Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ تفسير سورة الأنبياء تقتضي التعقيب، فكأنه قال: فعافيناه في الوقت. وكأنه قال: يا أيوب، لو طلبت العافيةً قبل هذا لاستَجْبْنَا لك. ويقال سقطت دودةٌ كانت تأكل من بدنه على الأرض فرفعها أيوبُ ووضعها على موضعها، فعقرته عقرةً عِيلَ صَبْرُه فقال: مسني الضر، فقيل له: يا أيوب: أتصبر معنا؟ لولا أني ضربتُ تحت كل شَعْرَةٍ من شعراتك كذا خيمة من الصبر .. ما صَبَرْتَ ساعةٌ! ويقال كانت الدوداتُ التي تأكل منه أكلت ما عَلَا بَدَنَه، فلم يَبْقَ منه إلا لسانُه وقلبه، فصعدت دودة إلى لسانه، وأخرى إلى قلبه فقال: ﴿مَسَنِىَ الضُُّّ﴾ ... فلم يَبْقَ لي إلا لسانٌ به أذكرك، أو قلبٌ به أعرفك، وإذ لم يَبْقَ لي ذلك فلا يمكنني أن أعيشَ وأصبر! ويقال استعجمت عليه جهةُ البلاء فلم يعلم أنه يصيبه بذلك تطهيراً أو تأديباً أو تعذيباً أو تقريباً أو تخصيصاً أو تمحيصاً ... وكذلك كانت صحبته. ويقال قيل لأيوب عليه السلام سَلْ العافية فقال: عِشْتُ في النّعم سبعين سنة فحتى يأتي عليَّ سبعون سنة في البلاء ... وعندئذٍ أسألُ الله العافية! وقيل لمَّا كَشَفَ الله عنه البلاء قيل له: ما أشدُّ ما لقيتَ في أيام البلاء؟ فقال شماتة الأعداء. وفي القصة أن تلامذة أيوب كسروا أقلامهم، وحرَّقوا ما كتبوه عنه وقالوا: لو كان لك عند الله منزلةٌ لَمَا ابْتلاكَ بكل هذا البلاء! وقيل لم يبقَ معه إلا زوجُه، وكانت من أولاد يوسف النبي عليه السلام، فهي التي بقيت معه وكانت تخدمه وتتعهده . ويقال إنما بقيت تلك المرأة معه لأنها كانت من أهل البلاء من آل يعقوب - عليه السلام. وقيل إنما قال: مسني الضرُّ لمَّا قال لها الشيطان: إنْ أردتِ أنْ يَشْفَى مريضُكِ فاسجدي لي، ولم تعلم أنه إبليس لأنه ظَهَرَ لها في صورة إنسان، فأخبرت أيوبَ بذلك فقال عندئذٍ: ﴿مَسََِّ الشُّرُّ﴾. ويقال لمَّا ظهر به البلاءُ اجتمع قومُه وقالوا لها: أخْرِجي هذا المريضَ من قريتنا، فإننا نخاف العَدْوَى وأنْ يَمَسَّنَا بلاؤه، وأنْ تُعْدَى إلينا عِلَّتُه، فأخْرَجَتْه إلى باب القرية فقالوا: إنا إذا أصبحنا وقعت أبصارنا عليه، فنتشاءم به، فأبْعِديه عن أبصارنا، فحملَتْه إلى أرضٍ قَفْرٍ، وكانت تدخل البلد، وتُسْتَأْجَر للخَبْزِ والعمل في الدور، فتأخذ ٣٠٢ تفسير سورة الأنبياء الأجرة وتحملها إليه، فلما عَلِموا أنَّها امرأتُه استقذروها ولم يستعملوها. ويقال إنها كانت ذات ذوائب(١) وقرون، وكان أيوب يأخذ بذوائبها عند نهوضه، فباعت ذوائبها برغيفٍ أخذته لتحمله إليه، فوسوس له الشيطان بأنها فعلت الفحشاء، وأن شعرها جُزَّ في ذلك فَحَلَفَ أيوبُ أنْ يَجْلِدَها إذا صحَّ حَذْسُه، وكانت المحنةُ على قلبِ تلك المرأة أشَدَّ مما على بَدَنِ أيوب من كل المحن. وقيل إن امرأته غَابَتْ ودخلَتْ البلدَ، فعافى اللَّهُ أيوب عليه السلام، وعاد شاباً طرياً كما قال في قصته قوله: ﴿أَرَكُضْ بِلِكَّ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَرِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]. فلما رجعت امرأته ولم تَرَه حسبت أنه أكله سَبُعٌ أو أصابته آفةٌ، فأخذت تبكي وتولول، فقال لها أيوب - وهي لم تعرفه لأنه عاد صحيحاً - مالَكِ يا امرأة؟ قالت: كان لي ها هنا مريض فَفَقَدْته. فقال لها أيوب: أنا ذاك الذي تطلبينه! وفي بعض الأخبار المروية أنه بقي في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. وقيل تعرَّضَ له إبليسُ فقال: إنْ أردتَ العافيةَ فاسجُدْلي سجدةٌ، فقال: ﴿مَسَِّىَ الضُّرُّ﴾ . ويقال إن أيوب - عليه السلام - كان مُكَاشَفَاً بالحقيقة، مأخوذاً عنه، فكان لا يُحِسُّ بالبلاءِ، فَسَتَرَ عليه مرةً، ورَدَّه إليه، فقال: ﴿مَسََِّ الضُّرُّ﴾. ويقال أَدْخَلَ على أيوب تلك الحالة، واستخرج منه هذه القالة ليظهر عليه إقامة العبودية . ويقال أوحى الله إلى أيوب - عليه السلام - أنَّ هذا البلاء اختاره سبعون نبياً قَبْلَكَ فما اخْتَرْتُه إلا لَكَ، فلمَّا أراد كَشْفَه عنه قال: ﴿مَسَّفِىَ الضُّرُّ﴾. وقيل كوشف بمعنىّ من المعاني فلم يَجِدْ أَلَمَ البلاء فقال: ﴿مَسَِّىَ الضُّرُّ﴾ لِفَقْدِي أَلَمْ الضُّرِّ. وقال جعفر الصادق(٢): حَبَسَ عنه الوحيَ أربعين يوماً فقال: ﴿مَسَّفِىَ الضُّرُّ﴾ (١) الذوائب: (ج) الذؤابة: ضفيرة الشعر المرسلة . (٢) هو جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط (٨٠ - ١٤٨ هـ = ٦٩٩ - ٧٦٥م) الهاشمي القرشي، أبو عبد الله، الملقب بالصادق، سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية كان من أجلاء التابعين، وله منزلة رفيعة في العلم. أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك. ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قط. له أخبار مع الخلفاء من بين العباس وكان جريئاً عليهم صداعاً بالحق. له ((رسائل)) مجموعة في كتاب ورد ذكرها في كشف الظنون. مولده ووفاته بالمدينة. الأعلام ١٢٦/٢، ووفيات الأعيان ١٠٥/١، وصفة الصفوة ٩٤/٢، وحلية الأولياء ١٩٢/٣. ٣٠٣ تفسير سورة الأنبياء لما لِحَقَه من الضعف بقيام الطاعة فاستجاب إليه بأنْ ردَّ عليه قُوَّتَه ليقوم بحقِّ الطاعة . ويقال طلب الزيادةَ في الرضا فاستُجِيبَ له بكَشْفٍ ما كان به من ضعف الرضا. ويقال إن الضرَّ الذي شكا منه أنه بقيت عليه بقية، وبليته كانت ببقيته، فلمَّا أُخِذَ عنه بالكلية زال البلاء، ولهذا قال: ﴿فَكَتَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤] وكانت نَفْسُه ضُرَّه، ورَدَّ عليه السلامةَ والعافية والأمل - في الظاهر - لمَّا صار مأخوذاً بالكلية عنه، مُنَقَّى عن كل بقية، وعند ذلك يستوي البلاء والعافية، والوجود والفقد. قوله جل ذكره: ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلُّ بِنَ الصَّبِينَ﴾ . أي واذكر هؤلاء الأنبياء ثم قال: ﴿كُلِّ مِنَ الصَّبِينَ﴾، ثم قال: قوله جل ذكره: ﴿وَأَرْخَلَْهُمْ فِى رَحْمَتِّنَاً إِنَّهُمْ مِنَ الصَلِحِينَ﴾ . بَيِّنَ الْحُكْمَ والمعنى؛ الحكمُ صبرُهم وصلاحُهم، والمعنى إدخالُه إياهم في الرحمة . قوله جل ذكره: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى اَلْقُلُمَنْتِ أَن ◌َّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿مُغَضِبًا﴾: على مَلِكِ وقته حيث اختاره للنبوة، وسأله: لِمَ اخترتَني؟ فقال: لقد أوْحَى اللَّهُ إلى نَبِي: أنْ قُلْ لفلانِ المَلِك حتى يختار واحداً لِيُرْسَلَ إلى نينوى(١) بالرسالة. فثَّقُلَ على ذي النون لما اختارَه المَلِكُ؛ لأن علم أن النبوةَ مقرونةٌ بالبلاء، فكان غضبه عليه لذلك . ويقال مغاضباً على قومه لمَّا امتنعوا عن الإيمان وخرج من بينهم. ويقال مغاضباً على نفسه أي شديد المخالفة لهواه، وشديداً على أعداء الدين من مُخَالِفِيه . ﴿فَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي أنْ لن نُضَيِّقَ عليه بطن الحوت، من قوله: ﴿وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْتَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أي ضيَّق. ويقال فظنَّ أن لن نقدر عليه من حَبْسِه في بَطْنِ الحوت. وخرج من بين قومه لَمَّا أُخْبِرَ بأنَّ اللهَ يُعَذِّب قومَه، وخرج بأهله . ويقال إن السبعَ افترس أهله في الطريق، وأخذ النَّمِرُ ابناً صغيراً له كان معه، وجاء موج البحر فأغرق ابنَه الآخر، وركب السفينة، واضطرب البحر، وتلاطمت أمواجُه، (١) نِيْنَوَى: وهي قرية يونس بن متى عليه السلام، بالموصل؛ وبسواد الكوفة ناحية يقال لها: نينوى منها كربلاء التي قتل بها الحسين رضي الله عنه. (معجم البلدان ٣٣٩/٥). ٣٠٤ تفسير سورة الأنبياء وأشرفَتْ السفينةُ على الغرق، وأخذ الناسُ في إلقاء الأمتعة في البحر تخفيفاً عن السفينة، وطلباً لسلامتها من الغَرَقِ، فقال لهم يونس: لا تُلْقُوا أمْتَعِتَكم في البحر بل أطرحوني فيه فأنا المجرم فيما بينكم لتخلصوا. فنظروا إليه وقالوا: نرى عليكَ سيماء الصلاح، وليست تسمح نفوسُنا بإلقائك في البحر، فقال تعالى مخبراً عنه: ﴿فَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] أي فقارعهم، فاستهموا، فوقعت القُرْعَةُ عليه . وفي القصة أنه أتى حَرْفَ السفينة، وكان الحوتُ فاغراً فاه، فجاء إلى الجانب الآخر فجاء الحوت إليه كذلك، حتى جاز كل جانب. ثم لمَّا عَلِمَ أنه مُرَادٌ بالبلاء ألقى نَفْسَه في الماء فابتلعه الحوت ((وهو مليم)): أي أتى بما يُلام عليه، قال تعالى: ﴿فَلْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]. وأوحى الله إلى السمك: لا تَخْدِشْ منه لَخماً ولا تَكْسِرْ منه عَظْماً، فهو وديعةٌ عندك وليس بِطُعْمَةٍ لك. فَبَقِي في بطنه - كما في القصة - أربعين يوماً. وقيل إن السمك الذي ابتلعه أُمِرَ بأن يطوف في البحر، وخلق الله له إدراك ما في البحر، وكان ينظر إلى ذلك. ويقال إن يونس عليه السلام صَحِبَ الحوتَ أياماً قلائل فإلى القيامة يقال له: ذا النون، ولم تبطل عنه هذه النسبة .. فما ظَنُّكَ بِعَبْدٍ عَبَدَه - سبحانه - سبعين سنة، ولازم قلبه محبته ومعرفته طولَ عمره .. ترى أيبطل هذا؟ لا يُظَنُّ بِكَرَمِهِ ذلك! ﴿فَتَادَى فِ الظُّلُمَةِ﴾ يقال ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت - هذا بيان التفسير، ويحتمل أن تكون الظلمات ما التبس عليه من وقته واستبهم عليه من حاله . قوله جل ذكره: ﴿فَأَسْتَجِبْنَا لَهُ وَتَيْنَهُ مِنَ الْغَمَّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ . استجبنا له ولم يَجْرِ منه دعاءً؛ لأنه لم يصدر عنه أكثر من قوله: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ولم يقر بالظلم إلا وهو يستغفر منه. ثم قال: ﴿وَنَّنَهُ مِنَ الْغَوَّ﴾ يعني: كُلُّ مَنْ قال من المؤمنين - إذا أصابه غمِّ، أو استقبله مُهِمّ - مثلما قال ذو النون نجيناه كما نجينا ذا النون. قوله جل ذكره: ﴿وَزَكَرِنَّا إِذْ نَادَىْ رَبَُّ رَبٍ لَا تَذَرْنِ فَْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾ سأل الوَلَدَ، وإنما سأله ليكون له مُعِيناً على عبادةِ ربِّه وليقوم في النبوة مقامَه، ولئلا تنقطعَ بركةُ الرسالة من بيته، ولقد قاسى زكريا من البلاء ما قاسى حتى حاولوا قَطْعَه بالمنشار، ولما التجأ إلى الشجرة انشقت له وتَوَسَّطَها، والتأمت الشجرة، وفطنوا إلى ذلك فقطعوا الشجرة بالمنشار، وصبر لله، وسبحان الله! ٣٠٥ تفسير سورة الأنبياء كان انشقاق الشجرة له معجزة، وفي الظاهر كان حفظاً له منهم، ثم لو لم يطلعهم عليه لكان في ذلك سلامته، ولعلَّهم - لو قتلوه ــ لم يُصِبْه من الألم القذْرُ الذي لحقه من القطع بالمنشار طول إقامته، وإنما المعنى فيه أن انشقاق الشجرة كان له معجزة، فَقَوِي بذلك يقينُه لمَّا رأى عجيبَ الأمر فيه من نَقْضٍ العادة، ثم البلاء له بالقتل ليس ببلاء في التحقيق، ولقد قال قائلهم: ((إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى". قوله جل ذكره: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَاً وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾. سمي یحیی لأنه خپيَ به عقر أمه. وقوله: ﴿وَأَسْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهٌُ﴾: لتكون الكرامةُ لهم جميعاً بالولد، ولئلا يستبدَّ زكريا بفرح الولد دونها مراعاةً لحقِّ صحبتها .. وهذه سُنَّةُ الله في باب إكرام أوليائه، وفي معناه أنشدوا : إنّ الكرامَ إذا ما أيسروا ذكروا مَنْ كان يألفهم في المنزل الخشن ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِيعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا﴾ وفي هذا بشارة لجميع المؤمنين، لأن المؤمن لا يخلو من حالة من أحوال الرغبة أو الرهبة؛ إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطاً والقنوط كفر (١)، ولو لم تكن رهبة لكان أمناً والأمن كفر (٢). قوله: ﴿وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ الخشوع قشعريرة القلب عند اطلاع الربِّ، وكان لهم ذلك على الدوام. قوله جل ذكره: ﴿وَلَِّّ أَحْصَنَتْ فَرْحَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن زُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ . يعني مريم، وقد نَفَّى عنها سِمَةَ الفحشاء وهجنة الذم. ويقال فنفخنا فيها من روحنا، وكان النفخُ من جبريل عليه السلام، ولكن لمَّا كان بأمره - سبحانه - صحَّتْ الإضافةُ إليه، وفي هذا دليل على تأويل خبر النزول، فإنه يكون بإنزال مَلَكِ فتَصِحُ الإضافة إلى الله إذ كان بأمره .. وإضافة الروح إلى نفسه على جهة التخصيص، كقوله: (ناقة الله، وبيتي) ... ونحو ذلك: ﴿وجعلنا وابنها آيةً للعالمين﴾: ولم يقل آيتين لأن أمرهما كان معجزة ودلالة، ويصح أن يراد أنَّ كلَّ واحدٍ منهما آيةٌ - على طريقة العرب في أمثال هذا. (١) هنا إشارة إلى سورة الحجر آية (٥٦). (٢) كذلك هنا إشارة إلى سورة الأعراف آية (٩٩). ٣٠٦ تفسير سورة الأنبياء وفيه نفي لتهمة مَنْ قال إنها حبلت من الله ... تعالى الله عن قولهم! قوله ﴿آية للعالمين﴾: وإن لم يهتد بهما جميعُ الناس ... لكنهما كانا آيةً. ومَنْ نَظَرَ في أمرهما، ووضَعَ النظرّ مَوضِعَه لاهتدى، وإذا أعرض ولم ينظر فالآية لا تخرج عن كونها حُجَّةً ودلالةً بتقصير المُقَصِّر في بابها . قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونٍ﴾ . أي كلكم خِلْقَتُه، وكلكم اتفقتم في الفقر، وفي الضعف، وفي الحاجة. ﴿وَأَنَأ رَبُّكُمْ﴾: وخالقكم على وصفِ التَّفَرُّد. قوله جل ذكره: ﴿وَقَطَّعُوْاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمَّ كُلُّ إِلَيْنَا رَحِعُونَ﴾. اختلفوا وتنازعوا، واضطربت أمورهم، وتفرَّقَتْ أحوالُهم، فاستأصلتهم البلايا. قوله: ﴿كل إلينا راجعون﴾: وكيف لا ... وهم ما يتقلبون إلاَّ في قبضة التقدير؟ قوله جل ذكره: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ ڪَتِبُونَ﴾ . مَنْ تَعنَّى الله لم يخسر على الله، ومَنْ تَحَمَّلَ لله مشقةً وَجَبَ حقُّه على الله : قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بعد قوله: ﴿ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ﴾ دليل على أن من لا يكون مؤمناً لا يكون عمله صالحاً ففائدة قوله ها هنا: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في المآل والعاقبة، فقد يعمل الأعمال الصالحة من لا يُخْتَمُ له بالسعادة، فيكون في الحال مؤمناً وعملُه يكون على الوجه الذي آمن ثم لا ثواب له، فإذا كانت عاقبته على الإسلام والتوحيد فحينئذٍ لا يضيع سَغیُه . قوله جل ذكره: ﴿وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزَّجِعُونَ﴾ . أي لا نهلك قوماً وإن تمادوا في العصيان إلا إذا علمنا أنهم لا يؤمنون، وأنه بالشقاوة تُخْتَمُ أمورهم . قوله جل ذكره: ﴿حََّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوِجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ . أي يحق القولُ عليهم، ويتم الأجلُ المضروبُ لهم، فعند ذلك تظهر أيامهم، وإلى القَدْرِ المعلوم في التقدير لا تحصلُ نجاةُ الناسِ من شرِّهم. قوله جل ذكره: ﴿وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَبْلَنَا قَدْ كُنَّا فِ غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَلِمِينَ﴾. ٣٠٧ تفسير سورة الأنبياء تأخذهم القيامةُ بغتةً، وتظهر أشراطُ الساعة فجأة، ويُقِرُّ الكاذبون بأنَّ الذنبَ عليهم، ولكن في وقتٍ لا تُقْبَلُ فيه مَعْذِرَتُهم، وأوانٍ لا ينفعهم فيه إيمانهم. قولِه جل ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْشُرْ لَهَا وَرِدُونَ﴾. ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾: أي الأصنام التي عبدوها، ولم تدخل في الخطاب الملائكة التي عبدها قومٌ، ولا عيسى وإن عبَدَه قومٌ لأنه قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقلُ إنكم ومن تعبدون. فيُخشَرُ الكافرون في النار، وتُحْشَرُ أصنامُهم معهم. والأصنامُ جماداتٌ فلا جُرْمَ لها، ولا احتراقها عقوبة لها، ولكنه على جهة براءة ساحتها، فالذنبُ للكفار وما الأصنامُ إلا جماداتٌ. قوله جل ذكره: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ مَالِهَةُ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ . القوم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى الَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فَعَلِمُوا أن الأصنامَ جماداتٌ، ولكن توهموا أن لها عند الله خطراً، وأنَّ مَنْ عبدها يَقْرُبُ بعبادتها من الله، فَيُبَيِّنِ اللَّهُ لهم - غداً - بأنَّها لو كانت تستحق العبادة، ولو كان لها عند الله خطرٌ لَمَا أُلْقِيَتْ في النار، ولَمَا أُخْرِقَتْ. قوله جل ذكره: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ . ﴿لَهُمْ﴾: أي لِعَبَدَةِ الأصنام، ﴿فِيَهَا﴾ أي في النار، ﴿زَفِيرٌ﴾ لحسرتهم على ما فاتهم، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ مِنْ نداءِ يبشرهم بانقضاءِ عقوبتهم. وبعكس أحوالهم عُصاة المسلمين في النار فَهَمْ - وإنْ عُذْبوا حيناً - فإنهم يسمعون قَوْلَ مَنْ يُبَشِّرهم يوماً بانقضاء عذابهم - وإن كان بعد مدة مديدة. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ . ﴿سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾: أي الكلمة بالحسنى، والمشيئة والإرادة بالحسنى، لأن الحسنى فعله، وقوله: ﴿سَبَقَتْ﴾ إخبار عن قِدَمِه، والذي كان لهم في القِدمِ هو الكلمة التي هي صفة تعلّقت بهم في معنى الإخبار بالسعادة. ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي عن النار، ولم يقل متباعدون لِيَعْلَمَ العالِمُون أن المدارَ على التقدير، وسَابقِ الحُكْمِ من الله، لا على تَبَاعُدِ العبد أو بتقرُّبه. قوله جل ذكره: ﴿لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَاْ وَهُمْ فِ مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ﴾ . يدل على ذلك أنهم لا يُعَذَّبون فيها بكل وجهٍ. والمراد منه العِبَادُ من المؤمنين الذين لا جُزْمَ لهم. ﴿وَهُمْ فِي مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾: مقيمين لا يبرحون. ٣٠٨ تفسير سورة الأنبياء قوله جل ذكره: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اُلْأَكْبَرُ وَنَلَقَّنَهُمُ الْمَتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَِّى كُنْتُمْ تُوُعَدُونَ﴾ . قيل الفزَعُ الأكبرُ قول المَلَكِ: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]. ويقال إذا قيل: ﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]. ويقال إذا قيل: يا أهلَ الجنةِ .. خلوداً لا موتَ فيه، ويا أهل النار. خلوداً لا موت فیه! وقيل إذا: ﴿قَالَ أَخْسَتُواْ فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقيل الفزع الأكبر هو الفراق. وقيل هو اليأس من رحمة الله وتعريفهم ذلك. قوله: ﴿وَلَقَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ يقال لهم هذا يومكم الذي كنتم وُعِدْتُم فيه بالثواب؛ فمنهم مَنْ يتلقَّاه المَلَكُ، ومنهم مَنْ يَرِدُ عليه الخطاب والتعريف من المَلِك. قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كُلَيِّ السِِّلِّ لِلْكُتُبِّ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْفٍ تُّمِيدٍُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّ فَعِلِينَ﴾ إنما كانت السماءُ سقفاً مرفوعاً حين كان الأولياءُ تحتها، والأرضُ كانت فِرَاشاً إذ كانوا عليها، فإذا ارتحل الأحبابُ عنها تخرب ديارهم. على العادة بين الخَلْقِ من خراب الديار بعد مفارقة الأحباب. ويقال نطوي السماء التي إليها عَرَجَت دواوينُ العصاة من المسلمين لئلا تشهدَ عليهم بالإجرام، وتُبَدَّلُ الأرضُ التي عصوا عليها غير تلك الأرض حتى لا تشهد عليهم بالإجرام. أو نطوي السماء لنُقَرِّبَ قَطْعَ المسافات على الأحباب. قوله جل ذكره: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ اَلْضَلِحُونَ﴾ . ﴿الذِّكْرِ﴾ هنا هو التوراة، و((كَتَّبَ)): أي أخبر وحَكَمَ، و﴿ اُلصََّلِحُونَ﴾ أمة محمد _ رَ﴾: أنَّ ﴿الْأَرْضَ﴾ هم الذين يرثونها. قوله جل ذكره: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلََّ رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾(١). أُمَّا مَنْ أسلم فَبِكَ ينجون، وأمَّا مَنْ كَفَرَ فلا نعذبهم ما دُمْتَ فيهم؛ فأنت رحمة مِنَّا على الخلائق أجمعين. (١) الآية (١٠٦) لم ترد. ٣٠٩ تفسير سورة الأنبياء قوله جل ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىّ إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُم مُسْلِعُونَ﴾ . واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في أفعاله، واحد بلا قسيم، واحد بلا شبيه، واحدٌ بلا شريك. ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ مخلصون في عقد التوحيد بالتبرِّي عن كلِّ غيرٍ في حسبان صَلَاحِيَّتِهِ للألوهية؟ قوله جل ذكره: ﴿فَإِنِ تَوَلَّوْ فَقُلْ مَاذَنْنُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبُ أَم بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ . إن أعرضوا ولم يؤمنوا فَقُلْ: إني بالالتزام أعلمتكم، ولكن للإكرام ما ألهمتكم، فَتَوَجَّهَتْ عليكم الحجة واستبهمَتْ عليكم المحجة . قوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِيِبُ أَم بَعِيدٌ﴾ إنَّ علمي متقاصِرٌ عن تفصيل أحوالكم في مآلكم، ووقت ما توعدون به في القيامة من تحصيل أهوالكم، ولكنَّ حُكُمَ الله غیرُ مستأخرٍ إذا أراد شيئاً من تغيير أحوالكم. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ . لا يخفى عليه سرُّكم ونجواكم، وحالكم ومآلكم، وظاهركم وباطنكم .. فعلى قَدْرِ استحقاقکم یُجازیکم، وبموجب أفعالکم یحاسبکم ویکافیکم. قوله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَُّ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَهُ إِلَى حينٍ﴾ . ليس يحيط عِلْمي إلا بما يُعْلِمُني، وإعْلامُه إياي ليس باختياري، ولا هو مقصودٌ على حسب مرادي وإيثاري. قوله جل ذكره: ﴿قَلَ رَبِّ أَمْكُ بِالِْيُّ وَرَبَّا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. الرحمن كثير الرحمة عامةً لكل أحد، ومنه يوجد العون والنصر حين يوجد وكيف يوجد. السورة التى يذكر فيها ((الحج)) سماعُ ((بسم الله)) يوجب الهيبة والغيبة وذلك وقت محوهم. وسماع ((الرحمن الرحيم)) يوجب الأنس والقربة، وذلك وقت صحوهم .. فعند سماع هذه الآية انتظم لهم المحو والصحو في سِلْكٍ واحد. سماعُ ((بسم الله)) يوجِب انزعاجَ القلوب وعنده يحصل داء جنونهم، وسماعُ ((الرحمن الرحيم)) يوجِب ابتهاجَ القلوبِ وبه يحصل شفاءُ فتونهم، فعودة فتونهم في لطف جماله كما أن موجب جنونھم في كشف جلاله . قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ﴾. ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ نداء علامة، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤] نداء كرامة، وبكلٌ واحدٍ من القسمين يفتتح الحقُّ خطابه في السُّوَر، وذلك لانقسام خطابه إلى صفة التحذير مرةً، وصفة التبصير أخرى. والتقوى هي التحرز والاتقاء وتجنب المحظورات. وتجنب المحظورات فَرْضٌ، وتجنب الفضلات والشواغل - وإن كان من جملة المباحات - نَفْلٌ، فثوابُ الأول أكثر ولكنه مؤجَّل، وثوابُ النَّقْلِ أقلُ ولكنه مُعَجَّل. ويقال خوَّفهم بقوله: ﴿أَتَّقُواْ﴾. ثم سكْن ما بهم من الخوف بقوله: ﴿رَبَّكُمْ﴾ فإنَّ سماعَ الربوبية يوجب الاستدامة وجميل الكفاية . قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ﴾: وتسمية المعدوم ((شيئاً)) توَسُّعٌ، بدليل أنه ليس في العدم زلزلة بالاتفاق وإن كان مُطْلَقُ اللفظِ يقتضيه، وكذلك القول في تسميته ((شيئاً)) هو توسع. قوله جل ذكره: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمَلَهَا وَتَى النَّامَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الَّهِ شَدِيدٌ﴾ . لكلٍ ذلك اليومَ شُغْلٌ يستوفيه ويستغرقه، وترى الناس سكارى أي من هَوْلٍ ذلك ٣١٠ ٣١١ تفسير سورة الحج . اليوم عقولهم ذاهبة، والأحوال في القيامة وأهوالها غالبة. وكأنهم سكارى وما هم في الحقيقة بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، ولشِدَّتِهِ يحيرهم ولا يبقيهم على أحوالهم. وهم يتفقون في تشابههم بأنهم سُكَارَى، ولكنَّ موجِبَ ذلك يختلف؛ فمنهم مَنْ سُكْرُه لِمَا يُصِيبه من الأهوال، ومنهم من سُكْرُه لاستهلاكه في عين الوصال. كذلك فَسُكْرُهم اليومَ مختلفٌ؛ فمنهم من سكره سكر الشراب، ومنهم من سكره سكر المحاب. وشئَّان بين سُكْرٍ وسُكْر! سُكْرٌ هو سُكْرُ أهلِ الغفلة، وسُكْرٌ هو سُكْرُ أهل الوصلة(١). قوله جل ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ الَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَریدٍ﴾. المجادلة الله - مع أعداء الحق وجاحدي الدين - من موجبات القربة، والمجادلة في الله، والمماراة مع أوليائه، والإصرارُ على الباطل بعد ظهور الدلائل من أمارات الشقوة، وما كان لوساوس الشيطان ونزغاته فقصاراه النار. قوله جل ذكره: ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن نَوَلَاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّمُ وَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. مَنْ وافق الشيطان بمتابعة دواعيه لا يهديه إلَّا إلى الضلال، ثم إنه في الآخرة يتبرأ من موافقته ويلعن جملةَ مُتَّبِعيه. فنعوذ بالله من الشيطان ونزغاته، ومن درك الشقاء وشؤم مفاجآته. قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَفَقِ ثُمَّ مِن ◌ُضْغَِ تُعَلَّقَةٍ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّمُبَيِّنَ لَكُمْ وَيُّفِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ نُخْرِئُكُمْ ◌ِفْلَا﴾. التبس عليهم جواز بعثه الخَلْق واستبعدوه غاية الاستبعاد، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عنِ تأمل البرهان، واحتجَّ عليهم في ذلك بما قطع حجتهم، فَمَنْ تَبعَ هُداه رَشِدَ، وَمَنْ أَصَرَّ على غَيِّه تَرَدَّى في مهواة هلاكه. واحتجَّ عليهم في جواز البعث بما أقروا به في الابتداء أن الله خَلَقَهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى؛ فبدأهم من نطقة إلى علقة ومنها ومنها ... إلى أَنْ نَقَلَهم من حال شبابهم إلى زمان شَيْبهم، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم. واحتجَّ أيضاً عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيي الأرض - في حال الربيع - بعد موتها، فتعود إلى ما كانت عليه في الربيع من الخضرة والحياة. والذي يَقْدِرُ على هذه (١) انظر حديث القشيري عن السكر في الرسالة القشيرية ص ٧١، ٧٢. ٣١٢ تفسير سورة الحج الأشياء يقدر على خَلْق الحياة في الرِّمة البالية والعظام النخرة. قوله: ﴿وَمِنْكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْزَلِ الْعُمُرٍ﴾ [الحج: ٥]: زمان الفترة بعد المجاهدة، وحال الحجبة عقب المشاهدة . ويقال أرذل العمر السعي للحظوظ بعد القيام بالحقوق . ويقال أرذل العمر الزلة في زمان المشيب. ويقال أرذل العمر الإقامة في منازل العصيان. ويقال أرذل العمر التعريج في أوطان المذلة . ويقال أرذل العمر العِشْرةُ مع الأضداد. ويقال أرذل العمر عَيْشُ المرءِ بحيث لا يُعْرَفُ قَدْرُه. ويقال أرذل العمر بأن يُوكَل إلى نَفْسِه . ويقال أرذل العمر التطوح في أودية الحسبان أن شيئاً بغير الله. ويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النَّفْس، والعَمَى عن شهود تقدير الحق. قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُّحِ الْمَوْقَ وَأَنَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . الله هو الحقُّ، والحق المطلق الوجود، وهو الحق أي ذو الحق. ﴿وَأَنَّهُ يُحِ الْمَوْقَ﴾ أي الأرض التي أصابتها وَحْشَةُ الشتاء يحييها وقتَ الربيع. ويقال يحيي النفوسَ بتوفيق العبادات، ويحيي القلوبَ بأنوار المشاهدات. ويقال يحيي أحوال المريدين بحسن إقباله عليهم. ويقال حياة الأوقات بموافقة الأمر، ثم بجميلِ الرضا وسكونِ الجأش عند جريان التقدير. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلٍْ وَلَا هُدَى وَلَا كِنَبٍ نُنِيرٍ﴾(١). دليل الخطاب يقتضي جواز المجادلة في الله إذا كان صاحب المجادلة على علم بالدليل والحجة ليستطيع المناضلة عن دينه، قال سبحانه لنبيّه: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥] ومَنْ لم يُحسِنْ مذهبَ الخَصْم وما يتعلق به من الشُبَهِ لم يمكنه الانفصال عن شُبْهَتهِ، وإذا لم تكن له قوة الانفصال فلا يُسْتَحَبُّ له أن يجادل الأقوياء منهم، وهذا يدل على وجوب تعلّم علم الأصول، وفي هذا ردّ على مَنْ جَحَدَ ذلك . (١) الآية (٧) لم ترد. ٣١٣ تفسير سورة الحج - قوله جلّ ذكره: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ . يريد أنه متكبِّر عن قبول الحق، زاهِدٌ في التحصيل، غيرُ واضع نظره موضعه؛ إذ لو فعل ذلك لهان عليه التخلّص من شُبهتهِ . ثم قال: ﴿لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ أي مذلة وهوان، وفي الآخرة عذاب الحريق. قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ أَلْمَأَنَّ ◌ِّ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِئْنَهُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ اْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾(١). يعني يكون على جانبٍ، غير مخلص ... لا له استجابة توجب الوفاق، ولا جَخْداً يبين الشقاق؛ فإنْ أصابَه أَمْنْ وخير ولينّ اطمأن به وسَكَنَ إليه، وإن أصابته فتنةٌ أو نالته محنة ارتدَّ على عقبيه ناكساً، وصار لِمَا أظهر من وفاقه عاكساً. ومَنْ كانت هذه صفته فقد خسر في الدارين، وأخفق في المنزلتين. قوله جلّ ذكره: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُمْ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ يَدْعُوْ لَمَن ضَرُّهُ، أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهٍ، لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَيْسَ الْعَشِيرُ﴾ .. أي يعبد مَنْ المضَرَّةُ في عبادته أكثرُ من النَّفْع منه، بل ليس في عبادته النفعِ بحالٍ، فالضُّرُّ المُتَيَقَّنُ في عبادتهم الأصنام هو بيانُ ركاكة عقولِهم، ورؤيةُ الناسِ خطأ فِغْلِهم. والنفع الذي يتوهمونه في هذه العبادة ليس له تحصيل ولا حقيقة. ثم قال: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَيْسَ الْعَشِيرُ﴾: أي لبنس الناصرُ الصَّنَّمُ لهم، ولبئس القومُ هم للصنم، ولِمَ لا.؟ ولأَجْلِه وقعوا في عقوبة الأبد. قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْصَلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُّ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ . ﴿الَّذِينَ ءَمَنُواْ﴾: أي صَدَّقُوا ثم حقَّقُوا؛ فالإيمانُ ظاهِرُه التصديق وباطنه التحقيق، ولا يصل العبد إليهما إلا بالتوفيق. ويقال الإيمان انتسام الحق في السِّرِ. ويقال الإيمان ما يوجب الأمان، ففي الحال يجب الإيمان وفي المآل يوجب الأمان، فمُعَجَّلُ الإيمان من ( ... )(٢) المسلمين، ومؤجَّلُه الخلاصُ من صحبة الكافرين الفاسقين . وقوله: ﴿وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ﴾: العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويصلح للثواب، وهو أن يكون على الوجه الذي تعلّق به الإيمان. (١) الآية (١٠) لم ترد. (٢) بياض في الأصل. ٣١٤ تفسير سورة الحج والجنان التي يدخل المؤمنين فيها مؤجلة ومعجلة، فالمُؤَجَّلَة ثواب وتوبة، والمعَجَّلةُ أحوالٌ وقربة، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. قوله جلّ ذكره: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَلْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآِ ثُمَّ لَيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيَظُ﴾ . أي أنَّ الحقَّ - سبحانه - يرغم أعداءَ رسول اللهِوَِّ، فَمَنْ لم تَطِبْ نَفْسُه بشهود تخصيص الله سبحانه بما أفرده به فليقتلْ نَفْسَه من الغيظ خَنْقاً، ثم لا ينفعه ذلك، كما قيل: فدونَكَ الحَبْلَ به فاخنق إنْ كنتَ لا ترضى بما قد ترى قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْنَهُ مَيَتٍ بَيْنَتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ﴾ . ﴿وَيَتٍِ بَيْنَتٍ﴾: أي دلالات وعلامات نَصْبَهَا الحقُّ سبحانه لعباده، فمن الآيات ما هو قضية العقل، ومنها ما هو قضية الخبر والنقل، ومنها ما هو تعريفات في أوقات المعاملات فما یجده العبد في حالاته من انغلاق، واشتداد قبض، وحصول خسران، ووجوه امتحان .. لا شكَّ ولا مرية إذا أَخَلَّ بواجبٍ أو أَلَمَّ بمحظور. أو تكون زيادة بَسْطٍ أو حلاوة طاعة، أو تيسير عسيرٍ من الأمور، أو تجدد إنعامٍ عند حصول شيءٍ من طاعاته . ثم قد يكون آيات في الأسرار، هي خطابُ الحقَّ ومحادثةٌ معه، كما في الخبر: ((لقد كان في الأمم مُحَدَّثون فإن يك في أمتي فعمر))(١) . ثم يقال الآيات ظاهِرةٌ، والحجج زاهرة، ولكن الشأن فيمن يستبصر. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّنِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَهُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ . أصناف الناس على اختلاف مراتبهم: الوليُّ والعدوُّ، والموحّد والجاحد يُجْمَعُون يومَ الحشر، ثم الحقُّ - سبحانه - يعامِل كلاً بما وَعَدّه؛ إما بوصالٍ بلا مَدَى، أو بأحوالٍ بلا منتهى. الوقتُ واحد؛ وكلُّ واحدٍ لما أُعِدَّ له وافد، وعلى ما خُلِقَ له وارد . قوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَلَلِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآَبُ وَكَثِرٌ مِنَ النَّاسِّ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُّمِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍّ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾. (١) أخرجه البخاري (فضائل الصحابة ٦)، (أنبياء ٥٤)، ومسلم (فضائل الصحابة ٢٣)، والترمذي (مناقب ١٧)، وأحمد بن حنبل (٦، ٥٥). ٣١٥ تفسير سورة الحج أهل العرفان يسجدون له سجودَ عبادة، وأربابُ الجحود كُلُّ جزءٍ منهم يسجد له سجود دلالة وشهادة . وفي كل شيءٍ له آيةٌ تَدُلُّ على أنه واحدُ قوله، جلّ ذكره: ﴿﴿ هَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمٌّ فَلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ شِيَابٌ مِّنِ ثَارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ . أما الذين كفروا فلهم اليومَ لباسُ الشرْكِ وطِرازُه الحرمان، ثم صدار الإفك وطرازه الخذلان. وفي الآخرة لباسهم القطران(١) وطرازه الهجران، قال تعالى: أَخْسَثُواْ فِهَا وَلَا تُلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. أمَّا أصحابُ الإيمانِ فلِباسُهم اليومَ التقوى، وتنقسم إلى اجتناب الشِّرْكِ ثم مجانبة المخالفة، ثم مباينة الغفلة، ثم مجانبة السكونِ إلى غير الله والاستبشار إلى ما سوى الله. وفي الآخرة لباسُهم فيها حريرٌ، وآخرون لباسهم صدار المحبة، وآخرون لباسهم الانفراد به، وآخرون هم أصحاب التجريد؛ فلا حالَ ولا مقامَ ولا منزلةً ولا محلَّ وهم الغُرَبَاءُ (٢)، وهم الطبقة العليا، وهم أحرار من رِقُ كل ما لَحِقْهُ التكوين(٣). قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُرُ مُحَلَوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ . ٠ التحلية تحصينٌ لهم، وسَتْرٌ لأخوَالهم؛ فهم للجنة زينة، وليس لهم بالجنة زينة: وإذا الدُّرَّ زَانَ حُسْنَ وجوهٍ كان للدُّرْ حُسْنُ وَجْهِكَ زَيْنَا قوله جلّ ذكره: ﴿ وَهُدُوَأْ إِلَى الَِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾. الطيبُ من القول ما صَدَر عن قلبٍ خالصٍ، وسِرِّ صافٍ مما يَرْضَى به علم التوحيد، فهو الذي لا اعتراض عليه للأصول. ويقال الطيب من القول ما يكون وعظاً للمسترشدين، ويقال الطيبُ من القول هو إرشاد المريدين إلى الله. (١) القطران: مادة سوداء سائلة لزجة تُستخرج من الخشب والفحم ونحوهما بالتقطير الجاف وتستعمل لحفظ الخشب من التسوس والحديد من الصدأ. (٢) قال القشيري برسالته عند حديثه عن التصوف: سُئل أحمد بن الجلاء: ما معنى صوفي؟ فقال: لا نعرفه في شرط العلم ولكن نعرف فقيراً مجرداً من الأسباب، كان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه الحق سبحانه من علم كل مكان، فسمي صوفياً. (الرسالة القشيرية ص ٢٨٣). (٣) الآيات (٢٠، ٢١، ٢٢) لم ترد. ٣١٦ تفسير سورة الحج ويقال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقال الدعاء للمسلمين. ويقال كلمة حقٍ عند من يُخَافُ ويُرْجَى . ويقال الشهادتان عن قلبٍ مخلص. ويقال ما كان قائله فيه مغفوراً وهو مُسْتَنْطَقٌ . ويقال هو بيان الاستغفار والعبد بريءٌ من الذنوب. ويقال الإقرار بقوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]. ويقال أَنْ تَدْعُوَ للمسلمين بما لا يكون لَكَ فيه نصيب. وأَمَّا ﴿صِرَطِ اَلْحَمِيدِ﴾: فالإضافة فيه كالإضافة عند قولهم: مسجد الجامع أي المسجد الجامع والصراط الحميد: الطريق المرضي وهو ما شهدت له الشريعة بالصحة، وليس للحقيقة عليه نكير . ويقال الصراط الحميد: ما كان طريق الاتباع دون الابتداع. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَِّ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً اٌلْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَاءٍ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلٍْ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . الصدُّ عن المسجد الحرام بإِخافة السُّبُل، وبِغَصْبِ المال الذي لو بقي في يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام. قوله: ﴿سَوَآءُ اَلْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَارِ﴾ وإنما يعتبر فيه السبق والتقدم. ومشهد الكِرَام يستوي فيه الإقدام، فَمَنْ وَصَلَ إلى تلك العقوة فلا ترتیبَ ولا ردّ، وبعد الوصول فلا زَجْرَ ولا صدَّ، أمَّا في الطريق فربما يعتبر التقدم والتأخر؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَشْخِرِينَ﴾ ولكن في الوصول فلا تفاوتَ ولا تباين، ثم إذا اجتمعت النفوسُ فالموضع الواحد يجمعهم، ولكنْ لكلِّ حالٌ ينفرد بها . قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَهِّرْ بَيْنِىَ لِلَّابِفِينَ وَالْقَاِينَ وَالُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. أصلحنا له مكانَ البيت وأسكنَّاه منه؛ وأرشدناه له، وهديناه إليه، وأَعنَّاه عليه، وذلك أنه رفع البيت إلى السماء الرابعة في زمن طوفان نوح عليه السلام، ثم أمر إبراهيم عليه السلام ببناءِ البيت على أساسه القديم. قوله ﴿أَن لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا﴾، أي لا تلاحظ البيت ولا بناءَك له . ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ... ﴾ يعني الكعبة - وذلك على لسان العلم، وعلى بيان الإشارة فَرُّغَ قَلبَكَ عن الأشياء كلّها سوی ذِكْرِه - سبحانه. ٣١٧ تفسير سورة الحج وفي بعض الكتب: ((أوحى الله إلى بعض الأنبياء فَرِّغ لي بيتاً أسكنه، فقال ذلك الرسول: إلهي ... أي بيت تشغل؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدي المؤمن)). والمراد منه ذكر الله تعالى؛ فالإشارة فيه أن يفرّغ قلبه لذكر الله. وتفريغ القلب على أقسام: أوله من الغفلة ثم مِنْ توهُم شيءٍ من الحدثان من غير الله . ويقال قد تكون المطالبة على قوم بِصَوْنِ القلب عن ملاحظة العمل، وتكون المطالبة على الآخرين بحراسة القلب عن المساكنة إلى الأحوال . ويقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ﴾: أي قَلبكَ عن التطلع والاختيار؛ بألا يكون لك عند الله حظّ في الدنيا أو في الآخرة حتى تكون عبداً له بكمال قيامك بحقائق العبودية . ويقال ﴿ وَطَهِّرْ بَيِّيَ﴾: أي بإخراج كل نصيب لك في الدنيا والآخرة من تطلع إِكرام، أو تَطَلُّبِ إنعام، أو إرادة مقام، أو سبب من الاختيار والاستقبال. ويقال طَهِّزْ قلبك للطائفين فيه من موارد الأحوال على ما يختارِه الحق. ﴿ وَأَلْقَآَيِمِينَ﴾ وهي الأشياء المقيمة من مستودعات العرفان في القلب من الأمور المُغْنِيةِ عن البرهان، ويتطلع بما هو حقائق البيان التي هي كالعيان كما في الخبر: ((كأنك تراه))(١). ﴿ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: هي أركان الأحوال المتوالية من الرغبة والرهبة، والرجاء والمخافة، والقبض والبسط، وفي معناه أنشدوا : أجعل القلب بيتَه والمتاما لست من جملة المحبين إن لم وهو ركنى إذا أردتُ استلاما وطوافي إجالةُ السِّرِّ فيه قوله: ﴿لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا﴾: لا تلاحظ البيتَ ولا بِنَاءكَ للبيت. ويقال هو شهود البيت دون الاستغراق في شهود ربِّ البيت. قوله جل ذكره: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ﴾ . أَذَّن إبراهيم - عليه السلام - بالحج ونادى، وأسمع اللَّهُ نداءَه جميعَ الذرية في أصلابٍ آبائهم، فاستجاب مَنْ المعلوم مِنْ حاله أنه يحج. وقدَّم الرَّجالةَ على الركبان لأنَّ الحَمْلَ على المركوب أكثر. (١) هنا الخبر إشارة إلى الحديث: ((أعبد الله كأنك تراه وأعدد نفسك في الموتى)) أخرجه المنذري في (الترغيب والترهيب ١٠٦/٤ - ٢٤٣). أو إلى حديث ((أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) سبق تخريجه. ٣١٨ تفسير سورة الحج ولتلك الجِمالِ على الجمال خصوصية لأنها مركب الأحباب، وفي قريبٍ من معناه أنشدوا : وإِدَّ جِمالاً قد علاها جَمَالُكُم - وإن قُطْعَتْ أكبادنا - لحبائب ويقال ﴿يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ﴾ هذا على وجه المدح وسبيل الشكر منهم. وكم قَدْرُ مسافةِ الدنيا بجملتها!؟ ولكنْ لِأَجْلِ قَدْرِ أفعالهم وتعظيمِ صنيعِهم يقول ذلك إظهاراً لفضله وكرمه . قوله جلّ ذكره: ﴿نِّيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ . أرباب الأموال منافعهم أموالُهم، وأرباب الأعمال منافعُهم حلاوةُ طاعتهم، وأصحاب الأحوال منافعهم صفاءُ أنفاسهم، وأهلُ التوحيد منافعهم رضاهم باختيارِ الحقُّ ما يبدو من الغيب لهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمُ اللَّهِ فِىَ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَّقَّهُم مِّنْ يَهِيمَةِ الْأَنْفَرِّ﴾ . لأقوام عند التقرُّب بقرابينهم وسوق هَذيِهم (١). وآخرون يذكرون اسمه عند ذَبْحهِم أمانيهم واختيارهم بسكاكين اليأس .. حتى يقوموا بالله لله بِمَحَوِ ما سوى الله . قوله جلّ ذكره: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآِسَ اَلْفَقِيَرَ﴾. شاركُوا الفقراءَ في الأكل من ذبيحتكم - الذي ليس بواجب - لتلحقكم بركاتُ الفقراء. والإشارة فيه أن ينزلوا ساحةَ الخضوع والتواضع، ومجانبة الزَّهْوِ والتكبِّر. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ لَيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُونُواْ نُذُوَرَهُمْ﴾ . ليقضوا حوائجهم وليحققوا عهودَهم، وليوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فَمَنْ كان عقِدُه التوبة فوفاؤه ألا يرجعَ إلى العصيان. ومَنْ كان عَهْدُه اعتناقَ الطاعةِ فَشَرْطُ وفائه تركُ تقصيره. ومن كان عهدُه ألا يرجع إِلى طلب مقام وتطلّع إِكرام فوفاؤه استقامته على الجملة في هذا الطريق بألا يرجع إلى استعجالِ نصّيبٍ واقتضاء حظٍ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾ . الإشارة في الطواف إلى أنه يطوف بنَفْسه حولَ البيت، وبقلبه في ملكوت السماء، وبِسِرّه في ساحات الملكوت. (١) الهَذي: ما يُهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم ليُنحر ويذبح هناك ويُتصدق بلحومه. الواحدة هدية . ٣١٩ تفسير سورة الحج قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَُّرُ عِنْدَ رَيِّدٍ﴾. تعظيم الحرمات بتعظيم أمره؛ وتعظيمُ أمرِهِ بِتَرْكِ مخالفته. ويقال من طلب الرضا بغير رضى الله لم يبارك له فيما آثره من هواه على رضى مولاه، ولا محالةَ سيلقى سريعاً غِبَّه. ويقال تعظيم حرماته بالغيرة على إيمانه وما فَجَرَ صاحبُ حُزْمَةٍ قط . ويقال ترك الخدمة يوجب العقوبة، وترك الحرمة يوجِبُ الفُرْقة . ويقال كلُّ شيءٍ من المخالفات فللعفو فيه مساغ وللأمل إِليه طريق، وتَرْكُ الحرمة على خَطَرٍ ألا يُغْفَر .. وذلك بأن يؤدي ثبوتُه بصاحبه إِلَى أَنْ يختَلَّ دِينُه وتوحيده . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَمُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمّ﴾ . فالخنزير من جملة المحرمات، وكذلك النطيحة(١) والموقوذة (٢)، وما يجيء تفصيله في نَصٌ الشرع. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَجْتَلِبُواْ الْرّْسَ مِنَ اُلْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُوْ قَوْلَ الزُّورِ﴾. ((من)) ها هنا للجِنس لا للتبعيض، وهوى كلٌّ من اتبعه معبودُه، وصنمُ كلٌ أحدٍ نَفْسُه. ﴿وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾: ومن جملة ذلك قول اللسان بما لا يساعده قولُ القلب ونطقه، ومَنْ عاهد اللَّهَ بقلبه ثم لا يفي بذلك فهو من جملة قول الزور. قوله جلّ ذكره: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وَمَن يُشْرِك ◌ِاللَّهِ فَكَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطِئُهُ الَّيْرُ أَوْ نَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ . الحنيف المائلُ إلى الحق عن الباطل في القلبِ والنَّفْسِ، في الجهر وفي السُّرِّ، في الأفعال وفي الأحوال وفي الأقوال. ﴿غيّرَ مُشْرِكِينَ بِْ﴾: الشّركُ جَلِيٍّ وخَفِيٍّ . قوله ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا ... ) كيف لا .. وهو يهوي في جهنم وتتجاذبه ملائكة العذاب؟ أو تهوى به الريح من مكان سحيق .. وكذلك غداً في صفة قوم يقول الله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. (١) النطيحة: الشاة المنطوحة تموت فلا يَجل أكلها. (اللسان ٢/ ٦٢١ مادة: نطح). (٢) الموقوذة: الشاة ونحوها تُضرب حتى تموت ثم تؤكل. وقيل: المضروبة حتى تموت ولم تُزَكّ. (اللسان ٥١٩/٣ مادة: وقذ). ٣٢٠ تفسير سورة الحج قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اَللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ . يقف المؤمنُ على تعيين شعائر الله وتفصيلها بشهادة العلم جهراً، وبخواطر الإلهام سِرَّاً. وكما لا تجوز مخالفةُ شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإِنْ خاطر الحقِّ لا يكذِبُ، وعزيزٌ مَنْ له عليه وقوف. وكما أَنْ النَّفْسَ لا تصدق فالقلب لا يكذب، وإذا خولف القلبُ عَمِيَ في المستقبل، وانقطعت عنه تعريفاتٌ الحقيقة، والعبارة والشرح يتقاصران عن ذكر هذا على التعيين والتفسير. ويقوي القلبُ بتحقيق المنازلة؛ فإذا خرست النفوسُ، وزالت هواجسها، فالقلوب تنطق بما تُكاشَفُ به من الأمور. ومنَ الفَرْقِ بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي طريقه العلم يعلم صاحبُه أولاً ثم يعمل مختاراً، وما كان من الحق يجري ويحصل ثم بعده يعلم مَنْ جرى عليه ذلك معناه، ولا يكون الذي يجرِي عليه ما يُجْرَى مضطراً إلى ما يُجْرَى. وليس يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار، بل يكون مختاراً ولكنَّ سببَه عليه مشكلٌ، والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد. قوله جلّ ذكره: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَىَ أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَسِيقِ﴾. لكلٍّ من تلك الجملةِ منفعةٌ بِقَدْره وحدِّه؛ فلأقوام بركاتٌ في دفع البلايا عن نفوسهم وعن أموالهم، ولآخرين في لذاذاتِ بَسطِهم، ولآخرين في حلاوة طاعاتهم، ولآخرين في أُنسٍ أنفاسهم. قوله جل ذكره: ﴿وَلِكُلّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنَسَكًا لِيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمٍ مِنْ بَهِيمَةِ آلْأَنْعَمِّ﴾ الشرائعُ مختلفةٌ فيما كان من المعاملات، متفقة فيما كان من جملة المعارف، ثم هم فيها مختلفون: فقومٌ هم أصحاب التضعيف (١) فيما أوجب عليهم وجعل لهم، وقومُ هم أصحاب التخفيف فيما ألزموا وفيما وُعدَ لهم. قوله ﴿لَّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى﴾ وذكر اسم الله على ما رزقهم على أقسام: منها معرفتهم إنعام الله بذلك عليهم .. وذلك من حيث الشكر، ثم يذكرون اسمه على ما وفْقَهم لمعرفته بأنه هو الذي يتقبل منهم وهو الذي يُثيبهم. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ: أَسْلِمُواْ وَبَشِرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ . أي اسْتَسلموا لِحُكمه بلا تَعبيسٍ ولا استكراهٍ من داخل القلب. (١) قال القشيري برسالته: إن الرخص في الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال وهؤلاء ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه. (الرسالة القشيرية ص ٣٨٠).