Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
تفسير سورة الإسراء
القضاءُ ها هنا بمعنى الإعلام، والإشارة في تعريفهم بما سيكون في المُسْتَأْنَفِ
منهم وما يستقبلهم، ليزدادوا يقيناً إذا لقوا ما أُخْبِروا به، وليكونَ أبلغَ في لزوم الحُجَّةِ
عليهم، وليحترزوا من مخالفة الأمر بجحدهم، وليعلموا أن ما سَبَقَ به القضاءُ فلا
محالةَ يحصل وإنْ ظُنَّ التباعدُ عنه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَنْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ فَاسُواْ
◌ِلَلَ الذِّيَائِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾.
إن الله سبحانه يُعِدُّ أقواماً لأحوالِ مخصوصةٍ حتى إذا كان وقتُ إرادته فيهم كان
هؤلاء موجودين .
قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ وَجَعَلْنَكُمْ
أَكْثَرَ نَفِيْرًا﴾ .
يدلُّ على أنه مُقَدِّرُ أعماله العباد، ومدبّرُ أفعالِهم؛ فإنَّ انتصارَهم على أعدائهم
من جملة أكسابهم، وقد أخبر الحقُّ أنه هو الذي تولَّاء بقوله: ﴿زَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ
عَلَيْهِمْ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَاْ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ
لِيَسْكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِسُتَبِرُواْ مَا عَلَوْاْ تَشْبِيرًا﴾.
إنْ أحسنتُم فثوابِكم كسبتم، وإنْ أسأتم فعداءَكم جَلَبْتُم - والحقُّ أعزُّ مِنْ أَنْ يعودَ
إليه من أفعال عبادِهِ زَيْنٌ أو يلحقه شَيْنٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْعَكُمْ﴾.
كلمةُ ﴿عَلَى﴾ فيها ترجية وإطماع، فهو - سبحانه - وقفهم على حد الرجاء
والأمل، والخوف والوجل.
وقوله ﴿عَتَى﴾: ليس فيه تصريح بغفرانهم، ورحمتهم، وإنما فيه للرجاء موجِبٌ
قويٌّ؛ فبلطفه وعد أن يرحمكم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِنْ عُدُمْ عُدْنَا وَحَمَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾ .
أي إنْ عُذْتُمْ إلى الزّلَّة عُذْنا إلى العقوبة، وإن استقمتم في التوبة عدنا إلى إدامة
الفضل عليكم والمثوبة .
ويقال إن عُذْتُم إلى نَقْضِ العَهْد عُدنا إلى تشديد العذاب.
ويقال: إن عُذْتُم للاستجارة عدنا للإجارة.
ويقال إن عُدتُم إلى الصفاء عدنا إلى الوفاء.

١٨٢
تفسير سورة الإسراء
ويقال إن عُذْتُمْ إلى ما يليق بكم عُدْنا إلى ما يليق بكرمنا.
﴿وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾، لأنهم ( .... )(١) وهم ناس كثير فهذه جهنم
ومن يسكنها من الكافرين .
و﴿حَصِيرًا﴾ أي محبساً ومصيراً. فالمؤمنُ - وإنْ كان صاحب ذنوب وإنْ كانت
كبيرة - فإنَّ مَنْ خرج من دنياه على إيمانه فلا محالةَ يصل يوماً إلى غفرانه.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الفَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ .
القرآنُ يدل على الحقِّ والصواب. و﴿أَقْوَمُ﴾: هنا بمعنى المستقيم الصحيح
كأكبر بمعنى الكبير؛ فالقرآن يدل على الحق والصواب، ولكنَّ الخللَ من جهة
المُسْتَدِلُ لا الدليل، إذ قد يكون الدليل ظاهراً ولكنَّ المستدِلَّ مُغْرِضُ، وبآداب النظر
مُخِلِّ، فيكون العيبُ في تقصيره لا في قصور الدليل.
القرآنُ نورٌ؛ مَنْ استضاء به خَلَصَ من ظُلُماتٍ جَهْلِه، وخرج من غمار شَكُه.
ومَنْ رَمَدَتْ عيونُ نظرِه التبس رُشْدُه.
ويقال الحَوَلُ ضَرَرُه أشدُّ من العَمَى؛ لأَنَّ الأعمى يعلم أنه ليس يُبْصِر فيَتْبَعُ
قائدَه، ولكن الأحول يتوهّمُ الشيء شيئين، فهو بتخيُّلِهِ وحسبانه يماري مَنْ كان
سليماً .. كذلك المبتدِعُ إذا سَلَكَ طريقَ الجَدَّل، ولم يضع النظر موضعه بَقِيَ في
طُلُماتِ جَهْلِهِ، وصال بباطل دعواه على خَصْمِه، كما قيل:
بأطرافِ المسائلِ كيف يأتي
- ولا أَدْرِي لَعَمْرُكَ - مُبْطِلُوها؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَدْعُ اَلْإِنِسَنُ بِالشَّرِّ دُعََّمُ بِالْخَيْرِّ وَكَانَ آلْإِنسَنُ عَمُوْلًا﴾(٢).
من الأدب في الدعاء أَلَّا يسألَ العبدُ إلَّا عند الحاجة، ثم ينظر فإنْ كان شيءٌ لا
يعنيه ألا يتعرَّضَ له؛ فإنَّ في الخبر: ((مِن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(٣). ثم
من آداب الداعي إذا سأل من اللَّهِ حاجَته ورأى تأخيراً في الإجابة إلا يَتَّهَم الحقَّ -
سبحانه - ويجب أن يعلم أن الخير في ألا يجيبه، والاستعجالُ - فيما يختاره العبد -
غيرُ محمود، وأَوْلِى الأشياءِ السكونُ والرضا بحُكْمِه سبحانه، إن لم يساعده الصبرُ
وسَأَلَ فالواجبُ تَرْكُ الاستعجال، والثقةُ بأنَّ المقسومَ لا يفوته، وأَنَّ اختيارَ الحقِّ للعبد
خيرٌ له من اختياره لنفسه.
(١) بياض في الأصل.
(٢) الآية (١٠) لم ترد.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ٩٠٧/٣، ١٥٨٨/٤، ٢٣٤١/٦)، والهيثمي في (مجمع
الزوائد ١٨/٨)، وأحمد بن حنبل في (المسند ٢٠/١)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٨٢٩١/٣).

١٨٣
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا الَِّلَ وَالنَّهَارَ مَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةٌ أَلَتْلِ وَجَعَلْتَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ الِسِنِينَ وَالْحِسَابُّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَضَّلْتَهُ تَّفْصِيلًا﴾.
جعل الليلَ والنهارَ علامةً على كمال قدرته، ودلالةً على وجوب وحدانيته؛ في
تعاقبهما وتناوبهما، وفي زيادتهما ونقصانهما .
ثم جعلهما وقتاً صالحاً لإقامة العبادة، والاستقامة على معرفة جلال إلهيته؛
فالعبادةُ شرطُها الدوامُ والاتصال، والوظائف حقُّها التوفيق والاختصاص.
ولو وقع في بعض العبادات تقصيرٌ أو حَصَلَ في أداءِ بعضِها تأخيرٌ تَدَارَكَه
بالقضاءِ حتى يَتَلَافَى التقصير.
ويقال من وجوه الآيات في الليل والنهارِ إفرادُ النهار بالضياء من غير سبب،
وتخصيصُ الليل بالظلام بغير أمرٍ مكتسب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةَ أَلَّلِ
وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾: وهو اختلاف أحوال القمر في إشراقه ومحاقة، فلا يبقى
ليلتين على حال واحدة، بل هو في كل ليلة في منزل آخر، إما بزيادة أو بنقصان.
وأمَّا الشمس فحالها الدوام .. والناس كذلك أوصافهم؛ فأربابُ التمكينِ الدوامُ
شرطُهم، وأصحابُ التلوينِ التنقلُ حَقُّهم، قال قائلهم:
ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألبابُ دون نزوله
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكُلَّ إِنَنِ أَلْزَمْنَهُ ◌َيْرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْفِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَهُ
مَنْشُورًا﴾ .
ألزم كلَّ أحدٍ ما لَبِسَ بجِيدِهِ. فالذين هم أهلُ السعادة أسرج لهم مركبَ
التوفيقَ، فيسير بهم إلى ساحات النجاة، والذين هم أهل الشقاوة أركبهم مَطِيَّةً
الخذلان فأَقْعَدَتْهم عن النهوض نحو منهج الخلاص، فوقعوا في وَهْدَةِ الهلاك.
قوله جلّ ذكره: ﴿ أَقْرَأْ كِنَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَكَ حَيِيبًا﴾ .
مَنْ ساعَدَتْه العنايةُ الأزليةُ حِفظَ عند معاملاته مما يكون وبالاً عليه يوم حسابه،
ومَنْ أبلاء بحكْمِه رَدَّه وأَمْهَلَه، ثم تركه وعَمَّلَه، فإذا استوفى أَجْلَه عرف ما ضيَّعَه
وأهمله، ويومئذ يُحَكِّمه في حالٍ نفسه، وهو لا محالةً يحكم بنفسه باستحقاقه لعذابه
عندما يتحقق من قبيح أعماله ... فكم من حسرةٍ يتجرَّعُها، وكم من خيبةٍ يتلقّاها!
ويقال مَنْ حَاسَبَه بكتابه فكتابةُ مُلازِمُه في حسابه فيقول: رَبُ: لا تحاسبني
بكتابي .. ولكن حاسِبْنِي بما قلتَ: إِنَّكَ غافرُ الذَّنْبِ وقابلُ التوبِ .. لا تعاملني
بمقتضى كتابي: ففيه بواري وهلاكي.
قوله جلّ ذكره: ﴿مَّنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَاً﴾

١٨٤
تفسير سورة الإسراء
قضايا أعمال العبد مقصورةٌ عليه؛ إنْ كانت طاعةً فضياؤها لأصحابها، وإنْ
كانت زَلَّةً فبلاؤها لأربابها. والحقُّ غنيٌّ مُقَدَّسٌ، أَحَدِيٍّ مُنَزَّهُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ وَمَا كُنََّ مُعَذِّبِينَ حَقّى نَعَثَ رَسُولًا﴾ .
كُلِّ مُطَالَبٌ بجريرته. وكلُّ نَفْسٍ تحمل أوزارها لا وِزْرَ نَفْسٍ أخرى .. ﴿وَمَا كُنَّ
مُعَذِّبِينَ حَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: دلَّ ذلك على أن الواجباتِ إنما تَتَوَجَّهُ من حيث السمع.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُجْلِكَ قَرْيَةٌ أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ فِبَهَا فَحَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا﴾ .
إذا كَثُرَ أَهلُ الفسادِ غَلَبُوا، وقَلَّ أهل الصلاح وفقدوا: فعند ذلك يغمر اللَّهُ
الخَلْقَ ببلائه، ولا يكون للناس ملجأ من أوليائه ليتكلموا في بابهم، ولا فيهم من
يبتهل إلى الله فَيُسْمَعُ دعاؤه، فَيَخْتَرِمُ أولياءَه، ويُبْقِي أربابَ الفساد، وعند ذلك يشتدُّ
البلاءُ وتَعْظُمُ المِحَنُ إلى أن ينظرَ اللَّه تعالى إلى الخَلْقِ نَظَرَ الرحمةِ والمِنَّة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوْجٌ وَكَفَى بِيِكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبيرًا
بَصِيرًا﴾ .
في الآية تسليةٌ للمظلومين إذا استبطأوا هلاكَ الظالمين، و ( ... )(١) قِصَرٍ
أيديهم عنهم. فإذا فَكْروا فيما مضى من الأمم أمثالِهم وكيف بَنَوْا مَشِيداً، وأَمَّلُواَ
بعيداً .. فبادوا جميعاً، يعلمون أَنَّ الآخرين - عن قريب - سينخرطون في سلكهم،
ويُمْتَحَنُون بمثل شأنهم. وإذا أَظَلَّتْهُم سُحُبُ الوحشةِ فاءوا إلى ظلُ شهود التقدير،
فتزول عنهم الوحشة، وتطيب لهم الحياةُ، وتحصل الهيبة.
قوله جلّ ذكره: ﴿مِّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ
جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَدْخُورًا﴾ .
مَنْ رَضِيَ بالحظ الخسيس من عاجل الدنيا بَقِيَ عن نفيس الآخرة، ثم لا يحظى
إلا بِقَدْر ما اشْتَمَّهُ، ثم يكون آنَسَ ما به قلباً وأشدَّ ما يكون به سكوناً ... ثم يُخْتَطَفُ
عن نعمته، ولا يخصه بشيءٍ مما جمع من كرائمه، ويمنعه من قربه في الآخرة ..
ولقد قيل :
إنْ. لم تبادِز فهو الفوث
يا غافلاً عن سماع الصوت
أزاله عن نعمته الموث
مَنْ لم تَزُلْ نعمته عاجلاً
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَمَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ
مَعْيُّهُم مَّشْكُورًا﴾ .
(١) بياض في الأصل.

١٨٥
تفسير سورة الإسراء
علامة مَنْ أراد الآخرةَ ـ على الحقيقة - أن يسعى لها سَعْيْها؛ فإرادةُ الآخرة إذا
تجرَّدَتْ عن العمل لها كانت مجرَّد إرادة، ولا يكون السعيُّ مشكوراً. قوله: ﴿وَهُوَ
مُؤْمِنٌ﴾: أي من المآلِ كما أنه مؤمِنٌ في الحال. ويقال وهو مؤمن أنَّ نجاته بفضله لا
بسببه .
﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ أي مقبولاً، ومع القبول بكون التضعيف
والتكثير؛ فكما أن الصدقة يُرْبِيها كذلك طاعةُ العبدِ يُكَثِّرُها ويُنَمِّيها.
قوله جلّ ذكره: ﴿كُلَّا تُّمِذُّ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ
مَخْطُورًا﴾.
يجازي كلاًّ بِقَدْرِهِ؛ فَلِقَوْمٍ نجاة ولقومٍ درجات، ولقوم سلامة ولقومٍ كرامة،
ولقومٍ مثوبتُه، ولقومٍ قربتُه .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ
تَفْضِيلًا﴾ .
التفضيلُ على أقسام، فالعُبَّاد فَضَّلَ بعضهم على بعض ولكن في زكاء أعمالهم،
والعارفون فَضَّلَ بعضهم على بعض ولكن في صفاء أحوالهم، وزكاء الأعمال
بالإخلاص، وصفاء الأحوال بالاستخلاص؛ فقومٌ تفاضلوا بصدق القَدَم، وقوم
تفاضلوا بعلوّ الهِمَم. والتفضيل في الآخرة أكبر: فالعُبَّادُ تفاضلهم بالدرجات، قال
وَلٌ: ((إنكم لَتَرَوْنَ أهلَ عِلْيين كما ترون الكوكب الدريَّ في أفق السماء وإن أبا بكر
وعمر منهم))(١).
وأهلُ الحضرةِ تفاضُلُهم بلطائفهم من الأنّس بنسيم القربة بما لا بيانَ يصفه ولا
عبارة، ولا رمز يدركه ولا إشارة. منهم من يشهده ويراه مرةً في الأسبوع، ومنهم من
لا يغيب من الحضرة لحظة، فهم يجتمعون في الرؤية ويتفاوتون في نصيبٍ كلِّ أحد،
وليس كلُّ مَنْ يراه بالعين التي بها يراه صاحبه، وأنشد بعضهم:
خَرَّوا لِعَزَّةَ رُبَّعاً وسجودا
لو يسمعون - كما سمعتُ حديثها
قوله جلّ ذكره: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا تَّخْذُولًا﴾ .
الذي أشرك بالله أصبح مذموماً من قِبَلِ الله، ومخذولاً من قِبَلٍ مَنْ عَبَدَه من دون
الله .
(١) أخرجه مسلم (جنة ١٠، ١١)، والدارمي (رقاق ١٠٧)، وأحمد بن حنبل ٢، ٣٣٩، ٣، ٢٦،
٥٠، ٦١، ٥، ٣٤٠.

١٨٦
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّأْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِندََ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل ◌َُّمَآ أُفٍ وَلَا نَهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَزِيمًا﴾.
أمَرَ بإفراده - سبحانه - بالعبادة، وذلك بالإخلاص فيما يستعمله العبدُ منها، وأن
يكون مغلوباً باستيلاء سلطانِ الحقيقةِ عليه بما يَحْفَظُه عن شهودٍ عبادته.
وأَمَرَ بالإحسان إلى الوالدين ومراعاةٍ حقّهما، والوقوفِ عند إشارتهما، والقيام
بخدمتهما، وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما وحُسْنِ عشرتهما ورعاية حُزْمَتهما، وألا
يبديّ شواهدَ الكسلِ عند أوامرهما، وأن يَبْذُل المُكْنَةً فيما يعود إلى حفظ قلوبهما ...
هذا في حال حياتهما، فأمَّا بعد وفاتهما فيِصِدْقِ الدعاء لهما، وأداءِ الصَدَقَةِ عنهما،
وحِفْظٍ وصيتهما على الوجهِ الذي فَعَلاه، والإحسان إلى مَنْ كان مِنْ أهلٍ ودِّهما
ومعارفهما .
ويقال إِنَّ الحقَّ أَمَرَ العبادَ بمراعاة حقّ الوالدين وهما من جنس العبد .. فَمَنْ
عجز عن القيام بحقُ جنسه أَنَّى له أن يقومَ بحقٌ ربه؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ زَبِّ أَرْحَمْهُمَا كَّا رَبََّانِ
صَغِيرًا﴾.
﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ﴾ بحسن المداراة ولين المنطق، والبدار إلى الخدمة،
وسرعة الإجابة، وترك البَرَمَ بمطالبهما، والصبر على أمرهما، وألاْ تَدَّخِرَ عنهما
ميسوراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَِلِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَِّينَ
غَفُورًا﴾ .
إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ قلبٍ عبدٍ أَمَدَّه بحسن الأمجاد، وأكرمه بجمیل الامتداد،
ويَسَّر عليه العسيرَ من الأمور، وحفظه عن الشرور، وعطف عليه قلوب الجمهور.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيْرًا﴾ .
إيتاءُ الحقِّ يكون من المال ومن النَّفْس ومن القول ومن الفعل، ومَنْ نَزَل على
اقتضاء حقّه، وبذل الكُلَّ لأجل ما طالبه به من حقوق. فهو القائم بما ألزمه الحقُّ
سبحانه بأمره .
والتبذيرُ مجاوزةُ الحدِّ عمَّا قدَّره الأمرُ والإذنُ. وما يكون لحظُّ النَّفْسِ - وإن كان
ـة (١)
- فهو تبذيرٌ، وما كان له - وإن كان الوفاءَ بالنَّفْس - فهو تقصيرٌ.
سمسمة
(١) السمسمة: واحدة السمسم: نبات له حبّ صغير دُهنه زيت الشيرج.

١٨٧
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوَأْ إِخْوَنَ الشَّبَاطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَغُورًا﴾ .
إنما كانوا إخوان الشياطين لأنهم أنفقوا على هواهم، وجَرَوا في طريقهم على
دواعي الشياطين ووساوسهم، ولمَّا أفضى بهم ذلك إلى المعاصي فقد دعاهم إخوانَ
الشياطين .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُ أَيْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ .
إن لم يُسَاعِدْكَ الإمكانُ على ما طالبوكَ مِن الإحسان فاصْرِفْهم عنكَ بوعدٍ جميلٍ
إن لم تُشْعِفهم بنقدٍ جزيل .. وإنَّ وَعْدَ الكرام أَهْناً من نقد اللئام.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَذَلَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَفْعُدَ مَلُومًا
تَحْسُورًا﴾ .
لا تُمْسِكُ عن الإعطاء فَتُكْدِي(١)، ولا تُسْرِفْ في البذلِ بكثرة ما تُسْدِي،
وأسْلُكْ بين الأمرين طريقاً وَسَطاً.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خِيرًا بَصِيرًا﴾ .
إذا بَسَطَ لا تَبْقَى فاقة، وإذا قبض استنفد كلَّ طاقة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَ نَّقْئُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ
خِطْئًا كَبِيرًا﴾.
مَنْ عَرَفَ أَنَّ الرازقَ هو الله خفَّ عن قلبه همُّ العيال - وإنْ كَثُروا، ومن خفي
عليه أنه قَسَّمَ - قبل الخَلْقِ - أرزاقَهم تطوح في متاهات مغاليطه، فيقع فيها بالقلب
والبَدَنِ ثم لا يكون غير ما سبق به التقدير.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّ إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ .
ترَّجحَ الزنا على غيره من الفواحش لأن فيه تضييعَ حُزْمَةِ الحقُّ، وهتكَ حُرْمَةِ
الخلق، ثم لِمَا فيه من الإخلال بالنَّسَبِ، وإفسادِ ذات البين من مقتضى الأَنَّفَةِ
والغضب .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقّ وَمَن قُِّلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا
لِوَ لِيْهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِىِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾.
لا يجوز قَتْلُ نَفْسٍ الغير بغير الحق، ولا للمرء أن يقتل نَفْسَه أيضاً بغير الحق.
وكما أنَّ قتلَ النَّفْس بالحديد وما يقوم مقامه من الآلات مُحَرَّمٌ فكذلك القَصْدُ إلى
هلاكِ المرءِ مُحَرَّمٌ .
(١) كدى الرجل يكدي وأكدى: قلل عطاءةُ، وقيل: بخل (اللسان ٢١٦/٥ مادة: كدا).

١٨٨.
تفسير سورة الإسراء
ومن انهمك في مخالفة ربه فقد سعى في هلاك نفسه. ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ
جَعَلْنَا لِوَلِهِ، سُلْطَانًا﴾: أي تسلطاً على القاتل في الاقتصاص منه، وعلى معنى الإشارة:
إلى النصرة مِنْ قِبَلِ الله: ومنصورُ الحقُّ لا تنكسر سِنَانُه، ولا تطيشُ سِهَامُه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْبَنِمِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ
إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ .
لمَّا لم يكن لليتيم مَنْ يهتم بشأنه أُمَرَ - سبحانه - الأجنبيَّ الذي ليس بينه وبين
اليتيم سَبَبٌ أَنْ يتولَّى أمرَه، ويقومَ بشأنٍ.، وأوصاه في بابه؛ فالصبيُّ قاعد بصفة
الفراغ والهوينى (١)، والوليَّ ساعٍ بمقاساة العَنّا ..
فَأَمْرُ الحقُّ - سبحانه - للوّلِيِّ أَخْظَى للصبيِّ مِنْ شفقةِ آلِه عليه في حال حياتهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَوْفُوْ اَلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِيُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلاً﴾ .
كما تدين تدان، وكما تعامِلُ تُجازَى، وكما تكيل يُكَالُ لكَ، وكما تكونون
يكون عليكم، ومَنْ وَفَى وفَوْا له، ومَنْ خان خانوا معه، وأنشدوا:
أَسَأْنا فساءوا .. عَدْلٌ بلا حيفٍ ولو عَدَلْنا لَخُلْضنا من المِحَنِ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَ نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْهُّ إِنَّ أَلسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ
كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ .
إذا غَلَبَتْ عليكَ مُجَوِّزَاتُ الظنونِ، ولم يُطْلِعْكَ الحقُّ على اليقين فلا تتكلف
الوقوف عليه من غير برهان، وإذا أُشْكِلَ عليك شيءٌ من أحكام الوقت فارجع إلى
الله؛ فإِنْ لاحَ لقلبك وَجْهٌ من الدليل على حَدِ الالتباس فَكِلْ عِلْمَه إلى الله، وِقِفْ
حيثما وقفت .
ويقال الفرق بين من قام بالعلم وبين من قام بالحق أنَّ العلماء يعرفون الشيءَ
أولاً ثم يعلمون بعلمهم، وأصحابُ الحقِّ يجْرِي عليهم يحكم التصريف شيءٌ لا علِمَ
لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يُكشَف لهم وجهُه، وربما يجري على ألسنتهم شيءٌ
لا يدرون وَجْهَه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهانُ ما قالوه، ودليلُ ما
نطقوا به من شواهد العلم (٢).
(١) الهوينى: الخفض والدَّعة.
(٢) فرق القشيري بين المعرفة عند أرباب العلوم والمعرفة عند أرباب الحقائق. قال في رسالته عند
حديثه عن الوصية للمريدين: ولم يكن عصر في الحكم الإسلامي إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه
الطائفة، فمن له علوم التوحيد وإمامة القوم، إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء قد استسلموا لذلك=

١٨٩
تفسير سورة الإسراء
قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ﴾ هذه أمانة الحق - سبحانه - عند العبد، وقد تقدم في
بابها بما أوضحته ببراهين الشريعة .
ومَنْ استعمل هذه الجوارح في الطاعات، وصانها عن استعمالها في المخالفات
فقد سَلَّم الأمانة على وصف السلامة، واستحق المدحَ والكرامة. ومَنْ دَنَّسَها
بالمخالفات فقد ظهرت عليه الخيانة، واستوجب الملامة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَجَّاً إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ آلَّْ ◌َ وَلَنْ تَبْلُغَ اَلْجِبَالَ
طولًا﴾.
الخُيَلاءُ والتجبُّ، والمدح والتكْبُر - كل ذلك نتائجُ الغيبة عن الذكر، والحجبة
عن شهود الحقْ؛ ((فإنَّ اللَّهَ إذا تجلَّى لشيءٍ خشع له))(٦) بذلك وَرَدَ الخبر. فأمَّا في
حال حضورِ القلبِ واستيلاءِ الذكر وسلطان الشهود. فالقلبُ مُطْرِقٌ، وحُكْمُ الهيبة
غالِبٌ. ونعتُ المدحِ وصفةُ الزَّهْوِ وأسبابُ التفرقة - كل ذلك ساقط.
والناسُ - في الخلاص من صفة التكبر - أصنافٌ: فأصحابُ الاعتبار إِذْ عرفوا
أنهم مخلوقونَ من نطفةٍ أمشاج(٢)، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا
طعامهم وشرابهم .. تعلو هِمَمُهم عن التضييق والتدنيق (٣)، ويَبْعُدُ عن قلوبهم قيامُ
أَخْطارٍ للأشياء، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر، وينزع عنهم لباس
التجبُّر.
وأمَّا أرباب الحضور فليس في طلوع الحق إلا انخناس (٤) النّفْس، وفي معناه
قالوا :
إذا ما بدا لي تَعاظَمْتُه فأصدر في حال من لم يرد
الشيخ وتواضعوا له وتبركوا به، ولولا مزية لهم وخصوصية وإلا كان الأمر بالعكس، هذا أحمد بن
حنبل كان عند الشافعي رضي الله عنهما، فجاء شيبان الراعي، فقال أحمد: أريد يا أبا عبد الله أن
أنبّه هذا على نقصان علمه، ليشتغل بتحصيل بعض العلوم، فقال الشافعي: لا تفعل، فلم يقع، فقال
لشيبان: ما تقول فيمن نسي صلاة من خمس صلوات في اليوم والليلة، ولا يدري أية صلاة نسيها،
ما الواجب عليه يا شيبان؟ فقال شيبان: يا أحمد هذا قلب غفل عن الله تعالى، فالواجب أن يؤدب
حتى لا يغفل عن مولاه بعد، فغشي على أحمد، فلما أفاق. قال له الشافعي: ألم أقل لك لا تحرك
هذا، وشيبان الراعي كان أميّاً، فإذا كان الأمي منهم هكذا فما الظن بأئمتهم. (الرسالة القشيرية
ص٣٧٨، ٣٧٩).
(١) أخرجه النسائي (كسوف ١٦)، وابن ماجه (إقامة ١٥٢)، وأحمد بن حنبل ٤، ٢٦٧، ٢٦٩.
(٢) الأمشاج: هي الأخلاط: ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة (لسان العرب ٣٦٧/٢ مادة: مشج).
(٣) التدنيق: المُداقة والاستقصاء كنايات عن البخل والشح. (اللسان ١٠٦/١٠ مادة: دنق).
(٤) الانخناس: التأخر والتخلف.

١٩٠
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَنَ سَيِّئُهُ عِندَ رَيْكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِنَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ
اَلْحِكْمَةِ وَلَا تَّجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِنَّهَا مَاخَرَ فَتُلْقَى فِ جَهَنَّمَ مَلُومًاً مَّدْهُورًا ﴾ .
إذا سَعِدَتْ الأقدامُ بحضور ساحاتِ الشهود، وعَطِرَتْ الأسرارُ بنسيم القُرب
تجرَّدَتْ الأوقاتُ عن الحجبة، واستولى سلطان الحقيقة، فيحصل التنفّي من هذه
الأوصاف المذمومة .
وقال تعالى لنبيِّه: ﴿ذَلِكَ مِنَّا أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾: بالوحي والإعلام،
ولأوليائه تعريف بحكم الإلهام.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَضْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَيْنَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَتِكَةِ إِنَتَأْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ فَوْلًا
عَظِيمًا﴾ .
جَوَّزوا أن يكونَ لله - سبحانه - ولدٌ، وفكْروا في ذلك، ثم لم يَرْضَوْا حتى
جعلوا له ما استنكفوا منه لأنفسهم، فما زادوا في تَمَرُّدِهم إلا عُتُوًّا، وفي طغيانهم إلا
غُلُوًّا، وعن قبول الحقُّ إلا نُبُوَّاً .
قوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُرْ ءَاِمَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّأَبْتَغَوْ إِلَى ذِى الْعَرِْ سَبِيلًا سُبْحَتَهُ
وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُوَا كَبِيرًا ﴾(١) .
بيَّن أنه لو كان الصانعُ أكثرَ من واحدٍ لَجَرَى بينهم تَضَادٌ وتمانُعٌ، وصحَّ عند
ذلك في صفتهم العجزُ، وذلك من سِمات المحدثات.
ثم قال سبحانه - تنزيهاً له عن الشَّريك والظهير، والمعين والنظير.
قوله جلّ ذكره: ﴿تُسَعُ لَهُ السَّمَوَتُ التَْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيِنَّ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّعُ بِهِ.
وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمَّ إِنَّهُ كَانَ حَلِمًا غَفُورًا﴾ .
الأحياءُ من أهل السموات والأرض يُسَبّحون له تسبيحَ قالة، وغير الأحياء يسبح من
حيث البرهان والدلالة. وما من جزءٍ من الأعيان والآثار إلا وهو دليل على الربوبية،
ولكنهم إذا استمعوا توحيداً للإله تعجبوا - لجهلهم وتَعَسُّر إدراكهم - وأنكروا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَنَّكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا
مَّسْتُورًا﴾ .
أي أدخلناك في إيواءٍ حفِظْنَا، وضربنا عليك سرادقاتٍ(٢) عصمتنا، ومنعنا
الأيدي الخاطئةَ عنك بلطفنا .
(١) الآية (٤١) لم ترد.
(٢) السرادقات: (ج) السرادق: الخيمة الواسعة أو ما يُمد فوق صحن الدار وهو ستر الدار.

١٩١
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِّ مَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرَتَ رَبَّكَ فِى
الْقُرْءَانِ وَحْدَمُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ تُفُورًا﴾ .
صَرَّح بأنه خالقُ ضلالتهم، وهو المست في قلوبهم ما استكنَّ فيها من فرط
غوايتهم. ﴿وَإِذَا ذَكَّرْتَ رَبَّكَ فِىِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾ أحبوا أن تذكر آلهتهم، قد ختم الله على
قلوبهم فلا حديثَ يُعْجِبُهم إلَّا مِمَّنْ لهم شَكْلٌ ومِثْلٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَعْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِنْ هُمْ تَجْوَىَ إِذْ يَقُولُ
اُلَّالِمُونَ إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ .
لَبَّسُوا على رسول الله - وَ﴿ - أحوالَهم، وأظهروا الوفاقَ من أنفسهم، فَفَضَحَهم
اللَّهُ تعالى، وكَشَفَ أسرارَهم، وبَيَّنَ مقابِحَهم، وهَتَكَ أستارَهم، فما تنطوي عليه
السريرة لا بُدَّ أن يَظْهَر لأهل البصيرة بما يبدو على الأَسِرَّة.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ .
عابوه بما ليس بنقيصةٍ في نفسه حيث قالوا: ﴿إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي ذا
سِخْرٍ. وأيُّ نقيصة كانت له إذا كان ◌َ﴾ - من جملة البَشَر؟ والحقُّ سبحانه وتعالى
متولٍ نصرته، ولم يكن تخصيصه ببنيَة، ولا بصورة، ولا بِحِرْفةٍ، ولم يكن منه شيء
بسببه وإنما بَانَ شرفُه لجملة ما تعلَّقه به لُطْفُه القديم - سبحانه - ورحمتُه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالُواْ أَِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُؤَنَا أَبِنَا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ .
أَقَرُّوا بأنَّ الله خَلَقَهم، ثم أنكروا قدرته على إعادتهم بعد عَدَمِهم، ولكن .. كما
جاز أن يوجِدَهم أولاً وهم في كتم العَدَم ولم يكن لهم عين ولا أثر، ولكنهم كانوا في
متناول القدرة ومتعلق الإرادة، فَمِنْ حَقٌّ صاحبِ القدرة والإرادة أن يعيدهم إلى
الوجود مرة أخرى .. وهكذا إذا رَمَدَت عينُ قلبٍ لم يستبصر صاحبه.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ
فَسَيَقُولُونَ مِن يُعِيدُنَّ قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّقَّ فَسَيُنْفِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَنَى هُوْ قُلْ عَسَمّ
أَن يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ .
أخبر - سبحانه وتعالى - أنه لا يتعصَّى عليه مقدورٌ لأنه موصوف بقدرة أزلية،
وقُدْرَتُه عامَّةُ التعلق: فلا المشقة تجوز في صفته ولا الرفاهية. فالخلْقُ الأول والإعادة
عليه سِيَّان؛ لا مِنْ هذا عائدٌ إليه ولا من ذاك، لأن قِدَمَه يمنع تأثير الحدوث فيه.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْنَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَقُلُّونَ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
يدعوكم فتستجيبونه وأنتم حامدون. فالحمد بمعنى الشكر، وإنما يشكر العبدُ
على النعمة والآية تدل على أنهم - وهم في قبورهم - في نعمته.

١٩٢
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمَّ إِنَّ الشَّيْطَنَ
كَانَ لِلْإِنَنِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ .
القولُ الحسنُ ما يكون للقائل أن يقوله. ويجوز أن يكون الأحسن مبالغة من الحَسَنِ،
فعلى هذا الأحسن من القول ما لا يجوز تركُه. ويقال الأحسن من القول ما يخاف قائله من
العقوبة على تركه. ويقال الأحسن من القول إقرار المُحِبِّ بعبودية محبوبه .
ويقال أحسنُ قولٍ من المذنبين الإقرارُ بالجُرْم، وأحسنُ قولٍ من العارفين الإقرارُ
بالعجز عن المعرفة، قال ◌َ: ((سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على
نفسك)»(١).
قوله جلّ ذكره: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُرْ إِن يَشَأْ يَرَحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمْ وَمَا أَرْسَلْتَكَ
عَلَتِهِمْ وَكِيلًا﴾ .
سَدَّ على كلِّ أحدٍ طريقَ معرفته بنفسه ليتعلَّق كُلُّ قلبه بربه. وجَعَلَ العواقبَ على
أربابها مشتبهةً، فقال ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾. ثم قدَّمَ حديثَ الرحمةِ على حديثِ العذاب،
فقال: ﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمْ﴾ وفي ذلك تَرَجْ للأمل أَنْ يَقْوى .
ويوصف العبدُ بالعلم ويوصف الربُّ بالعلم، ولكن العبدَ يعلم ظاهرَ حاله،
وعِلْمُ الرب يكون بحاله وبمآله، ولهذا فالواجبُ على العبد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء
الله تعالى، وهذا معنى: ﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعَنَ عَلَى بَعْضِّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ .
فَضَّلَ بعضَ الأنبياءِ على بعضٍ في النبوة والدرجة، وفي الرسالة واللطائف
والخصائص. وجعل نبيَّنا - وَ﴾ - أفضلهم؛ فهم كالنجوم وهو بينهم بَذْرٌ، وهم
كالبدور وهو بينهم شمس، وهم شموسٌ وهو شمسُ الشموس.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلِ آَدّعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الغُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا
تَحْوِيلًا﴾ .
استعينوا فيما يستقبلكم بالأصنام التي عبدتموها من دون الله حتى تتحققوا أنه لا
تنفعكم عبادةُ شيءٍ من دون الله، ولا يضركم تَرْكُ ذلك، ولقد قيل في الخبر: ((من
حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(٢).
(١) أخرجه مسلم (صلاة ٢٢٢)، وأبو داود (صلاة ١٤٨)، (وتر، ٥) والنسائي (قيام الليل ٥١)
والترمذي (دعوات ٧٥ - ١١٢)، وابن ماجه (دعاء، ٣)، (إقامة ١١٧)، والموطأ (م القرآن ٣١)،
وأحمد بن حنبل ١، ٩٦، ١١٨، ١٥٠، ٦، ٥٨.
(٢) أخرجه الترمذي (زهد، ١١)، وابن ماجه (فتن ١٢)، والموطأ (حسن الخلق ٣)، (كلام ١٧).

١٩٣
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ .
يعني الذين يعبدونهم ويدعونهم - كالمسيح وعُزَير والملائكة - لا يملكون نَفْعَاً
لأنفسهم ولا ضَرَّاً، وهم يطلبون الوسيلةَ إلى الله أيْ يتقربون إلى الله بطاعتهم رجاءً
إحسانَ الله، وطمعاً في رحمته، ويخافون العذاب من الله ... فكيف يرفعون عنكم
البلاءَ وهم يرجون الله ويخافونه في أحوال أنفسهم؟
ويقال في المَثَلِ : تعلُّقُ الخَلْقِ بالخَلْقِ تعلُّقُ مسجونٍ بمسجون.
ويقال: إذا انضمَّ الفقيرُ إلى الفقيرِ ازدادا فاقةً .
ويقال إذا قاد الضريرُ ضريراً سقطاً معاً في البئر، وفي معناه أنشدوا:
سبعون أعمى بمقادير
إذا التقى في حَدَبٍ واحدٍ
فكُلُّهم يسقط في البير
وسَيَّروا بعضَهم قائداً
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا
شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِىِ الْكِتَبِ مَسْطُورٌ﴾ .
العذاب على أقسام: فالألم الذي يَرِدُ على النفوسِ والظواهر يتصاغر بالإضافة
إلى مَا يَرِدُ على القلوب والسرائر؛ فعذابُ القلوبُ لأصحابِ الحقائقِ أَحَدُّ في الشِّدَّةِ
مِما يُصيب أصحابَ الفقر والقلة .
ثم إن الحقَّ سبحانه أجرى سُنَّتَه بأن مَنْ وصلت منه إلى غيره راحةٌ انعكست
الراحةُ إلى موصلها، وبخلاف ذلك مَنْ وصلت منه إلى غيره وَخْشَةٌ عادت الوحشةُ إلى
موصلها. ومَنْ سام الناس ظُلْماً وخَسْفاً فَبِقَدْرِ ظُلْمِه يَعذْبُه اللَّهُ - سبحانه وتعالى - في
الوقت بتنغيص العَيْشِ(١)، واستيلاءِ الغضب مِنْ كلِّ أحدٍ عليه، وتَتَرَجَّمُ ظنونُه وتتقسَّمُ
أفكاره في أحواله وأشغاله، ولو ذاق من راحة الفراغ وحلاوة الخلوة شظية لَعَلِمَ ما
طعم الحياة .. ولكنْ حُرِموا النّعَم، وما علموا ما مُنُوا به من النِّقَم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِالْآَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَّ وَءَانَيْنَ ثَمُودَ
النَّاقَةَ مُبْصِرَةٌ فَظَلَمُواْ بِهَاْ﴾ .
أجرى الله سُنَّتَه أنه إذا أظهر آية اقْتَرَحَتْها أُمَّةٌ من الأمم ثم لم تؤمن بها بعد
إظهارها أَنْ يُعَجِّلَ لها العقوبة، وكان المعلومُ والمحكومُ به ألا يجتاحَ العذابُ القومَ
الذين كانوا في وقت الرسول - عليه السلام - لأَجْلِ مَنْ في أصلابهم مِنَ الذين عَلِمَ
أنهم يؤمِنُون؛ فلذلك أَجَّرَ عنهم العذاب الذي تعجّلوه.
(١) تنغّص العيش: تكدّر.

١٩٤
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره:﴿وَمَا نَّرْسِلُ بِْآَيَتِ إلَّا تَخْوِيفًا﴾.
التخويف بالآيات ذلك من مقتضى تجمله؛ فإنْ لم يخافوا وَقَعَ عليهم العذاب.
ثم إنه عَلِمَ أنه لا يفوته شيءٌ بتأخير العقوبة عنهم فَأَخَّر العذابَ. وله أن يفعل ما يشاء
بمقتضى حُكْمِه وعلمه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْتَ لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسِّ وَمَا جَعَلْنَا الرَِّيَا الَّتِىَّ أَرَيْنَكَ إِلَّا
فِتْنَةُ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَ فِ الْقُرْءَانِّ وَتُنَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا مُفْيَنًا كِيرًا﴾.
الإيمانُ بما خَصَصْنَاكَ به امتحانٌ لهم وتكليفٌ، ليتميزَ الصادقُ من المنافقِ،
والمؤمنُ من الجاحد؛ فالذين تَدَاركَثْهُم الحمايةُ وقفوا وثبتوا، وصَدَّقوا بما قيل لهم
وحققوا. وأما الذين خَامَر الشكُّ قلوبَهم، ولم تباشِرْ خلاصةُ التوحيد أسرارَهم، فما
ازدادوا بما امتُحِنُوا به إلا تحيّراً وضلالاً وَتَبَلَّداً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَتِكَةِ اسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوّاْ إِلَّ إِبْلِسَ قَالَ ◌َ أَسْجُدُ لِمَنْ
خَلَقْتَ لِينًا﴾ .
امتنع الشقيُّ وقال: لا أسجد لغيرك بوجهٍ سَجَدْتُ لَكَ به، وكان ذلك جهلاً
منه، ولو كان بالله عارفاً لكان لأمره مؤثراً، ولمحيط نفسه تاركاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ
لَأَحْتَئِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
لو علقت به ذرَّةٌ من المعرفة والتوحيد لم يحطب على نفسه بالإضلال والإغواء،
لكنَّه أقامه الحقُّ بذلك المقام، وأنطقه بما هو لقلوبِ أهلِ التحقيق مُتَّضِح.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءُ مَّوْفُورًا
وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ
وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ .
هذا غاية التهديد، وفيه إشارة وبيان بألا مراء ولا تفويتٍ، ولو أَخرَّ عقوبةَ قومٍ
فإن ذلك إمهالُ لا إهمال، ومكرٌ واستدراجٌ لا إنعامٌ وإكرامٌ.
﴿وَأَسْتَفْرِزْ مَنِ أَسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾: أي افعل ما أمكنكَ، فلا تأثيرَ لفعلك في
أحد، فإنَّ المنشىءَ والمُبْدِعَ هو الله .. وهذا غاية التهديد.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَيْكَ وَكِيلًا﴾.
السلطان الحجة، فالآية تدل على العموم، ولا حجة للعذر على أحد، بل
الحجة لله وحده .

١٩٥
تفسير سورة الإسراء
ويقال السلطان هو الثَّسَلُّط، وليس لإبليس على أحدٍ تسلط؛ إذ المقدور بالقدرة
الحادثة لا يخرج عن محل القدرة الإلهية، فالحادثاتُ كلها تحدث بقدرة الله؛ فلا لإبليس
ولا لغيره من المخلوقين تسلط من حيث التأثير في أحد، وعلى هذا أيضاً فالآية للعموم.
ويقال أراد بقوله: ﴿عِبَادِى﴾ الخواصَ من المؤمنين الذين هم أهل الحفظ والرحمة
والرعاية من قِبَلَ الله؛ فإن وساوس الشيطان لا تضرُّهم لالتجائهم إلى الله، ودوام استجارتهم
بالله، ولهذا فإن الشيطان إذا قَرُبَ من قلوب أهل المعرفة احترق بضياء معارفهم.
ويقال إنَّ فرار الشيطان من المؤمنين أشدُّ من فرار المؤمنين من الشيطان.
والخواص من عباده هم الذين لا يكونون في أَسْرٍ غيره، وأَمَّا مَنْ استعبده هواه،
واستمكنت منه الأطماع، واستّرقته كل خسيسة ونقيصة فلا يكون من جملة خواصه ..
وفي الخبر ((تَعِسَ عبد الدرهم تعس عبد الدينار))(١).
ويقال في ﴿عِبَادِى﴾ هم المُتَفَيِّئُون في ظلال عنايته، المُتَبَرُّون عن حَوْلهِم
وقُوَّتِهم، المتفرّدُون بالله بحسن التوكل عليه ودوام التعلّق به.
قوله جلّ ذكره: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِ لَكُمُ الْفُلْكَ فِ الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، إِنَّهُ
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ .
تعرَّف إلى عباده بخَلْقِه وإنعامه، فما من حادثٍ من عينٍ أو أثرٍ أو طَلَلٍ أو غَبَرٍ
إلا وهو شاهِدٌ على وحدانيته، دالٌّ على ربوبيته.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُُّ فِىِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ إِنَُّ ◌َمَا تَنْكُمْ إِلَى أَلْبَرّ
أَغْرَضْتُمْ وَكَانَ آلْإِنَنُ كَفُورًا﴾ .
جُبِلَ الإنسانُ على أنه إذا أصابته نقمةٌ، أو مَسَّتْه محنة فَزْعَ إلى الله لاستدفاعها،
وقد يُعْتَقَدُ أنهم لن يعودوا بعدها إلى ما ليس فيه رضاء الله، فإذا أزال اللَّهُ تلك النّقمة
وكَشَّفَ تلك المحنة عادوا إلى ما عنه تابوا، كأنهم لم يكونوا في ضُرّ مَسَّهم، وفي
معناه أنشدوا :
أحباءَنا كم تجهلون! وَتَّخْلمُ!
فکم قد جهلتم ثم عُدْنا بِحِلْمِنا
(١) أخرجه ابن ماجه في (السنن ٤١٣٥، ٤١٣٦)، والبيهقي في (السنن الكبرى ١٥٩/٩، ٢٤٥/١٠)
والهيثمي في (مجمع الزوائد ٢٤٨/١٠، ٢٦٤)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٣٥٦/٥، ٨/
١٥٢، ٧٥/١٠)، والمنذري في (الترغيب والترهيب ٢٤٧/٢)، وابن كثير في (التفسير ١٧٦/٢،
٢٩٣/٧)، والقرطبي في (التفسير ٢٣٣/١٦، ١٤١/١٨)، والسيوطي في (الدر المنثور ١١٥/٢)،
وابن حجر في (تغليق التعليق ٩٥٢)، وفي (فتح الباري ٢٥٣/١١، ٢٥٤)، والتبريزي في (مشكاة
المصابيح ٥١٦١)، والشجري في (الأمالي ١٥٤/٢)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٢/
٤٦، ٢٣٠/٣، ٣٧٦/٤)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٥٣/٨).

١٩٦
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا نُمَّ لَا
تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الْرِيجِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا
كَغَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، يَِّعًا ﴾ .
الخوفُ ترقُبُ العقوبات مع مجاري الأنفاس - كذلك قال الشيوخ(١). وأعرفُهم
بالله أخوفُهم من الله. وصنوفُ العذابِ كثيرة؛ فكم من مسرورٍ أَوَّلَ ليْلهِ أصبح في
شِدَّة! وكم من مهموم بات يتقلب على فراشه أصبح وقد جاءته البشرى بكمال النّعم!
وفي معناه قالوا: إِن من خاف البيات لا يأخذه السُّبات. ووصفوا أهل المعرفة فقالوا:
يريدون أن يمضوا ويرتحلوا
مستوفزون على رِجْلٍ كأنهمو
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَحَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ
الَّتِبَتِ وَفَضَّلَهُمْ عَلَى كَثِرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ .
المراد من قوله: ﴿بَنِيّ ◌َدَمٌ﴾ هنا المؤمنون لأنه قال في صفة الكفار: ﴿وَمَن يُهِنِ
اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن تُكْرِئٍ﴾ [الحج: ١٨]. والتكريم التكثير من الإكرام، فإذا حَرَمَ الكافرَ
الإكرام .. فمتى يكون له التكريم؟
ويقال إنما قال: ﴿كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ﴾ ولم يقل المؤمنين أو العابدين أو أصحاب
الاجتهاد توضيحاً بأن التكريم لا يكون مقابلَ فِعْلٍ، أو مُعَلَّلاً بِعِلةٍ، أو مُسَيَباً باستحقاقٍ
يوجب ذلك التكريم.
ومن التكريم أنهم متى شاءوا وقفوا معه على بساط المناجاة.
ومن التكريم أنه على أي وصف كان من الطهارة وغيرها إذا أراد أن يخاطبه
خَاطَبَه، وإذا أراد أن يسأل شيئاً سأله.
ومن التكريم أنه إذا تاب ثم نقض توبته ثم تاب يقبل توبته، فلو تكرر منه جُزْمُه
ثم توبته يضاعف له قبولَه التوبة وعفوَه.
ومن التكريم أنه إذا شَرَعَ في التوبة أَخْذَ بيده، وإذا قال: لا أعود - يقبل قولَه
وإِنْ عَلِمَ أنه ینقض توبته .
ومن التكريم أنه زَيَّنَ ظاهرَهم بتوفيق المجاهدة، وحَسِّنَ باطنّهم بتحقيق
المشاهدة .
ومن التكريم أنه أعطاهم قبل سؤالهم، وغفر لهم قبل استغفارهم، كذا في
(١) هذا القول للجنيد (انظر الرسالة القشيرية ص١٢٧) وهو فيها: سُئل الجنيد عن الخوف فقال: توقّع
العقوبة مع مجاري الأنفاس.

١٩٧
تفسير سورة الإسراء
الأثر: ((أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني)).
ومن تكريم جملتهم أنه قال لهم: ﴿فَأَذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ولم يقل
ذلك للملائكة ولا للجن .
وكما خَصَّ بني آدم بالتكريم خصَّ أمة محمد - وَّل ـ منهم بتكريم مخصوصٍ،
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] و ﴿رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾
[المائدة: ١١٩] وقوله ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٦٥].
ومن التكريم قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
زَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
ومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه.
ومن التكريم لقوم توفيقُ صِدْق القَدَمِ، ولقوم تحقيقُ علوِ الهِمَم. قوله:
﴿وَعَلْنَعُ فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾: سَّخر البحر لهم حتى ركبواً في السفن، وسَّخر البرَّ لهم
حتى قال: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧].
ويقال محمولُ الكرامِ لا يقع، فإنْ وَقَعَ وَجَدَ مَنْ يأخذ بيده.
ويقال الإشارة في حملهم في البرِّ ما أوصل إليهم جهراً، والإشارة بحديث البحر
ما أفردهم به من لطائف الأحوال سِرًّا.
ويقال لمّا حَمَلَ بنو آدم الأمانة حملناهم في البر، فحَمْلٌ هو جزاءُ حَمْلٍ، حَمْلٌ
هو فِعْلُ مَنْ لم يكن وحَمْلٌ هو فَضْلُ من لم يَزَل.
قوله: ﴿وَرَزَقْتَهُمْ مِّنَ الَِّبَتِ﴾: الرزق الطيب ما كان على ذكر الرازق؛ فَمَنْ لم
يكن غائباً بقلبه(١) ولا غافلاً عن ربَّه استطاب كُلَّ رزقٍ، وأنشدوا:
يا عاشقي إني سَعِدْتُ شراباً لو كان حتى علقماً أو صابا
قوله: ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾: أي الذين فضلناهم على خلقٍ
كثير، وليس يريد أن قوماً بقوا لم يفضلهم عليهم، ولكن المعنى أنا فضلناهم على كلٌ مَنْ
خَلَقْنا، وذلك التفضيل في الخِلقة. ثم فَاضَلَ بين بني آدم في شيء آخر هو الخُلق الحسن،
فَجَمَعهم في الخُلقة - التي يفضلون بها سائر المخلوقات - ومَايَزَ بينهم في الخُلق .
ويقال: ﴿كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ﴾: هذا اللفظ للعموم، والمراد منه الخصوص، وهم
(١) قال القشيري برسالته عند حديثه عن الغيبة: هي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق،
الاشتغال الحسن بما ورد عليه، ثم يغيب إحساسه بنفسه وبغيره بوارد من تذكر ثواب أو تفكّر
عقاب. (الرسالة القشيرية ص٦٩).

١٩٨
تفسير سورة الإسراء
المؤمنون، وبذلك يفضل قومٌ على الباقين، ففَضَّل أولياءَه على كثير ممن لم يبلغوا
استحقاقَ الولاية.
ويقال فضَّلهم بألّا ينظروا إلى نفوسهم بعين الاستقرار، وأن ينظروا إلى أعمالهم
بعين الاستصغار.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَِمٍ فَمَنْ أُوَِّ كِتَبَهُ بِيَمِنِهِ، فَأُوْلَكَ
يَقْرَهُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ .
إمامُ كلِّ أحدٍ مَنْ يَقْتَدِي به، ولكن .. مِنْ إمامِ يهتدي به مُقْتَدِيه، ومن إمام
یتردی به مقتدیه.
﴿فَمَنْ أُوْقِىَ كِتَبَهُ بِيَمِنِهِ، فَأُوْلَكَ يَقْرَهُونَ كِتَهُمْ﴾: لكمالٍ صحوهم وقيادة
عقلهم، والذين لا يؤتون كتابهم بيمينهم فهم لخوفِهم وتَرَدُّدِهم لا يقرأون كتابهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ كَانَ فِىِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ اَلْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
في الآخرة أعمى عن معاينته ببصيرته .
في الآخرة عذابُه الفُرقةُ وتضاف إليها الحُزْقَة - لهذا فهو ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ
وَإِذَا لََّتَّخَذُوَ خَلِيلًا﴾ .
ضربنا عليك سرادقاتِ العصمة، وآويناكَ في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر
اتباعك هواك، فالزَّلَّةُ منك محال، والافتراءُ في نعتك لا يجوز .. ولو جَنَحْتَ لحظةً
إلى الخلاف لَنَصَاعَفَتْ عليكَ تشديداتُ البلاء، لكمالٍ قَدْرِك وعُلُوٌ شأنك؛ فإنَّ مَنْ
كان أعلى درجةً فَذَنْبُه - لو حصل - أشدُ تأثيراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْلَآ أَنْ تَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا إِذَا لَّأَذَقْنَكَ
ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ .
لو وكلناكَ ونَفْسَكَ، ورفعنا عنك ظِلَّ العصمة لأَلَّمَمْتَ بشيءٍ مما لا يجوز من
مخالفة أمرنا، ولكننا أفردناكَ بالحفظ، فلا تتقاصر عنكَ آثارُه، ولا تَغْرُبُ عن ساحتك
أنوارُه.
قوله: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ... ) الآية هبوطُ الأكابر على حسب صعودهم، ومِحَنُ
الأَحِيَّةِ وإِنْ قَلَّتْ جَلَّتْ، وفي معناه أنشدوا:
غضُّ أجفانها على الأقذاء(١)
أنت عيني وليس من حقٌّ عيني
(١) الأقذاء: (ج) القذى: ما يقع في العين وما ترمي به (اللسان ١٥/ ١٧٢).

١٩٩
تفسير سورة الإسراء
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن كَادُواْ لِيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوَ مِنْهَا وَإِذَّا لَّا يَلْبَثُونَ
◌ِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
مَنْ ظنَّ أنه يستمتع بحياته بعد مضيّ الأَعِزَّة والأكابر غَلِطَ في حسابه، وإن
الحسودَ لا يسود :
وفي تعبٍ مَنْ يَخْسُدُ الشمس ضوءها
ويجهد أن يأتي لها بضريب
والأرض كلها مِلْكٌ لنا، ونُقَلْب أولياءَنا في ترددهم في البلاد وتطوافهم في
الأقطار، تردداً على بساطنا، وتقلباً في ديارنا؛ فالبقاع لهم سواء، وأنشدوا:
مكانُكَ من قلبي عليك مصونٌ
فَسِرْ أو أَقِمْ وَقْفٌ عليكَ محبتي
قوله جلّ ذكره: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن زُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَِّنَا تَحْوِيلًا﴾.
الحقُّ أمضى سُنَّتَه مع الأولياء بالإنعام، ومع أعدائه بالإدغام (١)، فلا لهذه أو
هذه تحویل.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اَلَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ
اٌلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ .
+
الصلاةُ قَرْعُ باب الرزق. والصلاةُ الوقوفُ في محل المناجاة.
والصلاةُ اعتكافُ القلبِ في مشاهد التقدير.
ويقال هي الوقوف على بساط النجوى. وفَرَّقَ أوقات الصلاة ليكون للعبد عَوْدٌ
إلى البساط في اليوم والليلة مراتٍ.
﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: تشهده ملائكة الليل والنهار - على لسان العلم.
وأَمَّا على لسان القوم فإن قرآن الصبح - الذي هو وقت إتيانه - يُبْعِدُ منَ النومِ وكَسَلٍ
النفس فله هذه المزية .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةُ لَّكَ عَسَوقَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًاً
تَّحْمُودًا﴾ .
الليل لأحدٍ أقوام: لطالبي النجاة وهم العاصون مَنْ جَنَح منهم إلى التوبة، أو
لأصحاب الدرجات وهم الذين يَجِدُّون في الطاعات، ويسارعون في الخيرات، أو
الأصحاب المناجاة مع المحبوب عندما يكون الناس فيما هم فيه من الغفلة والغيبة.
ويقال الليل لأحد رجلين: للمطيع والعاصي: هذا في احتيال أعماله، وهذا في
اعتذاره عن قبيح أفعاله.
(١) الدغم: أن يميل وجه الفرس إلى السواد.

٢٠٠
تفسير سورة الإسراء
والمقام المحمود هو المخاطبة في حال الشهود، ويقال الشهود.
ويقال هو الشفاعة لأهل الكبائر. ويقال هو انفراده يوم القيامة بما خُصَّ به - وَلّ -
بما لا يشاركه فيه أحد .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن لَُّنكَ
سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ .
أي أدخلني إدخالَ صدقٍ وأَخرجني إخراجَ صدقٍ. والصدقُ أن يكون دخولُه في
الأشياء بالله الله لا لغيره، وخروجه عن الأشياء بالله وَ ل# لا لغيره.
﴿وَأَجْعَل لِّ مِن لَّدُنَكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: فلا ألاحظ دخولي ولا خروجي.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُلْ جَآءَ اُلْحَقُ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ .
أراد بالحقُ ها هنا الإسلام والدين، وأراد بالباطل الكفر والشِّرْك، والحقُّ
المطلق هو الموجود الحق، والحق المقيد ما كان حسناً في الاعتقاد والفعل والنطق،
والباطل نقيض الحق. واللَّهُ حقٌّ: على معنى أنه موجود وأنه ذو الحق وأنه مُحِقُّ
الحق .
ويقال الحقُّ ما كان لله، والباطل ما كان لغير الله .
ويقال الحقُّ من الخواطر ما دعا إلى الله، والباطلُ ما دعا إلى غير الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنَُزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِيِنَّ وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إلَّا
خَسَارًا﴾ .
القرآن شفاءٌ من داء الجهل للعلماء، وشفاءٌ من داء الشّرْكِ للمؤمنين، وشفاءٌ من
داء النكرة للعارفين، وشفاء من لواعج الشوق للمحبين، وشفاء من داء الشطط
للمريدين والقاصدين، وأنشدوا :
وكُتبُكَ خَوْلِي لا تفارق مضجعي
وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ
قوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الَِّينَ إِلَّ خَسَارًا﴾: الخطاب خطابٌ واحد، والكتابُ كتابٌ
واحد، ولكنه لقوم رحمةٌ وشفاء، ولقوم سخطٌ وشقاء. قومٌ أنار بصائرهم بنور
التوحيد فهو لهم شفاء، وقوم أغشي على بصائرهم بستر الجحود فهو لهم شقاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ أَعَْ وَا ◌ِحَانِهٌ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّئُ كَانَ يَتُوسًا﴾ .
إذا نزعنا عنه موجباتِ الخوفِ، وأرخينا له حَبْلَ الإمهال، وهَيَّأْ له أسبابَ
الرفاهية اعترته مغاليطُ النسيانِ، واستولت عليه دواعي العصيان، فأعرض عن الشكر،
وتباعد عن بساط الوفاق.