Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
تفسير سورة هود
التائبين ألا يُلِمُوا بعقوة زلة فَيَدَعُونَ صغيرها وكبيرَها ... وعلى هذا النحو استقامة كلّ
أحدٍ. قوله ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾: أي فَلْيَستَقِمْ أيضاً مَنْ معك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ
مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ﴾ .
لا تعملوا أعمالَهم، ولا ترضوا بأعمالهم، ولا تمدحوهم على أعمالهم، ولا
تتركوا الأمر بالمعروف لهم، ولا تأخذوا شيئاً من حرام أموالهم، ولا تساكنوهم
بقلوبكم، ولا تخالطوهم، ولا تعاشروهم ... كل هذا يحتمله الأمرُ، ويدخل تحت
الخطاب .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقِ اٌلْضَلَوَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِّ ذَلِكَ ذِكْرَىْ لِلذَّكِرِينَ﴾.
أي اسْتَغْرِقْ جميعَ الأوقاتِ بالعبادات، فإنَّ إخلالَكِ لحظةً من الزمان بِفَرَضٍ
تؤديه، أو نَفْلِ تأتيه حَسْرَةٌ عظيمةٌ وخُسرَانْ مبينٌ .
قوله ﴿ إِنَّ الْخَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الحسنات ما يجود بها الحق، والسيئات ما
يذنبها العبد، فإذا دخلت حسناتُه على قبائح العبد مَحَتْها وأَبْطَلَتْها.
ويقال حسناتُ القُربة تَذْهَبُ بسيئات الزَّلَّة.
ويقال حسناتُ الندم تَذْهَبُ بسيئات الجُزْمِ.
ويقال (انسكاب) العَبْرَة تُذْهِبُ العَثْرَة.
ويقال حسنات العرفان تُذْهِبُ سيئاتِ العصيان.
ويقال حسنات الاستغفار تُذْهِبُ سيئات الإصرار.
ويقال حسناتُ العناية تذهب سيئات الجناية.
ويقال حسنات العفو عن الإخوان تذْهِبُ الحقدَ عليهم.
ويقال حسنات الكَرَمِ تُذْهِبُ سيئاتِ الخَدَمِ.
ويقال حسنُ الظنْ يُذْهِبُ سوأتهم بكم .
ويقال حسنات الفضل من الله تُذْهِبُ سيئاتٍ حسبان الطاعة من أنفسكم.
ويقال حسناتُ الصدق تَذْهَبُ بسيئاتِ الإعجاب .
ويقال حسناتُ الإخلاص تَذْهَبُ بسيئاتِ الرياء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَسْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
الصبر تجرُّع كاساتٍ التقدير من غير تعبيس.
ويقال الصبرُ حُسْنُ الإقبال على معانقة الأمر ومفارقة الزجر .

٦٢
تفسير سورة هود
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ المحسنُ: العاملُ الذي يعلم أَنَّ الأجرَ على
الصبر والطاعة بفضله - سبحانه - لا باستحقاق عملٍ.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي
اَلْأَرْضِ إِلَّا فِلِلًا مِّمَنْ أَبَيْنَا مِنْهُمُ وَأَنَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِنَ﴾ .
معناه لم يكن فيكم مِنْ هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل.
وقيل معناه لم يكن فيمن قبلكم من الأمم مَنْ يَنْهى عن الفساد، ويحفظ الدِّين،
ويطيعون أنبياءهم - إلا قليل.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْبِحُونَ﴾.
أي لم يُهلِكْ اللَّهُ أحداً كان مصلحاً وإنما أهلك مَنْ كان ظالماً.
ويقال معناه: لو أهلك الله أهل القرى وهم مصلحون لم يكن ذلك ظلماً من
الله؛ لأن المُلكَ مُلكُه، والخلْقَ عبيدُه.
ويقال ((المصلح)) مَنْ قام بحقُ ربِّه دون طلب حظُه.
ويقال: ((المصلح)) من آثر نجاته على هلاكه.
ويقال مصلحٌ تُصْلِحُ نَفْسَه طاعتُه، ومصلحْ تصْلِحُ قلبَه معرفةُ سَيِّدِه. ومصلح
تُصْلِحُ سِرَّه مشاهدةُ سيِّدِه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌَ﴾ .
لو شاء لَجَعلهم أربابَ الوفاق ثم لا يوجبون لمُلْكِه زَيْناً، ولو شاء لجعلهم
أرباب الخلافِ ثم لا يوجِبُون لمُلْكِه شَيْنا.
ثم قال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ﴾ لأنه كذلك أراد بهم.
﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] في سباق حكمه فعصمهم عن الخلاف في
حاصل أمورهم، وأقامهم به، ونصبهم له، وأثبتهم في الوفاق والمحبة والتوحيد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ .
أي لا تبديلَ لقوله، ولا تحويلَ لحُكمه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيََّكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَّ﴾ .
سكَّنَ قلبه بما قصَّ عليّه من أنباء المرسلين، وعرَّفه أنه لم يُرَقِّ أحداً إلى المحلِّ
الذي رقّاه إليه، ولم يُنْعِمْ على أحد بمثل ما أنعم عليه.
ويقال قَصَّ عليه قِصَصَ الجميع، ولم يذكر قصَته لأحد تعريفاً له وتخصيصاً.
ويقال لم يكن ثباتُ قلبه بما قصَّ عليه ولكن لاستقلال قلبه بِمَنْ كان يقص عليه،

٦٣
تفسير سورة هود
وفَرْقٌ بين من يقعل بما يسمع وبين مَنْ يَستقل بِمَنْ منه يسمع، وأنشدوا:
حَنِيناً فَزِذْنِي مِنْ حديثِكَ يا سعدُ
وَحَدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِذْتَنِي
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ وَأَنْتَظِرُواْ إِنَّا
مُنَظِرُونَ﴾ .
إن الذين يجحدون التوحيد، ويؤثرون على الحقُّ غيرَ الحق، ولم يُصَدِّقوا
الوعيد، يوشِكُ أَنْ يَنْصَبْ عليهم الانتقامُ فيغرقون في بحار العقوبة، ويسقطون في
وهاد الهوان، فلا لويلهم انتهاءٌ، ولا لِذُلْهم انقضاءٌ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِلَِّ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ
عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
عمَّى عن قلوبهم العواقبَ، وأخفى دونهم السوابق، وألزمهم القيامَ بما كَلَّفهم
في الحال، فقال: ﴿فَأَعْبُدْهُ﴾ فإنْ تقسَّمَ القلبُ وتَرَجَّمَ الظَنُّ وخيف سوءُ العاقبة ..
فتوكّلْ عليه أي اسْتَدْفِعْ البلَاءَ عنك بِحُسْنِ الظَّنِّ، وجميل الأمل، ودوام الرجاء.
﴿َمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: أحاط بكل شيءٍ عِلْماً، وأمضى في كل أمرٍ
حُكْماً.

السورة التي يذكر فيها يوسف عليه السلام
الاسم مِنْ وَسَمَ؛ فَمَنْ وَسَمَ ظاهرَه بالعبودية، وسرائرَه بمشاهدة الربوبية فَقَدْ
سَمَتْ هِمَّتُه إلى المراتب العَلِيَّة، وأَزْلِفَتْ رتَبتُه من المنازل السنيّة.
أو أن الاسم مشتق من السِّمة أو من السموُ.
وقدَّم الله - سبحانه - اسمَ اللَّهِ في هذا المحل على اسميه الرحمن والرحيم على
وجه البيان والحكم، فبرحمته الدنيوية وصل العبد إلى معرفته الإلهية.
والإشارة من الباء - التي هي حرف التضمين والإلصاق - إلى أنَّ (به)) عَرَفَ مَنْ
عَرَف، و (به)) وقف مَنْ وقف؛ فالواصل إليه محمولٌ بإحسانه، والواقف دونه مربوط
بخذلانه .
قوله جلّ ذكره: ﴿الَرَ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُِّينِ﴾ [يوسف: ١].
التخاطبُ بالحروف المتفرقة غير المنظومة سُنَّةُ الأحباب في سَتْر المحابُ؛
فالقرآنُ - وإنْ كان المقصودُ منه الإيضاحَ والبيانَ - ففيه تلويح وتصريح، ومُفَصَّلٌ
ومُجْمَلٌ، قال قائلهم:
أبکي إلى الشرق إن كانت منازلكم
مما يلي الغربَ خوفَ القيل والقالِ
ويقال وقفت فهُومُ الخَلْق عن الوقوف على أسراره فيما خاطب به حبيبه - وَلّ
-، فهم تعبدوا به وآمنوا به على الجملة أفرد الحبيبَ بفهمه، فهو سِرُّ الحبيب عليه
السلام بحيث لا يطلع عليه الرقيب، يقول قائلهم:
بين المحيين سِرّ ليس يُفْشيه قولٌ، ولا قلم للخلق يحكيه
وفي إنزال هذه الحروف المقطعة إشارة: وهي أنَّ منْ كان بالعقل والصحو
استنبط من اللفظ اليسير كثيراً من المعاني، ومن كان بالغيبة والمحو يسمع الكثير فلا
يفهم منه اليسير؛ ذاك لكمال عقله وهذا لتمام وَصْلِه؛ فأنزل اللَّهُ هذه الحروف التي لا
سبيلَ إلى الوقوف على معانيها، ليكون للأحباب فُرْجَةٌ حينما لا يقفون على معانيها
٦٤

٦٥
تفسير سورة يوسف
بِعَدَم السبيل إليها فلا تتوجه عليهم مُطَالَبةٌ بالفهم، وكان ذلك لائقاً بأحوالهم إذا كانوا
مستغرِقين في عين الجَمْع، ولذا قيل: استراح من العقل له.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾ يحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا خَبَرُ الوعد الذي
وعدناك .
وقيل هذا تعريفنا: إليك بالتخصيص، وإفرادُنا لك بالتقريب - قد حقَّقْناه لكَ؛
فهذه الحروف بيانٌ للإنجاز ولتحقيق الموعود.
والإشارة من ﴿اٌلْكِتَبِ الْمُبِينِ﴾ هنا هنا إلى حُكْمِه السابق له بأَنْ يُرَفْيَه إلى الرتبة
التي لا يبلغها غيرُه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الُْطُورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:
٤٦] أي حين كلَّمنا موسى عليه السلام، وأخبرناه بعلوٌ قَدْرِك، ولم تكن حاضراً،
وأخبرناه بأننا نُبَلْغُك هذا المقامَ الذي أنت فيه الآن. وكذلك كلُّ مَنْ أوحينا إليه ذَكَرْنَا
له قِصَتَكَ، وشَرَحْنَا له خِلقَتك، فالآنَ وقتُ تحقيق ما أخبرنا به، وفي معناه أنشدوا:
سُقْياً لمعهدِكَ الذي لو لم يكن ما كان قلبي للصبابةِ معهدا
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِىِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يعني
بعد التوراة ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ اٌلْضََّلِحُونَ﴾ يعني أمة محمد.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
في إنزال الكتاب عليه، وإرسالٍ الرسول إليه - تحقيقٌ لأحكام المحبة، وتأكيدٌ
لأسباب الوصلة؛ فإنَّ مَنْ عَدِمَ حقيقة الوصول استأنس بالرسول، وَمنْ بَقِيَ عن شهود
الأحباب تَسَلّى بوجود الكتاب، قال قائلهم:
ففيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ
وكتُبْكَ حَوْلي لا تُفارقُ مضجعي
قوله جلّ ذكره: ﴿نَحْنُ نَقُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ .
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: لخلوه عن الأمر والنهي الذي سماعه يوجب اشتغال القلب
بما هو يعرِّض لوقوع التقصير.
﴿أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾: ففيه ذكر الأحباب.
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: لأن فيه عفو یوسف عن جناياتِ إخوته .
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: لما فيه من ذِكْرٍ تَرْكٍ يوسف لامرأة العزيز وإعراضه عنها
عندما راودته عن نفسه.
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: بالإضافة إلى ما سألوه أن يقص عليهم من أحوال الناس.
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: لأنه غير مخلوق .

٦٦
تفسير سورة يوسف
ويقال لمَّا أخبره الله - سبحانه - أن هذه القصةَ أحسنُ القصص وجد رسولُ الله -
وَّل * - لنفسه مزايا وزوائد لتخصيصه؛ فَعَلِمَ أن الله تعالى لم يُرَقُ أحداً إلى مثل ما
رقاه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ اُلْغَفِلِينَ﴾.
أي الذاهبين عن فهم هذه القصة. أي ما كنتَ إلا من جملة الغافلين عنها قبل أن
أوحينا إليك بها، أي إنك لم تَصِلْ إلى معرفتها بكلِّك وجهدك، ولا بطلبك وٍجدّك ..
بل هذه مواهبُ لا مكاسب؛ فبعطائِنا وَجَدْتَها لا بعنائك، وبِتَفَضُّلِنَا لا بتَعلُّمِكَ،
وبِتَلَطُفِنا لا بتكلُّفِك، وبنا لا بك.
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَعَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ .
لما ذكر يوسف - عليه السلام - رؤياه لأبيه عَلِمَ يعقوبُ - عليه السلام صِدْقَ
تعبيرها، ولذلك كان دائم التذكّر ليوسف مدةً غيبته، وحين تطاولتْ کان یَذْكُرُه حتى
قالوا: ﴿ثَاَللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] فقال: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٩٦] فهو كان على ثقةٍ من صِدْقٍ رؤياه.
فإن قيل: فإذا كان الصبيُّ لا حُكْم لِفْعِلِه فكيف يكون حكم لرؤياه؟ وما الفرق؟
فيقال: إن الفعل بِتَعَمُّدٍ يحصل فيكون مُعَرَّضاً لتقصير فاعله، أمَّا الرؤيا فلا تكون
بتعمد منه فتنسب إلى نقصان .
ويقال إنَّ حقَّ السِّرِّ ولو كان على مَنْ هو قريب منك؛ فإِن يوسف لما أظهر سِرَّ
رؤياه على أبيه اتصل به البلاءُ.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُوْ يَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَّكَ كَيْدًاْ إِنَّ الشَّيْطَانَ
لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ نُبِينٌ﴾.
إذا جاء القضاءُ لا ينفع الوعظ والحذر؛ فإن النصيحة والحذر لا يزيدان على ما
نصح يعقوب ليوسف عليهما السلام، ولكن لمَّا سبق التقديرُ في أمر يوسف - عليه
السلام - حصل ما حصل.
ويقال إن يوسف خَالَفَ وصية أبيه في إظهارِ رؤياه إذ لو لم يُظْهِرْها لما كادوا
له، فلا جَرَم بسبب مخالفته لأبيه - وإن كان صبياً صغيراً - لم يَعْرَ مِنَ البلايا.
ويقال لما رأى يوسف في منامه ما كان تأويلُه سجودَ الإخوة له رأى ما تعبيره:
وسجود أبيه وخالته حيث قال تعالى: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِى سَجِدِينَ﴾؛ فدخل
الإخوة الحَسَدَ أما الأب فلم يدخله إلا بنفسه لِفَرْطِ شفقة الأبوة.

٦٧
تفسير سورة يوسف
ويقال صَدَقَ تعبيره في الإخوة فسجدوا له حيث قال: ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُبَدًا﴾
[يوسف: ١٠٠] ولم يسجد الأبُ ولا خالته حيث قال: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾
[يوسف: ١٠٠] فإن يوسفَ صانَهما عن ذلك مراعاةً لحشمة الأبوة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ﴾.
أي كما أمرك بهذه الرؤيا التي أَرَاكَها يجتبيك ويُخْسِنُ إليك بتحقيق هذه الرؤيا،
وكما أكرمك بوعد النعمة أكرمك بتحقيقها.
ويقال الاجتباء ما ليس للمخلوق فيه أثر، فما يحصل للعبد من الخيرات - لا
بتكلفه ولا بتعمده - فهو قضية الاجتباء.
ويقال من الاجتباء المذكور أَنْ عَصَمَه عن ارتكاب ما راودته امرأة العزيز عن
نفسه .
ويقال من قضية الاجتباء إسباله الستر على فعل إخوته حيث قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىِّ إِذْ
أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولم يذكر خلاصه من البئر ومن قضية الاجتباء
توفيفه لسرعة العفو عن إخوته حيث قال: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمٌ﴾ [يوسف: ٩٢].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ﴾ .
أي لتعرِفَ قَدْرَ كلٌ أحد، وتقفَ على مقدار كلٌّ قائلٍ بما تسمع من حديثه .. لا
مِنْ قوله بل لِحَدَّةِ كياستك وفَرْطِ فراستك.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَيُِّثُ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَعَّ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَّقَّهَا عَلَىَ أَبَوَيُّكَ مِن قَبْلُ
إِنْزَهِيَمَ وَإِنْصَقُّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
مِنْ إتمامِ النعمة توفيقُ الشكرِ على النعمة، ومن إتمام النعمة صَوْنُها عن السَّلبِ
والتغيير، ومن إتمام النعمة الشَّحرز(١) منها حتى تَسْهُلَ عليكَ السماحةُ بها.
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَيِهِ، مَايَتٌ لِلِسََّعِينَ﴾.
يعني لكلِّ ذي مِحنة حتى يعلم كيف يصبر، ولكلُ ذي نعمة حتى يعلم كيف
یشکر .
ويقال في قصتهم كيفية العفو عن الزَلَّة، وكيفية الخَجْلَةِ لأهل الجفاءِ عند اللقاء.
ويقال في قصتهم دلالاتُ لطفِ الله سبحانه بأوليائه بالعصمة، وآياتٌ على أنَّ
المحبة ( ... ) (٢) من المحنة .
ويقال فيها آياتٌ على أَنَّ من صَدَقَ في رجائه يُخْتَصُّ - يوماً - ببلائه.
(١) تحرّز منه: توقاه.
(٢) بياض في الأصل.

٦٨
تفسير سورة يوسف
قوله جلّ ذكره: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَتُ إِلَى أَبِيْنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانًا لَفِى
ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ .
عُرِّفُوا على ما سَتَرُوه من الحَسَدِ، ولم يحتالوا في إخراج ذلك من قلوبهم
بالوقيعة في أبيهم حتى قالوا: ﴿إِنَّ أَبَانًا لَّفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ .
ويقال لما اعترضوا بقلوبهم على أبيهم في تقديم يوسف في المحبة عاقبهم بأن
أمهلهم حتى بسطوا في أبيهم لسانَ الوقيعة فوصفوه بلفظ الضلال، وإن كان المرادُ منه
الذهابَ في حديث يوسف عليه السلام، ولمّا حسدوا يوسف على تقديم أبيهم له لم
يَرْضَ - سبحانه - حتى أَقَامَهم بين يدي يوسف عليه السلام، وخرُّوا له سُجَّداً ليُعلَموا
أَنَّ الحسودَ لا یسود.
ويقال أطولُ الناسِ حُزْنا مَنْ لَاقى الناسَ عن مرارةٍ، وأراد تأخيرَ مَنْ قَدَّمه اللَّهُ أو
تقديمَ مَنْ أَخَّرَه اللَّهُ؛ فإخوةُ يوسف - عليه السلام - أرادوا أن يجعلوه في أسفل الجُبِّ
فرفعه الله فوقَ السرير!
قوله جلّ ذكره: ﴿اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اْرَحُوهُ أَرْضًا يَعْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَيَكُمْ﴾ .
أي يخْلُصْ لكم إقبالُ أبيكم عليكم، وقديماً قيل: مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فَاتَه الكلُّ؛
فلمَّا أرادوا أن يكون إقبالُ يعقوب - عليه السلام - بالكليَّةِ - عليهم قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ
عَنَّهُمْ﴾ [الأعراف: ٩٣].
ويقال كان قَصْدُهم ألا يكونَ يوسفُ أمامَ عينه فقالوا: إمَّا القتلْ وإمَّا النَّغْيُ، ولا
بأسَ بما يكونُ بعد ألا يكونَ يوسف عليه السلام.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَنِحِينَ﴾.
عَجَّلوا بالحرام، وَعلَّقُوا التوبةَ بالتسويف والعزم، فلم يمحُ ما أَجَّلُوا من التوبة ما
عجَّلوا من الحَوْبةِ (١).
ويقال لم تَطِبْ نفوسُهم بأن يذهبوا عن بابِ اللَّهِ بالكليَّة فدبَّروا لحُسْنِ الرجوع
قبل ارتكاب ما دعته إليه نُفُوسُهم، وهذه صفة أهل العرفان بالله .
قوله جل ذكره: ﴿قَالَ قَابِلٌ مِنْهُمْ لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِظْهُ بَعْضُ
السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ .
إخوةٌ يوسف - وإنْ قابلوه بالجفاء - مَنَعَتْهُم شفقةُ النَّسَبِ وحُزمةُ القرابةِ من
الإقدام على قتله؛ فقالوا لا تقتلوه وغَيِّبُوا شَخْصَه.
(١) الحوب: الإثم والهلاك.

٦٩
تفسير سورة يوسف
ويقال إنما حَمَلَهم على إلقائه مرادُهم أن يخلوَ لهم وجهُ أبيهم، فلمَّا أرادوا
حصولَ مرادهم في تغييبه لم يبالغوا في تعذيبه.
ويقال لمَّا كان المعلومُ له - سبحانه - في أمر يوسف تبليغَه إياه تلك القربة ألقى
اللَّهُ في قلبٍ قائلهم حتى قال: ﴿لَا تَقْتُلُواْ يُؤُسُّفَ﴾ .
ثم إنه - وإن أبلاه في الحال - سَهَّلَ عليه ذلك في جَنْبٍ ما رقّاه إليه في المآل،
قال قائلهم :
خَارَ لَكَ اللَّهُ - وأنت كاره
كم مرةٍ حَفَّت بِكَ المکارِهِ
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ يَأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَصِحُونَ﴾ .
كلامُ الحسودِ لا يُسمَعِ، ووعدُه لا يُقْبل - وإنْ كانا في مَعْرِضِ النُّصحِ؛ فإِنَّهُ
يُطْعِمُ الشَهْدَ ويَسْقِي الصَّابَ.
ويقال العَجَبُ من قبول يعقوب - عليه السلام - ما أبدى بنوه له من حفظ يوسف
عليه السلام وقد تفرَّسَ فيهم قلبه فقال ليوسف: ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]
ولكن إذا جاء القضاءُ فالبصيرةُ تصير مسدودةً .
ويقال من قِبَلِ على محبوبه حديثَ أعدائه لَقِيَ ما لَقِيَ يعقوبُ في يوسف -
عليهما السلامُ ۔ من بلائه .
قوله جلّ ذكره: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَذًا يَزْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ .
يقال أطمعوا يعقوب عليه السلام في تمكينهم من يوسف بما فيه راحةُ نَفْسٍ في
اللعب، فطابَتْ نَفْسُ يعقوب لإذهابهم إياه من بين يديه - وإنْ كان يشُقُّ عليه فرّاقُه،
ولكنَّ المحبَّ يؤثِرُ راحةَ محبوبه على محبةٍ نَفْسِه .
ويقال ما رَكَنَ إلى قولهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ - أي مِنْ قِبَلهِم - حتى قالوا:
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّثْبُ﴾ [يوسف: ١٧]؛ فَمَنْ أَسَلَم حبيبَه إلى
أعدائه غُصَّ بتحسِّي بلائه .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ إِّ لَيَحْزُنُنِىّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ
عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ .
يَحْزُنني أن تذهبوا به لأني لا أصْبِر عن رؤيته، ولا أطيق على فُرقتِه ... هذا إذا
كان الحالُ سلامته .. فكيف ومع هذا أخاف أن يأكله الذئب؟!
ويقال: لما خاف عليه من الذئب امتُحِنَ بحديث الذئب، ففي الحبر ما معناه:
((إنما يُسَلِطُ على ابن آدم ما يخافه))(١) وكان في حقه أن يقول أخافُ الله لا الذئب، وإنْ
(١) أخرجه المتقي الهندي في (كنز العمال ٣٧٢٥٧)، وابن حجر في (لسان الميزان ١٨٣/٢).

٧٠
تفسير سورة يوسف
كانت مَحَالُّ الأنبياء عليهم السلام - محروسةً من الاعتراض عليها.
ويقال لمَّا جرى على لسان يعقوب - عليه السلام - من حديث الذئب صار
كالتلقين لهم، ولو لم يسمعوه ما اهْتَدَوْا إلى الذئب.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّتْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ .
لَحقَ إخوة يوسف عليه السلام ما وصفوا به أنفسهم من الخسران حيث قالوا:
﴿إِنَّا إِذَّا لَّخَسِرُونَ﴾: لأنَّ مَنْ باع أخاً مثل يوسف بمثل ذلك الثمن حقيقٌ بأن
يقال قد خسرت صفقتُه.
ويقال لمَّا عدُّوا القوة في أنفسهم حين قالوا: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ خُذِلُوا حتى
فعلوا .
ويقال لمَّا ركَنَ يعقوبُ - عليه السلام - إلى قولهم: ﴿وَتَّحْنُ عُصْبَةٌ﴾ لَقِيَ ما
لَقِيَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَبَتِ الْجُنُّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ
لَتُنِتَنَّهُمْ بِأَفْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ .
الجوابُ فيه مُقَدَّر؛ ومعناه فلما ذهبوا بيوسف وعزموا على أن يلقوه في البئر
فعلوا ما عزموا عليه. أو فلمَّا ذهبوا به وألقوه في غيابة الجُبِّ أوحينا إليه؛ فتكون الواو
صلة. والإشارة فيه أنه لمَّ حَلَّتْ به البلوى عجَّلنا له التعريفَ بما ذكرنا من البُشْرَى؛
ليكون محمولاً بالتعريف فيما هو متحمِّلٌ له من البلاء العنيف.
ويقال حين انقطعت على يوسف عليه السلام مراعاةٌ أبيه حَصَلَ له الوحيُّ مَنْ
قِبَل مولاه، وكذا سُنَّتُه تعالى أنه لا يفتح على نفوس أوليائه باباً من البلاءِ إلا فَتَحَ على
قلوبهم أبوابَ الصفاء، وفنون لطائف الولاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَءُوّ أَبَهُمْ عِشَآءَ يَبْكُونَ﴾ .
تمكينُ الكذَّاب من البكاء سِمَةُ خذلان الله تعالى إياه، وفي الخبر: ((إذا كَمُلَ
نفاقُ المرءِ مَلَكَ عَيْنَه حتى يبكي ما شاء)».
ويقال: لا يَبْعُدُ أَنْ يقال إنهم وإنْ جَنَوْا على يوسف عليه السلام فقد ندموا على
ما فعلوا، فَعَلَاهُمْ البكاءُ لنَدمهم - وإن لم يُظْهروا لأبيهم - وتَقَوَّلُوا على الذُّتْبِ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَّءُو عَلَى قَمِصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ .
لم يُؤثّر تزويرُ قَالَبِهم في إيجاب تصديق يعقوب - عليه السلام لكذبهم بل أخبره
قلبُه أَنَّ الأمرَ بخلاف ما يقولونه فقال:
﴿َبَلْ سَوَّلَتْ لَّكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًّا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ .

.٧١
تفسير سورة يوسف
فَعَلم على الجملة وإنْ لم يعلمْ على التفضيل .. وهكذا تقرع قلوبَ الصديقين
عواقبُ الأمور على وجه الإجمال، إلى أنْ تَتَّضحَ لهم تفاصيلُها في المستأنف.
ويقال عوقبوا على ما فعلوه بأن أُغْفلوا عن تمزيق قميصه حتى علم يعقوب
تَقَوُّلَهم فيما وصفوا.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَّةٍ قَالَ يَلْبُشْرَى هَذَا عُلَمْ وَأَسَرُوهُ
بِضَعَةُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ .
ليس كلُّ من طلب شيئاً يُعطى مرادَه فقط بل ربما يُعْطَى فوق مأموله؛ كالسيارة
كانوا يقنعون بوجود الماء فوجدوا يوسفَ عليه السلام.
ويقال ليس كل مَنْ وَجَدَ شيئاً كان كما وجده السيارة؛ توهموا أنهم وجدوا عبداً
مملوكاً وكان يوسف - في الحقيقة - حُرَّاً.
ويقال لمَّا أراد اللَّهُ تعالى خلاصَ يوسف - عليه السلام - من الجُبِّ أزعج
خواطر السَّيارة في قصد السفر، وأعدمهم الماءَ حتى احتاجوا إلى الاستقاء لِيَصِلَ
يوسف عليه السلام إلى الخلاص، ولهذا قيل: ألا رُبَّ تشويشٍ يقع في العَالَم،
والمقصودُ منه سکونُ واحدٍ. کما قیل: رُبَّ ساعٍ له قاعد.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾.
لم يعرفوا خسرانهم في الحال ولكنهم وقفوا عليه في المآل.
ويقال قد يُبَاعُ مثل يوسف عليه السلام بثمن بخس، ولكن إذا وقعت الحاجةُ إليه
فعند ذلك يعلم ما يلحق من الغَبْن.
ويقال: لم يحتشموا من يوسف - عليه السلام - يوم باعوه ثمنٍ بَخْسٍ، ولكن
لمَّا قال لهم: أنا يوسف - وقع عليهم الخجل، ولهذا قيل: كفى للمقَصر الحياء يوم
اللقاء .
ويقال لمَّا خَرُّوا له سُجَّداً علموا أنَّ ذلك جزاءُ مَنْ باع أخاه بثمنٍ بخسٍ.
ويقال لمَّا وصل الناسُ إلى رفق يوسف عاشوا في نعمته، واحتاجوا إلى أن
يقفوا بين يديه في مقام الذُّلِ قائلين ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الْفُّرُ﴾ [يوسف: ٨٨]، وفي معناه
أنشدوا:
ستسمع بي وتذكرني وتطلبني فلا تجدِ
ويقال ليس العَجَبُ ممن يبيع مثلَ يوسف - عليه السلام - بثمنٍ نَجْسٍ إنما
العَجَبُ ممن ( .... )(١) مثل يوسف - عليه السلام - بثمن بخس، لا سيَّمَا ﴿وَكَانُواْ
(١) بياض في الأصل.

٧٢
تفسير سورة يوسف
فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ الخرق لا غاية له، وكذا العجب لا نباته له.
ويقال ليس العجب ممن يبيع يوسف - عليه السلام - بثمن بخس، إنما العجب
ممن يبيع وقته الذي أعزُّ من الكبريت الأحمر بعَرَضٍ حقيرٍ من أعراض الدنيا.
ويقال إنَّ السيارة لم يعرفوا قيمته فزهدوا في شرائه بدراهم، والذين وقفوا على
جماله وشيءٍ من أحواله غالوا - بمصر - في ثمنه حتى اشتروه بزنته دراهم ودنانير
مراتٍ - كما في القصة، وفي معناه أنشدوا:
إنْ كنتُ عندكَ يا مولاي مُطَّرَحاً فعند غيرِك محمولٌ على الحَدَقِ(١)
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنْهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَأَيِهِ، أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ عَسَى أَن يَنفَعَنََّ
أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدََّ﴾ .
لمَّا نودي على يوسف في مصر بالبيع لم يَرْضَ الحقُّ - سبحانه - حتى أصابتهم
الضرورةُ ومَسَّتْهُمْ الفاقةُ حتى باعوا من يوسف - عليه السلام - جميعَ أملاكهم، ثم
باعوا كلُّهم منه أنْفُسَهم - كما في القصة - وفي آخر أمرهم طلبوا الطعام، فصاروا
بأجمعهم عبيدَه، ثم إنه عليه السلام لما مَلَكُهم مَنَّ عليهم فأعتقهم؛ فَلَئِنْ مَرَّ عليه
بمصرَ يومٌ نودي فيه عليه بالبيع؛ فقد أصبح بمصر يوماً آخر وقد مَلَكَ جميعَ أملاكهم،
ومَلَكَ رقابَ جميعهم؛ فيومٌ بيومٍ، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُثْرِ يُبْرًا﴾ [الشرح: ٥] يومان
شَتَّان بينهما!
ثم إنه أعتقهم جميعاً ... وكذا الكريمُ إذا قدر غفر.
قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِمَهُ مِن تَأْوِيِلِ الْأَحَادِيثِ﴾.
أراد مَنْ حَسَدَه أَلا تكونَ له فضيلةٌ على إخوته وذويه، وأراد اللَّهُ أن يكونَ له
مُلْكُ الأرضِ، وكان ما أراد اللَّهُ لا ما أراد أعداؤه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَاللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ﴾ .
أرادوا أن يكونَ يوسفُ عليه السلام في الجُبِّ، وأراد اللَّهُ - سبحانه - أن يكون
يوسف على سرير المُلْكِ؛ فكان ما أراد الله، والله غالب على أمره.
وأرادوا أن يكون يوسفُ عبداً لمن ابتاعوه من السيارة، وأراد اللَّهُ أن يكونَ عزيزً
مصر - وكان ما أراد اللَّهُ .
ويقال العِبْرَةُ لا ترى من الحقِّ في الحال، وإنما الاعتبارُ بما يظهر في سِرٌ تقديره
في المآل.
(١) الحدق: (ج) الحدقة: السواد المستدير وسط العين. و (في الطب): فتحة مستديرة ضيقة وسط
قرينة العين .

٧٣
تفسير سورة يوسف
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُذَّهُ, مَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَاً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِينَ﴾.
من جملة الحُكمْ الذي آتاه اللَّهُ نفوذُ حُكْمِه على نَفْسِه حتى غَلَبَ شهوته، وامتنع
عما رَاوَدَتْه تلك المرأةُ عن نَفْسِه؛ ومن لا حكم له على نفسه فلا حكْمَ له على غيره.
ويقال إنما قال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي حين استوى شبابُه واكتملت قُوْته، وكان
وقت استيلاء الشهوة، وتوفر دواعي مطالبات البشرية - آتاه الله الحِكْمَ الذي حبسه
على الحقُّ وصَرَفَه عن الباطل، وعَلِمَ أنَّ ما يعقب اتباع اللذاتِ من هواجم النَّدم أشدُ
مقاساةً من كلفة الصبر في حال الامتناع عن دواعي الشهوة ... فآثَرَ مَشَفَّةَ الامتناع
على لَذَّةِ الاتباع. وذلك الذي أشار إليه الحقُّ - سبحانه من جميل الجزاء الذي أعطاه
هو إمدادُه بالتوفيق حتى استقام في التقوى والورع على سَوَاءِ الطريق، قال تعالى:
﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: [العنكبوت: ٦٩] أي الذين جاهدوا بسلوك طريق
المعاملة لنهدينهم سُبَلَ الصبر على الاستقامة حتى تتبين لهم حقائقُ المواصلة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ
لَكَّ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلَّلِمُونَ﴾ .
لما غَلَّقَتْ عليه أبوابَ المسكنِ فَتَحَ الله عليه باب العصمة، فلم يُضِرْه ما أُغْلِقَ
بعد إكرامه بما فُتِحَ .
وفي التفسير أنه حفظ حُزْمةً الرجل الذي اشتراه، وهو العزيز.
وفي الحقيقة أشار بقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّ﴾ إلى ربِّه الحقِّ تعالى: هو مولاي الحق .
تعالى، وهو الذي خلَّصِنِيٍ من الجُبِّ، وهو الذي جعل في قلب العزيز لي محلاً كبيراً
فأكرم مثواي فلا ينبغي أَنْ أَقْدِمَ على عصيانه - سبحانه - وقد غمرني بجميل إحسانه.
ويقال إن يوسف عليه السلام قال لها: إِن العزيز أمرني أَنْ أنفعَه. ﴿عَسَى أَنْ
يَنْفَعَنَآَ﴾ فلا أَخُونُه في حُرْمَتِهِ بظهر الغيب.
ويقال لمَّا حفظ حُزمة المخلوقِ بظهر الغيب أكرمه الحقُّ سبحانه بالإمداد
بالعصمة في الحال ومَكْنَه من مواصلتها في المآل على وجه الخَلَال.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَنْ زَّمَا بُرْهَنَ رَيٍِّ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ
عَنْهُ الشُّهَ وَاَلْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
ما ليس بفعل الإنسان مما يعتريه - بغير اختياره ولا يِكَسْبِه - كان مرفوعاً لأنه لا
يدخل تحت التكليف، فلم يكن ((الهمّ)) منه ولا منها زَلَّةً، وإنما الزَّلَّةُ من المرأة كانت
من حيث عَزَمَتْ على ما هَمَّتْ، فأمّا نفسُ الهمّ فليس مما يَكْسِبُه العبد.
ويقال اشتركا في الهمّ وأُفْرِد - يوسف عليه السلام - بإشهاده البرهان.

٧٤.
تفسير سورة يوسف
وفي تعيين ذلك البرهان - ما الذي كان؟ - تكلّفٌ غيرُ محمودٍ إذ لا سبيل إليه إلا
بالخَبَرِ المقطوع به.
وفي الجملة كان البرهانُ تعريفاً من الحقِّ إياه بآية من آيات صُنْعِه، قال تعالى:
﴿سَؤُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِ آَلَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].
وقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنّهُ السُّهَ وَالْفَحْشَآءُ﴾ صَرَفَ عنه السُّوءَ حتى لم يوجَد
منه العزمُ على ذلك الفعل - وإِنْ كان منه همّ - إلا أن ذلك لم يكن جُزْماً كما ذكرنا.
والصَّرْفُ عن الطريق بعد حصول الهمِّ - كشفٌ، والسوءُ المصروفُ عنه هو
العزمُ على الزنا والفحشاء أو نفْسُ الزنا، وقد صرفهما الله تعالى عنه.
قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُفْلَصِينَ﴾: لم تكن نجاتُه في خلاصه، ولكن في صرفٍ
السوء عنه واستخلاصه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَّذَتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابِّ﴾.
استبقاء هذا ليَهْرَبَ، وهذه للفعلة التي كانت تطلب.
ولم يضر يوسفَ - عليه السلام - أَنْ قَدَّتْ(١) قميصه وهو لِيَاسُ دنياه بعد ما صحَّ
عليه قميصُ تقواه.
ويقال لم تَقْصِدْ قَدَّ القميصِ وإنما تَعَلَّقَتْ به لتَخْبِسَه على نفسها، وكان قصدُها
بقاءَ يوسف - عليه السلام - معها، ولكن صار فعلُها وَبالاً على نَفْسِها، فكان بلاؤها
من حيث طَلَبَتْ راحتَها وشفاءَها.
ويقال تولَّد انخراقُ القميص من قبضها عليه وكان في ذلك افتضاح أمرها؛ لأن
قَبْضَها على قميصه كان مزجوراً عنه .. لِيُعْلَمَ أنَّ الفاسِدَ شَجَّه(٢) فاسدٌ.
ويقال لشدة استيلاء الهوى عليها لم تعلم في الحالِ أنها تقدُّ قميصه من ورائه أو
من قُدَّامِه .. كذلك صاحبُ البلاءِ في الهوى مسلوبُ التمييز.
ويقال لمّا لم تَصِلْ ولم تتمكن من مرادها من يوسف خَرَقَتْ قميصه ليكونَ لها
في إلقائها الذَّنْبَ على يوسف - عليه السلام - حُجَّةٌ، فَقَلَبَ اللَّهُ الأمرَ حتى صار ذلك
عليها حجة، وليوسف دلالة صدق، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبْخُ إِلَّا بِأَهْلِمْ﴾
[فاطر: ٤٣].
قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابٍ﴾: لمَّا فَتَحَا البابَ وجدا سيدها لدى
الباب، والإشارة فيه إلى أن ربك بالمرصاد؛ إذا خَرَجَ العبدُ عن الذي هو عليه من
التكليف في الحال وقع في ضِيق السؤال.
(١) انقد الثوب: انشق.
(٢) شجه: جرح وجهه أو رأسه.

٧٥
تفسير سورة يوسف
ويقال قال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ ولم يقل سيدهما لأن يوسف في الحقيقة كان حراً
ولم يكن العزيزُ له سيداً.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
شَغَلَتْهُ بإغرائها إياه بيوسف عن نَفْسِها بأن سَبَقَتْ إلى هذا الكلام.
ويقال لقنته حديث السجن أو العذاب الأليم لئلا يقصد قتله؛ ففي عين ما سَعَتْ
به نظرت له وأبقتْ علیه .
ويقال قالت ما جزاء من فعل هذا إلا السجن فإن لم ترضّ بذلك، وستزيد؛
فالعذاب الأليم يعني الضّرب المُبَرَّح .. كأنما ذكرت حديث العقوبة بالتدريج.
ويقال أوقعت السجن الذي يبقى مؤجَّلاً في مقابلة الضرب الأليم المعجل ليُعْلَم
أَنّ السجنَ الطويل - وإنْ لم يكن فيه في الظاهر ألم - فهو في مقابلة الضرب الشديد
الموجع؛ لأنه - وإن اشتدّ فلا يقابله.
ويقال قالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ فذِكْرُ الأهل ها هنا غايةُ تهييج
الحميّة وتذكيرُ بِالأَنَّفَةِ .
قوله جل ذكره: ﴿قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِ عَن نَّفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ
قَيِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ وَإِن كَانَ قَيِيصُهُ فُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ
الصَّدِقِينَ فَلَمَّا رَءَا قَِيصَهُم ◌ُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَ عَظِيمٌ ﴾ .
أفصح يوسف عليه السلام بِجُزْمِها إذ ليس للفاسق حُرْمَة يجب حِفْظُها، فلم يُبَالِ
أَنْ هَتَك سترها فقال: ﴿هِىَ زَوَدَتْنِ عَن نَّفْسِىَّ﴾ فلمَّا كان يوسفُ صادقاً في قوله؛ ولم
يكن له شاهدٌ أنطق اللَّهُ الصبي الصغير الذي لم يبلغ أوانَ النطق. ولهذا قيل إذا كان
العبد صادقاً في نفسه لم يبالِ اللَّهُ أن يُنْطِقَ الحجرَ لأجله.
قوله: ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ فُدَّ مِن دُبُرٍ ... ﴾ لما اتضح الأمرُ واستبان الحالُ وظهرت
براءة ساحة يوسف عليه السلام قال العزيز: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾: «لَت الآيةُ على أَنَّ
الزنا كان مُحرَّماً في شرعهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتٍ مِنَ
اْخَاطِئِينَ﴾.
لم يُرِذ أن يهتك ستر امرأته فقال ليوسف: أَعرِض عن هذا الحديث، ثم قال
لها: ﴿وَأَسْتَغْفِرِى لِذَئِكِ﴾: دلَّ على أنه لم يكن في شرعهم على الزنا حدٍّ - وإن كان
مُحَرَّماً حيث عَدَّه ذنباً.
ويقال ليس كلَّ أحد أهلاً للبلاء؛ لأن البلاء من صفة أرباب الولاء، فأمَّا

٧٦
تفسير سورة يوسف
الأجانب فَيُتَجَاوَزُ عنهم ويُخْلَى سبيلُهم - لا لكرامةِ مَحَلْهم - ولكن لحقارة قدرهم،
فهذا يوسف عليه السلام كان بريءَ السَّاحةِ، وظهرت للكلِّ سلامةُ جانبه وابتُلِيَ
بالسجن. وامرأة العزيز في سوء فِعْلها حيث قال: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾، وقال لها:
﴿﴿وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ﴾ .. ثم لم تنزل بها شظيةٌ من البلاء.
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَوِدُ فَشَنَهَا عَن نَّفْسِةِ، قَدْ
قوله جلّ ذکره:
شَغَفَهَا حُبّا إِنَّا لَهَا فِىِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ .
إنَّ الهوى لا ينكتم، ولا تكون المحبة إلا وأبيح لها لسان عذول، فلما تحققت
محبتها ليوسف بسطت النّسوةُ فيها لسانَ الملامة.
ولما كانت أحسن منهن قيمةً - فقد كُنَّ من جملة خَدَمِها - كانت أسرعَ إلى
الملامة .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكَفًا وَءَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ
مِنْهُنَّ سِكْنَا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَنِنٌّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ، أَكْنَهُ وَقََّّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَآ إِلَّا
مَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْنُنَّفِى فِيَةٍ وَلَقَدْ رَوَدَنُمُ عَن نَّفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمٌ وَلَإِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُ
لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَا مِنَ الضَِّغِرِينَ﴾.
أرادت أن يغلب عليهن استحقاقُ الملامة، وتَنْفِيَ عن نفسها أن تكون لها أهلاً،
ففعلت بهن ما عَمِلَتْ، فلمَّا رأينه تَغَيَّرْنَ وتحيَّرْنَ ونطقن بخلاف التمييز، فقلن: ﴿مَا
هَذَا بَشَرًا﴾: وقد كان بشراً، وقلن: ﴿إِنْ هَذَّا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمُ﴾: ولم يكن مَلَكاً.
قوله: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَِّ فِيهِ﴾: أثَّرَتْ رؤيتُهن له فيهن فَقَطْعْنَ أيديهن بدل
الثمار، ولم يشعرن، وضعفن بذلك عندها فقالت: ألم أقل لكن؟ أنتن لم تتمالكن
حتى قَطَّعْتنَّ أيديَكُنَّ! فكيف أصبر وهو في منزلي؟! وفي معناه أنشدوا:
(أنت عند الخصام عدوي ..
ويقال(٢) إن امرأة العزيز كانت أَتَّم في حديث يوسف - عليه السلام - من النسوة
فَأَثَّرَتْ رؤيتُه فيهن ولم تُؤَثِّرْ فيها، والتَّغَيِّرُ صفة أهل الابتداء في الأمر، فإذا دام المعنى
زال التغيُّر؛ قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لمن رآه يبكي وهو قريب العهد في
الإسلام: هكذا كُنَّا حتى قَسَتْ القلوبُ. أي وَقَرَتْ وصَلُبَتْ. وكذا الحريق أول ما
يطرح فيها الماء يُسْمَعُ له صوتٌ فإذا تَعَوَّدَ شُرْبَ الماء سَكَنَ فلا يُسْمعُ له صوت.
(١) بياض في الأصل.
(٢) انظر الرسالة القشيرية ص٧٨ - ٨٠ عند حديث القشيري عن التلوين والتمكين مركزاً على رأي
الدقاق .

٧
تفسير سورة يوسف
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَتُّ إِلَىَّ مِمَا يَدْعُونَبِىّ إِلَيْهٍ وَإِلَّا نَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ
أَضْبُ إِلَيْهِنَّ وَكُن مِّنَ الْمَهِلِينَ﴾ .
الاختبار مقرون بالاختيار؛ ولو تمنَّى العافية بدل ما كان يُذْعى إليه لعلَّه كان
يُعَافَى، ولكنه لما قال: ﴿اُلْتِجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ﴾ طُولِبَ بِصِدْقٍ ما قال.
ويقال إن يوسف عليه السلام نَطَقَ من عين التوحيد حيث قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى
كَيْدَهُنَّ أَضْبُ إِلَيْهِنَ﴾ فقد عَلمَ أن نجاته في أن يَصْرِفَ - سبحانه - البلَاءَ عنه لا بتكلُّفِه
ولا بتجنبِه .
ويقال لمَّا آثر يوسفُ - عليه السلام - لحوقَ المشقة في اللَّهِ على لذَّة نفسه آثره
عَصْرُه حتى قيل له: ﴿تَأَللَّهِ لَقَدْ ءَاتَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١].
قوله جلّ ذكره: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَمُ رَبُّمُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنُّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
لمَّا رجع إلى الله بصدق الاستغاثة تداركه الله سبحانه بوشيكِ الإغاثة ... كذلك
ما أغبرَّ لأحدٍ - في الله تعالى - قَدَمٌ إِلَّا روَّحه بِكْرَمِه وتولَّاه بِنِعَمِه - إنه هو ﴿السَّمِيعُ﴾
لأقوال السائلين، ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿ثُمَّ بَدًا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ الْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّىّ ◌ِينٍ﴾ .
لمَّا سَجَنَ يوسفَ - عليه السلام - مع ظهور براءة ساحته اتقاءً على امرأته أن
يُهتَكَ سترُها حوَّل اللَّهُ مُلْكهَ إليه، ثم في آخر الأمر حَكَمَ اللَّهُ بأن صارت امرأتَه بعد
مقاساتها الضُّر ... وهذا جزاء مَنْ صَبَرَ .
ويقال لمَّا ظُلِمَ يوسفُ عليه السلام بما نُسِبَ إِليه أنطق الله تلك المرأة حتى قالت
في آخر أمرها بما كانٍ فيه هتك سترها، فقالت: ﴿الْثَنَّ حَمْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَوَدَثُمُ عَنْ
نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١].
قوله جلّ ذكره: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًّاً وَقَالَ الْآَخَرُ
إِّ أَرَدِّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزَا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِئْنَا بِتَأْوِيِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
لصحبة السجن أثرٌ يظهر ولو بعد حين؛ فإنَّ يوسف عليه السلام لمَّا قال لصاحبه
اذكرني عند ربك فأنساه الشيطانُ ذكر ربِّه فبقي يوسف في السجن زماناً، ثم إن
خلاصه كان على لسانه حيث قال: فَأَزْسِلُوا إلى يوسف وقيل له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ
... أَفْتِنَا﴾ الآية [يوسف: ٤٦] فالصحبة تُعْطِى بَرَكَاتِها وإن كانت تُبْطِي.
قوله: ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: الشهادة بالإحسان للمحسن ذريعةٌ، بها
يَتَوَسُّلُ إلى استجلاب إحسانه.

٧٨
تفسير سورة يوسف
قوله جلّ بذكره: ﴿قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُزَفَانِهِ، إِلَّا بَأْتِكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَّأَ
ذَلِكُمَا مِمَّا عَلََّنِ رَبِيَّ إِنَّى تَرَّكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ .
التَّثَبُتُ في الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم، كيوسف عليه السلام
وعدهما أن يجيبهَما ولم يُسْرِغُ الإجابةَ في الوقت.
ويقال لمَّا أَخَّرَ الإجابة عَلَّقَ قلوبَهما بالوعد؛ وإذا لم يكن نَقْدٌ فليكن وَعْدٌ.
ويقال لمَّا فاتحوه بسؤالهم قدَّم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة التوحيد
فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَلِيَّ إِ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ ... ﴾ ثم قال:
﴿ وَتَّعْتُ مِنَّةَ ءَابَآءِىٌّ إِنْزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَّا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ
مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ .
ولما فَرِغَ من تفسير التوحيد، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال:
﴿يَصَحِ السّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَغَرِفُونَ خَيْرُ أَمِ اَللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ، إِلَّ
أَسْمَاءُ سَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُم ◌َّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّ
إِيَّاهُ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
هكذا كاد يوسف عليه السلام ألا يسكتَ حين أخذ في شرح التوحيد وذكر
المعبود، وفي الخبر: (مَنْ أحبَّ شيئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ)) .
قوله جلّ ذكره: ﴿يَصَحَِى السّجْنِ أَمَّا أَعَذُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ
فَتَأْكُلُ الَّيْرُ مِن رَّأْسِةٍ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ .
اشتركا في السؤال واشتركا في الحكم وفي دخول السجن، ولكن تباينا في
المآلِ؛ واحدٌ صُلبَ، وواحِدْ قُرِّبَ ووُهِبَ .. وكذا قضايا التوحيد واختيار الحق؛ فَمِنْ
مرفوعٍ: فوق السِّماكِ (١) مَطْلَعُه، ومن مدفونٍ: تحت التراب مضجعُه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا أَذْكُرْنٍ عِندَ رَبِّكَ فَأَنَسَنُهُ
الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَيْتَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.
يتبيَّن أنَّ تعبير الرؤيا - وإنْ كان حقاً - فهو بطريق غَلَبَةِ الظَّنِّ دون القطع.
ثم إنه عاتب يوسف عليه السلام لأنه نَسِيَ في حديثه مَنْ يستعين به حين قال:
﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾.
(١) السّماك: السماكان: نجمان نيران. يقال لأحدهما السماك الرامح وللآخر السماك الأعزل. يقال:
بلغ فلان السماك؛ أي: بلغ رتبة عالية. (اللسان ٤٤٣/١٠).

_٧٩
تفسير سورة يوسف
ويقال إنه طَلَبَ مِن بَشَرِ عِوَضاً على ما عَلَّمَه، وفي بعض الكتب المنزلة: يا ابن
آدم، عَلِّمْ مجاناً كما عُلِّمْتَ مجاناً.
ولما استعان بالمخلوقٍ طال مُكْثُه في السجن، كذلك يجازي الحقُّ - سبحانه -
مَنْ يُعَلِّقُ قلبَه یمخلوق .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَانٌ وَسَبْعَ
سُتْبُلَةٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَاِسَتِّ ◌َيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُهْيَتِىَ إِن كُمْ لِلُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
كان ابتداءُ بلاءٍ يوسف - عليه السلام - بسبب رؤيا رآها فَنَشَرَها وأظهرها، وكان
سببُ نجاتِهِ أيضاً رؤيا رآها الملِكُ فأظهرها، ليُعْلَم أَنَّ اللَّهَ يفعل ما يريد؛ فكما جعل
بلَاءَه في إظهار رؤيا جعل نجاته في إظهار رؤيا؛ لِيَعْلَمَ الكافةُ أن الأمر بيد الله يفعل ما
يشاء .
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالُواْ أَضْغَاتُ أَعْلٍَّ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيِ الْأَعْلَِ بِعَلِينَ﴾.
حال الرؤيا لا يختلف بالخطأ في التعبير؛ فإنَّ القومَ حكموا بأن رؤياه أضغاثُ
أحلام(١) فلم يُضِرْه ذلك، ولم يؤثّر في صحة تأويلها .
قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَِ بِعَلِينَ﴾: مَنْ طَلَبَ الشيءَ مِنْ غيرِ موضِعه لم يَتَلْ
مطلوبه، ولم يَسْعَد بمقصوده.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِىِ نَّهَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أَنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِهِ، فَأَرْسِلُونِ﴾ .
لمَّا كان المعلومُ لله والمحكومُ أن يوسفَ عليه السلام يكون في ذلك الوقت هو
مَنْ يُعَبِّر الرؤيا - قَبَضَ القلوبَ حتى خَفِيَ عِليها تعبيرُ تلك الرؤيا، ولم يحصل للمَلِكِ
ثَلَجُ الصَّذْرِ إلا بتعبير يوسف، ليُعْلَم أنَّ اللَّهَ - سبحانه - إذا أراد أمراً سَهلَّ أسبابَه.
ويقال: إن الله تعالى أَفْرَد يوسفَ عليه السلام من بين أشكاله بشيئين: بِحُسْن
الخِلْقة وبزيادة العلم؛ فكان جمالُه سببَ بلائه، وصار علمُه سببَ نجاته، لتُعْلَمَ مزيَّةُ
العلمِ على غيره، لهذا قيل: العلم يُعْطِي وإن كان يُبْطِي.
ويقال إذا كان العلم بالرؤيا يوجِب الدنيا فالعلمُ بالمولى أَوْلَى أن يوجِبَ العقبى،
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَنْتَ تَّ رَأَبْتَ نَعِيمًا وَمُلَكَا كِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠].
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَا لَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُؤُهُ فِي سُنَبْلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا
نَأَكُونَ﴾(٢) .
(١) أضغاث أحلام: الرؤيا التي لا يصح تأويلها لاختلاطها. (اللسان ١٦٣/٢).
(٢) الآية (٤٦) لم ترد.

٨٠
تفسير سورة يوسف
لم يقدّم الدعاء إلى الله تعالى على تعبير هذه الرؤيا كما فعل في المرة الأولى،
لأن هذا السائل هو الذي دعاه في المرة الأولى. فإمَّا أنه قد قَبِلَ في المرة الثانية، وإِمَّا
أنه لم يقبل فَئِسَ منه فأهمله.
وصاحبُ الرؤيا الثانية كانت المَلِكَ وكان غائباً، والوعظ والدعاء لا يكونا إلا
في المشاهدة دون المغايبة .
ويقال يحتمل أن يكون قد تفرَّس في الفَتَيان قبولَ التوحيد فإنَّ الشباب ألينُ قلباً،
أمَّا في هذا الموضع فقد كان المَلِكُ أصلبَ قلباً وأفظَّ جانِباً؛ فلذلك لم يَدْعُه إلى
التوحيد لِمَّا تفرَّسَ فيه من الغِلظة .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ أَتْنُنِ بِ، فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْتَلْهُ مَا
بَالُ النِّسْوَةِ أَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبٍ بِكَيْدِمِنَّ عَلِيمٌ﴾ (١).
أراد عليه السلام ألا يلاحظه الملِكُ بعين الخيانة فيُسْقِطَه عيبُه من قلبه؛ فلا يؤثر
فيه قوله، فلذلك تَوقَّفَ حتى يَظْهَرَ أَمرُه للمَلِكِ وتنكشفَ براءةُ ساحته.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَ مَا خَطِبْكُنَّ إِذْ رَوَدُنَّ يُوسُفَ عَن نَفْسِهِ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا
عَلَيْهِ مِن سُوءَّ﴾ .
الحقائق لا تنكتم أصلاً ولا بُدَّ من أن تَبِينَ .. ولو بعد حين.
نُسِبَ يوسفُ إلى ما كان منه بريئاً، وأُنَّبَ على ذلك مدةً، وكان أمرُه في ذلك
خَفِيًّا. ثم إن الله تعالى دَفَعَ عنه التهمة ورفع عنه المَظَنّة، وأنطق عِذَالَه، وأظهر حالَه،
عما فرق به سرباله(٢)؛ فَقُلْنَ: ﴿حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءِّ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿قَالَتِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَّ حَصْحَصَ أَلْحَقُّ أَنَاْ رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ
الصَّدِفِينَ﴾ .
لمّا كانت امرأةٌ العزيزِ غيرَ تامّةٍ في محبة يوسف تركّتْ ذنبَهَا عليه وقالت
لزوجها: ﴿مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَدَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ولم يكن ليوسف
عليه السلام ذنب. ثمَّ لمّا تناهَتْ في محبته أقَرَّت بالذنبِ على نفسها فقالت: ﴿اَلْفَنَ
حَصْحَصَ الْحَقُّ ... ﴾ فالتناهي في الحبِّ يوجب هتكَ الستر، وقلة المبالاة بظهور
الأمر (٣) والسِّر، وقيل:
لِيُقلْ مَنْ شاءَ ما شاء فإني لا أبالي
(١) الآيتان (٤٨ - ٤٩) لم تردا.
(٢) السربال: ما يُليس من قميص أو درع (ج) سرابيل.
(٣) انظر الرسالة القشيرية ص ٣١٧ - ٣٢٩ عند حديث القشيري عن المحبة.