Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ تفسير سورة مريم قال عيسى عليه السلام: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىّ﴾، وقال لنبينا عليه السلام ليلة المعراج: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) .. فشتان ما هما! والسلام بمعنى السلامة، أي سلامة لي يوم الولادة مما نسبوا إليَّ من. قول النصارى في مجاوزة الحدُ في المدح، ومما وصفني به اليهود من الذمُ، فَلَسْتُ كما قالت الطائفتان جميعاً . وسلام عليَّ يوم أموت؛ ففي ذلك اليوم تكون لي سلامة حتى تكون بالسعادة وفاتي . وسلام عليّ يوم أُبْعَثُ؛ أي سلامةٌ لي في الأحوالِ مِمَّا يُبْتَلَى به غيرُ أهل الوصال. قوله جلّ ذكره: ﴿ذَلِكَ عِيسَى. أَبْنُ مَرْيُمْ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ . أي الذي قال ما أخبر الله عنه هو عيسى ابن مريم ... أيكون بقول إله؟ وقد شكَّ فيه أكثر الخَلْقِ فَرَدَّه قومٌ وَقِبَله قومٌ، والفرق بينهما في استحقاقه. وقوله: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ أي يكون بقوله الحق وهو: قوله جلّ ذكره: ﴿مَا كَانَ لِلَِّ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلٍَّ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَّكُنُ وَإِنَّ اللَّهَ رَنِي وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطُ مُسْتَقِيمُ﴾ . لا يجوز أن يكون له وَلَدٌ على الحقيقة؛ لأنه واحد، والوَلَّدُ بعضُ والده. ولأنه لا داعي له إلى صحبة زوجة فيكون له ولد على الحقيقة. ولا يجوز عليه التبني لأحدٍ لَعَدَم الجنسية بينهما. وقوله: ﴿ إِذَا قَضَ أَمْرًا ... ﴾ إذا أراد إحداثَ شيءٍ خَلَقَه بقدرته، وخاطَبَه بأمر التكوين، ولا يتعصَّى عليه - في التحقيق - مقدور. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُزْ﴾ أي أمرني بأن تعلموا ذلك؛ وأمرني بتبليغ رسالتي، واتباع ما شَرَعَ اللَّهُ من العبادات. قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . فَمَنْ عُجِنَتْ بماءِ السعادةِ طينتُه أَطَاعَ في عاجله وما ضاع في آجله، ومَنْ أَقْصَتْه القِسْمة السابقة لم تُذْنِهِ الخِدْمَةُ اللاحقة، وسَيَلْقَوْنَ غِبَّ هذا الأمر. قوله جلّ ذكره: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَّا لَكِنِ الظَّالِمُونَ أَلْيَوْمَ فِ ضَلَلٍ مُِّينٍ﴾. تصير معارفهم ضروريةً، وأحوالُهم كلُّها معكوسةَ، والحُجَّة تتأكَّد علیھم، والحاجةُ لا تُسْمَعُ منهم، والرحمةُ لا تتعلّق بهم، فلا تُرْحَم شكاتُهم، ولا يُسْمَعُ نداؤهم. ٢٤٢ تفسير سورة مريم قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ اَلْأَمْرِّ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .. تقوم الساعةُ بغتةً، وتصادفهم القيامةُ وهم غيرُ مستعدين لها فيتحسَّرون على ما فاتهم . ويقال يوم الحسرة يوم القسمة حين سَبَقَّتْ لقوم الشقاوةُ - وهم في محو العَدَم، ولآخرين السعادة - وهم بنعت العدم، ولم يكن من أولئك جُزْم بَعْدُ، ولا مِنْ هؤلاء وِفَاقْ بعدُ . قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ . يريد به إذا قَبَضَ أرواحَ بني آدم بجملتهم، ولم يبقَ على وجه الأرض منهم واحدٌ، وليس يريد به استحداث مُلْكِه، وهو اليومَ مالِكُ الأرض ومَنْ عليها، ومالكُ الكون وما فيه . ويقال إن زكريا قال - لمَّا سأل الولد: ﴿يَرِثْنِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالٍ يَعْقُوبِ﴾ [مريم: ٦] وقال تعالى في صفة بني إسرائيل: ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَّوِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقال: [الأعراف: ١٢٨]، ولما انتهى إلى ﴿إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ هذه الأمة قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ .. فشتان بين مَنْ وارِثُه الوَلَدُ وبين مّنْ وارِثُه الأَحَدُ! ويقال هان على العبد المسلم إِذا مات إذا كان الحقُّ وارثَه .. وهذا مخلوق يقول في صفة مخلوق: فإِنْ يكُ عثَّابٌ مضى لسبيله فمامات من يبقى له مِثْلُ خالدٍ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءٍ﴾ [آل عمران: ١٦٨] لماذا؟ لِأَنَّ وارثَهم اللَّهُ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَّ إِنَُّ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا﴾ . الصِدِيق الكثير الصدق، الذي لا يمازج صِدْقَه شوبٌ. ويقال هو الصادق في أقواله وأعماله وأحواله . ويقال الصِدِيق لا يناقِضُ سِرُّهُ عَلَنَه . ويقال هو الذي لا يشهد غيرَ الله مُثْبِتَاً ولا نافياً. ويقال هو المستجيب لِمّا يُطَالَب به جملةً وتفصيلاً. ويقال هو الواقفُ مع اللَّهِ في عموم الأوقات على حدِّ الصدق. قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾. ٢٤٣ تفسير سورة مريم . دلَّت الآيةُ على استحقاقِ المعبودِ الوصفَ بالسمع والبصرِ على الكمال دون نُقْصانٍ فيه، وكذلك القول في القدرة على الضَّرِّ والنفع. وإذا رجع العبدُ إلى التحقيق عَلِمَ أن كلَّ الخَلْقِ لا تَصْلُحُ قدرةُ واحدٍ منهم للإبداع والإحداث، فمن عَلَّقَ قلبه بمخلوق، أو تَوَهَّمَ شظية منه من النفي والإثبات فَقَدْ ضَاهَى عَبَدةَ الأصنام. قوله جلّ ذكره: ﴿ يَأَبَتِ إِنِِّ قَدْ جَمَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىَ أَهْلِكَ صِرَطًا سَوِنًا﴾ . أَمَرَه باتباعه لمَّا ترجح عليه جانبُه في كَوْنِ الحقِّ معه - وإِنْ كان أكبرَ منه سِئَّاً، وبيَّن أن الخلاص في اتباع أهل الحقّ، وأَنَّ الهلاكَ في الابتداع والتطوع في مغاليط الطرق. قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنِّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ . بَّن أَنَّ العلةَ في منعه من عبادة الشيطان عصيانه للرحمن فَبَانَ أنه لا ينبغي أَنْ تكون طاعةٌ لِمَنْ يَعْصِي اللَّهَ بحالٍ . ويقال أساسُ الدِّينِ هِجْرانُ أَربابِ العصيان . قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾. لم يغادِرْ الخليل شيئاً من الشفقة على أبيه، ولم ينفعه جميل وعظه، ولم تنجع فيه كثْرَةُ نُصْحه؛ فإِنَّ مَنْ أَقْصَتْه سوابِقٌ التقدير لم تُخَلْصْه لواحقُ التدبير. قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِ يَِّزَهِيمِ﴾ . منَّاه إبراهيمُ بجميل العُقْبَى، فقابلَه بتوعدُ العقوبة فقال: ﴿لَيِن لَّمْ تَنْتَّهِ لَأَرْجُنََّكِ، وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ . فأجابه الخليل بمقتضى سكون البصيرة فقال : ﴿قَالَ سَلَّمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًا﴾ . وهذا قبل أن ييأسَ من إيمانه، إذ كانت لديه بعدُ بقيةٌ من الرجاء في شأنه، فلمًا تحقق أنه مختومٌ له بالشقاوة قال له: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَى أََّ أَكُنَ بِدُعَِّ رَبِ شَفِيًّا﴾ . ﴿وَمَا تَدْعُونَ﴾: أي ما تعبدون، ﴿وَأَدْعُواْ رَبٍ﴾: أي أعبده. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا أَعْتَزَّلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٍّ وَكُلََّ جَعَلْنَا نَبِيًا﴾. لما أَيِسَ من أَصلِه آنَسَه اللَّهُ بما أكرمه من نَسْلِه، فأنبتهم نباتاً حسناً، ورزقهم النبوةً، ولسان الصدق بالذكر لهم على الدوام فقال: ٢٤٤ تفسير سورة مريم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًًّا﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذَكُرْ فِي الْكِنَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا﴾ . "مُخْلَصاً خالصاً لله، ولم يكن لغيره بوجهٍ؛ فلم تأخذه في الله لومةُ لائم، ولم يستفزه طمع نحو إيثار حظٍ، ولم يُغْضِ في اللَّهِ على شيءٍ. قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْعُورِ آلْأَيْمَنِ وَقَرَّتْنَهُ نِيََّ﴾ . للنجوى مزية على النداء، فجمع له الوصفَيْن: النداءَ في بدايته، والسماع والنجوى في نهايته؛ فوقّفَه الحقُّ وناداه، وفي جميع الحالين تولّاه. ﴿مِن ◌َاِبِ اُلُّورِ﴾: ترجع إلى موسى فموسى كان بجانب الطور(١). قوله جلّ ذكره: ﴿وَوَهَبْنَا لَمُ مِن رَّحْمَيِّنَآَ أَخَاهُ هَرُونَ نِّيَّا﴾. من خصائص موسى أنه وهب له أخاه هارون نبيًّا . قوله جلّ ذكره: ﴿وَذَّكُرْ فِي الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَمُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا﴾ . كان صادق الوعد إذا وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه، وصبر على ذلك إلى أن ظهر الفِداء. وصدق الوعد لأنه حفظ العهد. وكان يأمر أهله بالصلاة - بأمر الله إياه - وبالزكاة، ويشتمل هذا على ما أمره إياهم بالعيادة البدنية والمالية حيثما وكيفما كان. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا﴾ وكان هذا أشرفَ خِصاله وأَجلَّ صفاته. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَذَكُرُ فِ الْكِتَبِ إِذْرِسَّ إِنَُّ كَنَ صِدِّيقًا نِّيَّا وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾. الصّدِيق كثير الصدق، لا يشوب صدقه مذق(٢)، ویکون قائماً بالحقِّ للحق، ولا يكون فيه نَفَسٌ لغير الله. ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًّا عَلِيًّا﴾: درجة عظيمة في التربية لم يُسَاوِه فيها أَحَدٌ. قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ مِن ذُرِيَّةٍ مَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ نُرِيَّ إِنْزَهِيَمَ وَإِسْرَّهِبِلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَلَبْتَبَيْنَاْ إِذَا نَعْلَى عَلَيْهِمْ مَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَيُّكِيّ﴾ . أقامهم بشواهد الجمع، وأخبر أن مِنَّتَه كامِنَةٌ في تخصيصهم بأحوالهم، وتأهيلهم لِمَا رقّاهم إليه من المآل، وأنه بفضله اختارهم واجتباهم. ومما أنعم به عليهم من · الخصائص رِقَّةُ قلوبِهم؛ فهم إذا تُتْلَى عليهم الآياتُ سجدوا، وسجودُ ظواهرِهم يدل (١) الطُّور: جبل قرب أيلة يُضاف إلى سيناء أو سينين، وهو الذي ناجى فيه موسى عليه السلام ربّه. (٢) المذق: المزج والخلط، والمماذقة في الودّ: ضد المخالصة، ومذق الود: لم يخلصه. (اللسان ٣٤٠/١٠ مادة: مذق). ٢٤٥ تفسير سورة مريم على سجودِ سرائرهم بما حقَّقَ لهم من شواهد الجمع، وأمارة صحته ما وفقهم إليه من عين الفرق؛ فبوصف التفرقة قاموا بحق آداب العبودية، وبِنعَت الجمع تحققوا بحقائق الربوبية . قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ النَّهُوَنِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . الذين حادوا عن طريقهم، وضيعَّوا حقَّ الشرع، وتخطوا واجبَ الأمر، وزاغوا عن طريق الرشد، وأخلوا بآداب الشرع، وانخرطوا في سِلْكِ متابعة الشهوات - سيلقون عن قريبٍ ما يستوجبونه، ويُعَامَلُون بما يستحقونه . قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَائِلِحًا فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ لَلْنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَتِ عَدْنٍ أَلَّتِ وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيِّبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْنِيًّا لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَاً﴾ . فأولئك الذين تداركتهم الرحمةُ الأزليةُ، وسيبقون في النعم السرمدية. يستنجز الحقُّ لهم عِدَاتِهم، ويُوَصِّلُهم إلى درجاتِهم، ويُحَقّق لهم ما وعدهم. ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُمُ مَأْيًا﴾: لأن ما أُتِيَتَه فقد أتاك أو ما أَتَاكَ فقد أتيته . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا﴾: فإِن أسماعَهم مصونةٌ عن سماعِ الأغيارِ، لا يسمعون إلا من اللَّهِ وبالله، فإن لم يكن ذلك فلا يسمعون إلا الله. قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ . كانوا يعدون مَنْ عنده طعام البكرة والعشية مِنْ جملة المياسيرِ والأغنياءِ لكونهم فقراءَ؛ إنْ. وجدوا غَداءَهم ففي الغالب يَعْدِمُون عشاءَهم، وإِنْ وجدوا عشاءَهم فَقَلْما كانوا يجدون غداءَهم. ويقال في: ﴿وَلَّهُم مَّا يَشْتَهُونَ فيها﴾ [النحل: ٥٧]: بمقدار الغدو والعشي من الزمان في الجنة أي كالوقت. ثم إن الأرزاق تختلف في الجنة؛ فللأشباحِ رِزْقٌ من مطعومٍ ومشروب، وللأرواحِ رزقٌ من سماعٍ وشهود، ولكلٍ - على قَدْرِ استحقاقه - قِسْطُ معلوم. قوله جلّ ذكره: ﴿تِلْكَ لَلْنَّهُ الَّتِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيَّ﴾ . فالجنة للأتقياء من هذه الأمة مُعَدّةً له، والرحمةُ لُعصاةِ المسلمين مُدَّخرةٌ لهم، الجنةُ لُطْفٌ من الله تعالى، والرحمةُ وَصْفٌ لله تعالى. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾: فَعَبْدُه على الخصوصية مَنْ كان اليومَ في قيد أمره. وقوله: ﴿مَن كَانَ تَّقِيًّا﴾: قوم يتقون المعاصي والمخالفات، وقوم يتقون الشهواتِ، وآخرون يتقون الغفلاتِ، وآخرون يتقون شهود كُلِّ غيره. ٢٤٦ تفسير سورة مريم قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا نَتَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ . إن الملائكةَ - عليهم السلام - أبداً يَنْزِلون بإِذنِ الحقِّ تعالى، فبعضهم بإنجاد المظلومين، وبعضهم بإِغاثة الملهوفين، وبعضهم بتدمير الجاحدين، وبعضهم بنصرة المؤمنين، وبعضهم إلى ما لا يحصى من أمور الناس أجمعين. واللَّهُ - سبحانه - لا يترك جاحداً ولا عابداً من حِفْظٍ وإنعام، أو إمهالٍ ونَكَال ... قوله جلّ ذكره: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَهُمَا فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِنْدَيُِّ هَلْ تَعْلَّمُ لَهُ سَيًِّا﴾ . بحق الإظهار يجب أن يكون هو ربَّها، ويكون مالكها، ويكون قادراً عليها. وإذا وجدت فهو فاعلها، فمعنى كون فعل الشيء لفاعله أنه في مقدوره وجوده. ويقال إذا كان ربَّ الأكابرٍ من الأقوياء فهو أيضاً ربُّ الأصاغر من الضعفاء، وقيمةُ العَبْدِ بمالِكِه وقَدْرِهِ، لا بثمنه في نَفْسِه وَخَطَرِه. قوله: ﴿فَأَعْبُدَهُ﴾ أي قِفْ حيثما أمرك، ودَعْ ما يقع لك، وخَلِّ رأيك وتدبيرك. قوله: ﴿وَأَصْطَيِّرْ لِعِبَدَتِهُ﴾: الاصطبار غاية الصبر. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: أي كفواً ونظيراً. ويقال هل تعرف أحداً يسمى ((الله)) غيرَ اللَّهِ؟ ويقال أنّي بالنظير ... وهو بالقِدَم متوحد! والتشبيه يقتضي التسوية بين المتشابهين، ولا مِثْلَ له ... لا موجوداً ولا مَوَهوماً. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُ آلْإِنسَانُ أَِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوْلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ . أنكروا حديثَ البعثِ غاية الإنكار، فأقام الحجة عليهم بالنشأة الأولى؛ فقال: إن الذي قدر على خَلْقِ في الابتداء وهِمِ نُطَفْ ضعفاء، وقَبْلُ كانوا في أصلابِ الآباءِ وأرحام الأمهاتِ فَفَطَرَهمُ، وعلى ما شاءَ صَوَّرَهم، وفي الوقت الذي أراد - عن بطون أمهاتهمَ أَخْرَجَهُم . قوله: ﴿وَلَّمْ يَكُ شَيْئًا﴾ فيه دليل على صحة أهل البصائر أَنّ المعدومَ لم يك شيئاً في حال عَدَمِه . ويقال أبطل لهم كلَّ دعوى حيث ذَكْرَهم نَسبَهم وكَوْنَهم مِنَ العَدَمِ . قوله جلّ ذكره: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَحْثُرَنَّهُمْ وَالنََِّنَ ثُمَّ لَنْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنّمَ جِيً﴾. ٢٤٧ تفسير سورة مريم ـ نحشرهم جميعاً فيجتمعون في العَرْصَةِ(١). ثم يختلف مُنْقَلَبُهم؛ فيصير قومٌ إلى النار ثم إلى دَرَكاتٍ بعضها أسفل من بعض - واسمُ جهنم يجمع أماكنهم. ويصير قومٌ إلى الجنة ثم هي دَرَجَاتٌ بعضها أعلى رتبةً ودرجةً من بعض - واسمُ الجنة يشتمل على جميع مساكنهم. ويقال التفاوتُ في الجنةِ بين الدرجاتِ أكثرُ من التفاوت بين أهل الدارين. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ لَنَفْزِعَبَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنًْ﴾ . مَنْ تَقدَّمَ عليهم في الإضلال والضلال ضوعف عليه غداً العذاب والأغلال. ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بَِِّيْنَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ . ينزل في كل دَرَكَةٍ من دركاتها من هو أهل لها، فمن كان عتوُّه اليومَ أشدَّ غلوا كان في النار أبعدَ من الله وأشدَّ عقوبةً وإذلالاً . قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَيْكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ . كلِّ يَرِدُ النارَ ولكن لا ضيْرَ منها ولا احتباسَ بها لأحدٍ إلا بمقدار ما عليه من ( ... )(٢) والزلل؛ فأشدُّهم انهماكاً أشدهم بالنار اشتعالاً واحتراقاً. وقوم يردونها - كما في الخبر: ((إن للنار عند مرورهم عليها إذوابةٌ(٣) كإذوابةِ اللَّبَن، فيدخلونها ولا يحسون بها، فإذا عبروها قالوا: أو ليس وعدنا جهنم على طريق؟ فيقال لهم. عبرتم وما شعرتم)) !. قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ ◌ُِّى الَّذِينَ أَثَّقَواْ وَنَّذَرُ النَّالِمِينَ فِيهَا ◌ِيًا﴾. يُنَجِّي مَنْ كان مؤمناً، بعضهم قَبْلَ بعض، وبعضهم بَعْدَ بعض، ولكن لا يبقى من المؤمنين مَنْ لا ينجيهم. ويترك الكفار فيها بنعت الخيبة عن الخروج منها، وعند ذلك يشتدُّ عليهم البلاء، وتُطْبقُ عليهم أبوابُ جهنم، وينقطع منهم الرجاء والأمل. وإنما ينجو القوم بحسب تقواهم؛ فزيادة التقوى توجب لهم التعجيل في النجاة؛ فمن سابقٍ ومن لاحقٍ، ومن منقطع، ومن محترق ... إلى كثيرٍ من الأصناف والألوان. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا تُثْلَ عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنٍَ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَذِيًّا﴾ . (١) العرصة: البقعة الواسعة بين الدور ليس فيها بناء (ج) عرصات وعراص. (٢) بياض في الأصل. (٣) الإذوابة: الزُّبْد يُذاب في البُرمة ليُطبخ سمناً، فلا يزال ذلك اسمه حتى يُحقن في الشقاء. (اللسان ٣٩٧/١ مادة: ذوب). ٢٤٨ تفسير سورة مريم يعني إذا قُرِئَتْ عليهم آياتُ القرآن قابلوها بالردْ والجحد والعتو والزيغ، ويَدَّعُون أنهم على حقٍ، ولا يعتمدون في ذلك إلا على الحَدْسِ والظّنّ . قوله جلّ ذكره: ﴿وَّكَرْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْدٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَّاً وَرِهْيَا﴾ . أي إن هؤلاء ينخرطون في سِلْكِ مَنْ تَقَدَّمهم، كما سلكوا في الريب منهاجهم، وسَيَلْقَوْن ما يستوجبونه على سوء أعمالهم. قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةٍ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَنَّأْ حَقََّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا اَلْعَذَابَ وَإِمَّا الشَاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ . إن الله تعالى يُمْهِلُ الكفارَ ليركنوا إلى أباطيل ظنونهم، ويَغْتُرُّوا بسلامةِ أحوالهم، فينسونه في غفلة الإمهال والاغترار بسلامة أحوالهم، ثم يغشاهم التقدير بما يستوجب حسبانهم . قوله: ﴿حَقَّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ ... ﴾ أي يحل بهم موعودُ العقوبة عاجلاً أو قيام الساعة آجلاً، فعند ذلك يتضح لهم ما تعامَوا عنه من شدة الانتقام، وسيعلمون عند ذلك ما فاتهم وما أصابهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَّئُ﴾ . أي يُغْنيهم بنور البدر عن الاستضاءة بنور النجم، ثم بطلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فإذا مَتَعَ نهارُ العرفانِ فلا ظلمة ولا تهمة . ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُ عِنْدَ رَيِّكَ نَّوَبًا وَخَيْرٌ مَّرَدًا﴾ ﴿وَأَلْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾: الشهادةُ بالربوبيةِ خيرٌ من غيرها مما لا يوجد فيه صدق الإخلاص. ويقال: ﴿وَاَلْبَقِيَتُ الصَّذَلِحَتُ﴾: التي تبقى عند الله مقبولة. قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ﴾ لأن في استحقاقِ القبول زيادةً للهدى؛ فيصير عِلْمُ اليقين عينَ اليقين، وعينُ يقينهم حَقَّ اليقين. قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْنَيْنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ . أَخْبِز بقصة ذلك الكافر الذي قال بيمين - من غير حجة - لأَعْطيَنَّ مالاً وولداً، ورأى أن يكون ليمينه تصديق، فهل هو: ﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ . هل يقول ما يقول بتعريفٍ منا؟ أم هل اتخذ مع الله عهداً؟ ليس الأمر كذلك. ودليل الخطاب يقتضي أن المؤمن إذا ظن بالله تعالى ظناً جميلاً، أو أَمَّلَ منه ٢٤٩ تفسير سورة مريم أشياء كثيرة فالله تعالى يحققها له، ويَصْدُقُ ظَنُّه لأنه على عهد مع الله تعالى، والله تعالى لا يخلف عهده. قوله جلّ ذكره: ﴿كَلَّأَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَهُثُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدَّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِنَا فَرْدًا ﴾ . كلا ... ليس الأمر على ما يقول، وليس لقولهم تحقيق، بل سنمد لهم من العذاب مداً أي سنطيل في العذاب مدتهم. ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ... ﴾ لن نُمَتْعَه بأولاده وَحَشمِه وخَدَمِهِ وقَوْمه، ويعود إلينا منفرداً عنهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَكُونُونَ عَلَيِهِمْ ضِذًا ﴾ . حكموا بظنهم الفاسدِ أنَّ أصنامَهم تمنعهم، وأَنَّ ما عبدوه من دون الله تعالى توجِبُ عبادتهم لهم عند الله تعالى وسيلةً ... وهيهات! هيهات أن تكون لمغاليط حسبانهم تحقيق، بل إذا حُشِرُوا وحُشِرَتْ أصنامُهم تَبَرَّأَتْ أصنامُهم منهم، وما أَمَّلُوا نفعاً منها عاد ضرراً عليهم. ويقال طلبوا العِزَّ في أماكن الذل، فأخفقوا في الطلب، ونُقُوا عن المراد. قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِينَ تَؤُّهُمْ أَزَّا﴾ . تؤزهم أي تزعجهم، فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وغُمَّة، وخاطر الحقِّ يكون بروحٍ وسكينة، وهذه إحدى الدلائل بينهما. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُذُّ لَهُمْ عَذَّ﴾. الأنفاس في الحكم معدودة؛ فمن لم يستوف فلا انقضاء لها. وإذا انتهى الأَجَلُ فلا تنفع بعد ذلك الحِيَلُ، وقبل انقضائه لا يزيد ولا ينقص بالعلل. قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ نَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ . قيل ركباناً على نجائب طاعاتهم، وهم مختلفون؛ فَمِنْ راكبٍ على صدور طاعاته، ومن راكبٍ على مراكب هِمَمِه، ومن راكبٍ على نجائب أنواره. ومِنْ محمولٍ يحمله الحقُّ في عقباه كما يحمله اليومَ في دنياه. وليس محمولُ الحقُّ كمحمول الخَلْقِ! قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَّى جَهَتَّمَ وِزْدًا﴾ . فأولئك يُساقون بوصف العِزّ، وهؤلاء يُساقون بنعت الذُّلْ، فيجمعهم في السَّوْقِ، ولكن يُغَابر بينهم في معانيه ... فشتَّان ما هما !! ٢٥٠ تفسير سورة مريم قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ أَّخَذَ عِنْدَ الرَّهَْنِ عَهْدًا﴾ . وذلك العهدُ حِفْظُهم في دنياهم ما أُخِذَ عليهم - يومَ الميثاق - من القيام بالشهادة بوحدانية مولاهم. قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنَشَقُّ الْأَرْضُ وَخِرُ لِلْجِبَالُ هَذَّا أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ . ما أعظم بهتانّهم في مقالتهم! وما أشدَّ جرأتَهم في قبيح حالتهم! لكنَّ الصمديةً متقدِّسِةٌ عن عائدٍ يعود إليها من زَيْنٍ بتوحيدٍ مُوَحِّد، أو شَيْنٍ بإلحاد مُلْجِد ... فما شاهت إِلَّا وجوهُهم بما خاضوا فيه من مقالهم، وما صاروا إليه من ضلالهم. كما لم يَتَجمَّلْ بما قاله الآخرون إلا القائل، وما عاد إلا القائل مقابلٌ من عاجلٍ أو آجل . قوله جل ذكره: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَنَّخِذَ وَلَدًّا إِن كُلُّ مَن ◌ِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَدُهُمْ وَعَذَّهُمْ عَدَّا وَكُّهُمْ ءَاتِيِهِ يَوْمَ اٌلْقِيَئِمَةِ فَرْدًا ﴾ . أَنَّى بالولد وهو واحد؟! وأَنَّى بالولادة ولا جنسَ له وجوباً ولا جوازاً؟! ﴿لَقَدْ أَحْصَنْهُ ... ﴾: لا يَعْزُب عن عِلْمِه معلومٌ، ولا ينفكُ عن قدرته - مما يصح أن يقال حدوثه - موهوم. ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا﴾: لا خَدَمَ يصحبهم، ولا حَشَّمَ يلحقهم، كلٌّ بِنَفْسِهِ مشتغِلٌ، وعن غيره منفرد. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْزَنُ وُذَا﴾. يجعل في قلوبهم وداً لله نتيجةً لأعمالهم الخالصة، وفي الخبر: ((لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى يحبني وأحبه))(١). ويقال يجعل لهم الرحمن وداً في قلوب عباده، وفي قلوب الملائكة، فأهل الخير والطاعة محبوبون مِنْ كلُ أحد من غير استحقاق بفعل. قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنَّمَا يَشَرْنَهُ بِسَانِكَ لِتُّبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَُّّا﴾ . الكلام واحد والخطاب واحد، وهو لقوم تيسير، ولآخرين تخويف وتحذير. فطوبى لِمَنْ يُسِّر لما وفْق به، والويل لمن خُوِّف بل خُذِلَ فيه. والقومُ بين موفقٍ ومَخْذُولٍ . (١) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٤٠٣/١، ٦١٠/٩)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٧١/١). ٢٥١ تفسير سورة مريم قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ ركزا﴾. أثبتهم وأحياهم، وعلى ما شاء فطرهم وأبقاهم، ثم بعد ذلك - لما شاء - أماتهم وأفناهم، فبادوا بأجمعهم، وهلكوا عن آخرهم، فلا كبير منهم ولا صغير، ولا جليل ولا حقير، وسَيُطَالبونَ - يومَ النشور(١) - بالنقير والقطمير. (١) يوم النشور: يوم القيامة. سورة طه بسم الله اسم عزيز مَنْ تَحقَّق بجلال عِزَّته تمحض في خلوصٍ عبوديته، وإذا وصل إلى ضياء صفوته نزل عن سيماء نعوته . اسم عزيز مَنْ عرفه سَمَتْ هِمَّتُه، وإذا سمت همته سقطت عن الدارين طِلْبَتُه. اسم مَنْ عَرَفَهَ زال کَرْبهُ وطابَ قلبُه؛ دِينُهُ ربُّه وجنَّتُه حُبُّهِ . اسم عزيز من وَسَمِه بعبوديته حَرَّرَه من رِقُ شهواته، وأعتقه من أَسْرِ مَطَالِيه؛ فلا له لمحبوب طلبٌ، ولا يستفزّه لمحذورٍ هربٌ . قوله جلّ ذكره: ﴿لِهِ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَىَ﴾ . الطاء إشارة إلى قلبه - عليه السلام - من غير الله، والهاء إشارة إلى اهتداء قلبه إلى الله . وقيل طَأْ بِسرّك بساط القربة فأنت لا تهتدي إلى غيرنا. ويقال طوينا عن سرِّكِ ذِكْرَ غيرنا، وهديناك إلينا . ويقال طوبى لمن اهتدى بك. ويقال طاب عيشُ مَنْ اهتدى بك. ﴿مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَقَ﴾: أي ليس المقصود من إيجابنا إليك تعبدك، وإنما هذا استفتاحُ الوُصلة، والتمهيد لبساط القُرْبَةِ . ويقال إنه لما قال له: ﴿وَلَا تَمُذَنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَعْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨] وقف بِفَرْدٍ قدم تباعدا وتنزهاً عن أن يقرب من الدنيا استمتاعاً بها بوجهٍ فقيل له: طأ الأرض بقدميك ... لِمّ كل هذا التعب الذي تتحمله؟ فزاد في تعبده، ووقف، حتى تقدمت قدماه وقال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (١) أي لما أهلني من التوفيق حتى أعبده. (١) أخرجه البخاري في (الصحيح ٦٣/٢، ١٦٩/٦، ١٢٤/٨)، ومسلم في (الصحيح صفات المنافقين ٧٩، ٨٠، ٨١)، والترمذي في (السنن ٤١٢)، والنسائي في (السنن ٢١٩/٣)، وابن ماجه في (السنن ١٤١٩ - ١٤٢٠)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢٥١/٤، ٢٥٥، ١١٥/٦) والبيهقي في= ٢٥٢ ٢٥٣ تفسير سورة طه قوله جلّ ذكره: ﴿إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى﴾. فالقرآنُ تَبْصِرةٌ لذوي العقول، تذكرة لذوي الوصول، فهؤلاء به يستبصرون فينالون به راحةَ النّفْسِ في آجِلِهم، وهؤلاء به يذكرون فيجدون رَوْحَ الأَنْسِ في عاجِلهم. قوله جلّ ذكره: ﴿تَزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى﴾ . جَعَلَ الأرض قراراً لِعبادِهِ. ونفوسُ العابدين أرضٌ وقرارٌ لطاعتهم، وقلوبُ العارفين قرارٌ لمعارفهم. قوله جلّ ذكره: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. استواء عَرْشِه في السماءِ معلوم، وعَرْشه في الأرض قلوبُ أهل التوحيد. قال تعالى: ﴿وَيَحِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَدٍ غَيِبَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] وعرش القلوب: قال تعالى: ﴿وَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]. أمَّا عرش السماء فالرحمن عليه استوى، وعرشُ القلوبِ الرحمنُ عليه استولى. عرشُ السماءِ قِبْلَةُ دعاءِ الخَلْقِ، وعرشُ القلبِ مَحَلُّ نَظَرِ الحق ... فشتّان بين عرشٍ وعرش! قوله جل ذكره: ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى﴾. له الأشياء على العموم مِلْكاً، والأولياء تخصيصاً وتشريفاً. له ما بين السموات والأرض مما أظهر من العَدَم؛ فالكلُّ له إثباتاً وخَلْقَاً. قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ تَّجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَُّ يَعْلَمُ السِّرَ. وَأَخْفَى﴾ . النَّفْسُ لا تقف على ما في القلب، والقلبُ لا يقف على أسرار الرُّوح، والروح لا (السنن الكبرى ٤٩٧/٢، ١٦/٣، ٣٩/٧)، والطبراني في (المعجم الصغير ٧١/١، ١١٨) وابن = خزيمة في (الصحيح ١١٨٢، ١١٨٣، ١١٨٤)، والهيثمي في (مجمع الزوائد ٢٧١/٢)، وابن حجر في (المطالب العالية ٥٢٩)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ٢٦/١، ٣٧٣/٢)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ٧/ ٢٥٠، ٢٨٩/٨)، (البغوي ١٧٤/٤، ٣٨٧/٧)، والساعاتي في (بدائع المنن ٣١٦، ٣١٧)، وابن حجر في (فتح الباري ٥٨٤/٨، ١٠٥/٩، ٣٠٣/١١)، والبغوي في (شرح السنة ٤٥/٤)، والتبريزي في (مشكاة المصابيح ١٢٢٠) وصاحب (ميزان الاعتدال ٤٧٣١)، وابن حبان في (المجروحين ١٦١/١، ٣١/٢)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٨٥/٥، ١٨٦، ٧٨/٧)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٧٨/٤ - ٨٥)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٣٣١/٤، ١٩٧/٧، ٢٦٥، ١٠١/١٤ - ٣٠٦) والقاضي عياض في (الشفا ٤٦٥/١، ٢/ ٢٥١، ٣٩١، ٤٧/٩ - ٥٩)، وأحمد بن حنبل في (الزهد ١٧، ٩٢)، وابن المبارك في (الزهد ٣٦)، (مناهل الصفا ٢٦)، والترمذي في (الشمائل ١٤٠)، والسيوطي في (الدر المنثور ١١١/٢، ٦/ ٧٠)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ١٨٥٨٠، ١٨٥٨١)، وابن عبد البر في (التمهيد ٦/ ٢٢٤)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٢٣٢/١٣). ٢٥٤ تفسير سورة طه سبيل له إلى حقائق السرّ. والذي هو أخفى من السُّرِّ فهو ما لا يَطْلِعُ عليه إلا الحق(١). ويقال الذي هو أخفى من السر لا يفسده الشيطان، ولا يكتبه المَلَّكَانِ، ويستأثِرُ بِعِلْمِه الجبَّارُ، ولا تقف عليه الأغيار. قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُمْفَ﴾. نَفَى كل موهوم من الحدثان بأن يكون شيءٌ منه صالحاً للإبداع، وأثبت كُلَّ ما في الوجود له باستحقاق القِدَم. ﴿لَهُ اُلْأَسْمَآءُ الْحُسْفَ﴾ أي صفاته، على انقسامها إلى صفة ذات وصفة معنى. ويقال ﴿لَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْفَ﴾: تعريفٌ للخَلْقِ بأنَّ استحقاقَ العلو والتقدُّس عن النقائص له على وصف التفرُّد به. قوله جلّ ذكره: ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَقَ﴾ . سؤال في صيغة الاستفهام والمراد منه التقرير والإثبات. وأجرى - تعالى - سُنَتَه في كتابه أن يذكر قصة موسى عليه السلام في أكثر المواقع التي يذكر فيها حديث نبينا وَالر، فيعقبه بذكر موسى عليه السلام. قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِنَّ ءَانَسْتُ نَارًا لَعَلَىْ ءَانِيَكُم مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى﴾ . ألاح له النار حتى أخرجه من أهله يطلبها، وكان المقصودُ إخراجَه من بينهم، فكان موسى عليه السلام يدنو والنار تنأى، وقال لأهلِه : ﴿أَمْكُوَاْ إِنَّ ◌َانَسْتُ نَارًا﴾ فقال أهلُه: كيف تتركنا والوادي مسبع؟ فقال: لأَجْلِكُم أفارقكم؛ فلَعَلِي آتيكم من هذه النار بقبس. ويقال استولى على موسى عند رؤيته النار الانزعاجُ، فلم يتمالك حتى خرج. ففي القصة أنه لما أتاها وَجَدَ شجرةً تشتعل من أولها إلى آخرها، فجمع موسى - عليه السلام - حشائشَ ليأخذ من تلك النار، فعرف أن هذه النار لا تسمح نَفْسُها بأنْ تُعْطِي إلى أحدٍ شعلة : وقُلَن لنا نحن الأَهِلَّةُ إنما نضيءُ لِمَنْ يَسْرِي بليلٍ ولا نُقْرِي يا موسى هذه النارُ تضيءُ ولكن لا تعطي لأحدٍ منها شعلة. يا موسى هذه النارُ تحرق القلوبَ لا النفوس. (١) قال القشيري برسالته عند حديثه عن السر: السر ما لك عليه إشراف، وسرّ السير ما لا إطلاع عليه لغير الحق. (الرسالة القشيرية ص٨٨). ٢٥٥ تفسير سورة طه ويقال كان موسى عليه السلام في مزاولة قَبسٍ من النار فكان يحتال كيف يأخذ منها شيئاً، فبينما هو في حالته إذ سمع النداء من الحَقِّ. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَّ إِنَّ أَنْ رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِأَلْوَادِ اُلْمُقَدَّسِ طُوَّى ﴾ . علم موسى أنه كلام الحق - سبحانه - لَمَّا سَمِعَ فيه الترتيبَ والتنظيمَ والتركيب، فعَلِمَ أنه خطاب الحق . ويقال إنما عرف موسى - عليه السلام - أنه كلامُ الله بتعريفٍ خصَّه الحق - سبحانه - به من حيث الإلهام دون نوع من الاستدلال. قوله: ﴿فَأَخْلَعَ نَعْلَيْكَ ... ﴾ فإِنْ بِسَاطَ حضرةِ الملوكِ لا يُوطَأُ بِتَعْل. ويقال ألقِ عصاك يا موسى، واخلع نعليك، وأَقِمْ عندنا هذه الليلَةَ ولا تَبْرَحْ. ويقال الإشارة في الأمر بخلع النعلين تفريغ القلب من حديث الدارَيْن، والتجرد للحقِّ بنعت الانفراد. ويقال: ﴿اخلع نعليك﴾: تَبَرَّأْ عن نَوْعَيْ أفعالك، وامْحُ عن الشهود جنْسَيْ أحوالِك من قربٍ ويُعْدٍ، ووَضْلٍ وفَضْلٍ، وارتياح واجتياح، وفناء وبقاء ... وكُنْ بوصفنا؛ فإِنما أنت بحقنا. أَثْبَتَه في أحواله حتى كان كالمجرد عن جملته، المُصْطَلَم عن شواهده. قوله: ﴿إِنَّكَ بِأَلَوَادِ اَلْمُقَدَّسِ ◌ُوَّى﴾: أي إنك بالوادي المقدس عن الأعلال؛ وساحاتُ الصمدية تَجِلُّ عن كل شيْن، وإيمانٍ وَزَيْن؛ عن زَيْنٍ بإحسان وشَيْنٍ بعصيان؛ لأنَّ للربوبية سَطَعَاتٍ عِزْ تقهر كل شيء. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُؤْحَىّ﴾ . وعلى علم مني بك اصطفيتكُ، وجَرَّدْتُكَ ونقيتك عن دَنَسِ الأوهام وكلّ ما يُحَدِّرُ صَفْوَك. ويقال بعدما اخترتُك فأنت لي وبي، وأنت محو في فنائك عنك. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَِّىَ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَأْ فَأَعْبُدْنِ﴾ . تقدَّسْتُ عن الأعلال في أَزلي، وتنزهت ( ..... )(١) والأشكال باستحقاقي الجلالي وجمالي. ويقال: ﴿لََّ إِلَّهَ إِلَّ أَنَا﴾: الأغيار في وجودي فَقْدٌ، والرسومُ والأطلالُ عند ثبوتٍ حقي محوّ. (١) بياض في الأصل. ٢٥٦ تفسير سورة طه قوله: ﴿فَأَعْبُدْنِ﴾: أي تَذَلَّلْ لِحُكْمي، وأنْفِذْ أمري، واخضعْ لجبروتِ سلطاني. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾. إقامتُها من غير ملاحظة مُجْرِيها ومنْشِيها يُورِث الإعجاب. وإذا أقام العبدُ صلاتَه على نعت الشهود والتحقق بأن مجريها غيره كانت الصلاة بهذا فتحاً لباب المواصلة، والوقوف على محل النجوى، والتحقق بخصائص القرب والزلفة. قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الشَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيَهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ . الفائدة في تعريف العباد بِقُرْبِ الساعةِ أن يستفيقوا من غفلات التفرقة، فإذا حضروا بقلوبهم - ففي حال استدامة الذكر - فما هو موعود في الآجل أكثره للحاضرين موجودّ في العاجل؛ والحاضرة لهم كالآخرة. وكذلك جعلوا من أمارات الاستقامة شهودَ الوقتِ قيامة. قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَنَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى﴾ . إذا أكرمه اللَّهُ بحُسْنِ التنبيه، وأحضره بنعت الشهود فلا ينبغي أن ينزل عن سماء صفاته إلى جحيم أهل الغفلة في تطوحهم في أودية التفرقة . قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾ . كرَّرَ عليه السؤالَ في غير آية من عصاه لمَّا كان المعلوم له سبحانه فيها من إظهاره فيها عظيم المعجزة . ويقال إنما قال ذلك لأنه صَحِبَتْهُ هيبةُ المقام عند فَجْأَةٍ سماع الخطاب؛ فَلِيُسَكُنَ بعضَ ما به من بَوَادِهِ (١) الإجلال ... رَدَّهُ إلى سماع حديث العصا، وأراه ما فيها من . الآيات . ويقال لو تركه على ما كان عليه من غَلَبَاتِ الهيبة لعلَّه كان لا يعي ولا يطيق ذلك ... فقال له: وما تلك بيمينك يا موسى؟ ٠ ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَنَوَكَّؤْاْ عَلَيْهَا وَأَهْشُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ . قال هي عصاي، وأخذ يُعدّد ما له فيها من وجوه الانتفاع فقال له: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَى﴾ . فإنَّك بنعت التوحيد، واقفٌ على بساط التفريد، ومتى يصحُّ ذلك، ومتى يَسْلَمُ لك أن يكون لَكَ معتمدٌ تتوكأ عليه، ومستند عليه تستعين، وبه تنتفع؟ (١) البواده: ما يفجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة، إما بموجب فرح أو بموجب ترح. (الرسالة القشيرية ص٧٨). ٢٥٧ تفسير سورة طه ثم قال: ﴿وَلِ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾: أَوَّلُ قَدَم فِي الطريق تَرْكُ كلِّ سَبَبِ، والتَّنَقْي عن كل طَلَبٍ؛ فكيف كان يَسْلَمُ له أن يقول: أَفْعَلُ بها، وأمتنع، ولي فيها مآرب أخرى. ويقال ما ازداد موسى - عليه السلام - تفصيلاً في انتفاعه بعصاه إلا كان أقوى وأَوْلى بأن يؤمن بإلقائها، والتنقي عن الانتفاع بها على موجب التفرّد لله. ويقال التوحيد التجريد، وعلامةُ صحته سقوط الإضافات(١) بأُسْرِها؛ فلا جَرَمَ لما ذكر موسى - عليه السلام - ذلك أُمِرَ بإلقائها فجعلها اللَّهُ حَيَّةٌ تسعى، وولَّ موسى هارباً ولم يُعَقِّب. وقيل له يا موسى هذه صفة العلاقة؛ إذا كوشِفَ صاحبُها بِسِرُها يهرب منها . ويقال لمَّا باسطه الحقُّ بسماع كلامه أخذته أريحية سماع الخطاب، فأجاب عما يُسْأَل وعمَّا لم يُسْأَل فقال: ﴿وَلِ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾، وذَكَرَ وجوها من الانتفاع؛ منها أنه قال تؤنسني في حال وحدتي، وتضيءُ لي الليلَ إذا أظلم، وتحملني إذا عَييتُ في الطريق فأركبُها، وأَهُشُّ به على غنمي، وتدفع عني عَدَوْي. وأعظم مأربٍ لي فيها أَنَّكَ قُلْتَ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ؟﴾ وأيةُ نعمةٍ أو مأربٍ أو منفعةٍ تكون أعظَمَ مِنْ أَنْ تقولَ لي: وما تلك؟ ويقال قال الحقُّ - بعد ما عدَّدَ موسى وجوَه الآياتِ وصنوفَ انتفاعِه بها - ولَكَ يا موسى فيها أشياءٌ أخرى أنت غافلٌ عنها وهي انقلابُها حيةً، وفي ذلك لك معجزةٌ وبرهانُ صِدْقٍ . ويقال جميعُ ما عَدَّدَ من المنافع في العصا كان من قِبَلِ الله ... فكيف له أن ينسبها ويضيفها إلى نفسه، ولهذا قالوا: تُهدَى إليك فما مِنْكِ يُهْدَی يا جئَّة الخُلْدِ، والهدايا إذا ويقال قال موسى لها رآها حيةً تهتز: لقد عَلِمْتُ كلَّ وصفٍ بهذه العصا، أَمَّا هذه الواحدة فلم أعرفها . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَى فَأَلْقَنْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلَا تَّخَفّْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوَلَى ﴾ . لا عِبْرةَ بما يوهِمُ ظاهرُ الأشياء؛ فقد يُوهِمُ الظاهرُ بشيءٍ ثم يبدو خِلافُه في المستقبل؛ فعصا موسى صارت حيةً . (١) قال القشيري في رسالته عند حديثه عن التوحيد: التوحيد إسقاط الياءات، فلا تقل: لي وبي ومني وإليّ. (الرسالة القشيرية ص٣٠٢). 1 ٢٥٨ تفسير سورة طه ثم قال المقصود بذلك أن تكون لك آيةً ومعجزةً لا بلاءً وفتنةً. قوله: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ... ﴾ أَشْهَدَه - بانقلاب العصا من حالٍ إلى حال؛ مرةً عصا ثم ثعباناً ثم عصا مرةً أخرى - أَنَّه يُثَبِّتُ عِبَادَه في حال التلوين(١) مرةً ومرةٌ؛ فَمِنْ أَخْذٍ ومِنْ رَدَّ، ومن جمْع ومن فَرْقٍ الخ. قوله جل ذكره: ﴿وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنََِّكَ تَخْرُجْ بَيْضَآَ مِنْ غَيْرِ سُوٍَّ ءَايَّةً أُخْرَى لِيَكَ مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبْىَ ﴾ . كما أراه آيةً من خارج أراه آيةً من نَفْسِه، وهي قلْبُ يَدِهِ بيضاءَ؛ إِذْ جَعَلَها في جيبه من غير البَرَص(٢). قَال تعالى: ﴿سَيُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقٌ ﴾ [فصلت: ٥٣]. وإنما قال: أَدْخِلْ يَدَكَ في جيبِك ولم يقل كُمِّك لأنه لم يكن لِمَا عليه من اللَِّاسِ كُمَّان. قوله: ﴿لِيَكَ مِنْ ءَايَئِنَا الْكُبْرَى﴾: الآية الكبرى هي ما كان يجده في نفسه من الشهود والوجود، وما لا يكون بتكلَّفِ العبد وتصرُّفهِ من فنون الأحوال التي يدركها صاحبُها ذوقاً. قوله جلّ ذكره: ﴿أَذْهَبٌ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَُّ طَغَى﴾ . بعدما أسمعه كلامه من غير واسطة، وشَرَّفَ مقامَه، وأَجْزَلَ إكرامَه أَمَرَه بالذهاب ليدعوَ فرعونَ إلى الله - مع عِلْمِه بأنه لا يؤمن ولا يجيب ولا يسمع ولا يَعْرِف - فشَقَّ على موسى ذهابُه إلى فرعون، وسماعُ جحدِه منه، بعدما سمع من الله كلامه سبحانه، ولكنه آثر أَمْرَ محنته على مرادِ نفسه. ويقال لمَّا أَمَرَّه بالذهاب إلى فرعونَ سأل اللَّهَ أُهْبَةَ النَّقْلِ وما به يتمُّ تبليغ ما حمل من الرسالة، ومن ذلك قوله : ﴿قَالَ رَبِّ ◌ٌشْرَحْ لِ صَدْرِى وَبِّرْ لِّ أَمْرِى وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِسَانِىٌ يَفْقَهُواْ فَوْلِ ﴾ . لِيُعْلَمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التكليفِ التَّمَكُّنَ مِنْ أَداءِ المأمور به. ويقال إن موسى لما أَخَذَ في المخاطبة مع الله كاد لا يسكت من كثرة ما سأله فظل يدعو: ﴿رَبِّ أَشْرَحْ لِ صَدْرِى وَبَيْرٌ لِ أَمْرِى ... ﴾ وهكذا إلى آخر الآيات والأسئلة. بـ (١) التلوين: صفة أرباب الأحوال، والتمكين صفة أهل الحقائق، فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين، لأنه يرتقي من حال إلى حال، وينتقل من وصف إلى وصف، ويخرج من مرحل ويحصل في مربع، فإذا وصل تمكّن. (الرسالة القشيرية ص٧٨). (٢) البرص: بياض يظهر في الجسد لعلة. ٢٥٩ تفسير سورة طه قوله: ﴿قَالَ رَبٍّ أُشْرَحْ لِ صَدْرِى وَبَيْ لِيِّ أَمْرِى﴾: حتى أُطِيقَ أنْ أَسمعَ كلامَ غيرك بعدما سَمِعْتُ منك. ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّنِ لِّسَانِىٌ﴾: حتى ينطلقَ بمخاطبة غيرك، وقَوْني حتى أرُدَّ ما أردٌّ ... بِكَ لا بي. قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيرًا مِنْ أَهْلِ هَرُونَ أَخِى أَشْدُدْ بِهِ: أَزْرِى ﴾ . سَأَلَ أنْ يَصْحَبَ أخاه معه، ولما ذهب لسماع كلام الله حين قال تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَيْثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٣] كان بمفرده، لأن الذهاب إلى الخَلْق يوجِب الوحشةَ؛ فَطَلَبَ من أخيه الصحبة لِيُخَفِّفَ عليه كلفة المشقة . ويقال إن المحبةَ توجِبُ التجرُّدَ والانفراد وألا يكونَ للغيرِ مع المحبُ مساغ؛ ففي ذهابه إلى فرعون استصحب أخاه، ولمَّا كان الذهابُ إلى الميقاتِ لم يكن للغيرِ سبيلٌ إلى صحبته، إذ كان المقصود من ذهابِه أن يكونَ مخصوصاً بحاله. قوله جلّ ذكره: ﴿كَنْ نُسَيِّعَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُتَ بِنَا بَصِيرًا ﴾(١) . بين أن طَلَبَه مُشاركةَ أخيه له بحقٌّ ربه لا بحظُ نَفْسِه حيث قال: ﴿كَنْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴾ . قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ . أعطيناكَ ما سألتَ، وتناسيت ابتداءً حالِكَ حين حفظناك في اليمُ(٢) وَنَجَّيْنَا أُمَّكَ من ذلك الغَمِّ، ورَبَّيْنَاك في حِجْرِ العَدُوِ ... فأين - حينذاك - كان سؤالُكَ واختيارُكَ ودعاؤك؟ وأثبتنا في قلب امرأة فرعون شفقتك، وألقينا عليكَ المحبةَ حتى أحبّكَ عدوُك، وربَّاكَ حتى قَتَلَ بِسَبَبِكَ ما لا يُخْصَى من الولدان، والذي بَدَأَكَ بهذه المِنَنِ هو الذي آتاك سُوْلَكَ، وحقَّقَ لَك مأموَلَكَ. قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ أَوْحَيَّنَا إِلَى أُمَِّكَ مَا يُوحَى أَنِ أَقْذِفِيهِ فِ النَّابُوتِ فَأَقْذِفِيهِ فِى الْيَمْ فَلْيُلْفِهِ أَلْيُّ بِلسَّاحِلِ يَأْخُذُهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لَّ﴾(٣). كان ذلك وحيَ إلهام؛ ألقَى اللَّهُ في قلبها أن تجعله في تابوت، وتلقيه في اليم يعني نهر النيل، فَفَعَلَتْ،َ فألقاه النهر على الساحل، فَحُمِلَ إلى فرعون. فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُ امرأةٍ فرعون عليه باشر حبُّه قلبَها، وكذلك وقعت محبتُه في قلبٍ فرعون، ولكنها (١) الآية (٣٢) لم ترد. (٢) اليم: البحر ذو الماء الملح، أو النهر الكبير ذو الماء العذب. (٣) الآية (٣٧) لم ترد. ٢٦٠ تفسير سورة طه كانت أضعفَ قلباً، فسبقت بقولها: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُوهُ ... ﴾ [القصص: ٩]، ولولا أنها عَلِمَتْ أنه أخذ شعبةً من قلبٍ فرعون ما أخذ من قلبها لم تقل: ﴿قُرَّتُ عَيٍّ ◌ِ وَلَكٌ﴾ [القصص: ٩]. قوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لَّمْ﴾: ربَّاه في حِجْرِ العدو وكان قد قَتَلَ بسببه ألوفاً من الولدان ... ولكنْ مِنْ مَأْمِنِهِ يُؤْتَّى الحَذِرُ! وبلاءُ كلُ أحدٍ كان بَعْدَه إلا بلَاءَ موسى عليه السلام فإِنه تَقَدَّمَ عليه بسنين؛ ففي اليوم الذي أخذ موسى في حِجْرِه كان قد أمر بقتل كثير من الولدان، ثم إنه ربَّاه ليكونَ إهلاكُ مُلْكِهِ على يده ... لِيُغْلَمَ أَنَّ أَسرارَ الأقدار لا يعلمها إلا الجبار. ويقال كان فرعون يُسَمَّى والدّ موسى وأباه - ولم يكن. وكان يقال لأُمُّ موسى ظئر (١) موسى - ولم تكن؛ فَمِنْ حيثُ الدعوى بالأبوة لم يكن لها تحقيق، ومن حيث كان المعنى والحقيقة لم يكن عند ذلك خبر ولا عند الآخر من ذلك معرفة ... هكذا الحديث والقصة . ولقد جاء في القصة أنّ موسى لمَّا وُضِعَ في حِجْر فرعون لَطَمَ وجهه فقال: إنَّ هذا من أولاد الأعداء فيجب أَنْ يُقْتَلَ، فقالت امرأتُه: إنه صبيٍّ لا تمييزَ له، ويشهد لهذا أنه لا يُمَيِّزُ بين النار وبين غيرها من الجواهر والأشياء، وأرادت أن يصدّق زوجُها قالتَها، فاستحضرت شيئاً من النار وشيئاً من الجواهر، فأراد موسى عليه السلام أن يمدَّ يَدَه إلى الجواهر فأخذ جبريلُ عليه السلام بيده وصَرَفَها إلى النار فَأَخَذَ جَمْرةً بيده، وقرَّبها مِنْ فيه فاحترقَ لِسانُه - ويقال إنَّ العقدةَ التي كانت على لسانه كانت من ذلك الاحتراق - فعند ذلك قالت امرأةُ فرعون: ها قد تبينَّ أن هذا لا تمييزَ له؛ فقد أخذ الجمرةً إلى فيه. وتخلّص موسى بهذا مما حصل منه من لّطْم فرعون. ويقال إنهم شاهدوا ولم يشعروا أنه لم يحترق مِنْ أَخْذَ الجمرة وهو صبيٍّ رضيع، ثم احترق لسانه، فعلم الكلُّ أن هذا الأمر ليس بالقياس. فإنه سبحانه فعَّال لما يريد . قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلْغَيْتُ عَلَيْكَ نَحَبَّةٌ مِّنِّ﴾ . أي أحببتك. ويقال في لفظ الناس: فلانٌ ألقى محبته على فلان أي أَحَبَّه. ويقال: ﴿ألقيت عليك محبة مني﴾: أي طَرَحْتُ في قلوب الناس محبةً لك، فالحقُّ إذا أحبَّ عبداً فكلُّ مَنْ شاهده أحبَّه. ويقال لملاحةٍ في عينيه؛ فكان لا يراه أحدٌ إلا أحبَّه . (١) الظُّئر: العاطفة على غير ولدها المرضعة له من الناس والإبل، الذكر والأنثى في ذلك سواء. والجمع أظؤر وأظآر وظؤور، وظؤار. (اللسان ٥١٤/٤ مادة: ظار).