Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
تفسير سورة الرعد
وقوله تعالى: ﴿أَِذَا كُنَّا تُرَبًا أَمِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: استبعادُهم النشأةَ الثانيةً - مع
إقرارهم بالخَلْقِ الأولِ وهما في معنّى واحد - موضعُ التعجب، إذ هو صريح في
المناقضة، وكان القومُ أصحابَ تمييز وتحصيل، فقياسٌ مثل هذا يدعو إلى العجب.
ولكن لولا أن الله - سبحانه - لَبَّسَ عليهم كما قال: ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [يس:
٩] - وإلا ما كان ينبغي أن يخفي عليهم جواز هذا مع وضوحه(١) .
قوله جلّ ذكره: ﴿لَمُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الَّهِ ﴾.
الكناية في: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ﴾ راجعةٌ إلى العبد، أي أن الله وَكَلَ بكلُ واحدٍ منهم
معقباتٍ وهم الملائكة الذين يعقب بعضهم بعضاً بالليل والنهار يحفظون هذا المكلّف
وذاكَ من أمر الله، أي من البلاء الذي بقدرة الله. يحفظونهم بأمر الله من أمر الله،
وذلك أن الله - سبحانه - وَكَلَ لكلِّ واحدٍ من الخَلْقِ ملائكةً يدفعون عنهم البلَاءَ إذا
ناموا وغفلوا، أو إذا انتبهوا وقاموا ومشوا ... وفي جميع أحوالهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ
سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُّ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ .
إذا غيّروا ما بهم إلى الطاعات غيَّر الله ما بهم منه من الإحسان والنعمة، وإذا
كانوا في نعمة فغيَّروا ما بهم من الشكر لله تغيَّر عليهم ما مَنَّ به من الإنعام فيسلبهم ما
وهبهم من ذلك، وإذا كانوا في شدة لا يغير ما بهم من البلاء حتى يغيروا ما بأنفسهم،
وإذا أخذوا في التضرع، وأظهروا العجز غيَّر ما بهم من المحنة بالتبديل والتحويل.
ويقال إذا غيَّروا ما بألسنتهم من الذِّكْرِ غيَّر الله ما بقلوبهم من الحظوظ فأبدلهم
به النسيانَ والغفلة، فإذا كان العبد في بسطةٍ وتقريب، وكشفٍ بالقلب وترقب .. فاللَّهُ
لا يُغَيِّر ما بأنفسهم بترك أدبٍ، أو إخلال بحقٍ، أو إلمام بذنبٍ.
ويقال لا يَكُفُّ ما أتاحه للعبد من النعمة الظاهرة أو الباطنة حتى يتركَ ويُغَيِّر ما
هو به من الشكر والحمد. فإذا قابل النعمة بالكفران، وأبدل حضور القلب بالنسيان
وما يُطيح به من العصيان .. أبدل اللَّهُ تعالى ما به من النعمة بالحرمان والخذلان،
وسَلَبَه ما كان يعطيه من الإحسان.
ويقال إذا توالت المحنُ وأراد العبدُ زوالَها فلا يصل إليه النَّفْضُ(٢) منها إِلَّا بأَنْ
يغير ما هو به؛ فيأخذ في السؤال بعد السكوت، وفي إظهار الجَزَع بعد السكون، فإذا
أخذ في التضرع غيَّر ما به من الصبر.
(١) الآيات: من (٥ - ١٠) لم ترد.
(٢) النفض: نفض الرجل من مرضه: برىء منه.

١٠٢
تفسير سورة الرعد
قوله: ﴿وَإِذَّا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَمُّ﴾: يقال إذا أراد اللَّهُ بقوم بلاءً وفتنة
فما تعلَّقَتْ به المشيئة لا محالة يجري.
ويقال إذا أراد الله بقوم سوءاً ( ... )(١) أعينهم حتى يعملوا ويختاروا ما فيه
بلاؤهم، فهم يمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، ويسعون - في الحقيقة - في دَمِهِم كما
قال قائلهم:
إذا قَدَمِي أراق دمي
إلى حَتْفِي مَشَى قدمي
قوله جلّ ذكره: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنِشِىُّ السَّحَابَ
اَلِثِقَالَ﴾ .
كما يريهم البرقَ - في الظاهر - فيكونون بين خوفٍ وطمع؛ خوفٍ من إحباس
المطر وطمع في مجيئه. أو خوفٍ للمسافر من ضرر مجيء المطر، وطمعٍ للمقيم في
نفعه .. كذلك يُرِيهم البرقَ في أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ثم اللوامَعَ ثم كالبرق
في الصفاء، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار المكاشفة .
﴿خَوْفًا﴾: من أن ينقطع ولا يبقى، ﴿وَطَمَعًا﴾: في أن يدومَ فيه نقلُ صاحبِهِ
من المحاضرة إلى المكاشفة، ثم من المكاشفة إلى المشاهدة، ثم إلى الوجود ثم دوام
الوجود ثم إلى كمال الخمود.
ويقال: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾: من حيث البرهان، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان،
ثم يصير إلى نهار العرفان. فإذا طلعت شموسُ التوحيدِ فلا خفاءَ بعدها ولا استتار ولا
غروب لتلك الشموس، كما قيل :
هي الشمسُ إلا أَنَّ للشمس غيبةً
وهذا الذي نَغْنيه ليس يغيب
ويقال تبدو لهم أنوار الوصال فيخافون أن تجنَّ عليهم ليالي الفرقة، فَقَلَّمَا تخلو
فرحةُ الوصال من أن تعقبها موجة الفراق، كما قيل:
أي يوم سررتني بوصالٍ لم تّدَعْني ثلاثةً بصدود؟!
قوله جَلّ ذكره: ﴿وَيُنِشِئُّ السَّحَابَ النِّقَالَ﴾ .
إذا انتاب السحابةَ في السماء ظلامٌ في وقتٍ فإنه يعقبه بعد ذلك ضحكُ
الرياض، فَمَا لَمْ تَبْكِ السماءُ لا يضحكُ الروضُ، كما قيل:
ومأتمّ فيه السماءُ تبكي والأرضُ من تحتها عَرُوسُ
كذلك تنشأ في القلب سحابة الطلب، فيحصل للقلب ترددُ الخاطر، ثم يلوح
(١) بياض في الأصل.

١٠٣
تفسير سورة الرعد
وجهُ الحقيقة، فتضحكُ الروح لفنونٍ راحاتِ الأَنْس، وصنوفِ أزهارِ القُرْب.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْعَلَبِّكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾ .
أي الملائكة أيضاً تسبح من خوفه تعالى.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ
شَدِيدُ الْحَالِ﴾ .
قد يكون في القلب حنين وأنين، وزفير وشهيق. والملائكة إذا حصل لهم على
قلوب المريدين - خصوصاً - اطلاعْ يبكون دَمَاً لأَجْلهم، لا سيّما إذا وقعت لواحدٍ
منهم فترةٌ، والفترةُ في هذه الطريقة الصواعقُ التي يصيب بها من يشاء، وكما قيل:
ما كان ما أَوْلَيْتَ مِن وَضْلنا إلا سراجاً لاح ثم انْطَفا
قوله جلّ ذكره: ﴿لَُ دَعْوَةُ الْمَّ وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ
كَّهِ إِلَى الْمَِّ لِتَلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِهِ ﴾ .
دواعي الحق تصير لائحةً في القلوب من حيث البرهان فمن استمع إليها بسمع
الفهم، استجاب لبيان العلم. وفي مقابلتها دواعي الشيطان التي تهتف بالعبد بتزيين
المعاصي، فمن أصغى إليها بسمع الغفلة استجاب لصوت الغَيّ، ومعها دواعي النّفْس
وهي قائدةٌ للعبد بزمام الحظوظ، فمن رَكَنَ إليها ولاحَظَها وقع في هوانِ الحِجاب.
ودواعي الحقِّ تكون بلا واسطة مَلَكِ، ولا بدلالة عقل، ولا بإشارة علم، فمن
أسمعه الحقُّ ذلك استجاب لا محالة لله بالله .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا دُعَّءُ اَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِىِ ضَكَلٍ﴾ .
هواجس النّفس ودواعيها تدعو - في الطريقة - إلى الشّركِ، وذلك بشهود شيءٍ
منكَ، وحسبان أمرٍ لَكَ، وتعريج في أوطان الفرق، والعَمَى عن حقائق الجَمْع.
قوله جل ذكره: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾.
المؤمن يسجد لله طوعاً، وإذا نزل به ضر ألجأه إلى أَنْ يتواضع ويسجد، وذلك
معنى سجوده كرهاً - وهذا قول أهل التفسير. والكافر يسجد طائعاً مختاراً، ولكن لمَّا
كان سجودُه لطلبٍ كَشْفِ الضُّرِّ قال تعالى: ﴿إِنه يسجد كرهاً﴾ على مقتضى هذا كلُّ
مَنْ يَسْجُدُ لابتغاءِ عِوَضٍ أو لكشفِ محنة .
ويقال السجودُ على قسمين: ساجدٌ بِنَفْسِه وساجدٌ بقلبه؛ فسجودُ النَّفْسِ معهود،
وسجودُ القلب من حيث الوجود .. وفَرْقٌ بين من يكون بنفسه، وواجد بقلبه.
ويقال الكلُّ يسجدون لله؛ إِمَّا من حيث الأفعال بالاختيار، أو من حيث الأحوال

١٠٤
تفسير سورة الرعد
بنعت الافتقار والاستبشار: سجودٌ من حيث الدلالة على الوحدانية؛ فكلُّ جزءٍ من
عين أو أثر فَعَلَى الوحدانيةِ شاهدٌ، وعلى هذا المعنى للَّهِ ساجدٌ. وسجود من حيث
الشهادة على قدرة الصانع واستحقاقه لصفات الجلال.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فُلِ اللَّهُ قُلْ أَتَخَذْتُ مِّن دُونِ: أَوْلِيَّءَ لَا يَمْلِكُونَ
◌ِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَّ مَرَّ﴾ .
سَلْهُمْ - يا محمد - مَنْ موجِدُ السموات والأرض ومُقَدْرُها، ومُخْتَرعُ ما يحدث
فيها ومدبِّرها؟ فإِنْ أَسْكَتَهُمْ عن الجواب ما استكُنَّ في قلوبهم مِنَ الجهلِ فقُلْ الله
منشيها ومجريها .
ثم قال: ﴿أَفَتَّخَذْتُ مِّن دُونِ: أَوْلِيًَّ﴾: يعني الأصنام، وهي جمادات لا تملك
لنفسها نَفْعاً ولا ضَرًّا، ويلتحق في المعنى بها كلُّ مَنْ هو موسومٌ برقم الحدوثِ، فَمَنْ
علَّقَ قلبَه بالحدثان ساوَى - مِنْ وجهٍ - مَنْ عَبَدَ الأصنام، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ
أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُم ◌ُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الْقُلُمَتُ وَالنُورِّ﴾.
الأعمى مَنْ على بصيرته غشاوة وحجبة، والبصيرُ مَنْ كَخَّلَ الحقُّ بصيرة سِرِّه
بنور التوحيد .. لا يستويان!
ثم هل تستوي ظلماتُ الشِّرك وأنوارُ التوحيد؟ ومن جملة النور الخروجُ إلى
ضياء شهود التقدير .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَبَهُ الْخَلَُّ عَيْهِمْ قُلِ اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ
وَهُوَ اُلْوَجِدُ اَلْقَهَّرُ﴾ .
أي لو كان له شريك لَوَجَبَ أن يكون له نِدَّ مُضَاهٍ، وفي جميع الأحكام له
موازٍ، ولم يُجْدِ حينئذٍ التمييزُ بین فِعْلَيْهِما.
وكذلك لو كان له نِدَّ .. فإنَّ إثباتَهما شيئين اثنين يوجِب اشتراكَهما في استحقاق
كل وصف، وأن يكون أحدهما كصاحبه أيضاً مستحقاً له، وهذا يؤدي إلى ألا يُعْرَفَ
المَحَلُّ .. وذلك محال.
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَسِدُ اَلْقَهَّرُ﴾.
﴿وَكُلُّ شَىْءٍ﴾ تدخل فيه المخلوقات بصفاتها وأفعالها، والمخاطِبُ لا يدخل
في الخطاب.
﴿وَهُوَ أَلْوَسِدُ﴾: الذي لا خَلَفَ عنه ولا بَدَل، الواحد الذي في فضله منزه عن
فضل كل أحد، فهو الكافي لكلٌ أحد، ويستعين به كل أحد.

١٠٥
تفسير سورة الرعد
و﴿ اَلْقَهَّرُ﴾: الذي لا يجري بخلاف حُكْمِه - في مُلْكِه - نَفَسٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَهُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَعَلَ السَّيْلُ زَبْدًا رَّبِيًاً وَمِنَا
يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ ◌ِلْيَةٍ أَوْ مَتَجِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ
جُفَدُ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَعْكُثُ فِى الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ .
هذه الآية تشتمل على أمثالٍ ضربها اللَّهُ لتشبيه القرآنِ المُنَزَّلِ بالماءِ المُنَزَّلِ من
السماء، وشبَّه القلوب بالأودية، وشبَّه وساوسَ الشيطان وهواجسَ النَّفْس بالزَّبِّدِ (١)
الذي يعلو الماء، وشبَّه الخُلُق بالجواهر الصافية من الخَبَثِ كالذهب والفضة والنحاس
وغيرها. وشبَّه الباطلَ بِخَبَثِ هذه الجواهر. وكما أن الأودية مختلفة في صغرها
وكبرها وأن بقدرها تحتمل الماء في القلة والكثرة - كذلك القلوبُ تختلف في
الاحتمال على حسب الضعف والقوة. وكما أن السيلَ إذا حَصَلَ في الوادي يُطَهُرُ
الوادي فكذلك القرآن إذا حصل حِفْظُه في القلوب نَفَى الوساوسَ والهوى في الوادي
عنها، وكما أَنَّ الماءَ قد يصحبه ما يكدره، ويخلص بعضة مما يشوبه - فكذلك الإيمان
وفَهُمْ القرآن في قلوب المؤمنين حين تخلص من نَزَغَاتِ الشيطان ومن الخواطر
الرَّدِيَّة، فالقلوب بین صافٍ وحدِرٍ .
وكما أنَّ الجواهر التي تتخذ منها الأواني إذا أذيبت خَلَصَتْ من الخَبَثِ كذلك
الحق يتميز من الباطل، ويبقى الحقُّ ويضمحل الباطل.
ويقال إن الأنوار إذا تلألأت في القلوب نَفَت آثار الكلفة، ونور اليقين ينفي
ظلمة الشك، والعلم ينفي تهمة الجهل، ونور المعرفة ينفي أثر النكرة، ونور المشاهدة
ينفي آثار البشرية، وأنوار الجمع تنفي آثار التفرقة. وعند أنوار الحقائق تتلاشى آثار
الحظوظ، وأنوارُ طلوع الشمس من حيث العرفان تنفي سَدَفَةً الليل من حيث حسبان
أثر الأغيار.
ثم الجواهر التي تتخذ منها الأواني مختلفة فَمِنْ إِناءٍ يتخذ من الذهب وآخر من
الرصاص، إلى غيره، كذلك القلوب تختلف، وفي الخبر: ((إن الله تعالى أوانيّ وهي
القلوب))(٢)؛ فزاهد قاصدٌ ومحب واجِدٌ، وعابدٌ خائفٌ ومُوحّدٌ عارفٌ، ومتعبِّدٌ متعفّفْ
ومتهجّدٌ متصوف، وأنشدوا:
ألوانُها شئَّى الفنون وإنما تُسْقَى بماءٍ واحدٍ من مَنْهَلٍ
(١) الزَّبد: ما يعلو الماء وغيره من الرغوة.
(٢) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٠٩/٦)، والعراقي في (المغني عن حمل الأسفار ٢/
١٧٣.

١٠٦
تفسير سورة الرعد
قوله جلّ ذكره: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَتِهِمُ الْحُسْنَّ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوْ لَهُ لَوْ أَننَّ لَهُم ◌َّا
فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَأَ قْتَدَوْاْ بِهِ:َّ أُوْلَِّكَ لَمْ سُوَّهُ الْحِسَابٍ وَمَأْوَنُهُمْ جَهُمْ وَبِئْسَ لِهَادُ﴾ .
﴿الْحُسْنَى﴾: الوعد بقبول استجابتهم، وذلك مِنْ أَجَلُ الأشياءِ عندهم؛ فلا شيء
أعزُّ على المحبِّ مِنْ قبولٍ محبوبه منه شيئاً.
أما الذين لم يستجيبوا له فلو أَنّ لهم جميع ما في الأرض وأنفقوه عَمْداً لا يُقْبَلُ
منهم، ولهم سوءُ الحساب، وهو المناقشة في الحساب، ثم مأواهم جهنم ودوام
العذاب .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رََّّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَّ إِنَّا يَنَذَكَّرُ أَوْلُواْ
الْأَلْبِ﴾ .
استفهام في معنى النفي، أي لا يستوي البصير والضرير، ولا المقبول بالمردود
بالحجبة، ولا المُؤَمَّل بالتقريب بالمُعَرَّض للتعذيب، ولا الذي أقصيناه عن شهودنا
بالذي هديناه بوجودنا. إنما يتَّعِظُ مَنْ عقله له تشريف، دونَ مَنْ عقله له سببُ إقصاءً
و تعنيف .
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِثَقَ﴾ .
الوفاء بالعهد باستدامة العرفان، والوفاء بشرط الإحسان، والتوقيٍّ من ارتكاب
العصيان - بذلك أُبْرِمَ العقدُ يوم الميثاق والضمان.
وميثاقُ قوم ألا يعبدوا شيئاً سواه، وميثاق قوم ألا يسألوا سواه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَّا أَمَرَ الَهُ بَِّ أَن يُوصَلَ وَبَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَخَافُونَ سُوَّهَ
اَلِْسَابِ﴾ .
الذين يَصِلون الإيمان به بالإيمان بالأنبياء والرسل.
ويقال الذين يصلون أنفاسَهم بعضاً ببعض؛ فلا يتخلَّلُها نَفَسٌ لغير الله، ولا بغير
الله، ولا في شهود غیر الله.
ويقال يَصِلُون سَيْرَهم بِسُرّاهم في إقامة العبودية، والتبرِّي من الحول والقوة.
وقوله: ﴿وَيَخْتَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: الخشية لجامٌ يُوقفُ المؤمنَ عن الرَّكْضِ في ميادين
الهوى، وزِمامٌ يَجُرُّ إلى استدامة حكم التُّقَى.
وقوله: ﴿وَغَافُونَ سُوَءَ أَلِْسَابِ﴾ هو أن يبدو من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَآَةَ وَجْهِ رَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَةَ﴾.
الصبر يختلف باختلاف الأغراض التي لأَجْلِها يصبر الصابر، فالعُبَّاد يصبرون

١٠٧
تفسير سورة الرعد
لخوف العقوبة، والزهاد يصبرون طمعاً في المثوبة، وأصحاب الإرادة هم الذين
صبروا ابتغاء وجهِ ربهم، وشرطُ هذا النوع من الصبر رَقْضُ ما يمنع من الوصول،
واستدامةُ التوقي منه، فيدخل فيه ترك الشهوات، والتجردُ عن جميع الشواغل
والعلاقات، فيصبر عن العِلَّةِ والزَّلةِ، وعن كل شيءٍ يشغل عن الله.
ومما يجب عليه الصبر الوقوفُ على حكم تعزّزِ الحق، فإنَّه - سبحانه - يتفضّلُ
على الكافة من المجتهدين، ويتعزز - خصوصاً - على المريدين، فيمنحهم الصبر في
أيام إرادتهم، فإذا صَدَقُوا في صبرهم جَادَ عليهم بتحقيق ما طلبوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَنَفَقُواْ مِنَّا رَزَقْتَهُمْ بِرَّا وَعَلَائِيَّةٌ﴾ .
الأغنياء ينفقون أموالهم. والعُبَّاد ينفقون نفوسَهم ويتحملون صنوف الاجتهاد،
ويصبرون على أداء الفرائض والأوراد. والمريدون ينفقون قلوبهم فيسرعون إلى أداء
الفرائض والأوراد ويصبرون إلى أن يبوحَ علم من الإقبال عليهم. وأمَّا المحبون
فينفقون أرواحَهم .. وهي كما قيل:
فما وراءَكَ لي قَصْدٌ ومطلوبُ
ألستَ لي خَلَفاً؟ كفى شَرَفَاً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْمَسَنَّةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَ لَمْ عُقْبَ الذَّارِ﴾.
يعاشرون الناس بِحُسْنِ الخُلُق؛ فيبدأون بالإنصاف ولا يطلبون الانتصاف، وإِنْ
عَامَلَهم أحدٌ بالجفاء قابلوه بالوفاء، وإِنْ أذنب إليهم قومٌ اعتذروا عنهم، وإن مرضوا
عادوهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَانَّ ◌ِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمْ وَالْمَلَتِكَةُ
يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ سَمُ عَيْكُم بِمَا صَبَّرُ فِعْمَ عُقْبَ النَّارِ﴾ .
يتم النعمة عليهم بأن يجمع بينهم وبين مَن يُحبون صحبتهم مِنْ أقاربهم
وأزواجهم، وقد ورد في الخير: ((المرءُ مع مَنْ أَحَب))(١) فَمَنْ كان محبوبُه أمثالَه
وأقاربَه حُشِرَ معهم، ومَنْ كان اليومَ بقلبه مع الله، فهو غداً مع الله، وفي الخبر: «أنا
جليسُ مَنْ ذكرني)»(٢). وهذا في العاجل، وأمَّا في الآجل، ففي الخبر: ((الفقراء
الصابرون جُلَسَاءُ الله يومَ القيامةِ» .
(١) أخرجه البخاري (أدب ٩٦)، ومسلم (برّ ١٦٥)، والترمذي (زهد ٥٠)، (دعوات ٩٨) والدارمي (رقاق
٧١)، وأحمد بن حنبل ٣٩٢/١، ١٠٤/٣، ١١٠، ١٥٩، ١٦٥، ١٦٧، ١٦٨، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٨،
١٩٢، ١٩٨، ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢١٣، ٢٢٢، ٢٣٦، ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٥٥، ٢٦٨، ٢٧٦،
٢٨٣، ٢٨٨، ٣٣٦، ٣٩٤، ٤، ١٠٧، ١٦٠، ٢٣٩، ٢٤٩، ٣٩٢، ٣٩٥، ٤٠٥.
(٢) أخرجه العجلوني في (كشف الخفاء ٢٣٢/١)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٢٨٧/٦)،
والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٢٤).

-
١٠٨
تفسير سورة الرعد
قوله جلّ ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يَنَقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِنَفِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ= أَنْ
يُؤْصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُ الَّعْنَهُ وَمُمْ سُوَّهُ الَّارِ﴾ .
مَنْ كفر بعد إيمانه نَقَضَ عهدَ الإسلام في الظاهر، ومن رجع إلى أحكام العادة
بعد سلوكه طريق الإرادة، فقد نقض عَهْدَه في السَّرَّاء ... فهذا مُرْتَدُ جهراً، وهذا
مرتَدّ سِرًّا، والمرتد جهراً عقوبته قطعُ رأسِه، والمرتد سِرًّا عقوبته قَطْعُ سِرّه.
وقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: أَنْ يُوُصَلَ﴾، هو نقض قوله: ﴿يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ
◌ِهِ: أَن يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١].
ويقال نقض العهد هو الاستعانة بالأغيار، وتَرْكُ الاكتفاء بالله الجبّار.
ويقال نَقْضُ العهد الرجوع إلى الاختيار والتدبير بعد شهودِ الأقدار، وملاحظة
التقدير .
ويقال نقض العهد بِتَرْكِ نَفْسِه، ثم يعود إلى ما قال بتركه.
قوله جلّ ذكره: ﴿اللَّهُ يَسُطُ اَلْرِزْقَ لِمَنْ بَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ .
يبسط الرزق للأغنياء ويُطَالِبُهم بالشكر؛ ويُضَيِّقُ على الفقراء ويطالبهم بالصبر.
وَعَدَ الزيادةَ للشاكرين، ووعد المَعِيَّة للصابرين. للأغنياء الأموال بمزيدها، وللفقراء
التجرد في الدارين عن طريقها وتليدها.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَوَةِ الدُّنَا وَمَا لَلَةُ الدُّنْيَا فِى الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَحُ﴾ .
فَرِحَ الأغنياءُ بزكاء أموالهم، وفَرِحَ الفقراءُ بصفاء أحوالهم.
﴿َوَمَا لَلَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَعُ﴾ قليلٌ بالإضافة إلى ما وعدهم الله؛ فأموالُ
الأغنياء - وإِنْ كَثُرَت - قليلةٌ بالإضافة إلى ما وَعَدَهم من وجود أفضاله، وأحوال
الفقراء - وإِنْ صَفَتْ - قليلة بالإضافة إلى ما وعدهم من شهود جماله وجلاله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيِّةٍ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُ مَن
يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ .
﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾: وهم الذين لم يشهدوا ما أعطى نبينا - وَّالـــ من الشواهد
والبرهان حتى ( ... )(١) الزيادة.
﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [النور: ٤٦]: وهم الذين أبصروا بعيون أسرارهم ما
خُصَّ به من الأنوار فسكنوا بنور استبصارهم.
قوله جلْ ذكره: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَبْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهُ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعْمَبْنُّ
اَلْقُلُوبُ﴾.
(١) بياض في الأصل.

١٠٩
تفسير سورة الرعد
قومٌ اطمأنت قلوبُهم بذكرهم الله، وفي الذكر وَجَدُوا سَلْوَتَهم، وبالذكر وصلوا
إلى صفوتهم. وقومٌ اطمأنت قلوبُهم بذكر الله فَذَكَرَهُمْ الله - سبحانه - بلطفه، وأَثْبَت
الطمأنينةَ في قلوبهم على وجه التخصيص لهم.
ويقال إذا ذكروا أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَهم استروحت قلوبُهم، واستبشرت أرواحُهم،
واستأنست أسرارُهم، قال تعالى: ﴿أَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَبِنُّ الْقُلُوبُ﴾ لِمَا نالت بِذِكْرِهِ
من الحياة، وإذا كان العبدُ لا يطمئن قلبُه بذكر الله، فذلك لِخَلَلٍ في قلبه، فليس قلبه
بين القلوب الصحيحة .
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّذِحَتِ لُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ .
طابت أوقاتُهم وطابت نفوسُهم.
ويقال طوبى لمن قال له الحقُّ: طوبى.
طوبى لهم في الحال، وحُسْنُ المآب في المآل.
قوله جلّ ذكره: ﴿ كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ فِيَ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن ◌َبْلِهَا أُمَّمْ لِتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ
أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ .
لئن أرسلناك بالنبوة إليهم فلقد أرسلنا قبلك كثيراً من الرسل، ولئنٍ أصابك منهم
بلاءٌ فلقد أصاب مَنْ قَبْلَكَ كثيرٌ من البلاء، فاصْبِرْ كما صَبَرُوا تُؤْجَزْ كما أَجِرُوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَ رَبِ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
مَنَابٍ﴾ .
لئن كفروا بنا فآمِنْ أنت، وإذا آمنتَ فلا تبالِ بِمَنْ جَحَد، فإِنَّك أنت المقصودُ
من البَرِيَّة، والمخصوصُ بالرسالة والمحبة.
لو كان يجوز في وصفنا أن يكون لنا غرضٌ في أفعالنا.
ولو كان الغرض في الخِلْقَة فأنت سيد البَشَر، وأنت المخصوص من بين البشرية
بحسن الإقبال، فهذا مخلوق يقول في مخلوق:
فكان الوقت وقتك والسلام(١)
وكنتُ أَخّزتُ أوطاري لوقت
فكنتَ الحُبَّ .. وانقطع الكلام
وكنت أطالِبُ الدنيا بِحُبِّ
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُئِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ اَلْأَرْشُ أَوْ كُلِّمَ بِ الْمَوْقَنُ
بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾.
(١) الأوطار: (ج) الوطر: الحاجة والبغية.

١١٠
تفسير سورة الرعد
لو كان شيء من المخلوقات يظهر يغيرنا في الإيجاد لكان يحصل بهذا القرآن،
ولكن المنشىء الله، والخير والشر جملةً من الله، والأمر كله لله. فإذا لم يكن شيء
من الحدثان بالقرآن - والقرآن كلام الله العزيز - فلا تكون ذرة من النفي والإثبات
لمخلوق .. فإن ذلك محال.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَأْيِّصَسِ اَلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن ◌َّوْ يَشَآءُ اَللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
معناه أفلم يعلم الذين آمنوا، ويقال أفلم ييأسوا من إيمانهم وقد علموا أنه من
يهديه الحق فهو المهتدي؟
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةُ أَوْ تَُّلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ
حََّ بَأْنِىَ وَعْدُ الَّهِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾.
يعني شؤمُ كُفْرِهم لا يزال واصلاً إليهم، ومقتصُّ فعلهم لاحِقٌ بهم أبداً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَّ ◌ِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَغْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ نُمَّ أَخَذْتُهُمٌّ فَكَفَ
كَانَ عِقَابٍ﴾ .
أنزل هذه الآية على جهة التسلية للرسول - 383 - عما كان يلاقيه منهم. وكما أن
هؤلاء في التكذيب جَرَوْا على نهجهم فنحن أَدَمْنَا سُنَّتَنًا في التعذيب معهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ .
الجواب فيه مضمر؛ أي أفمن هو مُجْرِيٍ ومنشىء الخَلْقِ والمُطَّلِعُ عليهم، لا
يَخْفَى عليه منهم شيءٌ كَمَنْ ليس كذلك؟ لا يستويان غداً أبداً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَعَلُوْ لِّهِ شُرَّكَآءَ قُلْ سَعُّوهُمْ أَمْ تُتَعُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَم
بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ﴾.
قُلْ لهم أروني أي تأثير منهم، وأي نفع لكم فيهم، وأي ضرر لكم منهم؟
أتقولون ما يعلم الله بخلافه؟ وهذا معنى قوله: ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ .
قوله جلّ ذكره: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلُ وَمَنْ يُضِْلِ اَللَّه ◌َا لَهُ
مِنْ هَادٍ﴾ .
أي قد تبين لكم أن ذلك من كيد الشيطان، وزين للذين كفروا مكرهم، وصاروا
مصدودين عن الحق، مسدودة عليهم الطُّرُقُ، فإنَّ مَنْ أَضَلَّه حُكْمُه - سبحانه - لا
يهديه أحدٌ قطعاً (١).
(١) الآية (٣٤) لم ترد.

١١١
تفسير سورة الرعد
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ أَلَّتِى وُبِدَ الْمُتَّقُّونَ تَجْرِى مِن تَحْنَهَا الْأَرُ أُكُلُهَا دَآَبٌِّ
وَِلُهَأْ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ أَتَّقُواْ وَعُقْبَ الْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ .
المَثَلُ أي الصفة، فصفة الجنة التي وعد المتقون هي أنها جنة تجري من تحتها
الأنهار، وأَكُلُها دائم وظلها دائم، أي أن اللذاتِ فيها متصلةً. وإنما لهم جنات معجلة
ومؤجلة، فالمؤجّلَةُ ما ذكره الله - سبحانه - في نص القرآن، والمعجلة جنة الوقت ..
والدرجات - من حيث البسط - فيها متصلة، ونفحاتُ الأَنْسِ لأربابها لا مقطوعة ولا
ممنوعة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكٌ﴾ .
يريد بهم مؤمني أهل الكتاب الذين كانوا يفرحون بما ينزل من القرآن الصدق
یقینهم .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ اٌلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَم﴾ .
أي الأحزاب الذين قالوا كان محمد يدعو إلى إله واحد، فالآن هو ذا يدعو إلى
إلهين لمَّا نزل: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ آَدْعُواْ الرَّحْمَنّ﴾ [الإسراء: ١١٠].
قوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنَّا أُمِثُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَآ أَثْرِكَ بِّ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾ .
قل يا محمد: ﴿إِنََّا أُمِّتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللَّهُ﴾. والعبوديةُ المبادرة إلى ما أُمِرْتُ به،
والمحاذرة مما زجُرْتُ عنه، ثم التبرِّي عن الحَوْل والمُنَّة، والاعتراف بالطول والمِنَّة.
وأصل العبودية القيام بالوظائف، ثم الاستقامة عند روح اللطائف.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرِنَّأْ وَلَيْنِ أَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ
أَلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَإِنٍ وَلَ وَاقٍ﴾.
أي حُكْماً ببيان العرب؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أرسل الرسلَ في كلِّ وقتٍ كُلّ بلسان
قومه ليهتدوا إليه .
ويقال مِنْ صفات العرب الشجاعة والسخاء ومراعاة الذِّمام، وهذه الأشياء
مندوبٌ إليها في الشريعة .
﴿وَلَيْنِ أَتَّعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾: أي ولئن وافقتهم، ولم تعتصم بالله، ووَفَعَتْ على
قلبك حشمةٌ من غير الله - فَمَا لَكَ من واقٍ من الله.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ
أَنْ بَأْتِيَ بِشَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾.
أي أرسلنا رسلاً من قبلك إلى قومهم، فلم يكونوا إِلا من جنسك، وكما لكم

١١٢
تفسير سورة الرعد
أزواج وذرية كانت لهم أزواج وذرية، ولم يكن ذلك قادحاً في صحة رسالتهم، ولا
تلك العلاقات كانت شاغلة لهم.
ويقال إن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الأشغال لا تؤثر في حاله؛ ولا
يضره ذلك .
قوله جلّ ذكره: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.
أي لكل شيء أجل مثبت في كتاب الله وهو المحفوظ، وله وقت قُسِمَ له، وأنه
لا اطلاعَ لأحدٍ على علمه، ولا اعتراضَ لأحدٍ على حُكْمه.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُشْبِثٌ وَعِنْدَهُ أُمُ الْكِتَبِ﴾.
المشيئة لا تتعلق بالحدوث، والمحو والإثبات متصلان بالحدوث.
فصفات ذات الحق - سبحانه - من کلامه وعلمه، وقولِه وحُكْمِه لا تدخل تحت
المحو والإثبات، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله؛ المحوُ يرجع إلى العَدَم،
والإثباتُ إلى الإحداثِ، فهو يمحو من قلوب الزُّهاد حُبَّ الدنيا ويُثْبِتُ بَدَلَه الزهدَ فيها،
کما في خبر حارثةً: «عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حَجَرُها وذهَبُها)).
ويمحو عن قلوب العارفين الحظوظَ، ويُثْبِتُ بدلها حقوقَه تعالى، ويمحو عن
قلوب المُوحّدين شهودَ غير الحق ويثبت بَدَلَه شهود الحق، ويمحو آثار البشرية ويثبت
أنوار شهود الأحدية .
ويقال يمحو العارفين عن شواهدهم، ويثبتهم بشاهد الحق.
ويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحقِّ فيكون محواً عن الخلق مثبتاً بالحق
للحق .
ويقال يمحو العبد فلا يجري عليه حكم التدبير، ويكون محواً بحسب جريان
أحكام التقدير، ويثبت سلطانَ التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار عليه
على ما يشاء.
ويقال يمحو عن قلوب الأجانب ذِكْرَ الحق، ويثبت بَدَلَّه غلباتِ الغفلةِ وهواجِمَ
النسيان .
ويقال يمحو عن قلوب أهل الفترة ما كان يلوح فيها من لوامع الإرادة، ويثبت
بدلها الرجوعَ إلى ما خرجوا عنه من أحكام العادة.
ويقال يمحو أوضارَ(١) الزَّلَّة عن نفوس العاصين، وآثار العصيان عن ديوان
(١) الأوضار: (ج) الوضر: الوسخ من الدسم أو غيره.

١١٣
تفسير سورة الرعد
-
المذنبين (ويثبت) يدل ذلك لَوْعَةَ النَّدم، وانكسار الحَسْرَةِ، والخمودَ عن متابعة
الشهوة .
ويقال يمحو عن ذنوبهم السيئةَ، ويثبت بدلها الحسنة، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ
يُدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتْ﴾ [الفرقان: ٧٠].
ويقال يمحو الله نضارةً الشباب ويثبت ضعفَ المشيب.
ويقال يمحو عن قلوب الراغبين في مودة أهل الدنيا ما كان يحملهم على إيثار
صحبتهم، ويثبت بدلاً منه الزهد في صحبتهم والاشتغال بعِشْرَتِهم.
ويقال يمحو الله ما يشاء من أيام صَفَتْ من الغيب، وليالٍ كانت مُضاءةً بالزلفة
والقربة ويثبت بدلاً من ذلك أياماً في أشدُّ ظلاماً من الليالي الحنادس(١)، وزمانا يجعل
سَعَةَ الدنيا عليهم محابِس .
ويقال يمحو العارفين بكشف جلاله، ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله.
ويقال يمحوهم إذا تجلَّ لهم، ويثبتهم إذا تعزّز عليهم.
ويقال يمحوهم إذا رِدَّهم إلى أسباب التفرقة لأنهم يبصرون بنعت الافتقار
والانكسار، ويثبتهم إذا تجلّى لقلوبهم فيبصرون بنعت الاستبشار، ويشهدون بحكم
الافتخار .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾.
قيل اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما سبق به عِلْمُه وحُكْمُه مما لا تبديلَ ولا
تغييرَ فيه .
ويقال إنه إشارة إلى علمه الشامل لكل معلوم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَّنَّكَ فَإنََّا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا
اُلْحِسَابُ﴾ .
نفي عنه الاستعجال أمراً، و ( ..... )(٢) في قلوبهم أنه يوشك أن يجعل
الموعود جهراً.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا تَأْتِى أَلْأَرْضَ نَنَقُمُهَا مِنْ أَْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ
لِحُكْمَةٍ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
في التفاسير: بموت العلماء، وفي كلام أهل المعرفة بموت الأولياء، الذين إذا
أصاب الناسَ بلاءٌ ومحنةٌ فزعوا إليهم فيدعون الله ليكشف البلاءَ عنهم.
(١) الحنادس: (ج) الحندس: الليل الشديد الظلمة.
(٢) بياض في الأصل.

١١٤
تفسير سورة الرعد
ويقال هو ذهاب أهل المعرفة حتى إذا جاء مسترشِدٌ في طريق الله لم يجد مَنْ
يهديه إلى الله.
ويقال: في كل زمان لسانٌ ينطق عن الحقِّ سبحانه، فإذا وَقَعَتْ فترةٌ سكنَ ذلك
اللسانُ - وهذا هو النقصان في الأطراف الذي تشير إليه الآية، وأنشد بعضهم:
وأبلى جدتي نشرّ وطيُّ
طوى العصران ما نشراه مني
ولا يبقى مع النقصان شيءٌ
أراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ
ويقال ينقصها مِنْ أطرافها أي بفتح المدائن وأطراف ديار الكفار، وانتشار
الإسلام، قال تعالى: ﴿لُِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّةٍ﴾ [الفتح: ٢٨].
ويقال ينقصها من أطرافها بخرابِ البلدان، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا
وَجْهٌَ﴾ [القصص: ٨٨] وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَارٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] فموعودُ الحقِّ
خرابُ العَالَم وفناءُ أهلِه، ووعدُه حقٍّ لأن كلامَه صِدْقٍّ، واللَّهُ يحكم لا مُعَقِّبَ
لِحُكْمِه، ولا نَاقِضَ لما أبرمه، ولا مُبْرِمَ لِمَّا نَقَضَه، ولا قابل لِمَنْ رَدَّه، ولا رادٌّ لِمَنْ
قَبِلَه ولا مُعِزَّ لِمَنْ أهانه، ولا مُذِلَّ لمن أَعَزَّه.
﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]: لأن ما هو آتٍ فقريب.
ويقال ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] في الدنيا؛ لأَنَّ الأولياءَ إذا ألموا بشيءٍ،
أو هَمُّوا لمزجورٍ عُويِيُوا في الوقت، وطولِيوا بِحُسْنِ الرُّجعي.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ
وَسَيَعْلَمْ الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْبى الذَّارِ﴾ .
مكرُهِم إظهارُ الموافقة مع إسرارهم الكُفْرَ، ومكرُ الله بهم تَوَهُّمُهُم أنهم
مُخسِنُون في أعمالهم، وحسبانهم أنهم سَنَأْمَنُ أحوالُهم، وظَنُهم أنه لا يحيق بهم
مکرُهم، وتخلیتُه إیاهم ۔ مع مَکِرهم - مِنْ أَغْظَم مَكْرِه بهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلَّا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى
وَيَبْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ اَلْكِتَبِ﴾ .
وَبالَ تكذييِهِم عائدُ إليهم، فإنَّ اللَّهَ شهيدٌ لَكَ بِصَدْقِك. ﴿وَمَنْ عِنْدَمُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾
هو الله سبحانه وتعالى عندم عِلْمُ جميع المؤمنين. فالمعنى كفى بالله شهيداً فعنده علم
الکتاب وکفی بالمؤمنین شھیداً؛ إذ المؤمنون يعلمون ذلك.

السورة التي يذكر فيها إبراهيم عليه السلام
قوله جلّ ذكره: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
بسم الله معناه بالله؛ فقلوب العارفين بالله إشراقُها، وقلوب الوالهين بالله
احتراقُها، لهؤلاء فا ( ... )(١) محبته، ولهؤلاء شوقاً إلى عزيز رؤيته.
وأصحاب الوصول قالوا: بالله .. فَوَصلَ من الطالبين مَنْ وصل.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنَزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الْتُلُمَتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
أقسم بهذه الحروف: إنَّه لَكِتَابٌ أُنْزِل إليك لتُخرِجَ الناسَ به من ظلمات الجهل إلى
نور العلم، ومِنْ ظُلماتِ الشَّكُّ إلى نور اليقين، ومن ظلمات التدبير إلى فضاء شهود
التقدير، ومن ظلمات الابتداع إلى نور الاتباع، ومن ظلمات دَعَاوَى النَّفْسِ إلى نورٍ
معارفِ القلب، ومن ظلمات التفرقة إلى نور الجَمْع - بإذن ربهم، وبإرادته ومشيئته،
وسابقٍ حُكْمِه وقضائه إلى صراط رحمته، وهو نهج التوحيد وشواهد التفريد.
قوله جلّ ذكره: ﴿اَللَّهِ الَّذِى لَهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ
عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ .
عرَّف الخَلْقَ أنَّ اللَّهَ هو الذي له ما في السموات وما في الأرض.
فَمَنْ عَرَف فله المآب الحميد، ومَنْ جَحَدَ فله العذاب الشديد؛ وذلك العذاب
هو جَهْلُه بأنه - سبحانه - مَنْ هو.
قوله جلّ ذكره: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
وَيَبْغُونَهَا يعِوَجَأْ أُوْلَئِكَ فِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾ .
ثم ذكر ذميمَ أخلاقِهم، فقال: هُمُ الذين يُؤْثِرُونَ اليسيرَ مِنْ حُطَام الدنيا على
الخطير من نِعَم الآخرة، وذلك من شدة جُخدِهم، ويبغون للدِّين ◌ِوَجاً بكثرة
جَمْعِهم، أولئك لهم في الدنيا الفراق وهو أشد عقوبة، وفي الآخرة الاحتراق وهو
أجلُ محنة ومصيبة .
(١) بياض في الأصل.
١١٥

١١٦
تفسير سورة إبراهيم
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ زَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهِّ فَيُضِلُ اللَّهُ مَن
يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
إنما كان كذلك ليكون آكَدَ في إلزام الحجة: وأَنَّى ينفع ذلك إذا لم يُوَفِّقُوا
لِسُلُوكِ المحجَّةِ؟ فأهلُ الهدايةِ فازوا بالعنايةِ السابقة، وأصحابُ الغواية وقعوا في ذُلُ
العداوة: فلا اعتراضَ عليه فيما يصنع، ولا يُسألُ عما يفعل أو لم يفعل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَئِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَـ
اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَتَّنِ اللَّهَّ إِنَ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ .
أَخْرِجْ قومَك بدعوتك من ظلمات شكهم إلى نور اليقين، ومنْ إشكالِ الجهل
إلى رَوْحِ العِلْم. وذَكُرْهُم بأيام الله؛ ما سلف لهم من وقت الميثاق، وما رفع عنهم من
البلاء في سابق أحوالهم.
ويقال ذكْرُهُم بأيام الله وهي ما سبق لأرواحهم من الصفوة وتعريف التوحيد قبل
حلولها في الأشباح:
سقياً لها ولطيبها ولحسنها وبهائها
أيام لم ( .. )(١)
ويقال ذكِّرُهم بأيام الله وهي التي كان العبدُ فيها في كتم العدم، والحق يتولّى
عباده قبل أن يكون لِلعَبادِ فِعْلٌ؛ فلا جُهْدَ للسابقين، ولا عناءَ ولا تَرْكَ للمقتصدین،
ولا وقع من الظالم لنفسه ظلم.
إذا كان متعلق العلم متناول القدرة، والحكم على الإرادة .. ولم يكن للعبد
اختيار في تلك الأيام.
قوله: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
﴿صَبَّارٍ﴾: راضٍ بحكمه واقف عند كون لذيذ العيش يَسُرُّه.
﴿شَكُورٍ﴾: محجوبٌ بشهود النّعم عن استغراقه في ظهور حقه .. هذا واقفٌ
مع صبره وهذا واقف مع شكره، وكلُّ مُلْزَمٌ بحده وقَدْرِهِ: والله غالب على أمره،
مقدَّسٌ في نَفْسِه مُتعزّزٌ بجلال قُدْسِه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَنَكُمْ مِنْ
مَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُدَبِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمَّ وَفِ ذَلِكُم بَلَاءٌ
مِنِ زَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ .
(١) بياض في الأصل.

١١٧
تفسير سورة إبراهيم
تَذَكْرُ ما سَلَفَ من النِّعَمِ يوجِبُ تجديد ما سَبقَ من المحبة، وفي الخبر:
(جُبِلَتْ القلوبُ على خُبِّ مَنْ أحسن إليها))(١)؛ فالحقُّ أَمَرَ موسى عليه السلام.
بتذكير قومه ما سبق إليهم من فنون إنعامه، ولطائف إكرامه .. وفي بعض الكتب المنزلة
على الأنبياء - عليهم السلام: (عبدي، أنا لَكَ مُحِبُّ فبحقي عليكَ كنْ لي محباً».
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيْنِ شَكَّرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيْنِ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ
لَشَدِيدٌ﴾ .
إن شكرتم لأزيدنكم من إنعامي وإكرامي، وإن كفرتم بإحساني لأعذبنكم اليوم
بامتحاني، وغداً بفراقي وهجراني.
لئن عرفتم وصالي لأزيدنكم من وجود نوالي إلى شهود جمالي وجلالي.
ويقال لئن شكرتم وجوه توفيق العبادة لأزيدنكم بتحقيق الإرادة.
ويقال لئن شكرتم شهود المَكَافِي لأزيدنكم بشهود أوصافي.
ويقال لئن شكرتم صنوف إنعامي لأزيدنكم بشهود إكْرَامِي ثم إلى شهود
إِقْدَامي.
ويقال لئن شكرتم مختص نعمائي لأزيدنكم مُنْتَظرَ آلائي.
ويقال لئن شكرتم مخصوصَ نِعَمي لأزيدنكم مأمول کُرَمِي.
ويقال لئن شكرتم ما خَوَّلناكُم من عطائي لأزيدنكم ما وعدناكم من لقائي.
ويقال لئن شكرتم ما لَوَّحْتُ في سرائركم زِذْناكُم ما أَلْبسْنَا من العصمة
لظواهركم.
ويقال لئن كفرتم نِعْمَتِي بأَنْ توهمتم استحقاقَها لَجَرَّعْنَاكم ما تَسْتَمِرُّون مذاقها.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ مُوسَّ إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىّ
مِیدُ﴾.
إن اجتمعتم أنتم ومن عَاضَدَكُم، وكل من غاب عنكم وحضركم، والذين
(١) أخرجه الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ٥٥٤/٩)، وابن كثير في البداية والنهاية ٥٨/١١، ١٢/
١٣)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٤٤١٠٢)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ٤/ ٢٧٧،
٩٤/١١)، وأبو نعيم في (حلية الأولياء ١٢١/٤)، وعلي القاري في (الأسرار المرفوعة ١٧٠)،
والسيوطي الحلبي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ٦٧)، والفتني في (تذكرة الموضوعات
٦٨)، والشوكاني في (الفوائد المجموعة ٨٢)، والعجلوني في (كشف الخفاء ٣٩٥/١)، وابن أبي
حاتم الرازي في (علل الحديث ٢٥٢٣)، والألباني في (السلسلة الضعيفة ٦٠٠)، وابن عدي في
(الكامل في الضعفاء ٢/ ٧٠١).

١١٨
تفسير سورة إبراهيم
يقتفون أثركم - على أن تكفروا بالله جميعاً، وأخذتم كل يوم شركاء قطيعاً - ما أوجهتم
لِعِزْنَا شَيْنا، كما لو شكرتم ما جعلتم بِمُلْكِنا زَيْنا. والحقُّ بنعوته ووصف جبروته عَلِيٍّ
وعن العالَمِ بأَسْرِهِ غنيٍّ .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌ
وَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَئِتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ
وَقَالُواْ إِنَّا كَغَرْنَا بِمَا أُزْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شٍَّ مِمَا نَدْعُونَنَا إِلَّهِ مُرِيبٍ﴾.
استفهام في معنى التقرير. أخبره أنه لما جاءتهم الرسلُ قابلوهم بالكنود.
وعاملوهم بالجحود وردوا أيديهم في أفواههم، وحَذَوْا سبيلَ أمثالهم في الكفر، وبنوا
على الشك والريبة قواعدَهم، وأسسوا على الشِّرْكِ والغَيِّ مذاهبهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اَللَّهِ شَكٌ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ لِغْفِرَ
لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَ أَجَلٍ مُسَنََّ﴾ .
استفهام والمراد منه توبيخ ونفي. سبحانه لا يتحرك نَفّسٌ إلا بتصريفه.
وكيف يبصر جلالَ قَدْرِهِ إلا من کَحَّله بنور بِرِه؟
ثم قال. ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَعِكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾: ليس العجب ممن تكلف لسيده
المشاق وتحمل ما لا يطاق، وألَّا يهربَ من خدمةٍ أو يجنحَ إلى راحة .. إنما العَجَبُ
من سيدٍ عزيزٍ كريم يدعو عَبْدَه ليغفرَ له وقد أخطأ، ويعاملَه بالإحسان وقد جفا.
والذي لا يَكُفُّ عن العناد، ولا يؤثر رضاءَ سيده على راحة نفسه لا يُحْمَلُ هذا
إلا على قِسمةٍ بالشقاء سابقة .. وإن أحكام الله بردّه صادقة. ثم أخبر أنهم قالوا
لِرُسُلُهِم : .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ
◌َابَآؤُنَا فَأَتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ .
نظروا إلى الرسل من ظواهرهم، ولم يعرفوا سرائرهم، ومالوا إلى تقليد
أسلافهم، وأصروا على ما اعتادوه من شقاقهم وخلافهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّعْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن
يَنْشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَّا أَن تَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَكَلِ
الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
قالت لهم الرسلُ ما نحن إلا أمثالکم، والفرق بيننا أنه ۔ سبحانہ ــ مَنَّ علینا
بتعريفه، واسْتخلَصَنا بما أَفْرَدَنا به من تشريفه. والذي اقترحتم علينا من ظهور الآيات

١١٩
تفسير سورة إبراهيم
فليس لنا إلى الإِثْيَانِ به سبيلٌ إلَّا أن يُظْهِرَه الله علينا إذا شاء بما شاء - وهو عليه قدير.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَوَ كَّلَ عَلَى الَّهِ وَقَدْ هَدَنَا سُبُلَتَأْ وَصَبِرَنَّ عَلَى مَّا
ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلى اَللَّهِ فَلْيَنَوَّلِ الْمُتَوَُّونَ﴾ .
﴿وَمَا لَنَّآ أَلَّا نَنَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ .: وقد رقَّانا من حدِ التكليف بالبرهان إلى وجود
روح البيان بكثرة ما أفاض علينا من جميل الإحسان، فكفانا من مهان الشان. ﴿وَمَا لَنَآ
أَلَّا نَوَ كَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾: وقد حقَّق لنا ما سبق به الضمان من وجود الإحسان، وكفاية ما
أظلَّنا من الامتنان. ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ ولم نخرج إلى التقاضي على الله
فيما وعدنا الله .
قوله: ﴿وَلَصَّبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونًا﴾: والصبر على البلاءَ يهون إذا كان على رؤية
المُبْلِي، وفي معناه أنشدوا:
لا ييأسون من الدنيا إذا قبلوا
يستقدمون بلاياهم كانهم
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَتُخْرِحَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَاً أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى
مِلَتِّنَا فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ رَبُهُمْ لَتُلِكَنَّ الَّالِمِينَ﴾ .
لما عجز الأعداءُ عن معارضة الأنبياء عليهم السلام في الإتيان بمثل آياتهم
أخذوا في الجفاء معهم بأنواع الإنذار، والتهديد بفنون البلاء من الإخراج عن
الأوطان، والتشريد في البلدان. وبسط الله على قلوبهم بوعد نصره ولقائه ما أظلّهم
من الأمر، ومَكَّن لهم من مساكن أعدائهم بما قَوَّى قلوبهم على الصبر على مقاساة
بلائهم فقال: ﴿لَُلِكَنَّ اَلْفَّْلِمِينَ﴾، وقال:
﴿وَْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ﴾.
﴿وَخَفَ وَعِيدِ﴾: أي خاف مقامه في محل الحساب غداً فأناب إلى نفسه على
وجه التخصيص .
ويقال خاف مقامي أي هاب إطلاعي عليه، فالأول تذكير المحاسبة في الآجل،
والثاني تحقيق المراقبة في العاجل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ وَغَابَ كُلُّ جَبَارٍ عَنِيدٍ﴾ .
الاستفتاح طلب الفتح، والفتح القضاء، واستعجلوا حلول القضاء مثل قولهم:
﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاِ﴾ [الأنفال: ٣٢]
وغيره فلما نزل بهم البلاء، وتحقق لهم الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم، ولم تُقْبَلْ
منهم صدقتُهم وفداؤهم، وندموا حين لا ندامة، وجزعوا بعدما عَدِموا السلامة.
ويقال: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾: بغير الرسل، ولما وجد الرسل إصرارَ قومهم سألوا

١٢٠
تفسير سورة إبراهيم
النصرة عليهم من الله كقول نوح - عليه السلام: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾
[نوح: ٢٦]، وقول موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
[يوسف: ٨٨] فأجابهم الله بإهلاكهم.
ويقال إذا اشتد البلاءُ وصَدَقَ الدعاءُ قَرُبَ النَّجاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿مِّنْ وَرَآءِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْفَى مِن ◌َّآٍ صَدِيدٍ يَتَجَزَّعُهُ وَلَا يَكَادُ
یُسِینُهُ﴾ .
لفظ ((وراء)) يقع على ما بين يديه وعلى ما خَلْف، والوراء ما توارى عليك أي
استتر؛ يريد الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان، وعلى ما خَلْفَه؛ أي لأجل
ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله، ويُسْقَى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة،
فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرةً واحدةً.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيَأْتِيهِ اَلْمَوْتُ مِنْ كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنِ وَرَآَبِهِ، عَذَابُ
غَلِظٌ﴾ .
يرى العذابَ - من شدته - في كل عضو، وفي كل وقت، وفي كل مكان.
وليس ذلك الموت؛ لأنَّ أهلَ النار لا يموتون، ولكنه في الشدة كالموت. ثم ﴿وَين
وَرَآَبِهِ، عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾: وهو الخلود في النار، وهذا جزاء مَنْ اغترَّ بأيام قلائل ساعدته
المشيئةُ فيها، وانخدع فلم يشرع بما يليها .
قوله جلّ ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ آُشْتَذَتْ بِهِ الْحُ فِی یَوْمٍ
عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾.
أي وفيما يُتْلَى عليكَ - يا محمد - مَثَلٌ لأعمال الكفار في تلاشيها، وكيف أنه لا
يُقْبَلُ شيءٌ منها كَرَمَادٍ في يوم عاصف، فإنه لا يَبْقَى منه شيء - كذلك أعمالُهم. ومَنْ
كان كذلك فقد خاب في الدارين، وحلَّ عليه الويل.
قوله جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَّّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
وَيَأْتِ يِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
خَلَقَ السمواتِ والأرضَ بالحُكْم الحق، أي له ذلك بحقٌ ملكه، وخلقهما بقوله
الحق؛ فجعل كلَّ جزءٍ منهما على وحدانيته دليلاً، ولِمَنْ أراد الوصول إلى ربِّه سبيلاً .
ثم قال: إنْ يَشَأْ يذهبكم بالإفناء، ويأتِ بِخَلْقٍ جديدٍ في الإنشاء، وليس ذلك
عليه بعزيز ... وأنَّى ذلك وهو على كل شيء قدير؟! (١).
(١) الآية (٢٠) لم ترد.