Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
تفسير سورة الحجرات
﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَأَلْمِصْيَانُّ﴾: هذا من تلوين الخطاب.
وفي الآية دليلٌ على صحة قول أهل الحقِّ في القَدَر، وتخصيص المؤمنين
بألطافٍ لا يشترك فيها الكفارُ. ولولا أنَّه يوفِّر الدواعي للطاعات لَحَصَلَ التفريط
والتقصير في العبادات.
﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ﴾: أي فَعَلَ هذا بكم فضلاً منه ورحمةٌ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ
مکِیمٌ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن ◌َاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَأْ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا
عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَّفِيََّ إِلَى أَمْرِ أَّوْ فَإِ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
تدل الآية على أن المؤمن بفسقه - والفسق دون الكفر - لا يخرج عن الإيمان
لأن إحدى الطائفتين - لا محالة - فاسقة إذا اقتتلا .
وتدل الآية على وجوب نصرة المظلوم؛ حيث قال: ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنهُمَا عَلَى
اُلْأُخْرَى﴾ .
والإشارة فيه: أن النفس إذا ظَلَمتْ القلب بدعائه إلى شهواتها، واشتغالها في
فسادها فيجب أن يقاتلها حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة. فإن استجابت إلى
الطاعة يُعْفَى عنها لأنها هي المطيَّةُ إلى باب الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَمْبِحُواْ بَيْنَ أَخَوَبَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
إيقاعُ الصلح بين المتخاصمين مِنْ أوْكَد عزائم الدِّين.
وإذا كان ذلك واجباً فإنه يدل على عِظَم وِزْرِ الواشي والنَّمام؛ والمَصْدَرِ في
إفساد ذات البَيْن .
(ويقال إنما يتم ذلك بتسوية القلب مع الله فإن الله إذا علم صِدْق هِمةِ عبدٍ في
إصلاح ذات البين) فإنه يرفع عنهم تلك العصبيّة .
فأما شرط الأخوة: فَمِنْ حقِّ الأُخُوةِ في الدِّين ألا تُخرِجَ أخاك إلى الاستعانة بك
أو التماس النصرة عنك، وألا تُقصِّرَ في تَفَقُّدِ أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته
فيحتاج إلى مساءلتك .
ومن حقُّه ألا تُلْجِئَه إلى الاعتذار لك بل تبسط عُذْرَه؛ فإنْ أُشْكِلَ عليكَ وَجْهُه عُذْت
باللائمة على نفسك في خفاء عُذْرِهِ عليك ومن حقه أنْ تتوبَ عنه إذا أذْنَبَ، وتَعودَه إذا
مرض. وإذا أشار عليك بشيءٍ فلا تُطَالِيْه بالدليل عليه وإبراز الحُجَّة - كما قالوا:
لأيَّةِ حَزبٍ أم لأي مكان
إذا اسْتُنْجِدُوا لم يسألوا مَنْ دعاهم

٢٢٢
تفسير سورة الحجرات
ومِنْ حقٌّه أَنْ تَحفظَ عَهْدَه القديم، وأَنْ تُراعِيَ حقَّه في أهله المتصلين به في
المشهد والمغيب، وفي حال الحياة وبعد الممات - كما قيل:
منصفاً كُنْتَ منصفا
وخليل إن لم يكن
ين وكُن مـلاطفـا
تستحسَّى له الأمرَّ
ـتَ رضَى لا تكلُّفا
إنْ يَقُل لكَ استوِ احترفْـ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنِ قَوْمٍ عَسَقَ أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَ
نِسَاءٌ مِّن نِسَآءٍ عَوْ أَن يَكُنَّ خَيْرٌ مِنْهُنَّ وَلَا نَلْمِزَوْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا نَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِ، بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ
بَعْدَ أَلْإِيمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُّبْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ .
نهى اللَّهُ - سبحانه وتعالى - عن ازدراءِ الناس، وعن الغَيْبَةِ، وعن الاستهانةِ
بالحقوق، وعن تَرْكِ الاحترام.
﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أي لا يَعِيبَنَّ بعضكم بعضاً، كقوله: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾
[النساء: ٢٩].
ويقال: ما استصغر أحدٌ أحداً إلا سُلْطَ عليه. ولا ينبغي أن يُعْتَبَر بظاهر أحوال
الناس فإنَّ في الزوايا خبايا. والحقُّ يستر أولياءَه في حجابِ الضّعَة (١)؛ وقد جاء في
الخبر :
(رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤْبَهُ له لو أقسم على الله لأَبَرَّه))(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَّبُواْ كَثِيرً مِّنَ النَّنِ إِنَ بَعْضَ الَِّنِ إِنْ وَلَا نَتَسُواْ
وَلَا يَغْتَبِ بَّعْضُكُم بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُةُ، وَأَنَّقُواْ أَهَّ إِنَّ اللَّهَ
تَوَّابٌ رَّحِمٌ﴾ .
النَّفْسُ لا تَصْدُقُ، والقلبُ لا يَكْذِبُ. والتمييز بين النفس والقلب مُشْكِلٌ ومَنْ
بَقِيَتْ عليه من حظوظه بقيَّةٌ - وإنْ قَلَّتْ - فليس له أن يَدَّعى بيانَ القلب بل هو بنفسه
ما دام عليه شيءٌ من نَفْسِه، ويجب أن يَتَّهِمَ نَفْسَهُ في كل ما يقع له من نقصان غيره ..
هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يخطب. ((كلُّ الناس أفقهُ
من عمر .. أمرأةٌ أفقهُ من عمر)) .
﴿وَلَا تَجْتَسُواْ﴾. والعارف لا يتفرغ من شهود الحقُّ إلى شهود الخَلْق .. فكيف
(١) الضَّعة: خلاف الرقعة في القدر. (لسان العرب ٣٩٧/٨ مادة: وضع).
(٢) أخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد ٢٦٤/١٠)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٣٤/٨،
٢٣٥)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٢٠٣/٣).

٢٢٣
تفسير سورة الحجرات
يتفرغ إلى تجَسُّسٍ أحوالهم؟ وهو لا يتفرغ إلى نَفْسِه فكيف إلى غيره؟ ﴿وَلَا يَغْتَب
تَعْضُكُم بَعْضًا﴾: لا تحصل الغيبة للخَلقِ إلَّا من الغيبةِ عن الحقُّ.
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ جاء في التفسير أن المقصود بذلك
الغيبة، وعلى ذلك يدل ظاهر الآية. وأَخَسُ الكفّار وأَقَلُّهم قَدْراً مَنْ يأكل الميتةَ ..
وعزيزٌ رؤيةُ مَنْ لا يغتاب أحداً بين يديك.
قوله جلّ. ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُمْ مِنِ ذَّكَرٍ وَأَنْغَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَّأَ
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ إِنَّ اللَّهُ عَلَيُ خِيرٌ﴾ .
إنَّا خلقناكم أجمعكم من آدمَ وحواء، ثم جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا لا
لتُكَاثروا ولا لتنافسوا. فإذا كانت الأصولُ تربةً ونطفةً وعَلَقَةً .. فالتفاخر بماذا؟ أبا
لحماً المسنون؟(١) أم بالنطفة في قرار مكين؟ أم بما ينطوي عليه ظاهرك مما تعرفه؟!
وقد قيل :
فانْظُروا بَعْدَنا إلى الآثارِ
إن آثارَنا تَدُل علينا
أم بأفعالك التي هي بالرياء مَشُوبة؟ أم بأحوالك التي هي بالإعجاب مصحوبة؟
أم بمعاملاتك التي هي ملأى بالخيانة؟
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾؟ أتقاكم أي أَبْعَدكم عِن نَفْسِه، فالتقوى هي
التحرُّر من النفس وأطماعها وحظوظها. فأكرمُ العبادِ عند اللَّهِ مَنْ كان أَبْعد عن نَفْسِه
وأَقرَبَ إلى الله تعالى.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتِ آلْأَعْرَبُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ .
الإيمانُ هو حياة القلب، والقلب لا يحيا إلا بعد ذَبْح النّفس، والنفوسُ لا
تموت ولكنها تغيب، ومع حضورها لا يَتمُّ خيرٌ، والاستسلامُ في الظاهر إسلام.
وليس كلُّ مَنْ استسلَمَ ظاهراً مخلصٌ في سِرِّه.
﴿وَلَّا يَدْخُلِ آلْإِيَمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ .
في هذا دليلٌ على أن محلَّ الإيمانِ القلبُ. كما أنه في وصف المنافقين قال
تعالى: ﴿فِ قُلُوبِهِم ◌َرَنٌ﴾ [البقرة: ١٠] ومَرَضُ القلبِ والإيمانُ ضدان.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾.
جَعَلَ اللَّهُ الإيمانَ مشروطاً بخصالٍ ذَكَرَها، ونَصَّ عليها بلفظ ﴿إِنَّمَا﴾ وهي
(١) الحمأة والحما: الطين الأسود المنتن. (لسان العرب ٦١/١ مادة: حماً).

٢٢٤
تفسير سورة الحجرات
للتحقيق الذي يقتضي طَرْدَ العَكْسِ؛ فَمَنْ خَرَج عن هذه الشرائط التي جَعَلَها للإِيمان
فمردودٌ علیه قَوْلُه.
والإيمانُ يوجِبُ للعبد الأَمان، فما لم يكن الإيمان موجِباً للأَمانِ فصاحبُه بغيره
أَوْلَی .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ أَتُعَلِمُونَ اللَّهَ يِدِينِكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
تدل الآية على أَنَّ الوقوف في المسائل الدينية يُعْتَبرُ واجباً؛ فالأسامي منه تُؤْخَذ،
والأحكامُ منه تُطْلَب، وأوامره مُتَّبعة.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَعُنُواْ عَلَىَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ
هَدَفَكُمْ لِلْإِبِمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ .
مَنْ لاحظ شيئاً من أعماله وأحواله فإنْ رآها مِنْ نَفْسه كان شِرْكاً، وإنْ رآها لنفسه
كان مكراً فكيف يمن العبد بما هو شِرْكٌ أو بما هو مكر؟!
والذي يجب عليه قبول المِنَّة .. كيف يرى لنفسه على غيره مِنَّة؟! هذا لعمري
فضيحة! بل المِنَّةُ الله؛ فهو وليُّ النعمة. ولا تكون المنةُ منةٌ إلا إذا كان العبدُ صادقاً في
حاله، فأمَّا إذا كان معلولاً في صفة من صفاته فهي محنةٌ لصاحبها لا مِنَّة.
والمِنَّةُ تُكَدِّرُ الصنيعَ إذا كانت من المخلوقين، ولكن بالمِنّةِ تطيب النعمة إذا
كانت من قبل الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَعْلَمُ غَيْبَ الَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاَللَّهُ بَصِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
ومَنْ وُقِف ها هنا تكدَّرَ عليه عَيْشُه؛ إذ ليس يدري ما غيبه فيه، وفي معنى هذا
قول القائل:
أبكي .. وهل تدرين ما يبكيني؟
أبكي حذاراً أن تفارقيني
وتقطعي وَضْلي وتهجريني

L
سورة قّ
(بسم الله)) اسم جَبَرَ أحوالَ مَنْ رَحِمَه، متجبِّرُ بكبريائه على من أقماه فَقَّهَرَه
و حَرَمه .
(بسم الله)) لطيفٌ يعلم خفايا تصنُّع العابدين، غافرٌ لجلائلِ ذنوبِ العاصين.
قوله جلّ ذكره: ﴿تَّّ وَاُلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾.
قَ مفتاح أسمائه: ((قوي وقادر وقدير وقريب)) .. أقسم بهذه الأسماءِ وبالقرآن
المجيد .
وجوابُ القَسَم محذوف ومعناه لَتُبْعَثُنَّ في القيامة .
ويقال جوابه: ﴿قَدْ عَلْنَا مَا نَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمَّ وَعِندَنَا كِنَبَّ حَفِيْظُ﴾ أي لقد علمنا ..
وحذفت اللام لمَّا تطاول الخطاب.
ويقال: جوابه قوله: ﴿مَا يُدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿َبَّ ◌ِبُواْ أَنْ جَهُمْ تُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عِبٌ﴾ .
﴿مُنْذِرٌ مِّنْهُمْ﴾: هو محمد رَّهُلِ.
والتعجّبُ نوعٌ من تعبير النَّفْسِ عن استبعادها لأمرٍ خارج العادة لم يقع به عِلْمٌ
من قَبْل. وقد مضى القولُ في إنكارهم للبعث واستبعادهم ذلك:
﴿أَذَا مِتْنَا وَكُنَا ذُرَبّا ذَلِكَ رَبِحٌ بَمِيدٌ﴾ .
أي يَبْعُدُ عندنا أَنْ نُبُعثَ بعد ما مِثْنا. فقال جل ذكره:
﴿َقَدْ عَلِيْنَا مَا نَنَقُصُ آلْأَرَضُ مِنْهُمَّ وَعِنْدَنَا كِنَبَّ حَفِيْظٌ﴾ .
في هذا تسليةٌ للعبد فإنه إذا وُسِّدَ التراب، وانصرف عنه الأصحاب، واضطرب
لوفاته الأحباب. فَمَنْ يَتَفَقَّدُهُ ومَنْ يَتَعَهَّدُه ... وهو في شفير قبره، وليس لهم منه
شيءٌ سوى ذكرِهِ، ولا أحدَ منهم يدري ما الذي يقاسيه المسكين في حُفْرته؟ فيقول
الحقُّ - سبحانه: ﴿قَدْ عَلِيْنَا﴾ ولعلَّه يخبر الملائكة قائلاً: عَبدي الذي أخْرَجته من دنياه
- ماذا بقي بينه مَنْ يهواه؟ هذه أجزاؤه قد تَفرَّقَتْ، وهذه عِظامُه بَلِيَتْ، وهذه أعضاؤه
قد تَفَتَّتَتْ!
٢٢٥

٢٢٦
تفسير سورة قّ
﴿وَعِنْدَنَا كِنَبَّ حَفِيْظُ﴾: وهو اللَّوحُ المحفوظ؛ أَثْبَتنا فيه تفصيل أحوالِ الخَلْقِ من
غير نسيانٍ، وبيَّنَّا فيه كلَّ ما يحتاج العبدُ إلى تَذكّره.
قوله جلّ ذكره: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِأَلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِيَّ أَمْرٍ مَّرِيج﴾.
﴿مَّرِيج﴾ أي مختلط ومُلتبس؛ فهم يتردّدون في ظُلُمات تحيّرهم، ويضطربون
في شکھم.
قوله جل ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَلِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْتَهَا وَزَّيَّنَّهَا وَمَا لَمَا مِن فُرُوُجِ﴾.
أَوَ لَمْ يعتبروا؟ أَوَ لَمْ يَسْتَدِلُوا بما رفعنا فوقهم من السماء، رفعنا سَمْكها
فَسَوَّيْناها، وأثبتنا فيها الكواكبَ وبها زَيَّناها، وأَدَرْنا فيها شَمْسَها وقمرَها؟ أو لم يروا
كيف جَنَّسْنا عَيْنَها ونَّوَعْنا أَثَرَها؟
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْغَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْنَا فَِهَا مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾.
والأرض مددناها؛ فجعلناها لهم مِهاداً، وجَعَلْنا لها الجبالَ أوتاداً، وأَنْبَتْنا فيها
أشجاراً وأزهاراً وأنواراً .. كل ذلك:
﴿َبْصِرَةُ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبٍْ مُنِيبٍ﴾ .
علامةٌ ودلالةً لكل من أناب إلينا، ورجع من شهودٍ أفعالنا إلى رؤية صفاتنا،
ومن شهود صفاتنا إلى شهودٍ حقّنا وذاتنا .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ مُّبَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَثَّتٍ وَحَبَّ الْخَصِيدِ﴾.
أنزلنا من المساءِ ماءً مباركاً كثيرَ النفع والزيادة، فأنبتنا به ﴿جَنَّتٍ وَحَبَّ الَْصِيدِ﴾:
أي الذي يُخصَد - كما تقول مسجد الجامع.
الأجزاء متجانسة .. ولكنَّ أوصافَها في الطعوم والروائحِ والألوانِ والهيئاتِ
والمقادير مختلفة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَاَلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَا طَلْمٌ نَّضِيدٌ﴾ .
والنخلُ باسقاتٌ: طويلاتٌ، لها طَلْعٌ منضود بعضُه فوق بعض لكثرة الطَّلْع أو
لما فيها مِن الثمار. وكيف جعلنا بعض الثمار متفرقة كالتفاح والكمثرى (١) وغيرهما،
وكيف جعلنا بعضها مجتمعة كالعنب والرطب(٢) وغيرهما .. كلَّ ذلك جعلناه رزقاً
للعباد ولكي ينتفعوا به.
(١) الكُمَّثْرَى: معروف من الفواكه هذا الذي تسميه العامة الإخاص، مؤنث لا ينصرف. (لسان العرب
١٥٢/٥ مادة: كمثر).
(٢) الرُّطَب: نضيج البُسر قبل أن يُتمر، واحدته رطبة. (اللسان ١/ ٤٢٠ مادة: رطب).

٢٢٧
تفسير سورة قّ
﴿وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَدَةً مَنْنًا كَذَلِكَ أْخُوِيُ﴾ .
وكما سقنا هذا الماء إلى بلدةٍ جفَّ نباتُها، وكما فَعلْنا كُلُّ هذه الأشياء ونحن
قادرون على ذلك - كذلك نجمعكم في الحشر والنشر، فليس بَعْتُكُم بأبعدَ من هذا.
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَّبَتْ قَلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَسْحَبُ الرَّ وَثَعُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ
وَأَصْحَبُ الْأَبَّكَّةِ وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلِّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَنَّ وَبِدٍ ﴾ .
إنّا لم نَعْجَزْ عن هؤلاء - الذين ذكر أسماءَهم - وفيه تهديدٌ لهم وتسليةٌ للرسول.
﴿أَفَعِيْنَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلَّ بَلْ هُمْ فِ لَيْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
أي إنّا لم نعجز عن الخَلْق الأول .. فكيف نعجز عن الخلق الثاني - وهو
الإعادة؟ لم يعتص علينا فعلُ شيءٍ، ولم نتعب من شيء .. فكيف يشق علينا أمر
البعث؟ أي ليس كذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسّوِسُ بِهِ، نَفْسُهُمْ وَغَنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ .
نعلم ما توسوس به نَفْسُه من شهواتٍ تطلب استنفاذها، مثل التصنّع مع الخَلْق،
وسوءِ الخُلُق، والحقد .. وغير ذلك من آفات النَّفْس التي تُشَوّش على القلب والوقت.
﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فَحَبْلُ الوريد أقربُ أجزاءٍ نَفْسِه إلى نَفْسِه، والمرادُ
من ذلك العلم والقدرة، وأنه يسمع قولهم، ولا يشكل عليه شيءٌ من أمرهم.
وفي هذه الآيَة هَيْبَةٌ وفَزَعٌ وخوفٌ لقوم، ورَوْحٌ وسكونٌ وأَنْسُ قلبٍ لقومٍ.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ يَقَى الَُّْفِيَنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِمَلِ فِيدٌ﴾ .
خوَّفَهم بشهود الملائكة وحضور الحَفَظَّة، وبكتابتهم عليهم أعمالَهم، فهما قَعيدا
كلٌّ أحدٍ: ويقال: إذا كان العبدُ قاعداً فواحدٌ عن يمينه يكتب خيراتِهِ، وواحدٌ على
يساره يكتب معاصيه، وإذا قام فواحدٌ عند رأسِه وواحد عند قَدَمِه، وإذا كان ماشياً
فواحدٌ قائم بين يديه وآخرُ خَلْفَه .
ويقال: هما اثنان بالليل لكلِّ واحدٍ، واثنان بالنهار.
ويقال: بل الذي يكتب الخيراتِ اليومَ يكون غيره غداً، وأمَّا الذي يكتب الشر
والمعصية بالأمس فإنه يكون كاتباً للطاعة غداً حتى يشهد طاعتك .
ويقال: بل الذي يكتب المعصية اثنان؛ كل يوم اثنان آخران وكل ليلةٍ اثنان
آخران لئلا يُعْلَمَ من مساويك إلا القليل منها، ويكون عِلْمُ المعاصي متفرقاً بهم(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَّدَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ يِاَلْمِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَجِدُ﴾ .
(١) الآية (١٨) لم ترد.

٢٢٨
تفسير سورة قّ
إذا أشرفت النَّفْسُ على الخروج من الدنيا فأحوالُهم مختلفة؛ فمنهم مَنْ يزداد في
ذلك الوقت خوفُه ولا يَتَبيَّنُ إلا عند ذهابٍ الروح حالَه. ومنهم مَنْ يُكاشَفُ قبلَ
خروجه فَيسكن رَوْعُه، ويُحْفَظُ عليه عَقْلُه، ويتم له حضورُه وتمييزُه، فيُسْلِمَ الرُّوحَ
على مَهَلٍ مِنْ غير استكراهٍ ولا عبوس .. ومنهم، ومنهم .. وفي معناه يقول بعضهم:
فبداءِ الهوى يموت الكرامُ
أنا إنْ مِثُ ۔ والهوی حشو قلبي -
ثم قال جلّ ذكره: ﴿ وَيُفِيَ فِ اُلُوِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَحَدَّتْ كُلُّ نَفْسٍ فَعَهَا سَأَِّقٌ وَشَهِيدٌ﴾ .
سائقٌ يسوقها إمّا إلى الجنة أو إلى النار، وشهيدٌ يشهد عليها بما فعلت من الخير
والشرِّ .
ويقال له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَآءَ ◌َصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ .
المؤمنون - اليومَ بَصَرُهم حديد؛ يُبْصرون رُشْدَهم ويحذرون شرَّهم.
والكافر يقال له غداً: ﴿فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي: ها أنت عَلِمْتَ ما كنتَ فيه من
التكذيب؛ فاليومَ لا يُسْمَعُ منكَ خطابٌ، ولا يُرْفَعُ عنكَ عذابٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ فَرِيُ هَذَا مَا لَدَىَّ عِنْدُ﴾ .
لا يَخْفَى من أحوالهم شيءٌ إلا ذُكِرَ، إنْ كان خيراً يُجَازون عليه، وإن كان غیر خیرِ
يُحَاسَبون عليه: إِمَّا برحمةٍ منه فيغفر لهم وينجون، وإمَّا على مقدار جُزْمِهِم يُعَذَّبون.
﴿أَلْقِيَا فِى حَتَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنْدٍ فَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ تُرِيبٍ ﴾ .
منَّاع للزكاة المفروضة .
ويقال: يمنع فَضْلَ مائِهِ وفَضْلَ كَلَئِه عن المسلمين.
ويقال: يمنع الناسَ من الخيرِ والإحسانِ، ويسيءُ القول فيهما حتى يُزَهّدُ الناسَ
فيهما .
ويقال: المناعُ للخير هو المِعْوانُ على الشَّرِّ.
ويقال: هو الذي قيل فيه: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].
﴿مُرٍِ﴾: أي يُشَكُّكُ الناسَ في أمره لأنه غير مخلص، ويُلَبِّسُ على الناس حالَه
لأنه منافق .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قَالَ فَيْتُ رَبَّا مَا أَلْغَيَّتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾ .
يقول المَلَكُ من الحَفْظَةِ المُوَكَّلُ به: ما أَعْجَلْتُه على الزَّلَّةِ .
وإنما كَتَبْتُها بعدما فَعَلَها - وذلك حين يقول الكافر: لم أفعلْ هذا، وإنما
أعجلني بالكتابة عليّ، فيقول المَلكُ: ربَّنا ما أعجلته.

٢٢٩
تفسير سورة قّ
ويقال: هو الشيطانُ المقرونُ به، وحين يلتقيان في جهنم يقول الشيطانُ: ما
أكرهته على كفره، ولكنه فعل - باختياره - ما وسوسْتُ به إليه.
فيقول جلّ ذكره: ﴿قَالَ لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُرْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَآ أَنَاْ
بِظَلَِّ لِلْمِيدِ ﴾ .
لا تختصموا لديَّ اليومَ وقد أَمَرْتُكم بالرُّشْدِ ونَهَيْتُكم عن الغَيّ.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ .
﴿نَقُولُ لِجَهَنََّ﴾ ﴿ وَتَّقُولُ﴾ : القولُ هنا على التوسُّع؛ لأنه لو كانت جهنم ممن
يجيب لقالت ذلك بل يُخييها حتى تقولَ ذلك.
﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: على جهة التغليظ، والاستزادة من الكفار.
ويقال: بل تقول ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾: أي ليس فيَّ زيادة كقوله عليه السلام لمَّا قيل له:
يومَ فتح مكة: هل ترجع إلى دارك؟ فقال: ((وهل ترك لنا عقيل داراً)؟!(١) أي
لم يترك، فإن الله - تعالى - يملأ جهنمَ من الكفارِ والعصاةِ، فإذا ما أُخرِجَ العصاةُ من
المؤمنين ازدادَ غيظُ الكفارِ حتى تمتلىء بهم جهنم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَزْلِفَتِ الَّْةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ .
يقال : إنَّ الجنَّةَ تُقَرَّبُ من المتقين، كما أَنَّ النَار تُجَرُّ بالسلاسل إلى المحشر نحو
المجرمين .
ويقال: بل تقرب الجنة بأن يسهل على المتقين حشرهم إليها ... وهم خواص
الخواص .
ويقال: هم ثلاثةُ أصناف: قوم يُخْشَرون إلى الجنة مشاةً وهم الذين قال فيهم:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلىَ الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] - وهم عوام المؤمنين وقوم
يحشرون إلى الجنة ركبانا على طاعاتهم المصوّرة لهم بصورة حيوان، وهم الذين قال
فيهم جَلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] - وهؤلاء هم
الخواص وأمَّا خاص الخاص فهم الذين قال عنهم: ﴿ وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّهُ لِلْمُنَقِينَ﴾ أي تُقَرَّبُ
الجنةُ منهم.
وقوله: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: تأكيدٌ لقوله: ((وأزلفت)).
ويقال: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: من العاصين تطبيباً لقلوبهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّبٍ حَفِيظٍ﴾ .
(١) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى ٣٤/٦)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٣٠٤٢٩، ٣٠٦٨٥).

٢٣٠
تفسير سورة قّ
الأوَّابُ: الراجعُ إلى الله في جميع أحواله.
﴿حَفِيظُ﴾: أي محافظ على أوقاته، (ويقال محافظ على حواسه في الله حافظ
لأنفاسه مع الله).
قوله جلّ ذكره: ﴿َّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبٍ وَبَّةَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ .
الخشيةُ من الرحمنِ هي الخشية من الفراق. (والخشية من الرحمن تكون مقرونة
بالأُنْس؛ ولذلك لم يقل: من خشي الجبّار ولا من خشي القهَّار)).
ويقال الخشية من الله تقتضي العلم بأنه يفعل ما يشاء وأنه لا يسْأَلُ عمَّا يفعل.
ويقال: الخشيةُ ألطفُ من الخوف، وكأنها قريبةٌ من الهيبة(١).
﴿وَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾: لم يقل بَنَفْسِ مطيعة بل قال: بقلبٍ منيب ليكونَ للعصاةِ في
هذا أملٌ؛ لأنهم - وإن قَصَّروا بنفوسهم وليس لهم صِدْقُ القَدَّمِ - فلهم الأسفُ بقلوبهم
وصدق الندِّم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَدْ خُلُوهَا بِسَْمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾.
أي يقال لهم: ادخلوها بسلامةٍ من كل آفةٍ، ووجودٍ رضوان ولا يسخطُ عليكم
الحقُّ أبداً.
ومنهم مَنْ يقول له المَلَكُ: ادخلوها بسلام، ومنهم من يقول له: لكم ما
تشاؤون فيها - قال تعالى :
﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ .
لم يقل: ((لهم ما يسألون)) بل قال: ﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ﴾: فكلُّ ما يخطر ببالهم فإنَّ
سؤلَهم يتحقق لهم في الوَهْلة، وإذا كانوا اليوم يقولون: ما يشاء الله فإنَّ لهم غداً منه
الإحسان ... وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾: اتفق أهل التفسير على أنه الرؤية، والنظر إلى الله سبحانه وقومٌ
يقولون: المزيد على الثواب في الجنة - ولا منافاة بينهما.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَقَّبُواْ فِىِ اَلْبِلَدِ هَلْ مِن
غَمِيسٍ﴾ .
(١) قال القشيري برسالته عند حديثه عن الخوف: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الخوف على
مراتب: الخوف والخشية والهيبة. فالخوف من شروط الإيمان وقضاياه. قال الله تعالى: ﴿وخافون
إن كنتم مؤمنين﴾. والخشية: من شروط العلم. قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده
العلماء﴾. والهيبة: من شروط المعرفة، قال الله تعالى: ﴿وَيُمَّذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾. وقال أبو القاسم
الحكيم: الخوف على نوعين: رهبة وخشية، فصاحب الرهبة يلتجىء إلى الهرب إذا خاف،
وصاحب الخشية يلتجئ إلى الرب. (الرسالة القشيرية ص ١٢٥، ١٢٦).
:

٢٣١
تفسير سورة قَ
أي اعْتَبِروا بالذين تَقَدَّموكم؛ انهمكوا في ضلالتهم، وأَصَرُّوا، ولم يُقْلِعوا ...
فأهلكناهم وما أَبْقَيْنَا منهم أحداً.
قوله جلّ ذكره: ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
قيل: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾: أي من كان له عقل. وقيل: قلب حاضر. ويقال قلبٌ
على الإحسان مُقْبِل. ويقال: قَلْبٌ غيرُ قُلَّب.
﴿أَوْ أَلَغَى الشَّمْعَ﴾ : استمع إلى ما ينادى به ظاهرُه من الخَلْق وإلى ما يعود إلى سِرِّه من
الحق. ويقال: لمن كان له قلبٌ صاح لم يَسْكر من الغفلة. ويقال: قلبٌ يعد أنفاسَه مع الله .
ويقال: قلبٌ حيٍّ بنور الموافقة. ويقال: قلبٌ غيرُ مُغْرِضٍ عن الاعتبار والاستبصار.
ويقال: ((القلبُ - كما في الخبر - بين إصبعين من أصابع الرحمن))(١): أي بين
نعمتين؛ وهما ما يدفعه عنه من البلاء، وما ينفعه به من النَّعماء، فكلُّ قلبٍ مَنَعَ الحقُّ
عنه الأوصافَ الذميمةَ وأَلْزَمَه النعوتَ الحميدةَ فهو الذي قال فيه: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى
لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ .
وفي الخبر: ((إن الله أوانيَ أَلَّا وهي القلوب، وأقربها من الله مارقَ وصفا))(٢).
شبَّه القلوب بالأواني؛ فقلبُ الكافرِ منكوسٌ لا يدخل فيه شيء، وقلبُ المنافقِ إناء
مكسور، ما يُلْقى فيه من أوَّله يخرج من أسفله، وقلبُ المؤمنِ إناءٌ صحيح غير
منكوس يدخل فيه الإيمانُ ويَبْقَى.
ولكنَّ هذه القلوبَ مختلفةٌ؛ فقلبٌ مُلَطَّخْ بالانفعالات وفنون الآفات؛ فالشرابُ
الذي يُلْقَی فیه یصحبه أثر، ويتلطخ به.
وقلبٌ صفا من الكدورات وهو أعلاها قَدْراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسَنَا
مِن ◌ُّغُوبٍ﴾ .
وأَنِى يَمَسُّه اللُّغوبُ. وهو صَّمَدٌ لا يحدث في ذاته حادث؟!
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَصّبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
اُلْغُرُوبِ﴾ .
إِنْ تَأَذِّ سَمْعُكَ بما يقولون فيَّ من الأشياء التي يتقدَّس عنها نَعْتي فاصِرْ على ما
يقولون، واستروخ عن ذلك بتسبيحك لنا.
(١) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٠٢/٧).
مـ
(٢) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٠٩/٦)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٢/
١٧٣).

٢٣٢
تفسير سورة ق
﴿وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّعْهُ وَأَدْبَرَ الشُّجُودِ﴾.
فالليلُ وقتُ الخلوة - والصفاءُ في الخلوة أتَّمُّ وأصْفَى.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَّادِ مِن ◌َّكَانٍ قَرِيٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِلْحَقِّ ذَلِكَ
يَوْمُ الْمُرُوج﴾ .
النداءُ من الحق - سبحانه - واردّ عليهم، كما أنَّ النجوى تحصل دائماً بينهم.
والنداءُ الذي يَردُ عليهم يكون بغتةً ولا يكون للعبد في فِعْلِهِ اختيارٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ تُحِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾.
إلينا مَرْجِعُ الْكُلِّ ومصيرُهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ تَشَفَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاءَاً ذَلِكَ حَشْرُ عَلَيَّنَا يَبِيرٌ﴾ .
هذا يسيرّ علينا: سواء خلقناهم جملةً أو فرادى؛ قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا
بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٣١].
قوله جلّ ذكره: ﴿أَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونٌّ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ فَذَكِرَ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ
وَعِيدِ﴾.
ما أنت عليهم بُمتَسَلِطِ تُكْرِههم.
وإنما يُؤَثِّرُ التخويفُ والإنذارُ والتذكيرُ في الخائفين، فأمّا مَنْ لا يخاف فلا ينجحُ
فيه التخويفُ - وطيرُ السماء على أُلَّافها تقعُ.

سورة الذِّيَات
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََِّ الرَّحَةِ﴾.
بسم الله كلمةٌ عزيزةٌ مَنْ ذَكَرَها عزَّ لسانُه، ومَنْ عَرَفَها اهتزَّ بصحبتها جنانه.
(بسم الله) كلمةٌ للألبابِ غلّابةٌ، كلمة لأرواح المحبين سلَّابةٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّرِيَتِ ذَرُوا فَلْحَمِلَتِ وِفْرًا فَالَْرِيَتِ يُبْرَ فَالْفَسِّمَتِ أَمْرًا إِنَّا تُوعَدُونَ
لَصَادِقٌ وَإِنَّ الّذِينَ لَوَّعُ ﴾ .
والذارياتُ: أي الرياح الحاملات ﴿رِقْرًا﴾ أي السحاب ﴿فَلْجَرِيَتِ﴾ أي السفن.
﴿فَلْمُقَسِمَتِ أَمْرًا﴾ أي الملائكة ... أقسم بربِ هذه الأشياء وبقدرته عليها. وجواب
القسم: ﴿ إِنَّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ... ﴾ والإشارة في هذه الأشياء أن من جملة الرياح. الرياح
الصيحية تحمل أنينَ المشتاقين إلى ساحات العزّةِ فيأتي نسيمُ القربةِ إلى مَشَامٌ أسرارٍ
أهل المحبة ... فعندئذٍ يجدون راحةً من غَلَيَات اللوعة، وفي معناه أنشدوا:
إذا أقبلَتْ من أرضكم بهبوب
وإني لأستهدي الرياحَ نسیمکم
فإن هي يوماً بَلْغثْ ... فأجيبي
وأسألُها حمْلَ السلام إليكمو
ومن السحاب ما يُمطر بعتاب الغيبة، ويُؤْذن بهواجم النّوى والفُرْقة. فإذا عَنَّ
لهم من ذلك شيء أبصروا ذلك بنور بصائرهم، فيأخذون في الابتهال، والتضرَّع في
السؤال استعاذةً منها ... كما قالوا:
أقول - وقد رأيتُ لها سحاباً
من الهجران مقبلة إلينا
وقد سحَّت عزاليها(١) بِبَيْنٍ
حوالينا الصدودُ ولا علينا
وكما قد يَخْملُ الملَّاحُ بعضَ الفقراء بلا أجرة طمعاً في سلامة السفينة -
فهؤلاء يرجُون أن يُحمَلُوا في فُلْكِ العناية في بحار القدرة عند تلاطم الأمواج حول
السفينة .
ومِنَ الملائكةِ مَنْ يتنزَّلُ لتفقد أهل الوصلة، أو لتعزية أهل المصيبة، أو لأنواعٍ
(١) الأعزل: سحاب لا مطر فيه. (اللسان ١١/ ٤٤٣ مادة: عزل).
٢٣٣

٢٣٤
تفسير سورة الذاريات
من الأمور تتصل بأهل هذه القصة، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم: هل عندهم
خيرٌ عن فراقھم ووصالھم - كما قالوا:
. بربِّكما يا صاحبيَّ قِفَا بيا
أسائلكم عن حالهم وآسألانيا
﴿ إِنََّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الِيْنَ لَوَفِعٌ﴾ : الحقُّ - سبحانه - وَعَدَ المطيعين بالجنة،
والتائبين بالرحمة، والأولياء بالقربة، والعارفين بالوصلة، ووَعَدَ أرباب المصائب
بقوله: ﴿أُوْلَبَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِنْ زَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦، ١٥٧]، وهم يتصدون
لاستبطاء حُسْنِ الميعاد - واللَّهُ رؤوفٌ بالعباد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْمُبُّكِ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ تُخْثَلِفِ يُؤْفَثُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ .
﴿ذَاتِ الْمُبُكِ﴾ أي ذات الطرائق الحسنة - وهذا قَسَمٌ ثانٍ، وجوابه: ﴿إِنَّكُرْ لَفِى قَوْلٍ
تُخْلِفٍ﴾ يعني في أمر محمدٍ ﴿ فأحدهم يقول: إنه ساحر، وآخر يقول: مجنون،
وثالث يقول: شاعر ... وغير ذلك.
والإشارة فيه إلى القسم بسماء التوحيد ذات الزينة بشمس العرفان، وقمر
المحبة، ونجوم القُرب ... إنكم في باب هذه الطريقة لفي قولٍ مختلف؛ فَمِنْ مُتْكِرٍ
يجحد الطريقة، ومِنْ مُعترِضٍ يعترض على أهلها يتوهّم نقصانهم في القيام بحق
الشريعة، ومن متعسِّفٍ لا يخرج من ضيق حدود العبودية ولا يعرف خبراً عن
تخصيص الحقِّ أولياءه بالأحوال السنية، قال قائلهم:
وفَرَّقَ الناسُ فينا قولهم فِرقًا
قد سحبَ الناسُ أذیال الظنون بنا
وصادقٌ ليس يدري أنه صَدَقًا
فكاذبٌ قد رمى بالظنَّ غَيْرتكم
قوله جلّ ذكره: ﴿يُؤْفَثُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ .
أي يُصْرَفُ عنه مَنْ صُرِف، وذلك أنهم كانوا يصدُّون الناسَ عنه ويقولون: إنه
لمجنون .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُئِلَ الْفَرَّصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِ غَرَفِ سَاهُونَ﴾ .
لُعِنَّ الكذّابون الذين هم في غمرة الضلالة وظلمة الجهالة ساهون لاهون.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْتَظُونَ أَيََّنَ يَوْمُ الَّذِينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْتَنُونَ ذُوقُواْ فِيْنَتَكُمُّ هَذَا الَّذِى كُمْ
بِهِ، تَسْتَعْدِلُونَ ﴾ .
يسألون أيان يومُ القيامة؟؛ يستعجلون بها، فلأَجْلِ تكذيبهم بها كانت نفوسُهم لا
تسكن إليها. ويوم هم على النار يُخْرَقون ويُعَذّبون يقال لهم: قاسوا عقوبتكم، هذا
الذي كنتم به تستعجلون.

٢٣٥
تفسير سورة الذاريات
والإشارة فيه إلى الذين يَكْذِبون في أعمالهم لِمَا يتداخلهم من الرياء، ويكذبون
في أحوالهم لِمَا يتداخلهم من الإعجاب، ويكذبون على الله فيما يدَّعونه من
الأحوال ... قُتِلُوا ولُعِنوا ... وسيلقون غِبَّ تلبيسهم بما يُخرَمون من اشتمام رائحة
الصدق .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَتُنٍ مَاخِذِينَ مَآ ءَلَنْهُمْ رَبُّهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ ◌َّلَ ذَلِكَ
مُحْسِنِينَ﴾.
في عاجلهم في جنّاتٍ وَصْلِهم، وفي آجلهم في جنّاتٍ فَضْلِهم؛ فغداً درجات
ونجاة، واليومَ قُرُبات ومناجاة، فما هو مؤجَّلٌ حظّ أنفسِهم، وما هو معجّلٌ حقُّ
ربّهم. هم آخذين اليوم ما آتاهم ربهم؛ يأخذون نصيبه منه بِيّدِ الشكر والحمد، وغداً
يأخذون ما يعطيهم ربُّهم في الجنة من فنون العطاء والرِّفد.
ومَنْ كان اليومَ آخذه بلا واسطة من حيث الإيمان والإتقان، وملاحظة القسمة
في العطاء والحرمان. كان غداً آخذه بلا واسطة في الجنان عند اللقاء والعيان. ﴿إِنّهُمْ
كَانُوا فَبْلَ ذَلِكَ تُحْمِنِينَ﴾؛ كانوا ولكنهم اليوم بانوا (١) ولكنهم بعد ما أعدناهم حصلوا
واستبانوا ... فهم كما في الخبر: ((أعبد الله كأنك تراه ... ))(٢).
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَانُوْ قَلِيلًا مِنَ الَلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَمْعَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
المعنى إمَّا: كانوا قليلاً وكانوا لا ينامون إلا بالليل كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] أو: كان نومُهم بالليل قليلاً، أو: كانوا لا ينامون بالليل قليلاً.
﴿وآلاَتْمَارِ م يستغفِرُونَ﴾: أخبر عنھم أنھم ـ مع تھجدهم ودُعائھم ـ يُنْزِلون
أنفسَهم في الأسخار منزلةً العاصين، فيستغفرون استصغاراً لِقِذْرِهم، واستحقاراً
لِفعلهم.
والليلُ ... للأحباب في أُنْس المناجاة، وللعصاة في طلب النجاة. والسهرُ لهم
(١) قال القشيري في رسالته عند حديثه عن المعرفة بالله: سُئل يحيى بن معاذ عن العارف فقال: رجل
كائن بائن، وقال مرة: كان فبان. (الرسالة القشيرية ص٣١٧).
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ١٣٢/٢)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ٤٠/٢، ٢١٨/٤) وابن
حجر في (المطالب العالية ٣٠٩٦، ٣٠٩٧)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ٢٦٨/١، ٥٩٢/٣،
٢٤٧/٤)، وابن كثير في (التفسير ١٧٩/٢)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ١١٥/٦) وابن حجر في
(فتح الباري ٢٣٤/١١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٢٤/٢، ٤٥٣/٧، ٥٩/١٠)،
والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ١٠٦/٣)، والسيوطي في (الدر المنثور ٢٩٩/١) والمتقي
الهندي في (كنز العمال ٥٢٥٠، ٥٢٥١، ٥٢٥٦، ٥٢٧٩، ٤٤١٥٤)، وابن أبي شيبة في (المصنف
٢٢٥/١٣).

٢٣٦
تفسير سورة الذاريات
في لياليهم دائماً؛ إمّا لفَرْطِ أَسَفٍ أو لِشِدَّةٍ لَهَفٍ، وإمَّا لاشتياقٍ أو لفراقٍ - كما قالوا:
أفتْيَتُهَا قابضاً على كبدي
كم ليلةٍ فيك لا صباح لها
وَضَعْتُ خدي على بنان يدي
قد غُصَّت العينُ بالدموع وقد
وإمّا لكمال أُنْسٍ وطيب روح - كما قالوا:
زمانَ الهوى في الصبا والمجون
سقى اللَّهُ عيشاً قصيراً مضى
لَغينِي عند ارتداد الجفون
لياليه تحكي انسداد لحاظ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَفِّ أَنْوَلِهِمْ حَقٌّ لِلِسَآَيْلِ وَلْمَحْرُورِ﴾.
السائلُ هو المُتَكفّف، والمحرومُ هو المتعفّف - ويقال هو الذي يحرم نفسه بترك
السؤال ... هؤلاء هم الذين يُعْطُون بشرط العلم، فأمَّا أصحابُ المروءة: فغير
المستحق لمالهم أَوْلَى من المستحق. وأما أهل الفترة فليس لهم مالٌ حتى تتوجه
عليهم مطالبة؛ لأنهم أهل الإيثار - في الوقت - لكلُّ ما يُفْتَحُ عليهم به .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَفِ الْأَرْضِ مَايَّتٌ لِلْتُوقِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا نْصِرُونَ رَفِي التَّعَاءِ رِزْقُّكُمْ وَمَا تُعَدُونَ﴾ .
كما أَنَّ الأرضَ تحمل كلَّ شيء فكذلك العارف يتحمّل كلَّ أحد.
ومَنْ استثقل أحداً أو تبرَّمَ برؤية أحدٍ فلِغَيْبته عن الحقيقة، ولمطالعته الخَلْقَ بعين
التفرقة - وأهلُ الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة.
ومن الآيات التي في الأرض أنها يُلْقَى عليها كلُّ قذارةٍ وقمامة - ومع ذلك تُنْبِتُ
كلَّ زَهْرٍ ونَوْرٍ ... كذلك العارف يتشرب كلَّ ما يُسْقَى من الجفاء، ولا يترشح إلّا
بكل خُلْقٍ عَلِيّ وشيمةٍ زكيَّةً(١).
ومن الآيات التي في الأرضِ أنَّ ما كان منها سبخاً يُتْرَكُ ولا يُعَمَّر لأنه لا يحتمل
العمارة - كذلك الذي لا إيمانَ له بهذه الطريقة يُهْمَل، فمقابلته بهذه الصفة كإلقاء البذر
في الأرض السبخة .
﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَاَ نْصِرُونَ﴾: أي وفي أنفسكم أيضاً آيات، فمنها وقاحتها في
همتها، ووقاحتها في صفتها، ومنها دعاواها العريضة فيما ترى منها وبها، ومنها
أحوالها المريضة حين تزعم أَنَّ ذَرّةً أو ( ... )(٢) بها أو منها.
(١) قال القشيري في رسالته عند حديثه عن التصوف: قال الجنيد: الصوفي كالأرض، يُطْرَح عليها كل
قبيح، ولا يخرج منها إلا كل مليح، وقال أيضاً إنه كالأرض يطؤها البر والفاجر وكالسحاب يُظل
كل شيء، وكالقطر يسقي كل شيء، وقال: إذا رأيت الصوفي يعني بظاهره فاعلم أن باطنه خراب.
(الرسالة القشيرية ص ٢٨١).
(٢) بياض في الأصل.

٢٣٧
تفسير سورة الذاريات
﴿وَفِي التَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ : أي قسمة أرزاقكم في السماء، فالملائكة المؤكّلون
بالأرزاق ينزلون من السماء.
ويقال: السماء ها هنا المطر، فبالمطر ينبت الحَبُّ والمرعى.
ويقال: على رب السماء أرزاقكم لأنه ضَمنَها.
ويقال: قوله: ﴿وَفِ التَّمَاءِ رِزْفْكُمْ﴾ وها هنا وقف ثم تبتدىء: ﴿وَمَا تُعَدُونَ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَوَرَبِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَطِقُونَ﴾ .
أي: إنَّ البعثَ والنشرَ لَحَقٌّ.
ويقال: إنّ نصري لمحمدٍ ولديني، وللذي أتاكم به من الأحکام - لحقّ مثل ما
أنكم تنطقون .
كما يقال: هذا حقٌّ مثل ما أنك ها هنا.
ويقال: معناه: ((أنَّ اللَّهَ رازقُكم)) - هذا القولُ حقٌّ مثلما أنكم إذا سُئِلْتُم: مَنْ
ربُّكم؟ ومَنْ خالقكم؟ قلتم: الله ... فكما أنكم تقولون: إن الله خالق - وهذا
حقٌّ ... كذلك القولُ بأَنَّ اللَّهَ رازقٌ - هو أيضاً حقٌّ.
ويقال: كما أنَّ نُطْفَكَ لا يتكلم به غيرُك فرزقُكَ لا يأكله غيرك.
ويقال: الفائدة والإشارة في هذه الآية أنه حال برزقك على السماء، ولا سبيلَ
لك إلى العروج إلى السماء لتشتغلَ بما كلفك ولا تتعنّى في طلب ما لا تصل إليه.
ويقال: في السماء رزقكم، وإلى السماء يُزْفَعُ عَمَلُكُم ... فإنْ أرَدْتَ أنْ ينزلَ
عليكَ رزقُك فَأَصْعِدْ إلى السماءِ عمَلكَ - ولهذا قالوا: الصلاةُ قَرْعُ باب الرزق، وقال
تعالى: ﴿وَأَمِّرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَّوْءِ وَلَصْطَيِرْ عَلَيْهَاً لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢].
قوله جلّ ذكره: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ ضَيْفٍ إِبْرُهِيَمَ الْمُّكْرِينَ﴾.
قيل في التفاسير: لم يكن قد أتاه خبرُهم قبل نزول هذه الآية.
وقيل: كان عددُهم اثني عشر مَلَكاً. وقيل: جبريل وكان معه سبعة. وقيل:
كانوا ثلاثة .
وقوله: ﴿اَلْمُكْرَبِينَ﴾ قيل لقيامه - عليه السلام - بخدمتهم. وقيل: أكرم الضيفَ
بطلاقة وجهه، والاستبشار بوفودهم.
وقيل: لم يتكلَّف إِبراهيمُ لهم، وما اعتذر إليهم - وهذا هو إكرام الضيف - حتى
لا تكون من المضيف عليه مِنَّةٌ فيحتاج الضيف إلى تحملها.
ويقال: سمّاهم مكرمين لأن غير المدعوّ عند الكرام کریم.
ويقال: ضيفُ الكرام لا يكون إلا كريماً.

٢٣٨
تفسير سورة الذاريات
ويقال: المكرمين عند الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَهًّا قَالَ سَلٌَ قَوْمٌ مُكَرُونَ﴾ .
أي سلَّمنا عليكِ ﴿سَلَمًا﴾ فقال إبراهيم: لكم مني ﴿سَلَمًا﴾.
وقولُهم: ﴿سَمًا﴾ أي لك منّا سلام، لأنَّ السلامَ: الأمانُ.
﴿قَوْمٌ مُكَرُونَ﴾: أي أنتم قوم منكرون؛ لأنه لم يكن يعرف مِثْلَهم في الأضياف.
ويقال: غُرَبَاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَرَغَ إِلَ أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَفَرَّهُ: إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُونَ﴾ .
أي عَدَلَ إلیھم من حيث لا يعلمون وكذلك يكون الروغان.
﴿فَجَآَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فشواه، وقرَّبه منهم وقال: ﴿أَلَا تَأْكُونَ؟) وحين امتنعوا عن
الأكل :
﴿فَوْجَسَ مِنْهُمْ خِفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلٍَ عَلِيمٍ﴾ .
تَوَهَّمَ أنهم لصوص فقالوا له: ﴿لَا تَخَفَّ﴾ .
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلٍَ عَلِيمٍ﴾: أي بَشَروه بالوَلد، وببقاء هذا الوَلَدِ إلى أن يصير عليماً؛
والعليم مبالغة من العلم، وإنما يصير عليماً بعد كبره.
﴿فَأَقْلَتِ امْرَأَتُ فِى صَرٍَّ فَصَكَّتْ وَحْهَهَا وَقَالَتْ عَجُ عَقِيمٌ﴾ .
﴿فِ صَرَّقٍ﴾ أي في صيحة شديدة، ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي فضربت وجهها بيدها
كفعل النساء ﴿وَقَالَتْ عَجُوزُ عَقِيمٌ﴾: أي أنا عجوز عقيم. وقيل: إنها يومّها كانت ابنةً
ثمانٍ وتسعين سنة، وكان إبراهيمُ ابنَّ تسع وتسعين سنة.
﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِمُ﴾.
أي قلنا لكِ كما قال ربُّكِ لنا، وأنْ نُخْبِرَكِ أنَّ اللَّهَ هو المُحكِمُ لأفعالِه،
﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي لا يخفى عليه شيء.
قَالَ فَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ؟﴾ .
سألهم: ما شأنُكم؟ وما أمرُكم؟ وبماذا أُزْسِلْتُم؟
﴿ قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ إِلَى قَوٍْ تُّجْزِينَ لِتُرُبِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِن ◌ِينٍ تُسَوَّمَّةً عِندَ رَيْكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَحْنَا
مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
-
هم قوم لوط، ولم نجد فيها غيرَ لوطٍ ومَنْ آمن به .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَّكَا فِيهَآ ءَايَّةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ .
تركنا فيها علامةً يعتبر بها الخائفون - دون القاسية قلوبهم
٠
(١) الآيات من (٣٩ حتی ٤٦) لم ترد.
(١)

٢٣٩
تفسير سورة الذاريات
قوله جلّ ذكره: ﴿وَفِىِ مُوسَىَ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّينٍ﴾.
أي بحجة ظاهرة باهرة.
... إلى قوله: ﴿وَالسَّمَءَ بَيْنَهَا بِأَبَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]: أي جعلنا
بينها وبين الأرض سعة، ((وإنا لقادرون)): على أن نزيد في تلك السعة .
﴿وَأَلْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ اٌلْمَنِهِدُونَ﴾ .
أي جعلناها مهاداً لكم ثم أثنى على نَفْسه قائلاً: ﴿فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ﴾ .
دلَّ بهذا كلِّه على كمال قدرته، وعلى تمام فضله ورحمتة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَّكَُّونَ﴾ .
أي صنفين في الحيوان كالذَّكَرِ والأنثى، وفي غير الحيوانِ؛ كالحركة والسكون،
والسواد والبياض، وأصناف المتضادات.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَفِرّوَاْ إِلَى اللَّهِ إِّ لَكُرُ مِنْهُ نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ .
أي فارجعوا إلى الله - والإنسان بإحدى حالتين؛ إِمَّا حالة رغبةٍ في شيءٍ، أو حالة
رهبة من شيء، أو حال رجاء، أو حال خوف، أو حال جَلْبِ نَفْع أو رفع ضُرِّ ... وفي
الحالتين ينبغي أنْ يكونَ فِرارُه إلى الله؛ فإنَّ النافعَ والضارَّ هو اللّهُ .
ويقال: مَنْ صَحَّ فِرارُه إلىِ اللَّهِ صَحَّ قَرارُه مع الله .
ويقال: يجب على العبد أنْ يفرَّ من الجهل إلى العلم، ومن الهوى إلى. التُّقَى،
ومن الشّكِّ إلى اليقين، ومن الشيطانِ إلى الله.
ويقال: يجب على العبد أَنْ يفرَّ من فعله - الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو
كفايته، ومن وصفه الذي هو سخطه إلى وصفه الذي هو رحمته، ومن نفسه - حيث
قال: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اَللَّهُ نَفْسَهٌ﴾ [آل عمران: ٢٨] إلى نفسه حيث قال: ﴿فَفِرُّوْاْ إِلَى اَللَّهِ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ مَعَ اَلَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌّ إِ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
أُخَوِّفُكم أليمَ عقوبته إنْ أشركْتُم به - فإِنَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به.
ثم بيَّنَ أنه على ذلك جرَت عادتُهم في تكذيب الرُّسُل، كأنهم قد توصوا فيما
بينهم بذلك.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِعَلُومٍ﴾ .
فَأَغْرِضْ عنهم فليست تلحقك - بسوء صنيعهم - ملامةٌ.
قوله جل ذكره: ﴿وَذَّكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنَ﴾.
ذَكِّر العاصين عقوبتي ليرجعوا عن خالفةٍ أمري، وذَكِّر المطيعين جزيلَ ثوابي
ليزدادوا طاعةً وعبادةً، وذَكَّر العارفين ما صَرَفْتُ عنهم من بلائي، وذكِّرْ الأغنياء ما

٢٤٠
تفسير سورة الذاريات
أَتَّحْتُ لهم من إحساني وعطائي، وذَكِّر الفقراء ما أوجبْتُ لهم من صَرْفِ الدنيا عنهم
وأَعْدَدْتُ له من لقائي.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن
يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اَلَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾.
الذين اصطفْيتُهم في آزالي، وخَصَصْتُهم - اليومَ - بحسْنِ إقبالي، ووعدْتُهم
جزيلَ أفضالي - ما خَلَقْتُهم إِلَّا ليعبدونِ.
والذين سخطت عليهم في آزالي، وربطتهم - اليوم - بالخذلان فيما كلَّفتهم من
أعمالي، وخَلَقْتُ النارَ لهم - بحُكْم إلهيتي ووجوب حُكْمي في سلطاني - ما خلقتهم
إلا لعذابي وأنكالي، وما أَعْدَذْتُ لهم من سلاسلي وأغلالي.
ما أريد منهم أَنْ يُطْعِموا أو يرزقوا أحداً من عبادي فإنَّ الرزّاقَ أنا.
وما أريد أن يطعمونِ فإِنني أنا اللَّهُ ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾: المتينُ القُوَّى.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوْمًا مِثْلَ ذَنُونٍ أَعْمَئِهِمْ فَلَا يَسْتَعْبِلُونِ﴾ .
لهم نصيبٌ من العذابِ مثلَ نصيبٍ مَنْ سَلَفَ من أصحابهم من الكفار فلِمَ
استعجالُ العذابِ - والعذابُ لن يفوتَهم؟.
﴿فَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يَّوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾ .
وهو يوم القيامة.