَى وَأَقْنَ﴾ .
﴿أَغْنَى﴾: أعطى الغِنَى، ﴿وَأَقْنَى﴾: أكثر القنية أي المال. وقيل ﴿وَأَقْنَ﴾: أي
أحوجه إلى المال - فعلى هذا يكون المعنى: أنه خَلَقَ الغِنَى والفقر.
ويقال: ﴿وَأَقْنَى﴾ أي أرضاه بما أعطاه.
ويقال: ﴿أَعْنَى﴾ أي أقنع، ﴿وَأَقْنَ﴾: أي أرضى.
(١) الآيتان (٤٦، ٤٧) لم تردا.

٢٥٤
تفسير سورة النّجم
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ .
(الشّعرى: كوكبٌ يطلع بعد الجوزاء (١) في شدة الحر، وكانت خزاعة تعبدها
فَأَعْلَمَ اللَّهُ أنه ربُّ معبودهم هذا).
﴿وَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا أَلْأُوْلَى وَثَمُودَا فَآَ أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلٌّ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَنْلَمَ وَأَظْنَى﴾ .
عاد الأولى هم قوم هود، وعاد الأخرى هي إرم ذات العماد، كما أهلك ثموداً
فما أبقى منهم أحداً. وأهْلَكَ مِنْ قَبْلِهم قومَ نوحِ الذين كانوا أظلمَ من غيرهم وأغوى
لِطُولٍ أعمارهم، وقوة أجسادهم.
﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى فَتَّنْهَا مَا غَتَّى﴾ .
أي المخسوف بها، وهي قرى قوم لوط، قَلَبَها جبريل عليهم، فهي مقلوبة
معكوسة .
وقوله: ﴿أَهْوَى﴾ أي: أسقطها اللَّهُ إلى الأرض بعدما اقتلعها من أصلها، ثم
عَكَسَها وألقاها في الأرض، فغشاها ما غشاها من العذاب.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَقِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَرَى﴾ .
فبأي آلاء ربك - أيها الإنسان - تتشكك؟ وقد ذكر هذا بعد ما عدَّ إنعامَه عليهم
وإحسانَه إليهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَ﴾ .
هو محمد ◌َّ﴾، أرسلناه نذيراً كما أرسلنا الرُّسُلَ الآخرين.
﴿أَزِفَتِ الْأَزِقَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الَّهِ كَشِفَةُ ﴾ .
أي قَرُبَت القيامة. ولا يقدر أحدٌ على إقامتها إلا الله، وإذا أقامها فلا يقدر أحدٌ
على ردِّها وكَشْفِها إلا الله .
ويقال: إذا قامت قيامة هذه الطائفة - اليومَ - فليس لها كاشفٌ غيره. وقيامتُهم
تقوم في اليوم غيرَ مَرَّةٍ. تقوم بالهَجْرِ والنَّوى والفراق.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ .
أفمن هذا القرآن تعجبون، وتكونون في شكّ، وتستهزئون؟
﴿وَأَنْ سَيِدُونَ﴾ : أي لاهون ..
فَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾: فاسجدوا لله ولا تعبدوا سواه.
(١) الجوزاء: أحد بروج السماء. ونطاق الجوزاء: ثلاثة نجوم نيرة مصطفة في وسط الجوزاء.
١
.

سورة القمر
قوله جلّ ذكره: ﴿ يَسْمِ أَلَّهِ الرََّنِ الرَّ
(بسم الله): كلمة بها نور القلوب والأبصار، وبعرفانها يحصل سرورُ الأرواح
والأسرار. كلمة تدلّ على جلاله - الذي هو استحقاقه لأوصافه. كلمة تدل على نعته
الذي هو غاية أفضاله وألطافه.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
أجمع أهلُ التفسير على أنَّ القمرَ قد انشقَّ على عهد الرسول وصله.
قال ابن مسعود (١): ((رأيت حراء بين فلقتي القمر)(٢) ولم يوجد لابن مسعود
مخالف في ذلك؛ فقد روي أيضاً عن أنس (٣) وابن عمر(٤) وحذيفة(٥) وابن عباس(٦)
وجبير بن مطعم(٧) .. كلهم رووا هذا الخبر.
(١) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ( ...- ٣٢ هـ =٠٠٠ - ٦٥٣°م) أبو عبد
الرحمن، صحابي. من أكابرهم، فضلاً وعقلاً، وقرباً من رسول الله لر وهو من أهل مكة، ومن
السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة. وكان خادم رسول الله الأمين وصاحب
سره. ورفيقه في حله وترحاله وغزواته. وولي بعد وفاة الني وي بيت مال الكوفة ثم قدم المدينة
في خلافة عثمان فتوفي فيها عن نحو ستين عاماً.
الأعلام ١٣٧/٤، والإصابة ت٤٩٥٥، وغاية النهاية ٤٥٨/١، وحلية الأولياء ١٢٤/١.
(٢) هناك روايات أخرى للحديث: ((إذا انفلق، انشق، فانشق القمر على عهد رسول الله * فرقتين
أو فلقتين ... )) أخرجه مسلم (منافقين ٤٤، ٤٥)، والترمذي (تفسير سورة ٥٤، ١)، وأحمد بن
حنبل ١، ٤٤٧.
(٣) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري (١٠ ق هـ - ٩٣ هـ = ٦١٢
- ٧١٢م) أبو ثمامة أو أبو حمزة. صاحب رسول الله خير وخادمه. روى عنه رجال الحديث ٢٢٨٦
حديثاً مولده بالمدينة وأسلم صغيراً وخدم النبي # إلى أن قبض. ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى
البصرة، فمات فيها. وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة .
الأعلام ٢٤/٢، ٢٥، وطبقات ابن سعد ٧/ ١٠، وصفة الصفوة ٢٩٨/١، وتهذيب ابن عساكر ١٣٩/٣.
(٤) انظر ترجمته في الأعلام ١٠٨/٤، والإصابة ت٤٨٢٥، وحلية ٢٩٢/١، وصفة الصفوة ٢٢٨/١.
(٥) انظر ترجمته في الأعلام ٢/ ١٧١، وتهذيب التهذيب ٢١٩/٢، وحلية ٢٧٠/١، وصفة الصفوة ٢٤٩/١.
(٦) انظر ترجمته في الأعلام ٤/ ٩٥، وصفة الصفوة ٣١٤/١، وحلية ٣١٤/١، والإصابة ت ٤٧٧٢.
(٧) هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي (٠٠٠-٥٩ هـ =٠٠٠ -٦٧٩م) أبو عدي
صحابي، كان من علماء قريش وسادتهم. توفي بالمدينة. وعده الجاحظ من كبار النسابين. له ٦٠ حديثاً . =
٢٥٥

٢٥٦
تفسير سورة القمر
وفيه إعجازٌ من وجهين: أحدهما رؤية مَنْ رأى ذلك، والثاني خفاء مثل ذلك
على مَنْ لم يَرَه؛ لأنه لا ينكتم مثله في العادة فإذا خفي كان نقض العادة.
وأهل مكة رأوا ذلك، وقالوا: إنَّ محمداً قد سحر القمر.
ومعنى ﴿أَقْتَبَتِ السَّاعَةُ﴾: أي ما بقي من الزمانِ إلى القيامةِ إلا قليلٌ بالإضافةِ
إلى ما مضى.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِخْرٌ مُسْتَمِرٌ وَكَذَّبُواْ وَأَنَّبَعُوَا
أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌ﴾.
يعني أن أهل مكة إذا رأوا آية من الآيات أعرضوا عن النظر فيها، ولو نظروا
لحصل لهم العلمُ واجباً .
﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾: أي دائمٌ قويٍّ شديد .. ويقال إنهم قالوا: هذا ذاهب لا تبقى
مدته فاستمر: أي ذهب.
﴿وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمَّ﴾: التكذيب واتباع الهوى قريبان؛ فإِذا حَصَل اتباعُ
الهوى فمِنْ شُؤْمِه يحصل التكذيب؛ لأنَّ اللَّهَ يُلَبُس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر
الرشد .
أما اتباع الرضا فمقرونٌ بالتصديق؛ لأنَّ اللَّهَ ببركاتِ اتباع الحقِّ يفتح عينَ
البصيرة فيحصل التصديق.
وكلُّ امرىءٍ جَرَتْ له القِسْمَةُ والتقدير فلا محالةَ. يستقر له حصولُ ما قُسِمَ وقدْر
له .
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَفِرُّ﴾: يستقر عملُ المؤمنِ فتُوجَبُ له الجنة، ويستقر عملُ
الكافرِ فَيُجَازَی .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ جَلَّهُم ◌ِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ حِكْمَةٌ بَلِفَةٌ فَمَا تُنْنٍ
اُلتُّذُرُ ﴾ .
جاءهم من أخبارِ الأنبياءِ والأمم الذين مِنْ قَبْلهِم والأزمنةِ الماضية ما يجب أَنْ
يحصلَ به الارتداعُ، ولكنَّ الحقَّ - سبحانه - أَسْبَلَ على بصائرهم سُجُوف(١) الجهلِ
فَعَموا عن مواضع الرشد.
﴿حِكْمَةٌ بَلِغَّةٌ .. ﴾: بدل من (ما) فيما سبق: (ما فيه مزدجر).
= الأعلام ١١٢/٢، والإصابة ٢٣٥/١ وفيه: مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين.
(١) السجوف: (ج) السجف: أحد السترين المقرونين بينهما فرجة.

٢٥٧
تفسير سورة القمر
والحكمة البالغة هي الصحيحة الظاهرة الواضحة لمن تفكّر فيها.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾: وأي شيء يغني إنذارُ النذيرِ وقد سَبَقَ التقديرُ لهم بالشقاء؟
قوله جلّ ذكره: ﴿فَنَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الذَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعًا أَبَصَرُهُمْ﴾.
﴿فَتَوَلَ عَنْهُمُ﴾: ها هنا تمام الكلام - أي فأعرِضْ عنهم، وهذا قبل الأمر
بالقتال. ثم استأنف الكلامَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الذَّاعِ .. ﴾ والجواب: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَمْدَاثِ﴾ -
أراد به يوم القيامة .
ومعنى ﴿ذُّكُرٍ﴾: أي شيءٌ ينكرونه (بِهَوْله وفظاعته) (١) وهو يوم البعث
والحشر .
وقوله: ﴿خُشَّعًا) منصوب على الحال، أي يخرجون من الأجداث - وهي القبور -
خاشعي الأبصار.
﴿ ... كَهُمْ جَدْ مُكَثِيرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى النََّعُ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَبِرٌ﴾ .
كأنهم كالجراد لكثرتهم وتفرقهم، ﴿مُهْطِعِينَ﴾: أي مُديمي النظر إلى الداعي -
وهو إسْرافيل.
﴿يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عِيرٌ﴾: لتوالي الشدائد التي فيه.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُواْ بَحْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ فَدَعَا رَبّهُ: أَنِى
مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَاً أَبَوَبَ السَّمَآءِ يٍِّ مُّنْهَِرٍ ﴾ .
"كذب قوم نوح نبيَّهم، وقالوا: إنه مجنون، وزجروه وشتموه.
وقيل: ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾: أي استطار عَقْلهُ، أي قومُ نوحٍ قالوا له ذلك.
فدعا ربَّه فقال: إِني مغلوب؛ أي بتسلْطِ قومي عليَّ؛ فلم يكن مغلوباً بالحُجَّة
لأنَّ الحُجَّةَ كانت عليهم، فقال نوح لله: اللهمَّ فانتَصِرْ منهم أي انْتَقِمْ.
ففتحنا أبواب السماء بماءٍ مُنْصَبٌ، وشَقَقْنَا عيوناً بالماء، فالتقي ماء السماءِ وماءُ
الأرضِ على أمرٍ قد قُدِرَ في اللوح المحفوظ، وقُدِرَ علیه بإهلاكهم!
وفي التفاسير: أن الماء الذي نَبَعَ من الأرضِ نَضَبَ. والماء الذي نزل من
السماء هو البخارُ اليومَ.
﴿ وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَجٍ وَدُسُرٍ﴾ .
وحملنا نوحاً على ﴿ذَاتِ أَلْوَج﴾ أي سفينة، ﴿وَدُسُرٍ﴾ يعني المسامير وهي جمع
دسار أي مسمار.
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.

٢٥٨
تفسير سورة القمر
وَتَحْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَّاءَ لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ .
پأعيُنَا﴾ : أي بمرأَى مِنّا. وقيل: تجري بأوليائنا.
ويقال: بأعين ملائكتنا الذين وكلناهم لحفظهم.
ويقال: بأعين الماء الذي أنبعتاه من أوجه الأرض.
﴿جَزَآءَ لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: أي الذين كفروا بنوح.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَد تَرَّكِّنَهَا مَايَّةٌ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرِ﴾ .
جعلنا أَمْرَ السفينةِ علامةٌ بَيْنَةً لِمَنْ يعتبر بها .
﴿فَهَلْ مِن ◌ُذَّكِرٍ﴾: فهل منكم من يعتبر؟. أمَرَهم بالاعتبار بها.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَكَفَ كَانَ عَذَابٍ وَنُذُرٍ﴾ .
قالها على جهة التعظيم لأمرِه.
وقد ذَكَرَ قصة نوحِ هنا على أفصحِ بيانٍ وأقصرٍ كلام وأَتَمِّ معنَى.
وكان نوحٍ - عليه السلام - أطولَ الأنبياء عمراً، وَأَشّذَّهم للبلاءِ مقاساةٌ.
ثم إن اللَّهَ - سبحانه - لما نَجَّى نوحاً مثَّعه بعد هلاك قومه ومتع أولادَه، فكلُّ
مَنْ على وجه الأرض من أولاد نوح عليه السلام. وفي هذا قوةٌ لرجاء أهل الدين، إذا
لقوا في دين الله محنةً؛ فإنَّ الله يُهَلِكُ - عن قريب - عَدوَّهم، ويُمكِّنُهم من ديارهم
وبلادهم، ويورثهم ما كان إليهم.
وكذلك كانت قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، وسنةُ اللَّهِ في جميع
أهل الضلال أن يُعِزَّ أولياءه بعد أن يزهق أعداءه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذُّكِرٍ﴾ .
يَسَّرنا قراءَتَه على ألسنةِ الناسِ، ويسَّرنا عِلْمِه على قلوبٍ قوم، وِيسَّرْنا فَهْمَه على
قلوب قوم، ويَسَّرْنا حِفْظَه على قلوبٍ قومٍ، وكلُّهم أهلُ القرآن، وكلُّهم أهلُ القرآن،
وكلُّهم أهلّ الله وخاصته.
ويقال: كاشَفَ الأرواحَ من قوم - بالقرآن - قبل إدخالها في الأجساد.
﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ لهذا العهد الذيّ جرى لنا معه.
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُّذُرٍ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلِمْ رِيِّمًا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ
نَحْسِ تُسْتَعٍِّ تَرِيعُ النَّاسَ كَأَنَهُمْ أَعْبَازُ نَعْلٍ تُنْفَعِرٍ﴾ .
كَذَّبوا هوداً، فأرسلنا عليهم ﴿رِيْمًا صَرْصَرًا﴾ أي: باردةً شديدة الهُبوب، يُسْمَعُ لها
صوت .
﴿فِ يَوْمٍ نَخْسٍ مُسْتَمِرٍ﴾ أي: في يوم شؤم استمرَّ فيه العذابُ بهم، ودام ذلك فيهم

٢٥٩
تفسير سورة القمر
ثمانيةً أيام وسَبْعَ ليالٍ، وقيل: دائم الشؤم تنزع رياحُه الناسَ عن حُفَرِهم التي حفروها
حتى صاروا كأنهم أسافلُ نخلٍ مُنْقَطِع. وقيل: كانت الريح تقتلع رؤوسهم عن مناكبهم
ثم تُلْقي بهم كأنهم أصول نخلٍ قطعتْ رؤوسُها .
﴿وَلَقَدْ يَرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ .
هَوَّنا قراءَتَه وحِفْظَه؛ فليس كتابٌ من كُتُبِ الله تعالى يُقْرَأُ ظاهراً إلَّ القرآن.
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُواْ أَبْرًا مِنَّا وَزِدًا نَّكَّعُ: إِنَّا إِذَا لَّفِى ضََلٍ وَسُعُرٍ ﴾ .
هم قوم صالح. وقد مضى القولُ فيه، وما كان من عقرهم للناقة .. إلى أن
أرسل الله عليهم صيحةً واحدةً أوجبت هذا الهلاك، فَصِيَّرَهم كالهشيم، وهو اليابس
من النبات، ﴿اَلْمُخَظِرِ﴾: أي: المجعول في الحظيرة، أو الحاصل في الحظيرة(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّدُرِ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَّهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ نََّيْتَهُمْ بِسَحَرٍ
نِعْمَةُ مِنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ ﴾ .
فأرسلنا عليهم ﴿حَاصِبًا﴾: أي: حجارةً رُمُوا بها.
﴿كَذَلِكَ تَجْرِى مَن شَكَرَ﴾: أي: جعلنا إنجاءَهم في إهلاك أعدائهم.
وهكذا نجزي من شكر؛ فمثل هذا نعامِلُ به مَن شَكَرَ نعمتنا.
والشُّكْرُ على نِعَم الدفع أتمُّ من الشكر على نِعَم النفع - ولا يَعْرِفُ ذلك إلا كلُّ
مُوَفَقَ كَيِّس(٢).
﴿فَطَمَسْنَاْ أَعْنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرٍ﴾ .
جاء جبريلُ ومَسَحَ بجناحه عَلَى وجوههم فَعِمُوا، ولم يهتدوا للخروج - وكذلك
أجرى سُنَّتَه في أوليائه أنْ يَطْمِسَ على قلوبِ أعدائهم حتى يلبس عليهم كيف يؤذون
أولياءَه ثم يُخَلْصُهم من كيدهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿سَيُّهْزَمُ لْجَمْعُ وَيُولُونَ الدُّبُرَ﴾ .
أخبر أنه يفعل هذا بأعداء الرسول وَ﴾، وحقَّق ذلك يوم بدر، فصار ذلك
معجزاته صلوات الله عليه وسلامه.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ يُتْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَتََّ سَفَرَ﴾ .
سَخْبُهم على الوجوهِ أمارةٌ لإذْلالهم، ولو كان ذلك مرةً واحدةً لكانت عظيمة -
فكيف وهو التأبيد والتخليد؟!
وكما أنّ أمارةَ الذُّلُ تظهر على وجوههم فعلامةُ إعزازِ المؤمنين وإكرامهم تظهر
(١) الآيات من (٢٥ حتى ٣٢) غير موجودة.
(٢) الآية (٣٦) لم ترد.

٢٦٠.
تفسير سورة القمر
على وجوههم، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةً﴾ [القيامة: ٢٢]. وقال: ﴿تَعْرِفُ فِى
وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ التَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤].
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ﴾ .
أي ◌ِقَدَرٍ مكتوب في اللوح المحفوظ.
ويقال: خلقناه بقدر ما عَلِمْنا وأردنا وأخبرنا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَّا أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ﴾.
أي إذا أردنا خَلْقَ شيءٍ لا يتعسَّرُ ولا يتعَذَّرُ علينا، نقول له: كُنْ - فيكون
بقدرتنا. ولا يقتضي هذا استئناف قولٍ في ذلك الوقت ولكن استحقاق أن يقال لقوله
القدم أن يكون أمراً لذلك المكون إنما يحصل في ذلك الوقت.
﴿ كَلَمَجِ بِالْبَصَرِ﴾: أي كما أن هذا القَدْرَ عندكم أي قَدْرَ ما يلمح أحدُكم ببصره
لا تلحقكم به مشقةٌ - كذلك عندنا: إذا أردنا نخلق شيئاً - قلّ أو كَثُرَ، صَغُرَ أو كَبُرَ -
لا تلحقنا فيه مشقة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ﴾ .
أي أهلكنا القرونَ التي كانت قبلكم فكلُّهم أمثالكم من بني آدم ...
﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ﴾ .
في اللوح المحفوظ مكتوبٌ قبل أن يعمله. وفي صحيفة الملائكة مكتوب. لا
يغادر صغيرة ولا كبيرةً إلا أحصاها ..
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ﴾ .
كلُّ صغيرٍ من الخَلْقِ، وكلُّ كبيرٍ من الخَلْقِ - تخترمه المنيَّةُ .
ويقال: كلُّ صغيرٍ من الأعمال وكبيرٍ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، وفي ديوان
الملائكة .
وتعريف الناس عما يكتبه الملائكة هو على جهة التخويف؛ لئلا يتجاسر العبدُ
على الزَّلَّةِ إذا عرف المحاسبة عليها والمطالبة بها.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّ الْتَّقِينَ فِى جَثَّتٍ وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ ﴾ .
لهم بساتين وأنهار، والجمعُ إذا قوبل بالجمع فالآحادُ تُقَابَلُ بالآحاد.
فظاهرُ هذا الخطاب يقتضي أن يكون لكل واحدٍ من المتقين جنةٌ ونَهْرٌ.
﴿فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ﴾: أي في مجلس صِدْقٍ.
﴿عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ﴾: أراد به عِنْديَّةَ القُرْبة والزلفة.